← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 1484

دليل الحيران على مورد الظمآن

المارغني التونسي

Полный текст (461 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بذلك عليه، والمأمور بجمعه والمباشر له: زيد بن ثابت١ ﵁ والصحف بضمتين جمع صحيفة، وهي ما يكتب فيه، والصديق لقب أبي بكر، لقبه به النبي ﷺ لكثرة تصديقه له وأبو بكر كنيته، واسمه عبد الله، وقيل: عتيق، والكاف في قول الناظم كما أشار للتعليل، وما مصدرية، أي لإشارة عمر، والفاروق لقب سيدنا عمر، لقب به لكثرة فرقه بين الحق والباطل، وكنيته: أبو حفص، وهو أول من دعي أمير المؤمنين في الإسلام. ثم قال: وذاك حين قتلوا مسيلمه٢ ... وانقلبت جيوشه منهزمه ذكر في هذا البيت الوقت الذي كان فيه جمع القرآن في الصحف مشيرًا إلى القصة المتضمنة سبب جمعه فيها. فقوله: وذاك إشارة إلى الجمع المفهوم من قوله: قبل جمعه، أي: وذلك الجمع كان حين قتل الصحابة ﵃ مسليمة الكذاب، وانقلبت، أي: رجعت جيوشه منهزمة، والجيوش جمع جيش، وهو الجمع الكثير السائرون لحرب أو غيرها، ومعنى منهزمة منكسرة، ومسيلمة لقب هارون بن حبيب، وكنيته أبو تمامة، وهو من قبيلة تسمي بني حنيفة، وبلده مدينة باليمن تسمى اليمامة، وهو أحد الكذابين اللذين ادعيا النبوءة في زمان النبي ﷺ ، وهو كذاب اليمامة والكذاب الآخر: هو الأسود٣ بن كعب العنسي، وهو كذاب صنعاء، وكان يزعم أن جبريل يأتيه، وكان يبعث إلى مكة من يخبره بأحوال رسول الله ﷺ وينقل إليه ما سمعه من القرآن ليقرأه على جماعته، ويقول

стр. 37

فلما رأى عمر بن الخطاب ﵁ ما وقع بقراء القرآن خشي على من بقي منهم، وأشار على أبي بكر ﵁ بجمع القرآن. أسند: أبو عمرو١ الداني في المحكم إلى زيد٢ بن ثابت أن عمر٣ بن الخطاب ﵁ جاء إلى أبي بكر، فقال: إن القتل قد أسرع في قراء القرآن أيام اليمامة، وقد خشيت أن يهلك القرآن فاكتبه، فقال أبو بكر٤. فكيف نصنع شيئا لم يأمرنا فيه رسول الله ﷺ ولم يعهد إلينا فيه بعهد؟ فقال عمر: افعل فهو والله خير، فلم يزل عمر بأبي بكر حتى أرى الله أبا بكر مثل رأي عمر، قال زيد: فدعاني أبو بكر, فقال: إنك رجل شاب قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فاجمع القرآن واكتبه، قال زيد: كيف تصنعون شيئا لم يأمركم فيه رسول الله ﷺ بأمر ولم يعهد إليكم فيه بعهد؟ قال: فلم يزل أبو بكر حتى أراني الله الذي رأى أبو بكر، وعمر، والله لو كلفوني نقل الجبال لكان أيسر من الذي كلفوني، قال: "فجعلت أتتبع القرآن من صدور الرجال، ومن الرقاع، ومن الأضلاع، ومن العسب، قال: ففقدت آيه كنت أسمعها من رسول الله ﷺ ، لم أجدها عند أحد، فوجدتها عند رجل من الأنصار: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ٥ فألحقتها في سورتها، فكانت تلك الصحف عند أبي بكر حتى مات، ثم كانت عند حفصة حتى ماتت "انتهى". وفي بعض الروايات عن زيد بن ثابت: فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع، والعسب، واللخاف، وصدور الرجال "انتهى". والرقاع: جمع رقعة بضم، وهي القطعة من الجلد، والعسب: جمع عسيب وهو جريدة من النخل مستقيمة دقيقة مزال خوصها، واللخاف: ككتاب حجارة بيض رقاق

