← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

بأبِ التبنِّي، إلا أنْ يكونَ على وَجْهِ الخَطَأ، أو يقولَ الرجلُ للآخر: يا بني! على وَجْهِ اللُّطْفِ والشفقةِ، فقال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. * وكما حَرَّمَ اللهُ تعالى أن يتبنَّى مَنْ ليسَ بولدٍ لهُ، حَرَّمَ على المَرء أن ينتسب لغير (١) أبيه. روى واثِلَةُ بنُ الأَسْقَع -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أن النبيَّ ﷺ قال: "إِنَّ أَفْرى الفِرى مَنْ قَوَّلَنِي ما لم أَقُلْ، ومَنْ أَرَى عَيْنَيْهِ ما لَمْ تَرَ، ومن ادَّعَى إلى غيرِ أبيهِ" (٢). ٢١٨ - (٢) قوله ﷻ : ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦]. أقولُ: اشتملتْ هذهِ الآيةُ على ثلاثةِ أحكام: الحكم الأول: جعلَ اللهُ سبحانَه نبيَّه ﷺ أَوْلى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهم، فإذا دَعاهُم إلى شيءٍ، ودَعَتْهم أَنْفُسُهم إلى شيءٍ آخرَ، كانَتْ طاعةُ النبيِّ ﷺ أَوْلى؛ كما قالَ تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، فكان نزولُها

стр. 1437

في عبدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ وأُخْتِهِ زينبَ لَمّا خطبَها رسولُ اللهِ ﷺ لمولاهُ زيدِ بنِ حارِثةَ، وكَرِها ذلك (١). * وبينَ النبيُّ ﷺ الأَوْلَوِيَّةَ هذه (٢)، وأنّها في البِرِّ والإحسانِ، لا في الميراثِ لأموالهم. روى أبو هُريرةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أن النبيَّ ﷺ قالَ: "ما مِنْ مُؤمنٍ إلَّا وَأَنا أَوْلى النَّاس بهِ في الدُّنْيا والآخرة، اقْرَؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، فَأَيُّما مُؤْمنٍ تَرَكَ مالاً، فَلْتَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كانوا، وإنْ تَرَكَ دَيْناً أو ضَياعاً، فَلْيَأتِني، وَأَنا مَوْلاهُ" (٣). * وكما خَصَّهُ اللهُ الكريمُ بهذا المَقام الشَّريفِ الأَغلى؛ لكمالِ رحمتِه لهم، وتمامِ شفقتِه عليهم، جعلَ المؤمنينَ في بِرِّهم وإحسانِهم أَوْلى بالنبيِّ ﷺ منْ أنْفُسِهم؛ تعظيماً لحرمتِه، وإجلالاً لِقَدرِه؛ كما بينَهُ ﷺ فقال: "لا يُؤمنُ عَبْدٌ حَتَّى أكونَ أَحَبَّ إليهِ منْ أهلِه ومالِه ووَلَد والنَّاسِ أجمعين" (٤). ويندرجُ في هذا الأصلِ فروع ذكرَها الشافعيةُ: الأول: يجب على كلِّ أحدٍ (٥) بَذْلُ نفسِه دُونَهُ لِمَنْ قَصَدَهُ، وإن عَلِمَ أنهُ

стр. 1438

هالِكٌ، وقد فعلَ ذلكَ مَنْ حضرَ عندَه من أصحابِه يومَ أُحُدٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم-. الثاني: يجبُ على مالكِ الطعامِ بَذْلُه للنبيِّ ﷺ وإيثارُهُ به، وإنْ كانَ محتاجاً إليه. الثالث: يجبُ على المرأةِ إجابتهُ إلى نِكاحِها إذا رَغِبَ فيها. وفي وَجْهٍ: لا يجبُ، وهو ساقِط، لا ينبغي حكايَته، وهذا الفَرْعُ مندرج في الأَصلِ الأَوَّلِ أيضاً (١). الرابع: يحرمُ خِطْتةُ مرْغوبَتِهِ، وإنْ لم يَخْطِبْها. الخامس: يجِبُ على الزوجِ طلاقُ زوجَتِه إذا رَغِبَ فيها، على الصحيح. وفي وَجْهٍ: لا يجبُ، وهو ضعيفٌ باطل (٢). الحكم الثاني: جعلَ اللهُ سبحانَه أزواجَه أمهاتِ المؤمنينَ، وسَمَّاهم بذلكَ تَشْريفاً وتكريماً لهنَّ، وتَعظيماً لحرمَتِهِن على المؤمنينَ، لا أنهُنَّ أمهات حقيقةً، فلا يُقال لبناتِهِن: إنهن أَخَواتُ المُؤْمنين، ولا يَحرمنَ على المُؤمنين؛ ولا يُقال لأزْواجِهَّن: إنهم آباءُ المؤمنين، ولا يقالُ لرسولِ اللهِ ﷺ : أبو المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، ولأنَّ الله سبحانَهُ رَزَقَهُ شَرَفاً أكثرَ من ذلكَ، وهو كونه أَوْلى بالمؤمنينَ مِنْ أَنْفُسِهم.

стр. 1439

ونقل عن بعضِ الشافعيةِ (١) أنه يجوزُ أن يُقالَ: أبو المؤمنين، ومعنى الآيةِ ليسَ أحدٌ منْ رجالِكُم وَلَدَ صُلْبِه (٢). * وهل يجوزُ أن يقالَ لهنَّ: أُمَّهاتُ المؤمنات؟ فيه خلافٌ حكاهُ الماورديُّ في "تفسيره" (٣)، وقال البغويُّ: كُلُّهُنَّ أُمَّهاتُ المؤمنينَ منَ الرجالِ دُونَ النساءِ (٤)، ورُوي ذلكَ عنْ عائشةَ -رضيَ الله تعالى عنها- (٥)، وسار هذا الخلافُ في دخول النساءِ في خطابِ الرجال (٦). الحكم الثالث: جعلَ اللهُ سبحانَهُ أُولي الأرحامِ بعضُهم أَوْلى ببعض من المهاجرين والأنصار، وهذا يبطل التوارُثَ (٧) بالمهاجرةِ والمؤاخاةِ في الإسلامِ الذي ذكرهُ اللهُ تعالى في آخِرِ "سورةِ الأنفالِ" و"النساءِ"، إلا أَنْ يُوصوا لأوليائهم بشيء، فإنه معروفٌ وبِرٌّ. وبين اللهُ سبحانَهُ مراتبَ ذَوي الأرحامِ، ومقاديرَ أَنْصِبائِهم في "سورةِ النساء".

стр. 1440

* فإن قلتَ: أولو الأرحامِ لفظٌ يقع (١) على الأولادِ والوالدينِ والإخوةِ وغيرِهم من العَصَبات، ويقعُ على الخالِ والخالةِ والعمَّةِ وغيرِهم، وهذه الآيةُ تدلُّ على أنَّ لهم حَقًّا، وأن مَرتبًتَهم بعدَ الأولادِ والوالدينِ والإخوة والعَصَبَةِ، فيكون الله سبحانه قد ذكر في سورة النساء مراتب ذوي الأرحام من الأولاد والوالدين والإخوة نصاً، وذكرَ غيرَهُم من ذوي الأرحام عُموماً. قلتُ: هذا سؤالٌ حسنٌ، واستدلالٌ قوي، ولأجلِ هذا ذهب الكوفيون إلى تَوْريثهم، وقالَ به أحمدُ، وإسحاقُ، والمُزَنيُّ، وابنُ سريج. وروي عن كثيرٍ من الصحابةِ كعمرَ، وعلى، وعائشةَ، وابن مسعود، ومُعاذٍ، وأبي الدَّرداءِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم-. وذهبَ الحجازيونَ إلى عدمِ توريثهِم، وبه قالَ مالكٌ والشافعيُّ، ويروى عن أبي بكرٍ، وزيدِ بنِ ثابت، وابنِ عمرَ، ورُوي عن عَلِيٍّ أيضاً -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- (٢). وأجابوا عن الآيةِ بأنَ الرَّحِمَ مُجْمَلٌ، وليسَ ببيِّنٍ، فيرجعُ في بيانِه إلى غيرِه، وقد بيَنَهُ اللهُ سبحانَهُ، ورسولهُ ﷺ ، وأنَّ المعنى: وأُولو الأرحامِ بعضُهم أولى ببعضِ على ما فَرَضَ اللهُ تَعالى، وبينَ رسولُه ﷺ ؛ بدليلِ الإجماعِ على توريثِ الزوجِ والزوجةِ والمَوْلى، وليسوا بِذَوي رحم.

