عليه حُكْماً، ولا يُدْرَى هل المُرادُ بالحكم أدنى دَرَجاتِه أو أَقْصاها.
وذلكَ كقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والرجوعُ (١) شيءٌ معلومٌ، ولهُ بِدايةٌ ونِهاية، ولم يُعْقَل من اللفظ أن المرادَ بالرجوعِ ابتداؤه أو انتهاؤه.
ومثل ما قد عُلِمَ الفَرْقُ بين قليله وكثيرِهِ، وعُلِّقَ الحكمُ بأحدِهما، ولكن لا يعلم ما حدُّ ذلكَ القليلِ والكثيرِ.
وبيانُ هذا النوعِ والنوعِ الذي قبلَه أن يُصارَ فيه إلى حدِّ شيءٍ من أنواع الدّلالة:
١ - إمَّا بأن يوجَدَ فيه قولٌ أو فعل من النبيِّ ﵌.
٢ - أو قولٌ أو فعلٌ من الصَّحابة ﵃، أو قولُ واحدٍ لا يُعلَمُ له مخالفٌ، ولو قلْنا: إنه ليسَ بحجَّةٍ على القولِ الجديدِ للشافعيِّ رضيَ اللهُ تَعالى عنه.
٣ - أو اعتبارِه ببعضِ الأُصول التي قد ثبتَتْ فيها التقديراتُ والحدودُ إذا لم يوجَدْ شيءٌ يُردّ إليه أدلّ منه، وإن خرجَ ذلكَ عنْ تحقيقِ القياسِ؛ لأن التقريبَ والإعمالَ خيرٌ من التَّعْطيِل والإهمال.
٤ - وإن لم يوجد في الأصول ما يُرْجَعُ إليه، رُجِع في بيانه إلى النظر فيما قُصِدَ له ذلك الشيءُ، فما أدَّى إلى إسقاطِ المعنى المقصودِ تُرك، وما لمْ يُسْقِطْه، اعتُبر.
٥ - وإن لم يوجدْ بيانُه فيما قصد له من ذلك القصد، رُجِع (٢) في بيانِه إلى ضَرْبٍ من التقريبِ مِمَّا يُعْقَل ويُعْرَف.
стр. 72
وسأبين ذلك كلَّه هاهنا بأمثلةٍ؛ لتعتبرَ بها أيُّها الأخ فيما يَرِدُ عليك إن شاء الله تعالى:
١ - فمثالُ ما وُجد فيه القولُ عن النبيِّ ﵌ بيانُ حَدّ الرُّجوع:
روى مسلم في صحيحه: أنَّ النَّبيَّ ﵌ قال للمتمتِّعين: "مَنْ كانَ معهُ هَدْيٌ فَلْيُهْدِ، ومَنْ لم يَجِدْ فَصِيامُ ثلاَثةِ أيامٍ في الحَجِّ، وسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ إلى أَهْلِهِ" (١).
ووجِدَ أيضاً بيانُ حدِّ المِسكينِ مِنَ النَّبِيِّ ﵌ وهو قوله: "الذي لاَ يِجدُ غنًى يُغْنِيْهِ" (٢).
٢ - ومثالُ الذي وُجِدَ فيه حَدٌّ من الصَّحابيِّ: قول الله -تبارك تعالى-: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] فرجعَ الشافعيُّ في بيانِه إلى قولِ ابن عُمَرَ وابنِ عَبّاس ﵃: القَصْرُ في أَرْبَعَةِ بُرُدٍ (٣).
стр. 73
٣ - ومثالُ الذي وُجِدَ فيه الاعتبارُ ببعض الأصولِ والنظائِرِ: قولُ اللهِ- : ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وحاضرو المسجد الحرام مَن قَرُبَ منه.
ولَمّا كانَ حَدُّ الحُضورِ والقُرْبِ غيرَ مذكورٍ، ولا معلوم، رُجِعَ في بيانِه إلى أَقَل ما وُجِدَ في الشرعِ من المَسافاتِ القريبةِ التي تَتَعَلَّق بها الأحْكامُ، فلم يوجد أقلُّ من مَسافَةِ القَصْرِ.
ومثالُه أيضاً قولُ اللهِ ﵎: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] فألْزَمَ اللهُ ﵎ كُلَّ أَحَدٍ على قَدْرِ حالِه، وذلكَ غيرُ مَحْدودٍ، فرُجِعَ في نفقةِ المُعْسِرِ إلى أقلِّ ما وُجِدَ منْ وُجوهِ الإطْعامِ، وهو مُدٌّ (١)، وذلك في كَفَّارَةِ
стр. 74
المُفْطِرِ في رَمَضانَ، وفي الشَّيخِ الكبيرِ الذي لا يُطيقُ الصَّومَ.
ورُجِعَ في نَفَقَةِ المُوسِرِ إلى أَكْثَرِ ما وُجِدَ في ذلك، وهو مُدَّان في فِدْية الأَذى.
ويُرْجَعُ في نفقةِ المتوسِّط إلى مُدٍّ ونصْفٍ؛ ليكون ما زاد على المدِّ مقسوماً بين الحالين، لارْتِفاعِهِ عن درجةِ المُعْسِرِ، ونُزولِهِ عن درجةِ المُوسِرِ.
ولَمَّا كانَ لخادِمِ الزوجةِ نفقةٌ، جُعِلَتْ نفقةُ الخادِمِ على المُعْسِرِ مُدًّا؛ كنفقةِ الزوجةِ نَفْسِها؛ لأَنَّ ذلكَ أَقَلُّ الكِفاية، ولا بدَّ منهُ، ولم يُقَدَّرْ في الشرعِ مِقدارٌ أَقَلُّ منهُ، ولم يُلْتَفَتْ إلى كَمالِ الزَّوْجَةِ ونُقْصانِ الخادِمِ في حال الضِّيقِ؛ اعتِباراً بتسويةِ الله -تعالى- بينَ الأبِ الذي له ثُلُثا المالِ، وبينَ الأُمِّ التي لَها ثُلُثُ المالِ، في حالِ الضِّيقِ (١) حينَ تساويا في السُّدُسِ.
وإنْ كانَ الزوجُ مُوسِراً، احْتِيجَ إلى الزِّيادَةِ كما احْتيجَ إلى ذلك في نفقةِ الزوجة، ولم يُمْكِنِ التَّسْوِيَةُ بينَهما في الزيادةِ؛ لكمال الزوجةِ، ونُقصانِ الخادِم، فاعتبر ذلك بدور التَّفْضيلِ من أَصْحابِ الكمالِ وغيرِهم إذا اجْتَمعوا، فوُجِدَ للابْنِ الثُّلُثانِ، وللبنْتِ الثُّلُثُ إذا اجتمعا؛ لكمال الابن، ونقصانِ البنتِ، وكذلك وُجد الأبُ والأمُّ، للأبِ الثُّلُثان، وللأُمِّ الثُّلُثُ إذا
стр. 75
اجْتَمَعا، فَفُضِّلَ الأَبُ والابْنُ بِثُلُثَيِ الميراثِ لِكمالِهِمْ، فَكَذلكَ فُضِّلَتِ الزوجةُ على الخادِمِ.
