← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

رواية: بالأخرى، فقال: "أخْراهُنَّ بالتُّرابِ" (١)، وفي روايِة: "أولاهُنَّ أَوْ أخْراهُنَّ" (٢)، وأطلق في روايةٍ فقالَ: "إحْداهُنَّ" (٣)، عُمِلَ بهذا المُطْلَقِ، ولم يُحْمَلْ على واحدٍ من المقيداتِ (٤)، ولا التفاتَ إلى ما توهَّمه الأسنوي (٥) واعتقده في هذه المسألة (٦).

стр. 107

وإن لم يعارض المقيَّدَ مقيَّد آخرُ؛ كالرَّقَبَةِ في كَفّارة القَتْل (١)، والرَّقَبةِ في كَفّارةِ الظِّهار (٢)، قُيِّدَتْ بالإيمانِ في القَتْلِ، وأُطْلِقَتْ في الظِّهار، حُمِلَ المُطْلَقُ على المُقيَّدِ عندَ الشافعيَّةِ، ولا يُحْمَلُ عليهِ عندَ الحَنَفِيَّةِ (٣). وقد (٤) أعرضتُ عن ذكرِ الحُجَجِ والأدلَّةِ هُنا، وفي غيرهِ من المواضِعِ إلا قليلاً؛ لأنَّ قصدي بيانُ تصَرُّف العربِ في لُغَتِها واتِّساع معانيها. وهذا الكلامُ في الإطلاقِ والتقييد في الحكم المتعلق بخطابَيْنِ. * وأما الحكمُ المُعَلَّقُ بخطابٍ مقيَّدٍ بصفةٍ من الصفات، أو بشرطٍ من الشروطِ، ففيهِ أيضًا خِلافٌ عندَهُم (٥). - أمّا الحكمُ المعلَّق على الشرطِ، فإنه يدلُّ على أنَّ ما عَداهُ بخلافِهِ عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ بشرائطِ الاستدلالِ (٦).

стр. 108

- وأما المعلق على الصفَةِ، فإنه يدلُّ على أن ما عَدا الموصوفَ بخلافِهِ عندَ الشافعي وجماهيرِ أصحابه وغيرِهم، ولا يدلُّ عندَ كثيرٍ من أهلِ العلمِ (١). والتحقيقِ ما ذكرهُ بعضُ محققي الشافعيَّةِ (٢)، وهو أنَّ الواجبَ على الناظرِ أن يتأملَ مخرجَ الخطابِ وسياقَهُ، وما تقدّمَهُ من القرائنِ والكلام: فإنْ وجدَ دليلاً يستدلُّ به على الجمعِ بين المسكوتِ عنهُ والمذكورِ، صارَ إليه. وإنْ لم يجدْ دليلاً، أمضى (٣) الحُكْمَ في المذكور على مُقْتَضى الخطابِ، ثم نَظر في حكمِ المسكوتِ عنه على سبيل ما يَنْظُر في الحوادثِ التي تُعْدَمُ (٤) فيها النصوص: فإن وجدَ دليلاً يَجْمَعُ بينَ المذكورِ والمسكوتِ عنه، جمعَ بينَهما في الحكم. وإنْ وجدَ دليلاً يدلُّ على الفَرْقِ بينهما، فَرَّقَ بينهما (٥). فمثالُ ما دل عليه الدليلُ في مخالفةِ المسكوتِ عنه للمذكور: قولُه:

стр. 109

"في سائِمَةِ الغَنَمِ زكاةٌ" (١)، فهذا نظرَ فيه الناظرُ، ونظرَ في سائرِ الأموالِ الزَّكاتِيَّةِ، وجدَ الزكاةَ قد عُفي عنها فيما اتُّخذَ للبَذْلَةِ وللعَمَلِ، ولم يكنْ للتَّنْمِيَةِ، عَلِمَ بذلكَ أن ذكرَ السوم شرطٌ؛ لأنَّ المعلوفَةَ يُحْبِطُ علفُها نماءَها. ومثله أيضًا: قوله ﷺ : "أيُّما رَجُلٍ باعَ نَخْلا قَدْ أبّرَتْ، فَثَمَرَتُها للبائِعِ، إلا أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتاعُ" (٢)، فإذا نَظَرَ الناظِرُ، وَوَجَدَ الَّذي لم يُؤَبَّرْ مُسْتكنًّا غيرَ ظاهرٍ، فهو كالجَنينِ في بَطْنِ الجاريةِ، والَّذي أُبِّر غيرُ مُسْتكنٍّ، فهو كظهورِ الجنينِ بالوِلادة، فعلمَ أن الإبّارَ حَدٌّ (٣)، وأن الذي لم يُؤَبَّرْ يدخلُ في المبيع (٤).

стр. 110

ومثالُ (١) ما دلَّ الدليلُ على إلحاقِ المسكوتِ عنهِ بالمذكورِ: قولُه تَعالى في الصَّيْدِ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فإذا نظرَ فيهِ الناظرُ، وجدَ القتلَ إِتْلافاً، ووجدَ (٢) الإتلافَ يَسْتَوي فيهِ العَمْدُ والخَطَأُ، استدلَّ بهِ على أن العَمْدَ ليسَ بشَرْطٍ، وإِنَّما هو تعريفٌ لا تقييدٌ. ومثلُه أيضًا إذا اختلف البَيِّعانِ، والسلْعةُ قائِمَةٌ، تَحالفا وتَرادّا، فإذا نظرَ النَّاظِرُ، وجَدَ البُيوعَ مَتى فُسِخَتْ عُقودُها، رَجَعَ كُلٌّ من المُتبايِعَيْنِ إلى أصلِ مالِهِ، فأخذهُ منْ صاحِبه إنْ كانَ قائِمًا، وإلاّ رجعَ بقيمَتِه إن كانَ فائِتاً، علمَ بذلكَ أَن ذكرَ قيامِ السلْعَةِ ليس بشرط في التحالُفِ والتَّرَادِّ. وإنما بيَّنا هذا وبسَطَنْاه لتعلَموا أَنَّ المُعْتَمَدَ في هذا الباب هو الاسْتِدْلال والنَّظَرُ. ويزيدُهُ تأكيدًا ووُضوحاً أَنَّ الحُكْمَ المُعَلَّقَ على إحْدى صِفَتي الشَّيء يكونُ في مَسْكوتهِ ما يساوي منطوقَهُ، وفيهِ ما يُخالِفُهُ. مثالُ ذلكَ: قولُ اللهِ ﵎: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فاشتراطُ الأَصْلاب يَنْفي تَحريم حلائِلِ أبناء التبنِّي، وأما بَنو البَنينَ، فلم تُفَرِّقِ الأصولُ بينَهم في إرثٍ ولا وِلاَيةٍ، فكانوا في معناهُمْ. وكذلكَ من وَطِئَها الابنُ بملكِ اليمين لم يأتِ ذكرُ الحَلائِلِ لنَفْيِهم. وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] الآية, وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية، فيه وقوعُ الحَرَجِ في إبداءِ الزينة لِمَنْ عدا المذكورين منَ الأجانِب،