стр. 1441

وهذا الجوابُ مدخولٌ، فلهم أن يقولوا: الرحم ليسَ بمجملٍ، بل هو عامّ بين في لسانِ العربِ، وإنما المُجْمَلُ المراتِبُ التي أرادَها اللهُ سبحانَه لَمّا عَلِموا أنَّ استحقاقَ الإرثِ يختصُّ به بعضُ الرحمِ دونَ بعضٍ، فَبيَنَ اللهُ سبحانه مَراتِبَ الأَقْربينَ، ومقاديرَ أَنْصِبائِهم أيضاً (١). وبَيَّنَ النبيُّ ﷺ معَ كتابِ اللهِ سبحانه أَنَّ "ما أبْقَتِ الفرائضُ فَلأَولى عَصَبةٍ ذَكرٍ" (٢). وأما توريثُ الزوجِ والزوجةِ، فإن الله سبحانه أدخلَهم وأَشْرَكَهم مع أُولي الأَرحام، وكذا المَوْلى بَيَّنَ النبيُّ ﷺ أنه داخل في التوريثِ، وأنَّ الوَلاءَ لُحمَة كَلُحمَةِ النَّسَبِ، لا تبُاع ولا تُوَرَّثُ (٣)، وقالَ ﷺ : "إنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (٤)، فَخَصَّ الكتابُ والسنَّةُ عُمومَ الكتابِ، والمعنى: وأُولو الأرحامِ بعضُهم أَوْلى ببعضٍ ما لم يكنْ معهُم زوج ولا زوجة ولا مَوْلًى. وهذا الجوابُ في المَوْلى على رأيِ الكوفيين. وأما على مذهبِ الصَّحابةِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم-، فلا يلزمُ الاعتراضُ بالمَوْلى؛ لأن ذا الرَّحِمِ عندَهُم مُقَدَّمٌ على الوَلاء عَلى مُقْتَضى الخِطاب في التَّنْزيلِ، فعن إبراهيمَ قال: كانَ عمرُ وعبدُ الله يُوَرِّثانِ الأرحامَ دُونَ المَوالي، وكان عَلِيّ أشدَّهم في ذلكَ (٥)، وأُتِي سُوَيْدُ بنُ غَفَلَةَ في ابنةٍ

стр. 1442

وامرأةٍ ومولًى، فقال: كان عليٌّ يعطي الابنةَ النصفَ، والمرأةَ الثمُنَ، ويردُّ ما بقيَ على الابنةِ (١). وأبو حنيفةَ وأصحابُه أحدَثوا قولاً ثالثاً. وأسَدُّ من هذا في الجواب، -والله أعلم- أن تقول: لَمَّا بَيَّنَ اللهُ سبحانَهُ الفرائضَ، بيَنَ أَهْلَها، وبينَ النبيُّ ﷺ ما لم يذكُرْهُ اللهُ تعالى، فقالَ: "أَلْحِقُوا الفَرائِضَ بأَهْلِها، فَما تقِيَ فَلأَولَى عَصَبة ذَكر" (٢)، ثم لم يقلْ بعد ذلكَ: فإن لم يكنْ عصبةٌ ذكرٌ، فذو (٣) عصبةٍ أنثى، ولا لِذَوي رحمٍ، ولو كانَ ذلك مُراداً بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، لَبينَهُ النبيُّ ﷺ عنِ اللهِ سُبحانهُ؛ لِما فرضَ عليهِ من بيانِ ما أنزلَ إليهِ. فإن قلت: فقد بَيَّنَ النبي ﷺ : توريثَهم، فروى واسعُ بنُ حَبّانَ عنِ النبيِّ ﷺ أنهُ سألَ عاصمَ بنَ عدي عن ثابتِ بنِ الدحداحِ، وتُوُفِّيَ: "هل تَعلَمُونَ لَهُ نَسَباً فيكُم؟ "، فقال: لا، إنما هو أَتِيٌّ فينا، فقضى رسولُ الله ﷺ بميراثِه لابنِ أختِه (٤). وروى المِقْدادُ الكِنْدِيُّ عنِ النبي ﷺ : "أنا وارِثُ مَنْ لا وارِثَ لَهُ، أَعْقِلُ عَنْهُ، وَأَرِثُهُ، والخالُ وارِثُ مَنْ لا وارِثَ لَهُ، يَعْقِلُ عنهُ ويَرِثُهُ" (٥).

стр. 1443

وروي عن عمرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه-: أنه كتبَ إلى أبي عُبَيْدَةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- في غُلامٍ أصابَهُ سهمٌ فقتلَهُ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يقولُ: "اللهُ ورَسُولُه مَوْلَى مَنْ لا مَوْلَى لَهُ، والخالُ وارِثُ مَنْ لا وارِثَ لَهُ" (١). ورويَ نحوُه عن عائشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها (٢). قلنا: أما حديثُ واسعٍ، فقالَ الشافعيُّ -رحمه اللهُ تعالى-: ثابتُ بنُ الدّحْداحِ قُتِل يومَ أُحُدٍ قبلَ أَنْ تنزلَ الفرائِضُ، وإنما نزلتِ الفرائضُ فيما بينت أصحابنا في بنات محمودِ بنِ مَسْلَمَةَ، وقُتِلَ يومَ خَيْبَر، وقد قيل: نزلتْ بعدَ أُحُدٍ في بنات سعدِ بنِ الربيع، وهذا كلُّه بعدَ أمرِ ثابتٍ (٣). وكذلكَ آيةُ الصَّيْفِ (٤) نَزَلَتْ في جابرِ بنِ عبدِ الله لمّا قال:

стр. 1444

يا رسولَ الله! إنما يَرِثنُي كَلالَةٌ، وإنَّما قالَ هذا بعدَ أن قُتِلَ أبوه يومَ أُحُدٍ؛ بدليلِ قوله: وإنَّما يرثنُي كَلالَةٌ] (١) (٢). وهذا الجوابُ لا شِفاءَ فيه؛ لأن آياتِ الفرائضِ لا تُعارِضَ قضاءَ النبيّ ﷺ حتى تنسَخَهُ؛ فإنَ النبي ﷺ لم يقضِ بميراثِه لابنِ أختِهِ إلَّا بعدَ أَنْ سألَ عَنْ نَسَبه، فَقَضاؤه لا يخالِف القرآنَ، ولا يُعارضُه، والأحسنُ أن يقال: إنه مرسَلٌ. وأما حديثُ المِقدادِ، فقدْ كانَ يَحيى بنُ معينٍ يُضعْفُه (٣). وأما حديثُ عمرَ، فقد قيلَ: إنه من بابِ اختيارِ الإمامِ، فكأنه اختارَ وَضْعَ مالِه فيه إذا لم يكنْ له وارثٌ سِواهُ، ورآهُ من المصلحةِ، وإن كانَ لا يستحق إرثاً (٤)؛ كما رويَ عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها-: أنَّ رجلاً وقعَ من نَخْلَةٍ، فماتَ وتركَ شيئا، ولم يَدَعْ ولداً ولا حَميماً، فقالَ النبي ﷺ : "أَعْطُوا ميراثَهُ رَجُلاً منْ أهلِ قَرابَتِهِ" (٥). وهذا الجوابُ فاسِدٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أعطاهُ، وجعلَهُ وارثَ مَنْ لا وارِثَ لَهُ، فسمَّاهُ وارِثاً، وجعله مستحِقًّا. ورواه عمرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- من قولِ النبيّ ﷺ .

