← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

* ونهى (١) اللهُ سبحانَه بهذهِ الآيةِ عَبْدَهُ المؤمنَ أن يُحَرِّمَ على نفِسه ما أَحَلَّهُ له. فإنْ فعلَ ذلكَ تشريعاً، فهو كُفْرٌ (٢). وإن فَعَلَهُ تزَهُّداً كَفِعْلِ الصحابَةِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم - فهو مكروهٌ (٣)؛ وفاقاً للشيخِ أبي حامدٍ (٤)، والجُمهورِ من الشافعيةِ (٥)، وخلافاً للقاضي أبي الطَّيِّبِ. وإن حَرَّمَهُ بلسانهِ دونَ اعتقادِه، فهو كَذِبٌ حَرامٌ يستغفرُ اللهَ سبحانَه منه، ولا يحرمُ عليهِ، ولا يجبُ عليه شيءٌ من الكَفَّارةِ. وقال أبو حَنيفةَ: هو يمينٌ تجبُ بهِ الكفَّارةُ، فهو كما لو قالَ: واللهِ لا فَعَلْتُ كَذا (٦). * وهذا مُتَفَرِّعٌ عن مسألة أخرى، وهي هل اليمينُ تُحَرِّمُ فِعْلَ المَحْلوفِ عليهِ، أو لا؟ فقال الشافعيُّ ومالِكٌ: اليمينُ لا تُحَرِّمُ (٧).

стр. 1087

وقال أبو حَنيفةَ: اليمينُ تُحَرِّمُ (١). واختارَهُ ابنُ العَرِبيِّ المالِكِيُّ (٢)، قال: لأنَّ الحالِفَ إذا قالَ: واللهِ لا دَخَلْتُ الدَّارَ، فإنَّ هذا القولَ قَدْ مَنَعَهُ منَ الدُّخولِ حتى يُكَفِّرَ، فإنْ أقدمَ على الفعلِ قبلَ الكفارةِ، لزمَهُ أداؤها، والامتناعُ هو التحريمُ بعينهِ، والباري تَعالى هو المُحَرِّمُ، وهو المُحَلِّلُ، ولكنَّ تحريمَهُ قد يكونُ ابتداءً كمحرَّماتِ الشريعَةِ، وقد يكونُ بأسبابٍ يُعَلِّقُها بأفعالِ المُكَلَّفينِ؛ كتعليقِ التَّحريمِ بالطَّلاقِ، والتَّحريمِ باليَمين، ويرفعُ هذا التحريمَ الكفّارَةُ والنِّكاحُ بِحَسَبِ ما رَتَّبَ سبحانَه منَ الأحكامِ (٣). ولكنه ضَعَّفَ إلحاقَ أبي حنيفةَ قولَه: حَرَّمْتُ على نَفْسي كذا بقولِه: واللهِ لا فَعَلْتُ كذا، قال: لأنهُ باليَمين حَرَّمَ، وأَكَّدَ التَّحريمَ بذكرِ اللهِ تعالى، وبغيرِ اليمينِ حَرَّمَهُ وحدَهُ دونَ ذكرِ الله تعالى، وكيفَ يُلْحَقُ ما لم يُقْرَنْ به ذكرُ اللهِ تعالى بما قُرِنَ بهِ ذكرُ اللهِ تعالى؟ ثم قال: وهذا الإلحاقُ لا يَخْفى تَهاتُرُهُ (٤) على أحدٍ (٥) (٦). والذي أراهُ أنَّ الإلحاقَ صَحيحٌ؛ لأن اللهَ سبحانَه سَمَّى تحريَم المرأةِ على نَفْسِها يميناً، وأوجَبَ فيه الكَفَّارَةَ، وقال تعالى في سورة التحريم:

стр. 1088

﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]. وإنَّما استثنى مالِكٌ والشافِعيُّ من تحريمِ الرجلِ على نفسِه ما خَلا الزَّوْجَةَ، فلم يُوجِبا فيها الكَفَّارَةَ، وسيأتي الكلامُ على هذا في "سورةِ التحريمِ" -إن شاء الله تعالى-. * * * ١٢٠ - (١٧) قوله ﵎: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] الآية. * ذكر اللهُ سبحانَهُ اليمينَ في آيتينِ من كتابهِ العزيز، وقَسمها إلى لَغْوٍ وغَيْرِه. - فأما اللَّغْوُ، فقد ذكرتُ اختلافَ العلماءِ فيه. وأما حقيقَتُه، فهو ما كانَ باطلاً وما لا يُعْتَدُّ بهِ منَ القول، ومنه قيلَ لولد الناقَةِ الذي لا يُعْتَدُّ بهِ في الدِّيَةِ: لَغْوٌ. وحقيقةُ هذا الاسمِ واقعةٌ على الأقوالِ جميعِها، إما وَضْعاً، وإمّا شَرْعاً، لكنه فيما اختارَهُ الشافِعيُّ أَظْهَرُ وقوعاً. - وأما غيرُ اللَّغْوِ، فذكرَها اللهُ سبحانَهُ بِوَصْفَيْنِ في الآيتينِ، فقال في إِحداهُما: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وكَسْبُ القلب هو قَصْدُه للشيءِ، وعَزْمُهُ عليه، وبهذا أخذَ الشافعيُّ، وجعلَ الكَسْبَ مُفَسِّراً للوَصْفِ الآخَرِ الذي هُو العَقْدُ.

стр. 1089

وقال في الأُخْرى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. والعَقْدُ هو ربطُ الشيءِ بشيءٍ، وهو (١) هاهنا رَبْطُكَ القَصْدَ القائِمَ بالقَلْبِ بالمَقْصود بواسِطَةِ القَسَمِ، وهذه الحقيقةُ موضوعةٌ لما تُصُوِّرَ حَلُّه. * وقد وصفَ اللهُ سبحانه رَفْعَ اليمينِ بالحِلِّ، فقالَ تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وهذا المعنى يَقْتضي أن يكونَ اليمينُ على ظَنِّ شَيْءٍ، والحقيقةُ بخلافِه لَغْوٌ؛ لأنه ليسَ بعقدٍ يُتَصَوَّرُ حَلُّه. وبهذا المعنى أخذَ مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وسفيانُ، وأحمدُ، وجعلوا العَقْدَ المذكور هنا مفسِّراً للكَسْب المَذْكور في سورة البقرة (٢). وقال الشافعيُّ: لا إِثْمَ فيه، وعليهِ الكَفَّارَةُ؛ لأنها يَمينٌ مُكْتَسَبَةٌ بالقَصْدِ إليها (٣). * ومن أجل هذا أيضاً اختلَفوا في وجوبِ الكَفّارَةِ في اليَمينِ الغَموسِ، وهي اليمينُ على شيءٍ ماضٍ أَنَّهُ ما كان، وهو قَدْ كانَ، وتعمَّدَ الكذبَ على ذلك. فقال مالكٌ، والأوزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، والثوريُّ، وأحمدُ، وإسْحاقُ (٤):

стр. 1090

لا كفَّارةَ لها (١)؛ لأنها ليستْ بمُنْعَقِدَةٍ؛ لعدمِ تصوُّرِ حَلِّها، وإنما هيَ مَكْرٌ وخديعة، واختارَهُ ابنُ المنذرِ (٢). واحتجُّوا من السنَّةِ بقولهِ ﷺ : "من حَلَفَ على يمينٍ يقْتَطعُ بها مالَ امْرِئً مُسْلِمٍ، وهو فيها فاجِرٌ، لقيَ الله وهوَ عليهِ غَضْبانُ" (٣). وقال الشافعيُّ تجبُ الكفارةُ؛ لأنها مُكْتَسَبَةٌ بالقلبِ (٤). وأجيبَ عن الحديثِ بأنه ﷺ علَّقَ ذلكَ باليمينِ، وباقتطاعِ مالِ المسلمِ، والكفارةُ لا تهدمُ ظلمَ المُسلمِ، ولو كان حُجَّةً، لوجبَ أن تكونَ الكفارةُ في اليمينِ الغَموس التي لا اقْتِطاع فيها لمالِ مسلمٍ، وهم لا يقولون بذلك. وهذا الجوابُ ضعيف، فإن الظاهرَ أن التقييدَ بمالِ المُسلمِ للتَّعريفِ والتَّعظيمِ، لا للتَّقييدِ، بدليلِ قوله: "وهو فيها فاجر". فإن قلتَ: فما حقيقةُ اليمينِ التي عُلَّقَتْ بها هذهِ الأحكامُ؟ قلنا: هو تعليقُ القسمِ بالشيءِ العظيمِ على تركِ شيءٍ أو فعلِه. وسُمِّيَتِ اليمينُ يَميناً؛ لأن العربَ كانتْ إذا أعطتْ مواثيقَها، مَدَّتْ أَيْمانَها؛ تأكيداً للمواثيق، فأطلق لفظُ اليمينِ على القولِ المصاحِبِ