стр. 38

فلما رأى عمر بن الخطاب ﵁ ما وقع بقراء القرآن خشي على من بقي منهم، وأشار على أبي بكر ﵁ بجمع القرآن. أسند: أبو عمرو١ الداني في المحكم إلى زيد٢ بن ثابت أن عمر٣ بن الخطاب ﵁ جاء إلى أبي بكر، فقال: إن القتل قد أسرع في قراء القرآن أيام اليمامة، وقد خشيت أن يهلك القرآن فاكتبه، فقال أبو بكر٤. فكيف نصنع شيئا لم يأمرنا فيه رسول الله ﷺ ولم يعهد إلينا فيه بعهد؟ فقال عمر: افعل فهو والله خير، فلم يزل عمر بأبي بكر حتى أرى الله أبا بكر مثل رأي عمر، قال زيد: فدعاني أبو بكر, فقال: إنك رجل شاب قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فاجمع القرآن واكتبه، قال زيد: كيف تصنعون شيئا لم يأمركم فيه رسول الله ﷺ بأمر ولم يعهد إليكم فيه بعهد؟ قال: فلم يزل أبو بكر حتى أراني الله الذي رأى أبو بكر، وعمر، والله لو كلفوني نقل الجبال لكان أيسر من الذي كلفوني، قال: "فجعلت أتتبع القرآن من صدور الرجال، ومن الرقاع، ومن الأضلاع، ومن العسب، قال: ففقدت آيه كنت أسمعها من رسول الله ﷺ ، لم أجدها عند أحد، فوجدتها عند رجل من الأنصار: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ٥ فألحقتها في سورتها، فكانت تلك الصحف عند أبي بكر حتى مات، ثم كانت عند حفصة حتى ماتت "انتهى". وفي بعض الروايات عن زيد بن ثابت: فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع، والعسب، واللخاف، وصدور الرجال "انتهى". والرقاع: جمع رقعة بضم، وهي القطعة من الجلد، والعسب: جمع عسيب وهو جريدة من النخل مستقيمة دقيقة مزال خوصها، واللخاف: ككتاب حجارة بيض رقاق

стр. 39

وأحدها: لخفة بفتح اللام، وقد كانوا يكتبون في هاته الأشياء لقلة الورق "أي: الكاغد". ثم قال: وبعده جرده الإمام ... في مصحف ليقتدي الأنام ولا يكون بعده اضطراب ... وكان فيما قد رأى صواب فقصة اختلافهم شهيره ... كقصة اليمامة العسيره أخبر أن الإمام يعني سيدنا عثمان بن عفان١ ﵁ جرد أصل الرسم في مصحف، أي: نسخه من الصحف، وجمعه جمعا ثانيا في مصحف بعد جمع أبي بكر المتقدم، ليقتدى به الأنام، أي: الخلق، ولا يكون بعد ذلك التجريد اضطراب، أي: اختلاف بينهم، وأنه أصاب ﵁ فيما قد رآه من ذلك. قال ابن حجر: الفرق بين الصحف والمصحف، أن الصحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر، وكان صورا مفرقة، كل سورة مرتبة بآياتها على حدة لكن لم يرتب بعضها إثر بعض، فلما نسخت ورتب بعضها إثر بعض صارت مصحفًا "انتهى". والمصحف مثلث الميم اسم أعجمي معناه جامع الصحف، وأشار الناظم بالبيتين الأولين، والشطر الأول من البيت الثالث إلى ما ذكره الحافظ الداني في المقنع بسنده إلى ابن شهاب الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك، أن حذيفة بن اليمان قد على عثمان، وكانوا يقاتلون على مرج أرمينية، فقال: حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين إني قد سمعت الناس اختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصاري، حتى أن الرجل ليقوم فيقول: هذه قراءة فلان، قال: فأرسل عثمان إلى حفصة: أرسلي إلينا بالصحف، فننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، قال: فأرسلت إليه بالصحف، قال: فأرسل عثمان إلى زيد بن

стр. 40

ثابت١، وإلى عبد الله بن عمرو بن العاص٢، وإلى عبد الله بن الزبير٣، وإلى عبد الله بن عباس٤، وإلى عبد الرحمن بن الحارث بن هشام٥، فقال: انسخوا هذه الصحف في مصحف واحد، وقال للنفر القرشيين: إن اختلفتم أنتم وزيد بنثابت فاكتبوه على لسان قريش، فإنما نزل "يعني معظمه" بلسان قريش، قال زيد: فجعلنا نختلف في الشيء، ثم نجمع أمرنا على رأي واحد، فاختلفوا في التابوت، فقال زيد: التابوت، وقال النفر القرشيون: التابوت، قال: فأبيت أن أرجع إليهم، وأبوا أن يرجعوا إلي، حتى رفعنا ذلك إلى عثمان ﵁ فقال عثمان: اكتبوه: التابوت، فإنما أنزل القرآن على لسن قريش، قال زيد: فذكرت آية سمعتها من رسول الله ﷺ لم أجدها عند أحد، حتى وجدتها عند رجل من الأنصار هو خزيمة بن ثابت: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٦. قال أبو شهاب قال أنس: فرد عثمان الصحف إلى حفصة، وألغى ما سوى ذلك من المصاحف "انتهى".

