← Язык

Язык · id 148096

المدخل إلى تقويم اللسان

اللخمي، ابن هشام

Полный текст (576 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وحكى مثلَ ذلك أبو حاتمِ (١) في كتابِ (الطَّيْرِ). وقالَ ابنُ سِيده في (المُحْكَم) (٢): الغُرْنُوقُ والغُرْنَيْقُ طائرٌ أَبْيَضُ، وقيلَ: هو طائِرٌ أَسْوَدُ من طيرِ الماءِ. وما جاءَ فيهِ عن العربِ لُغَتانِ فلا معنى لتلحينِ العَامَّةِ بِهِ. وحكى السِّيرافيّ أيضًا أنَّ الغُرْنَيْقَ السَّريعُ. وذكرَ سيبويه (٣) الغُرْنَيقَ في بناتِ الأربعةِ. وذهبَ إلى أنَّ النونَ فيه أَصْلٌ لا زائدة. قال الرادّ: فأمَّا الرجلُ الشابُّ فيُقال في صفتِهِ: غُرْنُوقٌ على وزنِ فُرْفُورٍ، وغِرْنِيقٌ على وزنِ قِنْدِيل، وغُرانِقٌ على وزنِ عُذافِرٍ، وغَرَوْنَقٌ على وزنِ فَدَوْكَسٍ، وغِرْناقٌ على وزنِ سِرْبالٍ. قالَ الراجِزُ (٤): يا لَلرِجالِ لِلمَشِيبِ العائِقِ غَيَّرَ لونَ الشَّعَرِ الغُرانِقِ وقالَ آخرُ (٥): لا ذَنْبَ لي كنتُ امرءًا مُفَنَّقًا

стр. 37

أَغْيَدَ نوَّامَ الضُحَى غَرَوْنَقا * * * وقالَ أيضًا (١): (ويقولونَ: نَبْلَة لواحدِ النَّبْلِ. وذلكَ خَطَأٌ، لأنَّ النَّبْلَ عند العربِ جَمْعٌ لا واحدَ له من لَفظِهِ، مثل الخَيْلِ والغَنَمِ. وواحدُ النَّبْلِ سَهْمٌ أو قِدْح، كما أنَّ واحدَ الخيلِ فَرَسٌ). قالَ الرادّ: قد حَكَى ابنُ جنيّ أنَّ واحِدَ النَّبْلِ نَبْلَةٌ، فلا معنى لإِنكارِها على العامَّةِ وإنْ قَلَّتْ. * * * وقالَ أيضًا (٢): (ويقولونَ: دِفْتَرٌ، بكَسْرِ أَوَّلِهِ. والصوابُ: دَفْتَرٌ، بالفتحِ، على مثالِ فَعْلَل). قال الرادّ: قد جاءتْ عن العربِ فيه لغات. حَكَى بَعْضُهم أنَّهُ يقالُ: دَفْتَرٌ ودِفْتَرٌ، بفتحِ الدالِ وكسرِها، وتَفْتَرٌ، بإبدال الدالِ تاءً. * * * وقالَ أيضًا (٣): (ويقولون للدُّوَيْبَّةِ المُلَبَّسَةِ الظهرِ بالشَّوْكِ: قُنْفُطٌ. والصوابُ: قُنْفُذٌ وقُنْفَذٌ). قال الرادّ: قد حَكَى اللغويون: قُنْفُطٌ وقُنْفَطٌ، بالطاءِ، فلا معنى لإِنكارِها على العامَّةِ.

стр. 38

فأمَّا قولُ عامَّةِ زمانِنا: قَنْفُودٌ، بزيادَةِ واوٍ بعدَ الفاءِ (١) ودال غير معجمة، فلَحْنٌ. * * * وقال أيضًا (٢): (ويقولونَ: أنشدتُ المالَ في الأسواقِ. والصوابُ: أَشَدْتُهُ. قالَ يعقوب (٣): أَشَدْتُ بذكرِهِ، ورفعتُ ذِكْرَهُ). قالَ الرادّ: هذا تَعَسُّفٌ على العامَّةِ، بلْ جائزٌ أنْ يُقالَ: أنشدتُ المالَ في الأسواق، إذا عَرَّفْتَهُ، كما تقولُ: أَنْشَدْتُ الضالَّةَ، إذا عَرَّفْتَها (٤)، لأنَّ الضالَّةَ إنَّما هي كنايَةٌ عمَّا يَضِلُّ من المالِ وغيرِهِ. فلا معنى لإِنكارِ هذا عليهم. * * * وقالَ أيضًا (٥): (ويقولونَ: وَتَدٌ، فيفتحونَ التاء. والصوابُ: وَتِدٌ). قالَ الرادّ: قد حَكَى اللغويون في وتد ثلاثَ لغاتٍ، وَتِدٌ بكسر التاء، ووَتَدٌ، بفَتْحِها، ووَدٌّ، بالإِدغامِ. * * *

стр. 39

وقالَ أيضًا (١): (ويقولون للطِّينِ الذي يُختمُ به: طابِعٌ. والصواب: طابَعٌ، بالفتحِ). قالَ الرادّ: حكى أبو العباس ثعلب (٢) وغيره من اللغويين أَنَّهُ يُقالُ للذي يُطبعُ به: طابَع وطابِع، بكسر الباء وفتحها. فأمَّا الرجلُ الذي يطبعُ فطابِع، بالكسر لا غير. قالَ الرادّ: ويقالُ للطابَعِ أيضًا: مِطبَعٌ، ومِئْفَقٌ، قال الأعشى (٣): ولا المَلِكُ النعمانُ يومَ لَقِيته ... بإمَّتِهِ يُعطي القُطوطَ ويَأفِقُ * * * وقال أيضًا (٤): (ويقولون لثقبِ الإِبرةِ: خَرْتٌ. والصوابُ: خُرْتَةُ الإِبرةِ وخُرْتُها). قالَ الرادّ: قد حكى اللغويون: خَرْتٌ وخُرْتٌ، بفتحِ الخاءِ وضَمِّها. قالَ ابنُ سيده (٥): الخَرْتُ والخُرْتُ الثَّقْبُ في الأذنِ وغيرِها والجمعُ: أَخْراتٌ وخُروتٌ. * * *

стр. 40

وقال أيضًا (١): (ويقولونَ للكُمَّثْرَى: إِجَّاصٌ. والإِجَّاص ضَرْبٌ من المِشْمِشِ). قالَ الرادّ: قال أبو حنيفة (٢): الإِجَّاصُ عندَ أهلِ الشامِ الكُمَّثْرَى، ويسمونَ الإِجَّاصَ المِشْمِشَ. قالَ الرادّ: فإذا كانت لُغَةً شامِيَّةً فكيف تلحَّنُ بها العامَّةُ. وحكى الأستاذُ أبو محمد بن السِيد (٣)، ﵀: أنَّ قومًا من اليمنِ يُبدلون من الحرفِ الأوَّلِ من الحرفِ المُشَدَّدِ نونًا، فيقولون في إجَّاص: إنجاص، وفي إجَّانة: إنجانة. فقولُ عامَّةِ زماننا: إنجاصٌ، ليس بلَحْنٍ أيضًا، لما حكاهُ اللغويون. * * * وقال أيضًا (٤): (ويقولونَ للعِنَبِ المُعَرَّشِ: دالية. والدالِيةُ التي تدلو الماءَ من البِئرِ أو النهرِ، أي: تستخرجُهُ). قالَ الرادّ: حكى أبو حنيفة (٥) أنَّ الدَّوالي جنسٌ من أعنابِ أرْضِ العربِ.

