← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

(من أحكام المعاملات) ١٩٢ - (١) قوله : ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]. قال ابنُ السِّكِّيتِ: النَّفْشُ: أَنْ تنتَشِرَ الغَنَمُ باللَّيْل تَرْعى بلا راعٍ (١). قال أبو الحَسَنِ الواحديّ: قالَ المفسرون: دخلَ رجلانِ على داودَ، وعندَهُ ابنُهُ سُليمانُ -عليهما الصلاةُ والسلامُ- أحدُهما صاحِبُ حَرْب، والآخَرُ صاحِبُ غَنَم، فقالَ صاحبُ الحَرْثِ: إنَّ هذا انفلتَتْ غنمُه ليلاً، فوقعتْ في حَرْثي، فلم تبُقِ منه شيئاً، فقال: لكَ رِقابُ الغَنَمِ، فقال سليمانُ: أو غيرُ ذلك؛ ينطلقُ أصحابُ الكَرْمِ بالغَنَمِ، فَيُصيبون من ألبانِها ومنافِعها، ويقومُ أصحابُ الغنمِ على الكرمِ، حتى إذا كانَ كليلةِ نَفَشَتْ فيه، دفعَ هؤلاءِ إلى هؤلاءِ غَنَمَهُمْ، ودفعَ هؤلاءِ إلى هؤلاء كَرْمَهُمْ، فقالَ داودُ: القضاءُ ما قَضَيْتَ، وحَكَمَ بذلكَ (٢). وجاءتْ شريعتُنا بمثلِ هذه الشريعةِ، فَضَمِنَتْ ما أفسدَتْهُ البهَائمُ باللَّيلِ دُونَ النهارِ.

стр. 1332

فقضى النبيُّ ﷺ في ناقَةٍ للبَراءِ بنِ عازب دخلَتْ حائِطَ قومِ، فأفسَدتْ: أَنَّ على أهلِ المَواشي حِفْظَها باللَّيلِ، وعلى أَهْل الأَموالِ حِفْظَها بالنَّهارِ (١). وكان شُرَيْحٌ القاضي يضمنُ ما أفسدَتْهُ الغَنَم باللَّيلِ، ولا يضمنُ ما أفسدَتْهُ بالنهارِ، ويَتأوَّلُ هذهِ الآيةَ: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨]، ويقولُ: كان النَّفْشُ بالليل (٢). وبهذا أخذَ الشافعيّ ومالِكٌ (٣). وذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابُه إلى إهدارِ ما أتلفَتُهْ (٤)؛ لعمومِ قولهِ ﷺ : "العَجْماءُ جَرْحُها جُبارٌ (٥)، وفي رواية: "العَجْماءُ جُبارٌ" (٦).

стр. 1333

قال الشافعيُّ: فأخَذْنا بحديثِ البَراءِ بنِ عازبٍ؛ لثبوتِه واتصالِه ومعرفةِ رجالِه، ولا يُخالفُ حديثَ العجماءِ، ولكنَّ "العجماء جرحُها جبارٌ" جملةٌ من الكَلامِ العامِّ المخرجِ الذي يُرادُ به الخاصُّ، فلما قضى فيما أفسدَتِ العجماءُ بشيءٍ (١) في حالٍ دونَ حالٍ، دَلَّ ذلك على أن ما أصابَتْ من جرح وغيرهِ في حالٍ جبارٌ، وفي حالٍ غيرُ جُبارٍ (٢). وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: إن كان مَرْتعُ الماشيةِ مَواتاً حولَ البلدِ، لم يجبْ على مالكِها حفظُها بالنَّهارِ، وإن كان مَرْتَعُها في تلكَ البلدِ في حَريمِ المزارعِ، ويعلمُ صاحبُ الماشيةِ أنهُ متى أرسلَها وأطلقَها دخلَتْ زرعَ غيرهِ وأفسدَتْهُ، فعليهِ حفظُ ماشيتِه نَهاراً، هذا في النَّهارِ، وأما في (٣) اللَّيلِ، فإنْ كانَ في بلدٍ ليسَ لِبَساتيِنها ومَزارِعِها حيطانٌ، فإنَّه يَجِبُ على مالِكِ الماشيةِ حفظُ ماشيتهِ، وإن كانَ لها حيطانٌ، فلا ضمانَ على صاحِبِ الماشيةِ؛ لتفريط صاحب البستان في تركِ الإغلاقِ، وقَيَّدَ حديثَ البراءِ بهذهِ الأحوالِ. وقال بعضُ أصحابهِ: يعتبرُ عُرْفُ البَلَدِ، فلو جَرَتْ عادتُهم ألا يُرْسِلوا الغَنَمَ (٤) نَهاراً إلَّا مَعَ راعٍ يحفَظُها، وأَلاّ يحفظَ أصحابُ الزَّرْعِ زَرْعَهُمْ بالنهار، فعلى مالِكِ الغنمِ (٥) الضَّمانُ فيما أتلفتْهُ بالنهار، فَخَصَّ عمومَ الحديثِ بالعادَةِ (٦).

стр. 1334

وهذا الوَجْهُ بمذهَبِ مالكِ أَوْلى منهُ بمَذْهَبِ الشافعيِّ، فمذهبُ مالكٍ تخصيصُ العُمومِ بالعادةِ، دوُنَ الشافعىِّ. وقالَ بعضُ أهلِ (١) العلم: يضمَنُ رَبط الماشيةِ ما أتلفَتْ، إلا إذا انفلتَتْ لعدمِ قدرته عليها (٢)، ويُروى هذا القولُ عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ -رضيَ اللهُ تعَالى عنه-. وذهب الليثُ إلى أنه يضمَنُ بكُلِّ حالٍ، إلا أنه لا يضمنُ أكثرَ من قيمةِ الماشية (٣). وهذا مخالفٌ للحديثِ، ولقياسِ شريعتِنا. * ولَمَّا دَلَّ حديثُ البراءِ على أن على أهلِ الماشيةِ ضمانَ ما أفسدَتْه (٤) في بعضِ الأحوالِ، وهي الحالةُ التي يجبُ عليهم فيها حفظُها، دَلَّ على أنه يجبُ على رَبِّها ضمانُ ما أفسدَتْ إذا كانَ راكبًا أَوْ سائقاً أَوْ قائِدا؛ لأن عليهِ حِفْظَها في هذه الحالِ، سواءٌ أفسدت ليلاً، أو نهاراً، بفيها، أو بيدها، أو برجلها. وقال أبو حنيفة: لا يضمن الراكب والقائد إلا ما تتلفه بفيها أو يدها (٥)، وأما (٦) ما تتلفه برجلها، فلا يضمن (٧).

