وذهب الجمهورُ كابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ (١)، ومالِكٍ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ في الجديد (٢) إلى التسوية في الجزاء بين العامد والناسي والمخطئ (٣)؛ لأن النسيانَ عذرٌ في رفعِ المَأْثَمِ، لا رَفْعِ المَغْرَمِ، وشهادةُ الأصولِ قاضِيَةٌ بذلك؛ كقتلِ الخَطَأ وسائِرِ المُتْلَفاتِ.
وقال الزهريُّ: وجبَ الجزاءُ في العَمدِ بالقرآنِ، وفي الخَطَأ بِالسُّنَّةِ (٤).
وقال ابنُ جُرَيْجٍ: قلتُ لعطاء: من قتلهُ منكمُ مُتَعَمِّداً، فمن قتلَه خَطَأً كيف (٥) يغرمُ، وإنما جُعِلَ الغُرْمُ على من قتلَهُ مُتَعَمِّداً؟ قال: تُعَظَّمُ بذلكَ حُرماتُ الله، ومضت به السُّنَّةُ (٦).
وقال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: وردَ القرآنُ بالعَمْدِ، وجُعِل الخَطَأُ تغليظاً (٧).
وأجابَ هؤلاءِ عنِ ذكرِ العَمدِ في هذهِ الآيةِ بأجوبةٍ:
стр. 1122
أحدها: أن ذكرَ العمدِ خرجَ مخرجَ الغالبِ، فهو للتغليبِ، لا للتقييد.
ثانيها: إن وصفَ العمدِ ذُكِرَ لِتُعَلَّقَ بهِ بعضُ الأحكامِ المُخْتَصَّةِ به، وهو ذوق الوبَالِ المَذكورِ في آخِر الآيةِ.
وهذا ضعيفٌ؛ لأن الوبَالَ المَذوق هُو الجزاءُ، وذلك لا يَخْتَصُّ به العمدُ.
وأحسنُ من ذلكَ أنْ يُقال: ذُكِرَ ليعلَّقَ عليهِ العَفْوُ؛ إذِ العَفْوُ مُخْتَصٌّ بالعَمْدِ، بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، والانتقامُ غيرُ العفوِ، وهذا أمرٌ زائدٌ على الجزاء، وهو مختصٌّ بالمُتَعَمَّدِ أيضاً، فكأنه أرادَ: مَنْ قتلَهُ منكم قَبْلَ ورُودِ النهي جاهِلاً بالتحريمِ، فعليهِ الجَزاءُ، وعَفا اللهُ عمَّا سَلَفَ؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣].
ولأجلِ تعارُضِ مفهومِ الخِطاب وتركِ إهدارِ الصيدِ قالَ بعضُ السَّلَفِ في الآيةِ قَوْلاً، وجعله مَذْهَبا وتأويلاً، وهو: إذا قتلَ الصيدَ مُتَعَمِّداً لقتلِهِ، ناسِياً لإحرامِه، فعليهِ الجزاءُ، فأما إذا قتلَهُ مُتَعَمِّداً ذاكراً لإحرامِه، فقد حَلَّ، ولا حَجَّ له؛ كما لو تكلَّمَ في الصلاة، أو أَحدَثَ فيها.
قال مُجاهدة لقوله تعالى بعدَ ذلك: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، ولو كان ذاكِراً لإحرامِه، لَوَجَبَتْ عليهِ العُقوبةُ لأولِ مرة (١).
ونحوَ قوله قالَ سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ حين سُئِل عن ذلك، فقال: نعم، يُحْكَمُ
стр. 1123
عليه، فَيُخْلَع (١)، أي: يخرجُ عن حُكْم المُحْرِمين.
وهذا المذهبُ فيه ضَعْفٌ؛ لما قدَّمتُه من الاحتمالِ الذي هو أحسنُ الأجوبةِ -إنْ شاء الله تعالى-.
ولا يَصِحُّ اعتبارُه بالصّلاةِ؛ لما بينَهُما منَ الاخْتِلاف في الشرائِطِ والصِّفاتِ.
* فإن قلت: فَبيَّنْ لنا ما حقيقةُ المِثْلِ الذي أوجَبَهُ اللهُ تعالى؟ فظاهِرُ الخِطابِ يَقْتَضي أن الجزاءَ مثلُ ما قَتلَ مِنَ النَّعَم لا ما قَتَلَ (٢).
قلتُ: اختلفُ القُرَّاءُ في هذهِ الكلمةِ، فقرأ أهلُ الحِجازِ والبصرةِ والشامِ بتنوينِ (جزاء)، ورفع (مثل) على الصِّفَةِ للجَزاء، وقرأ أهلُ الكوفةِ بخَفْضِه على الإضافةِ (٣).
فأما قراءةُ الرَّفْعِ فَسَليمَةٌ من الزيادَةِ والمَجاز.
وأما قراءةُ الخَفْضِ، فإنَّ المِثْلَ تَزيدُهُ العربُ لتفخيمِ المُشَبَّهِ بهِ، كقولِ الشاعرِ: [البحر السريع]
مِثْليَ لا تقْبلُ مِنْ مِثْلِكا (٤)
стр. 1124
ومنه قولُه تعالى: ﴿ليَس كَمِثلِه شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١].
وحقيقةُ المِثْلِ في لسانِ العربِ الشبهُ في الصورَة، فأوجَبَ شِبْة الصَيْدِ من النَّعَمِ الذي هُوَ من (١) غَيْرِ جِنْسِه؛ لكونه يشبهُهُ من بعض الوجوه.
وبهذا قالَ جمهورُ العلماءِ (٢)، إلا أبا حنيفةَ (٣)، فإنه تأولَ المِثْلَ بالمِثْل المَعنَوِيِّ، وحملَهُ على القيمةِ؛ لأن ذلك هو القياسُ في سائرِ المُتْلَفات، فالعبدُ يغرمُ بالقيمةِ، ولا يغرمُ بعبدٍ آخرَ منْ جنسِه، فكيف من غيرِ جِنْسِه؛ لأنها تعمُّ الصيدَ الذي لهُ مِثْلٌ في الصورةِ، والذي لا مِثْلَ له، ولأنها تعمُّ الصغيَر والكبيرَ، وعادَته اتباعُ القِياسِ، وتَركُ الظَّواهِرِ.
وهذا القولُ محجوجٌ بخمسةِ أَوْجُهٍ لا تأويل لها:
أحدُها: تقييدُ القرآنِ بكونهِ من النعَمِ، فبيَّنَ جنسَ المِثْلِ الذي هو الجَزاء، وحملُهُ على أن النَّعَمَ هو الصيدُ خلافُ المعروفِ من اللسانِ.
ثانيها: القراءةُ بالرفعِ والتنوينِ مبيِّنَةٌ لقراءةِ الإضافةِ، ولو لم يُحْمَل عليها، أَدَّى إلى تعارُضِ القراءتين.
ثالثُها: قوله تعالى: ﴿هدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، والهدي يُطْلَقُ في عُرفِ اللُّغَةِ والشَّرعِ على ما ساقَهُ المُحْرِمُ إلى البيتِ.
رابعُها: إجماعُ الصحابةِ -رضي الله تعالى عنهم- على الحكم بالنَّعَم في الجزاءِ، دونَ القيمةِ.
стр. 1125
خامسها: استعمالُ المِثْلِ في الصُّورَةِ حقيقةً، وفي القيمةِ مَجازاً، والحقيقةُ مقدَّمَةٌ على المجاز.
ثم نقول (١): لا يخفى على ذي نَظَرٍ اعتناءُ الشرعِ بإراقَةِ الدماء على وَجْهِ النُّسُكِ، لما فيهِ من القربانِ والتعظيمِ لشعائرِ اللهِ ﷻ ، قال الله : ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، وإمساكُ الأدبِ معَ وُرودِ الشرع أَوْجَبُ على علماءِ الشريعةِ (٢)، وأَلْيَقُ بهم، ولا سِيَّما في مناسكِ الحَجِّ، فَأكثَرُها مِمّا لا يُعقَلُ معناها.
