فَقَالَ: "مَا تُسَمُّونَ هَذِهِ؟ "، قَالُوا: السَّحَابَ، قَالَ: "وَالْمُزْنَ"، قَالُوا: وَالْمُزْنَ، قَالَ: "وَالْعَنَانَ"، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالُوا: وَالْعَنَانَ، قَالَ: "كَمْ تَرَوْنَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ؟ "، قَالُوا: لَا نَدْرِي، قَالَ: "فَإِنَّ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا إِمَّا وَاحِدًا أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ سَنَةً،
===
أي: إلى تلك السحابة رسول الله ﷺ ، (فقال) رسول الله ﷺ : (ما تسمون) أي: بأي اسم تسمون (هذه) السحابة؟
(قالوا): نسميها (السحاب، قال) رسول الله ﷺ : (و) هل تسمونها (المزن؟ قالوا: و) نسميها (المزن) أيضًا، قال في "النهاية": المزن هو الغيم والسحاب واحدته مزنة، وقيل: هي السحابة البيضاء، (قال) رسول الله ﷺ : (و) هل تسمونها (العنان؟ قال أبو بكر: قالوا: و) نسميها (العنان) أيضًا.
قال السندي: قوله "قالوا: السحاب" بالنصب؛ أي: نسميه السحاب، أو بالرفع؛ أي: هي السحاب، وكذا الوجهان في المزن والعنان، والمزن -بضم الميم-: السحاب أو أبيضه، والعنان كسحاب وزنًا ومعنىً من عن بمعنى ظهر، وفي "النهاية": العنان- بالفتح-: السحاب والواحدة عنانة، وقيل: ما عنَّ لك منها؛ أي: اعترض وبدا لك إذا رفعت رأسك. انتهى.
(قال) رسول الله ﷺ : (كم ترون) أي: كم تظنون بُعْد ما (بينكم وبين السماء؟ قالوا: لا ندري) ولا نعلم قدر بعد ما بيننا وبينها، (قال) رسول الله ﷺ : (فإن بينكم) يا أهل الأرض (وبينها) أي: بين السماء (إما واحدًا) وسبعين سنة؛ أي: بُعْد ما بينكم وبينها إما مسافة إحدى وسبعين سنة، (أو) بينكم وبينها (اثنتين) وسبعين سنة، (أو ثلاثًا وسبعين سنة) قيل: و (إما) و (أو) للشك من الراوي، وقيل: للتنويع، قال
стр. 597
وَالسَّمَاءُ فَوْقَهَا كَذَلِكَ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، ثُمَّ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرًا بَيْنَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ كَمَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ
===
الأردبيلي: الرواية في خمس مئة أكثر وأشهر، فإن ثبت هذا .. فيحتمل أن يقال: إن ذلك باختلاف قوة الملك وضعفه وخفته وثقله، فيكون بسير القوي أقل وبسير الضعيف أكثر، وإليه الإشارة بقوله ﷺ : "إما واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا وسبعين". انتهى.
قال الطيبي: المراد بالسبعين في الحديث: التكثير، لا التحديد؛ لما ورد من أن ما بين السماء والأرض وبين سماء وسماء مسيرة خمس مئة عام، ورد بأنه لا فائدة حينئذ لزيادة واحد واثنين.
قلت: لعل التفاوت لتفاوت السائر؛ إذ لا يقاس سير الإنسان بسير الفرس، وفي "بذل المجهود": إنما نبه بتلك الأسماء على أنها حقيقة في السماء المقصود ذكرها، وإن كان يطلق على السحاب أو بالعكس، والله أعلم.
قال رسول الله ﷺ : (والسماء فوقها) أي: فوق السماء الدينا؛ يعني: الثانية (كذلك) أي: ما بينها وبين السماء الدنيا، كما بين سماء الدنيا والأرض في البعد؛ أي: إن بعد مسافة ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ذكر ذلك؛ أي: قوله: والسماء فوقها كذلك (حتى عد سبع سماوات، ثم) إن (فوق السماء السابعة بحرًا) بالنصب معطوف على اسم إن في قوله: "فإن بينكم"، وبالرفع على أنه مبتدأ مؤخر للظرف، وجملة قوله: (بين أعلاه وأسفله ... ) إلى آخره .. صفة لبحر؛ أي: إن بُعد ما بين أعلى ذلك البحر وأسفله (كما بين سماء إلى سماء) أي: مثل بعد ما بين سماء إلى سماء.
(ثم فوق ذلك) البحر (ثمانية أوعال) بالنصب والرفع على الوجهين السابقين، جمع وَعِل -بفتح فكسر- وهو التيس الجبلي، والمراد: ملائكة على
стр. 598
بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ وَرُكَبِهِنَّ كَمَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِنَّ الْعَرْشُ بَيْنَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ كَمَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ اللهُ فَوْقَ ذَلِكَ ﵎".
===
صورة الأوعال (بين أظلافهن) أي: أظلاف تلك الأوعال، جمع ظلف بالكسر؛ وهو للبقر والغنم والظبي كالحافر للفرس والدابة، والخف للبعير، (وركبهن) أي: ركب تلك الأوعال -بضم ففتح- جمع ركبة؛ وهو المفصل بين الساق والفخذ (كما بين سماء إلى سماء) أي: بعد ما بين أظلافهن وركبهن مثل بعد مسافة ما بين سماء إلى سماء.
(ثم على ظهورهن) أي: على ظهور تلك الأوعال جمع ظهر؛ وهو عمود البطن الذي يعتمد عليه، معروف، سمي ظهرًا؛ لظهوره من كل حيوان (العرش) أي: هو محمول على ظهورهن (بين أعلاه) أي: أعلى العرش (وأسفله كما بين سماء إلى سماء) أي: من شدة البعد مع قطع النظر عن الحد، وإلا .. فجميع المخلوقات بجنب العرش كحلقة في فلاة على ما ورد به الحديث؛ أي: إن بعد مسافة ما بين أعلى العرش وأسفله كمثل بعد ما بين سماء إلى سماء.
(ثم الله) (فوق ذلك ﵎ أي: فوق العرش، وفيه دليل على أنه تعالى فوق العرش، وهذا هو المذهب الحق الذي عليه نلقى الله، وعليه تدل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وهو مذهب السلف الصالحين من الصحابة والتابعين وغيرهم من أهل العلم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
قالوا: إن الله تعالى استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والجهمية قد أنكروا العرش وأن يكون الله فوقه، وقالوا: إنه في كل مكان، ولهم مقالات قبيحة باطلة، وإن شئت الوقوف على
стр. 599
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
دلائل مذهب السلف والاطلاع على رد مقالات الجهمية .. فعليك أن تطالع كتاب "الأسماء والصفات" للبيهقي، وكتاب "أفعال العباد" للبخاري، وكتاب "العلو" للذهبي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود؛ أخرجه في كتاب السنة، باب في الجهمية، والترمذي؛ أخرجه في كتاب التفسير، باب ومن سورة الحاقة من طريق عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن سعد عن عمرو بن قيس عن سماك بن حرب، وقال: هذا حديث حسن غريب، روى الوليد بن أبي ثور عن سماك نحوه ورفعه، وروى شريك عن سماك بعض هذا الحديث، ووقفه ولم يرفعه، قال عبد بن حميد: سمعت يحيى بن معين يقول: ألا يريد عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الرازي أن يحج حتى يسمع منه هذا الحديث في موسم الحج للرد على الجهمية.
قلت: وأخرجه أبو داوود من ثلاث طرق؛ اثنتان منها قويتان، وأخرجه أبو داوود وابن ماجه من طريق الوليد بن أبي ثور.
قال الحافظ ابن القيم في "تعليقات سنن أبي داوود": أما رد الحديث بالوليد بن أبي ثور .. ففاسد؛ فإن الوليد لم ينفرد به، بل تابعه عليه إبراهيم بن طهمان كلاهما عن سماك، ومن طريقه رواه أبو داوود، ورواه أيضًا عمرو بن أبي قيس عن سماك، ومن حديثه رواه الترمذي عن عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرحمن بن سعد بن عمرو بن أبي قيس. انتهى.
ورواه ابن ماجه من طريق الوليد بن أبي ثور عن سماك، وأي ذنب للوليد في هذا، وأي تعلق عليه؟ إنما ذنبه روايته ما يخالف قول الجهمية. انتهى كلامه مختصرًا، انتهى من "تحفة الأحوذي".