стр. 1335

ووافق الشافعيُّ في تضمينِ الراكبِ بكلِّ حالٍ (١)، وكأنه استدلَّ بما رُوي عن النبي ﷺ من: "الرِّجل جبار" (٢). وقال الحفاظُ: هو غلطٌ، ووَهْمٌ من سُفيانَ بنِ حُسينٍ، عن الزُّهْرِيِّ (٣)، والله أعلم. * * *

стр. 1336

تيسير البيان لأحكام القرآن تأليف الإمام الفقيه الموزعي محمد بن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن الخطيب اليمني الشافعي المشهور بـ «ابن نور الدين» (المتوفى سنة ٨٢٥ هـ) - رحمه الله تعالى - بعناية عبد المعين الحرش [المجلد الرابع]

стр. 1337

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1338

تَيْسِيْرُ البَيَانِ لِأَحْكَامِ القُرْآنِ [٤]

стр. 1339

جَمِيعُ الحقُوُقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م ردمك: ٣ - ٤١ - ٤٥٩ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَارُ النَّوادِرِ سورية - لبنان - الكويت مُؤسَّسة دَار النَّوادِرِ م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوادِر الكُوَيْتِيَة ذ. م. م - الكُوَيْت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هَاتِف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - الصالحية - برج السَّحَاب - ص. ب: ٤٣١٦ حَولي - الرَّمْز البريدي: ٣٢٠٤٦ هَاتِف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥) www.daralnawader.com into@daralnawader.com أسَّسَهَا سَنَة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م نُورُ الدِّيْن طَالِب المُدِير العَام وَالرَّئيسْ التَّنفِيْذِي

стр. 1340

سُوْرَةُ الحَجِّ

стр. 1341

(من أحكام البيت الحرام) ١٩٤ - (١) قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. اختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في المرادِ بالمسجدِ الحَرام: فقال ابنُ عَبّاسٍ وابنُ جُبَيْر -رضيَ اللهُ تَعالى عنُهم-: المرادُ بهِ الحَرَمُ (١). وقالَ قتادَةُ: المرادُ بهِ مَكَّةُ، وهو قريبٌ من الأول. وقالَ الشافعيُّ في آخرينَ: المراد بِه عَيْنُ المسجدِ (٢). وهو أولُ بيتٍ جعله اللهُ تَعالى للناس، قالَ الله تَعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦]. * واختلفوا أيضاً في معنى السَّواءِ، فقالَ قومٌ: سواء في الانتفاع بالنزول فيه، فليس (٣) أحدٌ أَحَقَّ من غيره، إلا أنه لا يُخرج أحدٌ من بيته.

стр. 1342

وهذا قولُ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما (١) -. روى عليُّ بنُ أبي طَلْحَةَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ في قوله: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، يقولُ: ينزلُ أهلُ مَكَّةَ وغيرُهم في المَسْجِدِ الحرام (٢). وذهب قومٌ إلى التأويل: فقيل: سواءٌ في التَّفْضِيلِ والتَّعْظيمِ وإقامةِ النُّسُكِ فيه (٣). وقيل: في القِبْلَة. وقيل: في الأَمْنِ. وسببُ هذا الاختلافِ وقوعُ الخلافِ في بَيْع دُورِ مَكَّةَ وكِرائِها: فمن أطلقَ المسجدَ الحَرامَ على الحَرَمِ، وحملَ اللفظَ على حقيقتِه في الاخْتِصاص بالمكانِ، منعَ بيعَ دُورِ مكةَ وكِراءَها، وتوريثَها (٤). ومن قالَ بخلافِ ذلكَ، جَوَّزَ بيعَها وكِراءها (٥). فإن قلتَ: فهل نجدُ دليلاً من الكتابِ والسُّنَّةِ يَصْرِفُ هذا اللَّفْظَ إلى أحدِ معانيه؟

стр. 1343

قلتُ: نعم، وسأذكرُ لكَ مناظرةً مستوفيةَ الأدلَّة (١). قال إبراهيمُ بنُ محمدٍ الكوفيُّ: رأيتُ الشافعيَّ بمكةَ يفتي الناسَ، ورأيتُ إسحاقَ بنَ إبراهيمَ، وأحمدَ بنَ حنبلٍ حاضرَيْنِ، فقال أحمدُ لإسحاقَ: يا أبا يعقوب! تعالَ حتى أريكَ رجلاً لم تَرَ عيناكَ مثلَهُ، فقالَ له إسحاقُ: لم تَرَ عينايَ مثلَه؛ قالَ: نعم، فجاء به فأوقفه على الشافعيِّ، فذكر القصةَ إلى أن قالَ: ثم (٢) تقدمَ إسحاقُ إلى مجلسِ الشافعيِّ، فسألَهُ عن سُكْنى بُيوتِ مَكَّةَ، أرادَ الكراءَ، فقالَ لهُ الشافعيُّ: عندنَا جائر، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "وهَلْ تركَ لنا عقَيل مِنْ دارٍ؟ " (٣)، فقالَ لهُ إسحاقُ: أتأذنُ لي في الكلام؟ قال: تكلم، قالَ: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن هشامٍ، عنِ الحَسَنِ: أنه لم يكنْ يرى ذلك، وأنا أبو نُعَيْمٍ وغيرُه عن سُفيان، عن منصورٍ، عنْ إبراهيم: أنه لم يكنْ يرى ذلك، وعطاءٌ وطاوسٌ لم يكونا يريان ذلك. فقال الشافعيُّ لبعضِ مَنْ عَرَفَهُ: مَنْ هذا؟ فقال: هذا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ الحنظليُّ بن راهويه الخراساني، فقال الشافعيُّ: أنت الذي (٤) يزعمُ أهل خُراسانَ أنَّكَ عالِمُهُمْ؟ قال إسحاقُ: هكذا يَزْعُمون، قال الشافعيُّ: ما أَحْوَجَني أنْ يكونَ غيرُكَ في مَوْضِعِك، فكنتُ أمرتُ بغيرِك وَأَدَّبْتُه، أنا أقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ ، وأنتَ تقولُ: قالَ عطاءٌ وطاوسٌ وإبراهيمُ والحَسَنُ هؤلاءِ لا يرونَ ذلك، وهل لأحدٍ معَ رسولِ اللهِ ﷺ

