← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

سُوْرَةُ يُوسُفَ

стр. 1297

(من أحكام المعاملات) ١٨١ - (١) قوله ﷻ : ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ [يوسف: ٧٢]. أقولُ: اشتملتْ هذهِ الآيةُ على حكمين: الأولُ: جوازُ عَقْدِ الجَعالَةِ عندَ مَنْ كانَ قَبْلَنا، وكذا جاءتْ به شريعتُنا. روى أبو سَعيدٍ الخُدْرِيُّ -رضي الله تعالى عنه-: أَنَّ ناسًا من أصحابِ رسولِ الله ﷺ أَتَوْا حَيًّا من أحياءِ العَرَبِ، فلم يَقْروهُمْ، فبينما هم كذلك، إِذْ لُدِع سَيِّدُ أولئكَ، فقالوا: هل فيكُمْ راقٍ؟ فَقالوا: لم تَقْرونا، فلا نفعلُ، أو تَجْعَلوا لنا جُعْلًا، فَجَعلُوا لهم قطعَ شاءٍ فجعلَ يقرأُ رجلٌ بأمِّ القرآن، ويجمعُ بُزَاقَهُ ويَتْفُلُ، فَبَرَأَ الرحلُ، فأَتوهم بالشاء، فقالوا: لا نأخُذُها حتى نسأَلَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فسألوا عن ذلكَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فَضَحِكَ وقالَ: "ما أَدْراك أنها رُقْيَةٌ؟ خُذوها واضْرِبوا لي فيها بِسَهْمٍ" (١). ويندرج في الآيةِ مسائلُ منَ الجَعالةِ:

стр. 1298

الأولى: يشترطُ أن يكونَ الجُعْلُ معلومًا كما قَدَّرَهُ اللهُ سبحانَه بِحِمْلِ البعيرِ. الثانية: يجوزُ أن يكونَ العاملُ مجهولًا، ويجوز أن يكون واحدًا واثنينِ، أو أكثر؛ كما يقتضيه الخِطابُ. الثالثة: يجوز أن يكون العملُ مجهولًا، إذا كان المقصودُ به معلومًا. الحكم الثاني: جوازُ الضَّمانِ، وقد جاءَتْ بذلكَ شريعَتُنا أيضًا. روى أبو قَتادةَ -رضيَ الله تَعالى عنه- قال: أُقْبِلَ بجِنازَةٍ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، فقال: "هَلْ على صاحِبِكُمْ مِنْ دَيْنٍ؟ "، فقالوا: عليه ديناران، فقال ﷺ : "صَلُّوا على صاحِبِكُمْ"، فقال أبو قَتادَةَ: هما عَلَىَّ يا رسول الله! فصلى عليهِ رسولُ اللهِ ﷺ (١)، هذا في المَيِّتِ، وقِسْنا عليهِ الحَيَّ. * وفي الآية دليلٌ على جَوازِ الضَّمانِ بمالِ الجِعالة قَبْلَ العملِ، وهو كذلكَ على أحدِ الوَجْهينِ عندَ الشافعية (٢). * * *

стр. 1299

سُوْرَةُ النَّحْلِ

стр. 1300

(من أحكام الطهارة) ١٨٢ - (١) قولُه ﷻ : ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ [النحل: ٨٠]. أقولُ: هذه الآيةُ تشتملُ على حكمينِ: الأول: في جلود الأنعام، أطلقَ اللهُ سبحانَهُ الانتفاعَ بجلودِها، ولمْ يُقَيِّدْه بالذَّكاةِ قبلَ المَوْتِ، ولا بالدِّباغِ بعدَ الموتِ، فأخذَ الزهريُّ والليثُ بجَواز (١) الانتفاعَ بجلد المَيْتَةِ قبلَ الدِّباغِ (٢). فإن قلتَ: هذا الإطلاقُ يعارضُهُ عمومُ قولِه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، والواجبُ عندَ تعارُضِ العُمومَيْنِ أَلَّا يُقَدَّمُ أحَدُهما على الآخَرِ إِلَّا بدليلٍ. قلتُ: لهما أن يقولا: ليستْ آيةُ "البقرةِ" (٣) عامَّةً مُعارِضَةً لهذهِ الآية،

стр. 1301

فإنما المقصودُ منها تحريمُ الأكل؛ بدليلِ قولهِ ﷺ في شاةِ مَيْمونَةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها-: "أَلا انْتَفَعْتُمْ بجلدِها" فقالوا: يا رسول الله إنها ميتةٌ، فقالَ: "إنَّما حرمَ أكلُها" (١). وأبى عامةُ أهلِ العلمِ إلَّا تقييدَ هذهِ الآيةِ بجلودِ الأنعام المُذَكَّاةِ أو بِما بعد الدِّباغِ، واستدلُّوا بقولهِ ﷺ : "أَيُّما إهابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ" (٢)، وبقوله ﷺ في شاةِ مَيمونَة: "هَلّا أخذتُمْ إهابَها فَدَبَغْتَمُوهُ فانْتَفعْتُمْ بهِ" (٣). وقد أفتى بطهارَتهِ عاقَةُ الفُقَهاءِ من أهلِ الحجازِ وغيرِهم (٤)، إلا مالكًا؛ فإنَّه قالَ في روايةِ ابنِ عبدِ الحَكَمِ: لا يَطْهُرُ بالدِّباغِ، ولكنَّهُ ينتفع بهِ في الأشياءِ اليابسةِ، ولا يُصَلَّى عليه، ولا يؤكل فيه، والمشهورُ عنهُ مثلُ عامةِ الفقُهاء (٥). وأبعدَ أحمدُ فمنعَ الانتفاعَ بالجُلودِ بعدَ الدِّباغِ (٦)، واستدلَّ بما خَرَّجَهُ

стр. 1302

أبو داودَ عن عبدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ قال: قُرئ علينا كتابُ رسولِ الله ﷺ بأرضِ جُهَيْنَةَ، وأنا غلامٌ شابٌّ: أَلَّا تسْتَمْتِعوا منَ المَيْتةِ بإهابٍ ولا عَصَبٍ (١). وفي بعض رواياتِه: قَبْلَ موتِه بشَهْرٍ (٢). وهذا القول ضعيفٌ؛ لأنَّ يحيى بنَ معينٍ ضَعَّفَ هذا الحديثَ، وقال: ليسَ بشيءٍ، إنما يقولُ: حَدَّثَنا الأَشْياخُ، وإن كانَ ثابِتًا، فالإهابُ إنَّما يقعُ على ما لَمْ يُدْبَغْ، وإن أُطْلِقَ عليهِ وإطلاقُه مقيَّدٌ بقولهِ ﷺ : "أَيُّما إهابٍ دُبغَ فقدْ طَهُرَ" (٣)، فهذا عمومٌ مُؤَكَّدٌ بـ (ما) الزائدةِ، مُقَيَّدٌ بالدِّباغِ، محكومٌ له بالطهارة، يكادُ يُشارِفُ النَّصَّ. * ولأجل هذا اختلفوا في جلدِ الكلبِ والخِنْزيِر هل يَطْهُرانِ بالدِّباغ أو لا؛ فذهبَ داودُ وسحنونٌ وابنُ عبدِ الحكمِ إلى طهارتهِ؛ عملًا بعُموم هذا الحديثِ (٤). ومنعَهُ الشافعيُّ مُطْلَقًا؛ لأنه -وإنْ كانَ عامًا - فلا يتناولُ صورةً نادرةً؛ لأنَّ العربَ لم يعتادوا الانتفاعَ بجلد الكَلْبِ والخِنزير ودباغِه، ولأنه ليسَ