فإن قلتَ: فقد قالَ اللهُ سبحانه: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، والطعامُ والصِّيامُ ليسا بِمِثْل صُوَرِه، فدلَّ على اعتبارِ المِثْلِ المعنَوِيِّ.
قلت: سبحانَ اللهِ! ما أَحسَنَ ما قُلْتَ؛ حيثُ أنطقَكَ اللهُ بالحُجَّةِ عليكَ، أما ترى الله سبحانه وصفَ الطعامَ والصِّيامَ بكونِهمِا كَفَّارَةً، ووصَفَ الجزاءَ مِنَ النَّعَمِ بكونه مِثْلاً، فَبَيَّنَ أنَّ هذا الجَزاءَ كَفَّارَةٌ كسائرِ الكَفّاراتِ، والكَفّاراتُ مَنْصوصاتٌ لا يجوزُ عندَكَ القِياسُ فيها.
* وفي الآيةِ دَلالةٌ على أن الجَماعَةَ إذا قَتَلوا صَيْداً، ليسَ عليهِم إلَّا مثلُ ما قَتَلوا، وهو جزاءٌ واحدٌ؛ لأن الجزاءَ في مقابَلَةِ المقتولِ، لا في مُقابَلَةِ القَتْلِ.
- وبهذا أخذَ الشافِعِيُّ (٣)، ويدلُّ لهُ قضاءُ عُمَرَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ
стр. 1126
الآتي قريباً، وما رُوي عنِ ابنِ عَبّاسٍ -رضي الله تعالى عنهم- في قومٍ أَصابوا ضَبُعاً، فقال: عليهم كَبْشٌ يَتَخارجونه بينهم (١)، وخَرَّجَ الدَّارَقُطْنيُّ مِثْلَهُ عنِ ابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما (٢) -.
- وقال مالِكٌ وأبو حنيفةَ: على كُلِّ واحدٍ جَزاءٌ؛ لأنَّ كُل واحد منهما ارْتَكَبَ مَحْظوراً في إِحرامه (٣).
وعلى قياسِ هذا ما إذا قَتلَ الجَماعَةُ صَيْداً في الحَرَمِ، وبه قالَ أبو حَنيفةَ والشافِعِي (٤)(٥).
كما تشتركُ الجماعةُ في غَرامَةِ الدَّابَّةِ إذا قتلوها.
وقال مالكٌ: على كلِّ واحد جَزاءٌ؛ لأنهم إذا دخلوا الحَرَمَ صاروا مُحْرمين (٦).
ونرجعُ إلى المسألةِ الأولى.
* فنقول: لمَّا كانَ معرفةُ المِثْل الخَلْقيِّ الصُّورِيِّ مما يَغْمُضُ إدراكُه، جعلَ اللهُ الحُكْمَ فيه إلى ذَوَيْ عَدلٍ منّا؛ ليتعاوَنا في النظرِ في دقائقِ الأشباه (٧)، كما شَرَعَ بَعْثَ الحَكَمينِ عندَ شِقاقِ الزوجينِ، وجَعَلَهما من
стр. 1127
أهلِهِما؛ لقربِ اطِّلاعِهِما على باطنِ حالِهِما، وقُوَّةِ عِلْمِهِما بِمَصالِحِهما.
روى بَكُرْ بنُ عبدِ اللهِ المُزنيُّ قال: كانَ رَجُلانِ من الأعرابِ مُحرِمَيْنِ، فحاشَ (١) أحدُهُما صيداً، فقتلَهُ الآخَرُ، فأَتيَا عُمَرَ وعَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ عَوْفٍ، فقالَ لهُ عُمَرُ: ما ترى؟ قال: شاةٌ، قال: وأنا أَرى ذلك، اذهبا واهدِيا شاةً، فلما مَضَيا قالَ أحدُهُما لصاحِبهِ: ما درى أميرُ المؤمنينَ ما يقولُ حتى سَأَلَ صاحِبَهُ! فسمعَهُ عُمَرُ، فردّهما، فقال: هل تقرأان "سورة المائدة"؟ فقالا: لا، فقرأ عليهما: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا﴾ [المائدة: ٩٥]، ثم قال: استعنْتُ بصاحِبي هذا (٢).
* وقد اتفقوا على أنه لا بُدَّ من ذوي العدلِ.
* وإذا حكم ذوا عدل من الصحابة -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- في مِثْلٍ، فلا يُعاد فيهِ الحُكْمُ عندَ الشافِعِيِّ؛ لأنها قضيةٌ معقولةُ المعنى حَكَمَ فيها عَدْلانِ، فوجبَ علينا تنفيذُ حُكْمِهِما واتباعُه (٣).
وقال مالِكٌ: يستأنف الحكم، وكأنه اعتقده عِبارةً غيرَ مَعقولةِ المَعْنى، فوجبَ الإتيانُ بِها عندَ وجودِ سَبَبِها، وهذا في غيرِ مَحَلِّ الإجماعِ والنَّصّ، وأما الإجماعُ والنصُّ فلا يُعاد فيه الحكمُ، قولاً واحداً (٤).
стр. 1128
* فإن قلت: فهل يجوزُ أن يكونَ الجاني أحدَ الحَكَمَيْن؟
قلت:
يحتملُ أن يجوزَ؛ لأن الله سبحانه لم يشترطْ إلا ذَوَيْ عَدْلٌ، وهو عدلٌ.
وبهذا قال الشافعيُّ في أحدِ قولَيْه (١).
ويحتمل أَلَّا يجوزَ، وبه قالَ مالِكٌ وأبو حنيفةَ؛ لأن مضمونَ الخِطاب يَقْتَضي جانياً وحَكَمَيْنِ، والأصولُ تقضي أنه لا يجوزُ أن يَحكُمَ لِنَفْسِه (٢).
وللشافعيّ أن يقولَ: هو حاكمٌ على نفسه، لا لها، وأنه مُفْتٍ، لا حاكمٌ وقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]، أي: يفتي بحُكْم الله تعالى فيه.
* واتفقوا على أنه لا بُدَّ من بُلوغِ الهديِ مَكَّةَ؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].
* واختلفوا في الاكتفاء بالحَرَمِ.
فأقامَهُ الشافعيُّ وأبو حنيفةَ مقامَ مَكَّة (٣).
وأباه مالكٌ؛ لتَخْصيصه بالكَعْبَةِ (٤)، واستثنى هديَ الفِنيَةِ، فأجازه بغيرِ
стр. 1129
مَكَّةَ، والذبْحَ للعمرَةِ، فأجازه بمنًى (١).
* واختلفوا في اشتراطِ سَوْقِهِ منَ الحِلِّ.
فقالَ مالِكٌ باشتراطِ سَوْقِهِ من الحِلِّ إلى مَكَّةَ، لِتَضَمُّنِ قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] أن يُهْدَى من مكانٍ يبلغُ منه إليها (٢).
وقال الشافعيُّ: لا يشترط الحِلُّ (٣).
ومن أجلِ هذا نَشَأَ الخِلافُ بينهما في جزاءِ الصَّغيرِ من الصَّيْدِ.
فقالَ مالِكٌ: جزاؤه القيمةُ؛ لأن الهديَ الصَّغيرَ لا يُمْكِنُ سَوْقُه إلى الحَرَمِ (٤).
وقال الشافعيُّ: جزاؤه صَغير منِ النَّعَمِ؛ لأنه يبتاعُهُ في الحَرَمِ، ويهديه، ولأن الصحابةَ قَضَتْ في الصَّغيرِ بصغيرٍ، وفي الكبيرِ بكبير (٥).
وبهذا القضاءِ يظهرُ ضعفُ دَلالةِ الإشارةِ والتَّضَمُّنِ، وأن المُعتبَرَ إنما هو حصولُ الدَّمِ بالحرم لأجلِ مساكينِ مَكَّةَ، وأما السَّوْقُ، فلا فائدةَ فيه للمساكين.