стр. 1091

لذلكَ تجَوُّزاً حتى صارَ حَقيقَةً فيه (١). وقد كانتِ العربُ تُعَظّمُ أشياءَ في الجاهِلِيَّةِ، وتقسِمُ بها، أبطلَها الشرعُ، وبقيت العظمةُ لله ﷻ ، قال النبي ﷺ : "لا تَخلفِوا بالطَّواغي، ولا بِآبائِكم، فَمَنْ كانَ حالِفاً، فَلْيَخلِفْ باللهِ، أو لِيَصُمْت" (٢). * وقد اتفقَ أهلُ العلمِ على تحريمِ الحَلِفِ بالطَّواغي كاللَّاتِ والعُزَّى، فإن قصدَ تعظيمَها، فهو كافرٌ، وإن لم يقصدْ تعظيمَها، فليسَ بكافرْ (٣)، وربَّما قالَ بعضُهم بكفرِه؛ لإِطْلاقِ الأحاديثِ في ذلك، قال النبيُّ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ منكُم، فقالَ في حلفه: باللاّتِ والعُزَّى، فليقلْ: لا إلهَ إلا اللهُ" (٤). * واتفقوا أيضاً على مَنْعِ الحلفِ بالآباءِ والمُلوك وغيرِهم منَ العُلماءِ والصّالحين، واختلفوا هل ذلكَ على التَّحريم، أو التَّنزيهِ؟ والخِلافُ موجودٌ عند المالكيّة والشافعيَّةِ جَميعاً (٥).

стр. 1092

* واتفقوا على صِحَّةِ اليمينِ باللهِ ﷻ ، وبأسمائِهِ. * واختلفوا في الحَلِفِ بصِفاتِ الله، وجَوَّزَهُ الجُمهورُ، وخالفَ فيه أبو حَنيفةَ (١). * واختلفوا بالحلفِ بالنبيِّ ﷺ خاصَّةً منَ الأنبياءِ -صلواتُ اللهِ عليهم وسلامُه- فمنعَهُ الجُمهورُ (٢)، وجَوَّزَهُ أحمدُ، وعَقَدَ بهِ اليمينَ؛ لأنهُ لا يَتِمُّ الإيمانُ إلا به، ولكن هذا ينتقضُ بسائرِ الأنبياءِ -صلواتُ اللهِ عليهم أجمعين-؛ فإنه لا يتم الإيمانُ إلا بهم. * واختلفوا في الحَلِفِ بما أَقْسَمَ به اللهُ تعالى وعَظمَهُ، فجوَّزَهُ قومٌ، ومنعه آخرون، وبَسْطُ ذلكَ يطولُ (٣). * فإن قلتَ: فما حكمُ الألفاظِ التي ليستْ بصِيَغِ القَسَمِ، وإنما تخرجُ مَخْرَجَ الإلزام المُعَلَّقِ بالشروطِ، مثل أن يقولَ: إن فعلتُ كذا فَعَلَيَّ صومُ يومٍ، وامرأتي طالِق، وغلامي حُرٌّ، هل هي أَيمان يلزمُه بها ما التزَمَهُ، ويجبُ بمخالَفَتِها الكَفارَةُ؛ لما فيها من الحَثِّ والامْتِناع أو لا؟

стр. 1093

قلت (١): ليست بأَيْمانٍ (٢) في عُرفِ اللغة، وأما في عُرْفِ الشَّرعِ، فاختلفوا: فقال الشافعيُّ وأحمدُ: ليست بأيمانٍ تجبُ بها الكفارةُ؛ وإنما هي نذورٌ يجبُ بها ما التزمَه (٣). ويروى هذا عن عائشة -رضي الله تعالى عنها (٤) -. وقال أبو ثَوْرٍ: يجبُ الكفارة في التعليقِ بالعتق وحدَه (٥). وقال مالكٌ: هي أيمان تجبُ بها الكفارةُ (٦)؛ لقوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، مع قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، فسماها الشرع يميناً؛ لقوله ﷺ : "كفارةُ النذرِ كفارةُ يمينٍ" (٧)، حتى قال بعض المالكيةِ: النذرُ يمينٌ حقيقةً. وقال أهلُ الظاهرِ: ليست بأيمانٍ يلزمُ منها الإثمُ والكَفّارةُ، ولا بِنُذورٍ يلزم بها ما التَزَمَهُ، وإنما يجبُ بذلك ما أَلْزَمَهُ الشرعُ؛ كالطلاقِ، والعتق (٨). وسيأتي الكلامُ على ذلك في النذر -إن شاء الله تعالى-.

стр. 1094

* ثم ذكرَ اللهُ بعدَ اليمينِ الكَفارَةَ مُفَضَلَةً مُبَيَّنَةً، فخيَّرَ في أَوَّلِها، ورتَّبَ في آخرِها، فخيَّرَ بينَ الإطعامِ والكُسوةِ والتَّحريرِ. وعلى هذا اتفقَ العُلَماءُ من الخَلَفِ والسَّلَفِ (١)، إلا ما رُويَ عنِ ابنِ عُمَرَ -رضي اللهُ تعالى عنهما-: أنه كانَ إذا أَكَّدَ اليمينَ، أعتقَ، أو كَسا، وإذا لم يُؤَكِّدْها، أَطْعَمَ (٢). قيلَ لنافعٍ: ما التأكيد؟ قال: أن يحلفَ على الشَّيْءِ مِراراً. ولو أرادَ الحالِفُ أن يطعمَ خَمْسَةَ مساكينَ، ويكسوَ خمسةً؛ لم يجزُ؛ لأن الله سبحانَهُ خَيَّرَ بينَ الأنواعِ، ولم يخيرَّ في تنويعِ الأنواعِ (٣). ومطلقُ الخطابِ يقتضي وجودَ التكفيرِ بحصولِ الإطعام للمساكين في أيِّ صورةٍ كانت، فلو غَداهُم وعَشّاهُم، جاز، وبه قال أبو حنيفة (٤). وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يُجزئ إلا التمليكُ التامُّ؛ قياساً على الفِطْرَةِ، فقيد هذا الإطلاق بالقياس (٥).

стр. 1095

* وإضافةُ الإطعامِ إلى العشرةِ المساكينِ يوجبُ التَّخْصيصَ بهم، والملكَ لهم، ولا يصحُّ العدولُ عنهم. وبهذا قال الشافعيُّ ومالكٌ (١). وقال أبو حنيفةَ: إذا دفعَها إلى مسكينٍ واحدٍ في دَفَعاتٍ، جازَ، وجعلَ العددَ المذكورَ للتقدير، لا للتمليك له، وتقديرُ الخطابِ عنده: فإطعامُ طعامِ عشرةِ مساكينَ (٢). وهذا ضعيفٌ؛ لِما فيه من الإضمارِ والتجويزِ، ولما فيه من حذفِ المفَعول، ولما فيه من تركِ البيان لمنْ تُصرَفُ إليه هذه الصدقةُ، والحقيقةُ خير من المَجازِ، والذكرُ خير من الإضمارِ، والبيانُ خير من الإجْمال، واتباعُ الظاهرِ أَوْلى من التأويلِ. * ثم بيَّنَ اللهُ سبحانه صِفَةَ هذا الطَّعامِ، فقال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، والوسط يقع على الخيارِ، ويقع على الوَسَطِ بينَ الطَّرَفَيْن، وهو المقصودُ هنا بالاتفاق (٣). قال ابنُ عَبّاسٍ -رضي الله تعالى عنهما- كان الرجلِ يقوتُ أهله قوتاً فيه سَعَة، وكانَ الرجلُ يقوتُ أهلَه قوتًا وَسَطاً، وقوتاً دُون ذلك (٤)، فالواجبُ