стр. 1445

وحديثُ عائشةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها- قَضِيةٌ في عَيْن، ولعلَّ الرجلَ قد كانَ معلوماً عندهم، فيحملُ مطلقُ حديثِ عائشةَ على مُقَيَّدِ حديثِ عمرَ -رضيَ الله تعالى عنهم-، فإن صحَّ حديثُ عمرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه-، تَعَيَّنَ المَصيرُ إليه. وقد أرخيتُ القولَ في هذهِ المسألة لِعِظَمِ مَوْقِعِها، وشِدَّةِ الحاجةِ إليها. وقد عَلِمتَ منَ الآيةِ وَجْهُ الدلالةِ على الردِّ على ذَوي الفروض عندَ منْ يقولُ به ما خلا الزوجَ والزوجةَ، وهذا البيانُ كافٍ، واللهُ أعلمُ.

стр. 1446

(من أحكام الطلاق) ٢١٩ - (٣) قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]. أقول (١): هذا الحكمُ خاصٌّ بالنبي ﷺ ، أَوْجَبَ اللهُ سبحانَهُ عليه تخييرَ نِسائه بينَ اخْتِيارِه، وبينَ اختيارِ زينةِ الحياة (٢) الدنيا؛ تشريفاً لهُ ﷺ أن يتبرأ من منصبه العَلِيِّ، فإنْ أردْنَ الحياةَ الدنيا، وجبَ عليهِ طلاقُهُنَّ، وإن اختَرنه، فَلا يُطلَّقْنَ، بل يجب عليه إمساكُهن (٣)؛ كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- عند قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]. وحكيَ وجهٌ ضعيفٌ لبعضِ الشافعية: أنه مستحَبٌّ (٤)، وأن طلاقَ مَنْ كَرِهَتْ نِكاحَهُ تَكرُّمٌ (٥). وقد خَيَّرَهُنَّ رسولُ اللهِ ﷺ كما أمرَهُ اللهُ تعالى. قالت عائشةُ -رضيَ اللهُ تعالى عنها-: جاءني رسولُ اللهِ ﷺ

стр. 1447

أمرَهُ اللهُ أن يُخَيِّرَ أزواجَهُ، فبدأَ بي رسولُ اللهِ ﷺ ، فقال: "إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أَمْراً، فلا عَلَيْكِ أَنْ تَسْتعْجِلي حَتَّى تَسْتأمِرِي أبوَيْكِ"، وقد عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لم يكونا يأمُراني بِفراقِه، قالت: ثم قال: "إنَّ الله ﵎ قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨] "، إلى تمام الآيتين، فقلتُ: ففي أيَ شيءٍ أَستأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فما في أريدُ الله ورسولَهُ والدارَ الآخر (١). ولم يكنِ التخييرُ منه ﷺ طلاقاً مُعَلَّقاً باختيارِهِنَّ (٢). وهذا الحكمُ في النبيِّ ﷺ وأَمّا غيرُه فإنْ خَيَّرَ أَحدٌ منَ الناسِ زوجتَه، فقد اختلفَ السَّلَفُ فيه اخْتِلافاً كَثيراً (٣). فذهبَ عمرُ، وابنُ عباسٍ، وابنُ مسعودٍ، وعائشةُ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم-: إلى أنها إنِ اختارتْ نفسَها، فواحدةٌ، كان اختارتْ زوجَها، فلا شيءَ. قالت عائشةُ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها-: خَيَّرَنا رسولُ اللهِ ﷺ ، فاخترناه، أفكانَ ذلكَ طلاقاً (٤)، وبهذا قال الشافعيُّ. وذهبَ زيدُ بنُ ثابت إلى أنها إنِ اختارَتْ نَفْسَها، فثلاث، وإنِ اختارتْ زوجَها، فواحدةٌ، وهو أَحَقُّ بها، وجَعَلَ الطَّلاقَ مُعَلَّقاً باختيارِها، فإنِ

стр. 1448

اختارَتْهُ، بقيتِ الرجعةُ عليها من أجلِ اختيارِها له، وإن اختارَتْ نفسَها، فقد اختارَتْ حالةً لا سبيل لَهُ عليها، وهو قد جَعَل الخِيَرَةَ إليها، وهذهِ الحالةُ الثانيةُ التي تتمُّ بها اختيارَ نَفْسِها. ورويَ عنهُ: أَنَّها إنِ اختارَتْ نفسَها، فواحدةٌ أيضًا، وهو أحقُّ بها. وقالَ عَلِيٌّ: إنِ اختارَتْ زوجَها، فواحدةٌ، وهو أحق بها، وإن اختارَتْ نفسَها، فواحدةٌ بائِنَةٌ. ورويَ عنه: أَنَّها إنِ اختارَتْ نفسَها، فواحدةٌ بائنةٌ، وإن اختارَتْ زوجَها، فلا شيءَ، وكأنه لم يَجْعَلِ التخييرَ طلاقاً. ورُوي عنهُ مثلُ قولِ عمرَ وعائشة (١). * وقد ذكرتُ فبما تَقَدَّمَ اختلافَ الناسِ في وجوبِ المتعةِ للمَدخولِ بِها، ولا شَكَّ في أَنَّ أزواجَ النبى ﷺ اللَّاتي خَيرَهُن رسولُ اللهِ ﷺ كُنَّ مدخولاً بِهِنَّ، فيحتملُ أن يحملَ هذا الأمرُ على الاستِحبابِ، والظاهرُ أنه للوجوبِ؛ لأنَّ الله سبحانه أمرَهُ بالتخييرِ، وهو واجِبٌ، وأمرَهُ أن يُخَيرَهُنَّ بأنَّ ذلكَ جَزاؤُهُنَّ إنْ أَردنَ الحياةَ الدنيا. ثم يحتملُ أن يكونَ وجوبُ المتعةِ هُنا خاصّا به؛ لاقْتِرانها بخصائِصِه ﷺ . ويحتملُ أن يكونَ الوجوبُ عامًّا لَهُ ولسائرِ الأُمَّةِ؛ لأنَّ الله تَعالى قد أوجَبَها في غيرِ هذا المقامِ على المُطَلقين، وهو الراجِحُ (٢).

стр. 1449

٢٢٠ - (٤) قوله ﷻ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. * أقولُ: قد (١) شرعَ اللهُ سبحانَه في هذهِ الآيةِ في المرأةِ غيرِ الممْسوسَةِ ثلاثَةَ أحكامٍ، فأوقعَ عليها الطلاقَ، ولم يوجِبْ عليها العِدَّةَ، وأوجَبَ لها المُتْعَةَ. * أما الطلاقُ، فقد أجمعَ المسلمون على وقُوعِ الطلاقِ عليها إذا قالَ لها: أنتِ طالقٌ، فتطلُقُ واحدةً، وإذا قالَ: أنتِ طالقٌ ثلاثاً، فتقع ثلاثٌ عندَ من أوقعَ الثَّلاثَ. لما روي أن محمدَ بنَ إياسِ بنِ البُكَيْر جاءَ إلى عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ وعاصمِ بنِ عمرَ، فقالَ: إن رَجُلاً من أهلِ الباديةِ طَلَّقَ امرأتَهُ ثلاثاً قبلَ أن يَدخُلَ بها، فماذا تريان؟ فقالَ ابنُ الزبيرِ: إن هذا الأمرَ ما لَنا فيهِ قولٌ، اذهبْ إلى ابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ، فإني تَرَكْتُهما عندَ عائشةَ، فاسألْهما، ثم ائْتِنا فأَخْبِرْنا، فذهبَ فسألَهما، فقالَ ابنُ عباسٍ لأبي هُريرةَ؛ أَفْتِهِ يا أبا هريرة: فقد جاءَتْكَ مُعضِلَةٌ، فقالَ أبو هريرة: الواحدةُ تبُينها، والثلاثُ تُحَرِّمُها حتى تنكحَ زَوْجاً غيره، وقالَ ابنُ عباس مثلَ ذلكَ، وفي راويةٍ: وتابَعَتْهُما عائشةُ (٢). ورويَ أيضًا عنْ علي، وزيدٍ، وابنِ مسعودٍ، وعبدِ اللهِ بنِ