ومن هذا النوع تقديرُ الشافعيِّ -رحمهُ اللهُ تعالى- في حَلْقِ الشَّعْرَةِ الواحِدَةِ مُدًّا، وفي الشَّعرتين مُدَّيْنِ، وفي الثَّلاثِ فصاعِداً دَمٌ، كأنَّه رَأى أنَّ الثَّلاثَ جماعُ الشَّعْرِ، فهو حدُّ الكَثْرَةِ، ففيها ما في أَكْثَرِ الكَثيرِ، ورأَى أن الشعرةَ الواحدةَ لا يُمْكِنُ إبْطالُ حُكْمِها؛ إذْ إتلافُها في الإحرامِ محظورٌ كإتلافِ الشَّعرِ الكثيرِ، ولا يمكنُ تسويتُها بالكثير، فاحْتيجَ إلى ما يُفرِّقُ بينَ القليلِ والكثيرِ، فرَجَعَ في القليلِ إلى أقلِّ ما وُجِدَ مُقَدَّراً، وذلك مُدٌّ، وعلى هذا تَرْكُ حَصاةٍ ومبيتِ ليلة من ليالي منى ورمي الجمار.
٤ - ومثالُ ما لم يوجَدْ له أصلٌ في التقدير يُرَدُّ إليه، وأُخِذَ بيانهُ من الأمرِ الذي قُصِدَ لهُ: قولُ اللهِ ﵎ ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣].
فذهبَ الجُمهورُ إلى أن المَعيبَ (١) لا يُجْزئ، فقيَّدوا إطلاقَ الآيةِ، واتفقوا على الفرقِ بينَ العيب الكثيرِ، فيضُرُّ، واليسير، فلا يَضُرُّ، وإنِ اختَلَفوا في تعيينهِ، وليسَ لذلكَ نظير في المُقَدَّراتِ فيرجعُ إليهِ، فأُخِذَ بيانهُ من مَعْناه، فنُظِرَ (٢) إلى العتقِ، فوُجد معناهُ أنه يملكُ العبدُ منافعَ نفسِه، فدلَّهم ذلكَ على أنَّ كلَّ عَيْبٍ يَضُرُّ بالمنافِعِ إضراراً بَيِّناً، فإنه لا يُجْزِئُ؛ لأنه يُسْقِط فائِدَةَ العِتْقِ، وما لاَ يَضُرُّ بالعَمل إِضراراً بيِّناً، فإنه يُجزئُ؛ لوجود معنى العتقِ.
ولنا أن نقولَ: بل لهُ نَظَيرٌ يعتبرُ بهِ، وهو الهَدايا والضَّحايا.
стр. 76
٥ - ومثالُ ما لم يُوجَدْ له أصلٌ يُرَدُّ إليهِ، ولا يُؤْخَذُ بيانُه من مَعْناه، وإنُّما يُرْجَعُ إليهِ بِضَرْبٍ منَ التَّقْريبِ لِعُرْفِ الناسِ وعادتِهِم: العَفْوُ عن دَمِ البراغيثِ، واليَسيرِ من سائِرِ الدِّماء، عُفي عن قليلِها لمشقَّةِ الاحْترازِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ولم يُعْفَ عن الكثيرِ؛ إذ لا مَشَقَّةَ في اجْتِنابِهِ، فرُجِعَ في بيانِ القليلِ إلى عُرْفِ الناسِ وعادتِهم.
ولهذا نظائر (١) كثيرةٌ.
وعلى هذا فاعملْ في جميعِ ما يَرِدُ عليكَ من هذا البابِ، وَقدِّمْ من الأدلَّةِ أَقواها، فإن لم تجدْ، فارجع إلى الأصول والاعتبار.
وهذا فصل نفيس، فاحتفظْ به تستفدْ منه علماً كثيراً، وتطلعْ على سِرِّ الفقه ولطائفه، وعلى هذا السبيلِ جميعُ الفقهاءِ وإنَّما يختلفونَ في تفاصيلِ المسائل.
خامس الوجوهِ (٢): الاشتراكُ في المَعْنى، وهو على وجوه:
أحدها: أن يُعَلَّقَ الحُكْمُ على اسمٍ مشترَكٍ، ويَدُلَّ الدليلُ على أن المرادَ به أحدُ معانيه، لا بِعَيْنِهِ (٣).
كقول الله ﵎: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فقد اتفقوا على أن المرادَ بهِ الطُّهْرُ، أوِ الحَيْضُ (٤)، وإنَّما اختلفوا في تعيينه، فهذا يُؤْخَذُ بيانُه من الأَدِلَّةِ.
стр. 77
وإن لم يدلَّ الدليلُ على أن المرادَ به أحدُهما، لا بِعَيْنْهِ، ففيه مذهبان:
أحدُهما، وهو مذهبُ الشافعيِّ وأكثرِ أصحابِه: أَنَّهُ بَيِّنٌ ظاهرٌ، فيُحمل على الجميع لغة وخطاباً، وقال القاضي أبو بكر: يحمل على الجميع احتياطاً.
والثاني (١): -وبه قالَ أبو حنيفةَ وأكثرُ الأصوليِّينَ- إنه مُشْكِلٌ، فلا يُحْمَل على شيءٍ منها إلا بِدليلٍ.
والكلامُ في تقرير المَذْهَبَيْنِ مذكور في كتبِ الأصول.
ثانيها: أن يُنقلَ فِعْلٌ، وذلك الفعلُ يحتمل حالينِ؛ فإنه مُشْكِلٌ لا يُعْقَلُ المُرادُ منهُ (٢).
كما رويَ أَنَّ النبيَّ ﷺ جمعَ بينَ الصَّلاتَيْنِ فِي السَّفر (٣)، والفِعْلُ لا يقع إلا في حالٍ واحدٍ من الحالَيْنِ، إمَّا أن يكونَ السَّفرُ طويلاً، أو قَصيراً، فهذا يُرجع في بيانِه إلى الأدِلَّةِ السمعيةِ.
ثالثها: أن يُنقل أَنَّه قَضى في واقعةٍ بحُكْمِ، والواقعةُ تحتملُ حالَيْنِ، فهو
стр. 78
مُشْكِلٌ لا يستقلُّ بنفسِهِ في الكشفِ عن المُرادِ؛ لأنَّ القضاءَ واحدٌ، والواقعةُ تحتملُ أحوالاً (١).
وذلك كما رُوِيَ: أَنَّ النبي ﷺ قضى بالشُّفْعَةِ (٢) للجارِ (٣)، فالقَضِيَّةُ واحِدَةٌ، والجارُ الذي قَضى له يُحتمل أن يكونَ جُنُباً أو مُلاصِقاً أو مشايعاً، فهذا يُرْجَعُ في بيانِه إلى الأدلَّةِ، فإنْ لم يوجَدْ دليلٌ، فيؤخذُ بأقلِّ ما قيلَ (٤)، فيُحملُ على الجارِ المُشَايعِ؛ كما فعل الشافعيُّ رحمه الله تعالى.
стр. 79
وهذا الاشتراك في المفردات.
وأَمَّا المركَّباتُ، فيأتي على وُجوهٍ -أيضاً -:
منها: الاشتراكُ بين الأمرِ والخَبَر:
كقول الله ﷻ : ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه: ٣٧ - ٣٩]، فإنه يَحْتَمِل أن يكون أخبرها إلهاماً منه -سبحانه- أن اليمَّ يُلقيهِ، ويَحْتَملُ أن يكون أخبرها أنه أمرَ البحرَ بإلقائه.
ومنها: الاشتراك بين السؤال والتَّنْبيهِ:
كقولك: أرأيتَ إنْ صَلَّى الإمامُ قَاعداً، كيفَ يُصلِّي مَنْ خلفه؟ فإنَّه يَحْتَمِل أن (١) يكون سؤالاً منكَ، ويَحْتَمِل أن يكونَ تنبيهاً على المنع من الصلاةِ خلفَهُ.