стр. 41

فإذا كانتِ العربُ تُسمِّي جنسًا من أعنابِها بالدَّوالي، فلا معنى لإِنكاره على العامةِ، إلَّا أنَّ العامة تَعُمُّ بهذا الاسم جميعَ الأعنابِ، وهو عندَ العربِ واقعٌ على جِنسٍ مخصوص. * * * وقال أيضًا (١): (ويقولون لجمعِ الرِيحِ: أَرْيَاح. والصوابُ: أَرْواح). قالَ الرادّ: حكى أبو حنيفة أنَّ لغة بني أَسَدٍ أنْ يجمعوا الريح على أَرْياح، على لفظِ الواحد. وكذلكَ حكى اللِّحياني (٢) في نوادره. ومثلُهُ: عِيدٌ وأَعيادٌ (٣)، وأصلُهُ الواو لأَنَّه مِن عادَ يعودُ، لأَنَّهُ يعودُ في كلِّ سنةٍ. وطَرَدُوا ذلكَ في التصغير، فقالوا: عُيَيْدٌ، وكانَ قياسُهُ عُويدًا وأعوادًا، كرويحةٍ وأَرْواحٍ. وكثيرًا ما تقلبُ العربُ الواو ياءً طلبًا للخِفَّةِ، كقولهم: دَيَّموا، والأصلُ: دَوَّمُوا، وكقولهم: المياثيق في المواثيق، وهو من الوثيقة. وما كانَ لغةً للعربِ لا تُلَحَّنُ به العامة. * * * وقال أيضًا (٤): (ويقولونَ: أَرْدَفْتُ الرجلَ، إذا جَعَلَهُ خَلْفَهُ

стр. 42

راكبًا). ثم قالَ في آخرِ الفصلِ: (ويقالُ: دابَّة لا تُرادِفُ، أي لا تحملُ رَدِيفًا. وقولهم: لا تُردِفُ، خطأٌ). قال الرادّ: ليسَ بخطأ، بل هي لغةٌ صحيحةٌ. حكى ابنُ سِيده وغيره أنَّهُ يُقالُ: دابةٌ لا تُرادِفُ، ولا تُردِفُ، أي لا تقبلُ ردِيفًا. * * * وقال أيضًا (١): (ويقولون للذي ينخُلُ الحِنطة: غِرْبال. والصوابُ: مُغَرْبِلٌ). قالَ الرادّ: الغِرْبالُ في لغةِ العربِ أشهرُ من أنْ يحتاجَ إلى شاهدٍ، قالَ الراجزُ: يجُرُّ أذيالًا على أَذْيالِ يتركُ حالَ التُّرْبِ كلَّ حالِ كأنَّما غُرْبِلَ بالغِرْبالِ وقال الحُطيئةُ (٢): أغِرْبالًا إذا استودِعْتِ سِرًّا ... وكانونًا على المُتَحَدِّثينا وقالَ ابنُ سِيده (٣): غَرْبَلْتُ الشيءَ غَرْبَلَةً، أي نَخَلْتُهُ، والغِرْبالُ:

стр. 43

ما غربلتَهُ به، والمفعولُ: مُغَرْبَل. قالَ الشاعرُ (١): أحيا أَباهُ هاشمُ بنُ حَرْمَلَهْ ترى الملوكَ حَوْلَهُ مُغَرْبَلَهْ يقتلُ ذا الذَّنبِ ومَنْ لا ذَنْبَ لَهْ أي ينتقي السادة فيقتلهم، وقد قِيلَ فيه غيرُ ذلكَ. * * * وقال أيضًا (٢): (ويقولون: ضِفْدَع، بفتحِ الدالِ. والصوابُ: ضِفْدِع، بالكَسْرِ، على مثالِ: فِعْلِل). قالَ الرادّ: قد جاءَ عن العرب في ضفدع ثلاثُ لُغاتٍ: ضِفْدِع، بكسرِ الضادِ والدالِ. وضِفْدَع، بكسرِ الضادِ وفتحِ الدال، كما تنطقُ به العامةُ، على ما حكى أبو بكرٍ، وضُفْدَع، بضم الضادِ وفتح الدالِ، وهي أَقَلُّها. فأمَّا قولُ عامةِ زمانِنا: ضَفْدَع، بفتح الضادِ والدالِ، فَلَحْنٌ. * * *

стр. 44

وقال أيضًا (١): (ويقولون للآلة التي يُمْسِكُ القَيْنُ بها الحديدَ عندَ الإِيقادِ والضربِ: كَلْبتان. والمعروفُ من كلامهم: الكلالِيب، واحدها: كُلَّاب وكَلُّوب). قالَ الرادّ: قد قالَ الخليلُ في كتاب العين (٢)، وهو المرجوع إليه والمُعوَّل عليه: إنَّ الكُلَّابَ والكَلُّوبَ لُغَتانِ، وهي خشبةٌ في رأسِها عُقّافَةٌ، منها أو من حديد، أو هي كلُّها من حديد. فأمَّا الكَلْبتانِ فالذي يكونُ مع الحدَّادين ونحو ذلك. قال الرادّ: فإذا حكاها الخليلُ في كتابِهِ عن العرب، فكيفَ تكونُ غير معروفةٍ؟ وكيفَ تُلحَّنُ بها العامةُ؟ * * * وقال أيضًا (٣): (ويقولون: جاريةٌ عَزْباءُ للبِكْرِ. والصوابُ: عَزَبَةٌ، وهي التي لا زوج لها، كانتْ بِكْرًا أو ثَيِّبًا). قال الرادّ: بل الصواب: جارِيةٌ عَزَبٌ، بغيرِ هاءٍ. وقد أَخَذَ أبو إسحاق الزَّجَّاج على أبي العباس ثَعْلب في قولِهِ: وامرأةٌ عَزَبَةٌ، وزعمَ أَنَّهُ خَطَأٌ.

стр. 45

قالَ أبو إسحاق (١): وإنَّما يُقالُ: رَجُلٌ عَزَبٌ، وامرأةٌ عَزَبٌ، لأنَّه مصدرٌ وصف به، لا يُثنَّى ولا يُجمعُ ولا يُؤنَّثُ، كما يُقالُ: رجلٌ خَصْمٌ، وامرأةٌ خَصْمٌ، ولا يُقالُ: خصْمَة، واحتجَّ على ذلكَ بقولِ الشاعرِ (٢): يا مَنْ يَدُلُّ عَزَبًا على عَزَبْ على ابنةِ الحُمارِسِ الشيخِ الأَزَبْ كأنَّ لحم كَيْنِها إذا انقلَبْ رُمانةٌ فُتَّتْ لمحمومٍ وَصِبْ فإنْ (٣) جمعتَ قُلتَ: أعزابٌ، كما قالوا: بَطَلٌ وأبطالٌ، وبَرَمٌ وأَبرامٌ. ولا يمتنعُ إذا كانَ للمذكرِ (٤) من الواو والنون، فتقول: عَزَبون. * * * وقالَ أيضًا (٥): (ويقولون: هم في شِبْعٍ. والصوابُ: شِبَعٌ. تقولُ: شَبِع شِبَعًا حَسَنًا، قالَ امرؤ القيسِ (٦):