стр. 111

ولم يكنْ فيه نفيٌ لرفع الجُناح في إبدائِها لِقَرابَةِ الرَّضاعِ. فهذا كُله دليلٌ على هذا الأصلِ الذي أصَّلناه؛ لتعلموه، ولتعتبروا به. وقد يختلف الفقهاءُ في الأدلَّةِ المؤدّيةِ إلى المُرادِ معَ اتِّفاقِهِمْ على العملِ بالنظر والاجتهاد. * واعلموا أن العربَ قد تَخُصُّ بالذكرِ شيئًا لأسبابٍ ومَقاصِدَ، وهو وغيرهُ سواءٌ، ووردَ في القرآنِ والسُّنَّةِ من ذلك أنواعٌ (١): أحدُها: أن يكونَ الشيءُ جواباً لسؤالِ سائلٍ سألَ بكلامٍ مَخْصوصٍ بإحْدى صِفَتَيِ الاسمِ، فيحصلُ الجوابُ على وَفْقِ سؤالِهِ، وعلى هذا تحملُ الشافعيةُ قوله ﷺ : "لا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ والرَّضْعَتانِ" (٢). الثاني: أن يَخُصَّهُ بالذِّكْرِ لأجلِ التَّفْضيلِ والتَّعْظيم، ومنهُ قولُ اللهِ ﵎: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] ومنهُ قوله ﷺ : "والزِّنا بِحَليلَةِ الجار" (٣)، ومنه:

стр. 112

﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١) [البقرة: ١٩٧]. الثالث: أن يُخَصَّ بالذكْرِ لكونهِ الغالبَ عليه؛ كقولِ الله ﵎: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ إذِ الغالبُ على الربيبَةِ (٢) كونُها في حِجْر زَوْجِ أُمِّها. ومثلهُ (٣) قولهُ -تَعالى-: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥]؛ إذِ الغالبُ أن القتلَ إنما يكون عن عَمد. الرابع: أن يُخَصَّ بالذكرِ لكونهِ مَحَلًّا صالحًا للمذكور، كقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] فخُصَّ الحَيُّ لِصَلاحيتِهِ لِقَبولِ النِّذارَةِ. ومثلُه قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]. * * *

стр. 113

القول في الحقيقة والمجاز والحقيقةُ: هي: الكلامُ الباقي على وَضْعِه الذي وُضِعَ له، ولم يُعْدَلْ بهِ عنه. وهي مأخوذةٌ من الحَقِّ، وهو الشيءُ الثابتُ الواجب، وهو أكثرُ القرآنِ العظيمِ (١)؛ يقول الله الكريم ﵎: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]. والمَجازُ: مأخوذ من الجَواز، وهو العُبورُ، فتأويل قولنا: مجازٌ، أَي: إن الكلامَ الحقيقيَّ يمضي لسبيلهِ، ولا يعترضُ عليه، وقد يكون غيرهُ يجوزُ جوازَهُ لقربهِ منه، وهو من أوسَعِ لِسانِ العربِ مجالاً، وأحسنِها اسْتِعْمالاً، فلا يوجد لهمْ شعرٌ ولا نثرٌ إلا وفيهِ المجازُ، ولا يَحْسُنُ الكلامُ في استعمالهم إلَّا به (٢).

стр. 114

ولكن الحقيقةَ أكثرُ استعمالاً منه (١)، خلافًا لابن رَشيقٍ وابْنِ جِنِّي (٢)، وقد وردَ القرآنُ العظيمُ (٣) بالمَجاز (٤) ليكونَ حُجةً على العربِ؛ إذ خاطبهُمْ بجَميع أنواعِ كلامِهم، ثم تحداهم بسورَةٍ من مثلِه (٥)، وعجَزوا عنِ الإتيانِ بمثلِها، معَ قيام دواعيهم وتوفُرها على المُعارَضَةِ له؛ لِكَيْلا يقولوا: إنَّما عَجَزنا عن الإتيانِ بمثلِه لكونهِ بغير سُنَتِنا وخلافَ عادَتِنا؛ إذْ لمْ يجمعْ صنوفَ كلامِنا. ولا نَظَرَ إلى خلافِ ابن داودَ؛ حَيثُ أنكرَ المَجاز في القُرآن، فالقرآنُ مَشْحونٌ بذلكَ (٦)، وإنِ (٧) اعترفَ بهِ وادَعى تأويلَه، كانَ الخلافُ في التسمية والعبارة.

стр. 115

* والمجازُ على أنواعٍ كثيرةٍ (١)، ولْنَذْكُر منها هاهنا -أيضًا- تسعةَ أنواعٍ؛ لكثرةِ دورها ودلالتِها على غيرها: النوع الأول: الاستعارةُ: وهو أن يضعَ الكلمةَ للشيء يستعيرُها له من مَواضِعَ أُخَرَ لِمُشابَهَةٍ بينَهُما؛ كقولِه تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] وقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] , وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٣١] , وكقولهم: انشقَّتْ عَصا القوم؛ إذا تفرقوا، وذلك غير منحصر في كلامهم. الثاني: التّشبيهُ: كقوله تَعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] وكقولِ الشاعِر (٢): [البحر الطويل] دُفِعْتُ إلى شَيْخٍ بِجَنْبِ فَتَاتِهِ ... هو العَيْرُ (٣) إلا أنّه يَتكلَّمُ الثالثُ: الزيادَةُ: قالَ بعضُ أهلِ اللِّسانِ: إن العربَ تَزيد في كلامِها أسماءً وأَفْعالا وحُروفاً: - أمّا الأسماءُ، فثلاثة: الاسمُ والوَجْهُ والمِثْلُ. فالاسمُ، في قولِ القائلِ: باسمِ الله، إنما أراد: بالله، ولكنّه لما أشبهَ القسمَ، زِيدَ فيه الاسْمُ.

стр. 116

والوجهُ، كقولِ القائِل: وَجْهي إليه، وفي كتابِ الله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] , قال الشاعر: [البحر البسيط] أستغفرُ الله ذَنْباً لَسْتُ مُحْصِيَهُ ... رَبَّ العِبادِ إليهِ الوَجْهُ والعَمَلُ (١) والمِثْل، في كتابِ الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] , وقولُه تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] , قال الشاعر: [البحر السريع] يا عاذِلي دَعْنِيَ مِنْ عَذْلِكا ... إذْ مِثْلِي لا تقْبَلُ مِنْ مِثْلِكا - وأما الأفعالُ، فقولُهم: كادَ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] , قال الشاعر (٢): [البحر البسيط] حتى تبادل كلباً في دِيارِهِمُ ... وكادَ يَسمو إلى الجُرْفَيْنِ فارْتَفَعا أراد: وَسَما، ألا ترى أنه قال: فارتفعا. - وأما الحروفُ، فزيادَتُها مشهورةٌ، وربما قيل باختصاصِ الزيادِة بها، فمنها حروف المعَاني، وزيادتُها كثيرةٌ منتشرةٌ؛ كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] , وكقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].