стр. 600
(٧٠) - ١٩٢ - (١٨) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَضَى اللهُ أَمْرًا
===
فالحديث درجته: حسن، وإن كان ضعيف السند في "ابن ماجه"، وغرضه: الاستشهاد به، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى سادسَ عَشْرِهِ لحديث جرير بحديث أبي هريرة ﵄، فقال:
(٧٥) - ١٩٢ - (١٨) (حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب) المدني.
قال مسلمة: ثقة، وقال ابن معين: ثقة مأمون صاحب حديث، وكان من أمناء القضاة زمانًا، وقال في "التقريب": صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ)، أو إحدى وأربعين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الأعور أبو محمد الكوفي، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن دينار) الجمحي مولاهم أبي محمد المكي الأثرم، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عكرمة) بن عبد الله مولى ابن عباس أبي عبد الله المكي، ثقة عالم بالتفسير، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) الدوسي المدني ﵁.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله اثنان منهم مدنيان، واثنان مكيان، وواحد كوفي، وحكمه: الصحة.
(أن النبي ﷺ قال: إذا قضى الله) (أمرًا)
стр. 601
فِي السَّمَاءِ .. ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا خِضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فـ ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ
===
أي: حكم الله بأمر من الأمور، وأعلن (في) أهل (السماء) أي: تكلم به .. (ضربت الملائكة أجنحتها) أي: بعضها ببعض، حالة كونهم (خضعانًا) أي: خاضعين (لقوله) وقضائه سبحانه، وهو بضم الخاء المعجمة وسكون الضاد مصدر خضع؛ كالغفران والكفران، ويروى بالكسر؛ كالوجدان والعرفان، وبفتحتين؛ كالتوقان والجلوان من الخضوع، وهو جمع كالحيوان فيكون حالًا، وإن كان مصدرًا .. جاز أن يكون مفعولًا مطلقًا، لما في ضرب الأجنحة من معنى الخضوع.
أي: ضربتْ ضرب خضوع؛ وذلك لأن الطائر إذا استشعر خوفًا .. أرخى جناحيه مرتعدًا (كأنه) كذا في رواية البخاري؛ أي: كأن القول المسموع لهم، وفي رواية الترمذي: (كأنها) أي: كأن كلماته المسموعة لهم (سلسلة) أي: صوت سلسلة من حديد وقعت (على صفوان) أي: على حجر أملس، فـ ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾) -بضم الفاء وتشديد الزاي على صيغة المبني للمجهول- أي: كشف عنهم الفزع وأزيل عنهم الخوف .. (﴿قَالُوا﴾) أي: قال بعضهم لبعض وسأله: (﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾) أي: قال الملائكة المقربون: قال ربنا (﴿الْحَقَّ﴾) أي: قال الله القول الحق، قيل: المجيبون هم الملائكة المقربون؛ كجبريل وميكائيل وغيرهما.
قلت: ويؤيده حديث ابن مسعود عند أبي داوود قال: "إذا تكلم الله بالوحي .. سمع أهل السماوات صلصلة كجر السلسلة على الصفاة فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاء فزع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبريل؛ ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق".
стр. 602
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، قَالَ: فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ بَعْضُهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ، فَيَسْمَعُ الْمَلَائِكَةَ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا إِلَى الَّذِي تَحْتَهُ، فَيُلْقِيهَا عَلَى لِسَانِ الْكَاهِنِ أَوِ السَّاحِرِ، فَرُبَّمَا لَمْ يُدْرَكْ حَتَّى يُلْقِيَهَا، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ، فَتَصْدُقُ تِلْكَ الْكَلِمَةُ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ".
===
فيقولون: الحق، (﴿وَهُوَ﴾) سبحانه (﴿الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾) (١) أي: ذو العلو باتصافه بالكمالات، والكبرياء بتنزهه عن النقائص، (قال) رسول الله ﷺ : (فيسمعها) أي: فيسمع تلك الكلمة (مسترقو السمع) أي: الشياطين الذين يسرقون سماع كلمات الملائكة (بعضهم) أي: بعض الشياطين (فوق بعض) آخر؛ أي: حالة كونهم متراكبين لاستراق السمع (فيسمع) أي: البعض الذي كان فوق (الملائكة) بالنصب (الكلمة) بدل اشتمال من الملائكة؛ أي: فيسمع الشيطان الذي يسترق السمع الكلمة التي تتكلم بها الملائكة.
(فيلقيها) أي: ذلك البعض تلك الكلمة المسموعة له (إلى من تحته) من الشياطين، (فربما أدركه) أي: أدرك ذلك البعض وأحرقه (الشهاب) أي: الشعلة التي يرمى بها (قبل أن يلقيها) أي: يلقي الكلمة المسموعة له (إلى الذي تحته) من الشياطين، (فيلقيها) أي: يلقي تلك الكلمة الذي تحته (على لسان الكاهن، أو) قال: فيلقيها على لسان (الساحر) والشك من الراوي أو ممن دونه، (فربما لم يدرك) ـه الشهاب (حتى يلقيها) على لسان الكاهن، (فيكذب) الكاهن (معها) أي: مع تلك الكلمة الصادقة؛ أي: يزيد عليها (مئة كذبة، فتصدق تلك الكلمة التي سمعت من السماء) أي: تكون صادقة،
стр. 603
(٧١) - ١٩٣ - (١٩) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ،
===
فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا من الأخبار؟ فيصدق بتلك الكلمة التي من السماء.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: البخاري؛ أخرجه في كتاب التفسير، باب (حتى إذا فزع)، وفي كتاب التوحيد باب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (١) وأبو داوود؛ أخرجه في كتاب الحروف والقراءات، والترمذي؛ في كتاب التفسير، باب ومن سورة سبأ، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى سابعَ عَشْرِهِ لحديث جرير بحديث أبي موسى الأشعري ﵄، فقال:
(٧١) - ١٩٣ - (١٩) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفي.
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي.
(عن عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق بن الحارث الهمداني المرادي الجملي: نسبة إلى جمل بن كنانة المرادي أبي عبد الله الكوفي الأعمى، ثقة عابد، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
стр. 604
عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ
===
(عن أبي عبيدة) -مصغرًا- عامر بن عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي. روى عن: أبي موسى الأشعري، وعمرو بن الحارث، وكعب بن عجرة، ويروي عنه: (ع)، وعمرو بن مرة، وثقه ابن حبان، من كبار الثالثة، مات بعد الثمانين.
(عن أبي موسى) الأشعري عبد الله بن قيس الكوفي الصحابي الجليل ﵁ وأرضاه.
وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم كوفيون، وحكمه: الصحة.
(قال) أبو موسى: (قام فينا) معاشر الصحابة (رسول الله ﷺ خطيبًا ومذكرًا لنا (بخمس كلمات) وفصول وجمل، فقوله: "فينا" و"بخمس كلمات" مترادفان أو متداخلان، ويحتمل أن يكون فينا متعلقًا بقام على تضمين معنى خطب، وبخمس حالًا؛ أي: خطب قائمًا مذكرًا بخمس كلمات، والقيام على الوجهين على ظاهره، ويحتمل أن يكون بخمس متعلقًا بقام و (فينا) بيانًا، والقيام على هذا من قام بالأمر: شمر وتجلد له؛ أي: تشمر بحفظ هذه الكلمات، وكأن السامع حين سمع ذلك قال في حقها. كذا ذكره الطيبي.
والأقرب أن المعنى: قام فيما بيننا بتبليغ خمس كلمات؛ أي: بسببه، فالجاران متعلقان بالقيام وهو على ظاهره؛ وذلك أن تجعل القيام من قام بالأمر، وتجعل (فينا) بيانًا له متعلقًا به أيضًا (بخمس كلمات) أي: بخمس فصول، والكلمة لغة: تطلق على الجملة المركبة المفيدة؛ أي: بين لنا بخمس كلمات واعظًا لنا.
стр. 605
فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، وَيُرْفَعُ إِلَيهِ
===
(فقال) في بيان أولاها: (إن الله) (لا ينام) أي: لا يقع منه النوم؛ إذ النوم لاستراحة القوى والحواس، وهي على الله تعالى محال (ولا ينبغي له) ؛ أي: لا يصح ولا يليق به ولا يستقيم له (أن ينام)، فالكلمة الأولى دالة على عدم صدور النوم منه، والثانية دالة على استحالته عليه تعالى، ولا يلزم من عدم الصدور استحالته، فلذلك ذكرت الكلمة الثانية بعد الأولى.
