← Язык

Язык · id 148096

المدخل إلى تقويم اللسان

اللخمي، ابن هشام

Полный текст (576 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المدخلُ إلى تقويم اللِّسَان لابن هشام اللَّخمْيِّ المتوفى سنة ٥٧٧ هـ تحقيق الأستاذ الدكتور حاتم صالح الضامن كلية الدّراسات الإسلامية والعربية بدبي دار البشائر الإسلامية

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

المدخل إلى تقويم اللسان

стр. 4

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع هاتف: ٧٠٢٨٥٧ - فاكس: ٧٠٤٩٦٣/ ٠٠٩٦١١ بيروت- لبنان ص ب: ٥٩٥٥/ ١٤ e-mail: bashaer@cyberia. net.ib

стр. 5

الإهدَاء إلى الأخوين الكريمين: الشيخ سيف الغرير والسيد مروان الغرير جزاهما اللَّه تعالى خيرًا لخدمة لغة القرآن الكريم.

стр. 6

مقَدّمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيّه الأمين. وبعد، فكتاب المدخل إلى تقويم اللسان لابن هشام اللَّخمي، المتوفَّى سنة ٥٧٧ هـ، من الكتب المشهورة في لحن العامة. وصلت إلينا نسختان فريدتان منه كتبتا بالخط المغربي. وأوَّلُ من عرَّف به من العرب الدكتور عبد العزيز الأهواني، إذ نشر القسم الأخير منه (باب ما تمثَّلت به العامة مما وقع في أشعار المتقدمين) سنة ١٩٦٢ م في كتاب (إلى طه حسين في عيد ميلاده السبعين). ثم نشر الدكتور عبد العزيز مطر من هذا الكتاب: - الرَّدّ على الزُّبيدي في كتابه: لحن العامة ١٩٦٦ م. - الرَّدّ على ابن مكي الصِّقلي في كتابه: تثقيف اللسان ١٩٧٣ م. وفي عام ١٩٨١ م نشرت الكتاب في مجلة المورد: (الأعداد ٢، ٣ - ٤) من المجلد العاشر، وفي عام ١٩٨٢ م (الأعداد ١، ٢، ٣، ٤) من المجلد الحادي عشر، وفي عام ١٩٨٣ م (العدد الأوَّل) من المجلد الثَّاني عشر.

стр. 7

وعلمت، وأنا ببغداد، أنَّ أحد المستشرقين الإسبان نشر الكتاب، ثمَّ سلخه أحدهم فنشره ببيروت عام ١٩٩٥ م، فالمشتكى إلى اللَّه تعالى. وفي عام ١٩٩٩ م جئت إلى دُبَيّ بدولة الإِمارات العربية المتحدة، وفي هذه المدينة الآمنة عرفت الشيخ سيف الغرير، حفظه اللَّه تعالى، وكان قد حبَّبَه إليّ قبل رؤيته أخي الكريم الدكتور نجيب عبد الوهاب، فرأيت فيه رجلاً أديبًا شهمًا محبًّا للعلم، وفي مجلسه العامر التقيت الأخ الفاضل مروان الغرير، وهو، والحمدُ للَّه تعالى، كأخيه الشيخ سيف، من محبي العربية، والسَّاعين إلى نشرها وتيسير إيصالها إلى المسلمين في أرجاء العالم. وللأخوين الكريمين، حفظهما اللَّه تعالى، الفضل في نشر هذا الكتاب النَّفيس، بعد عشرين سنة مضت على نشره في مجلة المورد، فلهما مني خالص الشُّكر، وجزاهما اللَّه تعالى عن العلم وأهله خير الجزاء. والحمد للَّه على ما أنعم، إنَّه نِعْمَ المولى ونِعْمَ النَّصير. الأستاذ الدكتور حاتم صالح الضامن دبي -الإمارات العربية المتحدة

стр. 8

مؤلِّف الكتاب أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن هشام بن إبراهيم بن خلف اللَّخمي الإِشبيلي. انتقل إلى سبتة بالمغرب وأقام بها طويلًا يدرس العلوم. و من شيوخه: أبو بكر ابن العربي، وأبو طاهر السِّلفي، وله إجازة منه. و من تلاميذه: أبو الحسن بن أحمد الخولاني، وأبو عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن سعيد الكتاني، وأبو العابد بن غاز السَّبتي، وهو الذي روى تآليفه، وأبو علي حسن بن محمد الجذامي، وأبو عمر يوسف بن عبد اللَّه الغافقي. وتوفي ابن هشام سنة ٥٧٧ هـ (١). و من مؤلفاته: - الدر المنظوم: في سيرة الرسول ﷺ ، وهو مخطوط. - شرح الفصيح: مطبوع.

стр. 9

- شرح قصيدة الحريري في الظاء: لم يصل إلينا. - شرح قصيدة الهاشمي في ترحيل النيرين: لم يصل إلينا. - شرح مقصورة ابن دريد (الفوائد المحصورة في شرح المقصورة): مطبوع. - شرح المقصورة الكبرى أو كتاب المقصور والممدود: مطبوع. - الفصول والجمل في شرح أبيات الجمل، وإصلاح ما وقع في أبيات سيبويه، وفي شرحها للأعلم من الوهم والخلل: مخطوط. - المدخل إلى تقويم اللسان: وهو هذا الكتاب، ويأتي الحديث عنه. وثمة كتب نُسبت إليه غلطًا، وهي: - الجمل في النحو: كشف الظنون ٦٠٥. وهو لابن هشام الأنصاري، ت ٧٦١ هـ. - المقرب في النحو: إيضاح المكنون ٢/ ٥٤٥، وهو لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد اللَّه بن هشام الفهري المعروف بابن الشوَّاش، المتوفى ٦١٨ هـ. * * *