стр. 1450

عَمرِو بنِ العاص، ولم أعلم لهمْ مُخالفاً (١). وأما إذا قالَ: أنتِ طالِقٌ، أنتِ طالِق، أنتِ طالِق، ثلاثاً، فقال قومٌ: تبينُ بالأُولى، ولا تلحقُها غيرُها، ويروى عن عُمَرَ، وعَليٍّ، وزيدٍ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ (٢). وقد قدمتُ في "سورةِ البقرةِ" أَنَّ عمرَ قال: أَجيزُوهُن عليهنَّ، يعني: الثلاثَ (٣). * وأما العدَّةُ منَ الطَّلاقِ، فلا تجبُ عليها، بإجماعِ المسلمين. وأَمَّا عِدَّةُ الوَفاةِ، فقد مَضَى بيانُها في "سورةِ البقرة". * وأما المُتْعَةُ، فقد تقدَّمَ أمرُ (٤) بيانِها في "سورةِ البقرةِ". * ثمَّ استنبطَ ابنُ عباسٍ من هذهِ الآيةِ أنَّ الرجلَ إذا قالَ: إنْ تزوجْتُ فُلانةً، فهي طالِق، ثم تزوَّجَها، أَنَّها لا تَطْلُقُ، سواءٌ وَقَتَ وَقْتاً، أو لا، فقال: يرحمُ الله أبا عبدِ الرحمن -يعني: ابنَ مَسعودٍ- لو كانَ كَما قالَ، لقالَ: إذا طلقتُم النساءَ ثم نَكَحْتُموهُن. وفي روايةٍ عنهُ: إن يكنْ قالَها، فَزَلَّةٌ من عالم (٥). وبمِثْل فَتْوى ابنِ عباسٍ قالَ علِيٌّ، وعائشةُ، وابنُ المسيِّبِ، والقاسمُ، وعُرْوَةُ، وأبو بَكْرِ بنُ عبدِ الرحمنِ، وعُبَيْدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ،

стр. 1451

وأبانُ بنُ عُثمان، وشُريحٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرِ، وطاوسٌ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومالِكٌ، والشافعيُّ. وقال الكوفيون: يقعُ طلاقُه؛ كما قالَ ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه (١).

стр. 1452

(من أحكام النكاح) ٢٢١ - (٥) قولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٠]. أقول: أحلَّ اللهُ لنبيّه ﷺ نِكاحَ المَذْكوراتِ بِشَرطينِ: أحدهما: إذا آتاهُنَّ أجُورَهُن، وقد اتفقَ أهلُ العلمِ على أنَّ الصَّداقَ لا تَجوزُ المُواطَأَةُ على تَركِه، كان اتّفَقوا على جَوازِ تفويضِ المرأةِ لِبُضعِها، إلا أنَّ (١) الصَّداقَ لا بُذَ منهُ، فهو إما أن يَفْرِضَ لها، أو يَدخُلَ بها، ويستقرَّ عليهِ مَهْرُ نِسائها، ولها أنْ تَمْتَنِعَ منهُ إلى أن يَفْرِضَ لَها، وهذا الحكمُ شامِلٌ لهُ ﷺ ولأُمتِه. ثم خصَّهُ اللهُ بإحلالِ الزواجِ لهُ بغيرِ صَداق حالاً ومالاً، فلا يجبُ عليهِ مهرٌ، لا بموتٍ، ولا بدُخولٍ، فقالَ تَعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]،

стр. 1453

أي: أحلَلْنا لكَ المرأةَ الواهبةَ خالِصَةً لكَ من دُونِ المؤمنين، والعاملُ في الحال (أحللنا) لا (وهبت) (١). الثاني: أن يكُنَّ منَ المُهاجراتِ، فلا يحلُّ للنبيِّ ﷺ ، ولا لأحدٍ من أصحابه نِكاحُ كافرةٍ لم تهاجرْ؛ لمفهومِ هذهِ الآيةِ، ولقولِه تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. فإن قلتَ: فإن كانتْ مؤمنةً لم تهاجِرْ، فهلْ يحلُّ نِكاحُها لمؤمن مُهاجِرٍ، أو لا يَحِلُّ له؟ قلتُ: لا أعلمُ فيهِ قولًا لأحدٍ من الفقهاءِ، والظاهرُ حلُّ نِكاحِها؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقوله: ﴿ولَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح: ٢٥]. * إذا تَمَّ هذا، فقد اختلفَ أهلُ العلم بالقرآنِ في هذهِ الآية، هلْ هيَ ناسخةٌ، أو منسوخةٌ؟ وسيأتي بيانُ ذلكَ قريَباً -إنْ شاءَ اللهُ تعالى-. ٢٢٢ - (٦) قولُه ﷻ : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١] الآية. اختلفَ أهلُ العلمِ في معنى هذهِ الآيةِ.

стр. 1454

فقال بعضُ أهلِ التفسيرِ: أباحَ اللهُ سبحانَهُ لَهُ أن يتركَ التَّسْوِيَةَ والقَسْمَ بَيْنَ أزواجِه، حَتَّى إنَّه لَيُؤَخرُ مَنْ شاءَ منهنَّ عنْ وقتِ نَوْبَتِها (١)، ويَطَأُ مَنْ شاءَ في غير نَوْبَتِها، وجعلَ ذلكَ من خصائِصِه ﷺ ، فيعودُ الضميرُ إلى أزواجِه اللاتي أمِرَ بِتَخْييرِهِنَّ، وبهذا قالَ أبو سعيدِ الإِصْطَخْرِيُّ من الشافعيةِ (٢). وقالَ قومٌ: جعلَ اللهُ لهُ الخِيَرَةَ بينَ أنْ ينكِحَ، ويَتَّهِبَ مَنْ شاءَ، مِمَّنْ وَهبَتْ لهُ نفسَها، ويتركَ من شاءَ. ففي "صحيح البخاري" و"مسلم" عن عائشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها- قالت: كنتُ أَغار على اللَّاتي وَهبْنَ أَنْفُسَهُنَ لرسولِ اللهِ ﷺ ، وأقولُ: أتهبُ المرأةُ نفسَها؟ فلمَّا أنزلَ اللهُ : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]، قلتُ: ما أرى رَبَّكَ إلا يُسارِعُ في هواكَ (٣). وعنْ مُعاذٍ عن عائشةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها-: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يستأذِنُ في اليوم المرأةَ مِنا بعد أن نزلت هذهِ الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]، قلت لها: ما كنتِ تقولين؟ قالتْ: كنت أقول له: إنْ كانَ ذلكَ إِليَّ، فإنِّي لا أُريد يا رسولَ اللهِ أَنْ أُوثِر عليكَ أحدًا (٤).

