← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

تستأذِنوا (١)، فخطأٌ مَحْضٌ؛ لإجماع الأمةِ على حفظِ كتاب اللهِ جَلَّ ثنَاؤهُ من الخَطَأ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وكما قال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، ومعاذَ اللهِ سبحانَهُ أن يصح هذا عن الحبْرِ الترجُمانِ. وقال قومٌ: يقدمُ السلامَ، فيقولُ: السلامُ عليكُم، أَأَدْخُلُ (٢)؟ فقال بعضُ هؤلاءِ: معنى يستأنسوا: أي: يطلُبوا الاستئناسَ بالتَّنَحْنُحِ أو التسبيحِ أو التكبيرِ حَتَّى تنظُروا هلْ في الدارِ أحدٌ يأذنُ لكم؟ مُقْتَصٌّ هذا من قولِ الله تعالى: ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ١٠]. وقال بعضُهم: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: حَتَّى تسُلِّموا وتستأذنوا، واستدلُوا بما روى أبو داودَ في "سننه" عن رِبْعِيِّ بنِ حِراشٍ قال: حدثنا رجلٌ من بني عامرٍ استأذَنَ على النبيِّ ﷺ ، وهو في بيتٍ، فقال: أَأَلِجُ؟ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ لخادمِه: "اخْرُجْ إلى هذا فَعَلِّمْهُ الاسْتِئْذانَ، فَقُلْ لَهُ: قُلْ: السَّلامُ عليكُمُ، أَأَدخلُ؟ "، فسمع الرجلُ، فقال: السلامُ عليكمُ، أأدخلُ؟ فأذنَ لهُ النبيُّ ﷺ ، فدخل (٣)، قال النوويُّ: وإسنادُهُ جيدٌ (٤). واستدلُّوا أيضًا بما خَرَّجَ أبو داودَ والترمذيُّ عن كَلَدَةَ بنِ حَنْبَلٍ: أَنَّ

стр. 1402

صَفْوانَ بنَ أُمَيَّةَ بعثَ (١) بِلِبَأ (٢) وجِداية (٣) وضَغابيسَ (٤) إلى النبيِّ ﷺ , والنبيُّ في أعلى الوادي، قال: فدخلتُ عليه، ولم أسلِّمْ، ولم أستأذنْ، فقال النبيُّ ﷺ : "ارْجِعْ فَقُلِ: السَّلامُ عليكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ " (٥)، قال الترمذيُّ: حديثٌ حَسَنٌ. وقال بعضُهم: إن وقعَ نظرُ المستأذِن على صاحِبِ المنزلِ، قَدَّمَ السَّلامَ، وإنْ لم يقعْ، قَدَّمَ الاستئذانَ، وقدَّمَ هذا القولَ أَقْصَى القُضاة الماورديُّ من الشافعيةِ بعدَ أَنْ حَكى ثلاثةَ أَوْجُهٍ للشافعية (٦)، واختارَ النوويُّ الثانيَ (٧)، وهو كما اختارَ؛ لبيانِ النبيِّ ﷺ ، ونَصِّهِ عليه. * فإن قلتُم: فهلْ هذا الحكمُ عامُّ في الأَحرارِ والعبيدِ، أو خاصٌّ بالأحرارِ؟ قلتُ: هو خاصٌّ بالأحرارِ، وأما العبيدُ، فقد أفردَ اللهُ سبحانَه استِئْذانهم

стр. 1403

في آية أخرى، وسيأتي بيانُه -إن شاء الله تعالى -. * وسَن رسولُ اللهِ ﷺ المُصافَحَةَ بفعلِه وقولِه وإقرارِه، وادَّعى النوويُّ الإجْماعَ على استِحْبابها (١). * ومفهومُ هذا الخطابِ أن الرجلَ إذا دخلَ بيتاً هو بيتُه أنه لا يستأذِنُ، ولا يسلِّمُ، فأما الاستئذانُ فالحكمُ فيه كذلكَ، وأما السلامُ فإنه يُسْتَحَبُّ للرجلِ أن يسلمَ على أهلِه إن كانَ ذا أهلٍ، وإن لم يكنْ له أهل، فيستحبُّ أن يقولَ: السلامُ علينا وعلى عِبادِ اللهِ الصالحين (٢)؛ لإطلاقِ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]، وهذه الآيةُ تبينُ أن التقييدَ جيءَ به لأجلِ الاستئذانِ، لا لأجلِ السلام. ورويَ عن قتادَةَ ومجاهدٍ: أنهما قالا: إذا دخلتَ بيتاً ليسَ فيه أَحَدٌ، فقلِ: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين (٣). * وبينَ النبيُّ أنَّ الخارجَ المُفارق يُشْرَعُ لهُ السلامُ كالدَّاخلِ. خَرَّجَ أبو داودَ والترمذيُّ عن أبي هُريرةَ -رضي الله تعالى عنه- قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا انْتَهى أَحَدُكُمْ إلى المَجْلِسِ، فَلْيُسَلِّمْ، فإذا أَرادَ أن بقومَ، فيسلِّمُ، فليسَتِ الأُولى أَحَقَّ من الآخِرَةِ" (٤)، قال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ.

стр. 1404

* وبين النبيُّ ﷺ أن سلامَنا الذي هو تحيةٌ من عندِ اللهِ مباركَةٌ طيبةٌ خاصٌّ بنا دُونَ غيرنا؛ كما قيدُه الله سبحانه. فروينا في "صحيح مسلم" عن أبي هُريرةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه -: أن النبيَّ ﷺ قال: "لا تَبْدَؤوا اليهودَ ولا النَّصارى بالسَّلامِ، فإذا لَقِيتُمْ أحدَهُم في طَريقٍ، فاضْطَرُّوهُ إلى أَضْيَقِهِ" (١). واختلفَ الشافعيةُ هلْ هذا النهيُ على التحريمِ، أو الكراهةِ؟ والصحيحُ عندَ أكثرِهم التحريمُ (٢). ولو سَلَّمَ على رجلٍ ظَنَّهُ مسلِماً، فبانَ كافِراً، استردَّ سلامَهُ؛ كما فعلَ ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما -، وبهذا عملتِ الشافعيةُ (٣). وقالَ مالكٌ: لا يستقيله (٤) (٥).

стр. 1405

* ثم لما نزلتْ هذهِ الآيةُ قيلَ: يا رسول الله! أفرأيتَ الخاناتِ والمساكنَ في الطُّرقات ليسَ فيها مساكنُ؟ فأنزل الله سبحانَهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٩]: منفعة لكم (١). ويؤخَذُ من هذا أن للرجلِ أن يأخذَ وينتفعَ بما تركَهُ الناسُ رغبةً عنهُ، أو بما يعلمُ أنهم يرضونَ بالانتفاعِ به في العادةِ، والله أعلمُ.