стр. 10

كتاب المدخل إلى تقويم اللسان قسم المؤلف كتابه على ستة أقسام، هي: ١ - الرَّدّ على أبي بكر الزبيدي في لحن العامة. ٢ - الرَّدّ على ابن مكي الصِّقلي في تثقيف اللسان. ٣ - باب ما جاء عن العرب فيه لغتان فأكثر. ٤ - باب ما تلحن فيه العامة مما لا يحتمل التأويل، ولا عليه من لسان العرب دليل. ٥ - باب ما جاء لشيئين أو لأشياء فقصروه على واحد. ٦ - باب ما تمثَّلت به العامة مما وقع في أشعار المتقدمين. أمَّا مصادره فكثيرة، وقد أحصيت منها: - الإِبل: للسجستاني. - أدب الكاتب: لابن قتيبة. - إصلاح المنطق: لابن السكيت. - أمالي الزّجاجي. - الإِيضاح: لأبي علي الفارسي. - البارع: للقالي. - تثقيف اللسان: لابن مكي الصقلي. - تفسير أسماء شعراء الحماسة: لابن جني.

стр. 11

- تقييد المهمل وتمييز المشكل: للغسَّاني. - الجمل: للزجاجي. - جمهرة اللغة: لابن دريد. - الحماسة: لأبي تمام. - الحيوان: للجاحظ. - خطب ابن نباتة. - درَّة الغواص: للحريري. - الزمان: للمبرِّد. - شرح الفصيح: للمؤلف نفسه. - شرح مقصورة ابن دريد: للمؤلف نفسه. - صحيح البخاري. - طبقات النحويين واللغويين: للزُّبيدي. - طرر أبي الحسن الأخفش على الكامل. - الطير: للسجستاني. - العين: للخليل. - الغريب المصنف: لأبي عبيد. - الفصوص: لصاعد البغدادي. - فقه اللغة: للثعالبي. - القلب والإِبدال: لابن السكيت. - الكامل: للمبرِّد. - الكتاب: لسيبويه. - لحن العامة: للزُّبيدي. - المجمل: لابن فارس. - المحكم: لابن سيده.

стр. 12

- مختصر العين: للزُّبيدي. - المنجِّد: لكراع النمل. - الموازنة: للآمدي. - النبات: لأبي حنيفة الدِّينوري. - النوادر: لابن الأعرابي. - النوادر: لأبي الحسن اللّحياني. - الهاشميات: للكميت. - الياقوتة: لأبي عمر الزَّاهد. ونقل عن كتب لم يذكر أسماءها، ومنها: - الاقتضاب: لابن السيد البطليوسي. - الزاهر: لابن الأنباري. وأما شواهده فهي: - القرآن الكريم: ست وخمسون آية. - الحديث الشريف: ثلاثة وعشرون حديثًا. - الأمثال: أكثر من مئة مثل. - الأشعار والأرجاز: أكثر من أربع مئة وخمسين. ومن اللافت للنظر أنه استشهد بشعر أبي تمام وابن الرومي والمتنبي والببغاء والمعري وغيرهم من المحدثين الذين لا يستشهد بشعرهم. أهمية الكتاب وأثره في حركة التأليف بعده: لكتاب المدخل أهمية كبيرة إذ وقفنا من خلاله على خصائص لهجة أهل الأندلس في القرن السادس الهجري، وجوانب كثيرة من حياتهم الاجتماعية، وكيفية نطقهم لأسماء النَّاس والمدن.

стр. 13

ولم يقف ابن هشام عند ذكر هذه الألفاظ، بل كان يردّها إلى أصولها العربية، ذاكرًا ما يقابل تلك الألفاظ، إنْ كانت أعجمية، في لغة العرب. وكان للكتاب أثر في ظهور كتب أخرى، هي: ١ - إنشاد الضَّوال وإرشاد السُّؤَّال: لأبي عبد اللَّه محمد بن علي بن هَانئ اللخميّ السبتيّ الإِشبيليّ، المتوفَّى سنة ٧٣٣ هـ. وهو ترتيب لكتاب المدخل على وفق حروف الهجاء. ٢ - إيراد اللآل من إنشاد الضَّوال: لأحمد بن علي بن خاتمة الأنصاري، المتوفَّى نحو سنة ٧٧٠ هـ. وهو مختصر للكتاب السابق. ٣ - مختصر من كتاب ابن خاتمة: لمؤلف مجهول. ونشره المستشرق كولان سنة ١٩٣١ م. مخطوطتا الكتاب: * الأولى: رقمها ٤٦، وعنوانها: كتاب الرَّدّ على الزُّبيدي في لحن العوام. وهذا العنوان من عمل النُّسَّاخ، لأنَّ الرَّدّ كان جزءًا من الأقسام الستة التي سلف ذكرها. والنسخة كتبها بالخط المغربي محمد بن علي بن أحمد الزّرعي، ولم يذكر تاريخ نسخها، وهي قديمة ترقى إلى القرن السابع الهجري، وتمتاز بدقتها وتمامها، لذا فقد جعلناها أصلًا. عدد أوراق هذه النسخة ٧٢ ورقة، وعدد أسطر كلّ صفحة ٢٧ سطرًا. * الثانية: رقمها ٩٩، وعنوانها: المدخل إلى تقويم اللسان وتعليم البيان. وهذا العنوان أقرب إلى الصواب، لأنَّ المراكشي سمَّاه: تقويم اللسان، وأشار المؤلف إلى هذه التسمية في مقدمة الكتاب: (وجعلت هذا

