وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ (١).
كأنهم التفتوا إلى المعنى الذي شُرِعَتْ له، وهو أنَّ المقصودَ بها سَدُّ الخَلَّةِ، ودَفْعُ الحاجَة، وهذا المعنى موجودٌ في الصنفِ الواحد.
ورأى قومٌ منهمْ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والزهريُّ، وعكرمةُ: أن معناها حقيقةُ الاستحقاقِ، وبه قالَ الشافعيُّ (٢).
فإن قيل: فإنه يترجَّحُ من ثلاثةِ أَوْجُهٍ:
أحدها: اتِّباعُ موضوعِ الخِطابِ، فاللامُ موضوعةٌ للتمليكِ حقيقةً، والواوُ موضوعةٌ للتشريكِ حقيقةً، وحملُهما على التخصيصِ والتخييرِ مَجازٌ، والحقيقةُ خيرٌ من المَجاز.
ثانيها: قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]: والفرضُ هو التقديرُ، وهذا يدلُّ على التقديرِ (٣) بينَ الأصنافِ.
ثالثها: ما خرج (٤) أبو داود عن زياد بن الحارث الصُّدائي: أنَّ رجلًا سألَ النبي ﷺ أن يعطيَهُ من الصدقةِ، فقالَ لهُ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ اللهَ لم
стр. 1262
يَرْضَ بحكمِ نبيٍّ ولا غيرِه في الصَّدقات حتى حَكَمَ هو فيها، فَجَزَّأَها ثمانيةَ أجزاءٍ، فإنْ كنتَ من نلكَ الأجزاءِ، أعطيتُكَ (١) حَقَّكَ" (٢)، فإن صَحَّ هذا الحديثُ فهوَ بمكانَةٍ من الظهورِ في الاستِحْقاق.
قلنا: هو كما ذكرتَ، ولكنه يدخلُه التأويلُ، فلقائلٍ أن يقولَ: إنما أرادَ النبيُّ ﷺ أَنَّ الله جَزَّأَ الصَّدَقاتِ إلى ثمانيةِ أجزاءٍ حتى يخرجَ من الصدقةِ مَنْ ليسَ من تلكَ الأجزاء، فيقطعَ طَمَعَهُم فيها كما قَطَعَ طَمَعَهُمْ رسولُ اللهُ ﷺ ، فقال: "لا تَحِلُّ الصدقةُ لِغَنِيٍّ، ولا لِذي مِرَّةٍ سَوِي" (٣).
وكذا معنى قوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ يجوز أن يكونَ فريضة تفسيرًا لِحَصْرِ الصَّدَقاتِ في المذكورين في الآيةِ دونَ غيرِهم، فقد حصرَها اللهُ سُبْحانه لهم، وفيهم، لا بينهم.
وهذا هو الذي أُفْتي به، وأختارُه.
فلم يُنْقَلْ أن النبيَّ ﷺ قسمَ الصدقةَ أقسامًا، فأعطى كُلَّ صنفٍ منها (٤) قِسْمًا، كما قسمَ الغنيمةَ بينَهُ وبينَ الغانِمينَ، وإنّما كان ﷺ يسدُّ منها
стр. 1263
خَلَّةَ المحتاجينَ على اختلافِ أنواعِهم.
وقد قَدَّمْتُ ما اخترتُهُ في خُمُسِ الغنيمةِ أن اللامَ ليستْ للاستحقاقِ، وسيأتي -إن شاءَ اللهُ تعالى- مزيدُ بيانٍ في الفيء.
ولأنه لو كانَ لحقيقةِ التمليكِ في السِّهام (١) كما قالَ هؤلاء، لوجبَ إذا فُقِدَ صنفٌ من هذهِ الأصنافِ أن يكونَ نصيبُه لبيتِ المالِ، ولا يُرَدُ على بقيةِ الأصنافِ؛ لأن لهم حَظًّا مَعْلومًا، فلا يُعْطَوْنَ شيئًا لا يَمْلِكونَه، ولَوَجَبَ إن (٢) فَضَلَ على صِنْفِ (٣) سهمُهم، ونَقَصَ على (٤) الآخرين سَهْمُهُم أَلَّا يُرَدَّ عليهم، وهم لا يقولونَ بجميعِ ذلك.
فإن قلتَ: فهلْ نجدُ في الكتابِ أو في السُّنَةِ ما يَدُلُ على هذا؟
قلتُ: نعم: أما الكتابُ فقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥] أيْ: يختص بهن (٥) هؤلاءِ المذكورونَ.
وأما السنةُ، فقولُه ﷺ لِمُعاذِ لَمّا بَعَثَهُ إلى اليمنِ: "وأعلمْهُمْ أنَّ عليهمْ صَدَقَةً تُؤخَذُ من أغنيائِهم، وتُرَدُّ على (٦) فُقَرائِهم" (٧)، فالآيةُ جاءتْ لبيانِ الاختصاصِ، لا لبيانِ الاستحقاق، وحديثُ مُعاذٍ قصرَها على بعضِ الأصنافِ.
стр. 1264
* إذا علمتَ هذا، فقد اختلفوا في صفاتِ بعضِ الأصنافِ، وهم الفقراءُ والمساكينُ والرقابُ وابنُ السبيلِ، واتَّفقوا في بعضٍ.
فأما الفقراءُ والمساكينُ: فقالَ الشافعيُّ: الفقراءُ: الزَّمْنَى الضعفاءُ الذينَ لا حِرْفَةَ لهم، وأهلُ الحِرَفِ الضعيفةِ الذين لا تقعُ حرفتُهم من حاجتِهم موقعًا. والمساكينُ: الذين لهمْ حرفةٌ تقع (١) موقعًا من كِفايَتِهم (٢)، فهمْ أحسنُ حالًا من الفُقَراء.
وهذا قولُ قتَادَةَ وبعضِ أَهْلِ اللغةِ (٣)، فكأَنَّ الحاجَةَ كَسَرَتْ فَقاره.
واحتجَّ له بأنَّ النبيَّ ﷺ كان يَتَعَوَّذُ من الفَقْرِ (٤)، ويسألُ الله المَسْكَنَةَ (٥)، وبقولهِ تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] ,
стр. 1265
وبقول الشاعر (١): [البحر البسيط]
أَمَّا الفقيرُ الذي كانَتْ حلوبَتُهُ ... وَفْقَ العِيالِ، فَلَمْ تَتْرُكْ لَهُ سَبَدا (٢)
وذهبَ مالكٌ وأبو حنيفةَ وأكثرُ العلماءِ وأكثرُ أهلِ اللغةِ إلى أن المسكينَ أَمَسُّ حاجَةً من الفقيرِ (٣)، واحتجُّوا بقولهِ تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] , أي: لَصِقَ بالتُّرابِ من الحاجَةِ، فلا بَيْتَ يُؤْويه، ولا شَيْءَ يَكْفيه، فكأنه قدِ استكانَ من الحاجة.