стр. 1096

على الرجُلِ أن يُخْرِجَ من القوت الذي يُطْعِمُهُ أَهْلَه. فهل المُرادُ بالذي نطعمُه أهلَنا أهلَ المُكَفِّرِ خاصَّةً حتى يجبَ عليه أن يخرجَ من قوَّتِه، أو أهلِ الجميعِ منّا، حتى يجبَ غالبُ قوتِ أهل البلد؟ فيه احتمال. وقد اختلفَ في ذلكَ القولُ عندَ الشافعيةِ والمالكيةِ (١). * والوسطُ الذي ذكرهُ اللهُ سبحانه، وقَيَّدَ به إطلاقَ الإطعامِ مُطْلَقٌ غيرُ مُقَدَّرٍ. فقدَّرَهُ الشافعيُّ بالمُدِّ (٢)؛ لأنه أقلُّ ما وُجِدَ، كَما في كَفارة المُفْطِرِ في شَهْرِ رَمَضانَ، وأخذ في تقديرِه بقولِ ابنِ عَبّاسٍ وزيِد بنِ ثابت -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم (٣) -. وَقدَّرَهُ أبو حنيفةَ بِنِصْفِ صالح من حِنْطَةٍ، أو صاعٍ من تَمْرٍ أو شعيرٍ؛ كما قال في زكاةِ الفِطْر (٤). ومالِكٌ -رحمه اللهُ تعالى- قَيَّدَ هذا الإطلاقَ بالعادَةِ؛ كما هو أصلُه (٥)، فقال: يُعطي المِسكينَ مُدًّا منَ الحنطةِ إذا كانَ في المدينة؛ لضيقِ مَعاشِهم،

стр. 1097

وأما سائُر المُدُنِ، فيعطونَ الوسَطَ من نفقتهم. * هذا في الإطْعامِ، وأما الكُسْوَةُ، فإن الله سبحانه أَطْلَقَها، ولم يقيّدها بالوَسَطِ. فمن أهلِ العلمِ من أخذَ بإطلاقِه، فقال: يُجْزِئُ أقلُّ ما يقعُ عليه الاسمُ؛ من إزارٍ، أو قميص، أو سراويلَ، أو عِمامة. وإليه ذهبَ الشافعيُّ وأبو حنيفة (١). وقال مالكٌ: أقلُّ ما يُجزئ فيه الصلاة (٢)، فإن كانَ المسكينُ رَجُلاً، كَساهُ ثوباً يسترُ العَوْرَةَ، وإن كانَتِ امرأةً، كساها دِرعاً (٣) وخِماراً، فأوجبَ أقلَّ ما يقعُ عليه المعنى الشرعيُّ. * وأطلق اللهُ سبحانَهُ الرَّقبةَ هنا. فقال أبو حنيفةَ بإطلاقِها، فجوَّزَ الرقبةَ الكافرَة (٤). وذهبَ مالِكٌ والشافعيُّ إلى تقييدِها بالإيمان؛ قياساً على كَفّارةِ القَتْل (٥).

стр. 1098

وهذا الخِلافُ مُتَشَعِّبٌ من اختلافِهم في القضايا المُتَّفِقَةِ في الأحكام، المُخْتَلِفَةِ في الأسبابِ، هل يُحْمَلُ مُطْلَقُها على مُقَيدِها، أو لا؟ وموضعُ ذلكَ علمُ الأصولِ (١). * وقد اتفق فقهاءُ الأمصارِ على تقييدِ الرقبةِ بالسَّلامةِ من العُيوب (٢)، إلا أهلَ الظاهرِ، فإنهم تمسَّكوا بظاهرِ الإطلاق (٣). وقد ذكرتُ في مقدمةِ كتابي المَغنى المُوجِبَ للتقييد. * ثم فرضَ اللهُ صوم ثلاثةَ أَيام لمنْ لم يجدْ، وعلى هذا أجمعَ المُسلمون. * ثم اختلفَ المسلمون في وجُوبِ التتابُع. فأوجبه أبو حنيفةَ والشافعيُّ في أحدِ قوليه (٤). واستحبهُ مالِكٌ والشافعيُّ في القولِ الآخرِ، ولم يوجباه (٥).

стр. 1099

والخلافُ متشعبٌ من اختلافِهم في العملِ بالقِراءة الشاذَّةِ، وذلك أَنَّ ابنَ مسعودٍ وأُبَيًّا -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- كانا يقرأان: (ثلاثةَ أيامٍ مُتَتابِعات) (١). * فإن قيل: فما حَدُّ العَجْزِ المُبيحِ للصَّوْم في هذِه الكَفَّارَة المُخَيِّرةِ، وفي غيرِها من الكفاراتِ المُرَتّبِة؟ قلنا: يختلفُ باختلافِ الخِصال الثَّلاثٍ: - أما العجزُ عن الرقبةِ. فقالَ الشافعيُّ: كلُّ مَنْ جازَ له أَخْذُ الزَّكاةِ، فهو عاجز عنِ العتقِ، وإن كانَ له بيثٌ يسكنُه، وصنعةٌ يعيشُ منها، وعبدٌ يخدُمُه، وهو من ذَوي الأقدارِ، ولا يُكَلَّفُ بيعَ ذلكَ، ولا عتقَ الرَّقَبَةِ (٢). وقالتِ المالكيةُ: إن لم يملكْ إلا رقبةً أو داراً، الأفضلُ فيهِ لم يُجْزهِ إلا العِتْقُ (٣). - وأما العَجْزُ عن الكُسْوة والإطعامِ. فقال الشافعيُّ: إذا كانَ عندَهُ قوتُه وقوتُ عِيالِه يَوْمَهُ ولَيْلَتَهُ، ومعهُ من الفَضْلِ ما يُطْعِمَ عَشَرَةَ مساكينَ، أو يكسوهُم، لَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ بالإطعامِ والكُسْوَةِ، وإن لم يكنْ عنده هذا القدرُ، فله الصِّيامُ (٤).

стр. 1100

وهو قولُ مالِكٍ وأصحابِه، وأحمدَ (١)، وإسحاقَ، واختارَهُ محمدُ بنُ جريرٍ الطبَرِيُّ (٢). وقال أبو عُبيدٍ: إذا كانَ عندَهُ قوتُ يومهِ وليلتِه وعِياله، وكسوةٌ تكونُ لِكفايتهم، فإن كانَ قادراً على الكفارة، فهو عندَنا واجِدٌ، وإلَّا فليسَ بواجِدٍ، وهو كقولِ الجَماعةِ، واستحسَنَهُ ابنُ المنذرِ (٣). وقالَ أبو حَنيفة: إذا لم يكنْ عندَهُ نِصابٌ، فهو غيرُ واجِدٍ (٤). وقال بعضُ أهلِ العلمِ: مَنْ لم يكنْ عندَهُ فَضْلٌ غير (٥) رأسِ مالِه الذي يقومُ به، فهو عاجزٌ. * ولما أتم اللهُ سبحانه ذِكْرَ الكفارة، قال: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فعلقَ وُجوبَ الكفارةِ على وقوع الحلفِ، علمنا أنه هو السبب للكفارة. وقد اتفقَ العلماءُ على أن الحلفَ سببٌ للكفارة. واختلفَ الشافعيَّةُ، هل هو بِمُجَرَّدهٍ سببٌ لوجوبِها، والحِنْثُ شرطٌ لتحققِ وُجوبِها، أو الحلفُ سببٌ، والحِنْثُ سَببٌ آخر؟ وبهذا قالَ جُمهورُهم، وبالأولِ قالَ الباقون (٦).