стр. 14

الكتاب مدخلًا إلى تقويم اللسان، وتعليم الفصاحة التي هي جمال الإِنسان). وقد كتبت هذه النسخة بخط مغربي مضبوط بالشكل، ونُصَّ في آخرها على أنَّها كتبت لابن الشاري سنة ٦٠٧ هـ. وفي هذه النسخة خرم كبير أشرنا إليه في حواشي التحقيق. وعدد أوراقها ٩٢ ورقة، وعدد أسطر كلّ صفحة ٢٣ سطرًا. وقد رمزنا لهذه النسخة بالرمز (ب)، وكانت فائدتها كبيرة في استدراك الألفاظ الساقطة من نسخة الأصل. ووضعنا زيادات هذه النسخة بين قوسين مربعين [] من غير إشارة إلى ذلك. وقد ألحقنا صورًا لصفحة العنوان وللصفحتين الأولى والأخيرة من كلتا النُّسختين. وأرجو أنْ أكون قد قدمت في نشري لهذا الكتاب مادة جديدة، تُضاف إلى ما نُشر من كتب التصحيح اللغوي خدمة للغة القرآن الكريم. فالحمدُ للَّه الذي هدانا لهذا، وما كُنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللَّه، وما توفيقي إلاَّ باللَّه، عليه توكلت وإليه أنيب. * * *

стр. 15

صور مخطوطات الكتاب صفحة العنوان من الأصل

стр. 16

الصفحة الأولى من الأصل

стр. 17

الصفحة الأخيرة من الأصل

стр. 18

صفحة العنوان من النسخة ب

стр. 19

الصفحة الأولى من نسخة ب

стр. 20

الصفحة الأخيرة من نسخة ب

стр. 21

المدخلُ إلى تقويم اللسَّان لابن هشام اللَّخمْيِّ المتوفى سنة ٥٧٧ هـ تحقيق الأستاذ الدكتور حاتم صالح الضامن كلية الدّراسات الإسلامية والعربية بدبي

стр. 22

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلَّى اللَّه على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وسلَّم عونك اللَّهمَّ. قال الفقيه الأستاذ الأجل أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن هشام، عفا اللَّه عنه: الحمدُ للَّهِ قبلَ كلِّ مقال، وتالٍ لكلِّ فَعال. وصلَّى اللَّهُ على محمد وعلى آلِهِ خيرِ آل. وبعدُ فإنَّهُ أوَّلُ ما يجب على طلابِ اللغةِ تصحيحُ الألفاظِ العربيةِ المستعملةِ التي حَرَّفَتْها العامةُ عن مَوْضِعِها، وتكلَّمَتْ بها على غيرِ ما تكلمتْ بها العربُ في نادِيها ومجتَمعِها. فإذا صَحَّحَها وأزالَ منها التحريفَ، ونَفَى عنها التصحيفَ، وأقامَها كالقِدْحِ في التثقيفِ، ولَفَظَ بِها كما لَفَظَتْ بها العربُ في المشتاةِ والخريفِ والمَرْبَعِ والمَصِيفِ، كانَ ما وراءَ ذلكَ عليه أقربَ، وأسهلَ للطلبِ. ولقدْ شَهِدْتُ بعضَ مَنْ ينتمي -بزَعْمِهِ- إلى الأدبِ، ويَنْسِلُ إليه

стр. 23

من كلِّ حَدَبٍ، وقد استعملَ في كلامِهِ (الخِرْبِزَ) فسأله بعضُ الحاضرينَ عنه، فقال (١): هو البَطِّيخُ، بفتح الباء. وهذا مِن أَقبحِ القبيحِ أنْ يستعملَ اللغةَ العربيةَ، وقد قَصَّرَ عن تصحيحِ المستعملةِ القريبة. وأَلَّفَ الزُّبَيْدِيُّ، ﵀، في لحنِ عامَّةِ زمانِهِ، وما تكلَّمَتْ به في أوانِهِ، فتعسَّفَ عليهم في بعضِ الألفاظِ، وأَنْحَى عليهم بالإِغلاظِ، وخَطَّأَهُم فيما استُعملَ فيه وجهان، وللعربِ فيه لغتان. فأوردتُ في هذا الكتابِ جميعَ ذلك، وما تعسَّفَ عليهم هنالك، وبيَّنْتُ ما وقع في كلامِهِ من السهوِ والغَلَطِ، والتعنيتِ (٢) والشَّطَطِ. وأَرْدَفْتُهُ بذكرِ أوهامِ ابنِ مكي في كتابِهِ المُسَمَّى بـ (تثقيف اللسان وتلقيح الجنان) (٣). وابتدأتُ بالرَّدِّ عليهما فيما أَنكراه، وأضفتُ إلى ذلكَ كثيرًا مما لم يذكراه مما غُيِّرَ في زمانِنا، ولَحَنَتْ فيه عوامُّنا. وجعلتُ هذا الكتابَ مدخلًا إلى تقويمِ اللسانِ وتعليمِ الفصاحةِ التي هي جمالُ الإِنسانِ. ومِن اللَّهِ أسألُ العِصْمَةَ مِنَ الخطأ والزلَلِ، في القولِ والعملِ، إنَّهُ سميعٌ مجيبٌ. * * *