стр. 46

فتوسِع أَهْلَها أَقِطًا وسَمْنًا ... وحَسْبُكَ من غِنًى شِبَعٌ ورِيُّ). قالَ الرادّ: قد جاء شِبْعٌ، بإسكان الباء، في المصدر، قال الشاعرُ (١): وكلُّهُم قد نالَ شِبْعًا لبَطْنِهِ ... وشِبْعُ الفتى لؤمٌ إذا جاعَ صاحبُهْ فالشِّبْعُ هاهُنا مصدرٌ، لأَنَّ اللؤمَ إنَّما توصفُ بهِ الأفعالُ لا الذوات، ولكنَّ الأكثرَ في المصدرِ أنْ يأتي بفتحِ الباءِ. فأمَّا الشِّبْعُ، بسكونِ الباءِ فالمقدارُ الذي يُشبع الإِنسانَ. وقولُ عامةِ زمانِنا: شَبَعٌ، بفتحِ الشينِ، لَحْنٌ. * * * وقالَ أيضًا (٢): (ويقولون: امرأةٌ أَرْمَلَةٌ ونِسوةٌ أَرامِلُ، للنساءِ اللاتي هلكَ عنهنَّ أزواجُهُنَّ. والأرملةُ: المُحتاجَةُ). قالَ الرادّ: كانَ ينبغي له ألَّا يُدْخِلَ مثلَ هذا في لَحْنِ العامةِ، لأنَّه قد قالَ به كثيرٌ من اللغويين. وما حكاهُ بعضُ أَهْلِ اللغةِ لا تُلَحَّنُ بهِ العامةُ. قالَ ابنُ الأعرابي ﵀: الأرملةُ التي ماتَ عنها زوجُها. قالَ الرادّ: وهذا الذي قاله ابنُ الأعرابي هو المعروفُ الذي يستعملُهُ الناسُ قديمًا وحديثًا. واشتقاقُ الأرملةِ من الإِرمالِ، وهو

стр. 47

ذهابُ الزادِ ونفادُهُ، ويُقالُ: أَرْمَلَ القومُ فهم مُرْمِلون، إذا فَنِيَ زادُهم. فسُمِّيتِ المرأةُ التي ماتَ عنها زوجُها أَرْمَلةٌ لما ينالهَا في الأَغلبِ من الحاجةِ وشدَّةِ الحالِ، عند فَقْدِ (١) زوجِها المُنفق عليها والقائم بأمرِها. وقد يُسمَّى الرجلُ المحتاجُ أَرْمَلًا، على وجهِ التشبيهِ بالمرأةِ الأرملةِ في الفقرِ وضعفِ الحالِ. وقولُ جرير (٢): فَمَنْ لِحاجةِ هذا الأَرْمَلِ الذَّكَرِ يُفهمُ منه أَنَّ هذه اللفظةَ موضوعة في الأصلِ للإِناثِ، وإنَّما جَعَلَها للذَّكَرِ على وجهِ الاستعارة والتشبيه، ولازدواجِ الكلامِ. ولذلكَ قالَ: الأَرْمَلُ الذكَرُ، كأَنَّهُ قالَ: فمَنْ لهذا الذكَرِ الذي قد أَشْبَهَ الأراملَ، وصارَ مثلهُنَّ في الفقرِ والحاجةِ. وقد قالَ ابنُ قُتيبة (٣): إذا قالَ الرجلُ: هذا المالُ لأراملِ بني فلانٍ، فهو على طريقِ اللغةِ للرجالِ والنساءِ، لأنَّ الأرامِلَ يقعُ على الذكورِ والإِناث، واحتجَّ بقولِ الشاعر (٤): أُحِبُّ أَنْ أصطادَ ضبًّا سَحْبَلا رَعَى الربيعَ والشتاءَ أَرْمَلا

стр. 48

قالَ: أرادَ: لا أُنثى لهُ، لأنَّه إذا سَفِدَ هُزِلَ. فَقَدْ أبانَ ابنُ قُتيبة أنَّ هذه اللفظةَ إنَّما تقعُ في اللغةِ على مَنْ لا زوجَ لها من النساءِ، وعلى مَنْ لا زوجةَ له من الرجالِ. وعابَ ابنُ الأنباري (١) على ابنِ قُتيبة إيقاعَهُ هذا الاسمَ على الرجالِ، وقالَ: إن المرأةَ التي مات عنها زوجُها يُقالُ لها: أرملة، لما يقعُ بها من الفَقْر وذهاب الزادِ بعدَ موتِ عشيرِها وقَيِّمها. والرجل الذي تموتُ امرأتُهُ يُقالُ له: أَيِّمٌ، ولا يُقالُ له: أَرمَل، إذْ ليسَ شأنُ الرجلِ أنْ يفتقرَ ويذهب زادُه بموتِ امرأتِهِ، إنَّما ذلك واقعٌ بالنساءِ، إذ كَانَ الرجالُ هم المنفقون (٢) عليهنَّ. قالَ اللَّهُ سُبحانه: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (٣)، قال: وقول الشاعر: فمَنْ لحاجةِ هذا الأَرْمَلِ الذَّكَرِ لم يُرِدْ بالأَرْمَلِ الذي ماتَتْ امرأتُهُ، بلْ أرادَ الفقير الذي نَفِدَ زادُهُ. ثمَّ بيَّنَ المعنى بقولِهِ: الذَّكَر. وكذلكَ قولُ الآخرِ: رَعَى الربيعَ والشتاءَ أَرْمَلا ليسَ فيه حُجَّةٌ، لأنَّه أراد الربيعَ والشتاءَ الأرمل، أي الشتاءَ المُذْهبَ أزوادَ الناسِ. فالأرملُ من صفةِ الشتاءِ، وليسَ من صفةِ

стр. 49

الضَّبّ، وإنَّما نصبه (١) على القطعِ من الشتاءِ. قال: وبعدُ فالغالبُ على الأرامل في تعارف القدماء، والخاصة والعامة أنهنَّ النساء دون الرجال، فإنْ/ قالَ شاعرٌ في ضرورة شعر: (رجلٌ أَرْملُ)، لم ينقُضْ بذلك العادةَ الجاريةَ، كما لو يقولَ: (مالي في الرجالِ) لم يُعطَه الإِناث، وإنْ كانتِ المرأةُ يُقالُ لها: الرَّجُلة. فكذلكَ إذا قالَ: (هذا المالُ للأَراملِ) فهو للنساءِ اللاتي ماتَ أزواجُهنَّ، وليسَ للرجالِ فيه حَظٌّ. قالَ الرادّ: وهذا كلُّهُ يشهدُ لصحةِ قولِ العامةِ. * * * وقالَ أيضًا (٢): (ويقولونَ لجمعِ السوداءِ: سَوْداناتٌ. والصواب: سَوْداوات وسُودٌ). قالَ الرادّ: أمَّا سُودٌ فصحيحٌ، وأمَّا سَوْداواتٌ فخطأٌ، لأنَّ سوداء لا تجمعُ في الصفةِ على سوداوات، وكذلكَ كلّ صفةٍ على (فَعْلاء) ولها مذكَّرٌ على (أَفْعَل)، مثل: حمراء وأحمر، وبيضاء وأبيض، لا يُجمع شيء من ذلك جمع سلامة لا المذكّر بالواو والنون، ولا المؤنَّث بالألف والتاء. وهذا منصوصٌ لسيبويه وغيره من النحويين، ولا أعلمُ بينهم فيه اختلافًا. وقد حكى أبو بكر ذلك عن سيبويه، وخالفه في جمع سوداء على سَوْداواتٍ وزعم أنَّه الصوابُ.