стр. 1406

(من أحكام النظر) ٢٠٩ - (٩) قوله : ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]. * أمر اللهُ سبحانه نبيَّه محمداً ﷺ أن يأمرَ المؤمنينَ بِغَضِّ البصرِ عَمّا لا يَحِلُّ؛ لما في النظر من خشيةِ الوقوع في المَحْظور، فبينَ عن اللهِ سبحانَهُ ما أمرَهُ بهِ، فأخذ بذقَنِ الفَضْل بنِ العبّاسِ يُميل وَجْهَهُ عنِ النظرِ إلى الخَثْعَمِيَّةِ التي استَفْتَتْهُ لما نظرَ إليها (١). * وقد أجمعَ المسلمون على تحريمِ النظرِ إلى الحُرَّةِ الأجنبيةِ التي تُشْتَهى، فيما عدا الوجهَ والكفينِ، وعلى تحريمِ النظرِ إليهما عند خوفِ الفتنةِ، وعلى جوازِ النظرِ إليهما عندَ الحاجةِ، وعندَ إرادةِ نِكاحها (٢)، بل قالَ قومٌ: يستحبُّ؛ لورودِ السُّنَّةِ بذلك. واختلفوا في تفصيلِ المنظورِ منها، وفي جوازِ النظرِ إلى الوجهِ والكفينِ في غير هاتينِ الحالتين وَجْهانِ للشافعية، أصحُّهما عندَ المتقدمينَ الجوازُ،

стр. 1407

والمختارُ عندَ متأخِّريهم التحريمُ (١)، وهو الصوابُ، وما سواهُ خطأٌ، وسيظهرُ لكَ بيانُ خَطَئِه في الآيةِ التي تليه. فأما المرأة إذا كانَتْ مَحْرَماً، فسيأتي الكلامُ عليها، وكذا التي لا تشتهى لِكِبَرٍ، وسيأتي الكلامُ عليها عند قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٦٠]. وأَمَّا التي لا تُشْتهى لصغرٍ، فإنه لا يحرمُ النظرُ إليها فيما دُونَ سَبْعِ سنينَ. وفي تحريمِ النظرِ إلى فرجِ الصغيرةِ التي لا تَمييزَ لها خلافٌ عندَ الشافعيةِ أيضًا، والأَصَحٌّ التحريمُ (٢). * * * ٢١٠ - (١٠) قوله : ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]. أقولُ: أمرَ اللهُ سبحانه المؤمناتِ بغَضِّ أبصارِهن كالمُؤمنين، فلا ينظرْنَ إلى الرجالِ الأجانبِ، وهذا الأمرُ على الوجوبِ على الصَّحيحِ من الوَجْهين

стр. 1408

عندَ الشافعيةِ (١)، ويدلُّ عليهِ قولُه ﷺ أزواجِهِ لَمَّا اعتذَرْنَ بأنَّ الرجلَ أعمى: "أَفَعَمْياوانِ أَنْتُما؟ أَلَسْتُما تُبْصِرانِهِ؟ " (٢). وحملَ بعضُهم الأمرَ على الاستحبابِ (٣)، واستدلَّ بما خَرَّجَه البخاري ومسلمٌ من حديثِ فاطمةَ بنْتِ قَيْسٍ؛ حَيْثُ أَمَرَها أن تَعْتَدَّ في بَيْتِ أُمِّ شَريكٍ، ثم قال: "تِلْكَ امرأَةٌ يَغْشاها أَصْحابي، اعْتَدِّي عندَ ابن أمِّ مكتومٍ؛ فإنُه رجلٌ أَعْمى، تَضَعينَ ثيابَكِ عندَهُ" (٤)؛ وحمل الآية والحديث على النظر إلى ما لا يَحِلُّ من العَوْراتِ، أو على الاحتياطِ. والدلالة في حديثِ فاطمةَ ضعيفةٌ؛ فإنه لا يدلُّ على أنه أذِنَ لها أن تَنْظُرَ إليه، بَلْ عَلَّلَ النبيُّ ﷺ ذلكَ بأَمْنِها عندَ رؤيتِه عندَ تَكَشُّفِها؛ لكونه أعمى، فيزولُ عنها مَشَقَّةُ التَّحَرُّزِ. * ثم نهى اللهُ سبحانَه المؤمناتِ عن إبداءِ زينتهنَّ إلَّا ما ظهرَ منها: وذلك يحتملُ أن يريدَ بالزينةِ ما تَلْبَسُ من الحُلِيِّ تحتَ الثيابِ؛

стр. 1409

كالقُرْطِ (١) والدُّمْلُجِ (٢) والخَلْخالِ، وما يُلْبَسُ فوقَها من الثيابِ، وهو الذي يظهرُ من الزينةِ (٣). وقد سَمَّى اللهُ سبحانَه الثيابَ زينة فقال: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، ويكون على هذا التأويلِ بدنُها عَوْرَةً. ويحتمل أن يريدَ بالزينةِ جملةَ البَدَنِ (٤). ثم استثنى اللهُ سبحانَه أعضاءً مَخْصوصَةً، وقد فَسَّرَها ابنُ عباسٍ وعائشةُ بالوَجْهِ والكَفَّيْنِ (٥). * فإن قلتَ: فمقتضى هذهِ الآيةِ على هذا التفسيرِ أنه يجوزُ للنِّساء كشْفُ وُجوهِهِنَّ وأيديهِنَّ، واللهُ تعالى يقول: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]، وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوزُ للقواعِدِ أن يضعن ثيابَهُنَّ عَمّا عدا الوجه والكفين، وإنما رفعَ اللهُ الجُناحَ عنهنَّ في الوجهِ واليدين (٦)،

стр. 1410

وهذا يدلُّ على أن الجُناحَ باقٍ في غيرِ القواعدِ (١). قلتُ: المرادُ بهذهِ الآيةِ النهيُ لهنَّ عن إبداءِ زينتِهِنَّ، وإباحةِ ما ظهرَ منها عندَ الحاجَةِ، فأباحَ اللهُ تَعالى لهنَّ كَشْفَها في هذهِ الحالِ للحاجةِ الداعيةِ إلى كَشْفِها؛ كما وردَ من كَشْفِها في حالةِ الإِحْرامِ والصَّلاةِ، وكما تكشفُ عندَ البيعِ والشِّراءِ وتَحَمُّلِ الشهادةِ وغيرِ ذلكَ من الأمورِ، والمرادُ بآيةِ القواعدِ كَشْفُها في حالةِ الاختيارِ، فرفعَ اللهُ سبحانَهُ الجُناحَ في هذهِ الحالةِ من القواعدِ، وأن يَسْتَعْفِفْنَ فلا يُبْدينَها خيرٌ لهنَّ، ولم يرفع الحرجَ في غيرِ القواعِدِ، ولم يزلْ عملُ الناسِ على ذلك قديماً وحديثاً في جميعِ الأمصارِ والأقطارِ، فيتسامحون للعجوزِ في كَشْفِ وَجْهِها، ولا يتسامَحون للشابَّةِ، ويرونَهُ عورة مُنْكَراً. وقد تبينَ لكَ وجهُ الجَمْعِ بين الآيتينِ، ووَجْهُ الغَلَطِ لمنْ أباحَ النظرَ إلى وَجْهِ المرأةِ لغيرِ حاجةٍ، والسَّلَفُ كَمالكٍ، والشافعيُّ، وأبي حنيفةَ، وغيرِهم لم يتكلَّموا إلا في عَوْرَةِ الصَّلاةِ، فقالَ الشافعيُّ ومالكٌ: ما عَدَا الوَجْهَ والكفينِ (٢)، وزادَ أبو حنيفةَ القَدَمَيْن (٣)، وما أَظُنُّ أحداً منهم يُبيحُ