стр. 1455

وقد أرجَأَ رسولُ الله ﷺ ، ففي "صحيحي البخاري ومسلم" عن سهل بنِ سعدٍ السَّاعِدِيَّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ جاءَتهُ امرأةَ، فقالَتْ: إِنِّي وهبْتُ نَفْسي لَكَ، فقامَتْ، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله! زَوِّجْنيها إن لم يكنْ لكَ بها حاجة، فَذَكَرَ أَنَّه زَوَّجَهُ إياها (١). واختارَ هذا التأويلَ أبو عبدِ اللهِ الشافعيٌّ، وكذا جماهيرُ أصحابِه، فاختاروا وُجوبَ القَسْمِ عليهِ (٢). قالَ ابنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-: تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ ﷺ عَنْ تِسْعٍ، وكانَ يقسِمُ لثمانٍ، ولا يقسِمُ لواحدةٍ (٣). وعن عائشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها-: أن النبيَّ ﷺ جِيْءَ به يحْمَلُ في كِساءٍ بينَ أربعةٍ، فَأُدخِلَ عَلَيَّ، فقال: "يا عائِشَةُ! أَرْسلي إلى النَّساءِ"، فلمَّا جِئْنَ، قال: "إنِّي لا أَسْتَطيعُ أَنْ أَخْتَلِفَ بَيْنَكُنَّ، فَأْذَنَّ لِي فَأَكونَ في بَيْتِ عائِشَةَ"، قُلْنَ: نَعم (٤). * ثم إطلاقُ هذا التخييرِ يقْتَضي (٥) أَنَّ له أن يتزوَّجَ ويَتَّهِبَ ويُؤْوِيَ مَنْ يشاءُ مِمَنْ أَحَل اللهُ لهُ منْ كيرِ حَضرٍ؛ إذ جعلَ الأمرَ إلى مَشيئتِه ﷺ ، وهو

стр. 1456

كذلكَ على الصحيحِ عندَ الشافعيَّةِ (١)، ورفع اللهُ سبحانَهُ عنهُ الجُناح في طَلَبِ مَنْ عَزَلَ مِنْهُنَّ، فيجوزُ أن يكونَ العَزْلُ عبارةً عن عدم الرغبةِ، فيجوز له أن يبتغيَ نِكاح مَنْ زَهِدَ في نِكاحِها، ورَغِبَ عنها، ويجوز أن تكونَ عِبارةً عن الطَّلاقِ، وهوَ الأقربُ -إنْ شاءَ اللهُ تعالى- (٢). فتدكُ الآيةُ على أَنَّهُ لا جُناح عليهِ في طَلَبِ مَغزولَتِه ثلاثاً؛ إذِ الجُناحُ مرتفعٌ عَمَّنْ سِواه فيما دُونَ الثلاثِ، وهوَ الصحيحُ من الوجهينِ للشافعيةِ أيضاً (٣). * إذا تَمَّ هذا، فقدِ اختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في هذهِ الآيةِ، هلْ هيَ ناسخةٌ، أو منسوخَةٌ؟ وها أنا أُبيِّنُ ذلكَ في قولهِ تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] الآية، فأقولُ: اختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في هذهِ الآيةِ. فرويَ عن مجاهدٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ أَنَّهما قالا: إنما حَرَّمَ اللهُ سبحانَهُ على نبيِّهِ نِكاحَ الكوافِرِ منْ أهلِ الكِتابِ، ومَعْنى (من بعد) أي: من بعد المسلمات؛ لئلا تكونَ كافرةٌ أما للمؤمنين، فذهبَا (٤) إلى التأويل (٥).

стр. 1457

وقال جُمهورُهم: لما أمرَ اللهُ سبحانَهُ نبيَّهُ ﷺ بتخييرِ نِسائه، وامتثلَ أَمْرَ رَبِّه، وخَيَّرَهُنَّ فاختَرْنه، جَعَلَ جَزاءَهُنَّ أنْ قَصَرَهُ عليهنَّ، وحرَّمَ عليهِ طلاقَهُنَّ بهذِهِ الآية، ومعنى (من بعد) أي: من بعدِ هؤلاءِ التسع (١). ثم اختلف هؤلاءِ: فقال قومٌ: الآيةُ باقية على أحكامها، غيرُ منسوخةٍ، ويروى هذا القولُ عنِ ابنِ عباسٍ، والحَسَنِ، وابْنِ سيرينَ، وقَتَادَةَ. ثم قالَ قومٌ: بلْ هي ناسخة أيضاً لِما أباحَ اللهُ سبحانَهُ لنبيِّهِ ﷺ مِنْ تزِوُّجِ مَنْ شاءَ منَ النساءِ؛ لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وحكي هذا القولُ عن محمدِ بنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ (٢). وقالَ قومٌ: الآيةُ منسوخةٌ غيرُ مُحْكَمَةٍ، نسخَ اللهُ سبحانَهُ التحريمَ عَنْ نبيِّه ﷺ ؛ لتكونَ لهُ المِنَّةُ عليهِنَّ، وهذا ما اختارَهُ الشافعيُّ (٣). والنسخُ: إمَّا بالسُّنَّةِ عندَ مَنْ أجازَ النسخَ بها، ففي "صحيح مسلم" عن زيدِ بنِ أرقمَ -رضي اللهُ تعالى عنه- قال: تزوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ نزولِ هذهِ الآيةِ مَيْمونَةَ، ومُلَيْكَةَ، وصَفِيَّةَ، وجُوَيْرِيَةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهن- (٤).

стр. 1458

وإما بقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] وهو مرويّ عن على وابنِ عباسٍ أيضاً (١). وإمّا بقولهِ تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، كما قالَهُ بعضُ مُصَنِّفي الناسخِ والمنسوخ (٢). وفي "صحيح مسلم" عن عائشةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها- قالت: ما ماتَ رسولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَحَل اللهُ لَهُ المنّسوخ (٣). قال الشافعيُّ -رحمَهُ اللهُ تعالى-: وأحسِبُ قولَ عائشةَ: حَّتى أحلَّ اللهُ لهُ النساءَ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فذكرَ اللهُ ما أحلَّ له، فذكر أزواجَهُ اللاتي آتى أُجورَهُنَّ، وذكرَ بناتِ عَمّه، وبَناتِ عَمَّاتِه، وبَناتِ خالِه، وبناتِ خالاتهِ، وامرأةً مؤمنةً إنْ وَهبْتَ نَفْسَها للنبيّ، فدلَّ ذلك على أنه أحلَّ له مع أزواجِه مَنْ ليسَ بزوجٍ يومَ أحلَّ لَهُ، وذلكَ أنه لم يكنْ عندَه من بَناتِ عَمِّه ولا بَناتِ عَمَّاته، ولا بَناتِ خالِه، ولا بَناتِ خالاته امرأةٌ، وكانَ عندَه عِدَّةُ نِسْوَةٍ (٤). * فإنْ قلتَ: فهلْ تحريمُ طَلاقِهِنَّ باقٍ، أو نُسِخَ كما نُسِخَ تَحريمُ الزواجِ

стр. 1459

عليهِنَّ؟ وهل تجدُ دليلاً يدلُّ على النَّسْخِ أو عدِمه (١)؟ قلتُ: للشافعيةِ في ارتفاع تحريمِ طلاقِهِنَّ وجهانِ، والراجحُ منهُما، والصوابُ عندي بقاءُ التحريمِ (٢)، إذْ لا دليلَ يدل على النَّسْخِ، فلا يجوزُ أن يتركَ كتابُ اللهِ ويتبعَ خلافُه. قال أُبَيُّ بْنُ كعبٍ: إن معنى: ﴿ولَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢]: ليس لكَ أنْ تطلِّقَهُنَّ بعدما اخْتَرْنَ الله ورسولَهُ والدارَ الآخِرَةَ، ولكنْ لكَ أن تزَوَّجَ عليهِنَّ مَنْ شِئْت (٣). * وقَدْ قَدَّمنا (٤) أقوالَ أهلِ العِلْمِ في المُراد بالإرجاء، هل هو في القَسْمِ والتَّسْوِيَة، أو في النكّاحِ والاتِّهابِ؟ ولم أعلمْ أحداً قال: إنَّ المرادَ بهِ الطلاقُ، والله أعلمُ.

стр. 1460

(من أحكام الاستئذان) ٢٢٤ - (٧) قوله ﷻ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ [الأحزاب: ٥٣]. * أنزلَ اللهُ سبحانَهُ في هذهِ الآيةِ أَمرَ الحِجابِ بعدَ أن كانَ النساءُ يَبْرُزْنَ على الرجال، وسببُ نزولِها مشهورٌ، وذكرَ سبحانَهُ فيها أحكاماً ثلاثةً: الأول: تحريمُ الدخولِ لبيوتِ النبي ﷺ إلا بإذنِه، وهذا أوضحُ منْ أن يُوَضَّحَ. وقد مَضى حكمُ الاستِئْذانِ وصِفَتُه. ومعنى ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، أَيْ: إدراكَهُ، وذلكَ أنه كانَ ناسٌ من المؤمنينَ يَتَحَيَّنُونَ﴾ (١) طعامَ النبيِّ ﷺ ، فيدخُلون عليهِ قبلَ الطعام، فيجلسون إلى أن يُدرَكَ، ثم يأكلونَ ولا يَخْرُجون، وكان رسولُ اللهِ ﷺ يتأَذى بهم (٢).