وقال في بيان ثانيتها: (يخفض القسط) أي: يقتِّر الرزق على من يشاء من عباده (ويرفعه) أي: يبسط الرزق على من يشاء من عباده، فالقسط هنا بمعنى الرزق، وحفضه تقتيره وتضييقه على من يشاء، ورفعه بسطه وتوسعته على من يشاء، قيل: أريد بالقسط الميزان، وسمي الميزان قسطًا؛ لأنه يقع به المعدلة في القسمة، وهو الموافق لحديث أبي هريرة: "يرفع الميزان ويخفضه".
والمعنى: إن الله تعالى يخفض ويرفع ميزان أعمال العباد المرتفعة إليه وأرزاقهم النازلة من عنده، كما يرفع الوزان يده ويخفضها عند الوزن، فهو تمثيل وتصوير لما يقدر الله تعالى وينزل، ويحتمل أنه أشار إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (١) أي: إنه يحكم بين خلقه بميزان العدل، فأمره كأمر الوزان الذي يزن فيخفض يده ويرفعها، وهذا المعنى أنسب بما قبله؛ كأنه قيل: كيف كان يجوز عليه النوم وهو الذي يتصرف أبدًا في ملكه بميزان العدل، (و) قال في بيان ثالثتها: (يرفع إليه) أي: إلى الله ، ولكنه على حذف مضاف؛ أي: يرفع إلى خزائنه ليحفظ إلى يوم الجزاء، والمراد: المحل الذي تنتهي إليه الملائكة بأعمال العباد، ولعله سدرة المنتهى، وهذا
стр. 606
عَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، وَعَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، حِجَابُهُ النُّورُ
===
كما تقول: رفع المال إلى الملك؛ أي: إلى خزائنه، وعلى هذا يحمل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ (١).
(عمل النهار) أي: أعمال عباده في النهار (قبل) الأخذ والشروع في كتابة (عمل الليل، و) يرفع إليه (عمل الليل) أي: أعمالهم في الليل (قبل) الأخذ والشروع في كتابة (عمل النهار) يعني: أن الملائكة الموكلين بنا تحصي علينا عمل اليوم، فترفعه في آخره بقرب الليل، وكذلك في الليل ترفعه بقرب النهار.
ومعناه -والله أعلم-: يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار الذي بعده، وعمل النهار قبل عمل الليل الذي بعده.
وفي رواية: "يرفع إليه عمل النهار بالليل، وعمل الليل بالنهار" قال القرطبي: معنى ما في الرواية الأولى يرفع إليه عمل النهار قبل الأخذ في عمل الليل؛ أي: في آخر النهار، ومعنى ما في الرواية الثانية: يرفع إليه عمل النهار بقرب الأخذ في عمل الليل، فتتفق الروايتان على أن رفع عمل الليل في آخره.
وقال في بيان رابعتها: (حجابه) ؛ أي: حجاب الله الذي يحجب الخلق عن رؤيته (النور) والحجاب في أصله في اللغة: المنع والستر، والمراد به هنا: هو الحائل بين الرائي والمرئي، وسمي ذلك الحائل نورًا؛ لأنه يمنع من الإدراك في العادة لشعاعه.
وعبارة "المفهم" هنا: والحجاب هو المانع والساتر، ومنه سمي المانع من الأمير حاجبًا، وهو مضاف إلى الله تعالى إضافة ملك واختراع، أو إضافة تشريف، والمحجوب به هم العباد، وهو النور الذي بهر النبي ﷺ حيث قال: "نور أنى أراه"، والمراد ها هنا هو المانع للخلق عن إبصاره
стр. 607
لَوْ كَشَفَهُ .. لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ".
===
في دار الفناء، وليس الكلام في دار البقاء، فلا يرد أن الحديث يدل على امتناع الرؤية في الآخرة، وكذا لا يرد أنه ليس له مانع عن الإدراك، فكيف قيل: حجابه النور؛ يريد أن حجابه على خلاف الحجب المعهودة، فهو محتجب على الخلق بأنوار عزه وجلاله وسعة عظمته وكبريائه، وذلك هو الحجاب الذي تدهش دونه العقول وتذهب الأبصار وتتحير البصائر.
وقال في بيان خامستها: (لو كشفه) أي: لو كشف الله ذلك الحجاب الذي حجبهم عن رؤيته تعالى .. (لأحرقت سبحات وجهه) تعالى؛ أي: عظمة ذاته تعالى وبهاؤها وجلالها ومحاسنها (ما) مفعول أحرقت؛ أي: المخلوق الذي (انتهى إليه) عائد إلى ما الموصول أو الموصوفة (بصره) تعالى، فاعل انتهى، والضمير فيه وفي وقوله: (من خلقه) عائد على الله تعالى، والجار والمجرور فيه حال من ما الموصولة.
والمعنى: لو كشف ذلك الحجاب الذي منعهم من رؤيتهم له تعالى وأزاله .. لأحرقت وأهلكت محاسن وجهه وذاته تعالى وجماله وجلاله وبهاؤه ما؛ أي: شيئًا انتهى ووصل إليه؛ أي: إلى ذلك الشيء بصره تعالى، حالة كون ذلك الشيء من مخلوقه تعالى.
والخلاصة: لو أزال المانع من رؤيته تعالى وهو الحجاب المسمى نورًا، وتجلى لخلقه .. لأحرق جلال ذاته جميع مخلوقاته، والسبحات -بضمتين-: جمع سبحة، كغرفة وغرفات، وفسر سبحات الوجه بجلالته، وقيل: بمحاسنه؛ لأنه إذا رأيت الوجه الحسن .. قلت: سبحان الله، وقيل: إنها الأنوار التي إذا رآها الراؤون من الملائكة سبحوا وهللوا لما يروعهم من جلال الله وعظمته.
стр. 608
(٧٢) - ١٩٤ - (٢٠) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ،
===
قلت: ظاهر الحديث يفيد أن سبحات الوجه لا تظهر لأحد، وإلا .. لاحترقت المخلوقات، فكيف يقال: إن الملائكة يرونها؟ ! فليتأمل.
قوله: "ما انتهى إليه بصره" أي: كل مخلوق انتهى إلى ذلك المخلوق بصره تعالى، ومعلوم أن بصره محيط بجميع المخلوقات مع وجود الحجاب، فكيف إذا كشف؟ ! فهذا كناية عن هلاك المخلوقات أجمع، وقيل: المراد ما انتهى بصره إلى الله تعالى؛ أي: كل من يراه يهلك، فكأنهم راعوا أن الحجاب مانع عن إبصارهم، فعند الرفع ينبغي أن يعتبر إبصارهم، وإلا .. فإبصاره تعالى دائم، فليتأمل.
وقيل: المراد بالبصر النور، والمعنى: أي كل مخلوق انتهى إلى ذاك نوره تعالى، وقوله: "من خلقه" على الوجوه كلها .. بيان لما في قوله: "ما انتهى إليه بصره"، وفي رواية: (لو كشفها) لعل تأنيث الضمير بتأويل النور بالأنوار. انتهى من "السندي".
وقد بسطنا الكلام على هذا الحديث في "شرحنا على مسلم بن الحجاج" بما لا مزيد عليه، والله أعلم.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: مسلم؛ أخرجه في كتاب الإيمان، باب (٧٩).
* * *
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي موسى ﵁، فقال:
(٧٢) - ١٩٤ - (٢٠) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق بن أبي شداد الطنافسي الكوفي.
стр. 609
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى
===
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي.
(حدثنا المسعودي) عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي، أحد الأئمة الكبار، سيئ الحفظ. روى عن: عمرو بن مرة، وعون بن عبد الله، وأبي إسحاق السبيعي، وأبي إسحاق الشيباني، وغيرهم، ويروي عنه: (عم)، ووكيع، والسفيانان، وشعبة وهم من أقرانه، وجعفر بن عون، وغيرهم.
وقال أبو الحسن بن القطان: اختلط حتى كان لا يعقل فضعف حديثه، وكان لا يتميز في الأغلب ما رواه قبل اختلاطه مما رواه بعد، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: سماع وكيع من المسعودي قديم وأبو نعيم أيضًا، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالكوفة والبصرة .. فسماعه جيد، ومن سمع منه ببغداد .. فبعد الاختلاط، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: تغير قبل موته بسنة أو سنتين، وقال في "التقريب": صدوق، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، وقيل: خمس وستين.
(عن عمرو بن مرة) الهمداني الكوفي.
(عن أبي عبيدة) عامر بن عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي.
(عن أبي موسى) الأشعري ﵁.
وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم كوفيون، وحكمه: الصحة، وغرضه بسوقه: بيان متابعة المسعودي الأعمش في رواية هذا الحديث عن عمرو بن مرة، وفائدتها: بيان كثرة طرقه، وكرر متن الحديث؛ لما في هذه الرواية من المخالفة للأولى في بعض الكلمات
стр. 610
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهَا .. لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ"، ثُمَّ قَرَأَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
===
(قال) أبو موسى: (قال رسول الله ﷺ : إن الله) (لا ينام)، كما قال في كتابه العزيز: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (١) (ولا ينبغي له) أي: لا يصح ولا يستقيم له (أن ينام، يخفض القسط) أي: يقبض الرزق عمن يشاء، (ويرفعه) أي: يبسطه لمن يشاء (حجابه) أي: الحجاب الذي يحجب الخلق عن رؤيته في الدنيا (النور، لو كشفها) أي: لو كشف تلك الأنوار عن أبصارهم، ولعل تأنيث الضمير بتأويل النور بالأنوار، كما مر .. الأحرقت سبحات وجهه) أي: محاسن ذاته وبهاؤه (كل شيء) بالنصب مفعول به لأحرقت (أدركه) أي: أدرك الله ورآه (بصره) أي: بصر ذلك الشيء، وهو فاعل أدرك.
وهذا الحديث: صحيح كما مر، وغرضه بسوقه: بيان المتابعة، والله أعلم.
(ثم) بعد رواية هذا الحديث (قرأ أبو عبيدة) عامر بن عبد الله بن مسعود مصداق هذا الحديث قوله تعالى: (﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) (٢)، أول هذه الآية مع تفسيرها: (فلما جاءها) أي: فلما جاء موسى تلك الشعلة التي ظنها نارًا .. (نودي) موسى من قبل الله تعالى بـ (أن بورك من في) مكان (النار) وهو موسى ﵇ (ومن حولها) أي: بورك من كان
стр. 611
(٧٣) - ١٩٥ - (٢١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ،
===
حول مكان النار وهم الملائكة؛ أي: نودي ببركة من في النار؛ أي: بتطهيره مما يشغل قلبه عن غير الله تعالى وتخليصه للنبوة والرسالة؛ أي: ناداه الله تعالى بأنا قدسناك واخترناك للرسالة، وهذه تحية من الله تعالى لموسى ﵇ وتكرمة له، (وسبحان الله رب العالمين)، وهذا من كلام الله مع موسى نزه الله تعالى نفسه عما لا يليق به في ذاته، وحكمته: ليكون ذلك مقدمة في صحة رسالة موسى ﵇، وإعلامًا بأن ذلك الأمر مكونه رب العالمين، وعلم موسى أن النداء من الله لما دل على ذلك من أن النار كانت مشتعلة على شجرة خضراء لم تحترق.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثامنَ عشرِهِ لحديث جرير بحديث أبي هريرة ﵄، فقال:
(٧٣) - ١٩٥ - (٢١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) الكوفي.
قال: (حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي، مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة، متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي المدني، إمام المغازي، صدوق، يدلس، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني.
(عن الأعرج) عبد الرحمن.
стр. 612
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "يَمِينُ اللهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا شَيْءٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَآلنَّهَارَ،
===
(عن أبي هريرة) الدوسي المدني ﵁.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله أربعة منهم مدنيون، وواحد كوفي، وواحد واسطي، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(عن النبي ﷺ قال: يمين الله) ؛ أي: يده اليمنى (ملأى) أي: مملوءة بالأرزاق كثيرة العطاء، والمراد من قوله: "ملأى": لازمه؛ وهو أنه في غاية الغنى، وعنده من الرزق ما لا نهاية له في علم الخلائق، واليمين صفة ثابتة لله تعالى، نثبتها ونعتقدها لا نكيفها ولا نمثلها، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وملأى على زنة فعلى مؤنث ملآن، أنثه لتأنيث اليمين، وهو خبر أول ليمين الله، وخص اليمين بالذكر لأنها مظنة العطاء، وقوله: (لا يغيضها) أي: لا ينقص ما فيها من الخزائن (شيء) من الإعطاء ولو كثر، خبر ثان ليمين الله، يقال: غاض الماء وغاضه الله لازم ومتعد.
وقوله: (سحاء) - بتشديد الحاء والمد- صيغة مبالغة خبر ثالث؛ أي: دائمة الصب والهطل بالعطاء مأخوذ من السح وهو الصب الدائم، يقال: سح يسح بكسر السين وضمها في المضارع؛ إذا أعطى عطاءً كثيرًا كالمطر، ويقال: سح المطر إذا نزل بكثرة، وقوله: (الليل والنهار) بالجر على الإضافة والنصب على الظرفية؛ أي: كثيرة الصب والعطاء في الليل والنهار؛ أي: في جميع الأزمنة، والمراد: عدم الانقطاع لمادة عطاء الله تعالى.
قيل: ما أتم هذه البلاغة وأحسن هذه الاستعارة! فلقد نبه رسول الله ﷺ بهذا اللفظ على معان دقيقة؛ منها: وصف يده تعالى
стр. 613
وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْمِيزَانُ؛ يَرْفَعُ الْقِسْطَ وَيَخْفِضُ، قَالَ: أَرَأَيْتَ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِمَّا فِي يَدَيْهِ شَيْئًا".
===
في الإعطاء بالتفوق والاستعلاء؛ فإن السح إنما يكون من علو، ومنها: أنها المعطية عن ظهر غنىً؛ لأن المائع إذا انصب من فوق .. انصسب بسهولة، ومنها: جزالة عطاياه سبحانه؛ فإن السح يستعمل فيما ارتفع عن حد التقاطر إلى حد السيلان، ومنها: أنه لا مانع؛ لأن الماء إذا أخذ في الانصباب من فوق .. لم يستطع أحد أن يرده. انتهى "سندي".
(وبيده) سبحانه (الأخرى) أي: غير اليمين (الميزان) أي: العدل بين الكائنات (يرفع) أي: يظهر (القسط) والعدل وينزله إلى الأرض تارةً، (ويخفض) أي: يخفي العدل ويزيله من بينهم، فيغلب الجور فيهم تارة أخرى، وقيل: المعنى: (يرفع القسط) أي: يبسط الرزق لمن يشاء، (ويخفض) أي: يقلل الرزق ويقتره على من يشاء، وقد يكونان عبارةً عن تصرف المقادير في الخلق بالعز والذل، كما في "النواوي".
ثم (قال) رسول الله ﷺ : (أرأيت) أي: أعلمت (ما أنفق) الله ، و (ما) مصدرية؛ أي: أعلمت وأبصرت أيها المخاطب إنفاق الله (منذ خلق الله) أي: من يوم خلق (السماوات والأرض؛ فإنه) الضمير فيه عائد للإنفاق المعلوم من أنفق؛ أي: فإن ذلك الإنفاق (لم ينقص مما في يديه) من الخزائن (شيئًا) قليلًا ولا كثيرًا؛ فإن خزائنه على ما كانت عليه يوم خلق السماوات والأرض.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: الترمذي؛ أخرجه في كتاب التفسير، باب ومن سورة المائدة، وقال: وهذا الحديث حسن صحيح، وأخرجه الشيخان أيضًا.
стр. 614
(٧٤) - ١٩٦ - (٢٢) حَدّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِقْسَمٍ،
===
ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى تاسعَ عَشرِهِ لحديث جرير بحديث ابن عمر ﵃، فقال:
(٧٤) - ١٩٦ - (٢٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير -مصغرًا- ابن ميسرة بن أبان السلمي أبو الوليد الدمشقي، وثقه العجلي وابن معين، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(ومحمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي أبو جعفر التاجر الأموي مولاهم؛ مولى عمر بن عبد العزيز، قال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، قال البخاري وابن حبان في "الثقات": مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٥ هـ)، من العاشرة. يروي عنه: (د ق).
كلاهما: (قالا: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
قال: (حدثني أبي) أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج التمار المدني، ثقة عابد، من الخامسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله بن مقسم) القرشي مولى ابن أبي نمر المدني، وثقه أبو داوود والنسائي وأبو حاتم ويعقوب بن سفيان، وقال في "التقريب": ثقة مشهور، من الرابعة. يروي عنه: (خ م د س ق).