стр. 117

الرابع: النّقصان: وهو أن تنقصَ منَ الكلامِ اسما أو فِعْلاً أو حَرْفًا، فَتُضْمِرُهُ وتخفيهِ. - فأما الاسمُ، فمثلُ قراءة الكِسَائي: (ألا يا اسجدوا) (١)، ومعناه: ألا يا هؤلاء اسجدوا، ومثل قول الشاعر (٢): [البحر الطويل] ألا يا اسْلَمي يا دَارَ مَيَّ على البِلَى ... ولا زَالَ مُنْهَلًّا بَجَرْعائِكِ القَطْرُ ويُضمِرونَ "مَنْ" فيْقولون: ما في حَيّنا إلَّا لَهُ إِبلٌ، أَيْ: مَنْ لَهُ إِبلٌ. وفي كتاب الله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾ [الصافات: ١٦٤] , ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]. ويضمرون "هذا"، قال الشاعر: [البحر الطويل] أأنتَ الهِلاَليُّ الذي كنت مَرَّةً ... سَمِعْنا بِهِ والأَرْحَبيُّ المُعَلَّفُ أيْ: وهذا الأَرْحبِيُّ المُعَلَّفُ (٣). - وأما الأفعال، فنحو قولهم: أَهْلًا وسَهْلاً، ورعْيا وسَقْيًا، وقولهم:

стр. 118

أثَعْلَبًا وَبَقَرًا، أَيْ: صادَفْتَ أَهْلا و [نزلت] سَهْلاً، وسَقاكَ اللهُ سَقْياً، ورَعاك الله (١) رَعْيًا، وأَترى ثَعْلَبًا وَتقَرَأ، ونحوُ قولِ الله ﵎: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: فَضَرَبَ فانفجَرَتْ. فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ. - وأما الحروفُ، فنحوُ قولهم: واللهِ لَكَانَ كَذا، أي: لقد كان كذا، وفي كتاب الله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١ - ٢] قيل: معناها لقد غُلبت الرومُ (٢)، فلما أُضْمِرَتْ "قَدْ" أُضْمِرَتِ اللامُ، وقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥] , أي: مِنْ قَوْمِهِ. وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] أي: يسمعونَ لَكُمْ. وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: فعليهِ ما استيسرَ منَ الهَدْي. وقوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] أي: عَنْ أَنْ تنكِحوهُنَّ، عِنْدَ قومٍ، وقومٌ يُضمرونَ "في"، ويقولون: في أن. وقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ [الشورى: ٧] أي: بِيَومِ الجَمْع. وقد ينقصونَ الكلمةَ، ويكتفونَ ببعضِها، يقول الشاعر (٣): [بحر الرجز] قَلتُ لها قِفي قَالتَ: قَاف ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ...

стр. 119

أي: قد وقفتُ (١). وفي كتاب الله من هذا النوع: فواتحُ السور، على قولٍ مشهورٍ مرويٍّ عنِ ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- في قوله: ﴿الم﴾ [البقرة: ١]؛ أي: أنا الله أعلم (٢)، وكذا بقية الفواتح، وفيها أقوال كثيرة عن العلماء (٣) -رضيَ اللهُ تعالى عنهم-. وأوضحُ من هذا النوعِ حذف المُضافِ وإقامةُ المُضافِ إليه مقامَهُ، وهو الذي يُسمِّيه الأصوليونَ: لَحْنَ الخِطاب (٤)؛ يقول الله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف: ٤] ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٥) [يوسف: ٨٢] , وقوله (٦): ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وقولهم: بنو فلان يَطَؤُهُمُ الطريق. وهذا النوعُ واسع في اللغةِ، لا يُحصى لكثرته، وهوَ من الكلامِ الذي يبينُ آخرُهُ أَوَّلَهُ. ومن الكَلام الذي أُريدَ بهِ غَيْرُ ظاهره؛ كقولهِم: قاتلَهَ اللهُ ما أَفْصَحَهُ! وتَرِبَتْ يَمينُكَ! وما أشبه ذلك.

стр. 120

الخامس: التقديمُ والتأخيرُ: وذلك مشهورٌ في لسانِ العرب. قال ذو الرُّمَّةِ: [البحر البسيط] ما بالُ عَيْنِكَ مِنْها الماءُ يَنْسَكِبُ (١) أي: ما بال عينك يَنْسَكِبُ منها الماءُ. ويرد به القرآنُ العزيزُ، قال اللهُ ﷻ : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا﴾ [سبأ: ٥١]؛ لأنَّ الفوت يكون بعد الأَخْذِ، وقال تعالى: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ﴾ [النمل: ٢٨] , وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١] وغير ذلك من الآيات. السادس: المحاذاةُ والمُقابَلَةُ للشيءِ بمثلِ لَفْظِهِ معَ اختِلاف المعنى: وهو مشهور في لسان العرب، قال عَمْرُو بنُ كُلْثوم: [البحر الوافر] أَلا لا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فنجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلينا (٢) ومنه في كتاب الله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤، ١٥] وقولُه تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقولُه تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. ومن اتساعِ العربِ في هذا النوع استعمالُهم المُحاذاة في الألفاظِ

стр. 121

والصِّيَغِ، فقالوا: إني لآتيه بالغَدايا والعَشايا، وهنَّأني ومَرَّأَني (١)، جَعَلوا إحدى الكلمتينِ كلفظِ الأُخْرى، معَ اختلافِهِما في صورةِ الجَمْعِ والوَضْع، فجمعُ غُدْوَةٍ: غُدُواتٍ، وصيغةُ الفعل: أَمْرَأَني. ومنه قوله ﷺ في الحَديث الصحيحِ المشهور: "فيقولُ: لا دَرَيْتَ ولا تليتَ" (٢) وأصلُه: تَلَوْتَ. ومنهُ قولُهم: عندي ما سَاءَه ونَاءَهُ، أي أَنَاءَهُ، ومعناه: أثقَلَهُ. وقولهم في الدعاء: لا ذَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، وأصلُه: أَتليْتَ، ومعناهُ: لا نما له بالذُّرِّيَّةِ، ولا عاش حتى تتلوَ البناتُ الأُمهات. وذكر بعض أهل العلم أن الصحابة -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- استعملوا المُحاذاة في رَسْمِ المُصْحَف، فكتبوا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ٢] بالياء، وهو من ذَواتِ الواوِ، وقُرِنَ بغيرِهِ من ذَواتِ الياء، ومنْ هذا النوعِ قوله تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١] فاللَّامان لاما قسَمٍ، ثم قال: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] وليسَ هوَ قَسَماً، بلْ هُوَ عُذرٌ للهُدْهُدِ، لكنهُ لَمّا أتى به على أَثَرِ ما يجوزُ فيه القَسَمُ، أجراه مُجْراهُ. وقولُه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ [النساء: ٩٠]. السابعُ: أن يُسمَّى الشيءُ باسمِ (٣) ما يَؤُولُ إليهِ: كقولِ اللهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ

стр. 122

يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وقوله تَعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]. الثامنُ: أَنْ يُسَمَّى الشيءُ بما كانَ عليهِ: كقولِه ﷺ : "لا يَحِلُّ دَمُ امْرئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثلاث: كُفْرٌ بعدَ إيمانٍ" (١)، وقد سَمَّاهُ: مُسْلِماً. التاسع: تسميتُهم الشيءَ بما يَستحيلُ وُجودُه: كقولهم للأعمى: بصيرٌ، وللأحدب: غُصْنٌ، وللطويل: نَخْلَةٌ، وللأَبْلَهِ: كَيِّس، وللَّديغِ: سليمٌ، وللخبت (٢) الواسعِ: مفازةٌ. وللتمييز بين الحقيقةِ والمَجاز -عندَ الاشتباهِ- طُرُقٌ ذكرهَا النُّظَّارُ، وليسَ ذكرُها من غرضي. * * *

стр. 123

القول في الأمر والنهي الأمرُ في لسانِ العَرَبِ: ما أَوْجَبَ طاعَةَ الآمِرِ، وإذا لم يَفْعَلْهُ المَأْمورُ كان عاصياً، كَما عُقِل ذلكَ من عادتِهم إذا أمَرَ السيدُ عبدَه. ومعناهُ عندهم: الاستدعاءُ والطَّلَبُ، وسواءٌ كان بصيغة افْعَلْ، أو لِيَفْعلْ، أو غيرِهِما، وما ليسَ معناهُ الطلبَ فليسَ بأمرٍ حقيقةً، وإنْ كانَ بصيغةِ افْعَل. والكلامُ فيه يتمُّ في فَصْلَينِ: أحدُهما: في مُقْتَضى الأمرِ عندَ أهلِ العِلْمِ. والثاني: في كيفيةِ تَصَرُّفِ العربِ في استعمالِه. * * * الفصلُ الأولُ وفيه أربعُ مسائلَ: * الأولى: الأمر هَلْ يقْتَضي الوُجوبَ ؟ فيه خلافٌ كثيرٌ بينَ أَهْلِ العِلْمِ (١).

стр. 124

والصحيحُ عندَ الجُمهورِ أنهُ على الوجوبِ. والدليلُ عليهِ قولُ اللْهِ : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] , وقولُ النبيّ ﷺ : "لَوْلا أَنْ أَشُق عَلَى أمتي لأَمَرتُهُمْ بالسّواكِ عِنْدَ كُلّ صلاةٍ" (١)، وما أشبَهَهُ من الأخبار. والواجبُ على الناظر إذا ورد الأمرُ أن يَنْظُرَ، فإنْ وجدَ معَهُ شيئًا يَدُلُّ على الحَتْمِ، حَمَلهُ عليهِ، وإن وجد ما يَدُلُّ على النَّدْبِ أو غيرهِ، حَمَلَهُ عليه، وإلا حَمَلَهُ على الوُجوب. وكُلُّ ما جاز أن يُسْتَدَلَّ بهِ على تَخْصيصِ العامِّ، جازَ أن يُسْتَدَلَّ بهِ على أنَّ الأمرَ ليسَ على الوُجوب. * الثانية: إذا وردَ لفظُ الأمرِ، وفي الصيغةِ ما يدلُّ على التكْرارِ ، حُمِلَ على التّكْرار، وإنْ كانَ مُجَرَّداً، ففيهِ خلاف بينَهُمْ: فَمِنْهُمْ مَنْ قالَ: يجبُ التكرارُ على حَسَبِ الطاقةِ؛ لقوله ﷺ : "إذا أَمَرْتكمْ بأَمْرٍ فَأتوا مِنْهُ ما استَطَعْتُمْ" (٢)، وهذا داخِل في الاستِطاعَة.

стр. 125

ومنهمْ من قال: لا يَجِبُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّة واحِدَة؛ لأنهُ مُقْتَضى لَفْظِ الأَمْر (١). * الثالثةُ: الأَمْرُ هَلْ تقتَضي الفِعْلَ على الفَوْرِ، أوْ لا ؟ إنْ قُلْنا: إنَّ الأمرَ يَقْتَضي وجوبَ (٢) التكرارَ على حَسَبِ الاستِطاعَةِ، وجَبَ الفِعْلُ على الفَوْرِ؛ لأنَّ الحالة الأُولى داخلةٌ في الاستِطاعة، فلا يجوزُ إِخْلاؤها من الفِعْلِ (٣). وإنْ قُلْنا: إن الفعلَ يَقْتَضي مَرَّةً واحِدَة، فَهَلْ يَقْتضي الفَوْرَ؟ فيهِ مذهبان (٤).

стр. 126

* الرابعةُ: إذا وَرَدَ الأمْرُ بعدَ الحَظْرِ والمنعِ، فهل يقْتَضي الوُجوبَ؟ فيه مذهبان: أحدهما: يقتضي الوُجوبَ، بدليلِ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] الآية، ولأن كل لفظ اقتضى الوجوبَ إذا لم يتقدمْهُ حَظْرٌ، اقْتَضى الوجوبَ وإنْ تقدَّمَهُ حَظْرٌ؛ كقولكَ: أوجبْتُ، أو فَرَضْتُ. والثاني: لا يَقْتَضي الوُجوبَ (١)، ويكون الحَظْرُ قرينة صارفَةً لهُ عن الوجوبِ؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] , وبهذا قال مالِكٌ وكَثْرَةٌ من أصحابِ الشافعيِّ -رضي الله تعالى عنهم-. والذي أراهُ سديداً - إن شاءَ اللهُ- أنَّ الأمرَ والطلَب يرفعُ ذلكَ الحَظْرَ والمَنع، وينسَخُهُ، ويعودُ الأمرُ إلى ما كانَ قبلَ الحَظْرِ، فإن كانَ واجبًا، وجبَ المأمورُ به، وإن كانَ مُباحًا، كانَ المأمورُ به مُباحًا؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] الآية، كانَ قتلُ المشركينَ واجبًا قبلَ الأشهُرِ الحُرُمِ، فَرَجَعَ واجبًا بالأمْرِ الثاني وتقويةِ الأمْرِ الأولِ له، كقوله