стр. 41

والمرج الثغر: أي موضع الخوف، وأرمينية مدينة عظيمة في ناحية الشمال، وفي المقنع أيضا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف بعث عثمان إلى كل أفق بمصحف من تلك المصافح التي نسخوها، ثم أمر بسوى ذلك من القراءة في كل صحيفة أو مصحف، أن يحرف "انتهى". قال ابن حجر: وأكثر الروايات صريح في التحريق فهو الذي وقع "انتهى". وقال ابن بطال: وفي هذا الحديث جواز تحريق الكتب التي فيها اسم الله بالنار؛ لأن ذلك إكرام لها، وحرز عن وطئها بالأقدام "انتهى". قال القسطلاني: وإنما ترك النبي ﷺ جمعه، أي: القرآن في مصحف واحد؛ لأن النسخ يرد على بعضه، فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعضه لأدى إلى الاختلاف والاختلاط، فحفظه الله تعالى في القلوب إلى انقضاء زمن النسخ، فكان التأليف في الزمن النبوي، والجمع في الصحف في زمن الصديق، والنسخ في المصحف في زمن عثمان، وقد كان القرآن كله مكتوبا في عهده ﷺ لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور "انتهى". ومعنى قول الناظم: كقصة اليمامة والعسيرة إن سبب تجريد عثمان للصحف في مصحف هو قصة اختلاف القراء المشهورة، كما أن سبب جمع أبي بكر المتقدم هو قصة حرب اليمامة الشديدة، وكيف لا تكون شديدة، وقد مات فيها من المسلمين ألف ومائتان، منهم سبعمائة من حملة القرآن كما تقدم، وفي هذا البيت تعرض لبيان العلة الحاملة على الجمعين وما قوله: ليقتدي الأنام ولا يكون بعده اضطراب، فهو بيان للعلة الغائبة في الجمع الثاني.

стр. 42

تنبيهان: الأول: اختلاف في عدد المصاحف١ العثمانية، فالذي عليه الأكثر أنها أربعة أرسل منها سيدنا عثمان مصحفا إلى الشام، ومصحفا إلى الكوفة، ومصحفا إلى البصرة، وأبقى مصحفا بالمدينة، وقيل: خمسة، الأربعة المذكورة، والخامس أرسله إلى مكة، وقيل ستة، الخمسة المتقدمة، السادس أرسله إلى البحرين، وقيل: سبعة، الستة المتقدمة والسابع أرسله إلى اليمن، وقيل: ثمانية، السبعة المتقدمة، والثامن هو الذي جمع فيه سيدنا عثمان القرآن أولا، ثم نسخ منه المصاحف، وهو المسمى بالإمام، وكان يقرأ فيه، وكان في حجره حين قتل، ولم يكتب سيدنا عثمان واحدا منها، وإنما أرم بكتابتها، وكانت كلها مكتوبة على الكاغط إلا المصحف الذي كان عنده بالمدينة، فإنه على رق الغزال. واعلم: أن الأئمة لم يلتزموا النقل عن المصاحف الثمانية مباشرة، بل ربما نقلوا عن مصحف منها بعينه، وربما نقلوا عن المصاحف مع حكاية إجماعها أو دونه، وربما نقلوا عن المصاحف المدنية أو الملكية، أو الشامية، أو العراقية اعتمادا منهم على أن المظنون بمصاحف الأمصار متابعة كل واحد منها مصحف مصره العثماني، ولم يعهد منهم النقل عن مصحفي اليمن والبحرين لنقل الجعبري عن أبي علي عثمان ﵁ أمر زيد بن ثابت أن يقرأ بالمدني، وبعث عبد الله بن السائب مع المكي، والمغيرة بن شهاب مع الشامي، وأبا عبد الرحمن السلمي مع الكوفي، وعامر بن قيس مع البصري، وبعث مصحفا إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، فلم نسمع لهما خبرًا، ولا علمنا من أنفذ معهما، قال: ولهذا انحصر الأئمة السبعة في الخمسة الأمصار، ثم قال الجعبري: والاعتماد في نقل القرآن متفقا ومختلفا على الحفاظ، ولهذا أنفذهم إلى أقطار الإسلام للتعلم، وجعل هذه المصاحف أصولا ثواني، وحرصا على الإنقاذ، ومن ثم أرسل إلى كل إقليم المصحف الموافق لقراءة قارئة في الأكثر، وليس لزاما كما توهم، "انتهى".