стр. 615
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: "يَأْخُذُ الْجَبَّارُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدِهِ" وَقَبَضَ بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَقْبِضُهَا وَيَبْسُطُهَا
===
(عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب القرشي العدوي أبي عبد الرحمن المكي رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم مدنيون، وواحد مكي، وواحد دمشقي، أو جرجرائي، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أنه) أي: أن ابن عمر (قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو) أي: والحال أنه ﷺ قائم (على المنبر يقول: يأخذ) أي: يقبض (الجبار) ﷻ (سماواته) السبع (وأرضه بيده) المقدسة، وفي رواية مسلم: (بيديه) بالتثنية، (وقبض) رسول الله ﷺ ورفع (بيده) الشريفة؛ ليريهم كيفية القبض ويمثل لهم، (فجعل) رسول الله ﷺ (يقبضها) أي: يقبض أصابع يده (ويبسطها) أي: ينشرها ليصور لهم كيفية السماوات والأرض المبسوطتين أولًا، ثم المقبوضتين يومئذ.
وفي رواية مسلم عن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يطوي الأرضين بشماله" قال القاضي: وفي هذا الحديث ثلاثة ألفاظ: يقبض ويطوي ويأخذ، كله بمعنى الجمع؛ لأن السماوات مبسوطة والأرضين مدحوة وممدودة، ثم يرجع ذلك إلى معنى الرفع والإزالة وتبديل الأرض غير الأرض والسماوات، فعاد كله إلى ضم بعضها إلى بعض ورفعها وتبديلها بغيرها، قال: وقبض النبي ﷺ أصابعه وبسطها تمثيل لقبض هذه المخلوقات وجمعها
стр. 616
"ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْجَبَّارُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ ، أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ "، قَالَ: وَيَتَمَيَّلُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارهِ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّكُ مِنْ أَسْفَلِ شَيءٍ مِنْهُ؛ حَتَّى إِنِّي أَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ .
===
بعد بسطها، وحكاية المبسوط والمقبوض وهو السماوات والأرضون، لا إشارة إلى القبض والبسط الذي هو صفة القابض والباسط ، ولا تمثيل لصفة الله تعالى المسماة باليد؛ لأنها لا تمثل ولا تكيف، ليست بجارحة كيدنا. انتهى.
وقوله: (ثم يقول) الله سبحانه معطوف على قوله: "يأخذ الجبار" أي: ثم يقول الله سبحانه: (أنا الجبار) الذي يجبر عباده على ما يريد، (أين) الملوك (الجبارون) الذين يجبرون رعيتهم على ما لا يطيقون؟ (أين المتكبرون) الذين يتكبرون على الفقراء والمساكين بجاههم ودنياهم؟ (قال) ابن عمر: (ويتميل رسول الله ﷺ أي: وكان رسول الله يتكلف بالميل؛ لأن باب التَّفعُّل يدل على التكلف (عن يمينه وعن يساره) إشارة إلى شدة الأمر والهول يومئذ، وإلى زلزلة الأرض والسماوات حين طيها وقبضها (حتى نظرت إلى المنبر يتحرك) من تحته (من أسفل شيء منه) إلى أعلاه؛ لأن بحركة الأسفل يتحرك الأعلى (حتى إني أقول) في نفسي أو أتردد: (أساقط هو) أي: هل المنبر ساقط (برسول الله ﷺ أم لا؟ لشدة تمايله، والاستفهام جرى بينه وبين نفسه.
قال النواوي: ويحتمل أن تحركه بحركة النبي ﷺ بهذه الإشارة، وقال القاضي: ويحتمل أن يكون بنفسه هيبة لسمعه كما حن الجذع، ثم قال: والله أعلم بمراد نبيه ﷺ فيما ورد في هذه الأحاديث
стр. 617
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من مشكل، ونحن نؤمن بالله تعالى وصفاته ولا نشبه شيئًا به ولا نشبهه بشيء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) وما قاله رسول الله ﷺ وثبت عنه .. فهو حق وصدق، فما أدركنا علمه .. فبفضل الله تعالى، وما خفي علينا .. آمنا به ووكلنا علمه إليه تعالى. انتهى "نووى".
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: مسلم؛ أخرجه في كتاب صفات المنافقين، باب صفة القيامة والجنة والنار.
فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
قال السندي: والحق في هذا الحديث، وكذا فيما قبله وما بعده .. ما ذكره المحققون، قال البغوي في "شرح السنة": كل ما جاء في الكتاب والسنة من هذا القبيل في صفاته تعالى؛ كالنفس والوجه والعين والإصبع واليد والرجل والإتيان والمجيء والنزول إلى السماء والاستواء على العرش والضحك والفرح .. فهذه ونظائرها صفات الله تعالى ، ورد بها السمع، فيجب الإيمان بها وإمرارها على ظاهرها، معرضًا فيها عن التأويل، مجتنبًا عن التشبيه معتقدًا أن الباري لا تشبه صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وعلى هذا مضى سلف الأمة وعلماء السنة تلقوها جميعًا بالقبول وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله تعالى؛ كما أخبر سبحانه عن الراسخين في العلم، فقال : ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (٢) قال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله به نفسه في
стр. 618
(٧٥) -١٩٧ - (٢٣) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ
===
كتابه .. فتفسيره قراءته والسكوت عليه، ليس لأحد أن يفسره إلا الله ، وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (١): كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما آراك إلا ضالًا، وأمر به أن يخرج من المجلس.
وقال الوليد بن مسلم: سألت الأوزعي وسفيان بن عيينة ومالكًا عن هذه الأحاديث في الصفات والرؤية، فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، وقال الزهري: على الله البيان، وما على الرسول إلا البلاغ، وعلينا التسليم، وقال بعض السلف: قدم الإسلام لا يثبت إلا على قنطرة التسليم. انتهى، وبنحو هذا صرح كثير من المحققين فعليك به، والله الموفق. انتهى.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى عشريه لحديث جرير بحديث النواس بن سمعان الكلابي ﵄، فقال:
(٧٥) -١٩٧ - (٢٣) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي.
قال: (حدثنا صدقة بن خالد) الأموي، مولاهم أبو العباس الدمشقي.
وثقه ابن معين ودحيم وابن نمير والعجلي ومحمد بن سعد وأبو زرعة وأبو حاتم، وقال أحمد: ثقة ثقة، ليس به بأس، من الثامنة، مات سنة إحدى وسبعين ومئة (١٧١ هـ)، وقيل: ثمانين، أو بعدها. يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا) عبد الرحمن بن يزيد (بن جابر) الأزدي أبو عتبة الشامي الداراني.
стр. 619
قَالَ سَمِعْتُ بُسْرَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ الْكِلَابِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ
===
وثقه ابن معين والعجلي وابن سعد والنسائي وغير واحد، وقال في "التقريب": ثقة، من السابعة، مات سنة بضع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(قال) ابن جابر: (سمعت بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة (بن عبيد الله) بالتصغير الحضرمي الشامي.
قال مروان بن محمد: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة حافظ، من الرابعة. يروي عنه: (ع).
حالة كون بسر (يقول: سمعت أبا إدريس الخولاني) عائذ الله بن عبد الله بن عمرو العوذي الشامي، ولد في حياة النبي ﷺ ، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة ثمانين (٨٠ هـ)، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
حالة كون أبي إدريس (يقول: حدثني النواس) بفتح النون وتشديد الواو (بن سمعان) بفتح أوله أو كسره مع سكون ثانيه (الكلابي) الشامي الصحابي المشهور ﵁، له سبعة عشر حديثًا. يروي عنه: (م عم)، انفرد (م) بثلاثة.
وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم شاميون، وحكمه: الصحة.
(قال) النواس: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من قلب) من قلوب العباد .. (إلا) كان (بين إصبعين من أصابع الرحمن) ﷻ ، والإصبع صفة من صفات ذاته تعالى نثبتها ونعتقدها ولا نمثلها ولا نكيفها،
стр. 620
إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ"، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ؛ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ"، قَالَ: "وَالْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ يَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيَخْفِضُ آَخَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
(٧٦) - ١٩٨ - (٢٤) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ،
===
(إن شاء) الرحمن هدايته .. (أقامه) أي: ثبته على الطريق المستقيم، (وإن شاء .. أزاغه) وأماله وأضله عن طريق الهدى والرشاد.
