← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1484

دليل الحيران على مورد الظمآن

المارغني التونسي

Полный текст (461 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الكتاب الأول: دليل الحيران على مورد الظمآن في فني الرسم والضبط بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مدخل لدراسة القراءات والقراء: القراءات: تجمع القراءة، وتطلق في اللغة على أنها مصدر: قرأ، كما اصطلح عليها أنها علم بكيفية أداء كلمات القرآن الكريم، ويتجلى ذلك في التخفيف، والتشديد، والترقيق والتفخيم١، واختلاف ألفاظ الوحي المنزل على النبي ﷺ ، للإعجاز والبيان. والقراءات هي اختلاف الوحي في الحروف وكيفيتها، غير أنها تعتمد كلية على التلقي والمشافهة؛ لأن هذا العلم الإسلامي الخالص لا يحكم إلا بالسماع والمشافهة، ولذا فقد اشترط العلماء في صحتها ضوابط منها: ١- أن توافق القراءة رسم المصحف العثماني. ٢- أن تنقل بالتواتر؛ لأن القراءات الصحيحة لا تثبت إلا السند الصحيح المتواتر حتى، ولو وافقت رسم المصحف الإمام. ٣- أن توافق وجها من وجوه اللغة العربية٢. فإذا تحققت هذه الضوابط تحققت صحة القراءة، وإذا اختل ضابط منها اختلت القراءة، وضعف العمل بها. والقراءات القرآنية وحي من عند الله تلقاه الرسول ﷺ عن الله بواسطة ملك الوحي جبريل ﵇، ولقنه النبي ﵊ لصحابته، وعنه نقلت القراءات القرآنية بالتواتر، لقد روي عن الإمام ابن تيمية فتوى برواية ابن العباس، وأم المؤمنين عائشة ﵃: أن جبريل كان يعارض النبي ﵊ بالقرآن في كل مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضة مرتين٣، ويعزز ما أوجده الإمام ابن تيمية في هذه

стр. 2

الرواية حديث الأحرف السبعة، ونص حديث الأحرف السبعة أخرجه الإمام البخاري، والإمام مسلم في صحيحيهما برواية الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه١. والقراءات القرآنية هي أهم، وأصعب ما واجه كتبة المصحف الشريف، ولا سيما أن المصحف كان خاليا من الإعجام والشكل، فكان ذلك الحل الأوفق لمشكلة استيعاب جل القراءات، فاتسع المصحف لجل هذه القراءات التي تواترت إلى اليوم وإلى ما شاء الله. القرآن الكريم والقراءات القرآنية: من المعروف أن تدوين القرآن الكريم بدئ، وشرع فيه في حياة الرسول ﷺ . وكان كتاب النبي ﵊ يكتبون الوحي، ومن هؤلاء الخلفاء الأربعة، ومعاوية، وإبان بن سعيد، وخالد بن الوليد، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وثابت بن قيس، وأرقم بن أبي، وحنضلة بن ربيع. فكان ﵊ إذا نزل عليه شيء أمر أحد كتابه بكتابة ما أنزل عليه، فيما تيسر لهم حتى في العظام، والرقاق، وجريد النخل ورقيق الحجارة. جمع القرآن الكريم: وقد جمع القرآن الكريم لأول مرة في عهد الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه٢، بإشارة ثم بإلحاح شديد من عمر بن الخطاب٣، وذلك بعد موقعة اليمامة، مع مدعي النبوة مسيلمة الكذاب، وفي عهد الخليفة الثالث٤، عثمان بن عفان ﵁ جمع القرآن الكريم في المصحف الإمام من طرف مجموعة من الصحابة رضوان الله عليهم بتكليف من الخليفة عثمان، وهؤلاء هم.

стр. 3

١- زيد بن ثابت. تـ/ ٥٤هـ١. ٢- سعيد بن العاص. تـ/ ٥٨هـ٢. ٣- عبد الرحمن بن الحارث. تـ/ ٤٣هـ٣. ٤- عبد الله بن الزبير. تـ/ ٤٣هـ٤. ٥- أبو الدرداء. تـ/ ٣٢هـ٥. ٦- سعيد بن عبيد بن النعمان. تـ/ ١٦هـ٦، وهو أول من جمع القرآن الكريم على عهد الرسول ﵊. فأعد هؤلاء الصحابة المصاحف المستحسنة على الوجه المطلوب والمرغوب فيه، وأرسلت إلى الأمصار وقتئذ، وأرسل مع كل مصحف مقرئ لإقراء الناس ما يحتمله المصحف الشريف، فأرسل: ١- زيد بن ثابت مع مصحف المدينة٧. ٢- عبد الله بن السائب. تـ/ ٧٠هـ مع مصحف مكة٨.

стр. 4

٣- المغيرة بن أبي شهاب. تـ/ ٩١هـ مع مصحف الشام١. ٤- أبو عبد الرحمن السلمي. تـ/ ٧٤هـ مع مصحف الكوفة٢. أما المصحف الإمام فقد احتفظ به الخليفة عثمان٣ ﵁ لنفسه، وسمي الإمام؛ لأنه اعتبر الأصل لباقي مصاحف الأمصار المرسلة، وأنه المرجع للأمة. ولما كان المعول عليه في القرآن الكريم إنما هو التلقي، والأخذ ثقة عن ثقة وإماما عن إمام إلى النبي ﷺ ، فعلينا أن نرى كيف تواتر القرآن الكريم، وتواترت القراءات وتأصلت، ولنبدأ بطبقات الحفاظ من الصحابة والتابعين في الأمصار الإسلامية. ١- طبقات الصحابة الحفاظ الذين منهم: عثمان، وعلي، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو موسى الأشعري وبعض هؤلاء كتب المصاحف وأرسل معها إلى الأمصار. ٢- طبقات التابعين الذين أخذوا عن هؤلاء منهم: ابن المسيب، وعروة، وسالم، وعمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، وأخوه عطاء، وزيد بن أسلم ومسلم بن جندب، وابن شهاب الزهري، وعبد الرحمن بن هرمز، ومعاذ بن الحارث المشهور بالقارئ. الأمصار الإسلامية التي اشتهرت بالقراء، والقراءات هي: أ. مكة وطبقات قرائها: عطاء ومجاهد، وطاوس، وعكرمة، وابن أبي مليكة، وعبيد بن عمير. ب. الكوفة وطبقات قرائها: علقمة، والأسود، ومسروق، وعبيدة، والربيع بن هيثم، والحرث بن قيس، وعمر بن شرحبيل، وعمر بن ميمون، وأبو عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش، وعبيد بن فضلة، وأبو زرعة بن عمرو، وسعيد بن جبير، والنخعي، والشعبي.