стр. 1101

ولهم من الدليلِ أنَّ الحِنْثَ قد يكونُ بغيرِ فِغلِ الحالِفِ، كما لو قالَ: واللهِ لا دَخَلَ زَيدٌ الدارَ. وبظاهرِ الآيةِ تمسَّكَ مَنْ جَوَّزَ تقديمَ الكَفّارَةِ على الحِنْثِ، وهمُ الجمهورُ، ومنهمُ الشافعيّ ومالكٌ في أَحَدِ قولَيْه (١)، ويُروى عن أَرْبَعَةَ عَشَرَ صحابِيًّا (٢). وقالَ المُخالفونَ لهم: معناهُ: إذا حَلَفْتُم وحَنِثْتُم؛ لأن الكفارةَ شُرِعَتْ لِدَفْعِ الإثمِ، ومعَ عَدَمِ الحِنْثِ لا إثْمَ، فَلا تكفير (٣). وقدِ اختلفَتْ رواياتُ الحَديثِ في ذلك، فروي أنه ﷺ قال: "إني واللهِ -إن شاءَ اللهُ- لا أَخلِفُ على يَمينٍ، ثُمَّ أَرى خَيْراً مِنْها، إلَّا كَفّرتُ عن يَميني، وأتيتَ الذي هُوَ خَيْرٌ" (٤)، وقال: "مَنْ حَلَفَ على يَمينٍ، فرأى غيرَها خَيْراً منها، فَلْيَأتِ الذي هُو خَيْرٌ، ولْيُكَفّرْ عن يَمينِه" (٥). والأخذُ بتقديمِ الحِنْثِ أَحْوَطُ، وبِتَقديمِ الكَفّارَةِ أحسَنُ؛ للعملٍ بالحديثين، وتركِ الإبطالِ لأَحَدِهِما؛ فإنَّ مَنْ جَوَّزَ تقديمَ الكّفارةِ، جَوَّز تأخيرَها، بل يَسْتَحِبُّهُ أيضاً، ومن أَوْجَبَ تأخيرَها، لا يُجَوِّزُ تقديمَها.

стр. 1102

* فإن قال: فهلِ الأفضلُ الحِنْثُ والتَّكفيرُ، أو البِرُّ بِمُقْتَضى اليمين؟ قلنا: في ذلك تفصيلٌ: فإن كانَ الحِلْفُ على فعلِ واجب، أو تركِ معصية، فالبرُّ واجبٌ، والحِنْثُ حَرامٌ، وعَكْسُهُ لا يَخْفى. وإن كان الحَلْفُ على فعلِ مُباح (١)، أو تركِ مكروهٍ، فالِبرّ مستحبّ، والحِنْثُ مكروهٌ، وعكسُه لا يَخْفى (٢). وإن كانَ الحلفُ على فعلِ مباحٍ أو تركِه، فثلاثةُ أَوْجُهٍ للشافعيَّةِ، أصحُّها: البرُّ أفضلُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقيل: عَكْسُه، وقيل: هُما سواء، هكذا فَصَّلوه (٣). وقال بعضُ الفقهاءِ في المُباح: يجبُ النظرُ إليه، فإن كانَ فيه ضَرَرٌ وجبَ الحِنْثُ عليه، وحَرُمَ عليه البرّ، وإن كانَ فيه نفع استُحِبَّ له الحِنْثُ، وإليه الإشارة بقوله ﷺ : "لأَنْ يلج أَحَدُكُمْ بيمينه في أهله، آثمُ له عِندَ اللهِ منْ أنْ يُعطِيَ كَفارَتَهُ التي فَرَضَ الله" (٤)، وهذا عندَ التحقيقِ راجعٌ إلى قسمِ الواجِبِ المستحَب، والله أعلم. * ثم أمر اللهُ سبحانَهُ أن نحفَظَ أَيْماننا. فيحتمل أن يكونَ أرادَ الكَفَّ عن كثْرَةِ اليمينِ، حتى لا يعرضها للحِنْثِ.

стр. 1103

ويحتملُ أن يكونَ أرادَ البِرَّ وعَدَمَ الحِنْثِ، وهذانِ القَوْلان ظاهِران، وهما مَحْمودانِ عندَ العُقلاءِ والأُدَباء، قال الشاعرُ (١): [البحر الطويل] قَليلُ الأَلايا حافِظٌ لِيَمينِه ... وإن نَدَرَتْ مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتِ ويحتملُ أن يريدَ حِفْظَها عندَ الحِنْثِ، وذلكَ بالمبادَرَةِ إلى تَكْفيرِها، وهذا خِلافُ الظاهرِ من الخِطاب (٢).

стр. 1104

(من أحكام الأشربة) ١٢١ - (١٨) قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. حَرَّمَ اللهُ سُبْحانَهُ في هذهِ الآيةِ الخَمرَ، وبَيَّنَ تَحْريمَها بياناً شافِياً، وبَيَّنَ عِلَّةَ تَحريمِها، وقَرَنَ تحريمَها بتحريمِ عبادةِ الأوثانِ، وأكلِ المَيْسِرِ؛ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عن مُلابَسَتِها. قال ابنُ عَباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-: لما حُرِّمَتِ الخَمرُ، مشى أصحابُ رسولِ الله ﷺ بعضُهم إلى بعضٍ، فقالوا: حُرِّمَتِ الخَمرُ، وجُعِلَتْ عِدْلاً للشرْكِ (١). * والخمرُ اسمٌ للشَرابِ المُتَّخَذِ من كلِّ عصيرٍ يَتَخَمَّرُ، سواءٌ كانَ من العِنَبِ، أو العَسَل. وسُميَتْ خَمراً؛ لِمُخامَرَيها العَقْلَ (٢).

стр. 1105

* وقد أجمعَ المسلمونَ على تحريمِ قليلِها وكثيرِها، وأجمعوا على تحريمِ القَدرِ المُسْكِرِ من جميعِ الأنبِذَةِ (١). * واختلفوا في القَدْرِ الَذي لا يُسْكِرُ. فقالَ جُمهورُ فقهاءِ الحِجاز، وجُمهورُ المُحَدِّثينَ بالتسويَةِ بينَ قليلِها وكثيرِها، وأنهُ مُنْدَرِجٌ في اسمِ الخَمر (٢). وذهبَ فقهاءُ العراقِ والكوفةِ وأكثرِ أهلِ البَصرَةِ إلى التَّفرِقَةِ بينَ المُسْكِرِ وغيرِه، وأنَّ اسمَ الخمر ليسَ بواقع عليه (٣). فاحتجَّ الأَوَّلونَ للتَّحريمِ بما رواهُ أبو داودَ والترْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عن جابر -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أن رسولَ الله ﷺ قال: "ما أَسْكَرَ كثيرُهُ، فقليلُهُ حَرام" (٤)، وهذا نصٌّ في مَحَل الخِلاف. واحتجُّوا لوقوعِ اسمِ الخمرِ عليه باللُّغَةِ والشَّرعِ. - أما اللغةُ، فإنه شرابٌ يُخامِرُ العقلَ، ولهذا قالَ عمرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: والخمرُ ما خامَرَ العقل.

стр. 1106

- وأما الشَّرْعُ، فما رواه مسلمٌ أن النبي ﷺ قال: "كلُّ مُسْكِرٍ خَمرٌ، ومن الزبيبِ خمرٌ، ومنَ الحِنْطَةِ خمرٌ، وأنا أنهاكُم عن كل مُسْكِرٍ" (١)، وبِما روى أنسٌ -رضي اللهُ تعالى عنه- قال: كنتُ قائِماً على عُمومَتي أسقيهِم -وأنا أصغرُهُم- الفَضيخَ (٢)، فقيل: حُرِّمَتِ الخَمرُ، فقالوا: اكْفَأها، فكفأتها، قيلَ لأَنسٍ: ما شرابُهُم؟ قالَ: رُطَبٌ وبُسْرٌ (٣). وفي روايةٍ: قالَ أنسٌ: كانت خمرُهم يومئذٍ (٤). وفي رواية: إن الخمرَ حُرِّمَتْ، والخمرُ يومئذٍ البُسْرُ والتَّمر (٥). وقال ابنُ عمرَ: نزلَ تحريمُ الخمرِ، وإنَّ في المدينةِ أشربةً ما فيها شرابُ العِنَبِ (٦).