стр. 1344

حُجَّة؟ ثم قالَ الشافعيُّ: قالَ اللهُ : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾، فنسب الديارَ إلى المالكين، أو إلى غيرِ المالكين؟ قال إسحاقُ: إلى المالكين، فقال له الشافعيُّ: قولُ الله أصدقُ الأقاويلِ، وقد قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ دخلَ دارَ أَبي سُفيانَ فهوَ آمِن" (١)، نسبَ الدار إلى مالكه أو إلى غيرِ مالكه؟ قال إسحاقُ: إلى مالكه، قال له الشافعيُّ: وقد اشترى عمرُ بنُ الخَطَّابِ داراً، فأسكنها، وذكرَ له جَماعةً من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال له إسحاقُ: قالَ اللهُ : ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾، فقال لهُ الشافعيُّ: اقرأْ أولَ الآيةِ: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، ولو كان كما تزعُمُ، لكانَ لا يجوزُ لأحدٍ أن ينشدَ فيها ضالَّةً، ولا يَنْحَرَ فيها بدنةً، ولا تجتمعَ فيها الأزواجُ، ولكن هذا في المسجِدِ خاضَةً. قال: فسكتَ إسحاقُ ولم يتكلمْ، فسكتَ عنهُ الشافعيُّ -رحمهما الله تعالى-. فإن قلتَ: فقد رُوي عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ مَرْفوعاً وموقوفاً مَنع بيعِ رباعِ مَكَّةَ ومُؤاجَرَيها (٢). وروى عَلْقَمَةُ بن نَضْلَةَ الكِنانى: أنه قال: كانتْ بيوت مكةَ تُدْعى: السوائبَ، لم تبعْ رباعُها في زمانِ (٣) رسولِ الله ﷺ ، ولا أبي بكرٍ، ولا عمرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-، من احتاجَ سَكَنَ، ومن استغنى أَسْكَنَ (٤).

стр. 1345

قلنا: أجابوا بأن الحديثَ لم يصحَّ، وأما قولُ نَضلَةَ، فإنه أخبرَ عن عادتهم الكريمةِ في إسكانِهم ما يستغنونَ عنهُ في بيوتهم، وقد اشترى عمرُ داراً بمكَّةَ بأربعةِ آلافِ درهم، واشترى معاويةُ بنُ أبي سفيانَ من حكيمِ بنِ حزامٍ بمئةِ ألفِ درهم (١). وللخلافِ سببٌ غيرُ هذا (٢)، وهو هَلْ فتحَ رسولُ اللهِ ﷺ مكةَ صُلْحاً أو عَنْوَةً؟ فذهب الشافعيّ إلى أنه فَتَحَها صُلْحاً (٣). واستدلَّ بعقدِ الأَمانِ من النبيّ ﷺ لأبي سُفْيانَ، وهُوَ بمَرَّ الظَّهْران (٤) قبلَ أنْ يدخُلَ مَكَّةَ، فقالَ: "مَنْ دَخَلَ دارَ أَبي سُفْيانَ فَهُوَ آمِنٌ، ومَنْ دخل المسجدَ فهو آمِنٌ، ومَنْ أَغْلَقَ عليهِ بابَهُ فهوَ آمِن" (٥)، ولم يستثنِ إلا أربعةَ نَفَرٍ وقَيْنَتَيْنِ. واستدلَّ لهُ أيضاً بأنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لخالِدِ بْنِ الوليدِ: "لمَ قاتَلْتَ وقَدْ نَهَيْتكَ عنِ القِتال؟ " قال: هم بَدَؤونا بالقتال، ووَضَعوا فينا السّلاحَ،

стр. 1346

وأَشْعَرونا بالنَّبْلِ، وقد كفَفْتُ يدي ما استطعتُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "قضاءُ اللهِ خَيْرٌ" (١). وقال الجمهورُ من الفقهاءِ وأَهْلِ السِّيَرِ: فتحَها عَنْوَةً، حتى ادَّعى الماورديُّ انْفِرادَ الشافعىِّ بمقالتِه (٢). والصحيحُ ما ذهبَ إليهِ أبو عبدِ اللهِ؛ فإنه لو دخلَها عَنْوَةً، لَقَسَمَ غَنائِمها بينَ المسلمينَ، ولم يُنْقَلْ أنه قَسَمَ شيئاً، لا مِنْ دُورِها وعَقارها، ولا مِنْ شيءِ من أموالِها. ويدلُّ للشافعيِّ أيضاً عَزْلُ النبيِّ سعدَ بنَ عبادَةَ لمَّا قال: اليومُ يوم المَلْحَمَة، اليومُ تُسْتَحَلُّ الحُرْمَةُ (٣)، شكا أبو سفيانَ ذلكَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، وناشَدُه اللهَ في قومِه، فعزلَهُ وجعلَ مكانه الزبيرَ بنَ العَوَّامِ (٤). * وفي الآية دليل على تعلُّقِ العِقاب على مجردِ إرادةِ المَعْصِيَةِ بمكةَ، وأن ذلكَ حكمٌ يختصُّ (٥) بِها من دُونِ سائر البلادِ.

стр. 1347

قالَ ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]: لو أن رجلاً هَمَّ بخطيئةٍ لم تكتَبْ عليهِ ما لم يَعْملْها، ولو أَنَّ رجلاً هَمَّ بقتلٍ عندَ البيتَ، وهو بِعَدَنِ أَبْيَنَ، لأذاقهُ اللهُ من عذابٍ أليم (١) * * *

стр. 1348

(من أحكام الحج) ١٩٥ - (٢) قوله : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]. " فيه دَلالةٌ على تَفْضيلِ المَشْي على الرُّكوبِ في الحَجِّ؛ لتقديمِه عليهِ في الذّكْرِ. وبهِ قالَ أكثرُ أهلِ العلمِ؛ كمالكٍ، والشافعى في أحدِ قولَيْه، وهوَ المُختارُ عندي وِفاقاَ لأبي قاسمٍ الرافعىِّ (١). لتقديمِ اللهِ سبحانَهُ لهُ في الذِّكْرِ. ولما رَوى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- أنه قالَ لبنيه: يابني! اخرجوا من مَكَّةَ حاجّينَ مُشاةً؛ فإني سمعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول "إن للحاجِّ الراكبِ بكل خُطْوَةِ تَخْطوها راحلتُهُ سبعين حسنةَ، والماشي بكل خطوةٍ يَخْطوها سبعُ مئةِ حسنةٍ" (٢).