стр. 1303

دِباغُهُما بأقوى مِنْ ذكاتهما، والذكاةُ لا تفيدُ في حَقِّهِما طَهارةً (١). ومنعهُ مالِكٌ في الخِنزيِر وَحْدَهُ؛ لقولِه بطهارةِ الكَلْبِ (٢). الحكم الثاني: الشُّعورُ: أحلَّها اللهُ سبحانَه مُطْلَقًا: فيحتمل أن يكونَ مقيَّدًا بما بعدَ الذكاةِ؛ كما تقدمَ تقييدُ الجُلودِ بِما بعد الذكاةِ، أو بعدَ الدِّباغِ. ويحتملُ أن يكونَ حلالًا مُطْلَقًا على كُلِّ حالٍ؛ لِخُلُوِّها عنِ الحياة، وبهذا قالَ الجمهورُ كأبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعىِّ في أحدِ أقواله (٣). واستحَبَّ المالكيةُ غَسْلَهُ مخافَةَ أنَّ يكونَ عَلِقَ بهِ وَسَخٌ؛ لما رَوَتْ أَمُّ سَلَمَةَ -رضيَ الله تعالى عنها-: أن النبيَّ ﷺ قال: "لا بَأْسَ بِمَسْكِ المَيْتَةِ إذا دُبِغَ، وشَعْرِها وصوفِها إذا غُسِلَ" (٤)، وتأويلُهم هذا أحسنُ من قولِ الحسنِ البصريِّ والليثِ والأوزاعي: إن الشعورَ نجسةٌ، ولكنها تطهُرُ بالغَسْلِ (٥). وقالَ الشافعيُّ في أحدِ أقوالِه بنجاسَتِها إلا مِنْ مُذَكًّى، وهو الصحيحُ

стр. 1304

عندَ أصحابِه؛ لما فيها منَ النُّمُوِّ، فهي كسائرِ أجزائِهِ. والراجحُ عندي قولُه الآخَرُ الموافِقُ للجُمهورِ؛ لما قدمتُه، وأما النموُّ، فلا دَلالَةَ فيه على وجودِ الحياةِ وحلُولِ الروح؛ بدليلِ نُمُوِّ النباتِ والأشجار، والله أعلم. * * *

стр. 1305

(من أحكام الأيمان) ١٨٣ - (٢) قوله ﷻ : ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ [النحل: ٩١]. * ذهب طائفةٌ من أهل العلم إلى أن هذهِ الآيةَ منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النور: ٢٢] الآية، فكانَ نزولُها في أبي بكرٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- لَمّا حَلَف أَلَّا يُنْفِق على مِسْطَحٍ شيئًا أبدًا لَمَّا خاضَ في الإفكِ مع الخائضين، فَحَنِثَ أبو بكرٍ، وكَفَّر عن يمينهِ، وردَّ إلى مسطحٍ ما كان يعطيهِ، وقال: لا أقطعهُ عنهُ أبدًا (١)، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ [البقرة: ٢٢٤]. وذهبَ أكثرُ الناسِ إلى أنها محكمةٌ مَخْصوصَةٌ في العُهودِ التي تكونُ بينَ النبىِّ ﷺ وبينَ العربِ، أو تكونُ بين الناسِ.

стр. 1306

وهذا هو الصوابُ -إنْ شاءَ الله تعالى-، ويدلُّ عليهِ ذكرُ العَهْدِ في أول الآية، وقولُه تعالى في آخرها: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١]، وهذه الكفالَةُ لا تكونُ إلا في العهدِ بينَ الناس. * * *

стр. 1307

(من أحكام الصلاة) ١٨٤ - (٣) قولهِ : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨]. * أمرَ اللهُ سبحانَه نبيَّهُ ﷺ بالاستعاذَةِ عندَ قراءةِ القُرآنِ. فذهبَ بعضُ أهلِ العلمِ إلى أنُه كانَ فَرْضًا في حَقِّ النبىِّ ﷺ ، فجعلَهُ من خَصائِصِه، وهذا باطلٌ لأمرين: أحدهما: عدمُ الدلالةِ على التَّخْصيصِ، وموُاجهتُهُ ﷺ لا تدلُّ على التَّخْصيص، وإلا لاقْتَضى الأمرُ تخصيصَهُ بأكثرِ أَحْكامِ القرآن. والثاني: ما روى مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بن يَسارِ: أنَّ رجلًا قبَّلَ امرأَتُه وهو صائِمٌ، فوجدَ من ذلكَ وَجْدًا شديدًا، فأرسل امرأَتَهُ تسألُ عن ذلكَ، فدخلَتْ على أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ المؤمنين، فأخبرتْها، فقالَتْ أُمُّ سلمةَ -رضي الله تعالى عَنْها-: إن رسولَ الله ﷺ يُقَبِّلُ وهو صائمٌ، فرجعَتِ المرأةُ إلى زوجِها فأخبرتْهُ، فزادَهُ ذلكَ شَرًّا؛ وقال: لسنا مثلَ رسولِ الله ﷺ ، يُحِلُّ اللهُ لرسوله ما شاءَ، فرجعتِ المرأةُ إلى أمِّ سلمَةَ، فوجدَتْ رسولَ اللهِ ﷺ عندَها، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "ما بالُ هذِهِ المَرْأَةِ؟ "، فأخبرتهُ أُمُّ سلمةَ، فقالَ: "أَلا أَخْبَرْتيها أَنِّي أفْعلُ ذلك؟ " فقالَت أُمُّ سلمةَ: قد أخبرتُها، فذهبَتْ إلى زوجِها، فأخبرَتْهُ فزادَهُ ذلكَ شَرًّا، فغضبَ

стр. 1308

رسولُ اللهِ ﷺ ، ثم قالَ: "والله إنِّي لأَتقاكُمْ للهِ، وأَعْلَمُكُمْ بحدودِهِ" (١). والذي إليه ذهبَ عامَّةُ أهلِ العلمِ بالقرآن من القُرَّاء والفُقَهاء إلى أنه على النَّدْبِ في حَقِّ النبيِّ ﷺ ، وفي حَقِّ أُمَّتِهِ (٢). وإنَّما اختلفوا في الجَهْر والإِسرار، أَيُّهما أَفْضَلُ؟ * وحكي عن عَطاءٍ أن التعوذَ واجبٌ داخلَ الصَّلاةِ، غَيْرُ واجبٍ خارِجهَا. قال الزُّهْرِيُّ: نزلَتِ الآيةُ في الصَّلاةِ، ونُدِبْنا إلى الاستعاذةِ في غير الصلاة. * ثم اختلفوا في مَحَلِّ التَّعَوُّذِ: فذهبَ داودُ إلى أنَّ التعوذَ بعدَ القراءةِ، وأخذَ بظاهِرِ الترتيب، ويُروى عن أبي هُريرةَ ﵁، ويحكى عن مالكٍ أيضًا (٣). وذهبَ العامَّةُ منهم إلى أنَّ مَحَلَّهُ قَبْلَ القراءةِ، والمعنى: فإذا أَرَدْتَ أن تقرأَ القرآنَ، فاستعذْ باللهِ. وقيل: إنِ في الخِطاب تقديمًا وتأخيرًا؛ لأن كُلَّ فِعْلين تقاربا في المعنى، جاز لكَ تقديمُ أَيِّهِما شئتَ؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم: ٨]، المعنى: فتدَلَّى، ثم دَنا، وكقولهِ تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١]، ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢]. * * *