стр. 127

تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] , وكقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وكانَ الإتيانُ والاصطيادُ مُباحَيْنِ قبلَ الحَيْضِ والإحْرامِ بالخِطاب المتقدم، وكذلك قوله ﷺ : "كُنْتُ نَهَيْتكُمْ عَنْ زِيارَةِ القُبورِ، فَزوروها" (١). فإن قيلَ: كانَ حَلْقُ الرأسِ مُباحًا قبلَ الإحرامِ، وكان النَّظَرُ إلى الأجنبيةِ حَراما قبلَ الخِطْبَةِ، ثُمَ أُمِرَ بذلكَ، فاستُحِبَّ هذا، ووَجَبَ ذلكَ. قلنا: إنما وَجَبَ ذلكَ للقرينةِ الدّالَّةِ الزَّائِدَةِ على صيغةِ الأمر، وكلامُنا في الأَمْرِ المُجَرَّدِ عن الأدِلَّةِ والقرائِنِ، ألا تَرى إلى قوله ﷺ : "رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقينَ" قالوا: والمُقَصِّرينَ، قالَ: "رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقينَ" (٢) الحديث. ويزيده وضوحًا وإيجابًا قوله ﷺ : "لَيْسَ على النِّساءِ حَلْقٌ، إنَّما على النِّساء التَّقْصيرُ" (٣)، وعلى الإيجابِ، ثمَّ الدلاَلةِ على استِحْبابِ (٤) نَظَرِ الأجنبيةِ ما رُوِيَ عنه ﷺ من قوله: "فإنَّه أَحْرى أَنْ يُؤدَمَ بَيْنَكُما" (٥).

стр. 128

وحاصِلُ هذا البَحْثِ راجِعٌ إلى أنَّ تَقَدُّمَ الحَظْرِ (١) قرينة صارفة للأمرِ عنِ الوجوبِ والندبِ، ولم أَرَ أحدًا بينَ هذا المُشْكِلَ حتى وَجَدْتُ الإمَام أبا بكرٍ الشاشِيِّ الكبيرَ قدْ سَبَقَ إلى هذا (٢)، وهو من أكبرِ الشافعيَّةِ، ومن شارِحي رسالةِ الإمامِ الشافعي، رضيَ اللهُ تَعالى عنهم. * * * الفصل الثاني في تَصَرُّفِ العَرَبِ بِصيغَةِ الأمرِ (٣) ولذلكَ وجوهٌ كَثيرةٌ، وكلُّها تُعْرَفُ بِمخرَجِ الكلامِ وسِياقه، وبالدّلاَلةِ القائِمَةِ من قرائنِ الأحوالِ ومُناسباتِ المقام. الوَجْهُ الأولُ: أن يكون أمرًا ومعناهُ الوجوبُ ، وهو الأصلُ والحَقيقَةُ

стр. 129

كَقَولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وقوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧]. الثاني: أمرٌ ومعناه الاسْتِحْبابُ ، وهو يشاركُ الأمرَ الحقيقيَّ في الطلبِ والصِّيغَةِ؛ كقولِ النبيِّ ﷺ : "صُمْ وأَفْطِرْ، ونَمْ وقُمْ" (١). الثالث: أمرٌ ومعناه الإرشاد ؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وكقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وكقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. الرابع: أمرٌ ومعناهُ التأديبُ ؛ كقوله ﷺ للصبيِّ: "كُلْ مِمّا يَليكَ" (٢)؛ بدليلِ كونِ الصبيِّ مَحَلاًّ للتأديبِ، لا للوُجوبِ، ولا للاستِحْبابِ. الخامس: أمرٌ ومعناهُ التخييرُ ؛ كقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] أَي: إِنْ شِئْتُمْ، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] , وكلُّ ما وردَ من الأمرِ في حُقوقِ الآدميينَ؛ كالمُعامَلاتِ والمُعاوَضاتِ التي لبعضٍ على بعض، فإنَّها إِمَّا على التخييرِ، أو الإرشاد؛ لقيامِ الدليلِ على أنه لا يجبُ على العبادِ أخْذُها واستيفاؤها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ [الشورى: ٤٣] ولقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] , وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وغير ذلك.

стр. 130

ولكن الفرقَ بينَ التخييرِ والإرشادِ أن الإرشادَ فيه تنبيهٌ على طريقِ الجَزْمِ والتَّوثُّقِ، بخِلاف التَّخْييرِ. السادس: أمر ومعناهُ الإباحَةُ ؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وهو كالتخيير، لكنهُ يفارقُ التخييرَ في أنه لا يكونُ إلا بعدَ مَنع وحَظْرٍ. السابع: أمرٌ ومعناهُ التَّسخيرُ، وبعضُهم يقولُ: التَّحْقيرُ؛ كقولِه تَعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٠، ٥١] , المَعْنى: فإنَّ القضاءَ والقُدْرَةَ جارِيَةٌ عليكمْ، وأنتم مُسَخَّرونَ لها. الثامنُ: أمر ومعناهُ التَّحْقيرُ ؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]. التاسع: أمر ومعناهُ التَّعْجيزُ ؛ كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]. العاشرُ: أمرٌ ومعناهُ التَّكوينُ ؛ ولا يكونُ ذلكَ إلا مِنَ اللهِ (١) كَقوله تعَالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] , فلما كانَ الحالُ حالَ عَدَمٍ، عَلِمْنا أنهُ للتكوينِ. الحادي عَشَرَ: أمر ومعناهُ الوَعيدُ والتَّهديدُ ؛ كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. الثاني عَشَرَ: أمر ومعناهُ التَّفَكرُ والاعْتِبارُ ؛ كقوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١].

стр. 131

الثالثَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناهُ الصَّيْرورَةُ ؛ كقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ [المعارج: ٤٢] , وكقوله تَعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] , أي: وانظُرْ إلى ماذا يصيرون إليه. الرابعَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناهُ الدُّعاء ؛ كقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. الخامسَ عَشَرَ: أمر ومعناه التَّفْويضُ والتَّسليمُ ؛ كقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢]. السادِسَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناه التعجُّبُ ؛ كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨]. السابعَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناهُ الإِنْعامُ ؛ كقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: ٥٤] وقولهِ تَعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]. الثامِنَ عَشَرَ: أمرٌ ومعناهُ التَّمَنِّي ، ولا يكونُ من الله؛ يقول الشاعر (١): [البحر الطويل] ألا أيُّها اللَّيلُ الطَّويلُ ألا انجلي التاسِعَ عَشَرَ: أمر ومعناه التَّلَهُّفُ ؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]. العِشرونَ: أمرٌ ومعناهُ الخَبَرُ ؛ كقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] ولهُ من الوجوهِ غيرُ ذلكَ مِمَّا لا (٢) يَحْضُرني الآنَ. وفيما ذكرتُه من تَعْريفِ موارِدِ الخِطاب كِفايَةٌ.