стр. 5

ج. البصرة وطبقات قرائها: عامر بن عبد القيس، وأبو العالية، وأبو رجاء، ونصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، وجابر بن زيد، والحسن البصري، وابن سيرين، وقتادة. د. الشام وطبقات قرائه: المغيرة بن شهاب المخزومي صاحب الخليفة عثمان ﵁، وخالد بن سعيد صاحب أبي الدرداء. ثم تفرع عن هؤلاء أناس اشتهروا بالضبط والعدالة، والعناية بالقرآن والقراءات، فظهر القراء السبعة والعشر والأربع عشرة. وقد كانت قراءة النص القرآني صحيحة اعتمادا على الحفظ أولا، والسليقة ثانيا، ورغم هذه الفطرة اللغوية، فقد بدأ النزوع لقراءة القرآن الكريم وفق العادات الصوتية لكل قبيلة، وهذا الاتجاه لم يخل منه زمان حتى زمان صاحب الرسالة ﷺ . أما الاختلاف في القراءات، فإن الرعيل الأول من التابعين استطاع قراءة الآية الواحدة أربع، أو خمس قراءات مختلفة، وإلى هذا النوع من الاختلاف يرى الباحث أن هناك جوانب متعددة ساعدت على نشوء الدراسة اللغوية، والعلمية للنص القرآني في زمان مبكر جدًّا، وعملت على تطور هذه الدراسة تطورا سريعا، ومنسجما مع الظروف التي واكبت التطور اللغوي في كل مجالاته. إلا أن الدراسة قد بدأت بسيطة ولا سيما بعد جمع القرآن الكريم في مصحف واحد وبلغة قريش، وهنا برزت رواية تزعم: أن أبا الأسود الدؤلي١. ت/ ٦٩هـ/ ٦٨٨م هو أول من قام بوضع رموز تدل على الحركات، وكان ذلك بإيعاز من زياد ابن أبيه تـ/ ٥٣هـ/ ٦٧٣م، ورواية أخرى تزعم: أن نصر بن عاصم٢. تـ/ ٨٩هـ/ ٧٠٧م. هو أول من قام بهذا العمل، وقد لا يهم من قام به أو فعله؛ لأن هذا العمل التحسيني تلقى معارضة

стр. 6

شديدة من الصحابة، وكان على رأسهم ابن عمر رضي الله عنه١، والتابعين وفي مقدمتهم: محمد بن سيرين٢، ٤/ ١١٠هـ وقتادة بن دعامة٣. تـ/ ١١٨هـ، والنخعي أبي عمران إبراهيم بن قيس٤. تـ/ ٩٦هـ. ويظهر من تاريخ تدوين القرآن وكتابته، أن إضافة النقط إلى المصحف ترجع إلى العصر الأموي "٤٠-١٣٢هـ"، هذا ما اعتمده ابن أبي داود السجستاني٥ حيث قال: أن عبد الله بن زياد٦. تـ/ ٦٩هـ/ ٦٨٨م، والي البصرة والكوفة انتدب كاتبه يزيد بإعجام المصحف.

стр. 7

نشوء المدارس الخاصة بالقراءات القرآنية: يرى جل المؤرخين أن نشأة هذه المدارس يرجع إلى النصف الثاني من القرن الأول الهجري، وقد تكون بعضها بالمدينة، ومكة، والبصرة، والشام، واليمن، ومصر. إلا أن هذه المصادر تكاد تنعدم أحيانا في هذا الباب، وكذلك حول ما دون من القراءات باستثناء كتاب فضائل القرآن لأبي عبيد بن سلام١. تـ/ ٢٢٤هـ/ ٨٣٨م وتفسير الطبري٢. تـ/ ٣١٠هـ/ ٩٢٣م، وأقدم كتاب في القراءات ليحيى بن يعمر تـ/ ٨٩هـ/ ٧٠٧م، وهو أحد تلامذة أبي الأسود الدؤلي. تـ/ ٦٩هـ/ ٦٨٨م، وإلى جانب هذا هناك كتاب اختلاف مصاحف العراق، والشام، والحجاز لعبد الله بن عامر اليحصبي. تـ/ ١١٨هـ/ ٧٣٦م، وقد

стр. 8

ظهرت محاولة النحاة في إيجاد قراءة سليمة، وملزمة للقرآن الكريم في العصر الأموي "٤٠-١٣٢هـ" إلا أنها تلقت معارضة شديدة، وأغلب الظن أن أبا عمرو بن العلاء كان أعظم من مثل هذا الاتجاه في الكتابة والتأليف. العصر الأموي ٤٠-١٣٢هـ: قد كاد أن يقع الإجماع على أنه لم يدون في العصر الأموي من العلوم على وجه الصحة، إلا النحو في رسائل صغيرة، والحديث في الكتاب الذي أمر به الخليفة الخامس من الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز١ تـ/ ١٠١هـ/ ٧١٩م، والتابعين من كتب التفسير وعلوم القرآن، فليس إلا مجموع روايات منقولة عنهم، صحيحة أو ضعيفة جمعت، ودونت من طرف بعض علماء العصر العباسي "١٣٢-٦٥٦هـ"، وسمي هؤلاء باسم الصحابة، والتابعين الذين نقلت عنهم هذه الروايات من ذلك تفسير ابن عباس رضي الله عنهما٢، وقد طبع بمصر قديما، وروي عنه بطرق ضعيفة، وليس معنى ذلك أنه لم يدون في عصر بني أمية أي كتاب أو لم يكن هناك علماء، وأئمة في العلوم الدينية بإمكانهم التأليف في الكتب الجامعة، ولكنهم كانوا يحجمون عن التأليف؛ لأنه لم يؤثر أمر صريح صحيح بتدوين كتب الدين سواء عن النبي ﷺ ، أو صحابته رضوان الله عليهم، باستثناء القرآن الكريم، وكان بعضهم يظن أن التأليف بدعة في الإسلام ففضلوا الرواية، والحفظ خوفا أن يفسروا كتبا، ومؤلفات لا يعلمون مدى مبلغ صحتها وعدم صحتها. ومن علماء العصر الأموي في القراءات القرآنية: ١- المقرئ الفقيه عبد الله بن عامر بن يزيد اليحصبي الدمشقي٣. تـ/ ١١٨هـ/ ٧٣٦م، وقد عد في الجيل الأول من التابعين، وهو أسن علماء القراءات السبع الصحيحة عمرا، وتولى القضاء في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك.

стр. 9

٢- المقرئ الفقيه عبد الله بن كثير بن عبد المطلب المكي١. تـ/ ١٢٠هـ/ ٧٣٧م، وهو أحد أصحاب القراءات السبع المشهورين بالقراء، روى عن عدد من الصحابة والتابعين، كان مقرئا للقرآن الكريم، حافظا له كما كان ضليعا في اللغة، تولى منصب القضاء بمكة المكرمة. ٣- المقرئ الفقيه عاصم٢ بن أبي النجود أحد القراء السبعة، عاش في الكوفة، وروى الحديث عن جماعة من التابعين، حتى عد من علماء الحديث، والقراءات القرآنية تـ/ ١٢٧هـ/ ٧٤٥م. العصر العباسي "١٣٢-٦٥٦هـ": عرفت الأمصار الإسلامية: البصرة، والكوفة والشام، في هذا العصر تطورا كبيرا في الدراسات العلمية المختلفة في شتى مجالات الثقافة، وخاصة علم القراءات، ولا يخفى ما أسهم به النحاة وأهل اللغة في إغناء تلك الدراسات، فإليهم ترجع المحاولات الجادة في كل المواضيع الصعبة، ويظهر منهج أبي عبيدة٣ اللغوي البصري. تـ/ ٢١٠هـ/ ٨٢٥م المحدد في شرح تلك المواضيع، فقد حاول أن يحدد لها شواهد من الشعر العربي القديم، وأن يفسرها بشذوذ اللغة، ومن الذين حاولوا ذلك أيضا اللغوي الكبير إمام النحاة سيبويه٤ تـ/ ١٨٠هـ/ ٨٩٦م، الذي اعتمد القراءة الشائعة في البصرة، وفي مراكز أخرى، ولم يطلع على القراءة الدمشقية، وقد اتخذ أبو عبيد القاسم بن سلام٥ تـ/ ٢٢٤هـ/ ٨٣٨م، في قضايا الخلاف بين مدرستي البصرة والكوفة، ووقف من ذلك موقف الإنتقاء، وأدخل فيه من القراءات مبدأ الاختيار، ونهج هذا النهج أبو حاتم السجستاني٦. تـ/ ٢٥٥هـ، /٨٦٨م وقد لا يفضي هذا إلى تفضيل قراءة على قراءة، وانتهت تلك القراءة بسيادة التيار