стр. 1411

للشابَّةِ أن تكشِفَ وَجْهَها لغيرِ حاجَةٍ، ولا يُبيحُ للشابِّ أن ينظرَ إليها لغيرِ حاجَةٍ، والله أعلمُ. ولا بُدَّ من مزيدِ كلامٍ هناك -إن شاءَ اللهُ تعالى-. * فإن قلتَ: فهل تدخلُ الإماءُ معَ الحرائِرِ في هذا الحُكْمِ؛ لأنهنَّ من جُمْلَةِ المُؤمنات، أو لا؛ لأنهنَّ من أهلِ الحاجاتِ والخِدْمَةِ، فلا تكونُ عورتُهُنَّ كعورةِ الحرائرِ؟ قلنا: للشافعيةِ في الأَمَةِ ثلاثَةُ أوجُهٍ: أحدها: أَنَّها كمثِلها. والثاني، وهو مذهبُ عمرَ -رضي الله تعالى عنه-: أن عورتَها كعورةِ الرَّجُل. والثالث: عورتُها ما لا يبدو حالَ المِهْنَةِ (١). * ولما كانَ رأسُ المرأةِ وعُنقُها يظهرُ في حالِ المهنةِ، أمرَ اللهُ سبحانَه النساءَ بسَتْرِه، وبَيَّنَ أنه ليسَ مُراداً بالاستثناء، فقال: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. قالتْ عائشةُ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها -: يرحَمُ اللهُ النساءَ المُهاجراتِ الأُوَلَ؛ لَمّا أنزلَ اللهُ تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى

стр. 1412

جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، شَقَّقْنَ مُروطَهُنَّ فاخْتَمَرْنَ به (١). * ثم استثنى اللهُ سبحانَهُ أصنافاً منَ الناسِ: فاستَثْنى الزوجَ وكيرَهُ منَ المَحارمِ بالنَّسَبِ والمُصاهَرَةِ، وفَرَّقَ بينَهُم، وإن كانَ تفصيلُ الإبداءِ في حَقِّهِم مُخْتَلِفاً، فيجوزُ للزوجِ أن ينظرَ (٢) إلى جميعِ بَدَنِها، ولا يَجوزُ للمَحْرَمِ إلَّا ما فوقَ السُرَّةِ وتَحْتَ الرُّكْبَةِ. واستثنى أيضاً نساءَهُنَّ، فاقتضى الخطابُ بِمَفْهومه أنه لا يجوزُ لهنَّ أنْ يبدينَ زينتَهُنَّ لغيرِ نِسائهنَّ، وهُنَّ المُشْركاتُ غيرُ المؤمناتِ، وهو كذلكَ على الأَصَحِّ منَ الوَجْهَيْنِ (٣)، واختارَ الغزاليُّ أنهنَّ كالمُسلماتِ (٤)، وهو ضعيفٌ مُخالِفٌ للمفهوم (٥)، ولِما رويَ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّاب -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - أنه كتبَ إلى أَبي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ: أَمَّا بَعْدُ، فإنه بَلَغَني أَنَّ نِساءً من نِساءِ المُسلمين يَدْخُلْنَ الحَمّاماتِ، ومعهنَّ نساءُ أهلِ الكتاب، فامنعْ ذلكَ، وحُلْ دُونَهُ (٦). وفي روايةٍ أُخْرى: فإنَّه لا يَحِلُّ لامرأةٍ تؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِر أنْ ينظُرَ إلى عَوْرَتها إلَّا أَهْلُ مِلَّتِها (٧).

стр. 1413

ومرادُ عُمرَ العَوْرَةُ الصُّغْرى، ويدلُّ عليهِ ما رُويَ عن مجاهدٍ أنه قالَ: لا تَضَعُ المسلمةُ خمارَها عندَ مشركةٍ (١). واستثنى أيضاً ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُن، وهو عامٌّ في الإِماءِ والعَبيد، وهو كذلكَ على الأَصَحِّ المنصوص (٢)، وخَصَّهُ بعضُهم بالإماءِ دُونَ العبيدِ، وحملَه على الإماءِ الكتابِيّات، وبه قالَ بعضُ الشافعيةِ (٣)، وهو مردودٌ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ لفاطمةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها- لمَّا سَتَرَتْ رأسَها: "إنَّهُ ليسَ عليكِ بَأْسٌ، إنَّما هُوَ أبوكِ أَوْ غُلامُكِ" (٤). واستثنى التابعينَ غيرَ أولي الإِرْبَةِ منَ الرِّجالِ، قالَ ابنُ عباسٍ: هو الرجلُ يتبعُ القومَ، وهو مُغَفلٌ في عَقْلِهِ، لا يَكْتَرِثُ النساءَ، ولا يَشْتَهيهِنَّ (٥).

стр. 1414

وعنِ الحَسَنِ نَحْوُ هذا (١). وفي معناهُ الشَّيْخُ المُسِنُّ الذي قَدْ فَقَدَ اللَّذَّةَ، والمَمْسوحُ، وهو كذلكَ على الصَّحيحِ منَ الوَجْهين، ومقابلُهُ ضعيفٌ لا وَجْهَ له (٢). وأَمّا ذو الإِرْبَةِ كالخَصِيِّ والمَجْبوبِ الذي بَقي خُصْياهُ، والعِنِّينِ والمُخَنَّثِ، فإنهم كَفُحولِ الرجالِ (٣). واستثنى الطِّفْلَ الذينَ لم يَظْهَروا على عَوْراتِ النساءِ، وعلى هذا أجمعَ المسلمونَ، ومَفْهومُ هذا الخطابِ أن المُراهِقَ الذي قَدْ ظَهَرَ على عوراتِ النساءِ، وتحرَّكَتْ شَهْوَتُهُ، واسْتَقْوَى عليها أَنَّه خارجٌ من المُسْتَثْنى، فلا يجوزُ للنساءِ الكَشْفُ عندَهُ، وهو كذلكَ عَلى أَصَحِّ الوَجْهين عندَ الشافعيةِ، والثاني يجوزُ التكشُّفُ عندَهُ (٤)؛ كما يجوزُ له الدخولُ بغيرِ استِئْذان إلَّا في الأوقاتِ التي ذكرها (٥) اللهُ تعالى. وهذا الاستدلالُ باطِلٌ؛ لأن الاستئذانَ في حَقِّه أَدَبٌ، وهو حكمٌ معلق بهِ، والسترُ واجبٌ، وهو حكمٌ معلقٌ بالنِّساء.