стр. 132

وقد يردُ الخطابُ بأمرَينِ على مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ؛ كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] فالإيتاءُ واجِبٌ، والأَكْلُ مُباحٌ، وكقولهِ تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] , وهوَ في الحُكْمِ كالآيةِ الواحدةِ التي يَرِدُ بعضُها على العُموم، وبعضُها على الخصوص (١). فصل * ويتِمُّ بيانُ النَّهي في مَسْألتينِ: إحداهُما: النَّهْيُ يقْتَضي التَّحْريم (٢)، وليسَ له إلا وَجْهٌ واحِدٌ عندَ الإمامِ أبي عبدِ الله الشافعي -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -، والمَنْهِي عنهُ ضَرْبانِ: أحدُهما: أن يكونَ أصلُ الذي وقعَ فيه النَّهْيُ التَّحْريمَ والمَنْعَ، ثُمَ أَحَلّه الشرعُ بِشُروطٍ، ونُهِيَ الإنسانُ أنْ يَفْعَلَهُ على وَجْهٍ مِنْ وجوه النهي، فإذا فَعَلَهُ على الوَجْهِ المَنْهِيِّ عنهُ، فهو عاصٍ، وفعلُه فاسدٌ مَنْقوضٌ، وذلكَ كالنَّهْي عن بَيع الغَرَر، وبَيْعٍ وشَرْطٍ، وما أَشْبَهَ ذلكَ، وكالنكاحِ المَنْهِيِّ عنه؛ كَنِكاح المُتْعَةِ، ونكاح الشغارِ (٣)، فهوَ عاصٍ بفِعْلِهِ، وفعلُهُ فاسِدٌ.

стр. 133

والضربُ الثاني: أن يكونَ أصلُ الذي وقعَ فيهِ النَّهْيُ الحِلَّ والإباحَةَ، فهو على التَّحْريمِ أيضًا عندَ الشافعيِّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - وذلكَ (١) كالأكلِ واللُّبْس، أصلُهما الحِلُّ والإباحَةُ، ونَهَى النبيُّ ﷺ عن اشْتِمالِ الصَّمّاءِ (٢)، ونَهى أنْ يَحْتَبِيَ الرجلُ بثوبٍ ليس على فَرْجهِ منهُ شيءٌ (٣)، ونهى أن يأكلَ الإنسانُ ممّا لا يليهِ (٤)، ومنْ وَسَط الطعامِ (٥). قال الشافعيُّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهُ- في كتابِ "الرِّسالَةِ": فإذا عَلِمَ بالنَّهْي، وفَعَلَهُ على الوَجْهِ المَنْهِيِّ عنهُ، فهو عاصٍ بِفِعْله ما نُهِيَ عنه، فَلْيَسْتغفِرِ الله، ولا يَعُدْ. قال: ولا فرقَ بينهُ وبينَ القِسْمِ الأولِ في المعصيةِ، بل أُحِلَّ لهُ ما أُحِلَّ لَهُ، وحُرِّمَ عليهِ ما حُرِّمَ عليهِ، وما حُرِّمَ عليهِ غيرُ ما أُحِلّ لهُ، وما أُحِلّ لهُ

стр. 134

غيرُ ما حُرِّمَ عليهِ، ومَثَلُهُ الزوجةُ والجاريةُ إذا كانتا حائِضَتينِ، فَوَطْؤُهما حرامٌ في حالِ الحَيْض، وليسا بِحَرام على مالِكِهِما في غيرِ تلكَ الحالِ، بِخِلافِ القِسْمِ الأَوَّلِ (١). هكذا ذكرهُ في "الرِّسالة"، وبَسَطَ القَوْلَ فيهِ، ومعنى كلامِهِ ومراده: أنَّ النَّهْيَ يُحْمَلُ على التَّحريمِ مُطْلَقا، سواءٌ صادَفَ النَّهْيُ مَحَلا حَرامًا أو حَلالاً، فقدْ يكونُ الشيءُ حَلالاً من وجهٍ، وحَراماً من وجهٍ، فلا تكونُ حلالِيةُ المَحَلِّ قرينةً صارفَةً للنَّهْي عن التَّحْريمِ إلى الكَراهَةِ، ولا يُنْكِرُ الشافعيُّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - أَنَّ النَّهْيَ قد ينزلُ عنْ دَرَجَةِ التَّحْريمِ إلى الكَراهَةِ، وإلى دونها، إذا دَلَّ عليهِ الدَّليل، وقدْ صَرَّحَ بذلكَ في غيرِ مَوْضِعِ من رسالتِهِ، فمنْ ظَنَّ بهِ غيرَ ذلكَ، فقد غَلِطَ عليه، وربَّما قَدْ ظَن من ضعُفتْ بصيرَته منَ المُتَأَخريَن عن إدْراكِ مُراده لَمّا أَنْ وَقَفَ على هذه المقالةِ في كِتابِ "الرسالة" أَنْ يَقولَ بتحريمِ اشْتِمالِ الصَّمّاءِ والأكلِ من وسَطِ الإناءِ، وما أشبهَ ذلكَ؛ وليس الأمرُ على ما ظَنَّ، فَلْيُنْتبَهْ لِذلكَ. المسألة الثانية: النَّهْيُ هل تقْتَضي الفَساد؟ فيه أقوالٌ: أحدُها: يقتضي. والثاني: إنْ أخلَّ بشرطِ المَنْهِي عنهُ، اقْتَضى الفساد، وإلَّا لم يَقْتَضِ. والثالثُ: إنْ كانَ النهيُ يَخْتَصُّ الفِعْلَ المَنْهِيَّ عنه؛ كالصلاةِ في المكانِ النَّجِسِ، اقْتَضى الفَسادَ، وإن لمْ يَخْتَصَّ المنهيَّ عنهُ؛ كالصَّلاةِ في الدَّارِ المَغْصوبة، لم يَقْتَضِ الفَساد (٢).

стр. 135

ولم يَظْهَرْ مَيْلُ الشافِعيِّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهُ- إليه في كتابِ "الرِّسالةِ". * * *

стр. 136

القول في الخبر الخَبَرُ في لسانِ العربِ: هو الإعْلامُ. وعندَ النظارِ: ما احتَمَل التصْديقَ والتكذيبَ (١)، وهوَ: إفادَةُ المُخاطَب مَعْنًى في زَمَنٍ ماضٍ أو مُسْتَقْبَلِ أو دائِمٍ، نحو: قامَ زيدٌ، وزيدٌ يقومُ، وزيَدٌ قائِمٌ. فمنهُ ما يُقْطَعُ بِصِدْقِه؛ كالخَبَرِ المُوافِقِ لما أَوْجَبَهُ الحِسُّ. ومنه ما يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ كالذي يُخالِف الحِسَ والعَقْلَ. ومنهُ الجائِزُ المُحْتَمل، وهو ما عَدا ذلك (٢). والوجوهُ التي يَرِدُ بِها لفظُ الخَبَرِ كثيرةٌ: فمنها: التعجُّبُ، نحو: ما أحسن زيدًا!