стр. 10

السلفي الذي انتشر بعد ذلك في جل الأمصار الإسلامية، وقد نشأ نظام القراءات السبع من جميع القراء، وناهيك عن كتاب السبعة لأبي بكر بن مجاهد الذي جمع القراءات السبع في نسق واحد، وكان ذلك لأول مرة في تاريخ هذا الفن، وقد جمع هذا اللغوي المقرئ في كتابة كتابه القراء السبعة الذين اختارهم، وهم زيادة على قراء العصر الأموي. من علماء العصر العباسي في القراءات القرآنية: ١- أبو عمرو بن العلاء بن عمار البصري أحد القراء السبعة، عرض على الحسن، وأبي العالية وعاصم وغيرهم، ثقة صدوق زاهد. تـ/ ١٥٤هـ/ ٧٧٠م١. ٢- حمزة بن حبيب بن عمار الزيات الكوفي، عد في القراء السبعة، وهو عالم بالقراءات والفقه، أورد له ابن النديم كتاب القراءة، وكتاب الفرائض. ت/ ١٥٦هـ/ ٧٧٣م٢. ٣- علي بن حمزة الكسائي. تـ/ ١٨٩هـ/ ٨٠٤م، إمام المسلمين في القراءات والعربية، فريد عصره في لغة العرب وأعلم أقرانه بالغريب، هو أبو الحسن مولى بني أسد، وكان من أولاد الفرس من سواد العراق انتهت إليه رئاسة القراءة بالكوفة بعد وفاة شيخه حمزة بن حبيب٣. ٤- نافع بن عبد الرحمن الليثي أحد أصحاب القراءات السبع نشأ بالمدينة، أخذ العلم قراءة عن سبعين من التابعين، ورغم ذلك فلا يعد ثقة عند البعض، ومن تلامذة الأصمعي، وقالون وورش، والأزرق٤ ت/ ١٦٩هـ/ ٨٨٥م.

стр. 11

الجدول البياني للقراء السبعة ورواتهم: صورة سكانر

стр. 12

الجدول البياني للقراء الثلاثة المكملين للعشرة ورواتهم: صورة سكانر وبالإضافة إلى القراء السبعة الذين اختارهم ابن مجاهد، والثلاثة الذين اختارهم ابن الجزري١٠ الدمشقي. ت/ ٨٣٣هـ. ظهرت القراءات العشر، ثم أضيف إلى هذا الفن قراء آخرون وهم:

стр. 13

القراء الذين أضيفوا إلى العشرة: ١- الحسن البصري. ت/ ١١٠هـ/ ٧٢٨م١ ٢- ابن محيصن المكي. تم ١٢٣هـ/ ٧٤٠م٢ هو محمد بن عبد الرحمن السهمي المكي مقرئ أهل مكة مع ابن كثير. ٣- يحيى بن المبارك الكوفي. ت/ ١٤٨هـ/ ٧٥٦م٣. أبو محمد بن إبراهيم بن يوسف الشنبوذي. ت/ ٣٨٨هـ٤. وبتعدد هذه القراءات ظهرت مشروعية القراءات الأربع عشرة في فن القراءات الصحيحة المتواترة، ويلاحظ من خلال الجدول الأول الذي يضم القراء السبعة: - أن القراء السبعة ينسبون إلى الأمصار العلمية التي عرفت في العصرين الأموي والعباسي، والتي انبثق منها علم اللغة والقراءات، وتلك الأمصار هي: مكة، والمدينة، والبصرة والكوفة، والشام واليمن، ومصر والقيروان ... - إن لبعض هذه الأمصار الحظ الأوفر في إنجاب هؤلاء الأعلام مثل الكوفة. - إن هؤلاء كانوا من رجالات القرن الثاني الهجري، ومعظمهم أدرك أهل القرن الأول الهجري، وعنهم أخذوا هذا الفن من العلوم الإسلامية الخالصة. - إن معظم هؤلاء القراء من الموالي باستثناء أبي عمرو بن العلاء٥، وعبد الله بن عامر الشامي. - معظم هؤلاء القراء عاش طويلًا، فأتيح لهم أن يقرئوا الناس القرآن الكريم حقبة طويلة من الزمان..

стр. 14

- إن هؤلاء كانوا من العلم، والورع والاستقامة، والخلق الحسن في أعلى الدرجات وأسمى الصفات العلمية. - إن هؤلاء القراء تلقى عنهم القراءات جمهور كبير في مقدمتهم رواة مشهورون إما مباشرة، وإما بواسطة رواتهم الذين كان المغاربة من جملتهم.. - إن القراء السبعة اختارهم ابن مجاهد١. - إن القراء الثلاثة اختارهم ابن الجزري الدمشقي، وهم من علماء القرن الثاني الهجري، وبهم اكتملت القراءات العشر. - إن هؤلاء الثلاثة ينتسب كل منهم إلى قطر معين، فمنهم المدني، والبصري، والبغدادي. - إن جل هؤلاء عالم باللغة، والقراءات والحديث، والفقه ويتصفون بصفات الفضل والورع، والمعرفة الكافية بعلوم القرآن كالرسم، والضبط شأنهم في ذلك شأن القراء السبعة السابقين، وقد اهتم علماء الإسلام بقراءاتهم في كل أقطار العالم الإسلامي، وخاصة الغرب الإسلامي الذي مثله المغارية أحسن تمثيل.. الحكمة من تعدد القراءات القرآنية: ١- التيسير والتخفيف على الأمة الإسلامية في ترتيل القرآن الكريم؛ لأن في الناس الإنسان العادي، والمرأة، والشيخ والطفل، والقوي والضعيف مما لا يقدرون على النطق بغير لهجاتهم، وقد آنس الرسول ﵊ فطلب من ربه تخفيف المعاناة، فاستجاب له ربه، فخفف عن الأمة الإسلامية، فأنزل القرآن الكريم على سبعة أحرف: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسير منه" ٢، وبهذا النص النبوي الشريف يكون القرآن الكريم قد نزل على سبع قراءات متعددة ومتواترة صحيحة.

стр. 15

٢- أهمية شرح الألفاظ المتجلي في بعض القراءات، ومنه الوارد في الآية الكريمة في سورة القارعة: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ ١ وقد قرئت: "وتكون الجبال كالصُّوفِ المنقوش"٢ فأفادت هذه القراءة شرح كلمة "العهن" في القراءة الثانية. ٣- أهمية بيان إظهار الأحكام، ويبدو من قراءة هذه الآية من سورة النساء ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ ٣ قرأ الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص ﵁. تـ/ ٥٥هـ الآية بهذه القراءة: "وله أخ أو أخت من أم"٤، فأفاد بهذه القراءة أن الأخ والأخت في الآية من الأم. ومن هذا القبيل قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ٥ قرأ بعض الصحابة "يطهرن" بالتشديد مبنية لمعنى قراءة التخفيف، وهي قراءة متواترة صحيحة. ٤- رفع التوهم غير المراد، ويظهر ذلك في قراءة الآية الكريمة من سورة الجمعة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٦ قرأ بعض الصحابة رضوان الله عليهم "فاسعوا"، فامضوا فالقراءة الأولى توهم وجوب الإسراع في المشي إلى الصلاة الخاصة بالجمع، والقراءة الثانية رفعت ذلك التوهم ووضحت معناه الحقيقي. ٥ إن الله تعالى تحدى بالقرآن الكريم جميع العرب بدون استثناء، فاعتادوا على معارضته، فلو جاء القرآن بلغة بعض العرب دون البعض الآخر لقال الذين لم يأت بلغتهم

стр. 16

لو جاء بلغتنا لأتينا بمثله، فقال عز من قائل في سورة الإسراء: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ١. ٦- إن تعدد قراءات القرآن الكريم حمل النحاة على توجيهها، فأغنى هذا التوجيه اللغة العربية، وقد اعتني كليا بتوجيه القراءات العلماء القراء، والأئمة فخصوها بالتأليف والقراءة، فظهر في هذا الباب كتاب الحجة لأبي علي الفارسي، وكتاب الكشف لمكي، والمحتسب لابن جني، وهو كتاب في توجيه الشواذ. ٧ إن أهمية فضائل تعدد القراءات القرآنية هو إظهار السر الإلهي في كتابه العزيز، وصيانته وحفظه من التبديل والتغيير، والتحريف والاختلاف مع كونه على هذه الأوجه المتعددة التي نزل بها الوحي الكريم على الرسول الأمين ﷺ ، وجاء بها أولئك الأئمة الأفذاذ الذين كرسوا حياتهم لصيانة هذا الكتاب الذي: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ٢.