стр. 1349

ولما فيه من العَناءِ والنَّصَبِ، وقد قالَ النبيُّ ﷺ لعائشةَ لما أَعْمَرَها مِنَ التَّنْعيمِ: "ولكنها على قَدْرِ عَنائِكِ ونَصَبِك" (١). ولكونه وردَ عن السلف الصالح -رحمَهُم اللهُ تَعالى- فعلُه والترغيبُ فيه، وحُكِيَ من فعلِ النبيّ إبراهيمَ وإسماعيلَ -عليهما الصلاةُ والسلامُ-. فإن قلتَ: فالنبيُّ ﷺ لم يَحُجَّ إلا راكباً، وقد قالَ: "خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكُمْ" (٢)، وهو يدلُّ على أن الركوبَ أفضلُ كما قالَ بهِ بعضُ العلماءِ، والشافعيُّ في القولِ الأخيرِ، واختارَهُ النَّواوِيُّ (٣)، ولما فيهِ من بَذْلِ النفقةِ، وقد قالَ النبيّ ﷺ لعائشة: "ولكنها على نَصَبِكِ، أو قال: نَفَقَتِكِ" (٤). قلنا: إنما حجَّ النبيُّ ﷺ راكبًا حتى يظهر ليقتدى (٥) به ويستفتى، ولهذا قال ﷺ : "خُذوا عَنِّي مَناسِكَكُمْ" (٦). فالركوبُ في حَقّهِ أَفْضَلُ منَ المَشْيِ (٧)؛ لعُمومِ المصلحةِ بركوبه ﷺ . ورُوي عنْ أبي حنيفةَ كراهَةُ المَشْيِ (٨). ولَفا رأى بعضُ المتأخرينَ من أَصْحابِه ما فيه منَ البُعْدِ، حَمَلَهُ على مَنْ يسوءُ خُلُقُهُ بالمشيِ، ويُجادِلَ رفيقَه، أو يَجْمَعُ بينَ الصَّوْمِ والمَشْيِ.

стр. 1350

١٩٦ - ١٩٧ (٣ - ٤) قوله : ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٨ - ٢٩]. أقول: اشتملتْ هاتانِ الآيتانِ على جُمَلٍ من الأَحْكامِ: الجملةُ الأولى: المنافعُ المشهودَةُ. قال الواحِدِيُّ: أكثرُ المفسرينَ جعلوها منافعَ الدنيا التي هي التجارةُ والأرزاقُ، وهو قولُ السُّدِّيُّ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وابنِ عَبّاسٍ في روايةِ أبي رَزينٍ (١)، فدلَّ على جَوازِ التجارةِ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. ومنهُمْ من خَصَّها بمنافعِ الآخِرَةِ، وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيّبِ والعَوْفِيِّ، واختيارُ الزَّجَّاجِ. ومنهم مَنْ عَمَّمَها فيهما، وهو قولُ مجاهدٍ، وروايةُ عطاءٍ عنِ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهم- (٢). الجملة الثانية: اختلفوا في الأيامِ المعلومات. فقال الحَسَنُ ومُجاهدٌ، وابنُ عباسٍ في روايةِ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: هيَ الأيامُ العَشْرُ، وقيلَ لها: المعلوماتُ تَحْريضاً على عِلْمِها؛ لأنها وقتُ الحَجِّ، وآخرُها يومُ النَّحْرِ، وبه أخذَ أبو حنيفةَ والشافعيُّ (٣).

стр. 1351

ويدلُّ له (١) قولهُ ﷺ : "ما العَمَلُ في أيامٍ أَفْضَلَ منها في هذهِ" قالوا: ولا الجهادُ في سبيلِ الله؟ قال: "ولا الجهادُ، إلا رَجُلٌ خَرَجَ يُخاطِر بِنَفْسِه ومالِهِ، فلم يَرْجِعْ بشيءٍ" (٢). وقال ابنُ عباس في روايةِ عطاءٍ: يريدُ أيامَ الحَجِّ، وهوَ يومُ عَرَفَةَ والنَّحْرِ وأيامُ التشريقِ، واختارَ الزَّجّاجُ (٣). وقال الضَّحّاكُ: يومُ الترويةِ وعرفةُ ويومُ النَّحْر. وقالَ مالِكٌ: يومُ النحرِ، ويومانِ بعدَهُ، فيومُ النحرِ معلومٌ عندَهُ، وليسَ بمعدودٍ، وثالثُ أيامِ التشريقِ معدود، وليس بمعلومٍ، واليومانِ اللَّذانِ بينَهُما معلومانِ مَعْدودان (٤). الجملة الثالثة: خصَّ اللهُ سبحانَهُ الأيامَ المَعْلوماتِ بالذِّكْرِ، وجعلَها ظَرْفاً لذكرِه على بَهيمَةِ الأنعامِ، ومفهومُ التَّخْصيصِ أنّهُ لا يكونُ في غَيْرِها.

стр. 1352

وبهذا أخذَ كثيرونَ (١)، أَوِ الأَكْثَرونَ. فَمْن قال: هي العَشْرُ، وآخِرُها يومُ النَّحْرِ، أو يومُ التَّرْوِيَةِ وعرفةُ ويومُ النَّحْرِ، قالَ باختصاصِ التَّضْحِيةِ بِيومِ النَّحِر، وبه قالَ محمدُ بنُ سيرينَ (٢). ومن هؤلاءِ مَنْ جَوَّزَ التَّضحِيَةَ في غيرِ يومِ النَّحْرِ لدليلٍ آخرَ يأتي ذكرُه يدلُّ على تَرْكِ التخصيصِ. ومن قالَ: يومُ النحرِ ويومانِ بعدَهُ، خَصَّصَ التضحِيَةَ بهذه الأَيام، وبهذا قال مالِكُ وأحمدُ، وروي عن عمرَ وابنِ عمرَ وأنَسٍ، وكَذا عن عَلِيٍّ في رِوايَةِ مُنْقَطِعَةِ -رضي الله تعالى عنهم- (٣). وذهب الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، والأوزاعيُّ، وداودُ إلى جوازِ التضحيةِ في يومِ النحرِ، وفي أيامِ التشريقِ، وهو قولُ عَلِي، وابنِ عباسٍ، وجُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، وعطاء، والحَسَنِ، ومكحولٍ، وطاوسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- (٤). فمنْ هؤلاءِ مَنْ ذهبَ إلى هذا؛ لأنَّ الأيامَ المعلوماتِ عندَهُ يومُ النحرِ وأيامُ التشريقِ. ومنهم مَنْ ذهبَ إلى هذا، وإن كانتِ المعلوماتُ عندَهُ هيَ العشرُ؛ لما

стр. 1353

رَوى جُبَيْرُ بنُ مُطْعِم -رضيَ اللهُ تَعالى عنه-: أَنَّ النبيَّ ﷺ قال "كُلُّ فِجاجِ مَكَّةَ مَنْحرٌ، وكُلّ أَيامِ التشريقِ ذَبْحٌ" (١). قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ؛ يجوزُ لأهلِ الأمصارِ يومَ النَّحْرِ خاصَّةً، ولأهل القرى يَوْمَ النَّحْرِ وأيامَ التشريقِ (٢). وقال جماعةٌ: يجوزُ في جميعِ ذي الحِجَّةِ، واستدلُوا بأحاديثَ مُنْقَطعةٍ لا تقومُ بمثلِها حُجَّةٌ. وأجمعوا على أَنَّهُ لا يجوزُ الذَّبْحُ في هذهِ الأيامِ حتى يكونَ يومُ النحرِ (٣). * وذِكرُ اللهِ تَعالى في هذهِ الأيامِ على بَهيمَةِ الأنعامِ يكونُ بالتَّكبيرِ عندَ رؤيتها تُعْجِبُهُ (٤)، وذكره في يوم النَّحْر النَّحْرُ والتسميةُ والتكبيرُ على الذبيحة. * وأجمعوا على أن الذبحَ قبلَ الصلاةِ من يومِ النحرِ لا يجوزُ؛ لقولهِ ﷺ : "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ، فإنما هيَ شاةُ لَحْمٍ" (٥).