ومنها: الاشتراك بينَ السؤالِ والدُّعاء (٢):
كقولِ اللهِ ﷻ : ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩]، وحملَهُ على الدُّعاء أبو زكريا الفَرَّاء، وعلى السؤالِ غيرُه.
ومنها: الاشتراك في المَفْعولِ إذا تنازعَه فِعلان يَقْتضيانِ مُقْتَضًى واحداً:
كقولِ الله -تعالى-: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦]، فإنه يحتمل أن يكون ﴿قِطْرًا﴾ مفعولَ ﴿آتُونِي﴾، ويحتمل أن يكونَ مفعولَ ﴿أُفْرِغْ﴾.
ومنها: الاشتراك في الإبهام:
كقول الله ﵎: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] على أحدِ الأقوالِ في الآيةِ.
стр. 80
واختلفَ علماؤنا في مسائلَ:
الأولى: الأسماءُ الإسلاميةُ؛ كالصَّلاة والزكاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ، والمُؤْمِنِ والفاسِقِ.
فقالَ بعضُهُمْ: هيَ بَيّنَةٌ، وقال بَعْضُهُمْ: هي مُشْكِلَةٌ؛ لأنَّهُمْ لم يكونوا يَعْرِفونها (١).
والحَقُّ أَنَّها مُشْكِلَةٌ عندَ مصادَمَةِ الخِطابِ الأَوَّلِ لأهلِ الزَّمَنِ الأَوَّلِ، بَيِّنَةٌ في الزمنِ الأخيرِ عندَ استقرارِ بَيانِ الشرعِ.
ثانيها: قوله -تعالى-: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، والربا في لسانِهم هو الزيادَةُ (٢).
وقالَ بعضُ أهلِ العلمِ: الآية بَيِّنَةٌ، وليستْ مُشْكِلَةً؛ لأن البيعَ مَعقولٌ في اللغةِ، فيُحْمَلُ على كلِّ ما يصلُحُ لهُ، ولا يُتْرَكُ بعضُه إلَّا بدليلٍ يدلُّ على أَنُّه رِبًا، أو مَنْهِيٌّ عنه.
وقالَ بعضُهم: هي مُجْمَلَةٌ؛ لأن اللهَ -تَعالى- أحلَّ البيعَ وحَرَّمَ الرِّبا، والرِّبا هو الزيادَةُ، وما من بيعٍ إلا وفيه زِيادَةٌ، فافتقَر إلى بيانِ ما يَحِلُّ منها مِمّا يَحْرُمُ (٣).
والذي أراه الصوابَ -إن شاءَ الله تعالى- أَنَّ لفظَ البيعِ غيرُ مُشْكِلٍ؛ فإنه
стр. 81
معلومٌ عندَ العربِ، وعليه جرتْ عادتُهم، وقامتْ به دُنياهمِ، وأما لفظُ الرِّبا فَمُشْكِلٌ؛ لاشتباهِهِ عليهم، وإن كانت حقيقةُ وَضْعِهِ مَعْروفَةً عندهم؛ لأنهم عَلِموا أنَّ اللهَ لا يأمرهم بترك جميعِ البيُوعاتِ والزياداتِ؛ لأن الله ﵎ لا (١) يأمرهُمْ بما فيه هلاكُهم وتركُ معاشِهِم (٢) وهَدْمُ دُنياهم، فعلموا حِلَّ كُلِّ بَيْع ومُبادلة، وعلموا حقيقةَ المنهيِّ عنهُ أنه الزيادةُ، وعلموا أن المرادَ بعضُ الزيادةِ دونَ بعضٍ، ولم يعرفوا على أيِّ صفةٍ يكون تحريمُها، ولا مبلغُ حدِّها، ولهذا بَيَّنَ النبيُّ ﷺ أعيانَ الرِّبا، وبَيَّنَ صِفَتَهُ وشرائِطَهُ في مَقامٍ واحدٍ، ولفظٍ واحدٍ مُتَّصِلاً به في أَثَرهِ، ولو كانَ بيِّناً، لَما احتاجَ النبيُّ ﷺ إلى بيانِهِ لهم، وأَمَّا البيعُ، فلم يُبَيِّنْهُ كذلكَ، وإنَّما بَيَّنَ مَضارَّهُ ومُفْسِداتِهِ مُنْفَصِلاً، وذلك إمَّا تخصيصٌ لعمومِهِ، أو تقييدٌ لمُطْلَقِهِ، أو تَبيينٌ لِشَرْطِهِ (٣).
ثالثها: الأعيانُ التي عُلِّقَ التَّحْليلُ أو التحريمُ عليها؛ كقول الله ﷻ : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
فقال بعضهم: هي مُجْمَلَةٌ؛ لأن الأعيانَ لا تُوصَفُ بالتحليلِ والتحريِم، وإنما تُوصفُ بذلك أفعالُنا، وأفعالُنا غيرُ مذكورة، وهيَ متنوعَةٌ، وليسَ على ما يَحْرُمُ منها ولا ما يَحِلُّ دليلٌ يخصُّه ويُبَيِّنُهُ.
ومنهم من قالَ: إنها ليستْ بِمُجْمَلَةٍ، بَلْ هي بَيِّنَةٌ (٤)، وهو الصَّوابُ
стр. 82
عندي إنْ شاءَ اللهُ تعالى؛ فإنه بَيِّنٌ في لسانِ العربِ أنهم إذا قالوا مثلَ ذلكَ في الأعيانِ، فما الممنوعُ المحرَّم إلا الأمرُ المَقْصودُ المُنْتَفَعُ بِه من تلكَ العَيْنِ، فلو قالَ: حَرَّمْتُ عليكمُ هذهِ الفَرَسَ، عُقِل منهُ أن المرادَ تحريمُ الرُّكوبِ واللَّحْمِ، لا تحريمُ البيعِ. وكذلكَ إذا قال: حَرَّمْتُ عليكُمُ المَيْتَةَ، عُقِل منهُ أن المرادَ (١) تحريمُ أكلِها الَّذي هو مقصودٌ منها، ولم يُعْقَلْ منهُ غيرُ ذلكَ.
ونقولُ لهذا القائِل: هل تَرى العربَ لمّا خاطبهُم اللهُ تعالى بهذهِ الآيةِ، لَمْ يعرفوا مُرادَ اللهِ ﵎، فاحْتاجوا إلى سؤالِ النبيِّ ﷺ عن بَيانِ ذلك الشيءِ المُحَرَّمِ؟ كَلاّ، بل عَقَلوا عن اللهِ تَعالى مُرادَهُ، وعلموا أَنَّه أرادَ تَحريمَ نِكاح أُمَّهاتِهم وبَناتِهم. فمن قالَ: إنهم لم يَعْقِلوا مرادَ الله -تَعالى- في هذا الخِطاب، فقدْ جَهَّلَ العربَ بِلُغتهم، وإنما هذا من أوضح البيان عندَهُم إن شاء الله تعالى.
رابعها: الخطابُ الذي يَتَضَمَّنُ نفياً وإثباتاً في الأَعْيان؛ كقولِ النبيِّ ﷺ : "إنَّما الأَعْمالُ بالنِّيَّاتِ" (٢)، وكقوله ﷺ : "لا نِكاحَ إلا بوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وشاهِدَيْ عَدْلِ" (٣).