стр. 1461

الثاني: أمرهم اللهُ سبحانَهُ إذا خاطبوهُنَّ في أمر أَنْ يُخاطِبوهُنَّ من وَراءِ حجاب، وإنْ كُنَّ منَ القواعِدِ، وهذا خاصٌّ بأزواجِ النبيِّ ﷺ ، وأما غيرُهُنَّ، فيجوزُ أن يُخَاطَبْنَ عندَ الحاجَةِ من دونِ حجابٍ إذا سَتَرْنَ ما سِوى الوَجْهِ والكفينِ، أو كُنَّ من القواعِدِ اللاتي لا يَرْجونَ نِكاحاً. الثالث: أعلمَهُمُ اللهُ سبحانَهُ أنه ليسَ لهمْ أن يَنْكِحوا أزواجَهُ من بعدهِ أَبَداً؛ لأنهنَّ أُمَّهاتُ المؤمنينَ، وقد أجمعَ المُسلمونَ على تحريمِ أزواجِه اللَّاتي تُوُفَيَ عنهنَّ ﷺ . ثم اختلفَ الفقهاءُ في مسألتين: إحداهُما: المفارَقَةُ في حياتِه في تَحريمها خِلاف للشافعية، والصَّحيحُ المَنْصوصُ التَّحريمُ؛ لعمومِ قولي تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (١). الثانية: أَمَتُهُ المَوْطوءَةُ إذا فارَقَها بمَوْت أو غيرِه، في تحريمِها وَجْهانِ أيضاً (٢)، وأَصَحُّهُما (٣) عندي عدمُ التَّحَريمِ؛ لأنَّ الله سبحانَهُ خَصَّ الحُكْمَ بالأزواجِ، والقياسُ لا مَدخَلَ لهُ في الخَصائصِ، معَ تفريقِ اللهِ سبحانه بينَ الحرائرِ والإِماء في أَكْثَرِ الأحْكام في حَقّ غيرِه، فاعتبارُ الإماءِ بالحرائرِ ضعيفٌ، أو فاسدٌ؛ كَيْلا تكون أَمَته أُمّا للمؤمنين، ولَوْ فَرَّقوا بيَن مُسْتَوْلَدَتِهِ وغيرِها، لَكانَ حَسَناً، والله أعلم.

стр. 1462

٢٢٤ - (٨) قولُه ﷻ : ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٥]. * لما نزلتْ آيةُ الحِجاب (١)، قالَ الآَباءُ والأبناءُ للنبيِّ ﷺ : ونحنُ أَيْضاً نُكَلَمُهُنَّ منْ وَراءِ حِجابٍ، فَأنزلَ اللهُ : ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥]، وقد مضى الكلام على مثل هذا.

стр. 1463

(من أحكام الصلاة على النبي ﷺ -) ٢٢٥ - (٩) قولُه ﷻ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب: ٥٦]. * أعلَمَنا اللهُ ﷻ منزلةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فتولى الصَّلاةَ بِنَفْسِهِ عليهِ ﵎ وشَرَّفَ بها مَلائِكَتَهُ، كما قَرَنَ صَلاَتهُم بصلاتِه -جَلَّ ثناؤُه-، ثم أمرَنا بالصَّلاةِ والسَّلامِ عليهِ ﷺ ، وجعلَ ذلكَ منْ أشرفِ الطَّاعاتِ وأَفْضَلِها لدَيْه -جَلَّ ثناؤُه سُبْحانَهُ-. * وقد بيَّنَ النبيُّ ﷺ كيفيةَ الصلاةِ عليه. روى عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلى عَنْ كَعب بنِ عُجْرَةَ قال: لما نزلتْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب:٥٦]، قال: قُلْنا: يا رسول الله! قد علمنا السلامَ عليكَ، فكيفَ الصلاةُ عليك؟ قال: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَل على مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ محَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهيمَ وعَلى آلِ إبْراهيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ، وبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما بارَكْتَ على إبْراهيمَ وعَلى آلِ إبْراهيمَ إِنَّكَ حَميدٌ مجيدٌ" (١).

стр. 1464

* ثم ادَّعى بعضُ أهلِ العلمِ أن الصلاةَ عليهِ مُسْتَحبَّةٌ (١)، وهو خَطَأ، لا التفاتَ إليه، فلا دليلَ لهُ على دَعواه، بل هو مَحجوج بِما روى مالكُ بنُ الحَسَنِ بنِ مالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ عنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ قال: صَعِدَ النبي ﷺ المِنْبَرَ، فَلَما رَقا عَتبَةَ، قال: "آمين"، ثُمَ رَقا عتبةَ أخرى، فقال: "آمين"، ثم رَقا عتبةَ ثالثةَ، فقال: "آمين"، ثم قال: "أتاني جِبْريلُ فقالَ: يا مُحَمَّدُ! مَنْ أَدرَكَ رَمَضانَ فَلَم يُغْفر لَهُ فَأَبْعَدهُ اللهُ، قُلْتُ: آمين، قال: ومَنْ أدركَ والِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُما، فدخلَ النارَ، فَأبْعَدَه اللهُ، قُلْتُ: آمين، قال: ومَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهَ فَلَم يُصَل عَلَيَّ، فأبعدهُ اللهُ، قُلْتُ: آمين" (٢). وبما روى أبو هريرةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ نَسِيَ الصَّلاةَ عَلَى أَخْطأ طريقَ الله" (٣). وبما رَوى عبدُ اللهِ بنُ عَلِي بنِ حُسَيْنِ بْنِ علي بن أبي طالِبِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم-، عن أبيه قال: قالَ عليُّ بنُ أبي طالِب: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ البَخيلَ الَّذي ذُكِرْتُ عِنْدَهُ وَلَم يُصَل عَلَيَّ" (٤)، خَرَّجَهُ أبو عيسى التِّرمِذِيُّ، وقالَ: حَسَنٌ صحيحٌ.

стр. 1465

* ثم اختلفَ هؤلاءِ في الأمرِ هلْ هوَ على التَّكرارِ، أو لا؟ فذهبَ أبو إسحاقَ الإسفرايينيُّ إلى أَنَّهُ على التكْرارِ، فتجبُ الصَّلاةُ عليهِ كُلَّما ذُكر ﷺ (١). وقالَ أبو بكرِ بنُ أحمدَ بنِ بكيرٍ القاضي: افترضَ اللهُ سبحانَهُ على خَلْقِه أنْ يُصلُوا على نَبيهِ ويُسَلِّموا تسليمًا، ولم يَجْعَلْ لذلكَ وقتًا معلوماً، فالواجبُ أن يُكْثِرَ المَرءُ منهما، ولا يغفُلَ عنهُما (٢). وذهبَ بعضُهم إلى أَنَّه ليسَ على التكْرارِ، فلا يجبُ في العُمُرِ أكثرَ من مَرَةٍ (٣). وكِلا القَوْلَين إمَّا تفريطٌ، أو إفراطٌ؛ فإنَّ الله سبحانَهُ لم يوجِبْ على عِباده ذِكْرَهُ إِلَّا في خَمسَةِ أوقاتٍ، فقالَ : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وقال ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢]، وقالَ ﵎: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧، ١٨]، وقال تَعالى يذكر نبيَّه ﷺ مِنَّةً عليه: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]،