стр. 24

[الرَّدّ على الزُّبيدي] قال أبو بكر محمد بنُ حسن الزُّبيديّ (١)، ﵀: (ويقولون: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ وآلِهِ. والصواب: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ وآلِ محمدٍ). قالَ الرادّ: هذا الذي ذكر هو مذهب الكِسائي، وهو أوَّلُ مَنْ قالَهُ، فاتبعه هو، وأبو جعفر النحاس على رأيهِ. وليس بصحيحٍ، لأَنَّهُ لا قياسَ له يَعضُدُهُ ولا سماع يؤيِّدُهُ لأنَّ إضافةَ (آل) إلى المضمر قد وَرَدَتْ بهِ عن العربِ الأخبارُ ونَطَقَتْ به الأشعارُ. فمِن ذلكَ ما رَوَى أبو العباسِ المُبرّد في (الكاملِ) (٢) أنَّ رجلًا من أهلِ الكتابِ وَرَدَ على معاوية، فقالَ له معاوية: أتجدُ نعتي في شيءٍ من كتبِ اللَّه؟ فقال: إي واللَّهِ حتى لو كنتَ في أُمَّةٍ لوضعتُ عليكَ يدي مِن بينِها. قال: فكيفَ تجدُني؟ قالَ: أجدُكَ أَوَّلَ مَنْ يحوِّلُ الخِلافَةَ مُلكًا، والخشونةَ لِينًا، ثم إنَّ رَبَّكَ من بعدِها لغفورٌ رحيمٌ.

стр. 25

قالَ: ثُمَّ يكونُ ماذا؟ قالَ: ثم يكونُ منكَ رجلٌ شرَّابٌ للخمرِ، سفَّاكٌ للدماءِ، يحتجِنُ الأموالَ، ويصطنعُ الرجالَ، ويُجَنِّدُ الجنودَ (١)، ويُبيحُ حُرْمَةَ الرسولِ. قالَ: ثم ماذا؟ قالَ: ثُمَّ تكونُ فتنةٌ تَتَشَعَّبُ بأَقوامٍ، حتى يفضِيَ الأمرُ بها إلى رجلٍ أعرفُ نعتَهُ، يبيعُ الآخرةَ الدائمةَ بحظٍّ من الدنيا مخسوسٍ، فيُجْتَمَعُ عليه مِن آلِكَ وليسَ منكَ. لا يزالُ لعدوِّه قاهِرًا، وعلى مَنْ ناوأَهُ ظاهِرًا، ويكونُ له قرينٌ مُبِيرٌ لعينٌ. قالَ: أَفَتَعْرِفُهُ إنْ رأيتَهُ؟ قالَ: شدَّ ما. فأراه مَنْ بالشامِ من بني أُمَيَّةَ. فقالَ: ما أراهُ هاهنا فوجَّهَ به إلى المدينة معَ ثِقاتٍ مِن رُسلِهِ، فإذا بعبد الملك بن مروان يَسْعَى مؤتزرًا، في يدِهِ طائرٌ. فقال للرسل: ها هوذا. ثُمَّ صاحَ بِهِ: إليَّ أبو مَنْ؟ قالَ: أبو الوليد. قال: يا أبا الوليد إنْ بَشَّرْتُكَ ببُشارةٍ تسرُّكَ ما تجعلُ لي؟ قالَ: وما مِقدارُها من السرور حتى نَعْلَمَ مَا (٢) مِقدارُها من الجُعْلِ؟ قالَ: أن تملكَ الأرضَ. قالَ: ما لِي من مالٍ ولكنْ أرأيتَ إنْ تكلفت لكَ جُعْلًا أأنالُ ذلكَ قبل وقتِهِ؟ قالَ: لا. قالَ: فإنْ حرمتُكَ، أتؤخره عَنْ وَقْتِهِ؟ قالَ: لا. قالَ: حسبُكَ ما سَمِعْتَ. هكذا رَوَى أبو العباسِ وغيرُهُ هذا الخبرَ: مِن آلِك وليسَ منكَ، بإضافةِ (آل) إلى الكاف. وأبو العباس من أئمةِ اللغةِ المشهورين بالحفظِ والضبطِ.

стр. 26

وقالَ عبد المطلب (١) حينَ جاءَ أبرهةُ الأَشْرَمُ لهَدْمِ الكعبةِ: لاهُمَّ إنَّ المرءَ يمـ ... ـنعُ رَحْلَهُ فامنع حِلالَكْ لا يغلِبَنَّ صليبُهُم ... ومِحالُهم غَدوًا مِحالَكْ فانصُرْ على آلِ الصليـ ... ـبِ وعابديه اليومَ آلَكْ يعني قُريشًا، لأنَّ العربَ كانوا يسمونهم: آلَ اللَّهِ، لكونِهم أهلَ البيتِ، وقالَ الكُمَيْتُ (٢): فابلغْ بني الهندَيْنِ من آلِ وائلٍ ... وآلَ مَنَاة والأقاربَ آلَها أَلُوكًا تنالُ ابنَيْ صفية وانتجع ... سواحلَ دُعْمِيٍّ بها ورمالَها وقالَ خُفاف بنُ نُدبة (٣): أنا الفارسُ الحامي حقيقة والدي ... وآلي كما تحمي حقيقةَ آلِكا قال الأستاذ أبو محمد بن السِّيد (٤)، ﵀: قال أبو الطيِّب المتنبي (٥)، وإنْ لم يكن حُجَّةً في اللغة: واللَّهُ يُسْعِدُ كلَّ يومٍ جَدَّهُ ... ويزيدُ من أعدائِهِ في آلِهِ