стр. 1130
* ولما ذكر اللهُ سبحانَه الجزاءَ الذي هو الهديُ، وفَصَّلَ أحكامَهُ، ذكرَ الطعامَ والصيامَ بلفظ (أو) الموضوعةِ للتخييرِ، وسَمَّاها كفارةً.
وبالتخييرِ أخذَ الشافِعيُّ، ومالك، وأبو حنيفةَ (١).
ومن أهلِ العلمِ من قالَ بالترتيب؛ لما فيه من تقديمِ الأثقلِ فالأثقل؛ كما وردَ في حَدِّ المُحارَبَة.
وهو مذهبُ ابنِ عباسٍ (٢)، وبه قالَ زُفَرُ والشافِعيُّ في قوله القديم (٣).
* فإن قلت: فقد بينَ اللهُ سبحانُه مقدارَ الصَيامِ بأنهُ عَدلُ الطَّعامِ، ولم يبينْ مقدارَ الطَّعامِ، ولا مقدارَ المساكين.
قلتُ: أما مقدارُ الصيامِ، فقدِ اتفَّقوا على أنه مُعادل بالطَّعامِ؛ كما ذكرَ اللهُ سبحانه.
وإنما اختلفوا في صورة التعديل.
فقال مالكٌ والشافعيُّ وأهلُ الحجاز: يصومُ عن كُلِّ مُدّ يوماً، وهو مقدارُ طعامِ المساكينِ عندهم (٤).
стр. 1131
وقال أبو حنيَفةَ وأهلُ الكوفة: يصومُ لِكُلِّ مُدَّيْنِ يوماً، وهو مقدارُ طعامِ المساكينِ عندهم أيضاً (١).
وعَدَلَهُ ابنُ عَبَّاسٍ أيضاً بالطعام؛ كما عَدَلَهُ اللهُ سبحانه، ولكنه قَدَّرَهُ كما قَدَّرَ الطعامَ، فروي عنه أنه قال: إذا قتلَ المُحْرِمُ ظَبْياً، أو نَحْوَهُ، فعليهِ شاةٌ تُذْبَحُ بمكة، فإن لم يجدْ، فإطعامُ ستةِ مساكينَ، فإن لم يجدْ، فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ، فإن قَتل أيلاً، أو نحوَه، فعليهِ بقرة، فإن لم يجدْ، أطعمَ عشرينَ مسكيناً، فإن لم يجدْ فصيامُ عشرينَ يوماً.
وإن قَتلَ نَعامَةً أو حِمارَ وحْشٍ، فعليهِ بدنة، فإن لم يجد، فعليه بَدلُه مِنَ الطَّعامِ ثلاثين مِسْكيناً، فإن لم يجن فصيامُ ثلاثين يوماً (٢).
وقد تبين بِهذا مقدارُ طعامِ المساكينِ.
وأما مقدارُهما:
فقد اتَّفقوا على التقويمِ بالدَّراهِمِ، ثم الدراهم طعاماً، ويُطْعِمُ كلَّ مسكينٍ مُدًّا على قولِ أهل الحجاز، ومُدَّينِ على قولِ أهلِ العراق.
واختلفوا في ماهِيَّةِ المُقَوَّمِ، هل هو الصَّيْدُ المجزى، أو جزاؤهُ من النَّعَمِ؟
فبالثاني قال الشافعيُّ (٣)، وبالأول قالَ مالكٌ.
قال ابنُ وَهْبٍ: قال مالِكٌ: أَحسَنُ ما سَمِعْتُ في الذي يَقْتل الصَّيْدَ،
стр. 1132
ويحكَم عليه فيه: أنه يُقَومُ الصيدُ الذي أصاب، فينْظَرُ كم ثمنُهُ من الطعامِ، فيُطْعِمُ كل مسكينٍ مُدًا، أو يصومُ مكانَ كُلِّ مُدٍّ يوماً (١).
وقال ابنُ القاسِمِ عنه: إن قوّمَ الصيدَ دراهمَ، ثم قَوَّمَها طعامًا، أجزأهُ (٢).
وقولُ مالِكٍ أَلْيقُ بالتخيير، وأَقْوَمُ في المعنى؛ لأنه نظيرٌ لا بديل، ولو كانَ بَدَلاً، لكان ترتيباً.
وقولُ الشافعي أَحْوَطُ؛ إذ قيمة البَدَنَةِ أكثرُ منَ النَّعامةِ، وقيمةُ البقرةِ الإنسيةِ أكثرُ من الوَحشِيةِ، وقيمةُ الشاةِ أكثرُ من الظَّبْيِ.
* وقيد الله الهديَ ببلوغ الكعبة وأطلقَ الطعامَ والصيامَ.
فاتفقَ العلماءُ على إطلاقِ الصَّوم، ولا يختصُ بمكانٍ؛ خلافاً لأبي حنيفةَ، حيثُ خَصَّصَهُ بِمَوْضِعِ الإصابةِ (٣).
واختلفوا في الإطعامِ.
فحملَ الشافعيُّ إطلاقَه على تقييدِ الهديِ؛ بِجامِعِ الكَفارةِ، وانتفاعِ فقراءِ الحَرَمِ به؛ كالذبحِ، فأوجبَ إخراجَه بمكَّةَ، وهو قولُ طاوسٍ (٤)،
стр. 1133
ولأنه إمَّا بَدلٌ لِلهديِ على قولِ الترتيبِ، أو نظيرٌ لهُ على قولِ التخييرِ، وكلاهُما يوجبُ تقييدَ أحدِهما بتقييدِ الآخر (١).
وبهذا قالَ مالكٌ في إحدى رِوايتيه، وبها صَرَّحَ في "مُوَطَّئِهِ" (٢)، وقالَ في الرواية الأخرى: يُكَفِّرُ بموضعِ الإصابة للصَّيدِ، وهو قولُ (٣) مجاهدٍ (٤).
ومنهم من قال: يطعمُ حيثُ شاءَ؛ كسائرِ الإطعامات؛ فإنه يجوزُ بكلِّ مكاني، وهو قولُ عطاءٍ، ومحمدِ بنِ جَريرٍ الطَّبَرِيِّ (٥).
وقد قدمتُ ما قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥].
* إذا تَمَّ هذا، فقد بَيَّنَ ﷺ أنه حَرَّمَ المدينةَ كما حَرَّمَ اللهُ مَكَّةَ، فلا يُصادُ صيدُها، ولا يُعضَدُ شَجَرُها (٦).
стр. 1134
وخالفَ في ذلكَ أبو حنيفةَ، وقال: يجوزُ اصْطِيادُ صَيْدِها (١).
والجمهورُ على خلافِهِ؛ للحديثِ الصَّحيح (٢).
* وإنما اختلفوا في جزاءِ صيدِها.
فمنهم من أوجبه؛ كجزاءِ صيدِ مكة، ومنهم من أسقطَهُ، ومنهم من جَعَلَ الجَزاءَ سَلْبَ القاتلِ (٣).
١٢٥ - (٢٢) قوله ﵎: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦].
* أقولُ: لما بَيَّنَ اللهُ سبحانه في الآيةِ الأولى قتلَ الصيدِ وجَزاءهُ، بينَ في هذهِ الآيةِ حُكْمَ الأكلِ، وبينَ حُكْمَ صيدِ البحرِ، ومَيَّزَ بينَه وبينَ صيدِ البر.
* أما صيدُ البَرِّ فَحُرِّمَ على المُحرِمِ أَكلُهُ؛ لقولهِ تعالى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وهذا مُطْلَقٌ في جميع الأحوال، سواءٌ صادَهُ مُحْرِم أو حَلالٌ.
وقد حُكِي عن جماعةٍ من السَّلَفِ العَملُ بظاهرِ الإطلاقِ.
стр. 1135
ورُوي عن عَلِيٍّ أنه كانَ عندَ عثمانَ بنِ عفانَ -رضي الله تعالى عنهما- فَأُتِي عثمانُ بِلَحْمِ صَيْدٍ صادَهُ حَلالٌ، فأكلَ عثمانُ، وأبى عليٌّ أن يأكل، فقال: واللهِ ما صِدنا، ولا أَمَرنا، ولا أشَرنا، فقال عليٌّ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١) [المائدة: ٩٦].