стр. 17

الخلاصة: إن القراءات الصحيحة والثابتة، والمتواترة كثيرة جدا، ولا يمكن حصرها، ولا يجوز في القراءات أبدا، لا في السبع، ولا في العشر، ومن خلال هذه الملاحظة كره جمهور من العلماء، والأئمة خطئوا ابن مجاهد في هذا الاقتصار على السبعة، وهم على حق في ذلك. إن علماء الأمة الإسلامية وقراءها كادوا أن يجمعوا على أن اختلاف القراءات، كان لا بد منه ورصدوه في: ١- إنه في رأيهم قد يكون عائدا على اللفظ فقط وأن المعنى واحد، ويظهر من خلال: الإدغام وعدمه، والترقيق والتفخيم والإمالة وعدمها، والتغليظ في اللام والراء، والنون الساكنة والتنوين ... ٢- إنهم رأوا أن الخلاف لا يكون في المعنى، وبشكل لا تناقض فيه وضربوا لذلك أمثلة بما ورد في سورة سبأ: قال تعالى: "باعد"١ وقراءة: "بعد" والقراءات التي يتغاير فيها المعنى كلها حق يجب الإيمان بها جميعا، واتباع ما تتضمنه المعنى بالعلم والعمل، ولا يجوز بحال من الأحوال التخلي عن العمل بإحدى هذه القراءات لأجل القراءة الأخرى. أما مجهود المغاربة في هذا الباب فهو مجهود كبير، وخير دليل العمل الذي قام به الإمام الخراز، وما قام به الإمام ابن عاشر رحمهما الله وأسدل عليهما شآبيب الرحمة. إن نظام هذه القراءات جميعها معروف، ومتواتر في العالم الإسلامي والعربي إلا أنه شرع يعز، ويختفي عن الكثير من الأقطار الإسلامية والعربية بموت علمائه وأئمته، فليتبادر أهل النية الحسنة، وليتدارك أهل الغيرة الدينية للحفاظ على هذا الفن العتيق من القراءات الصحيحة المتواترة امتثالا لقوله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٢. والله الموفق للصواب.

стр. 18

العلماء القراء الذين توفرت فيهم شروط الأئمة ومن العلماء القراء الذين توفرت فيهم شروط الأئمة: فشهد لهم عملهم بالرسوخ والثبات نذكر ١- العالم المقرئ الإمام الخراز١ "هـ ... ٧١٨هـ/ ٨١٨م" التعريف به: هو أبو عبد الله مح رمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله الأموي الشريشي، المشهور بالخراز الأندلسي الفاسي، عاش في ظل دولة بني مرين. نسبه: ينتسب الإمام الخراز إلى أموي الأندلس، ويقال: إن أهله كانوا من قرية شريش على مقربة من إشبيلية وإلى هذه القرية ينتسب. كان الإمام الخراز بارعا في مقرأ نافع٢ دون منازع، متقنا للرسم والضبط، وفيه يقول ابن الجزري٣: إمام كامل، ومقرئ متأخر، كرس حياته لدراسة القرآن، وتعليم كتاب الله العزيز، وتخرج على يديه جمهور من القراء، ومن أتقن أهل هذا الفن، ومن هؤلاء على سبيل المثال: أبو محمد بن أجطا الصنهاجي٤ الشهير بالشارح؛ لأنه أول من شرح مورد الظمآن.

стр. 19

أهم ما خلفه الإمام الخراز في ميدان الرسم والضبط: * عمده البيان في رسم القرآن، وهو رجز في الرسم١. * شرح الحصرية٢. * شرح العقيلة٣. * شرح الدرر اللوامع٤. * رجز في الضبط، وقد جعله ذيلا لعمدة البيان٥. * مورد الظمآن في رسم أحرف القرآن، وبه اشتهر الإمام الخراز، وفي هذا يرى المؤرخ الاجتماعي عبد الرحمن بن خلدون أنه كان آخر مدرسة بالغرب الإسلامي في هذا الفن حيث يقول في الفصل الخامس من مقدمته، في علوم القرآن من التفسير والقراءات٦ حيث قال: "وانتهى بالمغرب إلى أبي عمرو الداني المذكور، فكتب فيها كتبا من أشهرها المقنع، وأخذ به الناس وعولوا عليه، ونظمه أبو القاسم الشاطبي، في قصيدته المشهورة على روى الراء وولع الناس بحفظها، ثم كثر الخلاف في الرسم في كلمات وحروف أخرى، ذكرها أبو داود سليمان بن نجاح من موالي مجاهد في كتبه، وهو من تلاميذ أبي عمرو الداني والمشتهر من محمل علومه، ورواية كتبه، ثم نقل بعده خلق آخر، فنظم الخراز من المتأخرين بالمغرب أرجوزة أخرى، زاد فيها على المقنع خلافا كثيرا وأوعزه لناقليه، واشتهرت بالمغرب، واقتصر الناس على حفظها، وهجروا بها كتب أبي داود، وأبي عمرو والشاطبي في الرسم٧، وأرجوزة مورد الضمآن المقصودة بالشرح، والتحقيق تقع في أربعمائة وأربعة وخمسين بيتا. وقد ألحق بها أرجوزة أخرى في الضبط، وهي في "١٥٤"٨ بيتا، فيكون مجموع الأبيات هو: "٦٠٩ بيتا".

стр. 20

وأما النسخة المطبوعة بتونس ففيها "٦١٠ أبيات"١. وقد اعتمد الإمام الخراز على كتاب المقنع لأبي عمرو الداني، كما اعتمد على التنزيل لابن نجاح٢. وأبو زيد بن القاضي ت/ ١٠٨٢هـ٣. وأبو إسحاق إبراهيم المارغني: ت/ ١٣٤١. وهو أحد شراح: دليل الحيوان على مورد الظمآن، وذيله بشرح على الإعلان لابن عاشر: تنبيه الخلان على الإعلان بتكميل مورد الظمآن٤. مختصرات مورد الظمآن: اختصره أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الجليل التنسي ت/ ٨٩٩ ٥. والفقيه الخراز في عمله تكلم على الرسم، واقتصر على الشيخين، ولم يشر إلى ضبط٦ باقي القراء السبعة على خلاف ما ذهب إليه الإمام الداني، وأبو داود بن نجاح، ويعرف هذا من كتاب: طراز التنسي، وهو مؤلف عظيم، وضعت لشأنه الحواشي والتعاليق، وخصه بعضهم بالبحث والمناقشة والدراسة، فكان ذلك بحق خدمة لمورد الضمآن للإمام الخراز. من أهم بعض التعليقات والشروح: - تعليق لأبي العلاء المنجرة، وابنه أبي زيد٧. - وحاشية أبي زيد عبد الرحمن بن إدريس المنجرة ١١٧٩هـ٨. - وحاشية أبي الحسن بن يوسف الزياتي ت/ ١٠٢٣هـ٩.