стр. 27

وأبو الطيِّب، وإنْ كانَ ممن لا يحتجُّ به في اللغة، فإنَّ في بيته هذا حُجَّةً من جهة أخرى، وذلكَ أنَّ الناسَ عُنُوا بانتقادِ شعره، وكان في عصره جماعةٌ من اللغويين والنحويين، كابنِ خالويه (١) وابنِ جنيّ (٢) وغيرهما، وما رأيتُ أحدًا منهم أَنكَرَ عليه إضافة (آل) إلى المضمر، وكذلك جميع مَنْ تكلَّمَ في شعره من الكتَّاب والشعراء كالوحيد (٣) وابن عبَّاد (٤) والحاتِمِيّ (٥) وابن وَكيع (٦)، لا أعلمُ لأحدٍ منهم اعتراضًا في هذا البيت، فدلَّ هذا على أنَّ هذا لم يكن له أصل عندهم، فلذلك لم يتكلموا فيه. و(آل) أصله (أهل)، ثم أبدلوا من الهاء همزة، فقيل: أال، ثم أُبدِلَ من الهمزة ألفٌ، كراهية لاجتماع همزتين. ودلَّ على ذلك قولهم في تصغيره: أُهَيْل، فردُّوه إلى أصله. وحكى الكسائي في تصغيره: أُوَيلًا، وهذا يوجبُ أنْ يكونَ ألف (آل) بدلًا من واو، كالألف في باب ودار. * * *

стр. 28

وقال أيضًا (١): (ولا يجوز أنْ تدخلَ الألفُ واللامُ على ذي ولا ذات في حالِ إفرادٍ ولا تثنيةٍ ولا جمعٍ، ولا تُضاف إلى المضمرات، وإنَّما تقع أبدًا مضافةً إلى الظاهرِ). قالَ الرادّ: هذا الذي ذَكَرَ يوجبه القياسُ، لأنَّها إنَّما تُذكرُ ليُتَوَصَّل بها إلى الوصفِ بأسماءِ الأجناس، كقولك: مررتُ برجلٍ ذي مالٍ وذي علمٍ وذي كرمٍ. والمضمرُ ليسَ بجنسٍ، فكان يجب ألَّا تضافَ (٢) إليه. وكذلكَ كانَ حقُّها ألَّا تُفردَ، وألَّا يدخلَها الألفُ واللامُ. إلَّا أَنَّهُ قد سُمِعَ ذلكَ من العربِ، مِمَّنْ يُحْتَجُّ بقولِهِ، ويُرْجَعُ في اللغةِ إليهِ. وما تكلَّمتْ به العربُ، ووقعَ في أشعارها وأخبارها، ونقلَهُ أهلُ الثقةِ عنها، لا تُلَحَّنُ به العامَّةُ، وَإنْ قلَّتْ شواهِدُهُ وضعف قياسُهُ. قالَ الأحوصُ (٣): وإنَّا لنرجو عاجلًا منك مِثلما ... رجوناهُ قِدْمًا من ذويك الأوائلِ فأضاف (ذوي) وهو جمع (ذي) إلى المضمر. وقال كعبُ بنُ زهير (٤): صَبَحنا الخزرجِيَّةَ مُرْهَفَاتٍ ... أبادَ ذوي أَرُومتها ذَوُوها

стр. 29

وأنشد أبو عليّ (١): إنَّما يَصْطَنِعُ المعـ ... ـروفَ في الناسِ ذَوُوهُ أَهْنأُ المعروفِ ما لم ... تُبْتَذَلْ فيه الوجوهُ وأدخلَ سيبويه (٢) بيتَ الكُمَيْتِ شاهدًا على جمع ذي جمعَ السلامةِ، وإفراده من الإِضافةِ، وإلزامه الألفَ واللامَ، وهو (٣): فلا أعني بقولي أَسْفَلِيكُمْ ... ولكنِّي أُريدُ بِهِ الذَّوِينا وقالَ أبو العباس المبرّد في بعضِ أبوابِ كتابِهِ المسمَّى بالكامل (٤): باب ذكر (٥) الأذواء من اليمن، فأتى به مجموعًا جمع التكسير معرَّفًا بالألف واللام، وهو من أهل اللغة المحتجّ بقوله، لرسوخِهِ فيها وثقته، وحاشاه (٦) أنْ يُدخلَ في كتابِهِ أو يُبَوِّبَ على بابٍ من أبوابه، ما لم تستعملْهُ العربُ في مقاماتِها، ولا عُرِفَ من لغاتها، وهو من أئمةِ النحويين واللغويين غيرَ مُدافَعٍ، في فصاحتِهِ وبلاغتِهِ وحُسْنِ عبارتِهِ، ومَنْ قَرَأَ كُتُبَهُ ووَقَفَ على ما أَلَّفَهُ عرفَ ذلك يقينًا، إنْ كانَ له بَصَرٌ يهديه وبَصِيرَةٌ ترشده. وما التوفيقُ إلَّا باللَّهِ [تعالى]. * * *