стр. 1107

وقال أنسٌ: ما كانَ لنا خمرٌ غيرَ فَضيخِكِم هذا الذي تُسَمُّونَهُ الفَضيخَ (١). واحتجَ الآخرون بآثار رَوَوْها. فمن أشهرِها عندَهُم ما رويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "حُرِّمَتِ الخَمرُ بِعَيْنِها، والمُسْكِرُ من غَيْرِها" (٢). قالوا: وهذا نَصُّ لا يَحْتَملُ التأويل، وضَعَّفَهُ أهلُ الحِجاز. وبما روى ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- أنه قالَ: شَهِدتُ تحريمَ النبيذِ كما شَهِدتُم، ثم شَهِدتُ تحليله، فَحَفِظْتُ، ونَسيتُم (٣). وخَرَّجَ الطَّحاوِيُّ: أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إنِّي كنْتُ نَهيْتكُم عنِ الشَّرابِ في الأَوْعِيَةِ، فاشْربَوا فيما بَدا لكم، ولا تَسْكروا" (٤). وخَرَّجَ الطحاويُّ أيضًا عنْ أبي موسى قال: بعثني رسولُ الله ﷺ أنا

стр. 1108

ومعاذٌ إلى اليَمَنِ، فقالَ: يا رسول الله! إن بِها شرابَيْنِ يُصنَعان من البُرِّ والشَّعيرِ، أَحَدُهما يُقالُ له: المِزْرُ، والآخرُ يُقالُ له: البِتْعُ، فما يشربُ؟ فقال رسول الله ﷺ : "اشربا ولا تسكرا" (١). قالوا: ولأن الله سبحانَه نَصَّ على العِلَّةِ المُوجِبَةِ للتَّحْريمِ، وهي كَوْنُها تُوقعُ العَداوةَ والبَغْضاء وتَصُدُّ عن ذِكْرِ اللهِ وعَنِ الصَّلاةِ، وهذهِ العِلَّةُ لا تُوجَد إلا في القدرِ المُسْكِرِ منَ الخَمرِ والنَّبيذِ، ولكن الإجْماعَ انعقدَ على تحريمِ القليلِ منَ الخَمرِ، فبقيَ النَّبيذُ على مُقْتَضى العِلةِ (٢). وقال الحِجازيُون: السَّبَبُ المُوجِبُ لِهذِهِ العِلَّةِ هو حُدوثُ الشدَّةِ المُطْرِبَةِ، وهي موجودةٌ في النبيذِ، فالواجبُ أن يُلْحَقَ بالخَمرِ ما وُجِدَتْ عِلَّتُه فيه، كما ذلكَ سنةُ القِياس (٣). * ثم سَنَّ رسولُ الله ﷺ الحَدَّ على شارِبِها (٤)، فجَلَدَ شاربَ الخَمرِ أربعينَ، أو نَحْوَها بالنِّعالِ وأطرافِ الثيابِ، وجلدَهُ أبو بَكْرِ وعُمَرُ، ثم استقرَّ تحديدُ جلدِه بثمانينَ جَلْدَةَ في زَمَنِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه (٥) -. * وأما المَيْسِرُ، وهو القِمار، فقد تقدَّمَ ذكرُه في أولِ "سورةِ المائِدَة"، وأنه من عَمَلِ الجاهليَّةِ، ويلحقُ به كُلُّ قِمار في مَعْناه. وما أقبحَ وأشنعَ قولَ صاحبِ "عين المعاني" حيث قال: وقريب منه

стр. 1109

قُرْعَةُ الشافِعِيِّ في إعتاقِ عبدٍ (١) وحِرْمانِ آخَرَ!. فالشافعيُّ لم يقلْ ذلكَ بدعواهُ، ولا ارْتَكَبَهُ بِهواه، وإنَّما اتّبَعَ فيه ما ثَبَتَ عنِ النبيِّ ﷺ ، ونظرُ العَقْلِ باطِل عندَ وُجودِ سُنَّتِهِ ﷺ ، فما يَنْطِقُ عنِ الهوى، وللهِ سُبْحانه أن يَسُنَّ على لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ ما شاءَ، ويُوجِبَ ما شاءَ، ويُسْقِطَ ما شاءَ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وهُمْ يُسْأَلون، كيفَ وقد ظهرَ لنا من اعْتِناءِ الشارِع بتكميلِ الحُرِّيَّةِ وعَدَمِ تبعيضِها ما يفتحُ العقولَ لِما فيه من المَصالح الكُليَّةِ من شُهوده الجِهادَ، واستقلالِهِ بكَسْبِهِ، وقيامِه بالفرائِض التي هي دعائِمُ الإسلام، وتَطَوُّعِهِ بِنوافِلها أيضاً، ووجوبِ القِصاص على قاتِله، وتكميلِ دِيَتِهِ، وتكثيرِ نِسائه التي بِهِنَّ يَكْثُرُ نَسْلُه، وغيرِ ذلك مِمّا يخرجُ به من حَيِّزِ الأموالِ إلى حَيِّزِ المُكَلَّفينَ المُكَرَّمين؟! ولأجلِ هذا أوجبَ الشارعُ ﷺ على من أَعْتَقَ شِرْكاً لهُ في عبدٍ قيمةَ الباقي، وكَمَّلَ عتقَ من حَرَّرَ بعضَ رقيقِه، وإن لم يقصِدْ ذلكَ مالكُه. وأيُّ نَظَرٍ يوجِبُ على الإنسان بَذْلَ مالِهِ بطاعةٍ عَمِلَها، وقرية أتاها؟ وأيُّ نظير يوجبُ على الشريكِ أخذَ قيمةِ مُلْكِهِ بغيرِ رضاه؛ ولقد ارتكبَ خَطَراً، وقالَ شَطَطًا؛ فإن القُرْعَةَ قُرْعَةُ النبيِّ ﷺ والأنبياءِ من قبلهِ ﷺ . قال اللهُ سبحانه في يونس ﵇: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]. وقال في زَكرِيّا وأصحابِه -عليهُمُ الصَّلاةُ والسَّلام-: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]. وكان النبي ﷺ إذا أرادَ سَفَراً، أَقْرَعَ بينَ نسائه (٢).

стр. 1110

وروى عمرانُ بنُ الحُصَيْنِ أن رجلاً ماتَ، وقد أعتقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ له، لا مالَ له غيرُهم، فأقرعَ رسولُ اللهِ ﷺ بينَهُم، فأعتقَ اثنين، وأَرَقَّ أَرْبَعَةً (١). فنعوذ باللهِ من عَثْرَةِ اللَّسانِ، ولا سيَّما في علومِ القرآنِ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ العَلِيِّ العَظيِم. وأما الأنصابُ، فهي الأصنامُ التي تُعْبَدُ من دونِ اللهِ ﷻ . وأما الأزلامُ، فواحِدُها زَلَمٌ -بالفَتْحِ والضَّمِّ- وهي قِداحٌ يكتبونَ على أَحَدِها: أَمَرَني ربِّي، وعلى الآخَرِ: نَهاني رَبِّي، كانت الجاهليةُ تَسْتَقْسِمُ بها عندَ إرادةِ الأمور، تَطْلَبُ بها عِلْمَ ما قُسِمَ لها، فإن خرجَ الأمرُ، مضى لأمرِه، وإن خرج النَّهْيُ، تركَ (٢). * ويلحقُ بهذا كُلُّ ما في معناه، كالحُكْمِ بالنُّجومٍ والإسْطِرلابِ، وغيرِ ذلك من تنفيرِ الطُّيورِ، والتَّطيُّرِ بأصواتها، ومنهُ تطيُّرُ العامَّةِ وكثيرٍ من المُتَّفقةِ في زمانِنا بِعِدَّةِ أيامٍ من الشَّهْرِ، ويَروونَ ذلكَ عن جَعْفَرٍ الصادِقِ، وحاشا اللهِ، ومعاذَ اللهِ أن يكونَ هذا منه. وما أحسنَ قولَ بعضِ الفُضَلاءِ العُقلاءِ: [البحر الخفيف] طيرَةُ النَّاسِ لا تَرُدُّ قَضاءً ... فاعْذُرِ الدَّهْرَ لا تَشُبْهُ بِلَوْمِ أَيُّ يَوْمٍ نَخُصُّهُ بِسُعودٍ ... والمَنايا يَنْزِلْنَ في كُلِّ يَوْمِ