стр. 83
فقال بعضهم: هي مُجْمَلَةٌ مُشْكِلَةٌ؛ لأن الذي نفاهُ هو العملُ والنِّكاحُ، وذلك موجودٌ مشاهَدٌ، والشرعُ لا ينفي المُشاهَداتِ، فدلَّ على أن النفيَ صفةٌ غيرُ مذكورةٍ، ولم تُبَيَّنْ تلكَ الصفةُ، وكانَ مُشْكِلاً.
وقال بعضُهم: هي بَيِّنَةٌ غيرُ مُشْكِلَةٍ (١)، وهوَ الصَّوابُ عِنْدي إنْ شاءَ اللهُ تعالى؛ فإن المتكلمَ إذا قصدَ بالنفي شيئاً متنوِّعاً، حُمِلَ لفظُه على ما يليقُ بقَصْدِهِ، فالنبيُّ ﷺ ليسَ قَصْدُهُ إلَّا التشريعَ والبيانَ، فإذا نَفَى شيئاً، حُمِل على ما قَصَدَه (٢)، وهُوَ التشريعُ، فكأنه قالَ: لا عملَ في الشَّرْعِ إلا بالنِّيَّةِ، ولا نكاحَ في الشرعِ (٣) إلا بِوَليٍّ مُرْشِدٍ وشاهِدَيْ عَدْلٍ، ويكونُ نفيُه على عُمومِه، فإذا وجدناه اعتبرَ ذلكَ الأمرَ المَنْفِيَّ معَ عدَمِ الصِّفةِ المَذْكورَةِ، كما إذا اعتبرَ عَمَلاً بغير نِيَّةٍ، واعتدَّ بهِ، جَعَلْناه تَخْصيصاً لِعُموم نَفْيِه.
خامسها: قوله ﷺ : "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسيانُ وما اسْتُكْرِهوا عليهِ" (٤).
فمنهم مَنْ قالَ: هو مُشْكِلٌ؛ للإضْمارِ الذي فيه؛ إذْ لم يعيَّنْ ما هو المَعْنِيُّ من الأشياءِ المُرادةِ بالرَّفْعِ.
стр. 84
ومنهُمْ من قالَ: إنَّه بَيِّنٌ (١)، وعَزاه إلى نَصِّ الشِّافعيِّ (٢) رضي اللهُ تَعالى عنهُ، وهو الصوابُ عندي -إن شاءَ اللهُ تَعالى-؛ لأنه معقولٌ في لسانِ العرب، أي (٣): رَفْعُ المُؤَاخَذَةِ، ألا تَرى أن العربيَّ إذا قالَ لعبدِهِ: رفعْتُ عنكَ خَطَأَكَ، فُهِمَ منهُ تَرْكُ المُؤاخَذَةِ بالخَطَأ؟
سادسها: قول اللهِ ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
نُقِلَ عن الشافعيِّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- في كتابِ "الأُمِّ" (٤) أَنَّ في الآيةِ إِضمْاراً، والمَقْصود منها بيِّنٌ غيرُ مُجْمَل، فكأنه قال: فمنْ كانَ منكمْ مريضاً، أو به أذًى من رأسِه، فحَلَقَ، أو دَهَنَ، أو لَبِسَ، أو تطيَّبَ، فَفِدْيةٌ، وذلك ظاهر من قصدِهِ في رَفْعِ تَحريمِ المُحَرَّماتِ عنهُ، وتعليقِ الكفارةِ بهِ، هذا معنى قوله، رحمهُ اللهُ تعالى.
ونُقِلَ عنهُ أنه قالَ في كتابِ "الإملاء": إِنَّ ذلكَ المُضْمَرَ غَيْرُ بَيِّنٍ.
والصَّحيحُ عندي هوَ الأَوَّلُ.
فإنْ قيلَ: فهل بَيْن هذه المسألةِ وبين (٥) المسائلِ المتقدمةِ فَرْقٌ أو لا؟ ففي الكُلِّ إضماراتٌ؟
стр. 85
فالجوابُ: أَنَّ بينهما فَرْقاً لطيفاً، وهو أن الآياتِ المتقدِّماتِ فارغةٌ مِنَ الإضماراتِ والحذفِ.
فأما الآيةُ الأولى، وهي قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فإنه بيِّنٌ عندهم أنَّ الله -تعالى- إنما قصدَ تحريمَ نِكاحِهِنَّ لا غَيْر. واللَّمْسُ لِشَهْوَةٍ والتقبيلُ من توابعِهِ ولوازِمِهِ، فَمَنِ ادَّعى أنه أُضْمِرَ شيءٌ آخَرُ، فقدْ أَخْطَأ.
وأَمّا التي تتضمَّنُ النفيَ والإثبات في الأعيان، فقد قُلْتُ (١): إنَّ الشارعَ إنما يَنْفي ويُثْبتُ الشَّرْعِيّاتِ، فكأنه قالَ: لا عملَ عندي إلا بالنيّةِ، فيكون عامًّا ظاهِراً فيَ النَّفْي، فلا إضمارَ فيه.
وأما قوله ﷺ : "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ وما اسْتُكْرِهوا عليهِ (٢) " (٣)، فقد ثبتَ أنَّه معقولٌ في لِسانِ العربِ أَنَّهُ إنَّما قصدَ رَفْعَ عُقوبةِ الخَطَأ، وذلكَ مُطْلَقٌ في كُلِّ عُقوبةٍ، فإن تخلفتْ عقوبةٌ عن هذا الإطلاقِ، وأُخِذَ بها المخطِئُ أو النَّاسي، كَغَرامَةِ المُتْلَفاتِ، فذلكَ كالتَّقييدِ لهذا المُطْلَقِ، ولا إضمارَ فيها، وإنّما فيه إقامةُ المُضاف إليهِ مقامَ المُضافِ، على حدِّ قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وأَمّا هذهِ المسألةُ، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ففيها إضماراتٌ كثيرةٌ، لكنَّه قال في "الأم": تلكَ الإضْماراتُ ظاهرةٌ معقولةٌ من فَحْوى قصدِ المُتكلِّم، فكأنها مذكورَةٌ. وقال في "الإملاء" بخلافه، وقول "الأُمِّ" أقربُ وأصوبُ إن شاء الله تعالى.
стр. 86
وظَنِّي أَنَّ أصحابَ الشافعيِّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- إِنَّما أخذوا الخِلاف في المسائل المتقدِّمَةِ من قولِه هاهنا في "الإِملاء"، فافهم هذه النُّكْتَةَ، فإنَّها في نهايةٍ من التحقيق إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 87
القَولُ في العَامِّ والخَاصِّ
العمومُ في اللُّغَةِ: الإحاطَةُ والشُّمول، ومن ذلكَ (١) قولُهم: العامَّةُ.
والخُصوص: التمييزُ والانفِرادُ، ومن ذلك قولُهم: الخاصَّةُ، لتميُّزهِمْ عنِ العامَّةِ بأشياءَ.
والعامُّ والخاصُّ من أوسعِ لغةِ العربِ مَجالاً، وأكثرِها استعمالاً، والكلامُ فيه يَسْتَدْعي أربعةَ فُصول:
الفصل الأول: في بيان ألفاظه.
والثاني: في كيفية استعمال العرب للعامِّ، وتصرُّفِها فيه.
والثالث: في التخصيص.
والرابع: في ترتيب العامِّ على الخاصِّ.
* * *
الفصل الأول في الألفاظ
الأول وهو على وجوه: الجَمْعُ المعَرَّفُ بالأَلِفِ واللَّامِ؛ كالمُسلمين والمُشركين، والأَبْرار، والفُجَّار.