стр. 43

التنبيه الثاني: قد تواتر عن النبي ﷺ أنه قال: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه" ١. وقد اختلف العلماء في المراد بهذه الأحرف السبعة على نحو أربعين قولا، والذي عليه معظمهم، وصححه البيهقي، واختاره الأبهري وغيره، واقتصر عليه في القاموس أنها لغات. ومن حكم إتيانه عليها التخفيف والتيسير على هذه الأمة في التكلم بكتابهم كما خفف عليهم في شريعتهم، وهذا كالمصرح به في الأحاديث الصحيحة كقوله ﷺ : "إن ربي أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف واحد فرددت إليه أن هون على أمتي، ولم يزل يدد حتى بلغ سبعة أحرف" ٢. ومقتضى كلام الشاطبي في العقيلة، وصرح به الجعبري، وابن الجزري في المنجد وغيرهما أن الصحف المكتوبة بإذن أبي بكر كانت مشتملة على الأحرف السبعة، وأما المصاحف العثمانية، فقد اختلفوا في اشتمالها عليها، فذهب جماعة القراء والفقهاء، والمتكلمين إلى أن جميع المصاحف العثمانية مشتملة على جميع الأحرف السبعة، وذهب بعضهم إلى أنها مشتملة على حرف واحد، وذهب جماهير العلماء من السلف، والخلف إلى أنها مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها ﷺ على جبريل، ولم تترك حرفا منها، وهذا القول الثالث قال في النشر هو الذي يظهر صوابه؛ لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة تدل عليها، "انتهى". وقوله ليقتدي يقرأ بإسكان الياء على أن نصبه مقدر للوزن، والناصب له أن مضمرة بعد اللام. وقوله: ولا يكون بالنصب عطف على يقتدي. ثم قال: فينبغي لأجل ذا أن تقتفي ... مرسوم ما أصله في المصحف ونقتدي بفعله وما رأى ... في جعله لمن يخط ملجئا

стр. 44

ما ذكره في هذين البيتين مسبب على ما تضمنته الأبيات الثلاثة قبل، فلذا عطفه بفاء السببية، فقال: ينبغي، يعني فيجب لأجل ذا، أي: لأجل التجريد المعلل بما تقدم أن نقتفي، أي تنبع في قراءتنا المرسوم الذي أصله سيدنا عثمان في المصحف، أي جعله فيه أصلا، وأن نقتدي في كتبنا القرآن بفعله، أي بكتبه ﵁ ورأيه في حعل المصحف ملجأ، أي: مرجعا وإماما متبعا لمن يخط، أي: يكتب القرآن. وقد قدمنا أن أصل الرسم ما يعتمد في كيفياته عليه، ويرجع عند اختلاف المقارئ إليه، ولا شك أن سبب جمع الإمام عثمان١ ﵁ هو الاختلاف الواقع كما تقدمت الإشارة إليه بقوله: فقصة اختلافهم شهيرة، والعلة الغائية التي قصدها بالجمع هي انتفاء اختلافهم كما تقدم، فلما كتب المصاحف أمر الناس بالاقتصاد على ما وافقها لفظا، وبمتابعتها خطا ولذلك أمر بما سواها أن يحرق كما تقدم، إذ لولا قصده جعل هذه المصاحف أئمة للقارئين، والكاتبين ما أمر، بتحريق ما سواها، وهذا بمعنى قول الناظم في عمدة البيان: فواجب على ذوي الأذهان ... أن يتبعوا الرسوم في القرآن ويقتدوا بما رآه نظرا ... إذ جعلوه للأنام وزرا وكيف لا يجب الافتداء ... لما أتى نصبا به الشفاء إلى عياض أنه من غيرا ... حرفا من القرآن عمدا كفرا زيادة أو نقصا أو إن أبدلا ... شيئا من الرسم الذي تأصلا وقوله في عمدة البيان: فواجب يؤيد ما أطبقوا عليه من تفسير ينبغي هنا يجب، وإن كان الغالب استعمال هذه المادة في الندب، وسيأتي قريبا، دليل وجوب الاقتفاء المذكور. وقوله: وتقتدي عطف على نقتفي فهو منصوب لكنه قدر نصبه، فسكن الياء على ما تقدم في قوله: ليقتدي، من قوله: وما رأى مصدرية. ثم قال:

стр. 45

وجاء آثار في الاقتداء ... بصحبة الغر ذوي العلاء منهن ما ورد في نص الخبر ... لدى أبي بكر الرضي وعمر وخبر جاء على العموم ... وهو أصحابي كالنحوم لما ذكر في البيتين السابقين أن أتباع المصحف قراءة، وكتابة واجب استدل هنا على الوجوب المذكور بأحاديث واردة عن النبي ﷺ في طلب الاقتداء بالصحابة صريحًا. فقوله: وجاء آثار: أي: أحاديث. وقوله: الغر١ بضم الغين صفة للصحب، وهو جمع أغر، والفرس الأغر هو ذو الغرة، أي: البياض في جبهته، ثم استعبر للمشهور كما هنا. وقوله: العلاء بفتح العين والمد معناه: الرفعة والشرف. والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة، منها ما ورد مخصوما بأبي بكر٢، وعمر ﵂ ومنها ما ورد عامًا في الصحابة كلهم، وإلى الأول أشار بقوله: منهن أي: من الآثار ما ورد في نص الخبر، أي: في الخبر النص، أي: الحديث الصريح ولدى في قوله لدى أبي بكر بمعنى في، والرضي بتشديد الياء بمعنى المرضي نعت لأبي بكر، وأشار بهذا إلى قوله ﷺ : $"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر، وعمر". قال السيوطي في الجامع الصغير، وأخرجه أحمد، والترمذي، وابن ماجه زاد في ذيل الجامع، ومنهن خبر جاء دالا على عموم الاقتداء بالصحابة، وهو قوله: ﷺ : "أصحابي كالنجوم"، "وتمام الحديث" بأيهم اقتديتم اهتديتم"٣. قال السيوطي أخرجه السجزي في الإبانة، وابن عساكر عن عمر بلفظ سألت ربي فيما يختلف فيه أصحابي من بعدي، فأوحي إلي يا محمد: إن أصحابك عندي بمنزل النجوم في السماء بعضها أضوء من بعض، فمن أخذ بشيء، مما هم عليه من اختلافهم

стр. 46

فهو عندي على هدى١، وقد ورد هذان الحديثان بروايات مختلفة كما ورد في اتباع الصحابة أحاديث أخرى، وجملتها تدل على طلب الاقتداء بالصحابة: فما فعلوا ومما فعلوه مرسوم المصحف، وقد أجمعوا ﵁، وهم اثنا عشر ألفا، والإجماع كما تقرر في أصول الفقه. وحذف الناظم تنوين بكر من قوله: أبي بكر الرضي لالتقاء الساكنين على لغة قرئ بما شاذا قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ٢ بحذف التنوين من أحد. ثم قال: ومالك حض على الإتباع ... لفعلهم وترك الابتداع إذ منع السائل من أن يحدثا ... في الأمهات نقط ما قد أحدثا وإنما رآه للصبيان ... في الصحف والألواح للبيان والأمهات ملجأ للناس ... فمنع النقط للالتباس لما استدل بالأحاديث التي أشار إليها في الأبيات قبل الدال مع الإجماع المتقدم على وجوب الاتداء بالصحابة ﵃ أكد الاستدلال على بما ورد عن إمام الأئمة، مالك بن أنس* ﵁ فأخبر أن مالكا حض أي: حث على الاتباع،

стр. 47

أي: أفعال الصحابة في المصاحف، وعلى ترك الابتداع، أي: الاختراع وإحداث ما لم يكن فيها. ولما كان هذا الكلام الذي نسبه الناظم لمالك لم يقله صريحا وإنما هو لازم لجوابه الآتي عن سؤال من سأله علل نسبته لمالك بقوله: إذ منع، مالك السائل الآتي سؤاله من أن يحدث في الأمهات، أي: المصاحف الكمل الكبار، نقط المصاحب المحدثة في زمن السائل، وإنما رأى، أي: مالك جواز النقط للصبيان في الصحف، يعني الصغار، وفي الألواح للبيان، والإيضاح لهم، والمراد بالصبيان المتعلمون، ولو كبارا، وسيأتي قريبا ما المراد بالنقط، وقد أشار الناظم بهذا إلى ما نقله الحافظ الداني١ في المحكم من قوله مالك: ولا يزال الإنسان يسألني عن نقط القرآن فأقول له: أما الإمام من المصاحف، فلا أرى أن ينقط، ولا يزاد في المصاحف ما لم يكن فيها، وأما المصاحف الصغار التي يتعلم فيها الصبيان، وألواحهم فلا أرى في ذلك بأسا. قال عبد الله بن الحكم: وسمعت مالكا، وقد سئل عن شكل المصاحف فقال: أما الإمهات فلا أراه، وأما المصاحف التي يتعلم فيها الغلماء فلا بأس "انتهى". وحاصله التفصيل بين الأمهات الكمال، فلا يجوز نقطها، وبين الصغار والألواح، فيجوز ويقابل قول مالك هذا قولان آخران: ١- أحدهما بجواز النقط مطلقا. ٢- والآخر بكراهته مطلقا. وقد نسب في المحكم هذه الأقوال بأسانيدها إلى أربابها: وهي جارية أيضا في رسم الخموس، والعشور، ورسم أسماء السور، وما فيها من عدد الآي، والمراد بالنقط ما يشمل نقط الإعجام الدال على ذات الحرف، وشكل الإعراب ونحوه الدال على عارض الحرف، من فتح، وضم، وكسر، وسكون، وشد، ومد، ونحو ذلك، قال في ذيل المقنع: الناس في جميع أمصار المسلمين، من لدن التابعين إلى وقتنا على الترخيص في ذلك، يعني في