(وكان رسول الله ﷺ دائمًا (يقول: يا مثبت القلوب) على ما شاء من الهداية والضلالة؛ (ثبت) أي: ركز (قلوبنا على دينك) القويم المرضي عندك ولا تزلزلها عنه، (قال: والميزان) أي: ميزان العز والذل (بيد الرحمن) ﷻ (يرفع أقوامًا) أي: يعزهم بالتوفيق والهداية إلى أقوم الطريق، (ويخفض) أي: يذل أقوامًا (آخرين) بالغواية وتسويل خطوات الشيطان لهم (إلى يوم القيامة) أي: إلى موتهم على ذلك.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لأن رجاله ثقات، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى للترجمة بحديث أبي سعيد الخدري ﵁، فقال:
(٧٦) - ١٩٨ - (٢٤) (حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي.
(حدثنا عبد الله بن إسماعيل) بن أبي خالد الكوفي. روى عن: مجالد بن سعيد، ويروي عنه: أبو كريب.
стр. 621
عَنْ مُجَالدٍ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
===
قال أبو حاتم: مجهول، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مجهول، من التاسعة. يروي عنه: (ت ق).
(عن مجالد) بن سعيد بن عمير بن بسطام الهمداني أبي سعيد الكوفي. روى عن: أبي الوداك جبر بن نوف، والشعبي، وزياد بن علاقة، وغيرهم، ويروي عنه: (عم)، و (م) على سبيل المقارنة.
قال الدوري: عن ابن معين: لا يحتج بحديثه، وقال ابن أبي خيثمة: عن ابن معين: ضعيف واهي الحديث، وقال البخاري: كان يحيى بن سعيد يضعفه، وكان أحمد ابن حنبل: لا يراه شيئًا، قال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، وقال في "التقريب": ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره، من صغار السادسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ).
(عن أبي الوداك) -بفتح الواو وتشديد الدال الكوفي- جبر بن نوف -بفتح النون- الهمداني البكالي- بكسر الموحدة وتخفيف الكاف ولام- نسبة إلى بني بكال؛ بطن من حمير، من الرابعة. روى عن: أبي سعيد الخدري، ويروي عنه: (م د ت س ق)، ومجالد بن سعيد.
قال ابن معين: ثقة، وقال النسائي: صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أبي سعيد الخدري) الأنصاري المدني ﵁.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله كلهم كوفيون، إلا أبا سعيد الخدري؛ فإنه مدني، وحكمه: الضعف؛ لأن في رجاله ضعيفين؛ عبد الله بن إسماعيل مجهول، ومجالد بن سعيد ضعيف، وفي "الزوائد": في إسناده مقال؛ فإن مجالدًا، ولو أخرج له مسلم في "صحيحه" .. فإنما أخرج له مقرونًا بغيره، قال
стр. 622
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ لَيَضْحَكُ إِلَى ثَلَاثَةٍ: لِلصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ، وَلِلرَّجُلِ يُصَلِّي فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَلِلرَّجُلِ يُقَاتِلُ -أُرَاهُ قَالَ-: خَلْفَ الْكَتِيبَةِ".
(٧٧) -١٩٩ - (٢٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى،
===
ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ، وعبد الله بن إسماعيل قال فيه أبو حاتم والذهبي في "الكاشف": مجهول. انتهى.
(قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : إن الله) سبحانه اليضحك) ناظرًا (إلى ثلاثة) رضًا بعملهم، والضحك صفة ثابتة لله تعالى نثبتها ونعتقدها لا نمثله ولا نكيفه ولا نؤوله، كما هو مذهب السلف الأسلم، كما مر.
يضحك اللصف في الصلاة) أي: ناظرًا إلى القوم الذين يصفون في جماعة الصلاة (وللرجل) أي: ويضحك ناظرًا إلى الرجل وكذا المرأة (يصلي) التهجد (في جوف الليل) أي: في أوساطه (وللرجل) أي: ويضحك ناظرًا إلى الرجل (يقاتل) الكفار ويجاهدهم لإعلاء كلمة الله، قال أبو سعيد أو أبو الوداك: (أراه) ﷺ ، أو أبا سعيد: (قال) يقاتل (خلف الكتيبة) أي: وراء كتيبة المسلمين وجيشهم قبل أن يظفروا الأعداء؛ بمعنى: أنه يقوم وراءهم ويقاتل.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه ضعيف (٨)(٢٩)؛ لما مر آنفًا، وغرضه بسوقه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى حادي عشريه لحديث جرير بحديث جابر ﵄، فقال:
(٧٧) -١٩٩ - (٢٥) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد بن
стр. 623
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عُثْمَانَ -يَعْنِي- ابْنَ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيَّ- عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي ألْجَعْدِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
===
فارس بن ذؤيب الذهلي أبو عبد الله النيسابوري، ثقة حافظ جليل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الله بن رجاء) بن عمر أبو عمرو الغداني -بضم الغين المعجمة وفتح الدال المخففة- نسبة إلى غدانة بن يربوع بن حنظلة البصري. روى عن: إسرائيل، وشعبة، وعكرمة بن عمار، وغيرهم، ويروي عنه: (خ س ق)، والذهلي، وأبو حاتم الرازي.
قال أبو حاتم: كان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق بصري يهم قليلًا، من التاسعة، مات سنة عشرين ومئتين، وقيل قبلها.
(حدثنا إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي أبو يوسف الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين، وقيل: سنة اثنتين وستين ومئة (١٦٢ هـ).
(عن عثمان) بن المغيرة، وأتى بالعناية في قوله: (يعني ابن المغيرة) إشارة إلى أن هذه النسبة لم يسمعها من شيخه، بل مما زادها من عند نفسه إيضاحًا للراوي (الثقفي) مولاهم أبو المغيرة الكوفي، وهو عثمان الأعشى، وهو عثمان بن أبي زرعة، قال في "التقريب": ثقة، من السادسة. يروي عنه: (خ عم).
(عن سالم بن أبي الجعد) رافع الأشجعي، مولاهم الكوفي، ثقة وكان يرسل كثيرًا، من الثالثة، مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (٩٨ هـ)، وقيل: مئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري أبي عبد الله المدني ﵄.
стр. 624
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَوْسِمِ فَيَقُولُ: "أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ؛ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي؟ ".
===
وهذا السند من سداسياته، رجاله ثلاثة منهم كوفيون، وواحد مدني، وواحد بصري، وواحد نيسابوري، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) جابر: (كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه) أي: يجعل نفسه معروضة (على) أعيان (الناس) وأشرافهم (في) منىَ وقت (الموسم) أي: وقت المجتمع في الحج؛ ليؤمنوه من إذاية قريش، (فيقول) في عرض نفسه عليهم: (ألا) أي: ألا يوجد فيكم (رجل) يستصحبني و (يحملني إلى قومه) وعشيرته، فيؤمنوني حتى أبلغ كلام ربي؛ (فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي) إلى الناس؟ فقد جعل رسول الله ﷺ القرآن كلام الرب ، زاد في رواية غير ابن ماجه: فأتاه رجل من همدان فأجابه، ثم خشي ألا يتبعه قومه، فجاء إليه، فقال: آتي قومي فأخبرهم، ثم آتيك من العام المقبل، قال: نعم، فانطلق الرجل.
قال الحافظ في "الفتح": ذكر ابن إسحاق وغيره أن النبي ﷺ كان بعد موت أبي طالب قد خرج إلى ثقيف بالطائف يدعوهم إلى نصره، فلما امتنعوا منه .. رجع إلى مكة، فكان يعرض نفسه على قبائل العرب في موسم الحج. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود؛ أخرجه في كتاب السنة، باب في القرآن، والترمذي؛ أخرجه في كتاب فضائل القرآن، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، قال الحافظ في "الفتح": أخرجه أحمد وأصحاب السنن، وصححه الحاكم.
стр. 625
(٧٨) -٢٠٠ - (٢٦) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَزِيرُ بْنُ صَبِيحٍ،
===
فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
وقد أخرج الحاكم وأبو نعيم والبيهقي في "الدلائل" بإسناد حسن عن ابن عباس، قال: حدثني علي بن أبي طالب، قال: لما أمر الله نبيه أن يعرض نفسه على قبائل العرب .. خرج وأنا معه وأبو بكر إلى منىً حتى دفعنا إلى مجلس من مجالس العرب، وتقدم أبو بكر، وكان نسابة، فقال: من القوم؟ فقالوا: من ربيعة، فقال: من أي ربيعة أنتم؟ قالوا: من ذهل، فذكروا حديثًا طويلًا في مراجعتهم وتوقفهم أخيرًا عن الإجابة، قال: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج، وهم الذين سماهم رسول الله ﷺ الأنصار؛ لكونهم أجابوه إلى إيوائه ونصره، قال: فما نهضوا حتى بايعوا رسول الله ﷺ . انتهى.