стр. 88
وأما المُنَكَّرُ منُه كقولك (١): مُسلمون، وأبرارٌ، فواضحٌ في لسان العربِ عمومُه على سبيل الإطْلاقِ، وأمّا على سبيلِ الاسْتِغراق والشُّمولِ، فَلا، فمن (٢) قال بعمومه بهذه الطريقِ، فقدْ أَخْطَأَ.
وقد أوضحتُ هذهِ المسألةَ في كتابي "مصابيح المَغاني في مَعاني حروفِ المَعاني".
الثاني: الأسماءُ المُبْهَمَةُ، وهيَ "مَن" فيَمْن يعلَمُ، و"ما" فيما لا يعلَمُ في الاستِفْهام والجَزاءِ و "أَيّ" فيمن يعلَمُ وفيما لا يَعْلَمُ في حالِ الاسْتفِهامِ والجَزاء، و"أَيْنَ" في الاستِفْهام عنِ المكان، و "أَيْنَما" في الجَزاء دون الاسْتِفهام، و "أَيَّانَ" و"مَتى" في الزَّمان، في الجَزاءِ والاستفِهام، و"حَيْثُ" في المَكانِ، هكذا ذكرهُ عُلماؤنا، وهذه عامةٌ مستغرقةٌ كالذي قَبْلَها، ولكنها تفُارِقُها في أنها تقعُ على الفردِ الواحدِ حقيقةً، بخلافه.
الثالث: النَّفْيُ في النكرة بدون "مِنْ" عامٌّ ظاهِرٌ في العموم، كقولك: ما عندي شيء، ولا رجلٌ في الدار، وأما مَعَ "مِنْ" فإنه يكون نَصًّا في العموم (٣)؛ كقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٦٥] فلا يدخله التخصيص، بخلاف العامِّ الظاهرِ؛ فإنه يدخُلُه التخصيصُ.
стр. 89
الرابع: ضمائرُ الجُموع، كقولِ اللهِ ﵎: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وما أشبَهَ ذلك.
الخامس: لفظة "كُلّ" و"أَجْمَع" و"عامَّة" وكذا "سائر" عندَ الجَوْهَرِيِّ.
ووراء هذه مسائلُ شرعيةٌ اختلف فيها علماؤنا:
المسألة الأولى: الرسولُ ﷺ يدخلُ في خِطابِ الأمَّةِ على الصَّحيحِ عندَ أصحابِ الشافعيِّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- وإنْ صَحِبتهُ كَلِمَةُ: ﴿قُلْ﴾، خلافاً للحُليمي، فإنَّه قالَ: إن صَحِبَتْهُ كلمةُ ﴿قُلْ﴾ لم يدخل (١)، نحو: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ (٢) [الأعراف: ١٥٨].
الثانية: إذا خُوطِبَ النبيُّ ﷺ بخِطابٍ خاصٍّ، مثل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]، لم يدخلْ معهُ غيرُهُ إلَّا بدليلٍ؛ خلافاً لَأبي حَنيفةَ وأحمدَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهُما-؛ لأنَّ الخطاب مقصورٌ عليه، غيرُ صالِحٍ لغيرِه (٣).
قالوا: جرتْ عادةُ العربِ أنهم يخاطِبونَ الخَاصَّ (٤)، ويُريدون بهِ العامَّ، فيخاطِبونَ الرئيسَ، ومقصودُهم بهِ (٥) أتباعُه، كقول الله تعالى:
стр. 90
﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ [يونس: ٨٣] أي: على خَوْفٍ من آلِ فِرْعون، وكقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤]، وكقولهم: دخلَ الأميرُ البلدَ قَهْراً، ويريدونَه مَعَ جُنْدِه.
الثالثة: المتكلمُ هلْ يدخلُ في كلامِهِ؛ كالرَّسولِ ﷺ ؟ فيهِ مذهبانِ للشافعيَّةِ (١).
الرابعة: الكفارُ هل يَدْخُلون في الخِطاب بِفُروعِ الشَّرْعِ؟ فيه مذاهب، يُفَرَّقُ في الثالثِ بينَ المَنْهِيّات، فيدخلونَ فيها، وبينَ المأموراتِ، فلاَ يَدْخُلون فيها، والظاهرُ دُخولُهم؛ لظاهِرِ الآياتِ الواردَةِ في القرآن، ولِصَلاحِيَةِ اللفظِ لهم (٢).
стр. 91
الخامسة: العبيدُ يَدْخلون في الخِطاب للأحرار؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٥٣] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] بِوَضْعِ اللُّغَةِ؛ لصلاحِ اللَّفْظِ لهمْ.
وهل يَدْخلون بعُرْفِ الشرع؟ اختلفَ أهلُ العِلمِ في ذلك (١):
فقال قوم: يَدْخلون، وصحّحَ في "جَمْعِ الجَوامِعِ" (٢) دخُولَهُمْ في مَحَلِّ الإطلاقِ، ولا يَخْرُجون إلا بدليل.
وقال قَومٌ: لا يدخلونَ إلا بِدليل (٣).
وقال أبو بكرٍ الرَّازِيُّ منَ الحَنَفِيَّةِ: إنَ كانَ الخطابُ لحقِّ الله تعالى، دخلوا، وإن كانَ لحقِّ العِباد، فلا يَدْخُلون (٤).
والصَّحيحُ هو الأَوَّلُ، والدَّليُل عليه بعدَ اللغةِ استقراءُ آياتِ القرآنِ الكريمِ، فكلُّ حكمٍ أَطْلَقَ الكِتابُ الخِطَابَ، دَخَلوا فيه، ولم يُفْرَدوا فيه بالذِّكْرِ.
стр. 92
كقولِ اللهِ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨].
وكقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣].
وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، وغيرِ ذلكَ من الآياتِ الكريماتِ.
وأَيُّ موطِنٍ لا يَدْخلونَ فيه، فإنَّهُ لا بُدَّ من بيانِ تَخْصيصِهم بالحُكمِ، إما في (١) الكِتاب، أو السنة؛ كقولِ الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وكبيانِ النبيِّ ﷺ عدَمَ وجوبِ الجُمُعَةِ على العَبْد (٢)، وغيرِ ذلك.
وكلام الشافعي في "الأم" (٣) يدل على ما قلته.
السادسة: النِّساءُ لا يَدْخُلْن في جَمْع الرّجالِ؛ لأنَّ لهنَّ لَفْظاً مَخْصوصاً، كَما أَن للرّجالِ لَفْظاً مَخْصوصاً. وقال الحنفيةُ وابنُ داودَ: يَدْخُلْنَ؛ لكثرةِ استعمالِ ذلكَ (٤)، ورجَّحَهُ بعضُ أهلِ اللُّغة (٥).
стр. 93
السابعة: ذهبَ أكثرُ أهل اللُّغَةِ إلى أَنَّ النِّساءَ لاَ يدْخلْنَ في لَفْظِ "القَوْمِ" حقيقةً (١)، ولا يُطْلَقُ على النِّسَاء إلاّ إذا كانَ فيهنَّ رجُلٌ، واختص الرِّجال بهذا اللفظ (٢)؛ لأنهم يقومون في الأمور عند الشدائد (٣)، قال زهير: [البحر الوافر]
وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ (٤)
стр. 94
وكذلك "النَّفَرُ"؛ لأنهم ينفرون إذا استُنْفروا، بخلاف النساء (١).