стр. 30

وقال أيضًا (١): (ويقولون للإِناءِ المتَّخَذِ من الصُّفْرِ: سَطْلٌ. والصوابُ: سَيْطَلٌ، على مثالِ فَيْعَل). قالَ الرادّ: قالَ الخليلُ بنُ أحمد (٢)، ﵀: السَّطْلُ: الطُّسَيْسَةُ الصغيرةِ. ويُقالُ: إنَّهُ على صيغةِ تَوْرٍ، وله عُروةٌ كعُرْوةِ المِرْجلِ، ويُقالُ له: السَّيْطَلُ أيضًا. فبدأ بما أنكره أبو بكر (٣) الزُّبيديّ في كتابِهِ، ولَحَّنَ فيهِ عامَّةَ زمانِهِ، ثم أَتْبَعَهُ باللغةِ الأخرى. وقال ابنُ سِيده (٤) أيضًا في كتابِهِ (المُحْكَم): السَّطْلُ عربيٌّ صحيح، والجمعُ سُطُولٌ. وقالَ أبو بكر أيضًا في آخرِ هذا الفَصْلِ من كتابِهِ (لَحْن العامةِ) (٥): وسألتُ عنه أبا عليٍّ فقالَ: هو دَخِيلٌ في كلامِ العربِ. قالَ الرادّ: وإذا كانَ دخيلًا في كلامِ العرب، وتكلمتْ به، فلا معنى لإِنكارِهِ على مَنْ تكلَّمَ به. وهذا الذي قاله أبو عليّ في السَّطْلِ قد قالَ مثلَهُ ابنُ دريد في السَّيْطَلِ، ولكنَّهُ صرَّحَ بأنَّ العربَ تكلَّمَتْ به.

стр. 31

قالَ ابنُ دُرَيْدٍ (١)، ﵀: السَّطْلُ والسَّيْطَلُ أَعجميان، وقد تكلَّمَتْ بهما (٢) العربُ. * * * وقال أيضًا (٣): (ويقولون للحظيرةِ تكونُ في الدار: حَيْر. والصواب: حائر). قالَ الرادّ: قال الخليل بن أحمد (٤): الحائر: حوضٌ يُسَيَّبُ إليه مَسِيلُ الماءِ من الأمطار، يُسَمَّى بهذا الاسم بِالماءِ وغيرِه. وبالبصرة حائِرُ الحجَّاجِ، معروفٌ، يابسٌ لا ماء فيه، وأكثرُ الناسِ يُسَمِّيه: الحَيْرَ، كما يقولون لعائشة: عَيْشَة، يستحسنون التخفيف وطرح الألف. قالَ الرادّ: يعني الخليلُ بقولِهِ: (وأكثرُ الناسِ يُسَمِّيه الحَيْرَ) العربَ. والدليلُ على ما قلناهُ تَعلِيلُهُ لذلك، لأنّ غيرَ العربِ لا يُلْتَفَتُ لكلامِهم فكَيْفَ يُعَلَّلُ. ومن الدليلِ على ذلك أيضًا قولُهُ: (كما يقولون لعائشة: عَيْشَة)، والذينَ يقولون لعائشة عَيْشة، هم العربُ. وقَدْ جاءَ ذلك في أشعارِهم الفصيحة، قال الشاعرُ (٥)، وهو رجلٌ

стр. 32

من بني تميم لعُمَر بنِ عُبَيْدِ اللَّه بنِ مَعْمَر: انبِذْ برَملةَ نَبْذَ الجَوْرَبِ الخلقِ ... وعِشْ بعَيْشَةَ عَيْشًا غيرَ ذي رَنقِ يعني رَمْلَةَ أُخْتَ طَلْحَةِ الطَّلحاتِ (١)، وعائشة بنتَ طلحةَ بنِ عبيدِ اللَّهِ (٢). وإذا حكى الخليلُ أنَّ أكثرَ الناسِ يُسَمِّيهِ الحَيْرَ، ويُعَلِّلُ ذلكَ فكيفَ تُلَحَّنُ بهِ العامَّة؟ ثم قالَ أبو بكر في آخرِ هذا الفَصْلِ: وقد رَوَى أبو عُبَيْد (٣) عن أبي عمرو الشيبانيّ في بيتِ رؤبة (٤)، وهو: حتى إذا ما اهتاج حِيرانُ الذُرَقْ قالَ: حِيران جمعُ حَيْر. فأَثْبَتَ آخِرًا ما نفاهُ أَوّلًا، وأتى بالحجَّة على نَفْسِهِ (٥). * * *

стр. 33

وقال أيضًا (١): (ويقولون في تصغير ضَيْعَةٍ، ضُوَيْعَة، ويجمعونها على ضِيَع، والصوابُ: ضُيَيْعة، وضِيَيْعَة، إنْ شئتَ، والجمعُ: ضِياع). قالَ الرادّ: أمَّا إنكارُهُ التصغيرَ فصحيحٌ على مذهبِ البصريين، وغير صحيحٍ على مذهبِ الكوفيين، لأنَّهم أجازوا قَلْبَ هذِهِ الياءِ واوًا، لانضمامِ ما قبلها، فيقولون في ضَيْعَة ضُوَيْعَة. وسيأتي الكلامُ على هذا الفصلِ مستوفى فيما بعدُ، إنْ شاءَ اللَّهُ. وأمَّا إنكارُهُ الجمعَ فغيرُ صحيحٍ، لأنَ العَرَبَ تجمعُ (فَعْلَة) في الكثيرِ على (فِعال) نحو جَفْنَةٍ وجِفانٍ، وقَصْعَةٍ وقِصَاعٍ، وصَحْفَةٍ وصِحَافٍ. وبناتُ الياءِ والواوِ بهذِهِ المنزلةِ نحو: ظَبْيَةٍ وظِباءٍ، ورَكْوَةٍ ورِكاءٍ. وكذلكَ ما اعتلَّتْ عَيْنُهُ نحو: عَيْبَةٍ وعِياب، وضَيْعَةٍ وضِياعٍ. ويجمعونها أيضًا على (فِعَل) وإنْ كانَ جمعًا عزيزًا نحو: بَدْرَةٍ وبِدَرٍ، وبَضْعَةٍ وبِضَعٍ، وهَضْبَةٍ وهِضَبٍ، وحَلْقَةٍ وحِلَقٍ. وقالوا (٢) أيضًا في المعتلّ العينِ: ضَيْعَة وضِيعَ، فلا معنى لإِنكارِهِ معَ نُطْقِ العربِ بهِ، وإنْ كانَتْ لغة قليلةً.