стр. 48

شكل المصاحف ونقطها في الأمهات وغيرها، ولا يرون بأسا برسم فواتح السور وعدد آيها، والخموس، والعشور، في مواضعها، والخطأ مرتفع عن إجماعهم. "انتهى". قلت ومن المعلوم أن العمل في وقتنا هذا على الترخص في ذلك وفي رسم أسماء السور، وعدد آيها، والأحزاب، والأرباع، والأثمان في مواضعها، لكن نقط الإعجام بالسواد، وما عداه بلون مختلف للسواد، ولا تخفى المعارضة بين حكاية الإجماع المذكور، وبين حكاية الأقوال الثلاثة المتقدمة. وقول الناظم: والأمهات ملجأ للناس، أي: مرجع لهم، والفاء في قوله: فمنع سببية، وقوله للالتباس: نقل عن الناظم أنه قال: ليس هو تعليلا لمالك، ولا من كلامه، وإنما ذلك تبرع تبرعت به، وأخذته من كلام الحافظ في المحكم حيث لم يستجز نقط المصاحف بالسواد من الحبر وغيره، ونهى عنه؛ لأن السواد يحدث فيه نخليطا، "انتهى". كلام الناظم، وعليه فقوله منع مبني للنائب، والنقط نائب فاعله، والمانع هو الحافظ الذاتي في المحكم لا مالك، وإنما لم يجعل الناظم قوله: للالتباس علة لمنع مالك النقط؛ لأنه ليس في جواب مالك ما يدل عليه. وقول الناظم: للاتباع بقطع الهمزة مصدر أتبع بمعنى أتبع بوصل الهمزة، وإذ في قوله إذ منع للتعليل، ويحدثا بضم الياء من أحدث الرباعي، وألفه للإطلاق كألف أحدثا. "تأليف الكتب في القراءات". ثم قال: ووضع الناس عليه كتبا ... كل يبين عنه كيف كتبا أجلها فاعلم كتاب المقنع١ ... فقد أتى فيه بنص مقنع أخبر أن الناس، أي: العلماء المعتنين برسم القرآن وضعوا، أي: صنفوا كتبا تكلموا فيها على المرسوم الذي جعله سيدنا عثمان في المصاحف أصلا كتبعا، كل واحد من أولئك الناس يبين عن المرسوم كيف كتب، أي: يخبر كيفية كتابته: من حذف،

стр. 49

وإثبات ونقص وزيادة، وقطع، ووصل، ونحو ذلك إلا أن بعض ذلك تلقوه عن المصاحف العثمانية كما تقدم، وبعضه من مصاحف الأمصار المظنون بكل واحد منها متابعة مصحف مصره، كما تقدم أيضا، والضمير في قوله: أجلها يعود على الكتب المتقدمة، أي: أجل تلك الكتب الموضوعة في الرسم، وأعظمها فائدة، وصحة الكتاب المسمى بالمقنع؛ لأنه أتى فيه مؤلفه بنص، أي: بلفظ صريح مقنع، أي: كاف لمن اقتصر عليه، وكتاب المقنع الذي عناه الناظم هو المقنع الكبير، وهو مفيد في الرسم، وعليه اعتمد مجمل ممن اعتنى بعلم القرآن، والمقنع الصغير، نحو نصفه، وكلاهما من تأليف الحافظ أبي عمر، وعثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر الأموي١، مولاهم المعروف في زمانه بابن الصيرفي وبعد ذلك بالداني، ولد بقرطبة، ثم انتقل منها إلى دانية، فنسب إليها ويكنى أبا عمرو. كان ﵀ دينا ورعا كثير البركة مجاب الدعوة مالكي المذهب، سمع من أبي الحسن القابسي، وابن أبي زمنين وخلق كثير، وأخذ عنه أناس كثيرون بالأندلس وغيرها منهم أبو عمرو الداني قارئ الأندلس، وأبو الوليد الباجي فقيهها، وأبو عمرو بن عبد البر٢ محدثها، قال اللبيب في شرح العقيلة: رأيت لأبي عمرو الداني مائة وعشرين تأليفا منها أحد عشر في الرسم، أصغرها جرما كتاب المقنع، قال: وسمعت من يوثق به من أصحابنا أن له مائة ونيفا وثلاثين تأليفا في علم القرآن من قراءة، ورسم وضبط وتفسير وغير ذلك، وقال أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال٣: كان أحد الأئمة في علم القرآن بروايته وتفسيره، ومعانيه، وطرقه وإعرابه، وجمع في ذلك تأليف حسانا يطول تعدادها وله معرفة بالحديث، وطرقه، وأسماء رجاله ونقلته، وكان حسن الخط، جيد الضبط من أهل الحفظ والذكاء والتفنن،