стр. 1466

قال مجاهد: أي: لا أُذْكَرُ إلَّا وتُذْكَرُ مَعي (١). فإذا وَجَبَ على العِبادِ ذِكْرُ اللهِ سبحانه في أوقاتٍ مَخْصوصةٍ، وجبَ ذكرُ رَسولهِ ﷺ مَعَهُ في تِلْكَ الأوقاتِ، فلا يُقْصَرُ بهِ عَنْها، بل يبلغُ بهِ من المنَّةِ التي مَنَّ اللهُ تعالى عليهِ نِهايَةَ المِنَّةِ وغايَةَ الرِّفْعَةِ، فَكما لا يَصِحُّ إسلامٌ، ولا يَتِمُّ إيمان إِلَّا بذكرِه ﷺ مَعَ ذكرِ ربه، وكما لا يَكْمُلُ أَذان ودُعاءٌ إلى الصلاةِ إلا بذكرِه ﷺ ، كذلكَ لا تتمُّ صلاةٌ يَجِبُ فيها ذكرُ اللهِ تعالى إلا بذكرِه، فمن أوجَبَ الصلاةَ عليهِ مَرَّةً واحدةً، لم يَسْتَوْفِ لهُ تمامَ الرِّفْعَةِ، ومَنْ أَوْجَبَ تكرارَها مُطْلَقاً، فقد بالَغَ وغَلا، فلف يَجْعَلِ اللهُ ذلكَ لهُ ﵎. فإنْ قلتَ: فَقَدْ أوجَبَ اللهُ ذِكْرَهُ ﷺ في التشهُّدِ، فإيجابُ الصَّلاةِ عليهِ أَمْر زائدٌ على ذكرِهِ. قلتُ: ذكرُه في التشهدِ جاءَ مُتابِعًا لذكرِ اللهِ سُبْحانَهُ الذي لا يَتِمُّ الإيمانُ إِلَّا بالإقرارٍ بهِ، وذكرُ الله سبحانه في الصَّلاةِ من التكبيرِ والتَّحْميدِ (٢) أمرٌ زائدٌ على الشهادِة لهُ بالوحدانِيةِ، فوجَبَ علينا أن نذكرَ نبيَّهُ ﷺ معَ ذِكْرِهِ سبحانَهُ باللَّفْظِ الذي أَمَرَنا بهِ، وخَصَهُ بهِ، وشَرَّفَهُ ورَفَعَهُ. وإلى إيجابِ الصَّلاةِ على النبي ﷺ في الصَّلَواتِ الخمس ذَهبَ الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وبعضُ المالكيةِ (٣).

стр. 1467

ويُروى عن الشعبيِّ وعمرَ بنِ الخطابِ وابنهِ -رضي الله تعالى عنهم-. فإن قلتَ: فهل نجدُ دليلاً من السنَّةِ يدلُّ على أنَّ الصلَواتِ مَحَلٌّ للصلاةِ على نبيِّه ﷺ غيرَ ما ذكرتَ؟ قلتُ: نعم، رَوى أبو مسعودٍ الأنصاريُّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- قال: أقبلَ رَجُل حتى جَلَسَ بين يَدَيْ رَسولِ الله ﷺ ، ونحنُ عندَهُ، فقال: يا رسولَ اللهِ! أَمَّا السلامُ عليكَ، فَقَدْ عَرَفْناهُ، فكيفَ نُصَلِّي عليكَ إِذا نَحْنُ صَلَّيْنا عَلَيْكَ في صَلاتِنا صَلَّى اللهُ عليكَ؟ فَصَمَتَ رسولُ اللهِ ﷺ حَتّى أحْبَبْنا أنَّ الرجلَ لم يسألْه، ثم قالَ: "إذا أنتمْ صَلَّيْتُمْ عَلَيَّ فَقُولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمدٍ النَّبِيِّ الأمِّيِّ وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ كما صَلَّيْتَ على إبْراهيمَ وعَلى آلِ إبْراهيمَ، وبَارِكْ على مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأميِّ وآلِ مُحَمَّدٍ كَما بارَكْتَ على إبْراهيمَ وعَلى آلِ إبْراهيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ" (١)، فالسائِلُ إنَّما سألَه عن صِفَةِ الصَّلاةِ عليهِ، لا عَنْ مَشْروعِيَّتِها، وكلامُ الصَّحابِيِّ يدلُّ على أنَّ الصلاةَ عليهِ ﷺ في الصَّلاةِ أَمْرٌ مشروعٌ مقررٌ معهودٌ، فافتقرَ إلى السُّؤالِ عنْ صِفَتِها الكامِلَة، ولم يفتقرْ إلى السُّؤالِ إلى أصلِ مشروعيتِها. فإن قلتَ: فهل نجدُ دَليلاً أَبْيَنَ من هذا؛ فإنه يحتملُ أن يكونَ معنى قولِ السائلِ: كيفَ نُصَلِّي عليكَ إذا نحنُ صَلَّيْنا عليكَ في صَلاتِنا باختيارِنا، لا بِعَزيمةٍ علينا؟ قلنا: روى عبدُ الرحمنِ بنُ أَبي لَيْلى، عَنْ كعْبِ بنِ عُجْرَةَ، عنِ النبيِّ ﷺ : أَنَّه كانَ يقولُ في الصَّلاةِ: "اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمد وآلِ مُحَمَّدٍ كَما صلَّيْتَ عَلى إبْراهيمَ وآلِ إبْراهيمَ، وبارِكَ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ كما بارَكْتَ

стр. 1468

على إبْراهيمَ وآلِ إبْراهيمَ إنكَ حَميدٌ مَجيدٌ" (١)، وهذا مَعَ قولهِ ﷺ : "صَلُّوا كما رَأَيْتُموني أُصَلِّي (٢) يَدُلُّ على الوُجوب. فإن قلتَ: الصلاةُ على آلِه، غيرُ واجبةٍ، وقدْ صَلَّى على آلِه فكذلك الصلاةُ عليه ﷺ . قلتُ: من أهل العلمِ من أوجَبَها على آلِه؛ كأبي عبدِ اللهِ الشافعيِّ في أَحَدِ قولَيْه (٣)، وإنَّما لم تجبْ؛ لأَنها خَرَجَتْ من الوجوبِ؛ بدليلٍ، فدليلُها مقصورٌ عليها، ويدلُّ لهُ (٤) أيضاً وجوبُ الصَّلاةِ عليهِ ﷺ في الصَّلاةِ الوفاقُ من المخالِف في وُجوبِ الصلاةِ عليه ﷺ على إيجابِ التسليمِ الذي أَمَرَ اللهُ تَعالى به المؤمنينَ في الصَّلاةِ؛ حيثُ يقولُ كُل مُصَل من المؤمنينَ في تشَهُّدِهِ: السلامُ عليكَ أَيُّها النبي الكريمُ (٥) ورحمةُ اللهِ وبركاتُه. فإنْ تَعسَّفَ مُتَعسفٌ وقالَ: السلامُ الذي أمرَ اللهُ بهِ المؤمنينَ هو قولُ القائلِ خارجَ الصَّلاةِ: صلى الله على النبيِّ وسلم. قلنا له: الصلاةُ والسلامُ أَمَرَ الله بهما المؤمنين أمراً واحِداً، وبدأ بالصلاةِ منهما، وقرنَ بينَهما، ولم يفرِّقْ بينَهما في أمرٍ، وأنتَ فَرَّقْتَ بينهما، فأوجبتَ السلامَ داخلَ الصلاةِ وخارجَها، ولم توجِبِ الصَّلاةَ إلا خارِجَها، وهلْ هذا إلا تَحَكُّمَ أو زيادةٌ على ما أمرَ اللهُ تعالى به؟ ألم ترَ إلى قولِ السائلِ: يا رسولَ الله! أما السَّلامُ عليكَ، فقد عرفناه، أي: في التّشَهُّدِ

стр. 1469

الذي عَلَّمتَنا كما تُعَلِّمُنا السورةَ من القرآنَ، فكيفَ نُصَلِّي عليك؟ فَهلْ تَرَى السَّلامَ الَّذي عَرَّفَهُ بلامِ العَهْدِ غيرَ السلام (١) الذي يكونُ مع الصلاةِ عليه ﷺ . ولما انتهى بنا النظرُ والتحقيقُ إلى هذهِ الغايةِ التي هي سَواءُ الطريق، اخْتَرْنا موافقةَ أبي عبدِ اللهِ الشافعيِّ، وذهبنا إليه؛ خلافاً لمنْ نسبَهُ إلى الشذوذِ -رحمه الله تعالى- (٢). * إذا تَمَّ هذا فقدْ علمتَ أنَّ النبيَّ ﷺ شَرَعَ الصلاةَ على آلِه معَ الصَّلاةِ عليهِ تشريفاً لَهُم بشِرَفِهِ ﷺ ، وَجزاهُ عنّا أفضلَ الجَزاءِ، وآتاهُ الوسيلةَ والفَضيلةَ بِمَنِّه وكَرَمِه. وقد اختلفَ الناسُ في الآل على أقوالٍ، وأما في هذا المَقام، فالمرادُ بهمْ أزواجُهُ وأهلُ بَيْتِهِ وعِتْرَتُهُ (٣).