стр. 1415

* ثم نَهاهُنَّ اللهُ سبحانَه عن الإعلام بزينتهِنَّ الخَفِيَّةِ؛ لكَيْلا يُمِلْن الرجالَ، فيؤدِّي إلى الافتتان بهنَّ، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ وهذا النهيُ للتحريم، ويدلُّ عليهِ قولُه ﷺ : "صنفانِ من أهلِ النارِ لم أَرَهُما: قومٌ معهمْ سِياطٌ كأَذنْابِ البَقَرِ يُعَذِّبونَ بِها الناسَ، ونساءٌ كاسِيات عارِياتٌ مُمِيلاتٌ مائِلاتٌ، رُؤوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المائِلَةِ (١)، لا يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ، ولا يَجدْنَ رِيحَها، وإنَّ رِيحَها لَيوجَدُ من مَسيرةِ كَذا وكَذا" (٢).

стр. 1416

(من أحكام النكاح) ٢١١ - (١١) قوله : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]. * أقول: أمرَ اللهُ سبحانَه أن نُنْكِحَ الأيامى إذا جاءنا خاطِبٌ لَهُنَّ، ورَغِبْنَ إليه إذا كان كُفُؤاً لهنَّ، والأمرُ في هذا على الحَتْمِ والوُجوبِ، فواجِبٌ علينا أن نُنْكِحَهُنَّ، فإنِ امتنعَ أَحَدٌ، أَجْبَرَهُ السُّلطانُ (١). رُويَ عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: "إذا جاءكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دينه وأَمانَتَهُ، فَزَوِّجوهُ، إلَّا تَفْعَلُوا، تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأَرْضِ وفَسادٌ عريضُ" (٢)، أو كَما قالَ. وبينَ النبيُّ ﷺ أَنَّ الأَيِّمَ لا تُنْكَحُ حَتَّى تُسْتَأْمَر (٣).

стр. 1417

* وفي الآيةِ دلالةٌ ظاهرةٌ على إثباتِ الولاية (١) للأَوْلياء؛ فإنَّ اللهَ سبحانَه لم يأمرهُمْ أن يفعلُوا شيئاً لا يستحقُّونه، ولو كانَتْ عُقْدَةُ النِّكاحِ بيدِ النساء، لما وردَ الأمرُ مضافاً إلا لهنَّ. * وفي الآيةِ دلالةٌ على أنه لا ولايةَ للمؤمن على الأَيِّم الكافِرَةِ؛ لمفهومِ التقييد بنا، ولقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]. * وبينتِ السنَّةُ أيضاً أنه لا ولايةَ لِكافِرِ على مُسلمةٍ، فقد زَوَّجِ أبو سعيدِ بنُ العاصِ أُمَّ حبيبةَ بنتَ أبي سُفيانَ منَ النبيِّ ﷺ ، وأبو سُفيان حَيٌّ؛ لأنها كانتْ مسلمةً يومئذٍ (٢). ويحتملُ أن التقييدَ مختصٌّ بوصفِ الأحرارِ؛ بدليلِ ذكرِ اللهِ سبحانَهُ للعبيدِ والإماءِ بعدَ التقييد. * ثم أمرَنا اللهُ سبحانَهُ بإنكاحِ الصالحينَ منَ العبيدِ والإماءِ: فيحتمل أن يكونَ الأمرُ في هذا على الحَتْمِ، فيجبُ على الساداتِ تزويجُ العبيدِ الصالحين إذا طَلَبوا النكاحَ (٣)؛ لما فيه من العِفَّةِ لهم، وتحصينِهم من الوقوعِ في الزنى، ودفعِ مَعَرَّةِ الشهوةِ عنهم. ويحتملُ أن يكونَ على الاختيارِ والنَّدْبِ، وبهذا قالَ مالكٌ والشافعيُّ في الصحيحِ من قوليهِ (٤)؛ لقوَّةِ التصرفِ في المملوكاتِ، ولأنه لا فرقٌ بينَهُمْ

стр. 1418

وبَين الإماءِ، ولا يجبُ على الساداتِ إنكاحُ إمائِهم اتِّفاقاً، فكذلكَ العبيدُ. قالَ الشافعيُّ: ولم أعلمْ دليلاً على إيجابِ إنكاحِ صالحِ العبيدِ والإماءِ كَما وجدْتُ الدلالةَ على إنكاحِ الحرائرِ مطلقاً، فأَحَبُّ إليَّ أَنْ ينكحَ من العبيدِ والإماء صالِحوهم خاصَّةً، ولا يتبينُ لي أن يُجْبَرَ أحدٌ عليه، ولأنَّ الآيةَ محتملٌ أن تكونَ فيها الدلالةُ على الاختيار، لا على الإيجاب (١). * وتخصيصُ اللهِ سبحانه بهذا الحكم ذوي الصَّلاحِ يقتضي إخراجَ ذوي الفسادِ والمشركين، سواءٌ قلْنا بالوجوبِ أو الاستحبابِ (٢)، وهذا بَيِّنٌ؛ إذ ليس للمشركِ على المسلمِ حقٌّ، ولا سيما المملوكِ، ولِما فيه من عدم اكتراثِه بالمعصيةِ، وعدم إلزامِه لأحكامِ الإسلام. * فإن قلتم: فهل يقتضي هذا التقييدُ أن المسلمَ لا يُنْكِحُ أَمَتَهُ الكافِرَةَ؟ قلنا: لا؛ لأن الخِطاب إنما سيقَ لبيانِ ما يتوجَّهُ على الساداتِ للعبيدِ، لا لبيانِ ما يتوجَّه للساداتِ على العبيد، وقد دَلَّتِ الآيةُ بطريق الإشارةِ على أنّه يمنع العبدُ أن ينكحَ بغيرِ إذنِ سيدِه، وإلا لَما أمرَ اللهُ سبحانَه السيدَ بإنكاحه. وقد بينَ النبيُّ ﷺ هذا الحكمَ عنِ اللهِ سبحانَهُ، فروى ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - عن النبيِّ ﷺ : "إذا نَكَحَ العبدُ بغيرِ إذنِ سَيِّدِهِ فَنِكاحُهُ باطلٌ" (٣)، وعن جابرٍ إما مرفوعاً أو موقوفاً: "أيُّما مملوكٍ تَزَوَّجَ بغيرِ إذنِ سَيِّدِهِ، فهو عاهِرٌ" (٤).