وأجابوا عن الآيةِ الأولى بأنه ذكرَ المَسْكَنَةَ على سبيلِ التَّرَحُّمِ من خَطَرِ المَلِكِ الغاصِبِ؛ كقولِ الشاعر (٤): [البحر الطويل]
مساكينُ أَهْلُ الحُبِّ حَتَّى قُبورُهُمْ ... عَلَيْها تُرابُ الله الذُّلِّ بَيْنَ المَقابِرِ
وعلى الجملةِ، فالفرقُ بينهما عسيرٌ ولا يَصْفى لأحدِهم دليلٌ, لوقوعِ كُلِّ واحدٍ من الاسمين على الآخَرِ عندَ الانفرادِ، ولهذا ذهبَ أبو يوسُفَ، وابنُ القاسمِ، وسائرُ أصحابِ (٥) الشافعيِّ إلى التسويةِ بينهما.
стр. 1266
* فإنْ قلتَ: فقد عَلِمْتُ حَدَّ الفقيرِ الذي يستحقُّ الصدقةَ عندَ الشافعيِّ، فَما حَدُّهُ عندَ غيرِه؟
قلتُ: اختلفَ فيه أهلُ العلمِ اختلافًا كثيرًا:
فجعلَهُ أبو حنيفةَ مَنْ لمْ يَمْلِكِ النِّصابَ (١)؛ استدلالًا بقوله ﷺ : "أُمِرْتُ أن آخذَ الصدقةَ (٢) من أغنيائِكم، فَأَرُدَّها على فُقرائكم" (٣).
وقالَ أحمدُ، وإسحاقُ، والثوري: لا يأخُذُ مَنْ له خَمْسون دِرْهَما، أو قَدْرُها من الذهبِ، ولا يُعطى منها أكثرَ من ذلك، إلَّا أنْ يكونَ غارِمًا (٤)؛ لما رُويَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِمَنْ لَهُ خَمْسونَ دِرْهَمًا" (٥)، ولكنه ضَعَّفَه الحُفّاظُ.
ورُوي عن مالكٍ: أَنَّهُ اعتبرَ أربعينَ دِرْهَمًا (٦)؛ لقوله ﷺ : "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ ولهُ أوقِيَّةٌ، أو عَدْلُها، فقدْ سَأَلَ إلْحافًا" (٧)، والأوقيةُ أربعونَ دِرْهَمًا.
стр. 1267
ومنهُمْ مَنِ اعتبرَ كفايةَ السَّنَةِ؛ استِدْلالًا بادِّخارِ النبيِّ ﷺ قوتَ سَنَةٍ، مع قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨].
* وأَمَّا الرِّقابُ:
فيحتملُ بأن يكونَ المرادُ أن يُشترى رِقابٌ وتُعْتَقَ، ويكونَ ولاؤها للمسلمين.
وبهذا أخذَ مالكٌ وأحمدُ، ويروى عن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما (١) -.
ويحتملُ أن يكونَ المرادُ عامَّةَ المُكاتبَين فيما يُؤَدُّونَ في كتابَتِهم، فيعتقونَ.
وبهذا أخذ الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ (٢)، والليثُ، ويُروى عن ابنِ عباسٍ، وعليٍّ، وابن جبير -رضي الله تعالى عنهم (٣) -.
وقال الزُّهْرِيُّ: يُقْسَمُ ذلك نِصفين، نصفٌ يُدْفعِ إلى المكاتبَين، ونصفٌ يُشْتَرى به عبيدٌ مِمن صَلَّى وصامَ وقَدُمُ إسلامُهم، فيُعتقونَ (٤).
стр. 1268
* وأَمَّا سبيلُ اللهِ:
فذهبَ الجمهورُ، ومالِكٌ، وأبو حنيفة، والشافعيُّ إلى أنه الجهادُ؛ لغلبةِ عُرْفِ الشرعِ في ذلكَ، فيُعطْى المجاهدون المُطَّوِّعون ما يَسْتعينون بهِ على غَزْوِهِمْ من رِزْقٍ وسِلاحٍ وكُراعٍ (١).
وذهبَ أحمدُ وإسحاقُ إلى أنه الحَجُّ (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ٣٤] , ولأن النبيَّ ﷺ حَمَلَ على إِبِلِ الصَّدَقَةِ للحَجِّ (٣).
وإذا قلنا: المرادُ بِهِ الغُزاةُ في سبيلِ اللهِ، فهل يُعْطَوْنَ مُطْلقًا، أو بِتَقَيُّدٍ بحالةِ الفقر؟ فيه خلافٌ، وبالأولِ قالَ الشافعيُّ، وأحمدُ، والجمهورُ، وبالثاني قال أبو حنيفةَ.
كلا واتفقوا على أن الغارمَ المديونُ، وعلى أن ابنَ السبيل المسافرُ المُجْتاز، واختلفوا في المُنْشِئِ سفرًا من بلدِه، فأعطاهُ الشافعيُّ (٤)،
стр. 1269
ومنعه مالكٌ وأبو حنيفة (١).
* وعمومُ الآيةِ وإطلاقُها يقتضي جوازَ نقلِ الزكاةِ عن بلدِ المالِ.
وبه قال أبو حنيفةَ ومالكٌ؛ لأن المقصودَ من الصدقات سَدُّ خَلَّةِ الفقيرِ (٢)، ولما روى الدارقطنيُّ أن مُعاذًا -رضي الله تعالى عنه- قال لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مَكانَ الذُّرةِ والشَّعير في الصَّدَقَةِ؛ فإنه أيسرُ عليكُمْ، وأنفعُ للمهاجرينَ بِالمدينة (٣).
ومنعَ الشافعيُّ وأكثرُ أصحابِ مالكٍ نَقْلَها (٤)؛ استدلالًا بقوله ﷺ لمعاذٍ -رضي الله تعالى عنه- حين بعثَه إلى اليمنِ: "وأعلِمْهم أن عليهم صَدَقَةً تُؤْخَذُ من أَغْنيائِهم، وتُرَدُّ في فُقرائِهم" (٥)، ولا دلالةَ فيه؛ لأن فُقراءَ المسلمين بكلِّ مكان فقراؤهم؛ لكونِهم منهم، وإنما الدَّلاَلَةُ لو قال: وتُرَدُّ في فُقراءِ بلدِهم.
* وبينَ النبيُّ أَنَّ آلَهُ -رضي الله تعالى عنهم- لم يرُادوا؛ لعموم
стр. 1270
الخطاب، فقال: "إنَّ الصدقَةَ لا تَحِلُّ لمحمدٍ، ولا لآلِ محمدٍ" (١).