стр. 1309

(من أحكام المعاملات) ١٨٥ - (٤) قولِهِ ﷻ : ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦]. * أقولُ: أجمعَ الفقهاءُ واتفقوا على أنَّ الإكراهَ مسقِطٌ لأثرِ القولِ (١)، وإن كان عَظيمًا كما ذكره الله سبحانَه. قال النبيَّ ﷺ : "رُفِعَ عَنْ أُمَّتي الخَطَأُ والنِّسيانُ وما اسْتكرِهوا عليهِ" (٢). وسبب الآية ما رويناه في قصةِ عَمّارِ بن ياسرٍ أَنَّ المشركينَ أَخذوهُ، فلم يتركوه حَتَّى سَبَّ النبىَّ ﷺ ، وذكرَ آلِهَتَهُمِ بِخيرٍ، ثم تركوهُ، فقالَ النبيَّ ﷺ : "يا عَمّارُ! ما وراءَكَ؟ " قال: شَرٌ، يا رسولَ الله ما تُرِكْتُ حتى نِلْتُ منكَ، وذكرْتُ آلهتَهُم بخيرٍ، فقال: "كيفَ تجدُ قلبَكَ؟ " قلت: مُطْمَئِنًا بالإيمان، قالَ: "إن عادُوا فَعُدْ"؛ فأنزلَ اللهُ ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ ذلك عمارُ بنُ ياسرٍ، ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ ذلكَ عبدُ اللهِ بنُ أبي سَرْحٍ (٣).

стр. 1310

واختلف الشافعيةُ هلِ الأفضلُ الصبرُ على الإسلام، أو إعطاؤهم ما طلبوا، والتخلُّصُ من أيديهم؟ فقال بعضُهم: الأفضلُ الصبرُ؛ لما روى خَبَّابُ بن الأَرَتِّ -رضيَ الله تعالى عنه-: أن النبيَّ ﷺ قال: "إنْ كانَ الرجلُ مِمَّنْ كانَ قبلَكُم لَيُحْفَرُ لَهُ في الأرضِ، فَيُجْعَلُ فيها، فَيُؤْتَى بمِنْشار، فيوضَعُ على رأسِهِ، فَيُشَقُّ باثْنَينِ، فلا يَمْنَعُهُ ذلكَ عَنْ دينِه، ويُمَشَّطُ بِأَمْشاطِ الحديدِ ما دُونَ عَظْمِهِ منْ لَحْمٍ وعَصَبٍ، فما يَصُدُّه ذلكَ عَنْ دينِه" (١). وقال بعضُهم: إن كانَ ممَّنْ يَرْجو النِّكايةَ في العَدُوِّ أو القيامَ بأحكامِ الشرعِ، فالأفضلُ له أن يدفعَ القتلَ عن نفسِه؛ لما في بقائِه من صلاحِ المسلمينَ، وإلَّا فالصبرُ في حَقِّه أَفْضَل (٢). * وقد أجمعوا على أنَّ الإسلامَ يصحُّ معَ الإكراهِ، كإسلامِ أهل مَكَّةَ وغيرهم منَ المُنافقين. * واختلفوا في سُقوط أَثَر الطَّلاقِ: فذهبَ جُمهورُ أهلِ العِلْمِ منَ الصَّحابةِ والتابعينَ إلى سُقوطِهِ، فلا يَقَعُ طلاقُ المُكْرَهِ. وذهب الزُّهْرِيُّ والكوفِيُّونَ إلى وُقوعِ طلاقِه؛ كالهازِل؛ فالرِّضا ليسَ بشرطٍ في الطلاق (٣).

стр. 1311

* وأما أثَرُ الفِعْلِ: فأجْمَعوا على أنه يسقط أثرُه في المَأْثَم في جميعِ ما أُكْرِهَ عليه، إلا في القتلِ؛ فإنهم اتفقوا على أنه لا يرفع المَأْثَمَ. واختلفوا هل يسقُطُ ما يتعلقُ بالفِعل من الأحكامِ؛ كالقِصاص على المُكْرِه؟ وتفصيلُ ذلكَ وغيرِه في كتبِ الفقه (١). * وكذلك اختلفوا في حَدِّ الإكراه. ولا خَفاءَ بأنه يختلفُ بحسبِ الأَمْرِ المُكْرَهِ عليه، وهذا مهما بقيَ له من (٢) تَمامِ عَقْلٍ واختيارِ فعلٍ، فأما أَداءُ الحَىِّ إلى حَدٍّ لا يبقى له فيهِ اختيارٌ؛ كما إذا أُلقِيَ من شاهِقِ جَبَلٍ، فَقَتلَ إنسانًا بثقلهِ، فغيرُ مُكَلَّف، ولا داخِلٌ في الخِطاب اتفاقًا. فإن قلتَ: فالآيةُ تدلُّ على أن المُكْرَهَ غيرُ مكلَّفٍ، ولا داخِلٌ في الخِطابِ، وهذهِ مقالَةُ المعتزلةِ، وربما نُسبت إلى الحَنفيةِ، والذي عليهِ الأشعريةُ، وقالَهُ جماعَةُ الشافعيةِ أَنَّهُ مكلَّفٌ داخلٌ في الخِطاب، فما الجوابُ؟.