стр. 1354

* واختلفوا في جوازِهِ بعدَ الصَّلاةِ وقبلَ ذَبْح الإمامِ. وسيأتي الكلامُ عليهِ في أَوَّلِ "سورةِ الحُجُراتِ" -إن شاءَ الله تَعالى-. ثم اختلفوا هَلْ يَخْتَصُّ الذبحُ بالنَّهارِ في الأيام المعلوماتِ، أو يجوزُ بالليل؟ فالمشهورُ عن مالكِ وأصحابِه أنه لا يجوز الذبحُ بالليلِ، وبه قالَ أحمد في روايةِ عنه (١)، لأنَّ اسمَ اليوم لا يتناولُ الليلَ؛ بدليلِ قولهِ تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]. وخالفه الباقون كأبي حنيفةَ وأحمدَ والشافعي (٢)، ولهم أن يقولوا: اسمُ اليومِ يتناولُ الليلَ؛ بدليلِ قولهِ تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ (٣) [هود: ٦٥]. وإن سلموا، فدلالةُ الأيامِ على اختصاصِ النهارِ المتخلّلِ بينَ الليالي دُونَ الليالي دَلالةٌ (٤) ضعيفة لم يعتبرْها من أهلِ الأُصولِ إلَّا الدَّقَّاقُ؛ لأنها مفهومُ لقبِ غير مشتق. وللمالكيةِ أن يقولوا: الأصلُ في هذهِ العباداتِ التي هيَ شعائرُ اللهِ تعالى التوقُّفُ، فَيُتَمَسَّكُ بمحَل الاتفاق حتى يقومَ الدليلُ على الجَواز، ثمَّ اشتقاقُ اسمِ الذبيحةِ منِ اسمِ الوقتِ الذي يفعلُ فيه يدلُّ على اختصاصهِا بالنهار، والله أعلم.

стр. 1355

الجملة الرابعة: خصَّ اللهُ سبحَانَهُ بَهيمَةَ الأنعام بالذِّكْرِ دونَ غَيْرِها منَ البهائِمِ. وقد أجمعَ المسلمونَ على ذلكَ، وحكى ابنُ المُنْذِر عن الحَسَنِ بنِ صاِلحٍ أنه جَوَّزَ التضحيةَ ببقرةِ الوَحْشِ عن سَبْعٍ (١)، والظَّبْيِ عن واحِدٍ، ووافقه داودُ في بقرِ الوَحْشِ (٢). وأما ذكرُ اسمِ اللهِ تَعالى عليها: فقد قَدَّمْتُ اخْتِلافَ العُلَماء فيه، والمُخْتارُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لا واجِبٌ. وصِفَتُه هُنا عندَ الشافعيةِ وجماعةٍ من أهلِ العلمِ أن يقولَ: بسم الله، والله أكبر، اللهمَّ منكَ وإليكَ، اللهمَّ تقبلْ مني (٣). وكرهَ أبو حنيفةَ الدُّعاءَ (٤)، وكرهَ مالكٌ قولَ: اللهمَّ منكَ وإليك، وقال: هو بِدْعَهٌ (٥). الجملة الخامسة: أمر اللهُ سبحانَهُ بالأَكلِ والإطعام منها، وكذلك أمرَ بهما رسولُ اللهِ ﷺ في هذهِ الأُضْحِية، فقال؛ "إنَّما نهيَتكم منْ أجلِ الدَّافَّةِ التي دفَّت عليكُم، فكلوا وتصدَّقوا وادَّخِروا" أوجب (٦) وأمرَ في هَدْيِهِ الذي

стр. 1356

أهداهُ أن يُؤْخَذَ من كُلِّ جزورِ بَضْعَةٌ، فطُبختْ، ثم أكلَ من لحمِها، وحسا من مَرَقِها (١). فأما الأكلُ، فحملَهُ جمهورُ أهلِ العلمِ على الاستحبابِ (٢)، وحكي عن بعضِ السَّلَفِ أنهُ واجبٌ (٣) الأَكْلُ منها حَمْلًا للأمرِ على حقيقتِه، واقتداءَ بفعلهِ ﷺ (٤)، والحِكْمَةُ فيه مُخالَفَةُ الجاهِلِيَّةِ في تَحَرُّجِهِم من أكلِ ذبائِحِهم، وبهذا قالَ أبو الطيبِ بنُ سلمةَ من الشافعيةِ (٥). وأما الإطعامُ، فحمله ابنُ سريج من الشافعيةِ على الاستحبابِ، والصحيحُ عندَهم إطلاقُ الوُجوب، فيجبُ أن يتصدقَ بما يقعُ عليهِ اسمُ الصدقة (٦). واختلفَ قولُ الشافعيِّ في القَدْرِ المُسْتَحَبِّ؛ لإطلاقِه في الكتاب والسُّنَةِ، فقالَ في أَحَدِ القولين: يتصدقُ بالنصفِ؛ استئناساً بقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]. [وقال في الآخر: يتصدق بالثلثين (٧)، استئناسًا بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (٨) [الحج: ٣٦]، وهذا في هَدْيِ التَّطَوُّعِ، وأما

стр. 1357

الهَدْيُ الواجِبُ كَهَدْيِ الجُبْرانِ وهَدْيِ الكَفَّارَةِ والأُضْحِيَةِ المَنْذُورةِ، فَلا يجوزُ الأكلُ منها. وقد انتهى القولُ بنا في بيانِ حُكْم الأضحيةِ جِنْساً ووَقَتْاً، ابتداءً وانتهاءً، وأما بيانُ صِفَتِها، فسيأتي -إنْ شاء اللهُ تعالى-. الجملة السادسة: أَمَرَهُمُ الله سبحانه بقَضاءِ التَّفَثِ، وهو الوَسَخُ والقَذارَةُ من طولِ الشَّعْرِ والأَظْفارِ والشَّعَثِ (١)، قال الشاعرُ (٢): [البحر البسيط] جَفَوا رُؤُوسَهُمُ لَمْ يَحْلِقُوا تَفَثاً ... ويَنْزِعُوا عَنْهُمُ قَمْلاً وصِئْبانا وقال مالِكُ ﵀: التَّقَثُ: حَلْقُ (٣) الشَّعْرِ، ولُبْسُ الثّيابِ، وما يَتْبَعُ ذلكَ (٤). وقد اختلفَ العلماءُ في حقيقةِ هذا الأمرِ: فمنهم من حَمَلَهُ على حقيقتِه، وقال: الحِلاقُ نُسُكٌ، وبهِ قالَ مالِكٌ، وهو الصحيحُ من قَوْلَيِ الشافعيِّ. ومنهم من حَمَلهُ على الإباحَة؛ لتقدُّم الحَظْرِ، وبهِ قالَ الشافعيُّ في القولِ الآخرِ (٥).