стр. 1111

ليسَ يومٌ إلا وفيهِ سُعودٌ ... ونُحوسٌ تَجْري لِقَوْمٍ فَقَوْمِ (١) وقد كان النبيُّ ﷺ يكرَهُ الطِّيَرَةَ، ويحبُّ الفَألَ (٢). * فإن قلتَ: قد علمتُ تحريمَ هذهِ الأعيانِ الأربعةِ من أمرِ الله سبحانه باجتنابِها، وتعليلِها بأنّها رِجْسٌ فَهلْ هيَ رجس بوصف الله أم لا (٣)؟ قلنا: الذي ذهبَ إليه جُمهورُ أهلِ العِلْمِ أَنَّ الخَمرَ نَجِسَةٌ بِوَصْفِ اللهِ سُبْحانَه لَها بأنها رِجْسٌ، والرِّجْسُ هو النَّجِسُ (٤). ولكنْ لا دَلالةَ لهم في هذا على التَّنْجيسِ؛ لأن الرِّجْسَ اسم مُشْتَرَك يقعُ على مَعان سأذكرُها في "سورةِ الأنعامِ" -إن شاءَ اللهُ تعالى-. ولا يجوزُ بأن يُرادَ بهِ مَعْنى النَّجسِ؛ لأن الله تَعالى وصفَ بهِ الأعيان، ومعلومٌ قَطْعاً أن الميسرَ والأزلام والأنصابَ طاهرةُ الأعيان، فلا يكون صفة لموصوفاتٍ مختلِفَةٍ، وإن أريدَ به المَعْنى المتعلِّقُ بها؛ فإن المعانيَ (٥) لا تُوصَفُ بالنَّجَسِ، فتعيَّنَ أن مَعْنى النَّجَسِ هنا المُسْتَقْذَرُ، وهذا أمرٌ لا يوجبُ التنجيسَ، ولهذا ذهبَ الليثُ بنُ سعدٍ، وربيعةُ إلى طهارَةِ الخَمرِ، واختارَهُ المُزَنيُّ وبعضُ المُتَأَخِّرينَ من المالكيةِ (٦).

стр. 1112

* وفي أمرِ الله سبحانه باجتنابِهِ دليل على أنه لا يجوزُ الانتفاعُ به في شيء. وقد أجمعَ العلماءُ على أنه لا يجوزُ بيعُها، ولا إمساكُها، ولا تَخْليلُها (١)، وإنما اختلفوا في جوازِ التداوي وتَطْفِئَةِ العَطَشِ بها (٢). ١٢٢ - (١٩) قوله ﵎: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣]. * قال المفسرون: لما نزلَ تحريمُ الخَمرِ والمَيْسِرِ، قالوا: يا رسَول الله! ما نقولُ في إخْوانِنا الذينَ مَضَوْا وهم يشربونَ الخمرَ، ويأكلون الميسرَ، فأنزل الله هذه الآيةَ. روى البخاريُّ عن أنسٍ ﵁: لما حُرْمَتِ الخمرُ، قال بعضُ القوم: قُتِلَ قَوْمٌ وهي في بُطونهم، قال: فأنزلَ الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية، إلى قوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣) [المائدة: ٩٣]. وقد اتفقَ العلماءُ بالقرآنِ على أن هذهِ الآيةَ مقتد بسببها وبشَرْطِها الذي هو التقوى، وعلى تَخْطِئَةِ مَنْ تأَوَّلَها (٤) على عُمومِها وإطلَاقِها.

стр. 1113

روى الدَّارَقُطْنِيُّ عن ابنِ عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: إن الشُّرّابَ كانوا يُضْربونَ على عَهْدِ رسولِ الله ﷺ بالأيدي والنِّعالِ والعِصِيِّ حتى تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ ، فكان في خِلافَةِ أبي بَكْبر أكثر منه في عهدِ رسولِ الله ﷺ ، وكان أبو بكبر يجلِدُهم أربعينَ جَلْدَة حتى تُوُفِّيَ، وكان عمرُ من بعدِه يجلِدُهم كذلك أربعين، ثم أتى رجل من المُهاجرينَ الأَوَّلينَ، وقد شربَ، فأمر به أن يُجْلَدَ، فقال: أتجلِدُني؟ بيني وبينَكَ كتابُ الله، فقالَ عمر: أفي كتابِ اللهِ تجدُ أَلَّا أجلِدَكَ؟ فقالَ: إن الله تعالى يقولُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، شَهِدْتُ معِ رسولِ الله ﷺ بَدراً وأحُداً والخَنْدَقَ، والمشاهِدَ كُلَّها، فقال عمرُ: ألا ترُدُّونَ عليه ما يقولُ؟ فقال ابنُ عباسٍ: إنَّ هؤلاءِ الآياتِ أُنْزِلْنَ عُذْراً لِمَنْ صَبَرَ، وحُجَّةً على الناس، لأن الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية، ثم قرأ حتى أَنْفَدَ الآية الأخرى، فإنْ كانَ من الذينَ آمنوا وعَمِلوا الصالِحاتِ، فان الله سبحانَه قَدْ نهاهُ أن يَشْرَبَ الخَمْر. فقال عمرُ: صَدَقْتَ، فقالَ عمرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنهُ-: ماذا تَرَوْنَ؟ فقال علي -رضيَ اللهُ تعالى عنه- إذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هذَى، وإذا هذَى افْتَرَى، وعلى المُفْتَري ثمانونَ جَلْدَةً، فأمرَ به، فجُلِدَ ثمانين (١).

стр. 1114

(من أحكام الهدي) ١٢٣ - (٢٠) قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤] الآية. * نزلت هذه الآيةُ في غزوةِ الحُدَيْبِيَةِ، وكان الوَحشُ والطَّيْرُ يَغْشاهُم إلى رِحالِهِم ابتلاءً من اللهِ سبحانَه ليعلَمَ مَنْ يخافُهُ بالغيب (١)، فمن اعْتَدى بعدَ وُرودِ النَّهْي، فله العُقوبةُ بهذِه الآَيةِ، وعليهِ الجَزاءُ بالآَيةِ الثانيةِ، وهذا بَيَانُها -إنْ شاءَ اللَّه تعالى-. ١٢٤ - (٢١) قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥].

стр. 1115

* واعلَموا أن هذهِ الآَيةَ مُنْتَشِرَةُ الأَحْكامِ، مُتَشَعِّبَةُ الأطْرافِ، كَثُرَتْ فيها أقوالُ العلماءِ، واختلفتْ فيها آراؤهم، وأنا أذكرُ من ذلك ما يَسَّرَهُ اللهُ سبحانه لي (١) على مُنْتَهى فهمي، فأقول: * نهانا اللهُ سبحانه في هذهِ الآيةِ عن قَتْلِ الصَّيْدِ ونَحْنُ حُرمٌ. والقتلُ معروفُ، وهو إزْهاقُ الرُّوح بأيِّ وَجْهٍ كانَ. فبينَ لنا تحريمَ القتلِ، ولم يبينْ لنا ما دونَه مِنْ تنفيرِ الصَّيْدِ، والإعانَةِ على قَتْلِهِ، والدّلاَلَةِ عليه. ثم حَرَّمَ علينا الصَّيْدَ (٢) في آيةٍ أخرى تَحريماً مُجْمَلاً، فقال: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]، وهذا التحريمُ هنا لا يَسْتَقِلُّ بكَشْفِ المُرادِ هلْ هو القَتْلُ المذكورُ في هذهِ الآيةِ أو غيرُه؟ فوجدنا النبيَّ ﷺ قد بينَ لنا أن المرادَ ما هو أَعَمُّ من القتلِ، فَحَرَّمَ الإعانةَ والدِّلالَةَ على الصيد، والتنفيرَ له، وغيرَ ذلك؛ للسُّنَّةِ. ولولا ورودُ السُّنَةِ، لقضينا بهذه الآيةِ المفّسرة على الآَيةِ السابقةِ المُجْمَلَة؛ كما ذلكَ طريقةُ النَّظَرِ في حُكْمِ المُجْمَلِ على المُبيَّنِ، وسيأتي بيانُ الأحاديثِ وتعارضُها واختلاف العلماء فيها في الآيةِ التي تليها، -إن شاء الله تعالى-. * ولما أحل اللهُ سبحانه صيدَ البحرِ في الآيةِ الثانيةِ، علمنا أن المُرادَ بالصيد في هذه الآية هو صيدُ البرِّ، وأنه من العامِّ الذي أُريدَ به الخاصُّ، وعلى هذا أَجْمَعَ العلماءُ، لكنهم اختلفوا في حقيقةِ الصيد. فقال أبو حَنيفةَ: كلُّ حيوان صِيدَ، سواءٌ كانَ مأكولَ اللَّحْمِ، أو لا،