وعبارة السندي: قوله: (يعرض) من العرض؛ أي: يظهر نفسه (في الموسم) أي: موسم الحج بمكة؛ فإنهم كانوا يحجون زمن الجاهلية، قوله: (أن أبلغ) من الإبلاغ أو التبليغ (كلام ربي) ففي إضافة الكلام إلى الله تعالى دليل على أنه تعالى متكلم، وأن القرآن كلامه تعالى أظهره في جسم ونحوه. انتهى.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيَ عِشْرِيهِ لحديث جرير بحديث أبي الدرداء ﵄، فقال:
(٧٨) -٢٠٠ - (٢٦) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي.
قال: (حدثنا الوزير) بفتح الواو وكسر الزاي (بن صبيح) -بوزن أمير- الثقفي أبو روح الشامي. روى عن: يونس بن حلبس عن أم الدرداء في قوله
стр. 626
حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَلْبَسٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ،
===
تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (١)، ويروي عنه: (ق)، وهشام بن عمار، وصفوان بن صالح، وغيرهم.
قال عثمان الدارمي عن دحيم: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، وقال في "التقريب": مقبول عابد، من الثامنة.
(حدثنا يونس) بن ميسرة (بن حلبس) -بمهملتين في طرفيه بينهما باء موحدة مفتوحة ولام ساكنة، بوزن جعفر- نسب إلى جده لشهرته به، أبو عبيد الدمشقي الأعمى. روى عن: واثلة بن الأسقع، وابن عمر، وابن عمرو، ومعاوية، وأم الدرداء، وجماعة، ويروي عنه: (د ت ق)، والوزير بن صبيح، وغيرهم.
قال العجلي: تابعي شامي ثقة، ووثقه ابن سعد وأبو داوود والدارقطني، وقال أبو حاتم: كان من خيار الناس، وكان يقرئ في مسجد دمشق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قتل سنة (١٣٢ هـ) اثنتين وثلاثين ومئة ظلمًا، وله مئة وعشرون سنة، وقال في "التقريب": ثقة عابد معمر، من الثالثة.
(عن أم الدرداء) الصغرى زوج أبي الدرداء، اسمها هجيمة، وقيل: جهيمة الأوصابية الدمشقية، ثقة فقيهة، من الثالثة، ماتت سنة إحدى وثمانين (٨١ هـ). يروي عنها: (ع)، وأما الكبرى .. فاسمها خيرة، ولا رواية لها في هذه الكتب.
(عن أبي الدرداء) عويمر بن زيد بن مالك الأنصاري الخزرجي الدمشقي الصحابي المشهور ﵁، مشهور بكنيته، له مئة وتسعة وسبعون حديثًا، اتفقا على حديثين، وانفرد (خ) بثلاثة، و (م) بثمانية، أسلم يوم
стр. 627
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، قَالَ: "مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا وَيُفَرِّجَ كَرْبًا، وَيَرْفَعَ قَوْمًا وَيَخْفِضَ آخَرِينَ".
===
بدر، وشهد أحدًا، وألحقه عمر بالبدريين، وكان عابدًا، مات في آخر خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين (٣٢ هـ)، وقيل: عاش بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم شاميون، وفيه رواية زوجة عن زوج، وحكمه: الحسن، وفي "الزوائد": إسناده حسن؛ لتقاصر بعض الرواة عن درجة الحفظ والإتقان، وهو وزير بن صبيح، لأنه قال فيه أبو حاتم: صالح، وقال دحيم: ليس بشيء، وقال أبو نعيم: كان يعد من الأبدال، كما مر آنفًا.
(عن النبي ﷺ في) تفسير (قوله تعالى ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (١) أي: كل وقت من الأوقات (هو) (في شأن) من شؤون خلقه التي من جملتها إعطاء ما سألوا؛ فإنه تعالى لا يزال ينشئ أشخاصًا، ويغني آخرين، ويأتي بأحوال، ويذهب بأحوال من الغنى والفقر والعزة والذلة والنصب والعزل والصحة والمرض، ونحو ذلك حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحِكَم والمصالح البالغة؛ كما (قال) ﷺ : (من شأنه) وفعله تعالى (أن يغفر ذنبًا) لمن يشاء، ويعذب من يشاء على ذنبه، (ويفرج كربًا) وشدة؛ أي: أن يزيل كربًا وشدة عمن يشاء، وينزل كربًا على من يشاء.
(ويرفع قومًا) أي: أن يرفع قومًا بالإيمان والطاعات، أو في شؤون الدنيا ممن أراد رفعهم، (ويخفض) أي: وأن يذل ويخذل قومًا (آخرين) بالكفر والمعاصي، أو في شؤون الدنيا ممن أراد خذلانهم، وعن عيينة: الدهر كله عند الله يومان: أحدهما اليوم الذي هو مدة الدنيا، فشأنه فيه الأمر والنهي
стр. 628
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والإماتة والإحياء والإعطاء والمنع، والآخر يوم القيامة، فشأنه فيه الجزاء والحساب والثواب والعقاب، قال مقاتل: نزلت الآية في اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئًا، ففيها رد لهم، وكل ظرف لما دل عليه قوله: (هو في شأن) أي: يقلب الأمور كل يوم، أو يحدثها كل يوم، أو نحوه، كما في "بحر العلوم". انتهى من "حدائق الروح والريحان".
وفي السندي: قوله: "ويفرج كربًا" في "الصحاح": الكرب كالضرب؛ هو الغم الذي يأخذ بالنفس، وتفريج الغم إزالته، وفرج الله عنك الغم تفريجًا، كأفرج؛ أي: أزال، وفرج الله عنك غمك -بالتخفيف- يفرج من باب ضرب؛ أي: كشف. انتهى.
يعني: أنه يقال بالتشديد وبالتخفيف، لكن التخفيف أنسب هنا لفظًا، والتشديد أنسب معنىً؛ لما فيه من الدلالة على المبالغة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه عن أصحاب الأمهات، ورواه البخاري موقوفًا في تفسير (سورة الرحمن)، ورواه ابن حبان في "صحيحه" من طريق أم الدرداء به.
فدرجته: أنه حسن؛ لما مر، وغرضه: الاستشهاد به.
تتمةُ الباب
والجهمية: منسوبة إلى جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وقال: لا فعل لأحد غير الله تعالى دائمًا، وينسب الفعل إلى العبد مجازًا من غير أن يكون فاعلًا أو مستطيعًا لشيء، وزعم أن علم الله تعالى حادث، وامتنع من وصف الله تعالى بأنه شيء أو حي أو عالم أو مريد، حتى قال: لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره، قال: وأصفه بأنه خالق ومحي
стр. 629
ومميت وموحَّد -بفتح المهملة الثقيلة- لأن هذه الأوصاف خاصة به تعالى، وزعم أن كلامه تعالى حادث.
قال الحافظ: وليس الذي أنكروه على الجهمية مذهب الجبر خاصة، وإنما الذي أطبق السلف على ذمهم بسبب إنكار الصفات، حتى قالوا: إن القرآن ليس كلام الله تعالى، وإنه مخلوق، وكذلك المعتزلة سموا أنفسهم أهل العدل والتوحيد، وعنوا بالتوحيد ما اعتقدوه من نفي صفات الإلهية؛ لاعتقادهم أن صفاتها تستلزم التشبيه، ومن شبه الله بخلقه .. أشرك، وهم في نفي الصفات موافقون للجهمية، وأما أهل السنة .. ففسروا التوحيد بنفي التشبيه والتعطيل، ومن ثم قال الجنيد فيما حكاه أبو القاسم القشيري: التوحيد إفراد القديم من المحدث.
وقال أبو القاسم التميمي في كتاب "الحجة": التوحيد مصدر وحد يوحد، ومعنى وحدت الله: اعتقدته منفردًا بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه، وقيل: معنى وحدته علمته واحدًا، وقيل: سلبت عنه الكيفية والكمية، فهو واحد في ذاته لا انقسام له، وفي صفاته لا شبيه له، وفي ملكه وتدبيره لا شريك له ولا رب سواه ولا خالق غيره. انتهى ملخصًا من "الفتح"، انتهى "بذل المجهود".
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ستة وعشرون حديثًا:
واحد منها للاستدلال، وهو أولها، وواحد للمتابعة، واثنان للاستئناس، واثنان وعشرون للاستشهاد، كما مر بيانها على التفصيل.