стр. 137

والتَّمَنِّي، نحو: وَدِدْتُكَ عندَنا. والإنكارُ، نحو: مالَكَ عندي شيءٌ. والنَّفْيُ، نحو: لا بأسَ عليكَ. والنهْيُ، نحو ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩]. والتعظيمُ: سُبَحانَ الله. والدُّعاءُ، نحو: عفا اللهُ عنكَ. والوعيدُ، نحو: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. والتبكيتُ، نحو قولهِ : ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩]. والشرطُ والجزاءُ، نحو قوله تَعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] فظاهرُهُ خَبَرٌ، والمعنى: إنَّا إنْ نَكْشِفِ العَذابَ عَنْكُمْ، تَعودوا لمثلِهِ. والأمر؛ كقوله تَعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. * * *

стр. 138

القول في القرائن اعلموا -أَرْشَدَكُمُ اللهُ الكَريمُ وإيَّايَ- أَن القرائِنَ المُحْتَفةَ بالكَلام- منْ قَضايا الأحوالِ وموارِدِ الخِطاب ومقاصِدِ الأقوالِ - تَصرِف الألفاظَ عن حَقائقِها المَوضوعَةِ لها. ويكونُ بَيِّنا عندَ مَنْ وقفَ على القَرائِنِ، مُشْكِلًا عندَ مَنْ جَهِلَها. ولو نُقِلَتِ القَرائِنُ بأجْمَعِها, لَتوارَدَتِ الأَفْهامُ على كثيرِ من مَعاني خِطابِ الله تعالى، وخطابِ رسوله ﷺ ، لكنْ بينَها ما لم يُمْكِنْ نقلُه عندَ نَقْلِ الخبر، ومنها ما يَتْرُكُه الرَّاوي اخْتِصارًا، ومنْها ما لم يسمعْه؛ بأنْ يأتيَ في حالِ سَماعِ الحَديثِ، ولمْ يعلمْ سبَبَ الحَديث، وغيرُ ذلكَ منَ الأمور. وقَصْدُ المُتكلمِ من أقوى القرائنِ التي يَقِلُّ نَقْلُها، وَيْكثُرُ خَفاؤها، معَ كثرةِ لُزومها للخطابِ الذي لم يردْ على سبَبٍ، وسأذكرُ من ذلكَ جملةً نافعةً لتعلموها، وتنتفعوا بها إن شاء الله تعالى. قال اللهُ ﵎: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فهذا حَصْرٌ بالنَّفْيِ والإثباتِ، فقالَ -من لمْ يعلمْ بالقرينةِ، ولم يطلِعْ على القَصْدِ-: بتَحْليل ما عَدا المذكورَ المَحْصورَ، واعتقدَ أن الآية سيقت للحَصْرِ في المُحَرَّمات، وليسَ كذلكَ، بلْ قصدُ اللهِ بهذهِ

стр. 139

الآيةِ الرَّدُّ على المُشركين، وذلكَ أَنَّهم كانوا يُحِلُّون المَيْتةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزيرِ وما أُهِلَّ بهِ لغيرِ اللهِ، ويتحرَّجونَ عنْ أشياءَ كثيرةٍ منْ مُباحاتِ الشرعِ، ويرونَها حَراما، فقصدَ الرَّدَّ عليهم بالخطابِ المُتَضَمّنِ للنَّفْي والإثباتِ لِيكونَ أَبْلَغَ في الرَّدِّ، فكأنهُ قال: قُلْ لا أجِدُ حَرامًا إلا ما حَلَّلْتُموه، ولا أجِدُ حَلالاً إلَّا ما حَرَّمْتُموه، وأَكَّدَهُ بالنَّفْي والإثباتِ، ولم يَقْصِدْ حقيقةَ النفيِ والإثباتِ مُطْلَقاً، ولو قصدَ ذلكَ، لوجبَ أَنْ يُحِلَّ كُلَّ ذي نابٍ من السِّباع، وكلَّ ذي مِخْلَب من الطَّيْرِ، وغيرَ ذلك من الخبائِثِ، وقَدْ نهى عنهُ ﷺ (١). ومثلُهُ قولُ اللهِ ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]. القَصْدُ من هذهِ الآيةِ الذَّمُّ للكافِرينَ والتهديدُ لهم، لا بيانُ حُكْمِ الإنْفاقِ، فلو تَمَسَّكَ مُتَمَسِّكٌ بوُجوبِ الزكاةِ فيما دون النِّصابِ، واحتجَّ بهذهِ الآيةِ، وقال: هي عامَّةٌ في القليلِ والكثيرِ؛ لأَنَّ لفظَها عامٌّ، لَمْ يَجُزْ؛ لأنَّ ذلكَ لمْ يُقْصَدْ بالآية؛ خِلافاً لبعض أصحابِ الشافعيِّ في هذهِ الآيةِ؛ وفي نظائِرِها من الآياتِ اللاتي يَقْتَضين المَدْحَ والذَّمَّ؛ كقوله تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥]. ومثلُهُ قولُه ﷺ : "فيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ" (٢)، القَصْدُ بِه بيانُ مِقدارِ

стр. 140

الزكاة، لا بيانُ ما تَجِبُ فيهِ الزكاة، فلو تمسكَ بهِ متمسكٌ في وجوبِ الزكاةِ في القليلِ، لم يَصِحَ. ومثلهُ قولُه ﷺ : "إن صَلاتَنا هذهِ لا يَصْلُحُ فيها شَيء مِنْ كَلامِ الآدَمِيِّينَ، إنَّما هِيَ التسبيحُ والتهْليلُ" (١)، القَصْدُ بذلكَ تعليمُهُ أنَّ الخطابَ بالكَلام في الصَّلاةِ لا يَصْلُحُ، فلو تمسّكَ به متمسك بانَّ الدعاءَ بأمورِ الدُّنيا في الصَّلاةِ يُبْطِلُها؛ كقولِ السائِل: اللَّهُمَ ارْزُقْني زَوْجَة حَسَنَة، أو دارًا واسعة؛ لأنَّ هذا يُشْبِهُ كَلامَ الآدميينَ، لَمْ يصحَّ. فلو قالَ أيضًا: هُنا حَصْرٌ، وهو قولُه ﷺ : "إنَّما هيَ التَّسبيحُ والتَّهْليلُ" لم يَصِحَّ؛ لِمَا ذكرتُ من أنه قصدَ تعليمَه تحريمَ خِطاب الآدميينَ بَعْضِهم مَعَ بعضٍ في الصَّلاةِ، كَما هو السَّبَبُ الذي وردَ عليهِ الخِطابُ. وهذا كثيرٌ في القرآنِ والسُّنَة لا ينتبه لهُ إلا منْ هداهُ اللهُ الكريمُ، ورسخَتْ قدمُهُ في العِلْم، فنسألُ الله الكريمَ الهِداية والرحمةَ بفضلِه، إنه ذو الفَضْلِ العظيمِ. * ثم اعلموا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أنِّي لا أقولُ بقَصْر الأَلفاظِ على أسبابها، وإن كانَ قدْ ذهبَ إليهِ جَماعَةٌ منْ أهلِ العلمِ؛ فإنَّ أكثرَ أَحكامِ الشرعِ وردَتْ