стр. 21

- وطرر عبد الواحد بن عاشر على التنسي١. - وشرح ضبط الإمام الخراز لأبي زيد التنهيلي القصري٢. - بعض الشروح المختصرة: - شرح أبي عثمان سعيد بن سعيد الحزولي٣. - شرح أبي عبد الله محمد بن سليمان الجزولي ت/ ٨٧٠هـ٤. - وعنوان الدليل لأبي العباس أحمد بن محمد بن عثمان الأزدي المراكشي ت/ ٧٢١هـ٥ المعروف بابن البناء. - أرجوزة في الضبط عبد الله القيسي ت/ ٨١٠هـ٦. - شرح أبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف بن محمد بن عطية ت/ ٨١٨هـ٧. - شرح أبي وكيل ميمون الفخار ت/ ٨١٦هـ٨. - تأليف أبي العباس أحمد بن العياش الصنهاجي اليحمدي٩. وفاة الإمام الخراز: توفي الإمام الخزار بفاس سنة ٧١٨هـ، وحضر في تشييع جنازته جمهور غفير من العلماء والطلاب والأعيان، ودفن بمقبرة الجيارين، وظل قبره معروفا لحقبة من الزمان، إلا أن تقادم الزمان وذهاب الأجيال، وجعلت معالمه تختفي، وآثاره تندثر، فالبقاء لله وحده. فرحمه الله رحمة واسعة.

стр. 22

٢- العالم الفقيه المقرئ عبد الواحد بن عاشر ١. "٩٩٠-١٠٩٠هـ" "١٥٨١-١٦٣١م" التعريف به: عبد الواحد بن عاشر، هو أبو محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عاشر الأنصاري الأندلسي، المغربي الفاسي. هاجر أجداده من الأندلس إلى المغرب، وبعد مدة سكنت أسرته مدينة فاس العلمية. مولده: ولد عبد الواحد بن عاشر بمدينة فاس سنة ٩٩٠هـ الموافق سنة ١٥٨١م، في أسرة علمية، وذات فضل وعلم ووقار وورع، فنشأ على حب العلم، ومكارم الأخلاق، فتربى تربية دينية ملتزمة، في فقه وعلم وأدب. نشأته: فتدرج الطفل على عادة الصبيان يتردد على الكتاب لحفظ القرآن الكريم حتى أظهره، وأتقنه رسما وضبطا، وجوده ببعض الروايات على زمرة من شيوخ هذا الفن، ثم انتقل إلى حفظ المتون وفنون القراءات. أشياخه: تلقى عبد الواحد بن عاشر علم الرسم والضبط على يد جماعة من علماء القرويين الأفذاذ الذين منهم: * إمام العصر في الرسم، والضبط العباس اللمطي٢. * أبو العباس الكفيف الذي أخذ عنه القراءة القرآنية بالروايات السبع٣. * أبو عبد الله الشريف المريني التلمساني٤.

стр. 23

* الشيخ القصار الذي كان يعد أكبر عالم في علوم القرآن والقراءات في زمانه، فكان من حظ عبد الواحد بن عاشر أنه تتلمذ عليه١. * كما تتلمذ على أبي القاسم بن القاضي٢. * ومن فقهائه أبو عبد الله الجنان٣ وغير هؤلاء كثير. * والفقيه عبد الواحد بن عاشر عالم جليل، وفقيه كبير في الغرب الإسلامي٤ أيام السعديين، تبحر في الموسم، والضبط وعلوم القرآن والقراءات، والفقه واللغة والأصول. كان ﵀ مشاركا في جل الفنون، وقد ثابر على التعليم، والبحث والتجوال حتى تفرد في عصره بعلم الرسم، والضبط، فكان من تلاميذه: ١- الشيخ ميارة٥. ٢- الحافظ أبو زيد٦، وغير هؤلاء كثير ... رحلاته: رحل الفقيه عبد الواحد بن عاشر إلى الحجاز، قصد أداء فريضة الحج، وفي هذا البلد الأمين نظم أرجوزة في الفقه والعقائد، والتصرف "المرشد المعين ... " وانتشرت هذه المنظومة في الشرق العربي، والغرب الإسلامي، وأقبل عليها الناس حفظا وشرحا ودراسة. والفقيه عبد الواحد بن عاشر كان يرى أن قراءة القرآن في الجنائز بدعة منكرة تجب محاربتها لانعدام النص في ذلك، ومن المدهش أن جل المغاربة يحفظون هذه المنظومة، إلا أنهم يقرأون القرآن على موتاهم في المقابر.

стр. 24

وباختصار شديد، فقد كان الفقيه عبد الواحد بن عاشر مثال العالم، والقدوة، والعامل لإحياء السنة، ومحاربة البدعة اختصر في منظومته: العقائد الأشعرية، والعبادات الفقهية على مذهب مالك، وختمها بالتصوف الجنيدي، فكانت سهلة المنال سهلة الاستيعاب، وانتشرت في الغرب الإسلامي انتشارا واسعا. وفاته: توفي الفقيه عبد الواحد بن عاشر سنة ١٠٤٠هـ الموافق لسنة ١٦٣١م، تاركا وارءه تراثا علميا، أغنى به الفكر العقدي، والفقهي بالغرب الإسلامي، فكان بحق مفخرة علمية في عهد الدولة السعدية في فن الرسم والضبط، وعلم القراءات "تنبيه الخلان على الإعلان بتكميل مورد الضمآن في رسم الباقي من قراءات الأئمة الأعيان ... ". آثاره: المرشد المعين على الضروري من علوم الدين - شرح مختصر خليل١. - الإعلان بتكميل مورد الظمآن٢. - أرجوزة في التوقيت٣. - تعليق على كبرى السنوسي٤.

стр. 25

٣- العالم الفقيه المقرئ المارغني١ التونسي: "١٢٨١-١٣٤٩هـ" "١٨٦٥-١٩٣١م" التعريف به: هو، إبراهيم بن أحمد بن سليمان المارغني التونسي، ينسب إلى قبيلة بساحل حامل من أعمال ليبيا، وينسب إليها أيضا عمر بن مجا المارغني دفين الداموس من قرى الساحل التونسي، وحفيده المارغني، دفين الخمس بليبيا بزاوية، تزار وتقصد في قضاء الحوائج قراءة وضيافة. مولده: ولد المارغني بتونسي سنة ١٢٨١هـ/ ١٨٦٥م، ودخل الكتاب في صباه وحفظ القرآن الكريم، ثم التحق بجامع الزيتونة فقرأ على شيوخها. شيوخه: درس على جماعة كبيرة من علماء الزيتونة في شتى الفنون، وكان من أبرز هؤلاء: - مفتي المالكية عمر بن الشيخ وهو أخص شيوخه، وأكثرهم ملازمة وقراءة٢. - محمود بيرم٣. - سالم بوحاجب٤. - محمود بن الخوجة الحنفي رئيس الفتوى بجامع الزيتونة٥. - محمد النجار٦ ٥/ ١٦. - محمود بن محمود٧ ٥/ ٢٤١. - إسماعيل الصفا يحيى٨ ٥/ ٢٤١. - عمار بن سعيدان٩ ٣/ ٢٤١.

стр. 26

وقد أخذ القراءات وعلم التجويد على يد الشيخ محمد بن يالوشة، وعليه تخرج في القراءات السبع، والعشر، وصاهره في ابنته، وانتدبه خليفة له في مجلس علمه وخطبه. - إبراهيم نور الدين١ ٥/ ٤٩. - الشاذلي صدام٢ ٣/ ٢٣٠. نال المراغني شهادة التطويع، والتي لا تعطي إلا لمن تبرز في العلوم، ونال رضا علماء عصره، وذلك سنة ١٢٩٩هـ ١٨٨٢م، ودرس بجامع الزيتونة كتب التوحيد، والقراءات والفقه، والبلاغة وعلومها وعلم المواريث، والفلك، والأدب والتفسير، والحديث والأصول. تلاميذه: - من تلامذته: الإمام محمد الطاهر بن عاشور. - محمد العزيز حفيظ٣/ ٣٧. - بلحسن النجار٤ /١٥. - محمد الصادق النيفر ٥ ٥/ ٧٩. - الطيب السيالة ٦ ٣/ ٩٩. - محمد بن البشير النيفر، ص. ٦٧، ج٥ ٧. - حسن السناوي الغدامسي٨. - محمد الجا يد ٩. - عبد السلام التونسي١٠. - عثمان بن الخوجة١١. - أحمد العياري، وابنه عبد الواحد١٢. - حمودة بن يحيى١٣. - الطيب السبعي١٤. - صالح الكسراوي١٥.