стр. 50

قالَ الرادّ: وإنما يُجمع هذا النوع من الصفات مُكَسَّرًا، إلَّا أَنْ يُزالَ شيء منه عن موضعه، فيجعل اسمًا غير صفة، فيجوز أنْ يُجمع حينئذٍ جمع السلامة، كما جاء: (ليسَ في الخضراوات صدقةٌ) (١) لأنهم جعلوا الخضراء اسمًا لهذا النوعِ من النباتِ. وكما قالوا: الحمراوات لمواضع معروفة، أشهرها: حمراء الأسد (٢)، وهي قريبة من المدينة، وكما جمعوا بَطْحاء على بطحاوات، لأنَّهم استعملوها استعمال الأسماء فجمعوها جمعها (٣). ولو سَمَّيْتَ رجلاً بأحمر أو أسود لقلتَ في جمعه: الأحمرون والأسودون، والأحامر والأساود. فأمَّا في الصفةِ فيُجمع على فُعْل وفُعْلان كحُمْر وحُمران، وسُود وسُودان، وأُدْم وأُدْمان. وقد قالَ بعضُهم للأَدماءِ من الظِّباءِ: أُدْمانة، قالَ ذو الرُّمَّةِ (٤): لأُدْمانةٍ مِلْوَحْشِ بينَ سُوَيْقَةٍ ... وبينَ الجبالِ العُفْرِ ذاتِ السَّلاسِل وعابَ الأصمعيُّ (٥) هذا على ذي الرُّمَّةِ، وقال: يُقالُ: آدم وأُدْمان، وأحمر وحُمْران، فأُدمانة خطأٌ لأَنَّهُ جعله واحدًا وهو جمعٌ.

стр. 51

وقالَ غيرُ الأَصمعيّ: إنَّما جعله مثل خُمْصانة، يريدُ أَنَّهُ صاغَ من الأُدمةِ اسمًا مفردًا على فُعْلان، مثل: خُمْصان وعُرْيان، ثُمَّ ألحقه تاء التأنيث كما تلحقُ في هذا النحو، فقالوا: أُدْمانة، كما قالوا: خُمْصانة وعُرْيانة. قالَ أبو إسحاق الطرابلسيّ النحوي (١): وقياس من قالَ: أُدمانة أنْ يقولَ في الجمع: أُدْمانات، كما يُقالُ في جمعِ خُمْصانة: خُمْصانات. قالَ الرادّ: ولا يمتنع على هذا أنْ يُقالَ: سُودانة وسُودانات كما تقولُ العامةُ، إلَّا أنَّهم يفتحون السين، وحقُّها على هذا أنْ تُضَمُّ. ولا أعلمُ هذا مسموعًا، وإنمَّا قلتُهُ على طريقِ التجويزِ والإِمكانِ لأنَّ له نظيرًا من كلامِ العربِ، كما أريتك، واللَّهُ أعلمُ. * * * وقالَ أيضًا (٢): (ويقولونَ: هو مُكْنًى (٣) بأبي فُلانٍ. والصوابُ: مَكْنِيٌّ ومُكَنَّى). قالَ الرادّ: قد حكى ثَعْلَبٌ عن سَلَمَةَ عن الفَرّاء أَنَّهُ يُقالُ: كَنَيْتُهُ

стр. 52

وكَنَوْتُهُ وأَكْنَيْتُهُ (١)، والمفعولُ من أَكْنَيْته: مُكْنًى (٢)، على وزنِ مُعْطىً (٣)، كالذي حكاه عن العامةِ. وأَفصحُ اللغاتِ: كُنِّيَ، بالتشديد، فهو مُكَنَّى، وكُنِيَ بالتخفيف، فهو مَكْنِيٌّ، وأَكْنَيْتُهُ فهو مُكْنًى ليستْ بالفصيحةِ، إلَّا أَنَّها ليستْ بخطأ، ولا يجب أنْ تلحَّنَ بها العامة، لكونها لغةً مسموعةً. ومَن اتسعَ في كلامِ العربِ ولغاتِها لم يكد يُلَحِّنْ أحدًا. ولذلكَ قالَ أبو الخَطَّاب عبد الحميد بن عبد المجيد (٤): (أَنحى الناسِ مَنْ لم يُلَحِّنْ أحدًا). وقالَ الخليلُ ﵀: (لغةُ العربِ أكثرُ من أنْ يلحنَ مُتَكَلِّمٌ) (٥). ورَوَى الفرَّاءُ أنَّ الكسائي قالَ: (على ما سمعت من كلام العرب ليس أحدٌ يلحنُ إلَّا القليلُ). * * * وقالَ أيضًا في بيت عثمان بن عفَّان وهو (٦): فلو لي قلوبُ العالمينَ بأَسْرِها ... لما ملأَتْ لي منه مَعْتَبَةٌ قَلْبا (هكذا قالَ: (فلو لي قلوب)، وأنا أستريبُ به، لأَنَّ (لو) لا يليها إلَّا الفعلُ ظاهرًا أو مُضمرًا).

стр. 53

قالَ الرادّ: وكذلك (لو) في البيت وليها الفعلُ مضمرًا، وارتفاع الاسم الذي بعدها به. قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ (١)، وكذلك قولهم في المَثَلِ: (لو ذاتُ سِوارٍ لَطَمَتْني) (٢)، وكذلكَ قولُ الشاعرِ (٣): ولو غيرُ أَخوالي أَرادوا نَقِيصَتي ... جعلتُ لهم فوقَ العَرانين مِيسَما وقالَ جرير (٤): لو غيرُكُم عَلِقَ الزُّبَيْرُ بحبلِهِ ... أَدَّى الجِوارَ إلى بني العَوَّامِ وقالَ الآخرُ (٥): لو بغير الماءِ حَلقي شَرِقٌ ... كنتُ كالغَصَّانِ بالماءِ اعتصارِي فهذه كُلُّهَا محمولةٌ على الفِعلِ المضمر عند البصريين. فإذا كانَ هذا فمِمَّ استرابَ؟ لكنَّهُ لم يَدْرِ كَيفَ يُقَدِّرُهُ، إذْ لم يقع بعدَ القلوبِ فِعلٌ يُفَسِّرُهُ فاسترابَ لذلكَ. وتقديرُ الفعلِ: لو كانَتْ لي، أو خُلِقَتْ لي، أو استقرَّتْ لي، أو ما شاكَلَ هذا مما يدلُّ عليه سِياقُ الكلامِ. * * *

стр. 54

وقال أَيضًا (١): (ويقولون لما كانَ مِلْحًا خاصةً: بَحْرٌ. والبَحْرُ يكونُ للمِلح والعَذْبِ). قالَ الرادّ: هذا الذي قالَهُ صحيحٌ، إلَّا أنَّ العامةَ لا تلحَّنُ بخِلافِهِ لقولِ جماعةٍ من كبارِ أهلِ اللغةِ به. قالَ أبو عُبَيْدٍ (٢) عن الأموي (٣)، وقد رُوِيَ أيضًا عن الأَصمعيّ: الماءُ البَحْرُ هو المِلْحُ، يُقالُ منه: قد أَبحرَ الماءُ، أي صارَ مِلْحًا. قالَ نُصَيبٌ (٤). وقد صارَ ماءُ الأرض مِلْحًا فزادني ... إلى مرضي أنْ أَبْحَرَ المَشْرَبُ العَذْبُ وقال أبو الحسن بنُ فارس في مُجْمَلِهِ (٥): ماءٌ بَحْرٌ أي مِلْحٌ. يُقالُ: أَبْحَرَ الماءُ، إذا مَلُحَ. وقالَ ابن دُرَيْد (٦): الأصلُ في البحر أَنَّه الماءُ المِلْحُ، ثُمَّ قالوا لكلِّ ماءٍ كثيرٍ: مِلْحٌ. * * * وقالَ أيضًا (٧): (ويقولونَ لواحد الأَظفارِ: ظِفْرٌ. والصوابُ: ظُفْرٌ، وأُظْفُورٌ).