ورويَ عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه كَرِهَ لَحمَ الصيدِ وهو مُحرِم، أُخِذَ لَهُ، أو لَمْ يُؤْخَذْ، وإن صادَهُ الحَلالُ (٢).
وعن أبي هريرةَ مثلُه، وكذا عنِ ابنِ عَمرٍو، وسَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وطاوسٍ مثلُه أيضاً (٣).
ولهم من الدَّليلِ حديثُ الصَّعْبِ بنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ الثابتِ في "الصحيحين": أنه أَهْدَى إلى النبيّ ﷺ حِماراً وحْشياً، وهو بالأَبْواءِ، أو بِوَدّانَ، فردَّه عليهِ، فلما رأى ما في وَجْهِهِ قال: "إنَّا لم نَرُدَّهُ عليكَ إلَّا أنا حُرُمٌ" (٤).
وذهبَ أكثُر الناسِ إلى تقييدِ هذا الإطلاقِ، فقال بعضُهم -وأظنُّه أبا حنيفة (٥): يحرُم عليهِ إن صادَهُ، أو صيدَ بإذنِه، أو دِلاَلتِه، وإن صيدَ بغيرِ
стр. 1136
إذنِه ودِلالته، حَلَّ (١)؛ بدَلالةِ حديثِ أبي قَتادَةَ الثابتِ في "الصحيحين": أنه كانَ في قومٍ مُحرِمينَ، وهو حَلالٌ، فبينما هُم يسيرونَ، إذْ رَأَوْا حِمارَ وَحشٍ، فحملَ أبو قَتادةَ على الحُمُرِ، فَعَقَرَ منها أتانًا، فنزلْنا فأكلْنا من لحمِها، ثم قلنا: أنأكلُ لحمَ صيدٍ ونحنُ مُحرِمون؟ فحملْنا ما بقيَ من لحمِها، فأدركْنا رسولَ الله ﷺ ، فسألْناه عن ذلكَ، فقال: "هل منكُم أحدٌ أمرَهُ أن يحمِلَ عليها، أو أَشار إليها؟ " فقالوا: لا، قال: "فكلوا ما (٢) بقي من لحمها" (٣).
وقال بعضُهم: يحرُم عليهِ إن صادَه أو صِيْدَ لأجلِه، سواءٌ كان بإذنِه أو بغيرِ إذنه، وبه قالَ مالِكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاق (٤)، واستدلُوا بما روى الترمِذِيُّ عن جابر ﵁؛ أن النبى ﷺ قال: "لَحمُ الصيدِ لكمْ حَلالٌ ما لم تصيدوهُ، أو يُصادَ لكم" (٥). قال أبو عيسى: هو أحسنُ حديثٍ في البابِ.
وتأول الشافعيُّ حديثَ الصعبِ بنِ جَثّامَةَ بأنه ﷺ ظَنَّ أنهُ صيدَ لأجلِه،
стр. 1137
وتأوَّلَ حديثَ أبي قَتادة بأنه لم يَصِده لأَجْلِهم؛ بدليلِ كراهتِهِم لفعله؛ حيثُ لم يناولوه سَوْطَهُ، فجعلَ حديثَ جابرٍ مُفَسِّراً للأحاديثِ (١).
فإن قلت: كان الأَوْلى أن يُجْعَلَ حديثُ أبي قتادَةَ مُفَسِّراً لحديثِ جابر؛ لأن الغالبَ ألاّ يُصادَ للرجلِ إلا بإذنِه؛ بدليلِ حديثِ أبي قَتَادَةَ؛ حيثُ لم يعتبرْ فيه النبيُّ ﷺ إلا (٢) الأمرَ أو الإشارةَ.
قلت: هذا لَعَمري حَسَنٌ كما تقولُ، ولكن تبقى المُعارَضَةُ بينَهُ وبينَ حديثِ الصَّعبِ بنِ جَثَّامة، وإذا جُعل حديثُ جابرِ مُفَسّراً لحديثِ أبي قتادَةَ، ولحديثِ الصَّعْبِ، أَمكَنَ الجمْعُ بينَ الأحاديثِ كُلِّها، وزالَ التعارُضُ والاختلافُ، وهذا أحسنُ من ذلكَ، ولهذا اختارَ هذا المسلكَ أبو عبدِ الله الشافعيُّ، ﵀.
* فإن قلت: فهل جاءتِ الآيةُ بياناً لتحريمِ لحمِ الصيدِ، أو لتحريمِ الاصطيادِ؛ كما قاله بعضُ العلماء، أو كثير منهم؟
قلت: لا ينبغي أن يكونَ لبيانِ الاصطياد، لأن الخِطابَ مَسوقٌ لبيانِ الأكلِ، لا للاصطياد.
فإن قلتَ: فما ذلك.
قلت: وصفَ اللهُ صيدَ البحرِ وطعامَه بأنهُ متاعٌ لنا وللسَّيَّارَةِ، ثم عطفَ عليهِ صيدَ البَرّ، فلَهُ حُكْمُهُ، والاصطيادُ ليسَ بِمَتاعٍ.
ولبيانِ النبيِّ ﷺ لِعُموم هذهِ الآيةِ؛ حيثُ قال: "صيدُ البر لَكُم حَلال
стр. 1138
ما لَمْ تصيدوهُ، أو يُصَدْ لكم" (١)، ولأن كافةَ العلماءِ من الصَّحابةِ والتابعينَ منهم مَنْ تمسَّكَ به في تحريمِ الأكلِ مطلقاً؛ كما روينا عن على وغيرِه.
ومنهم من استدلَّ بالسُّنَّةِ على تَخْصيصه، ولم يقولوا: المرادُ بهِ الاصطيادُ دونَ الأكلِ، وهذا تفسيرُ ابنِ عباس تَرجُمانِ القرآنِ يَشْهدُ بذلكَ في صيدِ البَحرِ الذي عُطِفَ عليه هذا، قال: يريد: ما أصبتَ من داخلِ البَحرِ، ولم يقلْ: يريدُ الإصابةَ.
فإن قلتَ: فما قولُك في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]، هل المرادُ بهِ الصيدُ، أو الاصطياد؟
قلت: يحتملُ أن يرادَ بهِ الصيدُ؛ استدلالاً بهذه الآية، ويحتملُ أن يُرادَ به الاصطيادُ؛ استدلالاً بالآيةِ التي بعدها: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
* وأما صيدُ البحرِ، فإن الله سبحانَه أَحَلَّهُ للمُحْرِم، وأجمعَ عليهِ المُسلمون.
* وأما طعامُ البحرِ.
فقالَ قوم: طعامُه ما طَفا عليه مَيْتاً، قاله أبو بكرٍ وعمرُ وقتَادةُ.
وقال قومٌ: طعامُه ما حَسَرَ عنهُ الماءُ، وأخذه الناسُ.
وقد ذكرتُ أقوالَ العلماءِ في مَيْتة البَحْر فيما سلف (٢)، والصحيحُ تحليلُها مُطْلَقاً (٣)؛ للأحاديث التي ذكرتُها، ولقوله تعالى: ﴿متاعًا لكُمْ
стр. 1139
وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، فأحله في حالتِي الاختيارِ والاضطِرارِ، ولم يبحْ ميتَة البَرِّ إلا في حالِ الاضطرار، والله أعلم.
١٢٦ - (٢٣) قولُه : ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧] الآية.
أي: صَلاحاً للناس، قاله سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ (١)، ومثلُه عنِ ابنِ قُتيبة، وجعل ذلك لعلمِه بما فيهِ صلاحُ أمورهم، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك في أول السورة.
стр. 1140
(من أحكام الشهادات)
١٢٧ - (٢٤) قولُه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦].