стр. 1312

قلتُ: الفقهاءُ يتكلمونَ في الوقوع، ولم يقعْ في الشرعِ تكليفُ المُكْرَهِ، والمتكلمونَ يتكلمونَ في الجَوازِ والامتناعِ العَقْلِىِّ. فعندَ الأشعريَّةِ تكليفُه جائزٌ غيرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا، وإنْ لمْ يقعْ شرعًا. وعند المعتزلةِ تكليفُهُ غيرُ جائزٍ عَقْلًا ولا شَرْعًا. فإن قُلْتَ: هذا الخطابُ (١) يبطلُ باستدلالِهم على تكليفِه بانِعقادِ الإجماعِ على تَأْثيمِه عندَ الإكراه على القتل، وهذا يدلُّ على أنهم يريدونَ أَنَّ تكليفَه واقعٌ شرعًا، وأنهم يتكلمون في الوُقوع الشرعيِّ، لا في الجوازِ العقلىِّ. قلنا: قد أجابَ بعضُ المحققين من مُتَأَخِّري الأشعرية لمّا اختارَ مذهبَ المعتزلةِ هُنا، فقال: إنما أثم لأنه آثرَ نفسَه على غيرهِ، لا من حيثُ إنه مكرَهٌ، فهو إنما أُكْرِهَ على القَتْل، ولم يُكْرَهْ على إيثارِ نفسِه على غيرِها، فجهةُ الإيثارِ لا إكراهَ فيها، فيأثم من جِهَتِها، وجهةُ الإكراهِ لا إثمَ فيها، فهو إنَّما خُيِّرَ بين إزهاقِ روح غيرِه، وإلقاءِ نفسهِ في التَّهْلُكَةِ، فأصلُ القتلِ لا عقابَ فيه، والقَتْلُ المخصوصُ بغيره فيه العقابُ؛ لتضمُّنهِ وجودَ الاختيارِ وإيثارَ نفسِه على غيرِه. قال: وهذا تحقيقٌ حسنٌ، وهو كما قالَ؛ فإنه لو كان تأثيمُه لأجلِ القتلِ فقطْ، لما اختلفَ الفُقهاءُ في وُجوبِ القِصاص عليه، ولما طَلُقَتْ إحدى الزوجتين إذا عَيَّنَها بالطَّلاقِ عندَ الإكراهِ على طَلاقِ إحْدى الزوجتين. وقد أدركَ الفقهاءُ هذا المَدْرَكَ في مواضِعَ كثيرةٍ؛ كمثلِ ما حكموا بِعَدِمِ

стр. 1313

فطْرِ الصائِم إذا أُوجِرَ (١)، واختلفوا فيما إذا أكلَ بنفِسه (٢). ولكنِّي أنكرُ على هذا المُجيب اختيارَهُ بمقالةِ (٣) المعتزلة؛ فإنهم إنما بَنَوا عدمَ تكليفِه على قاعدةِ الحُسْنِ والقُبْحِ، والأشعريةُ إنما جَوَّزوا تكليَفه لصلاحِ الخطاب له، مع وجودِ عقلِه، وثبوتِ اختيارِه، فلينتبهْ لهذا؛ فإنه تحقيقٌ حسنٌ. والحَقُّ أنه داخلٌ في الخِطابِ، مُكَلَّفٌ بالشَّرائعِ، لكنَّهُ رَخَّصَ لهُ الشرعُ في فِعْلِ الأمرِ المُكْرَهِ عليه، ورَفَعَ عنهُ الإثمَ؛ كما رفعَ عنهُ الإثمَ في أكلِ المَيْتة، قالَ النبيُّ ﷺ : "رُفِعَ عن أُمَّتي الخَطَأُ والنِّسْيانُ وما اسْتُكرِهوا عليه" (٤). فإنْ قلتَ: فهلْ يوصَفُ فعلُ المكرَهِ بالحَلالِ، أو بالحرامِ، وإنما رُخِّصَ لهُ الفعلُ، ورُفِعَ عنهُ المَأْثَمُ؟ قلنا: قد مضى في "سورةِ البقرةِ" في أكلِ الميتَةِ خلافٌ يشبهُ أنْ يكونَ هذا مثلَه، والله أعلم. * * *

стр. 1314

سُوْرَةُ الإسْراءِ

стр. 1315

(من أحكام البر والصلة) ١٨٦ - (١) قوله ﷻ : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣]. * عَظَّمَ اللهُ سبحانَهُ شأنَ الوالِدَيْنِ، فَقَرَنَ الإِحْسانَ إليهِما بعبادتِه جَلَّ وعَلا في هذهِ الآيةِ، وقَرَنَ شُكْرَهُ بشُكْرِهِما في مَوْضِعٍ آخَرَ، فقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤]. وورَدَ في السُّنَّةِ في بِرِّهِما أحاديثُ كثيرةٌ يطولُ بنا ذكرُها. * ثم بَيَّنَ اللهُ سبحانَهُ صِفَتَهُما: فأوجَبَ برَّهُما وإِنْ كانا كافِرَيْنِ، ثم بَيَّنَ ذلكَ في موضعٍ آخَرَ فقال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]. ثم فَصَّلَ الإحسانَ إليهما قَوْلًا وفِعْلًا: أمَّا القَوْلُ، فنهى اللهُ سبحانَهُ الولَدَ عن أنْ يقولَ لَهُما قَوْلًا قَبيحًا، وأَمَرَهُ أَنْ يقولَ لَهُما قَوْلًا كَريمًا، فقال: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣]. وأَمَّا الفِعْل، فأمَرَهُ أن يَخْفِضَ لَهُما جناحَ الذُّلِّ بسببِ الرَّحْمَةِ لَهُما،

стр. 1316

فقال: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، وذلكَ غايةُ ما ينتهي إليهِ الخضوعُ. * ثم أمرَهُ بالدُّعاءِ لهما مُطْلَقًا بعدَ المَمات وقبلَهُ؛ شكرًا لإحسانِهما إليهِ في صغرِه. فإن قلتَ: فهل يجبُ على الوَلَدِ الدُّعاءُ لِوالِديْهِ، أو يُسْتَحَبُّ؟ قلت: لا أعلمُ فيه شيئًا، والذي ينبغي أَنْ يكونَ واجِبًا لإِطلاقِ الأمرِ الذي أمرَ اللهُ بهِ، وبَيَّنَ عِلَّتَهُ، أَلا وهو تربيتُهما لهُ في صِغَرِهِ، وذلكَ من جُمْلَة الشكرِ الذي أمرَ اللهُ تعالى به جُمْلَةً. فإن قلت: هذه الآية تَقْتضي أن يدعوَ لَهُما وإنْ كانا كافِرَيْنِ؛ لعطفهِ ذلكَ على الإحسانِ الذي هوَ واجبٌ لهما مُطْلَقًا، وقَدْ نهى اللهُ سبحانَهُ عن الدُّعاءِ للمشركين، ولو كانوا أُولي قُرْبى، وقد استقرَّ الأمر على تحريمه. قلت: يحتمل أن تكونَ هذهِ الآيةُ عامَّةً مطلَقَةً، ثم نُسِخَ (١) منها الدُّعاءُ للوالِدَيْنِ الكافِرَيْنِ المَيِّتَيْنِ بآيةِ (براءة) (٢)، وروي هذا عنِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-. ويحتملُ أن تكونَ عامَّةً مخصوصة بالوالدينِ إذا كانا حَيَّيْنِ، ويكونَ منَ اللفظِ الذي يردُ عاماً، ويُرادُ بهِ الخُصوصُ، وقد ثبتَ فيما مضَى جوازُ الاستِغْفار لهُما، وإنْ كانا كافِرَيْنِ. ويحتملُ أن تكونَ خاصَّةً في الوالدينِ المسلمين، ويكونَ من اللفظ