стр. 55

قالَ الرادّ: حكَى ابنُ جني في الظفر أربعَ لغاتٍ: ظُفْرٌ، وظُفُرٌ، وظِفْرٌ، بكسر الظاءِ، كما تنطقُ به العامة، وأُظْفُورٌ. * * * وقال أيضًا (١): (ويقولونَ: تاجِرٌ مُرِدٌّ، ومُخْسِرٌ، ومُرْبِحٌ. والصوابُ: رادٌّ، وخاسِرٌ، ورابِحٌ، لأَنَّهُ مِن: رَبِحَ، ورَدَّ، وخَسِرَ). قالَ الرادّ: يجوزُ أنْ يُقالَ: مُرِدٌّ، ومُخْسِرٌ، ومُرْبِحٌ، على تأويل أنَّه صارَ ذا رِبْحٍ في مالِهِ، أو ذا خَسارةٍ فيه، أو ذا رَدٍّ. ومجيء (أَفْعَلَ) بمعنى الصيرورة من حالٍ إلى حالٍ كثيرٌ في كلامهم. وهو بابٌ مطَّردٌ لا يمتنع من القياس عليه. قال سيبويه (٢): تقول: أَجْرَبَ الرَجلُ وأَنْحَزَ وأَحالَ، أي صارَ صاحبَ جَرَبٍ ونُحَازٍ وحِيالٍ في مالِهِ. ومثلُ ذلكَ: رجلٌ مُشِدٌّ ومُقْوٍ ومُقْطِفٌ، أي صاحِبُ شِدَّةٍ وقُوَّةٍ وقِطافٍ في مالِهِ. ومثلُهُ: ألامَ الرجلُ، أي صارَ صاحبَ لائمةٍ. قالَ: ومثلُ المُقْطِفِ والمُجْرِبِ: المُعْسِرُ والمُقْتِرُ والمُوسِرُ والمُغِلُّ. * * *

стр. 56

وقالَ أيضًا (١): (ويقولون: فلانٌ يتهكَّمُ بفلان، أي يهزلُ به، وإنَّما المتهكِّمُ الغاضبُ). قالَ الرادّ: المُتهكِّم عند العامةِ إنَّما هو الزاري العابِثُ المتهزِّئُ. وكذلكَ هو عندَ العرب. قالَ ابنُ سِيده (٢): المتهكِّم المتهزِّئ، وقد تهكَّمَ بنا: أي زَرَى علينا، وعَبثَ [بنا]. هذا الذي تريده العامة بالمتهكِّم. ويكون المتهكِّم أيضًا المتغني، وقد تهكَّمْتُ له، وهكَّمته: غَنَّيْته. والمتهكِّمُ أيضًا المتكبر، وهو الذي يتهدَّم عليكَ مِن الغيظِ والحُمْقِ. وتهكَّمَتِ البِئرُ: تهدَّمت، من ذلك. * * * وقال أيضًا (٣): (ويقولون لجمعِ القِطِّ: قطاطيسُ. والصوابُ: قِطاط وقُطوط). قالَ الرادّ: أَمَّا قطاطيس فليسَ بجمعٍ لقطٍّ، كما ظَنَّ، وإنما هو جمع لقِطَّوْس، وهو من أسماءِ القِطِّ، فجمعوا قِطَّوْسًا على: قطاطيس، كخِنَّوْص، وهو ولد الخنزير، والجمعُ: خنانيص. قالَ الأخطلُ (٤):

стр. 57

أكلت الدَّجاجَ فأَفْنَيْتَها ... فهل في الخنانيصِ من مَغْمزِ إلَّا أَنَّهم استعملوا من أحدِ الاسمين الواحدَ فقالوا: قِطُّ. واستعملوا من الثاني الجمع فقالوا: قطاطيس. وللقِطِّ ستةُ أسماءٍ: قِطّ، والأُنثى: قِطَّة، والجمعُ: قِطاط وقُطوط وقِطَطَة. وهِرٌّ، والأُنثى: هِرَّة، والجمعُ: هِرَرَة. وسِنَّور، والأُنثى: سِنَّوْرة، والجمعُ: سنانير. وقِطَّوْسُ، والجمعُ: قطاطيس. وضَيْوَن، والجمعُ: ضَيَاون. وحكى صاعد (١) في كتاب (الفُصوص) أنَّ الدَّم اسمٌ من أسماء السِّنَّوْر، وأنشد (٢): ترى الدَّمَ منها مُرْصِدًا للعكابرِ قالَ: والعكابرُ: اليرابيعُ. وحكَى بعضُهم أنَّ من أسمائه: الخَيْطل والطَّوَّاف والخازِباز والخدَّاش والمخْدِش، وذكَرَ أسماء كثيرة. * * * وقال أيضًا (٣): (ومما جاء على فَعَلْتُ مفتوح العين، والعامة

стр. 58

تكسره: قولهم: عَرَفت وعَقَلت ومَلَكت وكَسَبت وعَجَزت ونَكَلت). قالَ الرادّ: أما عجَزت فالأفصحُ فتح الجيم، وبذلكَ قرأَ الجماعةُ. وعجِز، بكسرِ الجيم، لغة، وقد قُرِئ بها. وما كانَ لغة للعرب لا تلحَّنُ بها (١) العامة، وإنْ كان غيرُها أفصحَ منها. ويُقالُ أيضًا: عجِزت المرأة، بكسر الجيم، إذا عظُمت عجيزتُها. وعَجَّزَت، بتشديد الجيم: إذا صارت عجوزًا. وأمَّا نَكلت فالأفصحُ فتح الكاف، ونكِلَ، بكسر الكاف، لغة، والمضارع ينكُل، بضمِّ الكافِ. ولم يأتِ فَعِل يفْعُل، بكسر العين في الماضي وضمها في المستقبل إلَّا في سبعة أفعال شَذَّتْ، وهي: نَكِلَ ينكُل، وفَضِلَ يفضُل، ونَعِم ينعُم، وحَضِر يحضُر، وشَمِلهم الأمر يشمُلهم. ومن المعتل: مِتَّ تموت/ ودِمْتَ تَدوم. * * * وقال أيضًا (٢): (ومما جاءَ على فَعِلت مكسور العين،

стр. 59

والعامةُ تفتحه قولهم: لَجِجت وغَصِصت). قال الرادّ: قد جاء لجِجت ولجَجت، وغَصصت وغَصَصت، بالكسر والفتح في العين منهما، ولكنَ الكسرَ أفصحُ، والفتحُ لُغَةٌ، وإذا كانت لغة لم تُلَحَّن بها العامة. * * * وقال أيضًا (١): (ومما جاءَ على فَعلت، وهم يقولونه على أَفعلت، قولهم: رَشَوْتُ السلطانَ، ونَحَلْتُ ولدي، وعَرَضْتُ عليه الأمرَ وسَدَلْتُ عليه السِّتْرَ، وشَحَنْتُ السفينةَ). قال الرادّ: أمَّا سَدَلَ فيُقالُ فيه: سَدَلَ وأَسْدَلَ. قالَ ابن سِيده (٢): يُقال: سَدَلَ الشعرَ والثوبَ والسّترَ يَسْدِلُهُ ويَسْدُلُهُ سَدْلًا. وأَسْدلَهُ: أرخاه. ويُقالُ أيضًا: أزدلَ يُزدِلُ، بالزاي، على البدل. * * * وقال أيضًا (٣): (ومما جاءَ على أَفْعَل، بالألفٍ، وهم يقولونه