* أقول: إن هذه الآيةَ استَعْصَتْ على أهلِ العلمِ، وصَعُبَتْ عليهم، وذهبوا في تقريرِ أحكامِها وتأويلِ ألفاظِها كُل مَذْهَبٍ، وربما أفردَها بعضُهم بالتَّصْنيفِ، وما ذاكَ إلا لمخالَفَةِ ظاهرِها القواعدَ المُتَقَرِّرَةَ في الشريعةِ من ثلاثةِ أَوْجُهِ:
أحدُها: قبولُ شهادةِ غيرِ أهلِ مِلَّتِنا، واللهُ تعالى يقولُ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥].
ثانيها: إيجابُ اليمينِ على الشاهِدَينِ، والشاهدُ لا يمنَ عليه إجماعًا، سواءٌ قامَتْ رِيْبَةٌ أو لم تقمْ.
ثالثها: اشتراطُ اثنينِ في اليمينِ منَ الذينَ استَحَقَّ عليهما عندَ الاطلاعِ على إثم الشاهدين، واشتراطُ تَعَدُّدِ الحالِفِ في الشريعَةِ غيرُ مَعْهود، وأما تَعَدُّدُ الحَلِفِ، فهو معهودٌ؛ كما في القَسامَةِ، وأَيْمانِ اللِّعانِ، وها أنا أذكرُ
стр. 1141
سببَ نُزولِ هذه الآيةِ، ثم أذكرُ أقوالَ العلماءِ وتأويلاتِهم، ثم أعقِّب ذلكَ بالقول الحَقِّ -إن شاء الله تعالى-.
رويَ عن ابنِ عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أنه قال: أما قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] بَلَغَنا -والله أعلمُ- أَنَّها نزلَتْ في مَوْلًى مِنْ موالي قُريشٍ، ثم لآلِ العاصِ بنِ وائلٍ السَّهْمِيِّ، انطلقَ في تجارةٍ نحوَ الشامِ، ومعه تَميمُ بنُ أوسٍ الداريُّ (١)، وعَدِيُّ بنُ بَداء، وهما نَصْرانِيّانِ يومئذ، فتوفيَ المَوْلى في مسيرهِ، فلما حَضَرَهُ المَوْتُ، كتبَ وَصِيَّتهُ، ثم جعلَها في مالِه ومتاعِه، ثم دفَعَها إليهِما، وقال لهما: أبلغا أَهْلي مالي ومَتاعي، فانطَلَقا لِوَجْهِهِما الذي تَوَجَّها إليه، فَفَتّشَا متاعَ المَوْلى المُتَوَفَّى بعدَ موته، فأخذا ما أعجَبَهما منه، ثم رَجَعا بالمالِ والمتاعِ الذي بقيَ إلى أهل الميتِ، فدفعوه إليهم، فلما فتشَ القومُ المالَ والمتاعَ الذي بقيَ، ففقدوا بعضَ ما خَرَجَ به صاحِبُهم معهُ من عندِهم، فنظروا إلى الوَصِيَّةِ، وهي في المَتاعِ، فوجدوا المالَ والمتاعَ فيهما مُسَمّى، فدعوا تميمًا وصاحبَه، فقالوا لهما: هل باعَ صاحِبنا شيئًا، أو اشْتُرِيَ ممّا كانَ عندَه (٢)؟ فقالا: لا، قالوا: فهل مرضَ فطالَ مرضُه، فأنفقَ منهُ على نفسِه؟ قالا: لا، قالوا: فإنَّا نَفْقِدُ بعضَ الذي مضى بهِ صاحبُنا معه (٣)، قالوا: ما لَنَا بما مَضى بهِ مِنْ علومٍ، ولا بما (٤) كانَ في وَصِيَّتِه، ولكن دفعَ إلينا هذا المالَ والمَتاع، فَبَلَّغْناكُموهُ كما دَفَعَهُ إلينا، فرفعوا أمرَهُم إلى النبيِّ ﷺ ، وذكروا له الأمرَ، فنزلتْ هذه الآية إلى ﴿الْآثِمِينَ﴾ هو، فقاما فَحَلَفا على مِنْبَرِ
стр. 1142
النبيِّ ﷺ بعدَ (١) صلاةِ العَصْرِ، فَخَلَّوا سبيَلُهما، ثم اطُّلِعَ بعدَ ذلكَ على إناءٍ من فِضَّةٍ منقوشٍ مُمَوَّهٍ بالذَّهَبِ عندَ تَميمٍ الدَّارِيِّ، فقالوا: هذا من آنيةِ صاحبنا التي مَضى بها معه، وقدْ قُلْتُما: إنه لم يبعْ من متاعِه شيئًا، فقالا: إنا اشترينَا منه، فَنَسينا أن نخبرَكُم به، فرفعوا أمَرهُمْ إلى النبيِّ ﷺ ، فنزل: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ إلى ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ١٠٧ - ١٠٨]، فقامَ رجلانِ من أولياءِ السَّهْمِي، فحلفا باللهِ إنها في وَصِيَّتِهِ، وإنَّها لَحَقٌّ، ولقد خانَهُ تميمٌ وعَدِيٌّ، فأخذَ تميمٌ وعديٌّ بكلِّ ما وُجِدَ في الوَصِيّةِ لمّا اطُلِعَ على ما عِنْدَهُما منَ الخِيانة (٢).
* وأما أقوالُ العلماءِ.
فإنهم اختلفوا في الضميرِ الذي في قوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦].
فقال جُمهورُهم: أي: من غيرِ أهلِ مِلَّتِكُمْ، والخطابُ مع كافَّةِ المؤمنين.
وقال قومٌ كالحَسَنِ وعِكْرِمَةَ: أي: من غيرِ أهلِ قبيلتِكم، والخطابُ معَ أولياءِ المَيِّتِ، فاستدلُوا لقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، وأهلُ الصلاةِ هم أهلُ مِلَّتِنا دونَ غيرِهم، فدلَّ على كونهما مؤمِنَيْنِ (٣).
стр. 1143
وهذا ضعيفٌ جِدًّا، وضَعْفُهُ أشهرُ من أن يُظْهَرَ.
* ثم اختلفَ الجمهورُ.
فمنهم مَنْ قال: الآيةُ منسوخَةٌ (١) بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وبقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وروى هذا عَطِيَّةُ عنِ ابنِ عَبّاسٍ -رضي الله تعالى عنهما-.
وهذا أضعفُ من الأولِ؛ فإن النسخَ لا يَصِحُّ إلا بتوقيفٍ، وعلمٍ بالمتأخِّر منهما، وليس قولُ هذا (٢) القائل: هي منسوخة بِما ذُكِرَ بأولى من قولِ غيرهِ: هي ناسخةٌ لما ذُكِرَ، كيفَ والتعارُضُ بينَهما معدومٌ؛ فإنه يحتملُ أن تكونَ هذه الآيةُ مقيِّدَةً لإطلاقِ غيرِها ببعضِ الأحوال؛ كما قاله الآخرون، وهم قومٌ من السلف، قالوا: الآيةُ مُحْكَمَةٌ، ويجوزُ قبولُ شهادةِ الكِتابيِّ عندَ فَقْدِ المُسْلِمِ في السَّفَرِ خاصَّةً، وبه قالَ أبو حنيفة (٣)، وأحمدُ (٤) -رحمهما الله تعالى-.
وهذا أيضاً ضعيفٌ؛ لأنهم لا يوجبونَ اليمينَ على الشاهدِ الكِتابيِّ عند الارتيابِ كما وردَ في ظاهرِ الآية والحديث.
стр. 1144
وإذا بطلَ تحليفُه، بَطَلَ القولُ بقبولِ شهادتهِ كَما ذكر.