* * *
الفصل الثاني في كيفيةِ استعمالِ العرب للعامِّ واتِّساعها فيه
فمِنْ ذلك:
١ - أَنّها قدْ تأتي باللَّفْظِ عامًّا ظاهِراً، وتريدُ بهِ العامَّ الظاهِرَ، ولا خصوصَ فيه.
٢ - وعاماً ظاهراً يُعْرَفُ منه العمومُ، ويدخُلُه التَّخْصيصُ.
٣ - وعاماً ظاهراً يُعْرَفُ منهُ أنه يُرادُ بهِ الخاصُّ.
وقد تأتي بكلامَيْنِ مُتَّصِلَينِ، ويكونُ أحدُهما خاصًّا، والآخرُ عامًّا.
٤ - فقدْ يكونُ العامُّ في أَوَّلِ الكَلامِ، والخاصُّ في آخِرِهِ.
٥ - وقد يكونُ الخاصُّ في أَوَّلِ الكَلامِ، والعامُّ في آخِرِه، وبجميع ذلك قد (٢) جاءَ التنزيلُ، وسأبينُ ذلكَ بأمثلةٍ يُستدَلُّ بها على ما وراءَها:
١ - فمثالُ العامِّ الظاهِرِ الذي يُرادُ بهِ العامُّ الظاهِرُ، ويمتنعُ تَخْصيصه: قولُ اللهِ ﷻ : ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، وقولُ اللهِ ﵎: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦].
٢ - ومثالُ العامِّ المَخْصوص: قولُ اللهِ ﷻ : ﴿وَالسَّارِقُ
стр. 95
﴿وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] فيعرَفُ من لفظِه أنه عامٌّ في كل سارق، ولكنه خُصَّ منه سارقُ الشيءِ التّافِهِ، والسارقُ من غيرِ حِرْزٍ (١)، ومَنْ سَرَقَ ما لَهُ فيه شُبْهَةٌ، وغيرُ ذلك. ومثلُه أيضاً قولُ الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، وخُصَّ منه القريبُ المُخالِفُ في الدِّينِ بالقُرْآن، والقاتِلُ بالسُّنَّةِ (٢) وأولادُ الأنبياءِ ﵈، والمَمْلوكُ بالإجْماع، وهذا النوعُ كثيرٌ في القرآنِ.
٣ - ومثال الذي يَرِدُ عامًّا، ويُرادُ به الخاصُّ: قولُ الله ﵎: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] الآية، وقد عُلِمَ ضرورةً: أنه إنما قالَ ذلكَ فريقٌ منَ الناسِ لفريقٍ منَ الناسِ تَخْويفاً بفريقٍ منَ الناس، ولكنه لمَّا كانَ اسمُ "الناس" يقعُ على ثلاثَةِ نَفَرٍ، وعلى جَميعِ الناسِ، وعلى مَن بَيْنَ جَميعِهِم؛ ومَنْ بينَ ثلاثَةٍ منهم، كانَ صحيحاً في لِسانِ العربِ أن يُقالَ: الذينَ قالَ لهُمُ الناسُ، وإن كانوا أربعةً، وما أشبهَ ذلكَ من هذا النوع، وهو أكثرُ منْ أن يُحْصى في كلامِهم.
٤ - ومثالُ ما ورد (٣) أَوَّلُهُ عاماً ظاِهراً يُراد بهِ العُموم، وآخِرُهُ خاصًّا يرادُ بهِ الخُصوصُ (٤): قَوْلُ اللهِ ﵎: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ
ومثلُه (١) أيضًا قولُه تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] , وذلك عامٌّ في المؤمِنَيْن والكافِرينَ، ثم قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت: ٨] وذلك خاص بالكافِرينِ.
٥ - ومثالُ ما وردَ أولُه خاصًّا، وآخرُه عامًّا (٢): قولُ اللهِ ﷻ : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨، ٣٩] فأولُ الكَلامٍ في صِنْفٍ منَ الظالِمينَ، وهُمُ السُّرّاقُ، وآخرُها لِجَميعِ الظالِمين بالسَّرِقَةِ وغيْرِها.
ومثلُه قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] فهذا خاصٌّ بالمطلَّقاتِ، ثم قال: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] , وهذا عامٌّ في المُطَلَّقاتِ، والمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ، والمُسْتَوْلَداتِ من الإِماء.
فكلُّ جملةٍ من الجمل في هذا القسم والذي قبلَهْ تُحْمَلُ على مُقْتَضاها من عُمومٍ وخُصوصٍ، تَقَدَّمَتْ أو تأخَّرَتْ، ولا (٣) يُخَصُّ بها الجُمْلَةُ الأخرى؛ خلافًا لبعضِ مُحَقِّقي الأُصوليينَ (٤)؛ لأنَّ ذلكَ مُقتضى صيغةِ
стр. 98
الخِطاب واللُّغَةِ (١)، ولأنَّ الآيةَ من القرآنِ قد تنزِلُ مَتفَرِّقَةً في أوقاتٍ متفرقةٍ (٢)، خلافًا لما توهمه الإمامُ أبو عبدِ اللهِ الشافعي -رضيَ اللهُ تَعالى عنُه- فقد ثبتَ ذلكَ في الأحاديثِ الصَّحيحةِ، وبينتُ وهمَهُ في الكلام على آية الصّيامِ، وستراهُ إن شاءَ الله تعالى.
* * *
الفصلُ الثالِثُ في الخَاصِّ
وهو تمييزُ بعضِ الجُمْلَةِ بحُكْمٍ (٣)، وهو على ضربين (٤):
стр. 99
أحدُهُما: خاصٌّ لا عامَّ فيه؛ كقولهِ تَعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] , وكقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].
والثاني: خاصٌّ بالإضافةِ إلى غيره، وأما حقيقةُ لفظِهِ، فَعامٌّ، وذلك مثلُ قولهِ تعالى: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]؛ فإنه خِطابٌ خاصّ مع أهلِ العقولِ خاصَّةً، وإنْ كانَ اللفظُ عامّا في ذاتِهِ وحقيقَتِه.
ومثلُه ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] كما تقدم (١).
والخاصُّ (٢) قد يكون نُطْقاً، وقد يكون مَفْهومَ نُطْقٍ، وقد يكون مَعْنى نُطْقٍ (٣).
стр. 100
والذي يجوز تخصيصُه نطقُ الكتابِ والسُّنَةِ، والذي يجوزُ التَّخصيصُ بهِ الكتابُ والسُّنَةُ والإِجماع، وقد مضى في الفَصْل الذي قبل هذا أمثلةُ التَّخصيصِ بالكتاب والسُّنَةِ والإجْماعِ (١).
وأما التَّخصْيصُ بالقِياسِ، ففيِه خِلافٌ بين الأُصوليينَ، والصحيحُ جَوازُ التَّخصيصِ بهِ؛ لأنه دليلٌ، فَجازَ التخصيصُ بهِ كسائر الأدِلَّةِ (٢)، ومثالُه قولُ اللهِ تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] , وقوله تعالى في الإماءِ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] فهذا تخصيصٌ للأَمَةِ يُخْرِجُها منْ عُموم آيةِ الجَلْدِ، ثمَ قِيسَ العَبْدُ على الأَمَةِ، فَجُعِلَ حده خَمسينَ كَحَدها، فالآية مخصوصَةٌ بالأمَةِ باللَّفظ، ومخصوصَةٌ بالعبدِ بالقِياس على الأَمَةِ (٣).