стр. 1317

الذي يكونُ عامًّا، ويُرادُ بهِ الخُصوص. والقولُ بهذينِ الاحْتِمالَيْنِ أَوْلى؛ إذْ لا يجوزُ النَّسْخُ مَعَ إمكانِ الجَمْعِ والتَّخْصيص. * * * ١٨٧ - (٢) قوله ﷻ : ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾ [الإسراء: ٢٦]. * يحتملُ أن تكونَ خاصَّةً بالنبيِّ ﷺ لقرابَتِه، وبمَنْ قامَ مقامَ النبيِّ ﷺ ، ويكونَ المرادُ بهذه الآية ما فُرِضَ لهم من الغَثيمةِ والفَيْءِ؛ فإن الحقَّ المختَصَّ بذوي القُرْبى مُخْتَصٌّ بهما. * ويحتملُ أن تكونَ عامَّةً في المُؤْمنين، وأنَّ الخطابَ معه خِطابٌ لأمته، ويكونَ المرادُ ما يصلُ بهِ الرجلُ ذَوي قَرابَتِهِ، وما يَصِلُ به المِسكينَ وابنَ السبيلِ، إمَّا تَطَوُّعًا، أو فرْضًا، كما هو حَقُّهُما في الصَّدَقات. * ولا خَفاءَ بأنَّ صِلَةَ ذَوي القُرْبى (١) واجبةٌ على الإطلاق، ولكنْ هلْ تَجِبُ الصِّلَةُ بالمالِ؟ والذي ذهبَ إليهِ الجُمهور أَنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ المالُ لَهُمْ، فَلِرَبِّ المالِ أن يصرفَ زَكاتَهُ وسائِرَ صدقاتِهِ إلى غَيْر ذَوي قَرابَتَه. وذهب بعضُهم إلى أنه يجبُ على الغَنِيِّ أَنْ يصلَ ذا (٢) قرابتِه بِشَيْءٍ منْ مالِه، ولم يَحُدَّهُ بِحَدٍّ، وأحسبُ حَدَّهُ عندَه -والله أعلم- ما يُعَدُّ في العادَةِ صِلَةً بينَ ذوي القربى. * * *

стр. 1318

(من أحكام القصاص) ١٨٨ - (٣) قولهُ : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ [الإسراء: ٣٣]. * جعل اللهُ سبحانَهُ في هذهِ الآيةِ لِوَلِيِّ المَقْتول ظُلْمًا سلطانًا، أَيْ: حُجَّةً وبُرهانًا على قَتْلِ القاتِلِ، وحَرَّمَ الله تَعالى عليهِ الإسرافَ في القَتْلِ، وهوَ أَنْ يأخذَ أكثرَ مِمَّا لهُ؛ بأنْ يقتلَ غيرَ القاتِل، أو يعذبَ القاتِلَ في القَتْلِ، أو يَقْتُلَهُ بما هو أغلظُ في القَتْلِ، أي: في الآلةِ التي قَتَلَ بِها. * وفي الآية دَلالَةٌ على أن للولي أن يقتلَ بنفسِهِ؛ لأنَّ بذلكَ يُتَصوَّرُ النَّهْيُ عنِ الإسرافِ، ويتمُّ بهِ السلطانُ. وقد اتفقَ الناسُ على ذلكَ في القتل (١). وأَمَّا في الجُروح، ففيهِ خِلافٌ عندَ الشافعية، منهم من جعلَهُ كالقتل،

стр. 1319

ومنهم من مَنَعَ الوَليَّ أن يَتَوَلَى القِصاص؛ خشيةَ التَّعَدِّي في الاستيفاءِ (١). * واختلفَ أهلُ العلمِ في حقيقةِ الوَلِيِّ: فذهب مالكٌ والزهْرِيُّ إلى أَنَّهُ العَصَبةُ من الرجالِ؛ لأنَّ القِصاصَ يُرادُ لدفعِ العارِ، فاختصَّ بهِ العَصباتُ؛ كولايةِ النِّكاحِ (٢). وذهبَ ابنُ شُبْرُمَةَ إلى أنهُ من يَرِثُ بِنَسَبٍ دُونَ سَبَبٍ، فتخرجُ الزوجةُ والزوجُ؛ لانقطاعِ الزوجِيَّةَ بالموتِ. وذهبَ أبو حنيفةَ، والثوريُّ، والشافعيُّ، وأحمدُ إلى أنه جميعُ الورثةِ؛ اعتبارًا لهُ بالدِّيَةِ (٣). وللشافعيةِ وَجْهان كالمذهبَيْنِ الأَوَّلَيْنِ. * وفي الآيةِ دَلَالةٌ على أَنَّه لا يُستوفى القصاصُ إذا كَانَ الوَلِيُّ صَغيرًا أو مَجْنونًا حتى يَبْلُغَ هذا، ويُفيقَ هذا؛ لأنه هو الوليُّ، والسُّلطانُ ثابتٌ لَهُ، فلا يُجْعَلُ لغيرهِ، سواءٌ كانَ منفردًا بالولاية، أو مشارِكًا. وبهِ قال الشافعيُّ، وأحمدُ، وأبو يوسُفَ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيز (٤). وذهبَ مالكٌ، وأبو حنيفةَ، ومحمدٌ إلى أنه لا ينتظرُ، بل يجوزُ للأبِ

стр. 1320

والجَدِّ أن يستوفيا لَهُ القِصاصَ في صورَةِ الانفرادِ، ويجوزُ للأخِ الكبيرِ أن يستوفيَ القِصاص في صورَةِ المُشاركةِ (١). واختلفَ الحنفيةُ في الذي يستوفيهِ. فقالَ بعضُهم: يستوفي حَقَّهُ وحَقَّ الصغير. وقال بَعْضُهم: يستوفي حَقَّهُ، ويسقُطُ حَقُّ الصَّغيرِ. وأجمعوا على أن الأخَ الكبيرَ الغائبَ يُنْتَظَرُ في استيفاءِ القِصاص. * * *

стр. 1321

(من أحكام البيوع) ١٨٩ - (٤) قوله : ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾ [الإسراء: ٣٥]. * أمرَ الله سُبحانَهُ بإيفاءِ الكيلِ، وإقامَةِ الوزنِ، وتواعَدَ عليهِ في موضعٍ آخَرَ (١)، وذلكَ واجِبٌ إجماعًا؛ لأنَّ تركَ الإيفاءِ ظُلْمٌ، وتَرْكَ الظلمِ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تأويلًا، أي: عاقبةً. فإنْ قلتَ: فقولُه: ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٥]، يقتضي أنَّ الإيفاءَ في الكيل والإقامَةَ في الوزنِ وتركَهُما مُشْتَرِكان في الخيرِ والحُسْنِ، وأن أَحَدَهُما خيرٌ وأَحْسَنُ. قلتُ: من أجلِ هذهِ الشُّبْهَةِ تَوَهَّمَ مَنْ لا خِبْرَةَ لَهُ أنَّ الآيةَ منسوخةٌ بسورة المُطَفِّفينَ، وليسَ الأمرُ كذلكَ، بل التَّفْضيلُ يُسْتَعْمَلُ بينَ المُشْتَرِكَيْن في الأمرِ حقيقةً، وقد يستعملُ في غيرِ المشتركينِ؛ كقولِ اللهِ: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]، وكقوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ [مريم: ٧٥]، وكقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤]. * * *

стр. 1322

(من أحكام الصلاة) ١٩٠ - (٥) قوله : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨] الآية. * أمرَ اللهُ سبحانَه نبيَّهُ ﷺ ، وكذا أُمَّته بإقامةِ الصَّلاةِ عندَ دُلوكِ الشمس إلى غَسَقِ الليل. ودُلوكُ الشَّمْسِ يقعُ على زَوالِها، وبِه فَسَّرَهُ ابنُ عَبّاسٍ، وعمرُ، وابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهم- وهو قولُ الحَسَنِ، والشعبِّي، وعطاءٍ، ومجاهدٍ، وقتادةَ (١). وغَسَقُ اللَّيل: ظُلْمَةُ اللَّيلِ، قالَ الفَرَّاءُ: غَسَقَ اللَّيْلُ وأغسق (٢): إذا أَقبلَ ظلامهُ (٣). ثم استنبطَ قومٌ من هذا جوازَ تأخيرِ الظُّهْرِ إلى الغُروبِ في حالةِ الاخْتِيار؛ لتمادي الغايةِ.