فإن قلتم: فما قولُك الحَقُّ الذي وَعَدْتنَا به، فقد دَلَلْتَنا على فسادِ هذهِ الأقاويل؟
قلت: الآيةُ مُحْكَمَةٌ غيرُ منسوخةٍ واردة على سببٍ مشهورٍ من قصةِ تميمِ بنِ أوسٍ الداريِّ، وعديّ بنِ بَداء في حالِ تنَصُّرِهِما، وأنهما قَبَضا مال بُدَيْل، ليوصلاهُ إلى أهلِه، وسَمَّاهما اللهُ شاهِدَيْنِ لِمُشاهَدَتِهما أمرَ بديلٍ، وعِلْمِهِما بهِ، وهما وَصيّانِ في الحقيقةِ، وليسَ المقصودُ بشهادتِهما الشهادةَ الشرعيةَ المُتَعَبَّدَ بها؛ بدليل قوله تعالى: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧]، والوليّانِ ليسا بِشاهدَيْنِ شَرْعاً، وإنما هما شاهِدانِ عِلْماً، فالحكمُ مقصورٌ على سببهِ، لا يتعداهُ، فيجوزُ للمسلمِ أن يُوصِيَ إلى الذِّمِّيِّ عندَ عدمِ المُسْلِمِ، ولا يجوزُ عندَ وُجودِه، فلنْ يجعلَ اللهُ للكافرينَ على المُؤْمنين سبيلًا، وإنما شَرَطَ اللهُ سبحانه الضَّرْبَ في الأرضِ؛ لأنه مَظِنَّةُ عَدَمِ المُسْلِمِ، ومعلومٌ أن المسلمَ لا يُوصي إلى الذميِّ مع وجودِ المُسلم إلا نادرًا، ولو وجدَ بديلٌ مسلماً غيرَهما، ما وَصَّى إليهما، لكونه مُسْلِمًا مُهاجِراً.
ثم نقولُ: فإذا أوصى المسلمُ إلى الذميِّ، فإنْ صَدَّقناهُ، فلا خِصام، ولا تَحْليفَ، وإن ارتبنا منه، حَلَّفْناه بعدَ صلاة العَصْرِ كما غَلَّظَ اللهُ سبحانَه عليه، فإذا حلفَ فقدِ استحق علينا الحُكْمَ بِعَدَمِ المُطالَبةِ، ثم إن عَثَرْنا عليهِ (١) بالخِيانة، واستحقاقِ الإثم، وقامت عليه الحُجَّةُ بإقراره، لكنه أظهرَ دَعْوى تخالِفُ إقرارَهُ كما فَعَلَ تميمٌ وصاحبُه؛ حيثُ ادَّعيَا الشراءَ من بديلٍ، ولم يُقيما بَيِّنَةً، قمْنا مقامَهما بعدَ صلاةِ العصرِ، وحلَفْنا لهما إن كانَ
стр. 1145
الأَوْلَيان مِنّا اثنينِ كأولياءِ بُديلٍ، وولِيّاهُ عَمْرُو بنُ العاصِ، والمُطَّلِبُ بنُ أبي وَداعَة، إما بطريقِ الإرثِ لبديلٍ، لكونِه مولاهُما، أو بطريقِ المُلْكِ لهما، أو (١) لعل بديلًا كان وكيلاً لهما.
فقد وردَ في بعضِ رواياتِ هذا الحديث أن عمرَو بنَ العاصِ، والمُطَّلِبَ بنَ أبي وَداعَةَ السَّهْمِيّانِ بَعَثا معَ تميمٍ وعَدِيٍّ رَجُلاً يقال له بديلُ بنُ أبي مارية الرومي مولًى للعاصِ بنِ وائلٍ بِمَتاعٍ إلى أرضِ الشامِ فيه آنِيَة من ذَهَبٍ، وآنية من فِضَّةٍ، وآنية مُمَوَّهَة بالذَّهَبِ، فلما قدموا الشامَ، مرضَ بديلٌ، وكان مسلمًا، فكتب وصيتَهُ، ولم يعلمْ بها تميمٌ الداريُّ، ولا عَدِيٌّ، وأدخلَها في متاعِه، ثم توفُي، ولم يبعْ شيئًا من متاعِه، فقدمَ تميم الداريُّ وعديٌّ إلى المدينةِ، ودفعا المتاعَ إلى عمرِو بنِ العاصِ وإلى المُطَّلِب، وأخبراهما بموتِ بُديلٍ، فقال عَمْرو والمُطَّلِبُ: لقد مضى من عندنا بَأكثرَ من هذا، هل باعَ شيئًا؟ قالا: لا فمضوا إلى النبيّ ﷺ ، وساق الحديثَ بنحوِ ما قدمتُه.
وقد ظهرَ لكمْ بهذا التحقيقِ أن الخِطاب معَ المُؤْمنين، وأن الآيةَ جارية على قوانينِ القياسِ، غيرُ مُخالِفَةٍ لهُ في شيء (٢).
فَتُقْبَلُ شهادةُ الذميّ إذا كانَ وصِيًّا بهذِه الآيةِ، وأما إذا كانَ غيرَ وَصِيٍّ، فلا تقبَلُ شهادَتُه؛ بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، والشاهدانِ إذا كانا وَصِيَّيْنِ ذِمّيَّيْنِ، وشهدا على فعلِهما، ونَفيا ما يُدَّعَى عليهما نُحَلّفُهما بهذه الآية، وإذا كانا مسلمينِ، نُحَلّفُهما؛ بالقياسِ عليهما، وبغيرِ ذلكَ من الأدلة.
стр. 1146
وإذا شَهِدا ولم يكونا وَصِيَّيْنِ، وعلى غير فِعْلِهما، قبلناهُما، ولم نُحَلّفْهما، بالإجماع.
وإذا قامَتِ الحُجَّةُ على خيانةِ الوَصِيّ، وادَّعى ما يُناقِضُها، حلفَ الوَليُّ إن كانا اثنين بهذه الآية.
وإن كانَ واحِداً، أو جماعَةً، حَلفوا بالإجماع، وبالقياس على الاثنين، وظهرَ أن كلَّ ذلك جرى بحُكْم الاتفاقِ.
وإذا اتفقَ ذلكَ في زمانِنا، قضينا فيه بقضاء الله، وقضاء رسول الله ﷺ .
وقد اتفقَ ذلكَ بعدَ النبيّ ﷺ عندَ أبي موسى الأشعريِّ -رضي الله تعالى عنه-.
روى الشعبيُّ: أنَّ رجلاً من خَثْعَمٍ خرجَ من الكوفَةِ إلى السَّوادِ، فماتَ بـ "دَقُوقا" (١)، فلم يجد أحداً يشهدُ على وصيتهِ، فأشهد رجلينِ من أهلِ الكتاب، فقدما الكوفةَ، فأتيا أبا موسى الأشعريُّ، وقَدِما بتركتهِ ووصِيَّتِه، فقال أبو موسى الأشعريُّ: هذا أمرٌ لم يكنْ بعدَ الذي كانَ في عهدِ رسول الله ﷺ ، فأَحْلَفَهما، وأمضى شهادَتَهما بعدَ صلاةِ العصرِ بمسجدِ الكوفة باللهِ الذي لا إلهَ إلا هو ما كَتَما ولا غَيَّرا (٢).
قال ابنُ عَبّاسٍ: كأني أنظرُ إلى العِلْجَيْنِ (٣) حينَ انتهي بهما إلى
стр. 1147
أبي موسى الأشعريِّ، ففتحَ الصحيفةَ، فأنكرَ أهلُ الميتِ، وخَوَّنوهما، فأراد أبو موسى أن يَسْتَحْلِفَهُما بعدَ صلاة (١) العصرِ، فقلتُ: لا يُبالون بعدَ (٢) العصرِ، ولكنِ استَحْلِفْهُما بعدَ صلاتِهما ودينهما (٣).
والحمدُ للهِ الذي هَدانا لِهذا، وما دَلَّنا على هذا التحقيقِ وسلوكِ سواءِ الطريقِ إلا الأحاديثُ المشهورةُ بسببِ هذهِ الآيةِ، ولولا الأسبابُ، ما عُرِفَتِ المُسَبَّباتُ، ولو نُقِلَتِ الأسبابُ بأحوالِها وقَرائِنِها ومقاصِدِها في واقعةٍ، ما اختلفَ فيها اثنان، إلا قليلًا.
وبعدَ كتابي هذا المَوْضِع بأربعِ سنينَ، وجدْتُ كلاما للشافعيّ في كتاب "الجزية" يرشدُ إلى مثلِ هذا (٤).