стр. 101
الفصلُ الرابُع في ترتيبِ العامِّ على الخاص (١)
وذلك على ضربين:
أحدُهما: أن يكونَ حُكْمُ الخاص دافِعاً الحكمَ العامَّ، فالعامّ مرتَّبٌ على الخاصِّ؛ لأن العامَّ لا يمكنُ استعمالُه في جميع أفرادِهِ إلا بإبطال الخاصِّ، وذلك لا يجوز، ومثاله آية السرقة، والميراث، وغير ذلكَ ممَّا قَدَّمْتُهُ (٢).
الثاني: أن يكون الخاصّ لاَ يَدْفَعُ حُكْمَ العامِّ، وإنما خُصَّ بعضُ أفرادِه بالذِّكْر، فهذا لا يُخَصّ بهِ العامّ؛ لأن استعمالَهما مُمْكِنٌ، وليس بينهما تنافٍ، ولا اختلافٌ، وكأنَّ المخصوصَ وردَ فيه خَبَرانِ: خبرٌ يشتملُ عليهِ مع غيرِه، وخبرٌ ينفرِدُ بذكرِه (٣).
مثالُ ذلكَ: قولُ الله ﵎: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١] وقولهُ تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وقولُه تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ
стр. 102
طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا﴾ [البقرة: ٢٣٦].
فذهبَ بعضُ أهلِ العلمِ إلى أنَّ لكلِّ مطلقة مُتْعَةً، وتمسَّك بعمومِ قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، قال: وليسَ في تركِ ذِكْرِ التَّمَتعُّ في المُطَلَّقَةِ المَفْروضِ لَها قبلَ الدُّخولِ بها دليلٌ على أنه لا مُتْعَةَ لَها، بل لها نِصْف الفَرْضِ بهذهِ الآيةِ، ولَها المُتْعَةُ بالأخْرى، وتخصيصُها بالذكر في نصفِ الفرضِ لا يُخْرجها منْ عُمومِ الآية الأخرى. قال: وليسَ في الأمرِ بتمتيع المُطَلَّقَة قيلَ المَسيس -إذا كانَتْ غَيْرَ مَفروض لَها- دليل على أنَّ المُرادَ بالعُموم هؤلاءِ المطلقاتُ دونَ غَيْرِهِن.
وذهبَ بعضُهم إلى أنه لا مُتْعَةَ إلا للتي لم يُفْرَضْ لها إذا طُلِّقَتْ قبلَ المَسيسِ، وجَعلوا الآيةَ فيها مفسِّرةَ للآيةِ العامة.
وذهبَ بعضُهم إلى أن لِكُلّ مطلقةِ متعةً، إلا المفروضَ لها إذا طُلقَتْ قبلَ الدُّخول؛ لأن (١) الله ﷻ لم يجعلْ لها إلا نِصْفَ المَهرِ، واستدَلُّوا (٢) على سقوطِ المُتعةِ بالسكوتِ عن ذِكْر ما تَسْتَحِقُّهُ بالطَّلاقِ، وكأنه قيلَ: لا متعةَ لهَا، وخَصُّوا بها آيةَ المَتاعِ للمُطَلّقات (٣).
والأصلُ الصحيحُ أن جميعَ ذلكَ ليسَ بدليلٍ، بل يُنظَرُ في غيرِ ذلكَ من الأدِلَّةِ، فَيُقْضى بهِ لأحَدِ هذه الأقاويل، وأما السكوتُ عن ذكرهِ (٤)، فليسَ بدليلٍ، وسنزيدُ ذلك وضوحاً إن شاء اللهُ تَعالى.
* * *
стр. 103
القولُ في المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ
المطلق (١): أن يَذْكُرَ اللَّفْظ مُجَرَّداً، ولا يَقْرِنَ به صِفَة، ولا شَرْطاً، ولا زَماناً، ولا عَدَداً، ولا ما أشبهَ ذلكَ من الصِّفات.
وهو نوعٌ من أنواعِ العُموم على سبيلِ البَدَلِ، لا على سبيل الاستِغْراق.
والمقيد: أن يَذْكُرَ اللَّفْظَ مَقْروناً بشيء من ذلكَ (٢).
وهو نوعٌ من الخُصوص.
والإطلاقُ والتقييدُ عندَ العربِ من أحسنِ لِسانها، وأَعْلى كلامها.
مثالُ الإطلاقِ: قولُ امْرِئِ القيس: [البحر الطويل]
مُهَفْهَفَةٌ بَيْضَاءُ غَيْرُ مُفاضَةٍ ... تَرَائِبُهَا مَصْقُولَةٌ كَالسَّجَنْجَلِ (٣)
فَشَبَّه ترائِبَهَا بالِمرْآةِ مطلقًا.
стр. 104
وقال آخر (١): [من الطويل]
وَوَجْهٌ كمرآةِ الغَريبة أَسجح
فَقَيَّدَ المِرْآة بالغريبةِ؛ لأن مِرْآتها أصفى وأنقى من غيرها؛ لضرورتها إليها حتى تُرِيَها ما تحتاجُ إليه؛ إِذْ ليسَ للغريبةِ منْ يتفقدُ مساوِئَهَا (٢).
وحكمه: أنه متى وردَ اللفظُ في كتابِ الله مُقَيداً، فهو على تقييده إلَّا أن يَدُلَّ دليلٌ على التسوية بينهُ وبين ما قُيدَ منهُ، وإذا وردَ مُطْلَقاً، فإنْ وُجِدَ دليل يقيدُه، وجبَ تقييدُه، وإلَّا فهو على إِطْلاقِهِ، وما جازَ أن يُخَصَّ بِه العامُّ، جازَ أن يُقَيَّدَ بهِ المُطْلَقُ (٣).
لكنْ بقيَ هنا نوعٌ آخَرُ من التَّخْصيص، ويعبَّرُ عنهُ عندَ الأُصوليين (٤) بـ "حَمْل المُطْلَقِ على المُقَيَّدِ"، وهو في الحقيقَةِ غيرُ القِياس.
وحكمُهُ: أنه إذا وردَ أحدُ اللَّفْظَيْنِ مُطْلَقاً؛ والآخرُ مُقَيَّداً، نُظِرَ فيهِ:
فإنْ كانَ الحُكْمُ مُختلِفًا، لم يُحْمَلْ أحدُهما على الآخَرِ، مثلُ إيجابِ اللهِ -تعالى- غَسْلَ الأعضاءِ (٥) الأربعةِ في الوُضوءِ، وتركِهِ لذكرِ الرأسِ والرِّجْلَيْنِ في التَّيَمُمِ، فلا يُحْمَلُ أحدُهما على الآخَرِ (٦).
стр. 105
فإنْ كانَ ذلكَ في حكمٍ واحدٍ، وسببٍ واحدٍ، حُمِلَ المطلَقُ على المقيَّدِ بالاتفاق (١)، وذلكَ كتقييدِ اللهِ تعالى العدالةَ في شُهودِ الطَّلاقِ (٢) والوَصية (٣)، وإطلاقِها في البيع (٤)، فالعدالةُ شرطٌ في الجميع (٥).
وإنْ كانا في حكمٍ واحدٍ وسببينِ مختلفَيْنِ، نُظِرَ في المقيدِ:
فإن عارضَهُ مقيَّدٌ آخَرُ في ذلكَ الحُكْمِ، لم يُحْمَلِ المُطْلَقُ على المقيَّدِ في واحدٍ منهما؛ إذْ ليسَ أحدُهما أولى منَ الآخَرِ، وذلك مثلُ الصَّومِ في الظِّهارِ، قيده بالتَّتَابُعِ (٦)، وفي المُتَمَتِّع (٧) قَيَّدَهُ بالتفريقِ (٨)، وأطلقَهُ في كَفّارة اليَمين (٩)، فلا يُحملُ المطلَقُ في اليمينِ على واحدة منهما.