стр. 1419

وعلى هذا الحكمِ أجمعَ المسلمونَ (١)، هذا إذا أطلَقْنا الأيامى على النِّساءِ, وحملْنا الإنكاحَ على إيجابِ النكاحِ عليهِنَّ، وعلى العبيدِ والإماءِ, وأما إذا أطلقنا الأيامى على الرجالِ والنِّساءِ, وحملْنا الإنكاحَ على إيجابِ النِّكاح؛ للخطاب، فإنه يدلُّ على وجوبِ إجابةِ الخاطبِ المؤمنِ، وإن كانَ عبداً، إذا كان صالحاً، وأنَّ الكفاءةَ غيرُ معتبرةٍ إلَّا في التقوى، وبهذا قالَ مالكٌ -رحمهُ اللهُ تَعالى - (٢)، وسيأتي القولُ عليهِ في "سورةِ الحجراتِ" - إنْ شاءَ اللهُ تعالى -. * * * ٢١٢ - (١٢) قوله جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا

стр. 1420

عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]. * أقول: يحتملُ أن تكونَ (حَتَّى) للتعليلِ، والمعنى: ولْيَطْلُبِ العِفَّةَ الذين لا يَجِدونَ نِكاحاً بالاكتسابِ؛ لكي يُغْنيهم اللهُ من فضلهِ، فحينئذٍ يحصلُ الوعدُ من اللهِ بالغنى في طَلَبِ النكاحِ للعفَّةِ، ويكون الأمرُ على الاسْتِحْباب. والظاهرُ أن الأمرَ للوُجوبِ، وأنَّ (حتى) للغايةِ، فأمرَ اللهُ سبحانَهُ عبادَه الذين لا يَجِدون نِكاحاً أَنْ يَسْتَعْفِفُوا، فيَحْفظوا فُروجَهم عن الزنى إلى أن يُغْنِيَهم اللهُ من فضلهِ، ويكون مفهومُ الغايةِ أنَّ اللهَ سبحانَهُ إذا أَغْناه، فلا يَسْتَعْفِفْ، بل يطلبُ النكاحَ. وقد بينَ النبيُّ ﷺ ذلك. روينا في "الصحيحين" عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- قال: قالَ لنا رسولُ اللهِ ﷺ : "يا مَعْشَرَ الشَّبابِ! منِ اسْتَطاعَ مِنْكُمُ الباءَةَ فَلْيتَزَوَّجْ؛ فإنَّهُ أَغَضُّ للبَصَرِ، وأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فإنَّهُ لَهُ وِجاءٌ (١) " (٢) ولهذا قالَ جماعةٌ: النكاحُ أفضلُ من التَّخَلِّي للعبادَةِ (٣).

стр. 1421

* ثم أمرَ اللهُ الساداتِ بِمُكاتَبَةِ مَماليكِهِم إذا ابْتَغَوْها، وعلِموا فيهم خيراً، وقد اشتملَ أمرُ اللهِ تَعالى فيه على ثلاثةِ أحكامٍ: الحكم الأول: أمرُ اللهِ تَعالى بالكِتابة: من أهلِ العلمِ مَنْ أطلقَه على الوُجوبِ والحَتْمِ، وهو قولُ عَطاءٍ (١)، وأبي حنيفةَ، وبعضِ المالكيةِ (٢)، وحَمَلهُ الجُمهورِ على النَدْب (٣)؛ لأنَّه لا يجبُ على السيِّدِ أن يعتقَ مملوكَه، ولا أن يبيعَهُ، والكتابةُ عِتْقٌ أَو بَيْعٌ، وإلى هذا ذهبَ مالكٌ والشافعيُّ (٤). الحكم الثاني: الخيرُ لفظٌ مشتركٌ يقع على الخِيار، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٧]. ويقع على المال، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقال اللهُ تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]. ويقع على الصَّلاح، قال اللهُ تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ

стр. 1422

تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]. ويقعُ على المنفعةِ، قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦]، أي: منفعةٌ وأجرٌ. * وقد اختلف أهلُ العلم بالقرآنِ في المرادِ بالخيرِ هنا: فقال قومٌ: هو الصَّلاحُ والدِّينُ (١). وقال جُمهورُهم: هو المالُ، قال عبدُ الملكِ بنُ جُرَيْجِ: قلتُ لعطاءٍ: ما الخيرُ، المالُ أو الصلاحُ أم كل ذلكَ؟ فقالَ: ما نراهُ إلَّا المالَ، قال: فإن لم يكنْ عندَهُ مالٌ، وكان رَجُلَ صِدْقٍ؟ قال: ما أحسِبُ خَيْراً إلا المالَ، كائنةً أخلاقُهم ما كانتْ (٢). قال مجاهدٌ: إن علمتُم فيهم خيراً: المالُ، كائنةً أخلاقُهم وأديانُهم ما كانَتْ (٣). وذهب الشافعيُّ إلى أنه الكَسْبُ والأَمانَةُ (٤). ومفهومُ الشرطِ أَنَّا إذا لم نعلمْ فيهم خيراً، لا نكاتِبُهم وجُوباً ولا استِحْباباً، وأما مُكاتَبَتُهم جَوازاً، فلا حَجْرَ فيها، ولا مَنع منها، لكن كَرِهَ مالكٌ مُكاتبةَ الجاريةِ التي لا كَسْبَ لها؛ مخافة الزنى عليها، وهذا من بابِ عملِه بالمَصالحِ (٥).

стр. 1423

نعمْ أنكرَ بعضُهم كتابةَ التي لا حِرْفَةَ لَها، ولا كَسْبَ؛ خشيةَ المَسْأَلةِ، وهذا استِحْسانٌ مردودٌ بإقرارِ النبيِّ ﷺ لِكِتابة بَرِيْرَةَ، وقد أَتَتْ عائشةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها - تسألُها المُعاونةَ في كتابَتِها (١). الحكم الثالث: أمرَ اللهُ سبحانه بإيتائهم من مالِ اللهِ. فقالَ طائفةٌ من أهلِ العلم بإطلاقِهِ للوجوب، ثم اختلفوا: فقال بعضُهم: يتقدَّرُ بالربع، ويروى عَنْ عَلِيٍّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - (٢). وقالَ بعضُهم: لا يتقدَّرُ، بلِ الواجبُ أَقَلُّ مالٍ (٣)، وهو الظاهِرُ من إطْلاقِ الخطاب. وقالَتْ طائفةٌ: لا يجبُ على الساداتِ للمكاتَبِ شَيْءٌ، فمنْ هؤلاءِ من حملَ الأمرَ على الاستحبابِ، ومنهم مَنْ جعلَ الخِطابَ لِذَوي الأموالِ غيرِ السادات، وحملَ الأمرَ على الوجُوب في إيتائهم من الصدقاتِ (٤). وهذا التأويلُ بعيدٌ؛ لأن الصحابةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم -، وهم أعرفُ بموارِدِ التأويلُ وَضَعوا عنِ المكاتَبِ، فكاتَبَ ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما - عَبْداً بخمسةٍ وثلاثين ألفاً، ووضعَ عنهُ خمسةَ آلاف (٥)، ووَضَع عمرُ

стр. 1424

وابنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما - عن المكاتَب. * إذا تَمَّ هذا، فظاهرُ إطلاقِ الخطاب يقتضي أنَّ كتابةَ العَبْدِ المراهِق إذا كان فيهِ خيرٌ جائزةٌ، وبهذا قالَ أبو حنيفةَ (١). واشترطَ الشافعيُّ البُلوغَ كسائِرِ العُقودِ (٢). وعن مالكٌ قَوْلانِ كالمَذْهبين (٣).