والله أعلم
стр. 630
(٣) - (١٤) - بَابُ مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً
(٧٩) - ٢٠١ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ،
===
(٣) - (١٤) - (باب من سن سنة حسنة أو سيئة)
أي: هذا باب معقود في بيان الأحاديث الواردة في حكم من سن وشرع وعمل سنة وخصلة حسنة؛ أي: مرضية؛ لموافقتها قواعد الشرع، أو سيئة؛ أي: غير مرضية لمخالفتها قواعده.
* * *
ثم استدل المؤلف رحمه الله تعالى على الترجمة بحديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁، فقال:
(٧٩) - ٢٠١ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب) محمد بن عبد الرحمن بن أبي عثمان الأموي البصري، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة خمس أو ست وسبعين. يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الملك بن عمير) بن سويد اللخمي الكوفي، أبو عمر القبطي، ثقة فقيه، من الرابعة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن المنذر بن جرير) بن عبد الله البجلي الكوفي، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (م د س ق).
стр. 631
عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَنَّ سُنَةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا .. كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ
===
(عن أبيه) جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نصر البجلي اليماني أبي عمرو القسري الصحابي المشهور ﵁، له مئة حديث، اتفقا على ثمانية، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بستة، مات سنة إحدى وخمسين وقيل: أربع وخمسين (٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، وواحد واسطي، وواحد بصري، وحكمه: الصحة.
(قال) جرير: (قال رسول الله ﷺ : من سن) وعمل (سنة حسنة) أي: طريقة مرضية وفعلة معروفة في الشرع؛ لموافقتها قواعده يقتدى به فيها، والفاء في قوله: (فعمل) بالبناء للمفعول .. تفسيرية؛ لأنه تفسير لقوله: "سن"، بأن عمل (بها) أي: بتلك الخصلة الحسنة التي عملها أول الناس .. (كلان له) أي: للعامل بها أولًا والبادئ بها (أجرها) أي: أجر عمله لتلك الحسنة أولًا، أو أجر الحسنة التي عملها الناس بعده، والإضافة لأدنى ملابسة؛ فإن السنة الحسنة لما كانت سببًا في ثبوت أجر عاملها .. أضيف الأجر إليها بهذه الملابسة، كذا ذكره الطيبي.
وقال التوربشتي: والصواب: (أجره) بتذكير الضمير؛ لعود الضمير إلى صاحب الطريقة؛ أي: له أجر عمله أولًا، وهو غير لازم، ولا وجه لتغليط الرواة إذا احتمل الكلام التصحيح بوجه ما، فكيف والتصحيح ها هنا واضح؟ !
(ومثل أجر من عمل بها) أي: بتلك الحسنة إلى يوم القيامة، (لا ينقص) بالبناء للفاعل؛ أي: لا ينقص إعطاء مثل أجر العاملين لمن سن (من أجورهم)
стр. 632
شَيْئًا، وَمَنْ سَنَّ سُنَّة سَيِّئَة فَعُمِلَ بِهَا .. كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا، لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا".
===
أي: من أجور العاملين (شيئًا) من النقص أو من الثواب؛ وذلك كالابتداء بالتصدق على المحتاج، أو بالإنفاق في الخيرات؛ كبناء المساجد والمدارس والربط.
(ومن سن) وأسس (سنة سيئة) أي: خصلة غير مرضية؛ لمخالفتها قواعد الشرع؛ كالقتل ظلمًا والغصب والنهب، (فعمل بها) بالبناء للمفعول؛ تفسير لسن، كما مر .. (كان عليه) أي: على ذلك البادئ العامل لها أولًا (وزرها) أي: وزر عمله إياها ابتداء؛ لأنه باشرها، (و) عليه أيضًا مثل (وزر من عمل بها) إلى يوم القيامة؛ لأنه تسبب في عملهم بها بتأسيسها والابتداء لها، (لا ينقص) ذلك المثل الذي حمل عليه بسبب عملهم (من أوزارهم شيئًا) من النقص أو من العقاب.
ولا يعارض هذا الحديث بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) لأنه حمل وزر تسببه في عملهم، لا وزر عملهم بها، والله أعلم.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: مسلم أخرجه في كتاب الزكاة باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، وفي كتاب العلم باب من سن سنة حسنة أو سيئة، وأخرجه النسائي في كتاب الزكاة باب التحريض على الصدقة.
فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
قال النواوي: قوله (من سن سنة حسنة ... ) إلى آخره .. معناه الابتداء بالخيرات والتحذير عن اختراع الأباطيل والمستقبحات، وسبب هذا الكلام في
стр. 633
(٨٠) - ٢٠٢ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
هذا الحديث أنه قال في أوله: فجاء رجل من الأنصار بصُرَّة كادت كفه تعجز عنها فتتابع الناس، وكان الفضل العظيم للبادئ بهذا الخير والفاتح لباب هذا الإحسان. انتهى.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث جرير بحديث أبي هريرة ﵄، فقال:
(٨٠) - ٢٠٢ - (٢) (حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبري البصري، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
قال (حدثني أبي) عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد التميمي العنبري مولاهم أبو سهل البصري، صدوق ثبت في شعبة، من التاسعة، مات سنة سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني أبي بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن سيرين) الأنصاري مولاهم أبي بكر البصري، ثقة ثبت عابد، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله كلهم بصريون إلا أبا هريرة؛ فإنه مدني، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
стр. 634
قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَثَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدِي: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَمَا بَقِيَ فِي الْمَجْلِسِ رَجُلٌ إِلَّا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا فَاسْتُنَّ بِهِ .. كَانَ لَهُ أَجْرُهُ كَامِلًا وَمِنْ أُجُورِ مَنِ اسْتَنَّ بِهِ وَلَا يَنْقُصُ
===
(قال) أبو هريرة: (جاء رجل) من المحتاجين (إلى النبي ﷺ ، فاشتكى إليه الفقر والفاقة، (فحث) النبي ﷺ الناس وحرضهم (عليه) أي: على التصدق على ذلك الرجل الفقير، (فقال رجل) من الحاضرين: (عندي كذا وكذا) من المال صدقة عليه، (قال) أبو هريرة: (فما بقي في) ذلك (المجلس رجل) أي: واحد من الناس (إلا تصدق عليه) أي: على ذلك الفقير (بما) تيسر له من المال (قل أو كثر).
وعبارة السندي هنا: قوله: "كذا وكلذا" أي: من المال، وأنا أتصدق به، ثم جاء به قبل الناس، فتبعه الناس في التصدق، فلذلك ذكر فيه: من استن خيرًا ... إلى آخره.
وقوله: "بما قل أو كثر" أي: بقليل أو كثير، فـ "ما" نكرة موصوفة، وجعلها موصولة لا يساعده المقام. انتهى.
(فقال رسول الله ﷺ : من استن خيرًا) بالبناء للفاعل؛ أي: من عمل خيرًا وسبق إليه، (فاستن به) بالبناء للمفعول؛ أي: فاقتدي به في عمله؛ أي: فعمل الناس به مقتدين به متبعين له .. (كان له) أي: لذلك البادئ (أجره) أي: أجر عمله (كاملًا) غير ناقص (و) نصيب (من أجور من استن) واقتدى (به) في عمل ذلك الخير؛ أي: له أجر التسبب في عملهم لا أجر عملهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١)، (ولا ينقص) ما
стр. 635
مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنِ اسْتَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَاسْتُنَّ بِهِ .. فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ كَامِلًا وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ اسْتَنُّوا بِهِ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا".
(٨١) - ٢٠٣ - (٣) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ،
===
أعطي له من أجر التسبب (من أجورهم) أي: من أجور من اقتدى به في عمله (شيئًا) من النقص، (ومن استن) واخترع (سنة سيئة، فاستن به) بالبناء للمفعول؛ أي: اقتدي به في عملها .. (فعليه) أي: فعلى ذلك البادئ (وزره كاملًا و) نصيب (من أوزار الذين استنوا به، ولا ينقص) ما حمل به من وزر التسبب (من أوزارهم شيئًا) من النقص.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وفي "الزوائد": إسناده صحيح، ورواه مسلم والترمذي من حديث جرير.
فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث جرير بحديث أنسر ﵄، فقال:
(٨١) - ٢٠٣ - (٣) (حدثنا عيسى بن حماد) بن مسلم الأنصاري التجيبي مولاهم أبو موسى (المصري) لقبه زغبة -بضم الزاي وسكون المعجمة بعدها موحدة- وهو لقب أبيه أيضًا، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ). يروي عنه: (م دس ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم أبو الحارث المصري، ثقة ثبت مشهور، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).