стр. 34

قالَ ابنُ سيده في (المُحْكَم) (١): الضَيْعَةُ: الأَرْضُ المُغِلَّةُ، والجمعُ: ضِيَعٌ وضِياعٌ. * * * وقال أيضًا في باب (ما تضَعُهُ العامَّة [في] غير موضِعِهِ) (٢): (ويقولون: بَنِيقة للقِطْعَةِ من الشِّقَّةِ تُخاطُ بجَنْبِ القميصِ. والبَنِيقةُ: لِبْنةُ القميص التي فيها الأزرارُ). قالَ الرادّ: أَمَّا تخصيصُهُ البَنِيقَةَ بلِبْنَةِ القميصِ فوَهْمٌ. قالَ الخليلُ (٣)، ﵀: البنيقةُ: كلُّ رُقْعَةٍ في الثوبِ نحو اللِّبْنَةِ وما يُشْبِهُها، والجمعُ: البنائِقُ واحتجَّ بِبَيْتِ نُصَيْبٍ (٤) وهو: سَوِدْتُ فلمْ أَمْلِكْ سَوادِي وتَحْتَهُ ... قميصٌ القُوهِيِّ بيضٌ بنائِقُهْ ولم يُرِدْ نُصَيْبٌ لِبَنَ القميصِ فَقَطْ كما ظَنَّ أبو بكرٍ، وإنَّما أرادَ رقاعَ القميصِ كلَّها، وبهذا صَحَّ المعنى. وأما البيتُ الذي احتجَّ به وهو (٥): يَضُمُّ إليَّ الليلُ أطفالَ حُبِّها ... كما ضَمَّ أزرارَ القميصِ البنائِقُ

стр. 35

فلا حُجَّةَ له فيه، لأنَّ البنائِقَ هنا اللَّبَنُ، وهي إحدى رِقاعٍ القميصِ، كما قدَّمنا. وليسَ فْي البيتِ دليلٌ على أَنَّهُ لا يُقالُ: بَنِيقة إلَّا لِلِبنَةِ القميص فقط. وقالَ ابنُ دُرَيْدٍ (١): بنائقُ القميصِ هي التي تُسَمَّى الدَّخاريص، والواحدةُ: دِخْرَصَةٌ، فارسيٌّ مُعَرَّبٌ. قالَ ابنُ سِيده (٢): الدَّخاريصُ من القميص والدِّرْعِ: ما يُوصَلُ بهِ البَدَنُ ليُوَسِّعَهُ، واحدتُها: دِخْرَصَةٌ ودِخريصٌ. قالَ الرادّ: والذي يُوصَلُ به البَدَنُ ليوسِّعَهُ هو الذي تقولُ له العامَّةُ: البنائِق، فلم يضعوا إذًا الشيءَ في غيرِ موضِعِهِ، على هذا القولِ. * * * وقالَ أيضًا (٣): (ويقولون للطائرِ: غُرْنُوق. والغُرْنوقُ والغِرْنَوْقُ والغُرانِقُ: الرجلُ الشابُّ الناعِمُ. فأمَّا الطائرُ فهو الغُرْنَيْقُ). قالَ الرادّ: قد حكى الخليلُ (٤) أَنَّهُ يُقَالُ لواحدِ الغَرانيق التي هي طَيْرُ الماءِ: غُرْنَيْق وغُرْنُوق، بضمِّ الغينِ والنونِ.

стр. 36

وحكى مثلَ ذلك أبو حاتمِ (١) في كتابِ (الطَّيْرِ). وقالَ ابنُ سِيده في (المُحْكَم) (٢): الغُرْنُوقُ والغُرْنَيْقُ طائرٌ أَبْيَضُ، وقيلَ: هو طائِرٌ أَسْوَدُ من طيرِ الماءِ. وما جاءَ فيهِ عن العربِ لُغَتانِ فلا معنى لتلحينِ العَامَّةِ بِهِ. وحكى السِّيرافيّ أيضًا أنَّ الغُرْنَيْقَ السَّريعُ. وذكرَ سيبويه (٣) الغُرْنَيقَ في بناتِ الأربعةِ. وذهبَ إلى أنَّ النونَ فيه أَصْلٌ لا زائدة. قال الرادّ: فأمَّا الرجلُ الشابُّ فيُقال في صفتِهِ: غُرْنُوقٌ على وزنِ فُرْفُورٍ، وغِرْنِيقٌ على وزنِ قِنْدِيل، وغُرانِقٌ على وزنِ عُذافِرٍ، وغَرَوْنَقٌ على وزنِ فَدَوْكَسٍ، وغِرْناقٌ على وزنِ سِرْبالٍ. قالَ الراجِزُ (٤): يا لَلرِجالِ لِلمَشِيبِ العائِقِ غَيَّرَ لونَ الشَّعَرِ الغُرانِقِ وقالَ آخرُ (٥): لا ذَنْبَ لي كنتُ امرءًا مُفَنَّقًا