стр. 1425

(من أحكام الاستئذان) ٢١٣ - (١٣) قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ٥٨]. أقول: لَمَّا لطفَ اللهُ سبحانه بالمؤمنين، ورفعَ عنهم الحَرَجَ والجُناح، أباحَ لهم ولِمَنْ كان في تأديبهم من الصِّبيان والمَماليك أن يَلِجوا عليهم من غيرِ استئذانٍ؛ بخلافِ الأحرارِ البالغينِ؛ لِمَشَقَّةِ الاحترازِ منهم؛ لكثرةِ طوافِهم، ولم يحظرْ عليهم إلا في ثلاثةِ أوقاتٍ كما بَيَّنَها اللهُ تعالى، وأشار إلى علتها بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨] الآية. وهذه الأوقاتُ تُكْشَفُ فيها العوراتُ غالباً، وتقلُّ الحاجةُ إلى تطوافِ الصِّبيانِ والخَدَمِ، وتعدمُ المشقةُ التي هي سببُ رفعِ الجُناح، وقد تقدَّم شيءٌ من الكلامِ على أحكامِ العبيدِ والصِّبيانِ. وقد اختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في هذه الآيةِ لَمّا قَلَّ عَمَلُ الناسِ بها.

стр. 1426

روي عن ابنِ عباسٍ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، ويحيى بنِ يعمرَ: أنهم قالوا: ثلاثُ آياتٍ من كتاب اللهِ لا يرى أحدٌ العملَ بها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨] الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٨] الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) [الحجرات: ١٣]. فقال أبو قِلابَةَ: الأمرُ فيها على النَّدْبِ والاستحبابِ (٢). وقال غيرُه: بل الأمرُ فيها للوجوب (٣). ثم اختلفَ هؤلاء: فقال قومٌ: هي منسوخةٌ (٤)، ويحكى عن ابن المسيِّبِ (٥). وذهبَ أكثرُهم إلى أنها محكمةٌ (٦). ثم اختلفَ هؤلاءِ أيضاً: فقال قومٌ شُرِعَ هذا الحكمُ لمعنَى، وقد زالَ ذلكَ المعنى، فزالَ هذا الحُكْمُ لِزوالِه. سئلَ ابنُ عباس -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- عن هذه الآية، فقال: لا يُعْمَلُ

стр. 1427

بها اليومَ، وذلكَ أن الناس كانوا لا سُتِرَةَ لهم، ولا حِجابَ، فربما دخلَ عليهِمُ الخدمُ والولدُ وهم في حالِ الجِماع، فأمرَ اللهُ جَل ذِكْرُهُ بالاستئذانِ في هذه الأوقاتِ المذكورةِ، ثم جاءَ اللهُ سبحانه بالسَّتْرِ، وبسطَ الرزقَ، فاتخذَ الناس الأبوابَ والسُّتورَ، فرأى الناس ذلكَ كَفاهم عنِ الاستئذانِ الذي كانوا أمروا به (١). وكذا قالَ مالك لما سُئِلَ عن الآيةِ. وفالَ أكثرُهم: حكمُ هذهِ الآيةِ باقٍ لم يُنْسَخْ، ولم يزلْ (٢). وقال الشعبيُّ: ليستْ هذهِ الآيةُ منسوخةَ، فقيلَ لَهُ: إن الناس لا يعملونَ بها، فقال: اللهُ المُستعانُ (٣). * فإن قلتم: فالصبي ليسَ منْ أهلِ التكليفِ، فَلِمَ كَلَّفَهُ اللهُ سبحانَهُ الامتناعَ، وألزمَهُ الاستئذان؟ قلنا: التكليفُ والخطابُ مصادمٌ للأولياءِ، لا للصبيانِ والخَدَمِ، فيجبُ على الولي تأديبُ الصبيّ كما بيَّنَهُ اللهُ سبحانهٌ هنا، وبيَّنَهُ رسولُ الله ﷺ ؛ حيثُ قالَ: "مُرُوهُم بالصَّلاةِ لسَبعٍ، واضرِبوهُم على تَركِها لِعَشْرٍ" (٤)، فهو

стр. 1428

داخلٌ في خطابِ التأديبِ، خارجٌ من خطابِ التكليفِ والتأثيمِ. ثم بيَنَ اللهُ سبحانَهُ أحكامهم إذا بَلَغُوا الحُلُمَ، وأَنَّهم كالبالغين فيما تقدَّمَ منَ الأحكام. ٢١٤ - (١٤) قوله : ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٠]. * اتفقَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ على إِحكام هذهِ الآيةِ، حتى رُوي عنِ ابنِ عباسٍ أَنَّها ناسخةٌ للآيةِ الأخرى (١)، والذي يقتضيهِ النظرُ أنها غيرُ ناسخةٍ إلا أن يَثْبُتَ بتوقيفٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ . وقد قَدمتُ كيفيةَ الجَمع بينهما، وأن حكمَ هذه مختصٌّ بالقواعِد، مُخْتَصٌّ بحالةِ الاختيارِ، وأن تلكَ الآيةَ مختصَّةٌ بالشوابِّ، مختصَّةٌ بحالةِ الحاجةِ والاضْطِرار. وكذا ما رَوَتْهُ عائشةُ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها-: أَنَّ أسماءَ بنتَ أبي بكرٍ دخلَتْ على النبى ﷺ ، وعليها ثيابٌ رِقاقٌ، فأعرضَ عنها رسولُ اللهِ ﷺ ، وقال: "يا أَسْمُاء! إنَّ المرأةَ إذا بلغَتِ المَحيضَ لَمْ يَصلُح أَنْ يُرَى مِنْها إلَّا هذا وهذا"، وأشارَ إلى وجهِهِ وكَفيْه (٢)، مختصّ بحالةِ الحاجةِ إلى رُؤْيتها.