стр. 60

على فَعل قولهم: أَفلحَ الرجلُ، وأَصحتِ السماءُ، وأَقفلتُ الباب، وأغلقته، وأقردَ الرجلُ: إذا سَكَتَ ولم ينطق، وأَحددتُ السكينَ، وآذيتُ الرجلَ). قال الرادّ: أمَّا أغلقتُ البابَ فقد حكى ابن دريد (١) فيه: غَلَقْتُ، وهي لغة ضعيفة. والأفصحُ في ذلك: غَلَّقت، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ (٢) ثمَّ أَغلقت ثم غَلَقَت، وهي وإنْ كانت لغة ضعيفة فلا يجب أنْ تلحَّن بها العامة، لأنَّها من كلام العرب، وإن قلَّتْ وضَعُفَتْ. وأمَّا آذيتُ الرجلُ فيقال فيه: أَذِيَ الرجلُ يأذَى، إذا تأَذَّى فهو أَذٍ، غير مُعَدَّى. قال امرؤ القيسَ (٣): وإذا أَذِيتُ ببلدةٍ ودَّعْتُها ... ولا أُقِيمُ بغيرِ دارِ مُقامِ كذا وقعتِ الروايةُ: أَذِيت، بفتح الهمزة على ما ذكرنا. ثُمَّ يُعدَّى بالهمزة فيُقال: آذيتُهُ. كما تقولُ: وَقِرَتِ الدابةُ وأَوْقَرْتُها، ورَهِصَت وأَرْهَصْتُها. * * * وقالَ أيضًا (٤): (ويقولون للزِّقِّ الذي ينفخُ فيه (٥) الحدادُ: كير.

стр. 61

والصحيح المعروف أنَّ الكِيرَ مَوقِدُ النارِ الذي يبنيه الحدَّادُ). قالَ الرادّ: أكثرُ أهلِ اللغةِ على أنَّ الكِيرَ الزِّقُّ. ومن أقوى حججهم في ذلك قول جرير (١): أَتفخرُ بالمُحَمَّم قَيْنَ ليلى ... وبالكِيرِ المُرَقَّعِ والعَلاةِ فَدَلَّ بقوله: المُرَقَّع، على أنَّه الزِّقُّ حقيقةً. وكذلك [قول] بِشر بن أبي خازِم (٢): كأنَّ حَفيفَ مِنْخِرِهِ إذا ما ... كَتَمْنَ الرَّبْوَ كِيرٌ مُستعارُ وهذا بَيِّنٌ لا خفاءَ به. وأمَّا الكورُ عندهم فهو المبني من الطين. ومنهم مَنْ قالَ: إنَّ الكِيرَ هو المبني. فإذا كان لأهلِ اللغةِ فيه قولان، فكيفَ تُلَحَّنُ به العامةُ؟ * * * وقال أيضًا (٣): (ويقولون لجماعة الصاحب: صَحَاب. والصواب: صِحاب، بالكسر). قالَ الرادّ: قد حكى أهلُ اللغةِ: صِحابًا وصِحابة، وصَحابًا وصَحَابة. فأمَّا صِحَاب، بالكسر، فجمعُ صاحب، على توهم حذف

стр. 62

الألفِ، فكأنَّهم جمعوا فَعْلًا على فِعال، نحو كَعْبٍ وكِعاب. وقِيلَ: إنَّه جمع على غير توهمِ حذف الألف، كما قالوا: راجِل ورِجالَ، وقائم وقيام، وصائم وصِيام، ونائم ونِيام. وحكَى يونسُ (١): حائِطًا وحِياطًا، وجائِعًا وجِياعًا، وساغِبًا وسِغابًا. قَال أبو عليّ الفارسي (٢) ﵀: وهذا من الجمع العزيز المسموع الذي لا يُقاسُ عليه. وصِحابة أيضًا، بكسر الصاد: جمع صاحِب، إلَّا أنَّه أَنَّثَ الجمعَ كذِكارة وفِحالة. وأما صَحاب، بفتح الصاد، وصَحابة: فاسمانِ للجمعِ. كذا حكَى فيهما أهل التحقيق من اللغويين. وقَلَّ أنْ يُوجدَ فَعَالٌ جمعًا إلَّا في قولهم: شابٌّ وشبابٌ. وحَكَى ابنُ جِنِّي أنَّ صحابة مصدرٌ. * * * وقالَ أيضًا (٣): (ويقولون لعودِ الشراعِ: صارٍ. قال أبو بكرٍ:

стр. 63

والصاري الملَّاحُ، وجمعُهُ صُرَّاء. هكذا روى أبو نَصرٍ، وصَوارٍ أيضًا، قالَ الأعشى (١): خَشِيَ الصَّواري صَوْلَةً ... منه فعادُوا بالكَلاكِلْ وقال الأصمعي: الصاري الملَّاحُ، وجمعُهُ: صُرَّاء، على غير قياسٍ. قال أبو بكر: وفُعَّال من الأبنية التي تكونُ جمعًا لفاعل، مثل: قائم وقُوَّام، وصائم وصُوَّام، وضارب وضُرَّاب، وقد غَلِطَ الأصمعيّ فيما رواه). قال الرادّ: ليسَ ردّ أبي بكر على الأصمعيّ بشيءٍ، لأنَّ الأصمعيّ إنَّما بنى على الجمع المعهود في فاعل من المعتلّ اللام، وهو مخصوصٌ بفُعَلة أو فُعَّل، نحو: ماشٍ ومُشاة، وقاضٍ وقُضاة ورامٍ ورُماة، وغازٍ وغُزًّ، وعافٍ وعفًّى. وإنَّما كان ينبغي أنْ يكونَ صُرَّاء على أحدهما، فلمَّا لم يأتِ على أحدهما جعله شاذًّا. وقول أبي بكر: إنَّ فُعَّالًا من الأبنية التي تكون جمعًا لفاعِل، إنما ذلك من البناء الصحيح اللام، نحو ضارب وضُرَّاب، وقائم وقُوَّام،

стр. 64

وصائم وصُوَّام. وأمَّا من بناء ماشٍ وقاضٍ وغازٍ، فلم يأتِ إلَّا شاذًّا نحو: صُرَّاء. * * * وقال أيضًا (١): (ويقولون لواحد الكُلَى: كَلْوَة. والصواب: كُلْية. وزعمَ بعضُ اللغويين أن أهلَ اليمن يقولون: كُلْوة، بالواو، وذلكَ مردودٌ). قال الرادّ: حكَى ابن دُرَيد (٢) وغيره أنَّ الكُلوةَ لُغَةٌ في الكُلية فكيفَ تُرَدُّ على مَنْ حكاها مِن اللغويين الثقات؟ فلم يبقَ للعامة ما تلحنُ فيه على هذه اللغة إلَّا فتح الكاف، لأنَّ هذ اللغة إنَّما أَتَتْ بضمها. * * * وقال أيضًا (٣): (ويقولون: مَوْخَرةُ السَّرْجِ. والصوابُ: آخرة السَّرْج، وكذلك آخرة الرَّحلِ). قال الرادّ: قد حكَى ابنْ سِيده (٤): آخِرة الرَّحْل ومُؤْخِرتها، ولم يبقَ للعامةِ ما تلحنُ فيه على هذِهِ اللغةِ إلَّا فتح الميم والخاء. وهذه اللغة إنَّما وردت بضمِّ الميم وكسرِ الخاء. * * *