стр. 1358

وترتيبُ قضاءِ التفثِ على الذبحِ يحتملُ أن يكونَ للاستحبابِ، ويحتملُ أن يكونَ للوجوبِ. قال مالكٌ: الأمرُ الذي لا اختلافَ فيه عندَنا أن أَحَداً لا يَحْلِقُ رأسَهُ، ولا يأخذُ من شَعْرِهِ حتى ينحرَ هَدْياً إن كانَ معهُ، ولا يحلُّ من شيءٍ حَرُمَ عليهِ حتى (١) يَحِلَّ بمنًى يومَ النَّحْرِ، وذلكَ أنَّ اللهَ ﵎ قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٢) [البقرة: ١٩٦]، وقَد قَدَّمْتُ الكلامَ على هذا في "سورة البقرة" عند هذه الآية (٣). الجملة السابعة: أَمَرَهُمُ اللهُ تعالى بإيفاءِ النُّذورِ، والأَمْرُ فيهِ للوجوبِ. وعلى وُجوبِ الوفاءِ بالنذرِ أجمعَ المُسلمونَ (٤)، وبوَفائه مدَحِ اللهُ سبحانَه عبادَه الصالحينَ، فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]، وذمَّ على ترْكِهِ المنافقينَ، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ [التوبة: ٧٥] الآيات. وذِكْرُ اللهِ سبحانَهُ لَهُ بلفظ الجَمْعِ: يحتملُ أن يكونَ تَعْظيماً لشأنه، ولهذا قالَتْ عائشةُ -رضيَ اللهُ تعالى عنها-: إن النذرَ شَأْنُهُ عظيمٌ. ويحتملُ أن يكونَ لكثرةِ أنواعِه وأقسامِه، فإنه ينقسمُ إلى مُطْلَقٍ وإلى مُعَلَّقٍ، فالمُطْلَق هو الخارِجُ مخرجَ الخَبَرِ ينقسمُ إلى مُصَرَّحٍ فيه بالمَنْذورِ، وإلى غيره.

стр. 1359

فالمصرَّحُ فيهِ بجهةِ النَّذْرِ كقوله: (عَلَيَّ للهِ نَذْرٌ أَنْ أَحُجَّ)، وهذا لازمٌ عندَ الجمهورِ، وللشافعيةِ وَجْهُ أنه لا يصحُّ (١)، وأظنُّه قولَ بعضِ السلف. والثاني كقوله: (للهِ عَلَيَّ نَذْرٌ). وقد اختلفوا في الواجبِ عليه، فقال الكثيرُ منهم: في ذلكَ كفارةُ يمينٍ؛ لقوله ﷺ : "كفَّارةُ النَّذْرِ كفّارَةُ يمَينٍ" (٢). ولما رُوي عنه ﷺ : "مَنْ نَذَرَ وسَمَّى، فعليه ما سَمَّى، ومَنْ لَمْ يُسَمِّ، فعليهِ كفارةُ يَمينٍ" (٣)، وبهذا قال مالكٌ (٤). وقال قوم: فيه كفارةُ الظِّهارِ. وقال قومٌ: أقلُّ ما يقعُ عليه الاسمُ من القُرَبِ من صيامِ يومٍ أو صلاةِ رَكْعتينِ (٥).

стр. 1360

وقال الشافعيُّ: لا يلزَمُهُ شيءٌ، فليسَ بنذرٍ (١). والمعلقُ قد يكونُ مُعَلَّقاً على فِعْلِ اللهِ سبحَانُه؛ كقولهِ: إن شفى الله مريضي، فلله عليَّ كذا، وهذا أجمعَ العلماءُ على صحته. وقد يكونُ مُعَلَّقاً على فِعْل العبدِ. ثم هذا ينقسمُ إلى ما يُقْصَدُ به التقَّرُبُ إلى اللهِ تعالى؛ كقولهِ: إن جاءَ زيدٌ من سفره، فلله عليَّ كذا وكذا، وهذا لازِمٌ أيضاً. وإلى ما يقصدُ به الحَثُّ على الفِعْلِ أو المَنع منه؛ كقوله: إن كَلَّمْت زيداً، فلله عليَّ كذا، وهذا الذي يُسَمَّى نَذْرَ اللِّجاج والغَضَب، ويسمِّيه المالكيةُ أيماناً. وهذا اختلفَ العلماءُ فيه، وللشافعيةِ فيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ: قيل: يلزمُ الوفاءُ بما نَذَرَ، وقيل: لا يلزم، وقيل: هو مُخَيَّرٌ بين الوفاءِ بما نَذَرَ، وبين كَفارةِ يمينٍ (٢). وأما مالِكٌ، فأخذَ بعموم الآيةِ، وألزم النذرَ على أيِّ جهةٍ وقع (٣). * فإن قلتَ: فأمرُ اللهِ سبحانَهُ الحَجيجَ بوفاءِ النذورِ مستلزِمٌ استحبابَ النَّذْرِ، أو إباحَتَهُ، ولا يستلزمُ أن يكونَ مكروهاً، ولكنه يعارضُه ما رواهُ ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما- عن النبيِّ ﷺ : أنه نهى عن النذر، قال "إنه لا يأتي بِخَيْرٍ، وإنما يُسْتَخْرَجُ بهِ مِنَ البَخيلِ (٤) ".

стр. 1361

قلنا: قد أجاب الشيخُ تقيُّ الدين بنُ دقيقِ العيدِ، وبعضُ المالكية، وقالا: إن الحديثَ محمولٌ على النذرِ الذي يكونُ في مقابلة تحصيل غرضٍ، أو دفعِ مكروه (١)، وهو نذرُ المُجازاة، وما سواهُ على نَذْرِ التبرُّرِ؛ كالنذرِ الذي يكونُ شُكْراً في مقابلةِ النعمَةِ. الجملة الثامنة: أمرَ اللهُ سبحانَهُ بالطَّوافِ بالبيتِ العتيق، وقد أجمعَ أهلُ العلمِ على أن المرادَ به طوافُ الإفاضَةِ، وأجمعوا على أنه رُكْنٌ من أركانِ الحَجِّ، وعلى أن صِفَتهُ أن يجعلَ البيتَ عن يسارِهِ. وبيَّنَ النبيُّ ﷺ أن سِتَّةَ أَذْرُعٍ أو سبعةَ أَذْرُعٍ، أو نَحْواً منْ سبعةِ أذرعٍ منَ الحِجْرِ منَ البيتِ، وطافَ النبيّ ﷺ مِنْ وراءِ الحِجْرِ، فإن طافَ طائفٌ داخِلَ الحِجْرِ، لم يَصَحَّ طوافُهُ؛ لمخالفتهِ الكتابَ والسُّنَّةَ قَوْلاً وفِعْلاً. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: يصحُّ طوافُهُ داخلَ الحِجْر (٢)، وأطلقَ لفظَ البيتِ على القواعدِ الموجودَةِ يومَ نُزولِ الخِطابِ، وهيَ الموجودةُ الآن. * وأحسبُهُمْ أَجْمَعوا على أَنَّ من شرائِطِه سَتْرَ عَوْرَة الطائِف (٣).