стр. 1429

فإنْ قلتَ: فهل نجدُ دليلاً على التفرقِة بينَ الشابَّة والعَجوزِ مُوافِقاً لهذهِ الآيةِ من كتابٍ أو سنَّةٍ؟ قلتُ: نعم: أما دلالةُ الكتابِ، فإن الله سبحانَهُ لَمَّا أَحَل للنساءِ الشواب أن يُبْدِيْنَ زينتهُنَّ لغيرِ ذَوي الإِرْبَةِ منَ الرجال؛ كالشيخِ المُسِن، والمَعتوهِ، والمُغَفَّلِ الذي قعدَ عن النكاحِ وَيئسَ منه، فكذلكَ العجوزُ مثلُ الشيوخِ في العَكْس، كما ذكرَ اللهُ سبحانه حُكْمَهُ هنا. وأما دلالةُ السنَّةِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ لما أمرَ فاطمةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ تعتدَّ عندَ أُمَّ شَريكٍ، وكانَتْ من القَواعِدِ، قالَ لها: "تلْكَ امرأةٌ يَغْشاها أَصحابي"، فأمرَها أن تعتدَّ عندَ ابنِ أُمّ مكتومٍ (١)، ففرَّقَ بينَ العَجوزِ والشابةِ، ولم يجعلْ عليها جُناحاً في غِشْيانِ أصحابِه إيّاها، ولو كانَتْ شابَّهً كفاطِمَةَ، لَمَا غَشِيَها أصحابُه، واللهُ أعلمُ. ٢١٥ - (١٥) قوله جَلَّ ثَناؤُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور: ٦١].

стр. 1430

* كان المسلمونَ يخرجون إلى الغزوِ، ويدفعونَ مفاتيحَ بُيوتهم إلى الزّمنَى الذين لا يخرُجونَ، ويقولون لهم: أَخلَلْنا لكم أن تأكُلوا مِمّا فيها، فكانوا يَتَوَقَّوْنَ ذلك، ويقولون: نَخْشى ألا تكون أَنْفُسُهم بذلك طَيِّبَة، فأنزلَ اللهُ تعالى هذهِ الآيةَ يُحِلُّ لهم ذلكَ، وهذا تفسير مرويٌّ عن عائشةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها، وقالَهُ ابنُ المُسَيِّبِ (١). وأراد بقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] أي: بيوتِ أولادِكُم، فجعلَ بيوتَ أولادِهم بيوتَهم؛ لأنَّ ولدَ الرجلِ من كَسْبِه، وبقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور: ٦١] الزمنَى الذين كانوا يَخْزُنون للغزاة، فيحلُّ للرجلِ أن يأكلَ من مالِ أخيهِ وقريبهِ وصديقهِ ما أُذِنَ له فيه، وما لم يُؤْذَنْ إذا علمَ أَنَّ نفسَهُ تطيبُ بذلك. وقيل: إن المسلمين لما تَحَرَّجوا من مُؤَاكَلَةِ الأعمى والأعرج والمريضِ عندَ نُزولِ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقالوا: إنَّ الطعامَ من أفضلِ الأموال؛ لأنه به تقومُ الهياكلُ، وإن الأعمى لا يرى أطايبَ الطعامِ، وإن الأعرجَ لا يتمكَّنُ في المجلسِ، فيهنأ بأكلِه، وإن المريضَ لا يسهلُ لهُ الأكلُ والبَلْعُ، أنزلَ اللهُ تعالى هذه الآيةَ، ويكونُ التأويلُ: ليس على مُؤاكِلِ الأَعْمى حَرَجٌ، وهذا تفسيرٌ يُروى عنِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- (٢).

стр. 1431

وأمرَ اللهُ سبحانَهُ المؤمنينَ بالسلامِ على أَنْفُسِهم: قيل: معناه: فليسلم بعضُكم على بَعْض (١)، فَبِهذا التقييدِ يخرجُ المشركُ، فلا يُسَلَّمُ عليه؛ كما في قولي تَعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧]. وقيل: إذا دخلتُم بيوتًا خالية، فَلْيَقُلِ الداخلُ: السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين (٢).

стр. 1432

سُورَةُ القَصَصِ

стр. 1433

(من أحكام النكاح) ٢١٦ - (١) قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ [القصص: ٢٧]. سيأتي الكلامُ على هذه الآيةِ عندَ الكلامِ على قِصَّةِ أيوبَ ﵊.

стр. 1434

سُورَةُ الأَحْزَابِ

стр. 1435

(من أحكام المواريث والولاية) ٢١٧ - (١) قوله ﷻ : ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]. * اشتملتْ هذهِ الآيةُ على ثلاثِ جُمَلٍ: أما الجملة الأولى، فهي تكذيبٌ لِمَنْ قالَ من كُفّارِ قريشٍ (١): إنَّ لي قَلْبَيْن، أَفهمُ بكلِّ واحد منهما أكثرَ مِمَّا يَفهمُ مُحَمَّد. وأما الجملة الثانية، فهي رَدٌّ لِما كانوا عليه من طَلاق الجاهِلِيَّةِ بالظِّهار، وسيأتي حكمُ الظِّهار -إنْ شاءَ اللهُ تعالى-. وأما الجملة الثالثة، فهي رَدّ لِما كانوا عليه من التوارُثِ بالتَّبَنِّي، فأبطلَ اللهُ سبحانَه أَنْ يكونَ ابنُ التبني كابنِ النسبِ، فلا يرثُ واحدٌ منهما الآخَرَ، ولا يحرمُ عليه محارمَهُ، ولا منكوحَتَه؛ كما قالَ تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. * ثم أمرَ اللهُ سبحانَهُ بدعائِهم إلى آبائِهم، وجعلَ الجُناحَ في دُعائهم

стр. 1436

بأبِ التبنِّي، إلا أنْ يكونَ على وَجْهِ الخَطَأ، أو يقولَ الرجلُ للآخر: يا بني! على وَجْهِ اللُّطْفِ والشفقةِ، فقال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. * وكما حَرَّمَ اللهُ تعالى أن يتبنَّى مَنْ ليسَ بولدٍ لهُ، حَرَّمَ على المَرء أن ينتسب لغير (١) أبيه. روى واثِلَةُ بنُ الأَسْقَع -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أن النبيَّ ﷺ قال: "إِنَّ أَفْرى الفِرى مَنْ قَوَّلَنِي ما لم أَقُلْ، ومَنْ أَرَى عَيْنَيْهِ ما لَمْ تَرَ، ومن ادَّعَى إلى غيرِ أبيهِ" (٢). ٢١٨ - (٢) قوله ﷻ : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦]. أقولُ: اشتملتْ هذهِ الآيةُ على ثلاثةِ أحكام: الحكم الأول: جعلَ اللهُ سبحانَه نبيَّه ﷺ أَوْلى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهم، فإذا دَعاهُم إلى شيءٍ، ودَعَتْهم أَنْفُسُهم إلى شيءٍ آخرَ، كانَتْ طاعةُ النبيِّ ﷺ أَوْلى؛ كما قالَ تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فكان نزولُها