стр. 50

وقال: غيره، لم يكن في عصره آخر يضاهيه في حفظه، وتحقيقه وكان يقول: ما رأيت شيئا قط إلا كتبته، ولا كتبته إلا حفظته، ولا حفظته فنسيته، وكان يسأل عن المسألة مما يتعلق بالآثار، وكلام العلماء فيوردها بجميع ما فيها مسندة من شيوخه إلى قائلها، ومولده سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وابتدأ طلب العلم وهو ابن أربع عشرة سنة، وتوفي بدانية يوم الاثنين في النصف من شوال سنة أربع وأربعين وأربعمائة، ودفن بعد صلاة العصر، وخرج لجنازته كل من بدانية، ولم يبلغ نعشه إلى قبره إلا قرب المغرب لكثرة ازدحام الناس عليه، مع قرب المسافة بين داره وقبره جدا، ولو كانت بعيدة ما دفن تلك الليلة، ومشى السلطان ابن مجاهد على رجله أمام النعش وهو يقول: لا طاعة إلا طاعة الله لما شاهد من كثرة الخلق، وازدحام الناس، وختم الناس عليه القرآن تلك الليلة، واليوم الذي يليها أكثر من ثلاثين ختمة، وبات الناس على قبره أكثر من شهرين، نفعنا الله به. والألف في قول الناظم كتبا في الشطر الأول من التنوين، وفي الشطر الثاني للإطلاق وكتبا الأول: جمع كتاب، وكتبا الثاني فعل ماض مبني للنائب. ثم قال: والشاطبي جاء في العقيلة ... به وزاد أحرفا قليله أخبر أن الإمام الشاطبي جاء به، أي: بالمقنع، يعني ذكر جميع مسائل كتاب المقنع في نظمه المسمى "بعقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد"، وزاد عليه أحرفًا، أي كلمات قليلة، وجملتها ست كلمات. والشاطبي هو الشيخ الإمام المقري، أبو محمد قاسم بن فيرة أبي القاسم خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي الضرير صابح القصيدة التي سماها "حرز الأماني ووجه التهاني"١.

стр. 51

كان رحمه الله تعالى عالما بكتاب الله تعالى قراءة وتفسيرا، وبحديث رسول الله ﷺ ، وكان إذا قرئ عليه صحيح البخاري ومسلم والموطأ، تصحح النسخ من حفظه، ويملي النكت على المواضع المحتاج إليها، وكان أوحد أهل زمانه في علم النحو واللغة، عالما بعلم الرؤيا، قرأ القرآن العظيم بالروايات على أبي عبد الله محمد بن علي أبي العاصي النفزي بالزاي المعجمة، وعلي أبي الحسن علي بن عبد الرحيم وغيرهما، وانتفع به خلق كثير، وكان يتجنب فضول الكلام، ولا ينطق في سائر أوقاته، إلا بما تدعوا إليه الضرورة، ولا يجلس للإقراء إلا على طهارة، وهيئة حسنة، وتخشع، وكانت ولادته في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة للهجرة، ودخل مصر سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وكان يقول: عند دخول إليها أنه يحفظ وقر بعير في العلوم، وتوفي بمصر يوم الأحد بعد صلاة العصر، الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة، ودفن بالقرافة الصغرى في تربة القاضي الفاضل، وفيرة بكسر الفاء سكونم الياء المثناة من تحت، وتشديد الراء وضمها، وهو بلغة أعاجم الأندلس، ومعناه بالعربي الحديد والرعيني نسبة إلى قبيلة من قبائل المغرب. والشاطبي نسبة إلى شاطبة مدينة كبيرة بالأندلس خرج منها جماعة من العلماء. ثم قال: وذكر الشيخ أبو داود* ... رسما بتنزيل له مزيدا

стр. 52

أخبر أن الشيخ أبا داود، ذكر في كتابه الذي سماه "التنزيل" رسما مزيدًا له، أي: مرسومًا زاده على ما في "المقنع"، و"العقيلة" بمعنى أن جملة المرسوم التي اشتمل عليها التنزيل أكثر من جملة المرسوم التي اشتمل عليها قد انفرد عن الآخر بحروف، قال ابن بشكوال في كتاب "الصلة" سليمان بن أبي القاسم نجاح مولى أمير المؤمنين هشام المؤيد بالله سكن دانية وبلنسية، يكنى أبا داود روى عن أبي عمرو عثمان بن سعيد المقرئ وأكثر عنه، وهو أثبت الناس فيه، وكان من جملة المقرئين وعلمائهم عالما بالقرآن ورواياتها، حسن الضبط لها دينا فاضلا ثقة، له تآليف كثيرة في معاني القرآن العظيم وغيره، وكان حسن الخط، جيد الضبط، روى الناس عنه كثيرا، توفي يوم الأربعاء بعد صلاة الظهر، ودفن يوم الخميس لصلاة العصر بمدينة بلنسية، واحتفل الناس لجنازته، وتزاحموا على نعشه وذلك في رمضان ليست عشرة ليلة خلت منه سنة ست وتسعين وأربعمائة للهجرة، وكان مولده سنة ثلاث عشرة وأربعمائة للهجرة، فعمره ثلاث وثمانون سنة. "انتهى" ... ومن أشهر كتبه "التنزيل"، ومنها "التبيين"، وهو الذي يشير إليه في التنزيل بالكتاب الكبير.