стр. 1323

واستدَلُّوا بما خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ عنِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- قال: جمعَ رسولُ اللهِ ﷺ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، والمَغْرِبِ والعِشاءِ بالمدينةِ من غير خَوْفٍ ولا مَطَرٍ. في حديثِ وكيعٍ، قال: قلتُ لابنِ عَبّاسٍ: لمَ فعلَ ذلكَ؛ قالَ: كيلا تُحْرَجَ أُمَّتُهُ (١). ولم (٢) يُجَوِّزْهُ الشافِعيُّ ومالكٌ إلا في حالةِ الاضطرارِ (٣)، وبهِ أقولُ، بدليلِ تحديده ﷺ لأوقاتِ الصَّلاةِ، والحديثُ محمولٌ على أن الجمعَ جمعُ تأخيرٍ، وأَنَّهُ أَخَّرَ الأُولى إلى آخِرِ وَقْتِها؛ بحيثُ يفرغُ منها، ثم يدخلُ وقتُ الثانيةِ؛ بدليلِ مُداومتهِ ﷺ على فعلِ الصَّلَواتِ في أوقِاتها. وعن ابن مسعودٍ: غَسَقُ الليلِ: إِظْلامُهُ (٤)، وذلك يتحقَّقُ عندَ غُروبِ الشفقِ. وقرآنُ الفَجْرِ: هو صلاةُ الصُّبْحِ، فسره بذلك ابنُ عباسٍ وأبو هُريرةَ وسائرُ المفسرين -رضي الله تعالى عنهم (٥). فيكونُ على هذا التفسيرِ في الآيةِ إشارةٌ إلى مواقيتِ الصَّلاةِ؛ لأنه دخلَ

стр. 1324

في الغايةِ، والمُغَيّا: صلاةُ الظهرِ والعصرِ والمغربِ والعشاءِ؛ كما أشار إليها في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧، ١٨]، قدْ بَيَّنَهُ النبيُّ ﷺ كذلك، كما بينَهُ اللهُ تعالى بصلاةِ جِبريلَ- ﵊. روى ابنُ عَبّاسٍ رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: "أَمَّني جِبريلُ ﵇ عندَ بابِ البَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ حينَ كانَ الفيءُ مثلَ الشِّراكِ (١)، ثم صَلَّى العَصْرَ حينَ كان ظِلُّ كُلِّ شيء بقدرِ ظِلِّه، وصَلَّى المَغْرِبَ حينَ أَفْطَرَ الصائِمُ، ثم صَلَّى العِشاءَ حينَ غابَ الشَّفَقُ، ثم صَلَّى الصُّبْحَ حينَ حَرُمَ الطعامُ والشرابُ على الصّائِمِ، ثم صَلَّى المَرَّةَ الأَخيرَةَ الظُّهْرَ حينَ كانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ قَدْرَ ظِلِّهِ قدر العَصْرِ بالأَمْسِ، ثم صَلَّى العَصْرَ حينَ كانَ ظِل كُلِّ شَيْءٍ مثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ القدرَ الأولَ، ولم يُؤَخِّرْها، ثم صَلَّى العِشاءَ الآخِرَةَ حينَ ذهبَ ثُلُثُ الليلِ، ثم صَلَّى الصُّبْحَ حينَ أَسْفَرَ، ثمَّ التفَتَ فقالَ: يا مُحَمَّدُ! هذا وَقْتُ الأنبياءِ من قبلِكَ، والوَقْتُ بيَن هذين الوَقْتَين" (٢).

стр. 1325

ويقعُ دلوكُها على غُروبِها، قالَ المُبَرِّدُ: دُلوكُ الشَّمْسِ: مِنْ لَدُنْ زَوالِها إلى غُروبها. وبالغُروبِ فَسَّرَهُ ابنُ مَسعودٍ وابنُ عَبّاسٍ في روايةِ سعيدِ بنِ جُبيرٍ (١)، ويُروى عن عَلِيٍّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- وبهِ قالَ السُّدِّيُّ (٢)، فتكونُ الآيةُ على هذا التفسيرِ تدلُّ على وَقْتِ الغُروبِ (٣)، وعلى امتدادهِ إلى غسقِ الليلِ، وهو غُروبُ الشَّفَقِ، وعلى صَلاةِ الفَجْرِ، وبامتدادِ وقتِ المغربِ إلى غُروبِ الشفقِ. أقول: لقوله ﷺ : "وَقْتُ صَلاةِ المَغْرِب ما لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ"، ولبيانِه ﷺ للسائِل في حديثِ أبي موسى الآتي قريبًا. وبيانُ جبريلَ ﵇ محمولٌ على الوقتِ المُختار؛ بدليل امتدادِ وقتِ العَصْرِ إلى الغُروبِ، ووَقْتِ العِشاء إلى طلوع الفَجْرِ، وهو لم يمدهما، فبيانُه ظاهرٌ، والظاهِرُ لا يعارِضُ النَّصَّ، وتكونُ الجملةُ الأولى من قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ [الروم: ١٧] تدلُّ على مثلِ ما دَلَّتْ عليهِ هذهِ الآيةُ من بيانِ ميقاتِ صلاةِ المغرب وصَلاةِ الفَجْرِ، ثم يَدلُّ على صَلَاتَي العِشاءِ بقوله: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] تدلُّ على ميقاتِ الصَّلاةِ الخامِسَةِ، وهيَ صلاةُ العِشاءِ قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]، وبهذا فَسَّرَ ابنُ عباسٍ الآيةَ الثانيةَ،