ثم اختلف الفقهاءُ هل هذا العمومُ الذي خُصَّ به عُمومُ الكتاب مخصوصٌ، أو لا؟ فذهب مالكٌ إلى تَخْصيصهِ بغيرِ العاملِ، فَجَوَّزَ للعامِلِ أن يأخذَ من الصدقةِ أجرَ عملِه (٢).
وأَبى أبو حنيفةَ والشافعيُّ تخصيصَهُ؛ لوجودِ العِلَّةِ، وهي قَرابَتُهُ ﷺ (٣).
* فإن قلت: فقد ذكرَ اللهُ سبحانَهُ مَصارِفَ الصَّدَقاتِ (٤)، ولم يذكرْ تفصيلَها, ولا محلّ وُجُوبها، فهل ذكرَ ذلك في موضعٍ آخرَ من كتابِه جملةً أو تفصيلًا؟
قلتُ: نعم، ذكرها الله تعالى جملة، ووَكَلَ تفصيلَها وبيانَ مقاديرِها وأَنْصِباءَها إلى نبيه ﷺ .
أما صدقةُ النباتِ والثمارِ، فقد تقدَّم ذكرُها في "سورة الأنعام" عند قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١].
وأما صدقة الذهبِ والفضةِ، فقد تقدَّم ذكرُها في هذه السورة.
وأما صدقةُ الماشيةِ، فذكرها الله سبحانه في آخر هذه السورة، وسيأتي الكلامُ عليها عندَ قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ومعلوم أن جلَّ أموالهِم الماشية.
стр. 1271
وفرض النبي ﷺ صدقة الفطر للصائمِ صاعًا من تمر، أو صاعًا من بُرّ، أو صاعًا من شعير (١).
* * *
стр. 1272
(من أحكام الجهاد)
١٧٣ - (١٩) قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣].
قال ابن عباس ﵄: أمر الله سبحانه بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللَّسان (١).
قلت: وعلى هذا أجمع المسلمون (٢)، فلم يقتل رسول الله ﷺ منافقًا.
* * *
стр. 1273
(من أحكام الصلاة)
١٧٤ - (٢٠) قوله : ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٨٠].
* اختلف الناس في معنى هذه الآية، هل هو المنعُ أو التخيير؟ وهل هي منسوخة، أو لا؟
١ - فذهب الجمهور إلى أن معناها التخييرُ لرسول الله ﷺ في الاستغفار لهم، وأن تخييرها منسوخ (١).
واختلف هؤلاء في الناسخ لها.
فذهب الجمهور إلى أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (٢) [التوبة: ٨٤].
وقال مقاتلُ: الناسخُ لها قوله تعالى ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (٣) [المنافقون: ٦] , وهو ضعيف جدًا؛ لأنه تخيير
стр. 1274
مثل المنسوخِ، وليس فيه أكثر من أنه أخبرهُ الله تعالى بأنه لا يغفرُ لهم من غير ذكر عدد إلا أن يريد أنها ناسخة لمفهوم العدد، وكان قد علم أنه إذا استغفر لهم أكثر من سبعينَ مرة، غفر الله لهم فنسخ الله هذا المفهوم.
بدليل ما روينا في "صحيح البخاري" عن ابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنه- قال: لما توفي عبد الله بن أُبي، جاء ابنه عبدُ الله بنُ عبدِ الله إلى رسول الله ﷺ ، فسأله أن يعطيه قميصًا يكفن فيه أباه، فأعطاه، وسأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله ﷺ يصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه! فقال رسول الله ﷺ : "إنما خيرني اللهُ فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]، وسأزيده على السبعين"، قال: إنه منافق، قال: فصلى عليه رسول الله ﷺ ، قال: فأنزل الله : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (١) [التوبة: ٨٤].
٢ - وذهب قوم إلى أن معناه (٢) النهي، فلم يبح الله سبحانه لنبيه ﷺ الاستغفار لهم بهذا اللفظ، فلا نسخ لجواز الاستغفار (٣).
بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] , وإنما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٤] ناسخة لفعل الصلاة على عبد الله بنِ أُبي المنافقِ، هكذا نقل هذا القول واشتهر، ولكن يصادمه ويبطله ما قدمنا من حديث ابن عمر المخرج في "الصحيحين".
* فإن قلت: قد نهى الله سبحانه نبيه ﷺ عن الاستغفار لأهل النار،
стр. 1275
فقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] , وكان سبب نزولها وفاة أبي طالب كما رويناه في "صحيح البخاري" (١)، فكيف يستغفر النبي ﷺ لابن أبي ولا شك أن وفاته بعد وفاة أبي طالب؟
قلت: قد أذن الله سبحانه لنبيه ﷺ بعد ذلك بما أنزل (٢) في "سورة المنافقين"، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُم﴾ إلى قوله ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٥ - ٦] , ثم خيره الله في هذه الآية.
فيحتمل أن يكون النهي منسوخًا بهؤلاء الآيات، وهنَّ منسوخاتٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤].
ويحتمل أن يكون النبي ﷺ كان يكثر الاستغفار لأبي طالب، ويكرره بعد الهجرة اقتداء بإبراهيم ﷺ ، كما كان يستغفر لأبيه قبل أن يخبره الله بأن المغفرة لهم متعذرة، وأن استغفاره لهم غير نافع، وكذا استغفاره للمنافقين، ثم نهاه الله عن الاستغفار لهم وقال ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] وقال: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] الآية.
وهذا عندي أصحُّ وأولى من الأَوَّلِ، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] أي: لا سبيلَ إلى الخُروجِ منها، ومفهومُ الخطابِ يَقْتضي أنه لا حَرَجَ في الاستغفارِ قبلَ التَّبَيُّنِ، ويَدُلُّ
стр. 1276
عليهِ أيضًا تَبْيينُ اللهِ تعالى لنبيِّهِ ﷺ وَجْهَ العِلَّةِ في استغفارِ إبراهيمَ ﷺ ، وأنه كانَ لِعِلَّةٍ، وقد زالَ استغفارُهُ عندَ عَدَمِها.
* * *
١٧٥ - (٢١) قوله : ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤].
* نهى الله سبحانه نبيَّه ﷺ عن الصلاةِ على المُنافقين، والقِيامِ على قُبورهم.
* وقد أجمعَ المسلمونَ على مَنْعِ الصَّلاةِ على المُنافقينَ في زَمَنِه ﷺ (١)، وذلك إمَّا لأنَّ الله عَرَّفَهُم نَبِيَّهُ ﷺ في لَحْنِ القَوْلِ، أو أَعلمَه أنهم ماتوا فاسِقين.
* ثم كرهَ مالِكٌ لأهلِ الفضلِ الصَّلاةَ على أهلِ البِدَعِ؛ زَجْرًا لهم.