стр. 37

أَغْيَدَ نوَّامَ الضُحَى غَرَوْنَقا * * * وقالَ أيضًا (١): (ويقولونَ: نَبْلَة لواحدِ النَّبْلِ. وذلكَ خَطَأٌ، لأنَّ النَّبْلَ عند العربِ جَمْعٌ لا واحدَ له من لَفظِهِ، مثل الخَيْلِ والغَنَمِ. وواحدُ النَّبْلِ سَهْمٌ أو قِدْح، كما أنَّ واحدَ الخيلِ فَرَسٌ). قالَ الرادّ: قد حَكَى ابنُ جنيّ أنَّ واحِدَ النَّبْلِ نَبْلَةٌ، فلا معنى لإِنكارِها على العامَّةِ وإنْ قَلَّتْ. * * * وقالَ أيضًا (٢): (ويقولونَ: دِفْتَرٌ، بكَسْرِ أَوَّلِهِ. والصوابُ: دَفْتَرٌ، بالفتحِ، على مثالِ فَعْلَل). قال الرادّ: قد جاءتْ عن العربِ فيه لغات. حَكَى بَعْضُهم أنَّهُ يقالُ: دَفْتَرٌ ودِفْتَرٌ، بفتحِ الدالِ وكسرِها، وتَفْتَرٌ، بإبدال الدالِ تاءً. * * * وقالَ أيضًا (٣): (ويقولون للدُّوَيْبَّةِ المُلَبَّسَةِ الظهرِ بالشَّوْكِ: قُنْفُطٌ. والصوابُ: قُنْفُذٌ وقُنْفَذٌ). قال الرادّ: قد حَكَى اللغويون: قُنْفُطٌ وقُنْفَطٌ، بالطاءِ، فلا معنى لإِنكارِها على العامَّةِ.

стр. 38

فأمَّا قولُ عامَّةِ زمانِنا: قَنْفُودٌ، بزيادَةِ واوٍ بعدَ الفاءِ (١) ودال غير معجمة، فلَحْنٌ. * * * وقال أيضًا (٢): (ويقولونَ: أنشدتُ المالَ في الأسواقِ. والصوابُ: أَشَدْتُهُ. قالَ يعقوب (٣): أَشَدْتُ بذكرِهِ، ورفعتُ ذِكْرَهُ). قالَ الرادّ: هذا تَعَسُّفٌ على العامَّةِ، بلْ جائزٌ أنْ يُقالَ: أنشدتُ المالَ في الأسواق، إذا عَرَّفْتَهُ، كما تقولُ: أَنْشَدْتُ الضالَّةَ، إذا عَرَّفْتَها (٤)، لأنَّ الضالَّةَ إنَّما هي كنايَةٌ عمَّا يَضِلُّ من المالِ وغيرِهِ. فلا معنى لإِنكارِ هذا عليهم. * * * وقالَ أيضًا (٥): (ويقولونَ: وَتَدٌ، فيفتحونَ التاء. والصوابُ: وَتِدٌ). قالَ الرادّ: قد حَكَى اللغويون في وتد ثلاثَ لغاتٍ، وَتِدٌ بكسر التاء، ووَتَدٌ، بفَتْحِها، ووَدٌّ، بالإِدغامِ. * * *

стр. 39

وقالَ أيضًا (١): (ويقولون للطِّينِ الذي يُختمُ به: طابِعٌ. والصواب: طابَعٌ، بالفتحِ). قالَ الرادّ: حكى أبو العباس ثعلب (٢) وغيره من اللغويين أَنَّهُ يُقالُ للذي يُطبعُ به: طابَع وطابِع، بكسر الباء وفتحها. فأمَّا الرجلُ الذي يطبعُ فطابِع، بالكسر لا غير. قالَ الرادّ: ويقالُ للطابَعِ أيضًا: مِطبَعٌ، ومِئْفَقٌ، قال الأعشى (٣): ولا المَلِكُ النعمانُ يومَ لَقِيته ... بإمَّتِهِ يُعطي القُطوطَ ويَأفِقُ * * * وقال أيضًا (٤): (ويقولون لثقبِ الإِبرةِ: خَرْتٌ. والصوابُ: خُرْتَةُ الإِبرةِ وخُرْتُها). قالَ الرادّ: قد حكى اللغويون: خَرْتٌ وخُرْتٌ، بفتحِ الخاءِ وضَمِّها. قالَ ابنُ سيده (٥): الخَرْتُ والخُرْتُ الثَّقْبُ في الأذنِ وغيرِها والجمعُ: أَخْراتٌ وخُروتٌ. * * *

стр. 40

وقال أيضًا (١): (ويقولونَ للكُمَّثْرَى: إِجَّاصٌ. والإِجَّاص ضَرْبٌ من المِشْمِشِ). قالَ الرادّ: قال أبو حنيفة (٢): الإِجَّاصُ عندَ أهلِ الشامِ الكُمَّثْرَى، ويسمونَ الإِجَّاصَ المِشْمِشَ. قالَ الرادّ: فإذا كانت لُغَةً شامِيَّةً فكيف تلحَّنُ بها العامَّةُ. وحكى الأستاذُ أبو محمد بن السِيد (٣)، ﵀: أنَّ قومًا من اليمنِ يُبدلون من الحرفِ الأوَّلِ من الحرفِ المُشَدَّدِ نونًا، فيقولون في إجَّاص: إنجاص، وفي إجَّانة: إنجانة. فقولُ عامَّةِ زماننا: إنجاصٌ، ليس بلَحْنٍ أيضًا، لما حكاهُ اللغويون. * * * وقال أيضًا (٤): (ويقولونَ للعِنَبِ المُعَرَّشِ: دالية. والدالِيةُ التي تدلو الماءَ من البِئرِ أو النهرِ، أي: تستخرجُهُ). قالَ الرادّ: حكى أبو حنيفة (٥) أنَّ الدَّوالي جنسٌ من أعنابِ أرْضِ العربِ.
следующие страницы →