стр. 27

علمه: تولى التدريس بجامع الزيتونة من الطبقة الثانية في علم التجويد والقراءات.. كما عين مدرسا للسنة بالمدرسة العصفورية، ثم ما لبث أن يمسي من دارسي من الطبقة الأولى، ثم أصبح نائبا بالمجلس المختلط العقاري، وعضوا رسميا بعدبته، إلا أنه بدل تدريسه في القراءات بتدريس كل العلوم التي كانت تدرس بجامع الزيتونة، أو ملحقاتها. وفاته: توفي المارغني ﵀ يوم الأحد ٣ ربيع الثاني عام ١٣٤٩هـ/ ١٩٣١م، ودفن بمقبرة أجداده بالزلاج، وحضر تشييع جثمانه جم غفير من العلماء والطلبة والعامة، ورثاه شيخ الأدباء محمد العربي الكبادي بقصيدة نقشت على قبره. مؤلفاته: ترك المارغني جملة المؤلفات والشروحات والتعاليق منها: * بغية المريد بجوهرة التوحيد، ط، تونس ١٣٤٤/ ١٩٢٦. * الشذرات الذهبية على العقائد الشرنوبية، ط. تونس ١٣٤١هـ. * حاشية على شرح ابن القاصح للشاطبية. * تأليف في القراءات. * شرح على رسالة الوضع. * شرح على البيقونية. * شرح على المرشد المعين. * شرح النجوم الطوالع على الدرر اللوامع في مقرآ نافع "مطبوع". * شرح العقيدة الوسطى للسنوسي. * وأخيرًا شرح دليل الحيران على مورد الظمآن في فني الرسم والضبط، وهو المقصود بالشرح، والتحقيق في هذا الكتاب بحول الله.

стр. 28

صورة سكانر

стр. 29

صورة سكانر

стр. 30

القسم الأول: فن الرسم مقدمة في شرح الحمدلة والأدعية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله العظيم المنن ... ومرسل الرسل بأهدى سنن ابتداء بالبسملة ابتداء حقيقيا، وهو الابتداء بما يتقدم، أما المقصود ولم يسبقه شيء وبالحمدلة ابتداء إضافيا، وهو الابتداء بما يتقدم أمام المقصود وإن سبقه شيء اقتداء بالقرآن العظيم، وعملا بحديثي البسملة، والحمدلة فإنه ورد: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع" ١. وورد: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع" ٢. ويروى أبتر في الحديثين، ويروى أجذم فيهما، والمقصود من الثلاثة أنه ناقص، وقليل البركة، فهو وإن تم حسا لا يتم معنى، والمراد بالأمر ما يعم القول، كالقراءة، والفعل، كالتأليف، ومعنى ذي بال: صاحب حال يهتم به شرعًا. والحمد لغة: هو الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على جهة التبجيل والتعظيم، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا. وأركانه خمسة: حامد، ومحمود، ومحمود عليه، ومحمود به، وصيغة: فإذا أكرمك زيد، فقلت: زيد عالم، فأنت حامد، وزيد محمود، والإكرام محمود عليه، أي محمود لأجله، وثبوت العلم الذي هو مدلول قولك: زيد عالم محمود به وقولك زيد عالم هو الصيغة.

стр. 31

شرح مصطلحات الناظم المعتمدة في الرسم واصطلاحا: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم من حيث كونه منعما على الحامد أو غيره، سواء كان ذلك قولا باللسان، أو اعتقادا بالجنان، أي القلب، أو عملا بالأركان التي هي الأعضاء. والشكر لغة: هو الحمد اصطلاحا لكن بإبدال الحامد بالشاكر١. واصطلاحا: صرف العبد جميع ما أنعم به عليه فيما خلق لأجله، والله علم على الذات الواجب الوجود المستحق بجميع المحامد، وهو الإسم الأعظم عند الجمهور، ولدلالته على اتصافه تعالى بجميع المحامد اختير في مقام الحمد على سائر الأسماء، فلم يقل الحمد للرحمن مثلا. وقوله العظيم صفة الله، وهو مضاف إلى: المنن، إضافة لفظية، والمنن بكسر الميم وفتح النون جمع منة، والمراد بها هنا العطية، أي العظيمة عطاياه. وقوله: ومرسل، بكسر السين معطوف على العظيم، وهو مضاف إلى: الرسل أي: وباعث الرسل، والرسل: بضم السين ويجوز تسكينها تخفيفا، كما فعل الناظم جمع رسول، بمعنى مرسل بفتح: السين. والرسول: إنسان أوحى إليه بشرع يعمل به، وأمر بتبليغه، بخلاف النبي، فإنه إنسان أوحى إليه بشرع يعمل به، وإن لم يؤمر بتبليغه، فهو أعم من الرسول، ويمتنع شرعا إطلاق اسم النبي على غير من ذكر. والباء في قوله بأهدى للمصاحبة، وأهدى بمعنى أدل، وهو مضاف إلى سنن إضافة الصفة إلى الموصوف، والسنن بتثليث السين، وفتح النون، وبضم السين والنون بمعنى الطريق، أي: وباعث للرسل مع طريق أدل وأرشد. ثم قال: ليبلغوا الدعوة للعباد ... ويوضحوا مهايع الإرشاد٢

стр. 32

ذكر في هذا البيت حكمة إرسال الله للرسل عليهم الصلاة والسلام قال: ليبلغوا بضم الياء وكسر اللام من أبلغ الرباعي، أي: ليوصلوا الدعوة، أي: الرسالة للعباد، ولا معارضة بين هذا وبين ما تضمنه قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ رُسُلًا﴾ ١. من أن حكمة الإرسال قطع الحجة؛ لأن تبليغ الدعوة يستلزم قطع الحجة. وقوله: ويوضحوا بضم الياء وكسر الضاد من أوضح الرباعي معطوف على يبلغوا، ومعناه يبينوا، ومهايع الإرشاد بكسر الياء طرقه، والإرشاد مصدر أرشد بمعنى هدى، وفي بعض النسخ مناهج بدل مهايع، وهي كالمهايع وزنا ومعنى. وختم الدعوة والنبوءه ... بخير مرسل إلى البريئه محمد ذي الشرف الأثيل ... صلى عليه الله من رسول وآله وصحبه الأعلام ... ما انصدع الفجر عن الاظلام فاعل ختم ضمير مستتر عائد على الله تعالى، ما ختم معطوف بالواو على مرسل من قوله، ومرسل الرسل، وهو من عطف الفعل على الاسم الشبيه بالفعل، أي مرسل الرسل، وخاتم الدعوة، والنبوءة، وختم مشتق من الختم، والختم يطلق بمعنى الإتمام، والفراغ، تقول: ختمت القرآن، أي: أتممته، وفرغت منه، ويطلق بمعنى الطبع، تقول: ختمت الكتاب بمعنى طبعته، أي جعلت عليه الطابع لئلا يفتح ويطلع على ما فيه، ويصح إرادة كلا المعنيين هنا؛ لأنه تعالى أتم الرسالة، والنبوءة بسيدنا محمد ﷺ وطبع عليهما به فلا يفتح بابهما لأحد بعده، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ٢. وقوله ﷺ : "إن الرسالة، والنبوءة قد انقطعت فلا رسول من بعدي ولا نبي" ٣ الحديث.