* ومَنَع الإمامَ أَنْ يُصَلِّيَ على مَنْ قَتَلَهُ حَدًّا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُصَلِّ على ماعِزٍ، ولم يَنْهَ عنِ الصَّلاةِ عليهِ (٢)، خَرَّجَهُ أبو داودَ (٣).
* ومنعَ قومٌ من الصَّلاةِ على قاتِلِ نفسِه (٤)؛ لما روى جابرُ بنُ سَمُرَةَ: أن
стр. 1277
رسولَ اللهِ ﷺ أبي أن يصلِّيَ على رجلٍ قتلَ نفسَه (١).
* ومُقْتَضى هذا الخطابِ أَنَّ الصَلاةَ جائزةٌ على المؤمنين، بل أجمعَ المسلمونَ على وُجوبِها, ولم يَزَلِ النبيُّ ﷺ يُصَلِّي على مَوْتى المسلمينَ، إلَّا مَنْ كانَ مَدْيونًا؛ فإنهُ كانَ يأمرُ بالصَّلاةِ عليه، ولا يُصَلِّي عليه، ثم نُسِخَ ذلكَ (٢).
* واخْتَلَفوا في الشهيدِ:
فقال مالِكٌ والشافعيُّ: لا يُغَسَّلُ، ولا يصلى عليه (٣)، واحتجُّوا بما رواهُ جابرٌ -رضي الله تعالى عنه-: أن النبي ﷺ أمر بشُهداء أُحُدٍ، فَدُفِنوا بثيابِهم، ولم يُصَلِّ عليهم، ولم يُغَسَّلُوا (٤).
وقال أبو حنيفةَ: لا يُغَسَّلُ، ويُصَلَّى عليه (٥)، واستدَل بما خَرَّجَهُ أبو داودَ عنِ ابنِ عباس -رضيَ اللهُ تَعالى عنهُما-: أن النبي ﷺ -صَلَّى على قَتْلى أُحُدٍ، وعَلَى حَمْزَةَ، ولَمْ يُغَسَّلْ، ولم يُيَمَّمْ (٦)، واستدَلَّ أيضًا بأحاديثَ مُرْسَلَةٍ.
стр. 1278
وأجابوا بمنعِ الاحْتِجاجِ في المُرْسَل، وإن سلمَ، فهو لا يقاوِمُ المُسْنَدَ، وبأنَّ حديثَ ابنِ عَبَّاسٍ يرويه ابنُ أبي الزِّنادِ، وقد كانَ اخْتَلَّ في آخرِ عُمُرِهِ، وقد كانَ شُعْبَةُ لا يَطْعُنُ فيه.
* فإن قلتَ: نهى الله سبحانَه نبيَّهُ ﷺ عن الصَّلاة على المُنافقين؛ لِما فيه من الاستِغْفار لهم، فما مَعْنى المَنْعُ منَ القِيام على قُبورِهم؟
قلنا: العِلَّةُ فيها واحدةٌ، والمَنْعُ لأجلِ الاستِغْفار لهم؛ فقدْ كان النبيُّ ﷺ يقفُ على القبرِ بعدَ الدَّفْنِ، ويدعو للميِّتِ بالتَّثْبيتِ (١).
وأما القيامُ على قُبورِهم من غيرِ استغفارٍ، فلا حَرَجَ فيه؛ فقدْ كانَ مَوْضِعُ مَسْجِدِ رسولِ اللهِ ﷺ قُبورًا للمشركين.
وفي هذا دَلالَةٌ على أَنَّ حكمَ القِيام على القبورِ بالصَّلاةِ والاستغفارِ كَحُكْمِ الصَّلاةِ على المَيِّتِ قبلَ الدَّفْنِ، وبهِ قالَ الشافعيُّ وأحمد (٢) وأبو داودَ (٣)، وجماعةٌ، ورُوي ذلكَ من فعل النبي ﷺ .
стр. 1279
وقال أبو حنيفة: لا يُصَلِّي على القبرِ إلَّا الوَليُّ أَوِ الوالي إذا فاتَتْهُ الصَّلاةُ (١).
وقال مالكٌ: لا يُصَلَّى على القبرِ بحالٍ، واحتجَّ بتركِ أهلِ المدينةِ ذلك (٢).
قال ابنُ القاسم: قلتُ لمالكٍ: فالحديثُ الذي جاءَ عن النبيِّ ﷺ أَنَّه صَلَّى على قبرِ امرأةٍ (٣)؟ قالَ: قد جاءَ هذا الحديثُ، ولكنْ ليسَ عليهِ العملُ.
* إذا عرفتَ هذا، عرفتَ أنَّ المرادَ بالصلاةِ هو موضوعُها اللُّغَوِيُّ الذي هو الدُّعاءُ، لا معناها الشرعيُّ الذي هو الرُّكوعُ والسجودُ، وقد بيَّنَها النبيُّ ﷺ كذلك، وقد جُعِلَ التكبيرُ بمنزلةِ أَفْعالِها (٤).
* واختلفَ سَلَفٌ من الصَّحابَةِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- في عددِ التكبيرِ.
فاتفقَ فقهاءُ الأمصارِ على أن التكبيرَ أربعٌ، إلا ابنَ أبي ليلى وجابرَ بنَ زيدٍ؛ فإنهما قالا: هو خمسٌ وسِتٌّ.
стр. 1280
وخَرَّجَ مسلمٌ في "صحيحه" عن عبدِ الرَّحْمنِ بنِ أبي ليلى قال: كانَ زيدُ بنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ على الجِنازَةِ أَرْبَعًا وخمسًا، فسألناهُ، فقال: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يكبرُ على الجِنازة أَرْبَعًا، وخَمْسًا، وسِتًّا، وسَبْعًا، وثَمانِيًا، حتى ماتَ النَّجاشِي، فصفَّ الناسَ وراءه، وكَبَّرَ أربعًا، ثم ثبتَ رسولُ اللهِ ﷺ على الأَرْبَعِ حتى تَوَفَّاهُ الله (١).
* ولَمّا لاحَظَ أبو حنيفةَ هذا المعنى، قال: ليسَ فيها قراءةٌ، وإنَّما هي دعاءٌ (٢).
وكذلكَ قالَ مالِكٌ: قراءةُ القرآنُ فيها ليسَ بمَعْمولٍ به في بلدِنا، وإِنَّما نَحْمَدُ الله، ونُثْني عليهِ بعدَ التكبيرةِ الأولى، ثم نكبرُ الثانيةَ، فنصلِّي على النبيِّ ﷺ ، ثم نكبرُ الثالثةَ، فنشفَعُ للمَيِّتِ، ثم نكبرُ الرابعةَ، ونسلمُ (٣).