стр. 1362

* واختلفوا في طَهارتهِ منَ الحَدَثِ والخَبَثِ. فذهبَ مالكٌ والشافعى إلى اشتراطِ الطهارةِ من النَّجَسِ (١)؛ لقوله ﷺ لأسماءَ بنتِ عُمَيْس: "اصْنَعي ما يَصْنَعُ الحاجُّ غَيْرَ أَلاّ تَطوفي بالبَيْت" (٢). وذهب الشافعيُّ إلى اشتراطِ الطهارةِ من الحَدَثِ (٣)؛ لقولهِ ﷺ : "الطَّوافُ بالبيتِ صَلاةٌ، إلا أَدن اللهَ أباحَ فيهِ الكلام" (٤). وذهبَ أبو حنيفةَ إلى أنه لا يشترطُ فيه شيء من ذلك؛ كالسَّعْيِ بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ (٥). * وبيهنَ النبيُّ ﷺ صِفَتَهُ مِنَ الرَّمَلِ والاضْطِباعِ والتقبيلِ والاستلامِ، وغيرِ ذلكَ من الأدعيةِ والأذكارِ، وأَنَّ من سُنَنِهِ رَكْعتين بعدَ الطَّوافِ خَلْفَ المَقامِ. * ولتسميةِ اللهِ سبحانَهُ لَهُ عَتيقاً معانٍ كثيرةٌ عندَ أهلِ العلمِ، وكُلُّها حَسَنَةٌ

стр. 1363

لائِقَة به موافقة في مَعْناه، زادَهُ اللهُ تشريفاً وتكريماً. فقيل: معناه كريماً؛ لأن العتقَ هو الكَرَمُ، ومنهُ عَتْقُ الرقبةِ (١) لخروجِه من ذُلِّ الرّقِّ إلى كَرَمِ الحُرِّيَّةِ. وقيل: لقدمِهِ لأنه أولُ بيتٍ وُضِعَ للناس. وقيل: إِنَّه أُعْتِقَ منَ الغَرَقِ. وقيل: لأنه عتقَ من الجبابرةِ، فلا تنالُهُ يَدُ جَبَّارٍ. وقيل: لأنه لا مُلْكَ فيهِ لأحدٍ، بل جعلَهُ اللهُ للناسِ سواءً. * * * ١٩٨ - (٥) قوله : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. * المرادُ بالشعائِرِ هُنا البُدْنُ المُشْعَرَةُ، أي: المُعَلَّمَةُ بِجَرْحِ سَنامها؛ لِيُعْلَمَ أَنَّها هَدْي، والدليلُ على أنها المرادُ عَوْدُ الكناياتِ المُخْتَصَّةِ بالبُدْنِ عليها، وقد أَشْعَرَ النبيُّ ﷺ هَدْيَهُ، وسَلَتَ عنهُ الدَّمَ (٢). * وتعظيمُها اسْتِسْمانُها واسْتحْسانُها. وقَدْ أهدى عُمَرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- نَجيبَةً، فأُعْطِي بها ثلاثَ مئةِ دينارٍ (٣)، وكان عُرْوَةُ بنُ الزُّبيرِ يقولُ لبنيه: يا بنيَّ! لا يُهْدِيَن أَحَدُكم من

стр. 1364

الهَدْيِ شَيْئاَ يَسْتَحْيي أنْ يُهديَه لِكَريم؛ فإنَ اللهَ أَكْرَمُ الكُرَماءِ وأَحَق مَنِ اختيرَ له (١). * وقد اتفقَ الناسُ على استحبابِ تعظيمِ الضحايا أبضاً كالهَدايا، واتفقوا على أن الأفضلَ في الهدايا الإبِلُ، ثُمَّ البَقَرُ، ثمَّ الغَنَمُ (٢). * وأَمَّا في الضحايا: فَكَذلكَ قال الشافعيُّ (٣)، وذهبَ مالكٌ إلى أنه بعكسِ الهَدايا، فالأَفْضَلُ عندهُ الكِباشُ، ثمَّ الغنمُ، ثمَّ البقرُ، ثمَّ الإبلُ (٤). وقيل عنه بتقديمِ الإبلِ على البَّقَرِ. واحتجَّ أَنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُضَحَّي بالكِباشِ، وبأنَّ إبراهيمَ الخَليل ﷺ فَدَى ابنَهُ بكَبْشٍ، وبقيَ ذلك سُنةَ بعدَهُ؛ لقولهِ تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨]. وللشافعيِّ أن يَحْتَجَّ بانهُ قد ثبتَ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ فَعَلَ النَّحْرَ والذبْحَ. روى البخاري عنِ ابنِ عمرِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- أنه ﷺ كانَ يذبَحُ

стр. 1365

ويَنْحَرُ بالمُصَلَّى (١)، وبقوله: ﷺ "مَنْ راحَ في السَّاعَةِ الأُولى، فَكَأَنَّما قَرَّبَ بَدَنَةً، ومَنْ راحَ في الساعَةِ الثانيةِ، فَكَأَنَّما قَرَّبَ بَقَرةً، ومن راحَ في السّاعَةِ، الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّما قَرَّبَ كبْشاً" (٢). * ومن تعظيمِ شعائرِ اللهِ تَعالى عندَ مالكٍ والشافِعيِّ وغيرهما ما اشتهرَ من عَمَلِ السلفِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- منْ تَجْليل البُدْنِ بالثِّيَابِ (٣)، فكانَ بعضُ السَّلَفِ يُجَلِّلُها بالوَشْيِ، وبَعْضُهم بالحِبَرِ، وبعضُهم بالقَباطِي والمَلاحِفِ والأُزُرِ، وكانَ ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- يُجَلّلُها الأَجْلالَ المُرْتَفِعَةَ منَ الأَنْماطِ والبُرودِ والحِبَرِ (٤)، وكان ابنُ عُمَرَ يَقِفُ بالهَدْيِ بعَرَفَةَ، ويَراهُ من تَعْظيمِها، وكانَ يقولُ: الهَدْي ما قُلِّدَ وأُشْعِرَ ووُقِفَ بِهِ بعرفَة (٥). * وأباحَ اللهُ سبحانَهُ لنا الانتفاعَ بهِا إلى أَجَل مُسَمًّى، واختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في هذا الأَجَلِ. فقالَ أكثرُ المُفَسِّرينَ: هُوَ وَقْتُ تَسْمِيَتِهِ لَها هَدْياً، فَلَهُ أنْ ينتفعَ بركوبِها