стр. 33

وانعقد الإجماع على ذلك، وأل في قوله: الدعوة للعهد، المعهود، الدعوة المتقدمة، والنبوءة بالهمزة من النبأ، وهو لخبر، ويترك الهمزة مع تشديد الواو، أما من النبأ أيضا فأبدلت همزتها واوا، وأدغمت الواو في الواو، أو من النبوة بفتح النون، وهي الرفعة، والنبوءة: شرعا خصيصية من الله تعالى غير مكتسبة بإجماع المسلمين، هي اختصاص العبد، بسماع وحي من الله تعالى بحكم شرعي تكليفي سواء أمر بتبليغه أم لا، وهكذا الرسالة لكن بشرط أن يؤمر بالتبليغ على ما يفهم من تعريفي الرسول، والنبي المتقدمين. وقوله بخير متعلق بختم، والمرسل المبعوث، والبريئة بالهمز من برأ الله الخلق أوجدهم، فهي فعليه بمعنى مفعوله، ويترك الهمز مع تشديد الياء، أما من برأ أيضا فأبدلت الهمزة ياء، وأدغمت الياء في الياء أو من بريت القلم إذا سوته على صورة لم يكن عليها قبل. وقوله محمد بدل من خير، وهو علم منقول من اسم مفعول حمد المضعف العين. أي: المكرر العين فيفيد المبالغة في المحمودية، وهو أشرف أسمائه ﷺ والذي سماه به جده عبد المطلب على الصحيح بإلهام من الله تعالى رجاء أن يحمد في السماء والأرض، وقد حقق الله رجاءه. وقوله ذي الشرف صفة لمحمد والشرف الرفعة، والأثيل بالثاء المثلثة صفة للشرف، ومعناه الأصيل الثابت. وقوله صلى الله عليه لفظه لفظ لخبر، ومعناه الدعاء، أي: صل يا رب عليه. ومعنى صلاته١ تعالى عليه ﷺ رحمته المقرونة بالتعظيم، ومن في قوله من رسول بيانية، والمبين الضمير في قوله عليه، ومجرورها تمييز له في الأصل.

стр. 34

وقوله وآله معطوف على ضمير عليه، ولم يعد الجار في المعطوف بناء على مذهب الكوفيين المجوزين لذلك، وأصل آل: أول كالجمل لتصغيره على أويل، وقيل: أهل لتصغيره على أهيل والمراد به هنا كل مؤمن، ولو عاصيا؛ لأن المقام مقام دعاء، والعاصي أشد احتياجا إلى الدعاء من غيره، والصحب اسم جمع على الصحيح لصاحب، وهو لغة: من طالت عشرتك به، والمراد به هنا الصحابي، وهو من اجتمع بنبينا ﷺ . مؤمنا به بعد البعثة في محل التعارف، بأن يكون على وجه الأرض، وإن لم يره أو لم يرو عنه شيئا، أو لم يميز على الصحيح، وخص الصحب بالذكر مع دخولهم في الآل بالمعنى المذكور لمزيد الاهتمام بهم. وقوله: الإعلام صفة للصحب، وهو جمع علم، معناه لغة الجيل استعار الإعلام هنا للصحب لشبههم بها في الشهرة، وما من قوله ما انصدع مصدرية ظرفية، ومعني انصدع: انشق، والفجر، ضوء الصباح، والإظلام: مصدر أظلم الليل، ذهب نوره، والمراد به هنا الظلام، أي: اللهم صلى على محمد وآله وصحبه مدة انشقاق الفجر عن الظلام، وهذا المعنى مستمر البقاء إلى انقضاء الدنيا. وفي عبارة الناظم قلب؛ لأن الظلام هو الذي ينشق عن الفجر لا العكس، والقلب من أنواع البديع، ويتعين قراءة النبوءة، والبريئة في النظم بالهمز؛ لأن تشديد الواو والياء من غير همز يؤدي إلى اختلاف القافية بالواو والياء، وإن كان يجوز في النبوة، والبرية في حد ذاتها الهمز وتركه كما قدمناه. حكم الرسم القرآني: ثم قال: وبعد فاعلم أن أصل الرسم ... ثبت عن ذوي النهى والعلم١

стр. 35

الأكثر في: بعد أن تستعمل ظرف زمان، وقد تستعمل ظرف مكان، وهي هنا إما مبنية على الضم، على نية معنى المضاف إليه، وهو الجاري على الألسنة، أو بالنصب من غير تنوين على نية لفظه، وكلمة: وبعد يؤتي بها للانتقال من أسلوب إلى آخر، أي: من نوع الكلام إلى نوع آخر، والنوع المنتقل منه هنا البسملة وما بعدها، والمنتقل إليه هو ما ولي كلمة وبعد، والواو فيها نائبة عن: أما. وأما قائمة مقام مهما يكن من شيء بدليل لزوم الفاء بعدها، والمذكور بعد الفاء جزاء الشرط، وبعد من متعلقاته على الأصح. ثم إن بعضهم يقول: أما بعد، وهو السنة، وقد صح أنه ﷺ خطب. فقال: "أما بعد"، وكان يأتي بها في مراسلاته، وبعضهم يأتي بالواو بدل أما اختصارا، كما فعل الناظم. وقوله فاعلم، أي اجزم وتيقن أن أصل الرسم. إلخ. والرسم لغة: الأثر، والمراد به هنا مرسوم القرآن، أعني حروفه المرسومة، ومراده بأصل الرسم ما يعتمد في كيفياته عليه، ويرجع عند اختلاف المقارئ إليه، ومعنى ثبت: صح، والنهي، جمع نهية بضم النون وهي العقل، سمي بذلك؛ لأنه ينهى عن القبيح، والمراد بذوي النهى والعلم الثابت عنهم أصل رسم القرآن، الصحابة ﵃. جمع القرآن الكريم وكيفية كتابته: ثم قال: جمعه في الصحف الصديق١ ... كما أشار عمر الفاروق٢ لما ذكر أن أصل الرسم ثبت عن ذوي النهي والعلم، وهم الصحابة، وكان في ذلك إجمال، بين هذا البيت من جمعه أولًا، ومن أشار بجمعه، فأخبر أن أبا بكر الصديق -رضى الله عنه- جمعه أولًا يعنى أمر بجمعه بإشارة عمر بن الخطاب ﵁

стр. 36

بذلك عليه، والمأمور بجمعه والمباشر له: زيد بن ثابت١ ﵁ والصحف بضمتين جمع صحيفة، وهي ما يكتب فيه، والصديق لقب أبي بكر، لقبه به النبي ﷺ لكثرة تصديقه له وأبو بكر كنيته، واسمه عبد الله، وقيل: عتيق، والكاف في قول الناظم كما أشار للتعليل، وما مصدرية، أي لإشارة عمر، والفاروق لقب سيدنا عمر، لقب به لكثرة فرقه بين الحق والباطل، وكنيته: أبو حفص، وهو أول من دعي أمير المؤمنين في الإسلام. ثم قال: وذاك حين قتلوا مسيلمه٢ ... وانقلبت جيوشه منهزمه ذكر في هذا البيت الوقت الذي كان فيه جمع القرآن في الصحف مشيرًا إلى القصة المتضمنة سبب جمعه فيها. فقوله: وذاك إشارة إلى الجمع المفهوم من قوله: قبل جمعه، أي: وذلك الجمع كان حين قتل الصحابة ﵃ مسليمة الكذاب، وانقلبت، أي: رجعت جيوشه منهزمة، والجيوش جمع جيش، وهو الجمع الكثير السائرون لحرب أو غيرها، ومعنى منهزمة منكسرة، ومسيلمة لقب هارون بن حبيب، وكنيته أبو تمامة، وهو من قبيلة تسمي بني حنيفة، وبلده مدينة باليمن تسمى اليمامة، وهو أحد الكذابين اللذين ادعيا النبوءة في زمان النبي ﷺ ، وهو كذاب اليمامة والكذاب الآخر: هو الأسود٣ بن كعب العنسي، وهو كذاب صنعاء، وكان يزعم أن جبريل يأتيه، وكان يبعث إلى مكة من يخبره بأحوال رسول الله ﷺ وينقل إليه ما سمعه من القرآن ليقرأه على جماعته، ويقول