قال الشافعيُّ: يقرأُ بعدَ التكبيرةِ الأولى بفاتحةِ الكِتاب، ثم يفعلُ في سائرِ التكبيراتِ مثلَ ذلك (٤)؛ لما رُويَ عن ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- أنه صَلَّى على جنازَةٍ، فقرأَ بفاتحةِ الكِتاب، ثم قال: إنَّما فعلتُ ذلكَ لتعلَموا (٥) أَنَّها سُنَّةٌ (٦)، وبِهذا قال أحمدُ وداودُ -رحمهما الله تعالى-.
стр. 1281
(من أحكام الجهاد)
١٧٦ - ١٧٧ (٢٢ - ٢٣) قوله : ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩١ - ٩٢].
* أحكامُهُما ظاهِرَةٌ، مُتَّفَقٌ عليها في سُقوط النَّفْرِ عن جَميعِهم، وفي سُقوطِ القِتال مُطْلَقًا عن بَعْضِهم، وإنْ وجبَ على العبيدِ والفُقراءِ الذين لا يَجِدون ما يُنْفِقون في بعضِ الأحوالِ، وهِيَ إذا وَطِئَ المشركونَ دارَ الإِسلام -صانها الله من ذلك-.
* وبينَ اللهُ سبحانَه الضُّعفاءَ في "سورةِ الفَتح"، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] وبيَنَ النبي ﷺ أن النساءَ والصِّبيانَ من الضُّعفاءِ.
* فإن قلتَ (١): فما حَدُّ المرضِ المُسْقِطِ لِفَرْضِ الجِهاد؟
قلنا: هو المرضُ الذي لا يُقْدَرُ معهُ على القِتال، وأور، المَرَضُ الخفيفُ كالحُمّى الخَفيفة، والصُّداعِ القليلِ، فلا يُسْقِطُ الفرضَ؛ للقدرةِ معهُ على القِتال.
стр. 1282
(من أحكام الزكاة)
١٧٨ - (٢٤) قوله : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣].
* قال ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: لما تخلَّفَ عَشَرَةٌ من المُسلمين بِلا نِفاقٍ، منهم أبو لُبابَةَ، ومِرْداسٌ، وأبو قَيْسٍ، واعتذَروا، فلم يُعْذَورا حَتَّى أَوْثَقوا أَنْفُسَهم بِسواري المسجد باكين مُتَضَرِّعينَ، وحلفَ أبو لبابَةَ لا يَحُلُّهُ إلا رسولُ اللهِ ﷺ ، نزلَ قولُه تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] فلما نزلتِ الآيةُ، أَطْلَقَهُمْ، فقالوا: هذه أموالُنا التي خَلَّفَتْنا، فأبى رسولُ اللهِ ﷺ أَخْذَها، فنزلَتْ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فأخذَ الثُّلُثَ (١).
قال الحَسَنُ: هذهِ الصدقةُ هي كَفّارةُ الذُّنوبِ التي أَصابوها, وليسَ بالزكاةِ.
قال عِكْرِمَةُ: هي صَدَقَةُ الفَرْضِ (٢).
ويجوزُ أن يرادَ بها الصَّدَقتانِ: صدقةُ الطَّهارةِ من الذنوب، وصدقةُ
стр. 1283
التزكيةِ؛ فإنَّ العبرةَ بعمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السبب؛ بدليلِ قولي تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، فقوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ إشارةٌ إلى الصَّدَقَةِ المُطَهِّرَةِ من الذُّنوبِ، وقولُه: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ إشارةٌ إلى الصدقةِ الواجِبَةِ المُزَكِّيةِ، وبدليلِ قولي تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وكان النبيُّ ﷺ يُصَلِّي على كُلِّ مَنْ أَدَّى صدقةَ مالِه، امتثالًا لأمرِ ربِّه.
روينا في "الصحيحين" عن ابنِ أبي أَوْفى قال: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا أَتى قومٌ بصدقتهم، قال: "اللهمَّ صَل على آلِ فُلانٍ"، فأتاه أبي بصدقتِه، فقالَ: "اللهمَّ صَلِّ على آل أبي أَوْفى" (١).
* إذا تَمَّ هذا فقد علمنا أن النبيَّ ﷺ لم يأخذْ من كُل أموالِهم صدقةً، فقالَ: "ليسَ للمرءِ المُسْلِمِ في عَبْدِهِ، ولا في فَرَسِهِ صَدَقَةٌ" (٢).
وأخذَ من الإِبِلِ والغَنَم، وأَمَرَ بالأَخْذِ منَ البَقَر.
* وأجمعوا على أنه لا زَكاةَ في العُروضِ التي لم يُقْصَدْ بها التِّجارَةُ (٣).
* واختلفوا فيما اتُّخِذَ للتِّجارةِ.
فأوجبَ الزكاةَ فيها فُقهاءُ الأمصار؛ لما رُوِيَ عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أنه قالَ: أما بَعْدُ، فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يأمُرنا أن نُخرجَ الصدقةَ منَ الذي يُعَدُّ للبيع (٤).
стр. 1284
ولما ثبتَ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ -رضي الله تعالى عنهما-: أنه قالَ: ليسَ في العُروض زَكاةٌ، إلا أن يُرادَ بها التجارةُ (١)، ويروى عن عُمَرَ وعائشةَ، وحكاهُ ابنُ المنذرِ عنِ ابنِ عَبّاسٍ.
وذهبَ بعضُ العُلَماء إلى أَنَّه لا زَكاةَ فيها، وبهِ قالَ أهلُ الظاهرِ، ويُروى عن ابنِ عباسٍ (٢).
قال الشافعيُّ: وإسنادُ الحديثِ عن ابنِ عباسٍ ضعيفٌ، وكان اتباعُ حديثِ ابنِ عُمَرَ لصحَّتِهِ، والاحتياطُ في الزَّكاةِ أَحَبُّ إليَّ (٣).