стр. 1326

فقال: حين تُمْسونَ: صلاةُ المَغْربِ (١)، وجَعَلَ ذِكْرَ العِشاءِ الآخِرَةِ في قوله : ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]. وبنحو ما جاء في القرآن من البيانِ جاءَ البيانُ عن رسولِ اللهِ ﷺ . روى مسلمٌ في "صحيحه" عن أبي موسى -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أنَّ سائلًا أتى النبَّي ﷺ يسألُهُ عن مَواقيتِ الصلاةِ، فلمْ يَرُدَّ عليهِ شَيْئًا، قال: فأمرَ بلالًا، فأقامَ الفَجْرَ حينَ انْشَقَّ الفَجْرُ، والناسُ لا يَكادُ يعرفُ بعضُهم بَعْضًا، ثم أمرَهُ فأقامَ الظُّهْرَ حين زالَتِ الشَّمْسُ، والقائِلُ يقول: قَد انتصفَ النَّهارُ، وهو كانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ، ثم أَمَرَهُ فأقامَ بالعَصْرِ والشَّمْسُ مرتفعةٌ، ثم أمرهُ فأقامَ المغربَ حينَ وقعتِ الشَّمْسُ، ثم أمرهُ فأقامَ العِشاءِ حينَ غابَ الشَّفَقُ، ثُم أَخرَ الفَجْرَ منَ الغَدِ حَتَّى فرغَ منها، والقائلُ يقولُ: قَدْ طلعَتِ الشمسُ، أو كادَتْ، ثم أَخرَ الظُّهْرَ حتى كانَ قريبًا من وَقْتِ العَصْرِ بالأَمْسِ، ثم أَخَّرَ العَصْرَ حتى انصَرفَ مِنْها والقائلُ يقول: قَدِ احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَخَّرَ المغربَ حتى كانَ عندَ سقُوطِ الشفقِ، ثم أَخَّرَ العِشاءَ حتى كانَ ثلثُ الليلِ الأولُ، ثُمَّ أصَبْحَ فَدَعا السائِلَ وقالَ: "الوَقْتُ بَيْنَ هذَيْنِ" (٢). * قال الزَّجَّاجُ: وفي قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فائدةٌ عظيمةٌ تدلُّ على أَنَّ الصَّلاةَ لا تكونُ إلا بِقِراءَةٍ حينَ سُمِّيَتْ قرْآنًا. وعلى هذا اتفقَ الفُقهاء (٣).

стр. 1327

وإنما اختلفوا هَلْ تَجِبُ في كُلَّ رَكْعَةٍ، أو في مُعْظَمِ الصَّلاةِ، أو في رَكْعَةٍ من الصلاةِ؟ وبالأولِ قالَ الشافعيُّ. وبالثاني والثالثِ روايتانِ عن مالكٍ. وكذا اختلفوا في تعيينِها. فقال الشافعيُّ تتعيَّنُ الفاتِحَةُ؛ لما رَوى أبو هُريرةَ -رضي اللهُ تَعالى عنه -: أن النبيَّ ﷺ قال: "مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فيها بأُمِّ القُرآنِ (١)، فَهِيَ خِداجٌ، فهي خِداجٌ غَيْرُ تَمامِ"، فقيل لأبي هريرةَ: إنّا نكونُ وراءَ الإمامِ، قالَ: اقرأْ بها في نَفَسِكَ؛ فإنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "قالَ اللهُ قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْني وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدي ما سأَلَ، فإذا قالَ العَبْدَ: الحمدُ للهِ رَبِّ العالَمين، قالَ اللهُ: حَمِدَني عَبْدي، وإذا قالَ: الرَّحْمنِ الرحيمِ، قالَ اللهُ: أَثْنَى عَلَيِّ عَبْدِي، وإذا قالَ: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قالَ اللهُ: مَجَّدَني عَبْدي -وقالَ مَرَّةً: فوَّضَ إليَّ عَبْدِي-، وإذا قالَ: إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعينُ، قال: هذا بَيْني وبَيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدي ما سأَلَ، وإذا قال: اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقيمَ صِراطَ الذَّينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضوبِ عَلَيْهِمِ وَلا الضَّالِّينَ، قال: هذا لعَبْدِي، ولعَبْدي ما سأَلَ" (٢). وقال أبو حنيفةَ: لا يَتَعَّيُن، لِما رَوى أبو هُريرةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ دخلَ المسجدَ، فدخلَ رجلٌ فَصَلَّى، ثم جاءَ فَسَلَّمَ على النبىِّ ﷺ ، فَرَدَّ رسولُ اللهِ ﷺ ﵇، فقالَ: "ارْجعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فرجعَ الرجلُ فصلَّى كَما صَلَّى، ثم جاءَ إلى النبيِّ ﷺ ، فَسَلَّمَ عليهِ،

стр. 1328

فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "وعَلَيْكَ السَّلام"، ثم قالَ: "ارْجِعْ فَصَلِّ فإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، حتى فَعلَ ذلكَ ثلاثَ مَرَاتٍ فقالَ الرجلُ: والذي بَعَثَكَ بالحَقِّ نِبَيًّا ما أُحْسِنُ غَيْرَ هذا، عَلِّمْني، قالَ: "إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ، فَكَبِّرْ، ثمَّ اقْرَأْ ما تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ راكِعًا، ثم ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قائِمًا، ثم اسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِن ساجِدًا، ثم ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِن جالِسًا، ثم افْعَل ذلِكَ في صَلاِتكِ كُلِّها" (١). وقولُ الشافعيِّ أَسَدُّ وأَوْلى؛ لأنَّ الحديثَ الذي أخذ به مُقَيَّدٌ بالفاتِحَةِ. وأُطْلِقَ اسمُ الصَّلاةِ على الفاتِحَةِ لِكَوْنِها المَقْصودَ الأَعْظَم؛ كما أُطلقَ الحَجُّ في قوله: "الحَج عَرَفَةُ" (٢)، والحديثُ الذي أَخَذَ به أبو حنيفةَ مُطْلَقٌ، والمقيَّدُ يقدَّمُ على المُطْلَقِ، فيلزمُ حينئذٍ أَنَّ المتيسِّرَ معَ الرجلِ إمَّا الفاتِحَةُ؛ كَما هوَ الغالِبُ على العامَّةِ، أو الواجبُ عليهِ أن يأتيَ بما تَيَسَّرَ معهُ في هذِه الحالَةِ، وذلكَ جائزٌ عندَ العَجْزِ عن الفاتِحَةِ، وهذا التأويلُ متعيِّنٌ؛ لِما روى أبو هُريرةَ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "لا تُجْزِىُء صَلاةٌ لا يُقْرَأُ فيها بِفاتِحَةِ الكتاب" (٣). ومعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] ما روينا في "صحيح البخاري" و"مسلم" أيضًا عن أبي هُريرةَ -رضي اللهُ تَعالى عنه- قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "تَفْضُلُ صلاةُ الجماعَةِ صلاةَ أحَدِكُمْ بِخَمْسٍ وعِشرينَ جُزْءًا، وتَجْتَمعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ في صَلاةِ

стр. 1329

الفَجْرِ"، ثم يقولُ أبو هريرةَ: فاقرؤوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١) [الإسراء: ٧٨]. * * * ١٩١ - (٦) قوله : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. يحتملُ أنَّ معنى ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ أي: زيادةً على الفرضِ الذي أُمِرْتَ به، وأنه صارَ نافلةً بعدَ أنْ كانَ حَتْمًا، فعلى هذا تَدْخُلُ أُمَّتُه معهُ في الخِطاب، وإلى هذا ذهبتِ الشافعيةُ (٢). ويحتملُ أن يكونَ الخطابُ خاصًّا به، وأن معنى ﴿نَافِلَةً لَّكَ﴾ أي: فُرِضَ عليكَ خاصَّةً زِيادةً على أُمَّتِك، وبهذا فسرَها ابنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-، وإليه ذهب المالكية (٣). وسيأتي -إن شاء الله تعالى- في آخرِ الكتابِ كلامٌ متعلق بهاتين الآيتين. * * *