وكذلكَ إذا تجاذبَ المُطْلَقَ ثلاثُ تقييداتٍ؛ كما ورد في نجاسَةِ الكلب، قيدهُ في رواية: بالأُولى، فقال: "أُولاهُنَّ بالتُّرابٍ" (١٠)، وفي
стр. 106
رواية: بالأخرى، فقال: "أخْراهُنَّ بالتُّرابِ" (١)، وفي روايِة: "أولاهُنَّ أَوْ أخْراهُنَّ" (٢)، وأطلق في روايةٍ فقالَ: "إحْداهُنَّ" (٣)، عُمِلَ بهذا المُطْلَقِ، ولم يُحْمَلْ على واحدٍ من المقيداتِ (٤)، ولا التفاتَ إلى ما توهَّمه الأسنوي (٥) واعتقده في هذه المسألة (٦).
стр. 107
وإن لم يعارض المقيَّدَ مقيَّد آخرُ؛ كالرَّقَبَةِ في كَفّارة القَتْل (١)، والرَّقَبةِ في كَفّارةِ الظِّهار (٢)، قُيِّدَتْ بالإيمانِ في القَتْلِ، وأُطْلِقَتْ في الظِّهار، حُمِلَ المُطْلَقُ على المُقيَّدِ عندَ الشافعيَّةِ، ولا يُحْمَلُ عليهِ عندَ الحَنَفِيَّةِ (٣).
وقد (٤) أعرضتُ عن ذكرِ الحُجَجِ والأدلَّةِ هُنا، وفي غيرهِ من المواضِعِ إلا قليلاً؛ لأنَّ قصدي بيانُ تصَرُّف العربِ في لُغَتِها واتِّساع معانيها.
وهذا الكلامُ في الإطلاقِ والتقييد في الحكم المتعلق بخطابَيْنِ.
* وأما الحكمُ المُعَلَّقُ بخطابٍ مقيَّدٍ بصفةٍ من الصفات، أو بشرطٍ من الشروطِ، ففيهِ أيضًا خِلافٌ عندَهُم (٥).
- أمّا الحكمُ المعلَّق على الشرطِ، فإنه يدلُّ على أنَّ ما عَداهُ بخلافِهِ عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ بشرائطِ الاستدلالِ (٦).
стр. 108
- وأما المعلق على الصفَةِ، فإنه يدلُّ على أن ما عَدا الموصوفَ بخلافِهِ عندَ الشافعي وجماهيرِ أصحابه وغيرِهم، ولا يدلُّ عندَ كثيرٍ من أهلِ العلمِ (١).
والتحقيقِ ما ذكرهُ بعضُ محققي الشافعيَّةِ (٢)، وهو أنَّ الواجبَ على الناظرِ أن يتأملَ مخرجَ الخطابِ وسياقَهُ، وما تقدّمَهُ من القرائنِ والكلام:
فإنْ وجدَ دليلاً يستدلُّ به على الجمعِ بين المسكوتِ عنهُ والمذكورِ، صارَ إليه.
وإنْ لم يجدْ دليلاً، أمضى (٣) الحُكْمَ في المذكور على مُقْتَضى الخطابِ، ثم نَظر في حكمِ المسكوتِ عنه على سبيل ما يَنْظُر في الحوادثِ التي تُعْدَمُ (٤) فيها النصوص:
فإن وجدَ دليلاً يَجْمَعُ بينَ المذكورِ والمسكوتِ عنه، جمعَ بينَهما في الحكم.
وإنْ وجدَ دليلاً يدلُّ على الفَرْقِ بينهما، فَرَّقَ بينهما (٥).
فمثالُ ما دل عليه الدليلُ في مخالفةِ المسكوتِ عنه للمذكور: قولُه:
стр. 109
"في سائِمَةِ الغَنَمِ زكاةٌ" (١)، فهذا نظرَ فيه الناظرُ، ونظرَ في سائرِ الأموالِ الزَّكاتِيَّةِ، وجدَ الزكاةَ قد عُفي عنها فيما اتُّخذَ للبَذْلَةِ وللعَمَلِ، ولم يكنْ للتَّنْمِيَةِ، عَلِمَ بذلكَ أن ذكرَ السوم شرطٌ؛ لأنَّ المعلوفَةَ يُحْبِطُ علفُها نماءَها.
ومثله أيضًا: قوله ﷺ : "أيُّما رَجُلٍ باعَ نَخْلا قَدْ أبّرَتْ، فَثَمَرَتُها للبائِعِ، إلا أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتاعُ" (٢)، فإذا نَظَرَ الناظِرُ، وَوَجَدَ الَّذي لم يُؤَبَّرْ مُسْتكنًّا غيرَ ظاهرٍ، فهو كالجَنينِ في بَطْنِ الجاريةِ، والَّذي أُبِّر غيرُ مُسْتكنٍّ، فهو كظهورِ الجنينِ بالوِلادة، فعلمَ أن الإبّارَ حَدٌّ (٣)، وأن الذي لم يُؤَبَّرْ يدخلُ في المبيع (٤).
стр. 110
ومثالُ (١) ما دلَّ الدليلُ على إلحاقِ المسكوتِ عنهِ بالمذكورِ: قولُه تَعالى في الصَّيْدِ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فإذا نظرَ فيهِ الناظرُ، وجدَ القتلَ إِتْلافاً، ووجدَ (٢) الإتلافَ يَسْتَوي فيهِ العَمْدُ والخَطَأُ، استدلَّ بهِ على أن العَمْدَ ليسَ بشَرْطٍ، وإِنَّما هو تعريفٌ لا تقييدٌ.
ومثلُه أيضًا إذا اختلف البَيِّعانِ، والسلْعةُ قائِمَةٌ، تَحالفا وتَرادّا، فإذا نظرَ النَّاظِرُ، وجَدَ البُيوعَ مَتى فُسِخَتْ عُقودُها، رَجَعَ كُلٌّ من المُتبايِعَيْنِ إلى أصلِ مالِهِ، فأخذهُ منْ صاحِبه إنْ كانَ قائِمًا، وإلاّ رجعَ بقيمَتِه إن كانَ فائِتاً، علمَ بذلكَ أَن ذكرَ قيامِ السلْعَةِ ليس بشرط في التحالُفِ والتَّرَادِّ.
وإنما بيَّنا هذا وبسَطَنْاه لتعلَموا أَنَّ المُعْتَمَدَ في هذا الباب هو الاسْتِدْلال والنَّظَرُ.
ويزيدُهُ تأكيدًا ووُضوحاً أَنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ على إحْدى صِفَتي الشَّيء يكونُ في مَسْكوتهِ ما يساوي منطوقَهُ، وفيهِ ما يُخالِفُهُ.
مثالُ ذلكَ: قولُ اللهِ ﵎: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فاشتراطُ الأَصْلاب يَنْفي تَحريم حلائِلِ أبناء التبنِّي، وأما بَنو البَنينَ، فلم تُفَرِّقِ الأصولُ بينَهم في إرثٍ ولا وِلاَيةٍ، فكانوا في معناهُمْ.
وكذلكَ من وَطِئَها الابنُ بملكِ اليمين لم يأتِ ذكرُ الحَلائِلِ لنَفْيِهم.
وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] الآية, وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية، فيه وقوعُ الحَرَجِ في إبداءِ الزينة لِمَنْ عدا المذكورين منَ الأجانِب،