* وها أنا أتكلمُ على جمل مختصَرَةٍ من فرائضِ الزكاة؛ لئلَّا يخلوَ كتابي عن مِثْلِها - إنْ شاءَ الله تعالى-، فأقول:
* أما الإبلُ:
فقد اتفق الناس على العملِ بكتابِ الصدقةِ الذي كتبه أبو بكرٍ لأنسٍ رضيَ اللهُ تعالى عنهما- لما وَجَّهَهُ إلى البَحْرَيْنِ، وهو: "بسم اللهِ الرحمنِ الرحيم، هذه فريضةُ الزكاةِ (٤) التي فرضَ اللهُ على المسلمينَ التي أمرَ اللهُ، فمنْ سُئِلَها على وَجْهِها، فليْعطِها، ومن سُئِلَ فوقَها فلا يُعْطِه: في أربعٍ وعشرينَ فما دونَها: من الإِبِلِ (٥): في كُلِّ خَمْسٍ شاةٌ، فإذا بلغتْ خمسًا
стр. 1285
وعشرينَ إلى خمسٍ وثلاثين، ففيها بنْتُ مَخاضٍ أنثى، فإن لم يكنْ فيها بنتُ مَخاضٍ، فابنُ لَبونٍ ذَكَرٌ، وليس معه شيءٌ، فإذا بلغتْ سِتًّا وثلاثينَ إلى خمسٍ وأربعينَ، ففيها بِنْتُ لَبونٍ، فإذا بلغتْ سِتًّا وأربعينَ إلى سِتَّينَ، ففيها حُقَّةٌ طَروقَةُ الفَحْلِ، فإذا بلغتْ أَحَدًا وسِتِّين إلى خَمسٍ وسَبْعين، ففيها جَذَعَةٌ، فإذا بلغتْ سِتًّا وسَبْعينَ إلى تسعينَ، ففيها بِنْتا لَبونٍ، فإذا بلغَتْ أَحَدًا وتِسْعينَ إلى عِشْرين ومِئَة، ففيها حُقَّتانِ طَرُوقَتا الفَحْلِ، فإذا زادَتْ على عِشرينَ ومِئَةٍ، ففي كل أربعينِ بِنْتُ لَبونٍ، وفي كُلِّ خَمسين حُقَّةٌ (١).
ولم يختلفوا إلا في قوله: فإذا زادت على عشرينَ ومئةٍ، ففي كُلِّ أربعينَ بنتُ لَبونٍ، وفي كُلِّ خمسينَ حُقَّةٌ؛ فإنه يعارضُهُ حديثُ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ قال: قلت لقيسِ بنِ سعدٍ: اكتبْ لي كتابَ أبي بكرِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ في ورقةٍ، فكتبها ثم جاء بها، وأخبرني أن النبيَّ ﷺ كتبه لجدِّهِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ في ذكرِ ما يخرجُ من فرائضِ الإبلِ، وكانَ في ذلكَ أَنَّها "إذا بلغَتْ تِسعينَ، ففيها حُقَّتانِ إلى أن تبلغَ عشرينَ ومِئةٍ، فإذا كانتْ أكثرَ من ذلكَ، ففي كُلِّ خَمسينَ حُقَّةٌ، فما فَضَلَ، فإنه يُعاد إلى أولِ فريضةِ الإبل، فما كانَ أَقَلَّ من خَمْسٍ وعشرينَ، ففيه الغَنَمُ، ففي كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ شاةٌ" (٢).
وما رُوي عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: فإذا بلغَتْ عشرينَ ومئةٍ، استعيدت بالغنم، ففي كُلِّ خمْسٍ شاةٌ، فإذا بلغَتْ خَمْسًا وعشرينَ، ففرائضُ الإبلِ، فإذا كثرتِ الإبلُ، ففي كُلِّ خمسينَ حُقَّةٌ (٣).
وما روي عن على -رضيَ اللهُ تعالى عنه- في الإبل إذا زادَتْ على
стр. 1286
عشرينَ ومئةٍ قال: تُرَدُّ الفَرائِضُ إلى أَوَّلِها، فإذا كثرتِ الإبلُ، ففي كل خمسينَ حُقَّةٌ (١).
وبقولِ عليٍّ وابنِ مسعودٍ أخذَ أبو حنيفةَ، والثوريُّ (٢)، وبالأولِ أخذَ جمهورُ أهلِ العلمِ، وإليه ذهبَ الشافعيُّ ومالكٌ (٣).
وأجابوا عن هذه الأحاديث المعارضة:
أما حديثُ حَمَّادٍ، فمنقطعٌ بين أبي بكرِ بنِ حزمٍ وبينَ النبيِّ ﷺ ، وقالوا: إنه مع ذلك غلطٌ.
قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ: ضاعَ كتابُ حَمّادِ بنِ سلمةَ عن قيسِ بنِ سَعْدٍ، وكان يحدثُهم من حفِظه (٤)، أي: هذا سببُ خطئه.
وكذا قال عليُّ بنُ المدينيِّ: ضاعَ كتابُ حَمّادِ بنِ سلمةَ (٥) عنْ قيسِ بنِ سعدٍ في طريق مَكَّةَ، فكتبَها من حفظه (٦).
قالوا: ويدلُّ على الغلطِ أنَّ الزُّهْرِيَّ روى كتابَ عمرِو بنِ حزمٍ عن
стр. 1287
أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ بمثلِ كتابِ أبي بكرٍ، وكذا رواهُ غيرُ الزُّهْرِيِّ.
وأما حديثُ ابنِ مسعودٍ، فموقوفٌ، وقالوا: إنه منقطعٌ أيضًا، والراوي غيرُ مُحْتَجٍّ به.
وأما حديثُ علي -رضي الله تعالى عنه-، فقالوا أيضًا: إنه غلطٌ عن عَلِيٍّ، فإنه ذكرَ فيهِ في الإبلِ إذا كانَتْ خَمْسًا وعشرين، ففيها خَمْسُ شياهٍ، وهذا بخلافِ روايةِ الناسِ، وبأنه رواهُ أبو إسحاقَ عن عاصمِ بنِ ضَمْرَةَ عن عَلِيٍّ، وروى شريكٌ عن أبي إسحاقَ عن عاصِمِ بنِ ضَمْرَةَ عن عَلِيٍّ: أنهُ قال: إذا زادت الإبِلُ على عشرينَ ومئةٍ، ففي كُلِّ خَمسين حُقَّةٌ، وفي كُلِّ أربعينَ بنتُ لَبونٍ، وروى شعبةُ أيضًا عن أبي إسحاقَ عن عاصمٍ مثلَه.
وذهبَ محمدُ بنُ جريرٍ الطَّبَرِيُّ إلى أن ربِّ المالِ بالخِيار بينَ أن يأخذَ بما قالَ به أبو حنيفةَ، أو يأخذَ بما قالَ مالكٌ والشافعيُّ.
ثم اختلفَ القائلونَ بحديثِ أنَسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- فيما إذا زادَ على مئةٍ وعشرينَ واحدةً.
فذهبَ الشافعيُّ إلى تعيين بَناتِ اللَّبونِ إلى أن تبلغَ ثلاثينَ ومئةً، فتكون فيها (١) حُقَّةٌ وابنتا لَبونٍ، وبه قال ابنُ القاسمِ من المالكية (٢).
وذهبَ ابنُ الماجشونِ إلى تعيينِ الحِقَّتينِ إلى أن تبلغَ مئةً وثلاثينَ.
وذهبَ مالكٌ إلى تخييرِ الساعي بينَ بناتِ اللَّبونِ والحُقَّتينِ (٣).