стр. 1116

مُؤْذِياً أو ساكِناً (١)، واستدلوا بقولِ عَلِيٍّ -رضيَ اللهُ تعالى عنهُ-: [البحر الكامل] صَيْدُ المُلوكِ أرانِبٌ وثَعالبٌ ... وإذا رَكِبْتُ فَصَيْدِيَ الأَبْطالُ (٢) ولكنه استثنى الخَمسَ الفواسِقَ اللَّاتِي ذَكَرَهُنُّ النبيُّ ﷺ بقوله: "خَمْسُ فَواسِقَ يقتَلْنَ في الحِل والحَرَمِ: الغرابُ، والحِدَأَةُ، والعَقْرَبُ، والفَأرَةُ، والكَلْبُ العَقورُ" (٣)، ولم يُلْحِقْ بهنَ من الشباعِ العادِيَةِ شَيْئًا سِوى الذِّئْبِ (٤). وقال مالكٌ (٥)، والشافعيُّ (٦): الصيدُ هو ما حَلَّ أَكْلُهُ؛ فإن العربَ

стр. 1117

لا تُسَمِّي ما لا يُؤْكَلُ صَيْداً، وقد سألَ عبدُ الرحمنُ بْنُ عُمارَةَ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- عن الضَّبُعِ، فقالَ: أَصَيْدٌ هي؟ قال: نعم، قال: أفيها جزاءٌ؟ قال: نعم، كبشٌ، قلتُ: سمعتَ رسولَ الله ﷺ ؟ قالَ: نعم (١). فاكتفيا بذكرِ الصَّيْدِ عن ذكرِ الحلال؛ لتلازُمِهما. وأما البيتُ، فإن صَحَّ من قولِ عليٍّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-، فهو دليلٌ على أن الصَّيْدَ ما يُؤْكَل لَحْمُه؛ كالثعالِبِ والأرانِبِ، وإنما أطلقَهُ على الأبطال تَجَوُّزاً؛ لأخذِه لهم كأخذِ الصائدِ الصيدَ. ولكنِ الشافعيُّ ومالكٌ اختلَفا في تفصيلِ المأكولِ من غيره. فَجَوَّزَ مالِكٌ أكلَ السِّباعِ؛ كالفَهْدِ والنَّمِرِ والذِّئْبِ، وسَمّاهُ صَيْداً (٢)، ولكنه جَوَّزَ قَتْلَها في الحَرَمِ والإحْرام؛ لوجودِ عِلَّةِ الفِسْقِ فيها، فتعارَضَ عندَهُ القِياسُ وعُمومُ الآية، فقَضى بالقياسِ على العُموم. فإن قلتَ: فالشافعيُّ هلْ يُجَوِّزُ للمُحرِمِ قتلَ ما عدا الصيدَ؛ مِمَّا ليسَ بِفاسِقٍ ولا في معناه؟

стр. 1118

قلتُ: أطلقَ كثيرٌ من مُصَنِّفي الشافعيةِ القولَ عن الشافعي أنه يقولُ بإباحةِ قتلِها، وأنه ألحقَها بالفواسِقِ، وأنه جعلَ العِلَّةَ في إباحَةِ الخَمسِ الفواسِقِ تحريمَ أَكْلِها، فأباحِ للمُحْرِمِ قَتْلَ ما لا يَحِل أكلُه. وهذا لا يَصحُّ عن أبي عبدِ الله، ولا يُظَنُّ به أنه يترُكُ العِلَّةَ التي أشارَ إليها النبي ﷺ ، وهيَ الفِسْقُ، ويتعلَّلُ (١) بِعِلَلٍ أخرى غيرِها، ولكنهم وَهِموا عليه لَمَّا أفتى بتحريم قتلِ الصيدِ المأكولِ، ظَنَّوا أنه يُبيحُ قتلَ غيرِ المأكول مُطْلَقاً، وربّما أوْهمَهُ كلامُه في كتاب "الأم" (٢)، وليس كذلكَ. بلِ الآيةُ تقتضي تَحْريمَ قتلِ المأكولِ، ولا تَقْضي بتحليلِ قتلِ غيرِ المأكول. ولمّا بينَ النبي ﷺ أنَّ الفواسِقَ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ، ألحقَ بهنَّ ما كان في معناهُنَّ، ويبقى الباقي على مُقْتَضى الدليل. وربما أرشدَ كلامُ الشافعيِّ في مَوْضِعٍ آخرَ من "الأم" إلى مثلِ هذا (٣). * فإن قلتَ: فما مَعْنى قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]؟ قلنا: حُرُمٌ جَمعُ حَرام، يقال: رجلٌ حَرامٌ، ورِجالٌ حُرُمٌ، مثل قَذال (٤) وقُذُل، والحَرامُ هو المُحْرِمُ الداخِلُ في حُرَمة لا تُهْتكُ، ويقعُ ذلك على الداخلِ في النُّسُكِ، وعلى الداخِلِ في الحَرَمِ، وعلى الداخلِ في الشهرِ

стр. 1119

الحرامِ (١)، قال الشاعِرُ (٢): [البحر الكامل] قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الخَليفَةَ مُحْرِماً ... ودَعا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَخْذولا وكان قتلُه لِثماني عَشْرَةَ ليلة خلَتْ من ذي الحِجَّةِ. * وقد حصلَ الإجماعُ على عدمِ اعتبارِ الزمانِ في هذا الحُكْمِ، وأجمعوا على اعتبارِ الدُّخولِ في النُّسُكِ. واختلفوا في اعتبارِ الحَرَمِ. فقالَ فقهاءُ الأمصارِ باعتباره (٣)، وقال داودُ: إذا (٤) قتلَ الحَلالُ صَيْداً

стр. 1120

في الحَرَمِ، لا جَزاءَ عليه، وإنْ وإنَ مُخْطِئاً مأثوماً (١). فإن قلتَ: فما الوجهُ الذي من أجلِه أوجبَ فقهاءُ الأمصارِ الجزاءَ؟ قلت: من قالَ من الفقهاءِ بِحَمل اللفظِ المُشْتَرَكِ على معانيهِ، أوجبَ فيهِ الجزاءَ بالآية، ومن لم يقلْ بعمومِ المُشْتَرَكِ، أوجَبَهُ بالقِياس على المُحْرِم بجامِعِ النَّهْيِ عن القَتْلِ في حالتي حُرْمَةٍ. وقد تبيَّنَ بهذا مُسْتَنَدُ الإمامِ داود؛ فإنه لا يقولُ بعموم المشترك، ولا بالقياسِ، وظهر أن قول أبي حنيفة لا مستندَ لهُ من جهةِ النظرِ؛ لأنه لا يقولُ بعمومِ المشترك أيضاً، ولا بالقياس في الكفّارات. ولا مستندَ إلا فَتْوى الصَّحابِة بوجوب (٢) الجزاء كما يروى عن عمرَ، وعثمانَ، وابنِ عباسٍ، وابن عمر -رضي الله تعالى عنهم-، وزعم أَنَّهم حَكَموا في حَمامِ مَكَّةَ بشاةٍ، ولم يُعلَمْ لهم مُخالِفٌ (٣). * ثم بين اللهُ سبحانَه الجَزاء فقال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فَقَيَّدَ الجَزاء بذكرِ العَمدِ، فاقتضى بمفهومه أَنَّ من قتلَه ناسِياً أو خاطِئاً لا جزاءَ عليه. وبهذا قالَ أهلُ الظاهِرِ (٤)، وإليهِ ذهبَ الشافعيُّ في القديم، وأحمد في إحدى روايتيه (٥).