стр. 65

وقالَ أيضًا (١): (ويقولون لبعض الدواب: زُرافة. والصوابُ: زَرافة، بالفتح). قال الرادّ: قد حكَى ابن سِيده (٢) في (المحكم) أَنَّه يُقال لها: زَرافة وزُرافة، بفتح الزاي وضمّها. ثمَّ قالَ في آخر الفصل: (والزَّرافة: الجماعة من الناس وغيرهم. قال محمد بنُ مُناذِر (٣): وتَرَى خَلْفَهُ زَرافاتِ خَيْلٍ ... جافِلاتٍ تعدو بمِثْلِ الأُسُودِ). قالَ الرادّ: هذا (٤) البيت لا حُجَّةَ له فيه، لأنَّ صاحبه مولَّدٌ وليس ممن يُحتجُّ بشعره. وإنَّما الحُجَّةُ في ذلكَ قولُ أبي الغولِ الطُّهَوِيّ (٥): قومٌ إذا الشرُّ أبدى ناجِذَيْهِ لهم ... طاروا إليه زَرافاتٍ ووُحْدانا * * * وقالَ أيضًا (٦): (ويقولون: سكرانة، يبنونها على سكران. والصواب: سَكْرى وسَكْران، مثل رَيَّا ورَيَّان. وذكر يعقوب (٧) أنَّ قومًا

стр. 66

من بني أَسَدٍ يقولون: سَكْرانة). قال الرادّ: فإذا قالها قومٌ من بني أسد، فكيفَ تُلَحَّنُ بها العامةُ وإنْ كانتْ لغةً ضعيفةً، وهم قد نطقوا بها (١) كما نطقتْ بعضُ قبائلِ العرب. * * * وقالَ أيضًا (٢): (ويقولون: باعٌ، لأوسعِ الخُطا، قال أبو بكر: قال أبو عليّ: الباعُ ما بينَ طرفَيْ يدي الإِنسانِ، إذا مدَّهما يمينًا وشِمالًا، ويُقالُ له: بُوعٌ أيضًا). قالَ الرادّ: حكَى ابن سِيده (٣) أنَّ الباعَ ما بينَ طرفَيْ يَدَي الإِنسانِ إذا بَسَطَهما، وأنَّ الباعَ الجسمُ، يُقال: رجلٌ طويلُ الباعِ، أي الجسم، وجملٌ بوَّاعٌ، أي (٤) جَسِيمٌ. ومَرَّ يتبوَّع: إذا مرَّ يُباعدُ بَاعَهُ (٥)، ويملأ ما بينَ خَطْوِهِ. قالَ الرادّ: فهذا نحوُ قولِ العامةِ. * * *

стр. 67

وقالَ أيضًا (١): (ويقولون: فاكهةٌ شَتَوِيَّةٌ. والصوابُ: شَتْوِيَّة، ويُنسب إلى الصيف: صَيْفِيّ، وإلى الخريف: خَرْفِيّ، وإلى الربيع: رِبْعِيّ). قال الرادّ: قد حكَى سيبويه (٢) أَنَّهُ يُقال في النسبِ إلى الخريف: خريفيّ، كما تنطقُ به العامةُ، ثم قال سيبويه بعد ذلك: والخَرْفِيّ في كلامهم أكثرُ من الخريفيّ. ووقع في كلامِ أبي حَنيفة، عندَ ذكر الأنواءِ، من كتاب (النبات) الفصل الرَّبيعيّ، كما تنطق به العامةُ، وهو إمامٌ من أئمةِ اللغةِ، ولم يكن لينطق إلَّا بما تعرفُهُ العربُ. قالَ أبو حَنِيفة ﵀: فالربعُ الأوَّلُ من الشتاءِ يُسمَّى الفصل الشَّتْويَّ، والربع الثاني منه (٣) يُسمَّى: الفصل الرَّبيعيّ، ويُسمَّى الربعُ الأول من الصيف: الفصل الصيفيّ، ويُسمَّى الربعُ الثاني منه: الفصل الخَريفيّ. هذا نَصُّ كلامِهِ، ﵀. والدليلُ على ما قلناه من تحرزه في المنطقِ، واتباعه لكلامِ العربِ، أَنَّهُ أتى بالفصول الثلاثة على ما تعرفه العربُ، وحكاه اللغويون عنها، فقال: الشَّتْوِيّ، بإسكانِ التاءِ، والصَّيْفيّ والخريفيّ على ما حكَى

стр. 68

سيبويه. ولم يكن ليلحَّن في الرَّبيعيّ لولا ما سمعه من العرب، أو رواه في كلامها وأشعارها. ولكنَّ الرِّبْعِيّ بحذفِ الياءِ أكثرُ وأشهرُ، كما قالَ طُفَيلٌ (١): إذْ هي أحوى من الرِّبْعِيّ حاجِبهُ ... والعينُ بالإِثمدِ الحارِيِّ مكحولُ وكما قالَ الآخرُ (٢): إنَّ بَنِيَّ صِبْيَةٌ صَيْفِيُّونْ أَفْلَحَ مَنْ كانَ لهُ رِبْعِيُّونْ قالَ الرادّ: فلم يبقَ للعامةِ في النسب إلى هذه الفصول ما تُلَحَّنُ فيه على ما قدَّمنا، إلَّا في فصل الشتاءِ، فإنَّهم يقولونَ فيه شَتَوِيّ، بفتح التاء. والصوابُ: إسكانُها. قال الرّاعي (٣): شَرْقٌ بها الأَرواحُ كلَّ عَشِيَّةٍ ... رَأَبَ النَّقَى شَتْوِيُّها وسَمُومُها * * * وقالَ أيضًا (٤): (ويقولون للقُضُبِ التي يتخذُ الملوكُ منها المخاصرَ، ويُعملُ منها الأطباق: خَيْزَران. والصوابُ: خَيْزُران، بالضَّمِّ).

стр. 69

قال الرادّ: حكَى ابن مكيّ في كتابه المسمَّى بـ (تثقيف اللسان وتلقيح الجَنان) (١) أنَّه يُقال: خيزَران، بفتح الزاي، قال: والضَّمُّ أكثرُ. قال الرادّ: فعلى هذا القولِ لا يكون في كلامِ العامَّةِ لَحْنٌ. وقال أبو بكر أيضًا في هذا الفصل: (والعرب تُسمِّي كل قَضيبٍ لَدْنٍ ناعمٍ: خيزُرانًا). قال الرادّ: حكَى ابنُ سِيده (٢) في ذلك قولين فى كتابه المُسمَّى بـ (المحكم) فقال ﵀: الخَيْزُران: نَبْتٌ لَيِّنُ القُضبانِ أملسُ العِيدانِ. وقيلَ: هو كلُّ شجرٍ ليِّن، واحدتُهُ: خيزُرانة. * * * وقالَ أيضًا (٣): (ويقولون: لُطِخَ الرجلُ بشرٍّ. والصوابُ أنْ يُقالَ: لُطِحَ، بالحاء غير معجمة). ثم قالَ بعد هذا: (وأجاز أبو عليّ: لُطِخَ أيضًا، بالخاء المعجمة. والمعروف ما قدَّمنا). قال الرادّ: قد حكَى اللغويون، ابنُ سِيده (٤) وغيره: لطختُهُ بشرٍّ ألطَخُهُ لَطْخًا، وتلطَّخَ به: إذا فعله.