* فإن قلتم: فهل يتعينُ اللفظُ الذي ذكرهُ اللهُ تَعالى في اليمينِ كَما في اللِّعان، أو يجوزُ بغيرِه مِمّا أَدّى معناه؟
قلت: لا يتعينُ، بل يجوزُ هو وما في معناه؛ كسائر الدعاوى، ألا ترى إلى ما قدمته من الحديثِ لفظَ اليمينِ فيه مُخالِفًا لِلَفْظِ اليمينِ في القرآن؟ فهذا بخلافِ اللِّعانِ، وسيأتي عليه الكلامُ -إن شاء الله تعالى-.
* ووَقَّتَ اللهُ سبحانه ليمينِ الوَصِيَّيْنِ اللَّذين ارتيبَ منهما بعدَ الصلاةِ، وهي صلاةُ العصرِ عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ لاتفاقِ أهلِ المِلَلِ على تعظيمِها، والتغليظُ بالوقتِ مشروعٌ، قالَ النبيُّ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ على يمينٍ كاذِبةٍ بعدَ
стр. 1148
العَصْرِ، لقيَ اللهَ وهُوَ عليهِ غَضْبانُ" (١).
واختلفوا في التغْليظِ بالمكان:
فرآه الشافعيُّ ومالِكٌ، وقالا: يُجْلَبُ في أيمانِ القَسامَةِ إلى مَكَّةَ مَنْ كانَ منْ عَمَلِها، فيحلفُ بينَ الركنِ والمَقام، ويُجْلَبُ إلى المدينةِ مَنْ كانَ من عَمَلِها، فيحلفُ عندَ المنبرِ؛ لما روى جابر -رضي الله تعالى عنه-: أن رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ حَلَفَ على مِنْبَري هذا بيمينِ آثِمَةٍ، تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ منَ النار" (٢)، ولما رُوي: أنَّ النبيَّ ﷺ لاعَنَ بينَ المَرْأَةِ والزوْجِ على المِنْبَرِ (٣)(٤).
(من أحكام الزكاة)
١٣٠ - (٣) قوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)﴾ [الأنعام: ١٤١].
أنشأ: أَبْدَعَ على غيرِ مِثال يُحْتَذَى. مَعْروشاتٍ: مَرْفوعاتٍ على الأعواد.
* ذكر الله سبحانه في هذه الآية أنواعاً من المَطْعومات التي أنعم بها على عِباده وهي تُطْعَمُ قوتاً وتَفَكهاً وتَداوِياً، ويُنتفعُ بها قوتاً وتَفَكهاً واستِصْباحاً، ثم أمرنا بأكلِها، وإيتاءِ حَقِّها.
* واتفق العلماءُ على أن الأمرَ بالأكل للإباحَةِ، أو للامْتِنان، وبالإيتاء وجوب، ولكن الحَق مُجْمَل، وقد بَيَّنَهُ النبيُّ ﷺ ، فقال: "فيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ، وفيما سُقِيَ بِنَضْحٍ أو دالِيَةٍ نِصْفُ العُشْرِ" (١).
* وقد اختلفَ الناسُ في هذهِ الآيةِ اختلافاً كثيراً، وسببُ اختلافِهم هو اتفاقُهم على أن سورة الأنعامِ نزلَتْ بمكَّةَ، وأنَّ الزكاةَ فُرِضَتْ بالمدينةِ، وعلى أَنَّهُ لا حَق في المالِ غيرُ الزكاةِ.
стр. 1153
روى ابنُ وَهْبٍ وابنُ القاسِمِ عن مالكٍ: أنه قال: إن الزَّكاةَ والصومَ فُرِضا في المدينة، فكيف نقولُ: إن قولَه تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ إن المرادَ بها الزكاة، والأنعامُ مَكِّيّةٌ؟.
فذهبَ قومٌ إلى أنها منسوخة بآية الزكاة (١).
ويروى عن عِكْرِمَةَ، والضحّاك، والنَّخَعِيِّ، وسعيدِ بنِ جُبَير (٢)، قال سُفْيانُ: سألتُ السُّدِّيَّ عن هذه الآيةِ، فقالَ: نسخَها العُشْرُ، وَنصفُ العُشْرِ، فقلتُ عَمَّنْ؟ قال: عن العلماء (٣).
وذهبَ الجُمهور إلى أنها مُحْكَمَةٌ.
ثم اختلفَ هؤلاءِ.
فقال قومٌ: ليس المرادُ بالحَق الزكاةَ، وإنما المرادُ به تركَ شيءٍ للمساكين غيرِ الزكاة، وبه قالَ مجاهدٌ، والحَكَمُ، ومحمدُ بنُ كَعْبٍ، وأبو عُبيدَةَ (٤).
قال مُجاهدٌ: إذا حَصدْتَ، فَحَضَرَكَ المساكينُ، فاطْرَحْ لهِم من السُّنْبُلِ، فإذا جَذَذْت، فألقِ لهم منَ الشَّماريخ (٥)، فإذا دستَهُ (٦) وذرَّيْتَهُ،
стр. 1154
فاطرَحْ لهم منه، وإذا عرفْتَ كَيْلَهُ، فأخرجْ زكاتَهُ لهم (١)(٢).
وذهبَ الجُمهور إلى أن المرادَ بالحَقِّ الزكاةُ، أمر الثهُ سبحانه بِها أمراً مُجْمَلاً، ثم بيَنَهُ النبي ﷺ ، كما قَدَّمْتُ ذلك أَوَّلاً، وبه قالَ أنسٌ، وابنُ عَبّاسٍ، وطاوسٌ، والحسنُ، وابنُ المُسَيِّبِ، وعطاءٌ، وغيرهم (٣).
واعتُرِض على هذا بأن فرضَ الزكاةِ كانَ بالمدينةِ، والسورةُ مَكّيَّةٌ، وهذا مُتناقِضٌ كما قَدَّمْتُ ذلكَ عن مالِكٍ من روايةِ ابنِ وَهْبِ وابنِ القاسمِ.
فمن المتأخِّرين مَنْ قالَ على طريقِ التَّنَزُّلِ: يجوزُ أن يُوجِبَ اللهُ سبحانهُ الزكاةَ بمكَّة بهذهِ الآيةِ إيجاباً مُجْمَلًا، فأوجبَ بمكَّةَ فرضَ اعتقادِ وُجوبِها، ووقفَ العملَ بها على بيانِ الجنسِ والقدرِ والوقتِ، فلم يُمْكِنِ الامتثالُ بِمَكَّةَ حتى تَمَهَّدَ الإسلامُ بالمدينة، فوقع البيانُ وتَعَيَّنَ الامتثالُ.
ثم قال: وهذا لا يَفْقَهُهُ إلا العلماءُ بالأصول (٤).
وما قاله هذا القائلُ حَسَنٌ، إلا أنه غَفَلَ عن التحقيقِ، فقولُه غيرُ مستقيمٍ لأنَّ اللهَ سبحانه لم يفرضْ وُجوبَ الزكاةِ وحَدَّهُ، بل فرضَ أداءَ حَقِّ المالِ يومَ الحَصاد، وتأخيرُ البيانِ حينئذٍ لا يجوزُ؛ لأنه وقتُ الحاجَة، إلا أن يُقَدَّرَ أَنَّ نزولَ الآية كانَ قبلَ أن يَيْنَعَ في آخرِ عامٍ هاجرَ فيه النبيُّ ﷺ ، ولا يَخْفى ما في هذا من البُعْدِ.
стр. 1155
والأحسنُ عندي أن يقالَ: الآيةُ بخُصوصِها مدنيةٌ -كما قالَ الزَّجَّاجُ-: قيل فيها: إنها نزلَتْ بالمدينةِ، وإن كانتِ السورةُ مكية (١).