стр. 1437

في عبدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ وأُخْتِهِ زينبَ لَمّا خطبَها رسولُ اللهِ ﷺ لمولاهُ زيدِ بنِ حارِثةَ، وكَرِها ذلك (١). * وبينَ النبيُّ ﷺ الأَوْلَوِيَّةَ هذه (٢)، وأنّها في البِرِّ والإحسانِ، لا في الميراثِ لأموالهم. روى أبو هُريرةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أن النبيَّ ﷺ قالَ: "ما مِنْ مُؤمنٍ إلَّا وَأَنا أَوْلى النَّاس بهِ في الدُّنْيا والآخرة، اقْرَؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، فَأَيُّما مُؤْمنٍ تَرَكَ مالاً، فَلْتَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كانوا، وإنْ تَرَكَ دَيْناً أو ضَياعاً، فَلْيَأتِني، وَأَنا مَوْلاهُ" (٣). * وكما خَصَّهُ اللهُ الكريمُ بهذا المَقام الشَّريفِ الأَغلى؛ لكمالِ رحمتِه لهم، وتمامِ شفقتِه عليهم، جعلَ المؤمنينَ في بِرِّهم وإحسانِهم أَوْلى بالنبيِّ ﷺ منْ أنْفُسِهم؛ تعظيماً لحرمتِه، وإجلالاً لِقَدرِه؛ كما بينَهُ ﷺ فقال: "لا يُؤمنُ عَبْدٌ حَتَّى أكونَ أَحَبَّ إليهِ منْ أهلِه ومالِه ووَلَد والنَّاسِ أجمعين" (٤). ويندرجُ في هذا الأصلِ فروع ذكرَها الشافعيةُ: الأول: يجب على كلِّ أحدٍ (٥) بَذْلُ نفسِه دُونَهُ لِمَنْ قَصَدَهُ، وإن عَلِمَ أنهُ

стр. 1438

هالِكٌ، وقد فعلَ ذلكَ مَنْ حضرَ عندَه من أصحابِه يومَ أُحُدٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم-. الثاني: يجبُ على مالكِ الطعامِ بَذْلُه للنبيِّ ﷺ وإيثارُهُ به، وإنْ كانَ محتاجاً إليه. الثالث: يجبُ على المرأةِ إجابتهُ إلى نِكاحِها إذا رَغِبَ فيها. وفي وَجْهٍ: لا يجبُ، وهو ساقِط، لا ينبغي حكايَته، وهذا الفَرْعُ مندرج في الأَصلِ الأَوَّلِ أيضاً (١). الرابع: يحرمُ خِطْتةُ مرْغوبَتِهِ، وإنْ لم يَخْطِبْها. الخامس: يجِبُ على الزوجِ طلاقُ زوجَتِه إذا رَغِبَ فيها، على الصحيح. وفي وَجْهٍ: لا يجبُ، وهو ضعيفٌ باطل (٢). الحكم الثاني: جعلَ اللهُ سبحانَه أزواجَه أمهاتِ المؤمنينَ، وسَمَّاهم بذلكَ تَشْريفاً وتكريماً لهنَّ، وتَعظيماً لحرمَتِهِن على المؤمنينَ، لا أنهُنَّ أمهات حقيقةً، فلا يُقال لبناتِهِن: إنهن أَخَواتُ المُؤْمنين، ولا يَحرمنَ على المُؤمنين؛ ولا يُقال لأزْواجِهَّن: إنهم آباءُ المؤمنين، ولا يقالُ لرسولِ اللهِ ﷺ : أبو المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، ولأنَّ الله سبحانَهُ رَزَقَهُ شَرَفاً أكثرَ من ذلكَ، وهو كونه أَوْلى بالمؤمنينَ مِنْ أَنْفُسِهم.

стр. 1439

ونقل عن بعضِ الشافعيةِ (١) أنه يجوزُ أن يُقالَ: أبو المؤمنين، ومعنى الآيةِ ليسَ أحدٌ منْ رجالِكُم وَلَدَ صُلْبِه (٢). * وهل يجوزُ أن يقالَ لهنَّ: أُمَّهاتُ المؤمنات؟ فيه خلافٌ حكاهُ الماورديُّ في "تفسيره" (٣)، وقال البغويُّ: كُلُّهُنَّ أُمَّهاتُ المؤمنينَ منَ الرجالِ دُونَ النساءِ (٤)، ورُوي ذلكَ عنْ عائشةَ -رضيَ الله تعالى عنها- (٥)، وسار هذا الخلافُ في دخول النساءِ في خطابِ الرجال (٦). الحكم الثالث: جعلَ اللهُ سبحانَهُ أُولي الأرحامِ بعضُهم أَوْلى ببعض من المهاجرين والأنصار، وهذا يبطل التوارُثَ (٧) بالمهاجرةِ والمؤاخاةِ في الإسلامِ الذي ذكرهُ اللهُ تعالى في آخِرِ "سورةِ الأنفالِ" و"النساءِ"، إلا أَنْ يُوصوا لأوليائهم بشيء، فإنه معروفٌ وبِرٌّ. وبين اللهُ سبحانَهُ مراتبَ ذَوي الأرحامِ، ومقاديرَ أَنْصِبائِهم في "سورةِ النساء".

стр. 1440

* فإن قلتَ: أولو الأرحامِ لفظٌ يقع (١) على الأولادِ والوالدينِ والإخوةِ وغيرِهم من العَصَبات، ويقعُ على الخالِ والخالةِ والعمَّةِ وغيرِهم، وهذه الآيةُ تدلُّ على أنَّ لهم حَقًّا، وأن مَرتبًتَهم بعدَ الأولادِ والوالدينِ والإخوة والعَصَبَةِ، فيكون الله سبحانه قد ذكر في سورة النساء مراتب ذوي الأرحام من الأولاد والوالدين والإخوة نصاً، وذكرَ غيرَهُم من ذوي الأرحام عُموماً. قلتُ: هذا سؤالٌ حسنٌ، واستدلالٌ قوي، ولأجلِ هذا ذهب الكوفيون إلى تَوْريثهم، وقالَ به أحمدُ، وإسحاقُ، والمُزَنيُّ، وابنُ سريج. وروي عن كثيرٍ من الصحابةِ كعمرَ، وعلى، وعائشةَ، وابن مسعود، ومُعاذٍ، وأبي الدَّرداءِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم-. وذهبَ الحجازيونَ إلى عدمِ توريثهِم، وبه قالَ مالكٌ والشافعيُّ، ويروى عن أبي بكرٍ، وزيدِ بنِ ثابت، وابنِ عمرَ، ورُوي عن عَلِيٍّ أيضاً -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- (٢). وأجابوا عن الآيةِ بأنَ الرَّحِمَ مُجْمَلٌ، وليسَ ببيِّنٍ، فيرجعُ في بيانِه إلى غيرِه، وقد بيَنَهُ اللهُ سبحانَهُ، ورسولهُ ﷺ ، وأنَّ المعنى: وأُولو الأرحامِ بعضُهم أولى ببعضِ على ما فَرَضَ اللهُ تَعالى، وبينَ رسولُه ﷺ ؛ بدليلِ الإجماعِ على توريثِ الزوجِ والزوجةِ والمَوْلى، وليسوا بِذَوي رحم.
следующие страницы →