стр. 1121

وذهب الجمهورُ كابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ (١)، ومالِكٍ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ في الجديد (٢) إلى التسوية في الجزاء بين العامد والناسي والمخطئ (٣)؛ لأن النسيانَ عذرٌ في رفعِ المَأْثَمِ، لا رَفْعِ المَغْرَمِ، وشهادةُ الأصولِ قاضِيَةٌ بذلك؛ كقتلِ الخَطَأ وسائِرِ المُتْلَفاتِ. وقال الزهريُّ: وجبَ الجزاءُ في العَمدِ بالقرآنِ، وفي الخَطَأ بِالسُّنَّةِ (٤). وقال ابنُ جُرَيْجٍ: قلتُ لعطاء: من قتلهُ منكمُ مُتَعَمِّداً، فمن قتلَه خَطَأً كيف (٥) يغرمُ، وإنما جُعِلَ الغُرْمُ على من قتلَهُ مُتَعَمِّداً؟ قال: تُعَظَّمُ بذلكَ حُرماتُ الله، ومضت به السُّنَّةُ (٦). وقال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: وردَ القرآنُ بالعَمْدِ، وجُعِل الخَطَأُ تغليظاً (٧). وأجابَ هؤلاءِ عنِ ذكرِ العَمدِ في هذهِ الآيةِ بأجوبةٍ:

стр. 1122

أحدها: أن ذكرَ العمدِ خرجَ مخرجَ الغالبِ، فهو للتغليبِ، لا للتقييد. ثانيها: إن وصفَ العمدِ ذُكِرَ لِتُعَلَّقَ بهِ بعضُ الأحكامِ المُخْتَصَّةِ به، وهو ذوق الوبَالِ المَذكورِ في آخِر الآيةِ. وهذا ضعيفٌ؛ لأن الوبَالَ المَذوق هُو الجزاءُ، وذلك لا يَخْتَصُّ به العمدُ. وأحسنُ من ذلكَ أنْ يُقال: ذُكِرَ ليعلَّقَ عليهِ العَفْوُ؛ إذِ العَفْوُ مُخْتَصٌّ بالعَمْدِ، بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، والانتقامُ غيرُ العفوِ، وهذا أمرٌ زائدٌ على الجزاء، وهو مختصٌّ بالمُتَعَمَّدِ أيضاً، فكأنه أرادَ: مَنْ قتلَهُ منكم قَبْلَ ورُودِ النهي جاهِلاً بالتحريمِ، فعليهِ الجَزاءُ، وعَفا اللهُ عمَّا سَلَفَ؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣]. ولأجلِ تعارُضِ مفهومِ الخِطاب وتركِ إهدارِ الصيدِ قالَ بعضُ السَّلَفِ في الآيةِ قَوْلاً، وجعله مَذْهَبا وتأويلاً، وهو: إذا قتلَ الصيدَ مُتَعَمِّداً لقتلِهِ، ناسِياً لإحرامِه، فعليهِ الجزاءُ، فأما إذا قتلَهُ مُتَعَمِّداً ذاكراً لإحرامِه، فقد حَلَّ، ولا حَجَّ له؛ كما لو تكلَّمَ في الصلاة، أو أَحدَثَ فيها. قال مُجاهدة لقوله تعالى بعدَ ذلك: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، ولو كان ذاكِراً لإحرامِه، لَوَجَبَتْ عليهِ العُقوبةُ لأولِ مرة (١). ونحوَ قوله قالَ سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ حين سُئِل عن ذلك، فقال: نعم، يُحْكَمُ

стр. 1123

عليه، فَيُخْلَع (١)، أي: يخرجُ عن حُكْم المُحْرِمين. وهذا المذهبُ فيه ضَعْفٌ؛ لما قدَّمتُه من الاحتمالِ الذي هو أحسنُ الأجوبةِ -إنْ شاء الله تعالى-. ولا يَصِحُّ اعتبارُه بالصّلاةِ؛ لما بينَهُما منَ الاخْتِلاف في الشرائِطِ والصِّفاتِ. * فإن قلت: فَبيَّنْ لنا ما حقيقةُ المِثْلِ الذي أوجَبَهُ اللهُ تعالى؟ فظاهِرُ الخِطابِ يَقْتَضي أن الجزاءَ مثلُ ما قَتلَ مِنَ النَّعَم لا ما قَتَلَ (٢). قلتُ: اختلفُ القُرَّاءُ في هذهِ الكلمةِ، فقرأ أهلُ الحِجازِ والبصرةِ والشامِ بتنوينِ (جزاء)، ورفع (مثل) على الصِّفَةِ للجَزاء، وقرأ أهلُ الكوفةِ بخَفْضِه على الإضافةِ (٣). فأما قراءةُ الرَّفْعِ فَسَليمَةٌ من الزيادَةِ والمَجاز. وأما قراءةُ الخَفْضِ، فإنَّ المِثْلَ تَزيدُهُ العربُ لتفخيمِ المُشَبَّهِ بهِ، كقولِ الشاعرِ: [البحر السريع] مِثْليَ لا تقْبلُ مِنْ مِثْلِكا (٤)

стр. 1124

ومنه قولُه تعالى: ﴿ليَس كَمِثلِه شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]. وحقيقةُ المِثْلِ في لسانِ العربِ الشبهُ في الصورَة، فأوجَبَ شِبْة الصَيْدِ من النَّعَمِ الذي هُوَ من (١) غَيْرِ جِنْسِه؛ لكونه يشبهُهُ من بعض الوجوه. وبهذا قالَ جمهورُ العلماءِ (٢)، إلا أبا حنيفةَ (٣)، فإنه تأولَ المِثْلَ بالمِثْل المَعنَوِيِّ، وحملَهُ على القيمةِ؛ لأن ذلك هو القياسُ في سائرِ المُتْلَفات، فالعبدُ يغرمُ بالقيمةِ، ولا يغرمُ بعبدٍ آخرَ منْ جنسِه، فكيف من غيرِ جِنْسِه؛ لأنها تعمُّ الصيدَ الذي لهُ مِثْلٌ في الصورةِ، والذي لا مِثْلَ له، ولأنها تعمُّ الصغيَر والكبيرَ، وعادَته اتباعُ القِياسِ، وتَركُ الظَّواهِرِ. وهذا القولُ محجوجٌ بخمسةِ أَوْجُهٍ لا تأويل لها: أحدُها: تقييدُ القرآنِ بكونهِ من النعَمِ، فبيَّنَ جنسَ المِثْلِ الذي هو الجَزاء، وحملُهُ على أن النَّعَمَ هو الصيدُ خلافُ المعروفِ من اللسانِ. ثانيها: القراءةُ بالرفعِ والتنوينِ مبيِّنَةٌ لقراءةِ الإضافةِ، ولو لم يُحْمَل عليها، أَدَّى إلى تعارُضِ القراءتين. ثالثُها: قوله تعالى: ﴿هدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، والهدي يُطْلَقُ في عُرفِ اللُّغَةِ والشَّرعِ على ما ساقَهُ المُحْرِمُ إلى البيتِ. رابعُها: إجماعُ الصحابةِ -رضي الله تعالى عنهم- على الحكم بالنَّعَم في الجزاءِ، دونَ القيمةِ.

стр. 1125

خامسها: استعمالُ المِثْلِ في الصُّورَةِ حقيقةً، وفي القيمةِ مَجازاً، والحقيقةُ مقدَّمَةٌ على المجاز. ثم نقول (١): لا يخفى على ذي نَظَرٍ اعتناءُ الشرعِ بإراقَةِ الدماء على وَجْهِ النُّسُكِ، لما فيهِ من القربانِ والتعظيمِ لشعائرِ اللهِ ﷻ ، قال الله : ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، وإمساكُ الأدبِ معَ وُرودِ الشرع أَوْجَبُ على علماءِ الشريعةِ (٢)، وأَلْيَقُ بهم، ولا سِيَّما في مناسكِ الحَجِّ، فَأكثَرُها مِمّا لا يُعقَلُ معناها. فإن قلتَ: فقد قالَ اللهُ سبحانه: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]، والطعامُ والصِّيامُ ليسا بِمِثْل صُوَرِه، فدلَّ على اعتبارِ المِثْلِ المعنَوِيِّ. قلت: سبحانَ اللهِ! ما أَحسَنَ ما قُلْتَ؛ حيثُ أنطقَكَ اللهُ بالحُجَّةِ عليكَ، أما ترى الله سبحانه وصفَ الطعامَ والصِّيامَ بكونِهمِا كَفَّارَةً، ووصَفَ الجزاءَ مِنَ النَّعَمِ بكونه مِثْلاً، فَبَيَّنَ أنَّ هذا الجَزاءَ كَفَّارَةٌ كسائرِ الكَفّاراتِ، والكَفّاراتُ مَنْصوصاتٌ لا يجوزُ عندَكَ القِياسُ فيها. * وفي الآيةِ دَلالةٌ على أن الجَماعَةَ إذا قَتَلوا صَيْداً، ليسَ عليهِم إلَّا مثلُ ما قَتَلوا، وهو جزاءٌ واحدٌ؛ لأن الجزاءَ في مقابَلَةِ المقتولِ، لا في مُقابَلَةِ القَتْلِ. - وبهذا أخذَ الشافِعِيُّ (٣)، ويدلُّ لهُ قضاءُ عُمَرَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ
следующие страницы →