стр. 1288
فأما الشافعيُّ فتمسَّكَ بقولِ الزُّهْرِيِّ: أقرأني سالمٌ نسخةَ كتابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وفيها: "وإذا كانَتْ إحدى وتسعين، ففيها حِقَّتانِ حتى تبلُغَ عشرينَ ومئةً، وإذا (١) كانتْ إحدى وعشرينَ ومئةً، ففيها ثلاثُ بناتِ لَبونٍ، فإذا بلغتْ ثلاثينَ ومئةً، ففيها بنتا لَبونٍ وحُقَّةٌ (٢) ". وتَمَسَّكَ ابنُ الماجشونِ بظاهرِ حديثِ أَنَسٍ؛ فإنهُ القدرُ الذي يستقيمُ ويجتمعُ فيه حسابُ الأربعينات والخمسينات.
وأما مالكٌ، فحمل الأمرَ على التخييرِ عَمَلًا بالدليلين.
* وأما الغنم:
فأجمعوا أيضًا على العمل بكتابِ الصدقةِ (٣)، وهو ما روى ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-: أنَّ النبيَّ ﷺ كتَب كتابَ الصدقةِ، وفيه: "في الغَنَمِ في كُلِّ أربعينَ شاةً شَاةٌ إلى عِشرينَ ومِئَةٍ، فإذا زادَتْ على ذلك واحدةً، ففيها شاتان إلى مِئَتين، فإذا زادَتْ واحدةً، ففيها ثلاثُ شياه إلى ثلاثِ مئةٍ، فإذا كانَتِ الغنمُ أكثرَ من ذلكَ، ففي كُلِّ مئةٍ شاةٌ" (٤).
ولم يختلفوا إلا في الفريضَةِ الأخيرةِ، فأخذَ الجمهورُ بظاهرِ القولِ (٥)،
стр. 1289
وقالَ الحسنُ بنُ صالحٍ: إذا زادَتِ الغنمُ على ثلاثِ مئةِ شاةٍ شاةً واحدةً، ففيها أربعُ شياهٍ، وإذا بلغتْ أربعَ مئةِ شاةٍ وشاةً، ففيها خمسُ شياهٍ، وروي مثلُ قوله عن إبراهيمَ (١).
* وأما البقرُ: فاتفقوا على وجوب التَّبيع في ثلاثينَ، وعلى وجوبِ المُسِنَّةِ في الأربعينَ؛ لما روى طاوسٌ: أنَّ مُعاذَ بنَ جَبَلٍ أخذَ من ثلاثينَ بقرةً تبَيعًا، ومن أربعينَ بقرةً مُسِنَةً، وأُتي بما دونَ ذلكَ، فأبى أن يأخذَ منهُ شيئًا، وقالَ: لم أسمعْ من رسولِ اللهِ ﷺ فيه شيئًا حتى ألقاهُ فأسأَلَهُ، فتوفِّيَ رسولُ الله ﷺ قبلَ أنْ يقدمَ مُعاذٌ (٢).
واختلفوا في موضعين:
أحدهما: ما دونَ الثلاثينَ، فذهبَ الجمهورُ إلى أنهُ عَفوٌ لا شَيْءَ فيهِ (٣).
وحكيَ عن ابنِ المسيِّبِ والزُّهْرِيِّ: أَنَّهما قالا: في كل خَمْسٍ من البقرِ شاةٌ؛ كالإبل (٤).
стр. 1290
وروي عن سعيدِ بنِ المسيِّبِ: أَنّها إذا بلغتْ خَمْسًا وعشرينَ، ففيها بقرةٌ، إلى خمسٍ وسبعينَ، ففيها بَقَرتانِ، فإذا جاوزَتْ ذلك، فإذا بلغتْ مئةً وعشرينَ، ففي كل أربعينَ بقرةٌ (١).
وقالَتْ طائفةٌ: في كُلِّ عشرينَ من البقرِ شاةٌ، إلى ثلاثين، ففيها تبَيعٌ.
الثاني: ما بين الثلاثينَ إلى الأربعينَ (٢).
فذهبَ الجمهورُ، كمالكٍ، والثوريِّ، والشافعيِّ، وأحمدَ إلى أنه وَقْصٌ لا شيءَ فيه (٣)؛ لما روى طاوسٌ: أن معاذَ بنَ جبلٍ أُتي بوقصِ (٤) البقرِ، فقالَ: لم يأمرْني فيه رسولُ الله ﷺ بشيءٍ (٥).
وذهبَ أبو حنيفةَ في أحدِ أقوالِه إلى أنهُ لا وَقْصَ (٦)، فإذا (٧) زاد على الأربعينَ يجبُ فيه بالقِسْطِ من المُسِنَّةِ، فيجبُ في خَمسينَ مُسِنَّةٌ ورُبُعُ مُسِنَّةٍ؛
стр. 1291
لأنَّ الأَصْلَ في الأوقاصِ الزكاةُ، إلَّا ما أخرجَهُ الدليلُ، وهذا لمْ يقمْ دليلٌ على إخراجِه، وإنَّما توقَّفَ فيه معاذٌ حتى يسألَ رسولَ اللهِ ﷺ .
ولقائِلِ أن يقولَ: لا نسلمُ عدمَ الدليلِ، بلِ الدليلُ موجودٌ، وذلكَ أَنَّ النبيَّ ﷺ بعثَهُ إلى اليمنِ، وقد علم أنهم أهلُ بقرٍ، وبَيَّنَ لهُ فرائضَ صدقَتِهم، وأنها تؤخَذُ من أغنيائِهم، وتُرَدُّ في فُقرائِهم؛ لأنه وقتُ الحاجةِ إلى البيانِ، ولو وجبَ الزكاةُ فيما دونَ الثلاثينَ، لَبَيَّنَهُ النبيُّ ﷺ ؛ لأنه وقتُ البيانِ، ولهذا لم يأخذْها معاذٌ باجتهادهِ، وقد قالَ النبيَّ ﷺ لما سألَهُ عن طريقِ حكمه، فقال: أجتهدُ رأيي، ولا آلو (١)، وإنما وعدَهُم بسؤالِ رسولِ الله ﷺ إما (٢) طَلَبًا لليقين الذي هو خيرٌ من الاستدلال، وإما لعلمه أن الوحيَ يطرقُهُ كُلِّ حينٍ، فينسخُ اللهُ من أحكامِه ما يشاءُ، ويتركُ ما يشاءُ، والله أعلم.
* وجعلَ اللهُ سبحانَهُ الأَخْذَ إلى نبيِّه ﷺ ، فكذلكَ يكونُ الأَخْذُ بعدَهُ إلى الإمامِ، فيجبُ على رَبِّ المالِ بذلُ الصدقةِ إذا طلبها الإمامُ.
وقد اتفق الفقهاءُ على وجوبِ الدفعِ إلى الإمام (٣) عندَ طلبِه في الأموالِ الظاهرةِ (٤).
стр. 1292
وفي الأموالِ الباطنةِ خِلافٌ عندَ الشافعيةِ والمالكية (١).