فليس ثَمَّ دليل سمعي على تعيينِ نُزولِ هذه الآيةِ بمكَّةَ، وقد يطلقون ذلكَ على جُمْلَةِ السورةِ، وقد عُلِم أن بَعْضَها غيرُ داخلٍ في ذلك الإطلاق، ألا تراهم يقولون: المائدةُ مدنية، وقد نزلَ قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] بِعَرَفَةَ؟
فإن قلت: لو أسمعتني دليلاً على ما قلتَ كانَ أوقعَ لقولكَ عندي، وإن كانَ الدليلُ على كون الآيةِ بخُصوصها مكيةً على غيرِك لا عليكَ.
قلت: روى الكلبيُّ عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أن ثابتَ بنَ قيسٍ عَمَدَ فَصَرَمَ خَمْسَ مِئَةِ نخلةٍ، فَقَسَمها في يومٍ واحدٍ، ولم يتركْ لأهلهِ شيئاً، فكره اللهُ له ذلك، فأنزل: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٢)(٣) [الأعراف: ٣١].
ونحوُ هذا رُوي عنِ ابنِ جُبير (٤).
стр. 1156
والظاهرُ نُزولُ الآيةِ جملةً واحدةً، وإن كان بعضُها قد ينزلُ دونَ بعضٍ كما بينتُه في كتابي هذا، والله أعلم.
* وأوجبَ اللهُ سبحانه إيتاء الحَقِّ يومَ الحَصاد، وجَعَلَهُ وقتَ الإيتاءِ، لا وقتَ لهُ غيره.
فإن قلتَ: فهل وقتُ الإيتاءِ وقتٌ لتعلُّقِ هذا الوجوب، أو يتقدَّمُ الوجوبُ عليه؟
قلنا: قالَ محمدُ بنُ مَسْلَمَةَ المالِكيُّ: وقتُ وجوبِ الإيتاءِ وقتُ وجُوب التَّعَلُّقِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
وحكاه صاحبُ "التقريب" (١) قولًا للشافعيِّ؛ لأنه لو وَجَبَ، لما جازَ تأخيرُه.
ومذهبُ الشافعيّ ومالِكٍ وسائرِ المالكيةِ أنَّ وقتَ وجُوبِ التَّعَلُّقِ عندَ بُدُوِّ الصَّلاحِ (٢)؛ لأن النبيَّ ﷺ كانَ يَخْرُصُ النَّخْلَ حينَ يَبْدو صلاحُها، ويُضَمِّنُها أربابَها (٣)، ولأنه وقتُ اقْتياتِهِ الذي مَنَّ الله بهِ علينا، فهو واجِبٌ مُوَسَّعٌ كالصلاة، والإيتاءُ يومَ الحصادِ بيانٌ لما قد وَجَبَ يومَ الحَصاد.
стр. 1157
* إذا تمَّ هذا، فقدْ تَمَسَّكَ الحَنَفِيَّةُ بهذهِ الآيةِ في وُجوبِ الزكاةِ في كُلِّ ما أخرجتْهُ الأرضُ، ما خلا الحشيشَ والحَطَب والقَصَبَ (١)؛ لأن اللهَ سبحانه ذكرَ الزَّيتون والرُّمّانَ، ثم قال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
ولا دليلَ لهمْ في الآيةِ؛ لأن اللهَ قال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، والحصادُ مختصّ بالزرعِ، وفي معناه الجُذاذُ في النَّخْلِ، بل هذا يدلُّ على أن الزيتونَ والرمانَ غيرُ مُرادَيْنِ بالإيتاء.
فإن قالوا: أصلُ الحَصادِ ذَهابُ الشيءِ عن مَوْضِعِهِ الذي هو فيه، بدليلِ قوله: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]، وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]، وقوله: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٥]، وذلك غير مُخْتَصٍّ بالزرع.
قلنا: عرفُ اللسانِ (٢) قاضٍ باخْتِصاص الزرع به، ولهذا يقال: حصَادُ الزرع، وجُدادُ النخلِ -بالدال المُهْمَلَة-، وجُذاذُ البقل -بالمُعْجَمَة- فتخصيصُه بالزرعِ حقيقةٌ عرفيةٌ، وتعميمُه حقيقةٌ لغويةٌ، والعرفيةُ أولى من اللغوية.
ثم تمسَّكوا أيضاً بعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وهذا لا دليلَ فيه أيضاً، فعمومُه مخصوصٌ بتركِ النبيِّ ﷺ الأخذَ من بعضِه؛ كالقِثَّاءِ والبِطِّيخِ، وكانَ بالمدينة، وبسكوته عن الأمرِ في الزَّيتونِ
стр. 1158
والرُّمّان، وكان بغيرِ المدينة، ولو كان زَكاتِيًّا، لأخذَ مِمَّا كانَ بالمدينة، وأمرَ بالأخذِ مِمّا كانَ في غيرِها؛ كما أخذَ في الإبِلِ والغنمِ، وأَمَرَ في البَقَرِ، ولو أخذَ هو أو أَحَدٌ من الخُلُفاءِ، لنقِلَ إلينا كما نُقِلَ أَخْذهُمْ مِنَ الدُّخْنِ (١) والسُّلْتِ (٢) والعَلَسِ (٣) والأَرُزّ، فلما لم يُنْقَلْ عنهم، عَلِمْنا أنهُ لا زكاةَ فيه، كما لم يُنقلْ عنهم أخذُ الزكاةِ في الياقوتِ واللُّؤلُؤِ، واستدلَلْنا على أن العِلَّةَ فيها هوَ القوتُ الذي تقومُ بهِ الأبدانُ؛ كما أن العِلَّةَ في النَّقْدَيْنِ كونُهما الثَّمَنِيَّةَ التي تُقَوَّمُ بها الأشياءُ.
فإن قيل: لا حاجةَ إلى نقلِه؛ فإن القرآنَ يكفي عن النقل.
قلنا: لا بدَّ من نقلِه ليتمَّ بيانُ النبيِّ ﷺ لِما أنزلَ اللهُ عليه، ولمّا لم يأمرْ بالأخذِ منها، ولم يأخذْ مع وجودِ الظاهرِ، علمْنا أنه واجبٌ فيها كسائرِ المتروكات.
واحتجوا بقوله ﷺ : "فيما سَقَتِ السماءُ العُشْرُ، وفيما سُقِيَ بِنَضْحٍ أو
стр. 1159
دالِيَةٍ نِصْفُ العُشْرِ" (١)، واعتقدوا عمومَهُ.
قلنا: هذا كلامٌ جاء سياقُه من الشارعِ لبيانِ مقدارِ الحَقِّ الذي أمرَ اللهُ سبحانَه بإيتائه، لا لبيان الشيء الذي يجبُ فيه، وليس فيه من قُوَّةِ الدلالَةِ ما في قوله ﷺ : "ليس فيما دونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ منْ حَبٍّ أو تَمْرٍ صَدَقَةٌ" (٢)؛ لما في هذه الآية من الاعتناء بذكرِ المقدارِ الذي يجبُ فيه، والجنسِ الذي يجبُ فيه، وهو من أحسنِ أدلَّةِ الشافعيَّةِ في اعتبارِ النِّصابِ، واعتبار المُقْتاتِ.
* * *
стр. 1160
(من أحكام الذبائح)
١٣١ - (٤) قوله جَلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
* أقول: ظاهرُ هذه الآيةِ تقْتَضي أن كلَّ ما عدا المذكورَ المَحْصورَ فيها حلالٌ، وليسَ بحرام.
وقد وردتِ السُّنَّةُ المُتَّفَقُ عليها بتحريمِ أشياءَ ليستْ مذكورةً فيها؛ كالسِّباعِ، والحُمُرِ الأَهْلِيَّة، فاختلفَ الناسُ لذلك.
فأخذَ قومٌ بظاهرِ الآية، ورأوا أن السنةَ لا تنسخُ الكتابَ، ولا تُقاوِمُهُ، ولفظُ الكتابِ ليسَ بعامٍّ فيُخصُّ، ولا بمُطْلَقِ فَيُقَيَّدُ، بل هو نَصٌّ صريحٌ في الحَصْرِ، فَحَلَّلوا ما عدا المذكورَ في الآية، وبهذا قالَ مالكٌ في إحدى الروايات عنه (١).