стр. 1366

ولبنِها ونَسْلِها وأَصْوافِها وأَوْبارِها، ما لَمْ يُسَمِّها هَدْياً، فإذا سَمّاها، انقطَعَتِ المنافِعُ (١). وقالَ عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ: هو وَقْتُ نَحْرِها (٢)، وبهِ قالَ عامَّةُ الفُقهاء (٣)؛ لأنها قبلَ تسميتِها وإيجابها لا تُسَمَّى شَعائِرَ، ولِما روى أبو هريرةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً يسوقُ بَدَنَةً، فقالَ: "ارْكَبْها"، فقال: إنَّها بَدَنة، فقالَ في الثانيةِ أوِ الثالثة: "ارْكَبْها وَيْلَكَ" (٤)، خَرَّجَه البخاريُّ ومسلمٌ. ولكنهم اختلفوا: فذهبَ بعضُ الظاهريةِ إلى جوازِ ركوبِها من غيرِ ضَرورةٍ ما لم يُضِرَّ بِها؛ لمطلق الأمرِ، ولمخالفةِ شعارِ الجاهليةِ من إكرامِ البَحيرَةِ والسَّائبة، وهو قولُ عروةَ بنِ الزبيرِ، ومالكٍ في روايةٍ عنه، وأحمدَ، وإسحاقَ. وذهبَ أبو حنيفةَ والشافعيُّ ومالِكٌ في الروايَةِ الصَّحيحةِ إلى جوازِ رُكوبِها عندَ الحاجةِ والضرورةِ دُونَ غيرِها (٥)؛ لقوله ﷺ : "ارْكَبْها

стр. 1367

بالمَعْروفِ إذا أُلْجِئْتَ إلَيْها (١) حَتَّى تَجِدَ ظَهْراً" (٢). * وأما بيانُ المَحِلِّ، فقد تقدَّمَ ذِكْرُهُ في "سورةِ المائدة"، هَلْ هو مَكَّةُ، أو سائرُ الحَرَمِ؟! * * * ١٩٩ - (٦) قوله : ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤]. المَنْسَكُ هاهنا -والله أعلمُ- هو المَصْدَرُ، من: نَسَكَ يَنْسُكُ إذا ذَبَحَ القُرْبانَ (٣)، فأخبرَ اللهُ سبحانَهُ أَنَّهُ مشروعٌ لكلِّ أُمَّة، وليسَ من خصائصِ هذهِ الأمةِ. وقد أجمعَ المسلمونَ على مَشْروعِيَّةِ التَّقَرُّبِ بالهَدْيِ والأُضْحِية. فأَمّا الهَدْيُ، فقدْ تقدَّمَ ذكرُ انقسامهِ إلى واجبٍ ومُسْتَحَبٍّ، وأَمَّا الأضحِيَةُ، فاختلفَ أهلُ العلمِ فيها مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ. فذهبَ قومٌ إلى أنها مشروعَةٌ على الوُجوبِ، وبهِ قالَ أبو حنيفةَ (٤).

стр. 1368

وذهبَ قومٌ إلى أنها على الاستحبابِ، وبه قالَ الشافعيُّ (١) وعنْ مالكٍ روايتانِ كالمَذْهبين (٢). * * * ٢٠٠ - (٧) قوله : ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦]. البُدْنُ أَصْلُها الإِبِلُ المُبَدَّنة، ثمَّ صارَ اسمَ جِنْسٍ للإبِلِ. ثمَّ قيل: معنى صَوَافَّ: مُصَطَفَّة، وقيل: مَعْقولَة، وقرأَ ابْنُ مَسعودٍ: (صَوَافِنَ) (٣) أي: معقولَةَ إِحْدى القوائم. * واستحبَّ جمهورُ أهلِ العلمِ نَحْرَها على هذهِ الصِّفَةِ (٤).

стр. 1369

روينا في "صحيح مسلم" أَنَّ ابن عُمَرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- رأى قَوْما أَضْجَعوا بَدَنَة، فقال: قياما مُقَيَّدَة، سُنَّةَ نَبِيِّكُم ﷺ (١). وقال أبو حنيفةَ والثوري: يستوي نَحْرُها قِياماً، وباركَةً (٢). - ثمَّ أمرَ اللهُ سبحانَهُ بالأكلِ والإطعامِ منها: فمنَ الفقهاءِ من حملَ الأَمْرَيْنِ على الوُجوبِ، ومنْهم من حملهما على الاستحباب، ومنهم من استحبَّ الأكلَ وأوجبَ الإطعامَ، وقد تقدَّمَ ذكرُه قريبًا. وقد استدَلَّ مَنْ قالَ بتثليثِ لَحْمِ الأُضْحِيَةِ إمَّا وُجوبًا وإمّا استِحْبابًا بقوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، ولا دليلَ فيه على التقدير، ولا سيما مع معارضَةِ قولهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]. * وقد اختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في حقيقةِ القانعِ والمُعْتَرِّ: فقيلَ: لقانعُ: الذي يسألُ، والمُعْتَرُّ: المُتَعَرِّضُ، قالَ الشاعرُ (٣): [البحر الوافر] لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ... مفَاقِرَهُ أَعَفُّ منَ القُنوعِ وقيل: القانعُ: الذي يَقْنَعُ ولا يَسْأَلُ، والمُعْتَرُّ: الذي يَعْتَري بالسُّؤالِ،

стр. 1370

قال الشاعرُ (١): [البحر الطويل] عَلَى مُكْثِرِيهِمْ حَقُّ مَنْ يَعْتَرِيهِمُ ... وَعِنْدَ المُقِلِّينَ السَّماحَةُ وَالبَذْلُ * وقَيَّدَ اللهُ سبحانَهُ حالَ الأكلِ بوُجوبِ جُنوبها، وذلكَ وَقْتَ خُروجِ الرُّوحِ منها، ومَفْهومُهُ أنَّهُ لا يَحِلُّ الأَكْلُ مِنْها قَبْلَ ذلكَ، وهو كذلكَ، فلا يَحِل الأَكْلُ منها، ولا القَطْعُ مِنْها قبلَ خُروجِ الروحِ منها إجماعاً. * * *
следующие страницы →