стр. 37

فلما رأى عمر بن الخطاب ﵁ ما وقع بقراء القرآن خشي على من بقي منهم، وأشار على أبي بكر ﵁ بجمع القرآن. أسند: أبو عمرو١ الداني في المحكم إلى زيد٢ بن ثابت أن عمر٣ بن الخطاب ﵁ جاء إلى أبي بكر، فقال: إن القتل قد أسرع في قراء القرآن أيام اليمامة، وقد خشيت أن يهلك القرآن فاكتبه، فقال أبو بكر٤. فكيف نصنع شيئا لم يأمرنا فيه رسول الله ﷺ ولم يعهد إلينا فيه بعهد؟ فقال عمر: افعل فهو والله خير، فلم يزل عمر بأبي بكر حتى أرى الله أبا بكر مثل رأي عمر، قال زيد: فدعاني أبو بكر, فقال: إنك رجل شاب قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فاجمع القرآن واكتبه، قال زيد: كيف تصنعون شيئا لم يأمركم فيه رسول الله ﷺ بأمر ولم يعهد إليكم فيه بعهد؟ قال: فلم يزل أبو بكر حتى أراني الله الذي رأى أبو بكر، وعمر، والله لو كلفوني نقل الجبال لكان أيسر من الذي كلفوني، قال: "فجعلت أتتبع القرآن من صدور الرجال، ومن الرقاع، ومن الأضلاع، ومن العسب، قال: ففقدت آيه كنت أسمعها من رسول الله ﷺ ، لم أجدها عند أحد، فوجدتها عند رجل من الأنصار: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ٥ فألحقتها في سورتها، فكانت تلك الصحف عند أبي بكر حتى مات، ثم كانت عند حفصة حتى ماتت "انتهى". وفي بعض الروايات عن زيد بن ثابت: فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع، والعسب، واللخاف، وصدور الرجال "انتهى". والرقاع: جمع رقعة بضم، وهي القطعة من الجلد، والعسب: جمع عسيب وهو جريدة من النخل مستقيمة دقيقة مزال خوصها، واللخاف: ككتاب حجارة بيض رقاق

стр. 38

فلما رأى عمر بن الخطاب ﵁ ما وقع بقراء القرآن خشي على من بقي منهم، وأشار على أبي بكر ﵁ بجمع القرآن. أسند: أبو عمرو١ الداني في المحكم إلى زيد٢ بن ثابت أن عمر٣ بن الخطاب ﵁ جاء إلى أبي بكر، فقال: إن القتل قد أسرع في قراء القرآن أيام اليمامة، وقد خشيت أن يهلك القرآن فاكتبه، فقال أبو بكر٤. فكيف نصنع شيئا لم يأمرنا فيه رسول الله ﷺ ولم يعهد إلينا فيه بعهد؟ فقال عمر: افعل فهو والله خير، فلم يزل عمر بأبي بكر حتى أرى الله أبا بكر مثل رأي عمر، قال زيد: فدعاني أبو بكر, فقال: إنك رجل شاب قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فاجمع القرآن واكتبه، قال زيد: كيف تصنعون شيئا لم يأمركم فيه رسول الله ﷺ بأمر ولم يعهد إليكم فيه بعهد؟ قال: فلم يزل أبو بكر حتى أراني الله الذي رأى أبو بكر، وعمر، والله لو كلفوني نقل الجبال لكان أيسر من الذي كلفوني، قال: "فجعلت أتتبع القرآن من صدور الرجال، ومن الرقاع، ومن الأضلاع، ومن العسب، قال: ففقدت آيه كنت أسمعها من رسول الله ﷺ ، لم أجدها عند أحد، فوجدتها عند رجل من الأنصار: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ٥ فألحقتها في سورتها، فكانت تلك الصحف عند أبي بكر حتى مات، ثم كانت عند حفصة حتى ماتت "انتهى". وفي بعض الروايات عن زيد بن ثابت: فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع، والعسب، واللخاف، وصدور الرجال "انتهى". والرقاع: جمع رقعة بضم، وهي القطعة من الجلد، والعسب: جمع عسيب وهو جريدة من النخل مستقيمة دقيقة مزال خوصها، واللخاف: ككتاب حجارة بيض رقاق

стр. 39

وأحدها: لخفة بفتح اللام، وقد كانوا يكتبون في هاته الأشياء لقلة الورق "أي: الكاغد". ثم قال: وبعده جرده الإمام ... في مصحف ليقتدي الأنام ولا يكون بعده اضطراب ... وكان فيما قد رأى صواب فقصة اختلافهم شهيره ... كقصة اليمامة العسيره أخبر أن الإمام يعني سيدنا عثمان بن عفان١ ﵁ جرد أصل الرسم في مصحف، أي: نسخه من الصحف، وجمعه جمعا ثانيا في مصحف بعد جمع أبي بكر المتقدم، ليقتدى به الأنام، أي: الخلق، ولا يكون بعد ذلك التجريد اضطراب، أي: اختلاف بينهم، وأنه أصاب ﵁ فيما قد رآه من ذلك. قال ابن حجر: الفرق بين الصحف والمصحف، أن الصحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر، وكان صورا مفرقة، كل سورة مرتبة بآياتها على حدة لكن لم يرتب بعضها إثر بعض، فلما نسخت ورتب بعضها إثر بعض صارت مصحفًا "انتهى". والمصحف مثلث الميم اسم أعجمي معناه جامع الصحف، وأشار الناظم بالبيتين الأولين، والشطر الأول من البيت الثالث إلى ما ذكره الحافظ الداني في المقنع بسنده إلى ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك، أن حذيفة بن اليمان قد على عثمان، وكانوا يقاتلون على مرج أرمينية، فقال: حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين إني قد سمعت الناس اختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصاري، حتى أن الرجل ليقوم فيقول: هذه قراءة فلان، قال: فأرسل عثمان إلى حفصة: أرسلي إلينا بالصحف، فننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، قال: فأرسلت إليه بالصحف، قال: فأرسل عثمان إلى زيد بن

стр. 40

ثابت١، وإلى عبد الله بن عمرو بن العاص٢، وإلى عبد الله بن الزبير٣، وإلى عبد الله بن عباس٤، وإلى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام٥، فقال: انسخوا هذه الصحف في مصحف واحد، وقال للنفر القرشيين: إن اختلفتم أنتم وزيد بنثابت فاكتبوه على لسان قريش، فإنما نزل "يعني معظمه" بلسان قريش، قال زيد: فجعلنا نختلف في الشيء، ثم نجمع أمرنا على رأي واحد، فاختلفوا في التابوت، فقال زيد: التابوت، وقال النفر القرشيون: التابوت، قال: فأبيت أن أرجع إليهم، وأبوا أن يرجعوا إلي، حتى رفعنا ذلك إلى عثمان ﵁ فقال عثمان: اكتبوه: التابوت، فإنما أنزل القرآن على لسن قريش، قال زيد: فذكرت آية سمعتها من رسول الله ﷺ لم أجدها عند أحد، حتى وجدتها عند رجل من الأنصار هو خزيمة بن ثابت: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٦. قال أبو شهاب قال أنس: فرد عثمان الصحف إلى حفصة، وألغى ما سوى ذلك من المصاحف "انتهى".
следующие страницы →