стр. 141

على قَضايا وأسبابٍ، ولم تُخَصَّ بها أَسْبابُها, ولم تقصرْها عليها، وذلكَ كآيةِ القَذْفِ (١) واللِّعانِ (٢) والظّهار (٣)، وغيرِ ذلك، وكقوله ﷺ : "الوَلدُ للفِراشِ، ولِلعاهِرِ الحَجَرُ" (٤)، وكقوله ﷺ في بئر بُضَاعَة: "الماءُ طَهورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ؛ إلَّا ما غَيَّرَ طَعْمَهُ أو ريحَهُ" (٥)، وغيرِ ذلك. ولكنْ ينبغي للناظِرِ أن ينظرَ في قرائنِ الألْفاظ، وشواهِدِ الأحْوالِ، فإنْ لم يجدْ ما يدلُّ على تَعْدِيَةِ الحُكْمِ، أو قَصْرِهِ، نظرَ في الأدِلَّةِ الخارجَةِ، فإنْ لم يجدْ أُمْضِيَتِ الأَلْفاظُ على حَقائِقِها وأَوْضاعِها؛ كما هوَ مذهبُ الإمامِ أبي عبدِ اللهِ الشافعيِّ رحمهُ اللهُ تعالى (٦). * * *

стр. 142

القولُ في مَعرفة المُتشابه والمُتعارض أما المُتشَابه (١)، فإنَّه ورَد على معنيينِ مختلفينِ في آيتينِ من كتاب اللهِ ﷻ : إحداهما: قولُه ﷻ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧] فهذه الآية قد كَثُر فيها كلامُ أهلِ العِلْمِ من الخَلَفِ والسَّلَفِ؛ لعِظَمِ شأنِها، فاختلفوا في حقيقةِ المُتَشابهِ، وفي موضِع الوَقْفِ منها عندَ التّلاَوةِ. أما المحكم، فقالَ ابنُ عَبّاسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-: المُحْكَماتُ

стр. 143

اللَّواتي هُنَّ أُمُّ الكِتاب مثلُ قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخِرِ الثلاثِ الآياتِ، وهُنَّ أُمُّ كل كتاب نزلَ (١). والمُتشابِهاتُ: ما اشْتبَهَ على اليَهودِ حينَ سَمِعوا ﴿آلم﴾ فقالوا: هذا بالجُمَّلِ أَحَدٌ وسبعونَ، وهذا غايةُ أَجَلِ هذهِ الأُمَّة، فلما سمعوا ﴿آلر﴾ وغيرَها، اشْتبَهَتْ عليهم (٢). وقال جابرٌ ﵁: المُتشابهُ ما لا يُعلم تعيينُ تأويلِه؛ كقيامِ الساعةِ، وخُروجِ دابّهِ الأرضِ، ويأجوجَ ومَأجوجَ. وقال عبد الملك بن جُريج: هو ما لا سبيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ، والمَرْءُ مُبتلًى باعتقادِ حَقيقَتِهِ لا غَيْر، كَصِفَةِ اليَدِ والوَجْهِ والاسْتِواءِ؛ لأنَّه تَخَالَفَ فِيهِ السَّمْعُ والعَقْلُ (٣)؛ لاشْتِباهِ لَفْظِهِ بما لا يَليقُ بمعناهُ، والحِكْمَةُ فيهِ اعترافُ العبدِ بعَجْزِهِ، فَيَذِلُّ لمَولاه، فالحكيمِ إذا صَنَّفَ كِتاباً؛ ربَّما أَبْهَمَ فيما أَفْهَمَ؛ ليرجِعَ الطالبُ في ذلكَ إليهِ، فيأخَذ مِمَّا لَدَيهِ، ويعترفَ بِعَجْزِهِ وافْتِقارهِ إليه. وقال بَعْضُهُمْ: المُتَشابِهُ: هو القصصُ والأَمْثالُ، والمُحْكَمُ: هوَ الحلالُ والحَرامُ (٤). وهذا ضعيف جدًا (٥).

стр. 144

وأَمَّا الوَقْفُ على المَوضِعِ الذي تَمَّ بهِ المَعْنى (١)، فهوَ على قوله سبحانَه: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ على قولِ منْ زَعَم أنَّ الراسخينَ لم يعلموا تأويلَهُ، وهمْ أكثرُ أهلِ العلمِ منَ المُفَسِّرينَ وغَيْرِهم، ويكونُ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مُبْتَدَأَّ بَعدَ وَقْفٍ، ويشهدُ له قراءةُ عبدِ اللهِ: (إنْ تأويلُه إلَّا عندَ اللهِ) (٢)، وقراءَةُ أُبَيٍّ وابنِ عباس ﵄، (ويقولُ الرَّاسخونَ) (٣) الآية. الثانية: قوله ﷻ : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ

стр. 145

تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣] فقيلَ: متشابِهاً في العَدْلِ والإِعجاز، وقيل غيرُ ذلك مِمّا هو في معناهُ (١). و ﴿مَثَانِيَ﴾ قال ابنُ عَبّاسٍ ﵁: يُحْمَلُ بعضُها على بعضٍ (٢). وهذانِ النوعانِ -أعني نَوعَي المُتَشابِهِ- مِمّا اخْتَصَّ بهما القرآنُ، وكذا السُّنَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ -على صاحبِها أفَضلُ الصلاة والسلام-. وهذا النوعُ الثاني من المتشابِهِ على قسمين: أحدهما: الاقْتِصاصُ (٣)، وهو الاتِّباعُ، مأخوذٌ من قولِهِم: اقْتَصَّ الأَثَرَ إذا اتّبَعَهُ (٤)، وهو أن يكونَ كلامٌ في سورةٍ مَقْرونا بلامِ الذكْرِ، فيقتصُّ العالِمُ ذلكَ من كلامٍ آخَرَ، إمّا في تلكَ السورةِ، وإمّا في سورةٍ أخرى؛ كقولِ اللهِ ﷻ : ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] والآخرةُ دارُ ثوابٍ وجَزاءٍ لا عَمَلَ فيها، فهذا مُقْتَصٌّ من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: ٧٥]. ومثلُه قولُ اللهِ : ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ [الصافات: ٥٧] , والمُحْضَرُ مأخوذٌ من قولهِ تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ
следующие страницы →