стр. 1470

(من أحكام اللباس) ٢٢٦ - (١٠) قوله ﷻ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ [الأحزاب: ٥٩]. * أقول: هذهِ الآيةُ حكمُها مقصورٌ على سَبَبِها، وذلكَ أَنَّهُ كانَ قومٌ منَ الزُّناةِ يَتَّبِعونَ النِّساءَ إذا خَرَجْنَ لَيْلاً، ولَم يكونوا يطلُبون إِلَّا الإماءَ، ولم يكنْ يومئذٍ تُعْرَفُ الحُرَّةُ منَ الأَمَةِ؛ لأنَّ زينتهنَ كانت واحدةً، إنَّما يَخْرُجْنَ في دُروع وخِمارٍ، فأمرَ اللهُ سبحانَهُ الحرائرَ أَنْ يَتَمَيَّزْنَ عنِ الإماءِ، ولا يَتَشَبَّهْنَ بِهنَّ، حَتَّى يُعرَفْنَ فلا يُؤْذَيْنَ. * وفي الآيةِ دليلٌ على جوازِ خروجِ نساءِ النبي ﷺ مُتَجَلْبِباتٍ. روينا في "صحيح البخاري" عن عائشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها- قالت: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بعدَما ضُرِبَ الحِجابُ لِحاجَتِها، وكانتِ امرأةً جَسيمة، لا تَخْفى على من يعرِفُها، فرآها عمرُ بنُ الخَطاب، فقال: يا سودة! أما واللهِ ما تَخْفَيْنَ، فانْظُري كيفَ تَخْرجين؟ قالتْ: فانكَفَأَتْ راجِعَةً، ورسولُ اللهِ ﷺ في بَيْتي، وإنَّه لَيتعَشَّى، في يدِه عَرقٌ، فدخلَتْ فقالَتْ: يا رسولَ الله! إني خرجْتُ لبعضِ حاجَتي، فقالَ في عُمَرُ كَذا وكَذا، فأوحى اللهُ إليه، ثم رفعَ عنهُ، وإن العَرْقَ في يدهِ ما وضَعَه، وقال: "إنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُن أَنْ تَخْرُجْنَ لِحاجَتِكُنَّ" (١).

стр. 1471

سُورَةُ ص

стр. 1472

(من أحكام النكاح) ٢٢٧ - (١) قولُه ﷻ : ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]. * أقول: أرشدَ اللهُ سُبحانَهُ نبيَّهَ أَيّوبَ ﷺ إلى الحِيْلَةِ في دَفْعِ الحِنْثِ، وكان ذلكَ شريعةً له ﷺ . واختلفَ علماءُ شريعتِنا هل يكونُ شريعةُ مَنْ مَضى مِنْ قبلِنا شَرعًا لنا إذا لمْ يوجدْ في شريعتِنا ما يُخالِفُها ولا ما يوافقُها؟ فذهب مالكٌ وطائفةٌ معه إلى أنها ليستْ بشرعٍ لنا، ولهذا قَالَ: لا يبرُّ الحالِفُ بمثلِ عَمَلِ أيوبَ ﵊. وذهبَ الشافعيُّ وطائفة أخرى إلى أنَّه شَرعٌ لنا، ولهذا قَالَ: يَبَرُّ الحالِفُ بمثلِ عملِ أَيّوبَ النبيِّ ﵇ (١). فإن قلتُم: فإنَّ الله سبحانَهُ قصَّ لنا عن شُعيبٍ النبيِّ ﷺ ، وكان أَعْمى أنَّه أَنْكَحَ إِحدى ابْنَتَيْهِ على عَمَلٍ لنفسِه من غيرِ استِئمارٍ لها، ولم يقلْ بهِ الشافعيُّ -رحمهُ اللهُ تعالى-. قلنا: أما التزويجُ على عَمَلٍ، فقدْ قَالَ بهِ الشافعي (٢)؛ لِما روى سَهْلُ بنُ

стр. 1473

سعدٍ السّاعِدِيُّ قال: جاءَتِ امرأةٌ إلى رسولِ الله ﷺ ، فقالتْ: إنني وَهَبْتُ نَفْسي لَكَ، وقامَتْ، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! زوِّجْنيها إنْ لمْ يكنْ لكَ بِها حاجةٌ، فقال: "هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شيْءٍ تُصدِقُها؟ "، قال: ما عندي إلا إِزاري هذا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إزارُكَ إنْ أَعْطَيْتَها جَلَسْتَ وَلا إزارَ لَكَ، فالْتَمِسْ شيئًا"، قَالَ: ما أجدُ، قال: "فالتمسْ ولَوْ خاتَمًا منْ حَديدٍ"، فالتمسَ فلم يجد شيئًا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "زَوَّجْتكها بِما مَعَكَ مِنَ القُرآن" (١). وأما الوِلايَةُ على المرأةِ، فإنَ الوليَّ المُجْبرَ لا يحتاجُ إلى استئمار البكرِ، فقدْ قَالَ بهِ الشافعي أيضًا (٢). وأما العَمى، فلا يقدَحُ في الوِلايةِ على الأَصَحَّ عندَ أَصحابه -رحمهم الله تعالى- (٣). وأما منعُه هو وغيرُه تزويجَ إحدى المرأتينِ، فإن نبيَّ الله ﷺ لم يُنْكِح إِحداهما مبهمةً، وإنما عَرَضَ على موسى ﷺ إِحداهُما، وخَيَّرَهُ بينَهُما، فأخبرَهُ أنَّه يريدُ إنكاحَه إحدى ابنتيه، والظاهرُ أن موسى ﷺ عَينَ إِحداهُما، وإن كان الإبهامُ جائزًا في شريعته، فقياسُ شريعتِنا أنه لا يجوز. وأما منعُه لكونِ الصَّداقِ للوَليِّ؛ فإنَّ النبي ﷺ نَهى عن نِكاحِ الشِّغار (٤).

стр. 1474

سُورَةُ مُحَمَّد ﷺ -

стр. 1475

(من أحكام الجهاد) ٢٢٨ - (١) قوله ﷻ : ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤]. * أقولُ: لمَّا نصرَ اللهُ عبدَهُ ورسولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ يوم بدر، وقُتلَ مَنْ قتلَ، وأسرَ من أسرَ منَ المشركين، وفاداهم قبلَ الإثخانِ فيهم، عاتَبَهُ اللهُ سبحانَه على فعلِه، فقال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]. * ثمَّ بينَ اللهُ سبحانَهُ في هذهِ الآية أيضًا صِفَةَ النِّكايةِ في عَدُوِّهِ، وبينَ مَقامَ المَن والفِداء، فقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، أي: فافعلوا، حَتّى يضعَ المشركون أوزارَ حَربِهم من السلاحِ، فلا يقاتلونكم، إمّا بالدُّخول في الإسلام، أو ببذلِ الجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغرون (١). وقيل: حَتّى تَضَعَ آثامَها، فلا يَبْقى على الأرضِ مشركٌ، وذلكَ بخُروج عيسى ﵇ (٢) -، روى ابنُ المُسَيّب عن أبي هُريرةَ -رضيَ اللهُ
следующие страницы →