стр. 1330

سُوْرَةُ الأَنْبيَاءِ

стр. 1331

(من أحكام المعاملات) ١٩٢ - (١) قوله : ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]. قال ابنُ السِّكِّيتِ: النَّفْشُ: أَنْ تنتَشِرَ الغَنَمُ باللَّيْل تَرْعى بلا راعٍ (١). قال أبو الحَسَنِ الواحديّ: قالَ المفسرون: دخلَ رجلانِ على داودَ، وعندَهُ ابنُهُ سُليمانُ -عليهما الصلاةُ والسلامُ- أحدُهما صاحِبُ حَرْب، والآخَرُ صاحِبُ غَنَم، فقالَ صاحبُ الحَرْثِ: إنَّ هذا انفلتَتْ غنمُه ليلاً، فوقعتْ في حَرْثي، فلم تبُقِ منه شيئاً، فقال: لكَ رِقابُ الغَنَمِ، فقال سليمانُ: أو غيرُ ذلك؛ ينطلقُ أصحابُ الكَرْمِ بالغَنَمِ، فَيُصيبون من ألبانِها ومنافِعها، ويقومُ أصحابُ الغنمِ على الكرمِ، حتى إذا كانَ كليلةِ نَفَشَتْ فيه، دفعَ هؤلاءِ إلى هؤلاءِ غَنَمَهُمْ، ودفعَ هؤلاءِ إلى هؤلاء كَرْمَهُمْ، فقالَ داودُ: القضاءُ ما قَضَيْتَ، وحَكَمَ بذلكَ (٢). وجاءتْ شريعتُنا بمثلِ هذه الشريعةِ، فَضَمِنَتْ ما أفسدَتْهُ البهَائمُ باللَّيلِ دُونَ النهارِ.

стр. 1332

فقضى النبيُّ ﷺ في ناقَةٍ للبَراءِ بنِ عازب دخلَتْ حائِطَ قومِ، فأفسَدتْ: أَنَّ على أهلِ المَواشي حِفْظَها باللَّيلِ، وعلى أَهْل الأَموالِ حِفْظَها بالنَّهارِ (١). وكان شُرَيْحٌ القاضي يضمنُ ما أفسدَتْهُ الغَنَم باللَّيلِ، ولا يضمنُ ما أفسدَتْهُ بالنهارِ، ويَتأوَّلُ هذهِ الآيةَ: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، ويقولُ: كان النَّفْشُ بالليل (٢). وبهذا أخذَ الشافعيّ ومالِكٌ (٣). وذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابُه إلى إهدارِ ما أتلفَتُهْ (٤)؛ لعمومِ قولهِ ﷺ : "العَجْماءُ جَرْحُها جُبارٌ (٥)، وفي رواية: "العَجْماءُ جُبارٌ" (٦).

стр. 1333

قال الشافعيُّ: فأخَذْنا بحديثِ البَراءِ بنِ عازبٍ؛ لثبوتِه واتصالِه ومعرفةِ رجالِه، ولا يُخالفُ حديثَ العجماءِ، ولكنَّ "العجماء جرحُها جبارٌ" جملةٌ من الكَلامِ العامِّ المخرجِ الذي يُرادُ به الخاصُّ، فلما قضى فيما أفسدَتِ العجماءُ بشيءٍ (١) في حالٍ دونَ حالٍ، دَلَّ ذلك على أن ما أصابَتْ من جرح وغيرهِ في حالٍ جبارٌ، وفي حالٍ غيرُ جُبارٍ (٢). وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: إن كان مَرْتعُ الماشيةِ مَواتاً حولَ البلدِ، لم يجبْ على مالكِها حفظُها بالنَّهارِ، وإن كان مَرْتَعُها في تلكَ البلدِ في حَريمِ المزارعِ، ويعلمُ صاحبُ الماشيةِ أنهُ متى أرسلَها وأطلقَها دخلَتْ زرعَ غيرهِ وأفسدَتْهُ، فعليهِ حفظُ ماشيتِه نَهاراً، هذا في النَّهارِ، وأما في (٣) اللَّيلِ، فإنْ كانَ في بلدٍ ليسَ لِبَساتيِنها ومَزارِعِها حيطانٌ، فإنَّه يَجِبُ على مالِكِ الماشيةِ حفظُ ماشيتهِ، وإن كانَ لها حيطانٌ، فلا ضمانَ على صاحِبِ الماشيةِ؛ لتفريط صاحب البستان في تركِ الإغلاقِ، وقَيَّدَ حديثَ البراءِ بهذهِ الأحوالِ. وقال بعضُ أصحابهِ: يعتبرُ عُرْفُ البَلَدِ، فلو جَرَتْ عادتُهم ألا يُرْسِلوا الغَنَمَ (٤) نَهاراً إلَّا مَعَ راعٍ يحفَظُها، وأَلاّ يحفظَ أصحابُ الزَّرْعِ زَرْعَهُمْ بالنهار، فعلى مالِكِ الغنمِ (٥) الضَّمانُ فيما أتلفتْهُ بالنهار، فَخَصَّ عمومَ الحديثِ بالعادَةِ (٦).

стр. 1334

وهذا الوَجْهُ بمذهَبِ مالكِ أَوْلى منهُ بمَذْهَبِ الشافعيِّ، فمذهبُ مالكٍ تخصيصُ العُمومِ بالعادةِ، دوُنَ الشافعىِّ. وقالَ بعضُ أهلِ (١) العلم: يضمَنُ رَبط الماشيةِ ما أتلفَتْ، إلا إذا انفلتَتْ لعدمِ قدرته عليها (٢)، ويُروى هذا القولُ عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ -رضيَ اللهُ تعَالى عنه-. وذهب الليثُ إلى أنه يضمَنُ بكُلِّ حالٍ، إلا أنه لا يضمنُ أكثرَ من قيمةِ الماشية (٣). وهذا مخالفٌ للحديثِ، ولقياسِ شريعتِنا. * ولَمَّا دَلَّ حديثُ البراءِ على أن على أهلِ الماشيةِ ضمانَ ما أفسدَتْه (٤) في بعضِ الأحوالِ، وهي الحالةُ التي يجبُ عليهم فيها حفظُها، دَلَّ على أنه يجبُ على رَبِّها ضمانُ ما أفسدَتْ إذا كانَ راكبًا أَوْ سائقاً أَوْ قائِدا؛ لأن عليهِ حِفْظَها في هذه الحالِ، سواءٌ أفسدت ليلاً، أو نهاراً، بفيها، أو بيدها، أو برجلها. وقال أبو حنيفة: لا يضمن الراكب والقائد إلا ما تتلفه بفيها أو يدها (٥)، وأما (٦) ما تتلفه برجلها، فلا يضمن (٧).

стр. 1335

ووافق الشافعيُّ في تضمينِ الراكبِ بكلِّ حالٍ (١)، وكأنه استدلَّ بما رُوي عن النبي ﷺ من: "الرِّجل جبار" (٢). وقال الحفاظُ: هو غلطٌ، ووَهْمٌ من سُفيانَ بنِ حُسينٍ، عن الزُّهْرِيِّ (٣)، والله أعلم. * * *
следующие страницы →