واختلفَ قولُ الشافعيِّ في وُجوبِ الدفعِ إلى الإمامِ من غيرِ طَلَبٍ، وتفصيلُه مذكور في كُتُبِ الفقهِ.
* * *
١٧٩ - (٢٥) قوله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣].
* منع اللهُ سبحانَهُ نبيَّه ﷺ من الاستِغْفار للمشركينَ إذا ماتوا على شِرْكِهم؛ لأنهُ وقتُ التبيُّنِ لهم أَنَّهم من أصحابِ الجحيم.
* ومفهومُ الآيةِ يدلُّ على أنهُ يجوزُ أن يستغفرَ لهم قبلَ التبيُّنِ، ولا خفاءَ في جوازه؛ إذ الغفرانُ لهم يستلزمُ إسلامَهم، وقدْ قالَ النبيُّ ﷺ يومَ أُحُدٍ حين شُجَّ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمي؛ فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمونَ" (٢)، إلا
стр. 1293
أن يقصدَ بالدعاءِ غفرانَ كُفرِهم معَ الاستمرارِ عليه، فهذا غيرُ جائزٍ إجماعًا.
* إذا علمتَ هذا، علمتَ أنَّ قولَ مَنْ قالَ: إنَّ الله سبحانه بعثَ للنبيِّ ﷺ أَبوَيْهِ، فآمنا به، ثم ماتا على الإيمانِ، غُلُوٌّ في الدينِ بغيرِ الحَقِّ مُؤَدٍّ إلى الكفرِ والضلالِ، فمن ظَنَّ، أو شَكَّ أَنَّ مَنْ ماتَ على الكُفْرِ يَدْخُلُ الجنةَ، فقد كَفَرَ، ونعوذُ باللهِ من قولٍ يؤدِّي إلى ضلالٍ. أَلَمْ يرَ هذا القائِلُ إلى قَوْلِ النبيِّ ﷺ : "إنَّ أَبي وأباكَ في النّار" (١)، وقولِه في أُمِّهِ: "اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أستغفرَ لَها، فلم يَأْذَنْ لي، واستأذَنْتُهُ في أن أزورَ قبرَها، فَأَذِنَ لي" (٢)، أو كما قال، فلله سبحانه أن يفعلَ في خلقِه ما يشاءُ، ويقضيَ فيهم ما يريدُ، وإن كانَ نبيُّه ﷺ كريمًا عندَهُ، وعزيزًا لديه، فلا يُسْأَلُ عَمَّا يفعلُ، وهم يسألون.
* * *
стр. 1294
(من أحكام الجهاد)
١٨٠ - (٢٦) قوله ﷻ : ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾ [التوبة: ١٢٠].
* أوجبَ اللهُ سبحانَهُ في هذه الآية على الكافَّةِ النَّفْرَ مَعَ رسولِ الله ﷺ ، وحَرَّمَ التَّخَلُّفَ عنهُ، واستئثارَهُم بالراحةِ دونَه، ورَغْبَتَهُمْ بأنفسِهِم عن نفسِه؛ كما عَلَّلَهُ اللهُ، وجَوَّزَ لَهُمُ التخلفَ عن النَّفْرِ إِذا قامَ بهِ مَنْ فيه الكفايةُ، ولم ينفرْ رسولُ الله ﷺ ؛ لِيَتَفَقَّهوا في الدينِ، ولِيُنْذِروا قومَهم إذا رَجَعوا من الغزوِ، ويُخْبروهم بما سَمِعوا من رسول الله ﷺ .
وقد قَدَّمْتُ في سورةِ البقرةِ أَنَّ هذا مذهبُ ابنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، وقتادةَ.
وقال قومٌ هذهِ الآيةُ منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، ورُوي عن زيدِ بنِ أسلمَ.
والصحيحُ ما قدمتهُ؛ لعدمِ التعارُضِ، ولإرشادِ الخِطاب إلى ما قلتُه
(من أحكام المعاملات)
١٨١ - (١) قوله ﷻ : ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ [يوسف: ٧٢].
أقولُ: اشتملتْ هذهِ الآيةُ على حكمين:
الأولُ: جوازُ عَقْدِ الجَعالَةِ عندَ مَنْ كانَ قَبْلَنا، وكذا جاءتْ به شريعتُنا.
روى أبو سَعيدٍ الخُدْرِيُّ -رضي الله تعالى عنه-: أَنَّ ناسًا من أصحابِ رسولِ الله ﷺ أَتَوْا حَيًّا من أحياءِ العَرَبِ، فلم يَقْروهُمْ، فبينما هم كذلك، إِذْ لُدِع سَيِّدُ أولئكَ، فقالوا: هل فيكُمْ راقٍ؟ فَقالوا: لم تَقْرونا، فلا نفعلُ، أو تَجْعَلوا لنا جُعْلًا، فَجَعلُوا لهم قطعَ شاءٍ فجعلَ يقرأُ رجلٌ بأمِّ القرآن، ويجمعُ بُزَاقَهُ ويَتْفُلُ، فَبَرَأَ الرحلُ، فأَتوهم بالشاء، فقالوا: لا نأخُذُها حتى نسأَلَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فسألوا عن ذلكَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فَضَحِكَ وقالَ: "ما أَدْراك أنها رُقْيَةٌ؟ خُذوها واضْرِبوا لي فيها بِسَهْمٍ" (١).
ويندرج في الآيةِ مسائلُ منَ الجَعالةِ:
стр. 1298
الأولى: يشترطُ أن يكونَ الجُعْلُ معلومًا كما قَدَّرَهُ اللهُ سبحانَه بِحِمْلِ البعيرِ.
الثانية: يجوزُ أن يكونَ العاملُ مجهولًا، ويجوز أن يكون واحدًا واثنينِ، أو أكثر؛ كما يقتضيه الخِطابُ.
الثالثة: يجوز أن يكون العملُ مجهولًا، إذا كان المقصودُ به معلومًا.
الحكم الثاني: جوازُ الضَّمانِ، وقد جاءَتْ بذلكَ شريعَتُنا أيضًا.
روى أبو قَتادةَ -رضيَ الله تَعالى عنه- قال: أُقْبِلَ بجِنازَةٍ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، فقال: "هَلْ على صاحِبِكُمْ مِنْ دَيْنٍ؟ "، فقالوا: عليه ديناران، فقال ﷺ : "صَلُّوا على صاحِبِكُمْ"، فقال أبو قَتادَةَ: هما عَلَىَّ يا رسول الله! فصلى عليهِ رسولُ اللهِ ﷺ (١)، هذا في المَيِّتِ، وقِسْنا عليهِ الحَيَّ.
* وفي الآية دليلٌ على جَوازِ الضَّمانِ بمالِ الجِعالة قَبْلَ العملِ، وهو كذلكَ على أحدِ الوَجْهينِ عندَ الشافعية (٢).
* * *