стр. 70

فإذا حكاهُ أهلُ اللغةِ فكيفَ تُلَحَّنُ به العامة، ويجعله غير معروفٍ؟ * * * وقالَ أيضًا (١): (ويقولون: بَسْطام، لاسمِ الرجلِ فيفتحون والصواب: بِسْطام، بالكسر. وكذلكَ كلّ ما كان من هذا المثال من غير المضاعَف، لا يجيء إلَّا مكسور الأوَّل، أو مضمومه، ما خلا حرفًا واحدًا، رواهُ الكوفيون وهو قولهم: ناقة بها خَزْعالٌ، أي ظَلْعٌ). قال الرادّ: قد جاءَ في الشعر حَرْفٌ آخر، وهو قولُ الشاعرِ (٢): والخيلُ خارجةٌ من القَسْطالِ قال الرادّ: وقوله في الفصل الذي تقدَّمَ: (وكذلك كلّ ما كانَ من هذا المثال من غير المضاعف لا يجيء إلَّا مكسور الأوَّل أو مضمومه). قال الرادّ: إنَّما يُعْتَبَرُ هذا في الاسم العربيّ. وأمَّا في العَجَميّ فلا يُعتبرُ فيه أوزانُ كلامِ العربِ، وبسطام اسمٌ أعجميّ، وكذلكَ حكَى أبو الحسن الأخفش، قال ﵀ في بعضِ طُرَرِهِ على (الكامل) (٣): الوجهُ عندي في بِسطام أنْ لا يُصرف لأَنَّه أعجميّ.

стр. 71

فإذا كانَ أعجميًا لم يُحملْ على أمثلةِ كلامِ العربِ، إلَّا أنَّه لم يُرْوَ (١) إلَّا بكسر الباء. * * * وقالَ أيضًا (٢): (ويقولون: كاغَظٌ، بالظاء المعجمة. وأخبرنا أبو عليّ أنَّ الصواب: كاغَد، بالدال غير مُعجمة، ولا أروي ذلك عن غيره). قال الرادّ: حكى ابن سِيده (٣) كاغذًا، بالذالِ معجمة أيضًا، وكذلك حكَى الأستاذ أبو محمد ابن السِّيد. واللغتان مشهورتان: كاغَد وكاغذ، بالدال والذال. وحكى أبو القاسم الحسن بن بشر (٤)، مصنّف كتاب (الموازنة بين الطائيين) قال: سألت أبا بكر ابن دريد عن الكاغذ فقالَ: يُقالُ بذال معجمة وبدال غير معجمة، وبالظاء المعجمة. ورُوِي عن ثعلبٍ مثلُ ذلكَ. * * *

стр. 72

وقالَ أيضًا (١): (ويقولون للذي يُعَلَّى به السقوف: القراميد، قال أبو بكر: والقراميد جمع قَرْمَد، والقَرْمَدُ: ما طُلِيَ به الحائطُ من جِصٍّ أو جيّارٍ أو غيره). قال الرادّ: قد حكى ابنُ دريد (٢) وغيره أنَّ القراميدَ آجُرٌّ يُطبخُ، والواحدُ قِرْميد، وهو فارسيّ أُعْربَ (٣)، وكذا حكى يعقوب بن يحيى الآمدي، فلا معنى لإِنكار ما حكاه الأئمة الثقات. قال الرادّ: فالعامة على هذا إنَّما تلحنُ في الواحد، فتقول: قَرْمدة، وإنما واحده قِرميد، كما تقدَّم. * * * وقالَ أيضًا (٤): (ويقولون: أَقْرِ فلانًا السلامَ. والصواب: اقرأ ﵇، كما أنشدَ أبو عليّ (٥): أقرأ على الوشَلِ السلامَ وقُلْ له ... كلُّ المشاربِ مُذْ هُجِرْتَ ذَمِيمُ قال الرادّ: هذا الذي أنكره قد أجازه أبو الحسن الأخفش، وهو من أئمة النحويين واللغويين، وقد أجازه أيضًا غيره، وبيت حبيب (٦)

стр. 73

أيضًا يشهدُ لذلك، وهو ممن يحتجُّ بشعره لعلمه. وقد احتجَّ ببيت من شعره أبو علي الفارسيّ في الإِيضاح (١) وإنْ كانَ ذلك لعِلَّةٍ. قال حبيب (٢): أَقْرِ السلامَ معرَّفًا ومحصَّبًا ... من خالد المعروفِ والهيجاءِ وإنْ كانَ قد غَلَّطه أبو بكر فيه، ولم يك حبيب ممن يُغلطُ في هذا القدر، لأنَّه كان من أهل الرواية لأشعارِ العربِ وكلامها. ولو أدرك زمانه، وسمع إنكاره، لقابله بما قابلَ به ابنَ قُتَيبةَ، فقد رُوِي (٣) أنَّ ابنَ قتيبة عارضه في بعض أبيات شعره، فقال له: يا أبا تمام أخطأتَ في قولِكَ (٤): أيا وَيْلَ الشَّجِيِّ من الخَلِيِّ ... وَوَيْلَ الدَّمعِ من إحدى بَلِيِّ فقال له أبو تمام: ولِمَ قلتَ ذلك؟ قال: لأنَّ يعقوب (٥) قال: شَجٍ بالتخفيف ولا يشدّدُ. فقال له أبو تمام: مَنْ أَفْصَحُ عندك: ابن الجُرْمقانِيَّه يعقوب، أَمْ أبو الأسود الدؤلي (٦) حيثُ يقولُ:

стр. 74

وَيْل الشَّجيِّ من الخَلِيِّ فإنَّه ... وصِبُ الفؤادِ بشَجْوِهِ مغمومُ فانظر اقتفاءَه لأبي الأسود، وأنَّه لم يقل ذلك حتى عرفه من كلام العرب. وقد قال أبو دُواد الإيادي (١) أيضًا ما يؤيد قول أبي تمام، وناهيكَ به حُجَّةً: مَنْ لِعَيْنٍ بدمعها مَوْلِيَّه ... ولنفسٍ بما عراها شَجِيَّه * * * وقالَ أيضًا (٢): (ويقولون: وهبتُ فلانًا مالًا. والصواب: وهبتُ لفلانٍ مالًا). قال الرادّ: هذا الذي ذكر هو قول سيبويه (٣)، وحكى السيرافيّ عن أبي عمرو (٤) أنَّه سمع أعرابيًا يقول لآخر: انطلِقْ معي أَهَبْكَ نَبْلًا (٥). فقول العامة على هذا ليس بلحنٍ. * * * وقالَ أيضًا (٦): (ويقولون: طعامٌ ذو بَنَّةٍ، إذا كان ذا طِيب

стр. 75

ومساغ. وإنَّما البَنَّةُ الريحُ الطيِّبة، يُقال: شرابٌ ذو بَنَّةٍ، أي: طيِّب الريح). قال الرادّ: قوله: والبَنَّة الريح الطيِّبة ليس بمطَّرد، لأنَّ البنَّة عند العرب: الريح، وقد تكون طيِّبة وخبيثة، ومن ذلك قول عليّ بن أبي طالب، ﵁، لرجل من أهل اليمن (١): (إنِّي أجدُ منك بَنَّةَ الغَزْلِ) (٢)، وليس الغَزْل مما يوصف ريحه بالطيب. وقال الخليل (٣) ﵀: (وتقول: أجد في الثوب بَنَّةً طَيِّبَةً من عَرْفِ تُفَّاح أو سفرجل). فوصف البَنَّة بالطيب دليل على ما ذكرناه. * * * وقالَ أيضًا (٤): (ويقولون في ما كان من الأفعال الثلاثية المعتلة العين، مما لم يُسَمّ فاعله، بإلحاق الألف، فيبنونه على (أُفْعِل) نحو: أُبِيعَ الثوب، وأُقِيمَ على الرجل، وأُخِيفَ، وأُدِير به. والصواب في هذا كلّه: إسقاط الألف، فتقول: بِيع الثوبُ، وخِيفَ الرجلُ، ودِير بِهِ). قال الرادّ: أَمَّا أُبيعَ الثوبُ فيجوز على لغة مَنْ يقول: أُبِيع الشيء، بمعنى: بِيعَ، وقد بعته وأبعته، بمعنى واحد، حَكَى ذلك أبو عُبَيدَةَ،
следующие страницы →