стр. 53

أسباب نظم الموجز: ثم قال: فجئت في ذاك بهذا الرجز ... لخصت منهن بلفظ موجز وفق قراءة أبي رؤيم ... المدني ابن أبي نعيم حسبما اشتهر في البلاد ... بمغرب لحاضر وبادي أخبر أنه جاء وأتى بهذا الرجز في ذاك، أي: الرسم المتقدم، وأنه لخص منهن، أي: من الكتب الثلاثة المتقدمة، وهي: المقنع، والعقيلة، والتنزيل، والتنزيل بلفظ موجز، أي: مختصر. وقوله: وفق مفعول لخصت، أي: لخصت من الكتب الثلاثة بلفظ مختصر الرسم الموافق لقراءة أبي رؤيم المدني الذي، هو الإمام نافع بن أبي نعيم، وحسب من قوله حسبما بفتح السين بمعنى مثل صفة لموصوف محذوف، أي: تلخيصا، وما مصدرية وفاعل

стр. 54

اشتهر ضمير يعود على مقرئ نافع، وباء بمغرب بمعنى في، وهو بدل من قوله في البلاد، ولام الحاضر بمعنى عند، والحاضر ساكن الحاضرة، والبادي ساكن البادي البادية، والتقدير خصصت منهن مقرئ نافع بالذكر كما اختص بالشهرة في المغرب، ومعنى ما ذكر من تلخيصه الرسم الموافق لقراءة نافع من الكتب الثلاثة، أن تلك الكتب تعرض مؤلفوها لما خالفت فيه المصاحف العثمانية الرسم القياسي باعتبار قراءات الأئمة السبعة، والناظم لم يتعرض من ذلك إلا لما خالفته فيه باعتبار قراءة نافع المشتهرة بالمغرب. والرجز أحد البحور الخمسة عشرة المشهورة، وأجزاؤه: مستفعلن ست مرات، وقد أتى الناظم بأبيات كثيرة من بحر السريع، وأجزاؤه: مستفعلن مستفلن مفعولات مرتين، كقوله: أثبته وجاء ربانيون ... عنه بحذف مع ربانيين فأما أنه أراد بالرجز معناه اللغوي، وهو كل ما قصرت أجزاؤه، أو أنه غلب الرجز الاصطلاحي؛ لأن أبياته الواقعة في النظم أكثر من أبيات السريع. وقوله: أبو رؤيم بالتصغير كنية لنافع، والمدني نسبة إلى مدينة النبي ﷺ ، ونافع: هو أحد الأئمة القراء السبعة الذين اشتهر ذكرهم في جميع الآفاق، ووقع على فضلهم وجلالتهم الاتفاق، وهو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم مولى جعونة بفتح وسكون العين، وفتح الواو ابن شعوب الليثي، وجعونة حليف حمزة بن عبد المطلب، وقيل غير ذلك. وأصل نافع من أصبهان وهو من الطبقة الثانية بعد الصحابة، ويكنى بأبي رؤيم، وأبي نعيم وأبي عبد الله، وأبي عبد الرحمن، وأبي الحسن، والأولى أشهر كناه ولذا اقتصر عليها الناظم. وكان ﵁ عالما صالحا خاشعا مجابا في دعائه، إماما في علم القرآن، وعلم العربية، أم الناس في الصلاة بمسجد النبي ﷺ ستين سنة قرأ على سبعين من التابعين، وقرأ على مالك الموطأ، وقرأ عليه مالك القرآن، وقال قراءة نافع سنة، انتهت إليه رئاسة الإقراء بالمدينة المشرفة، وأجمع الناس عليه بعد شيخه أبي جعفر، وقرأ عليه: مائتان

стр. 55

وخمسون رجلا، وكان إذا تكلم تشم من فيه رائحة المسك، فقيل له: اتتطيب كلما قعدت تقرئ الناس؟ فقال: ما أمس طيبا، ولا أقرب طيبا، ولكني رأيت -فيما يرى النائم- النبي ﷺ وهو يقرأ في في، وفي رواية يتفل في فمي، فمن ذلك الوقت تشم من في هذه الرائحة، قال المسيبي: قلت لنافع ما أصبح وجهك وأحسن خلقك فقال: وكيف لا وقد صافحني رسول الله ﷺ . ولد ﵁ سنة سبعين، وتوفي بالمدينة سنة تسع وستين ومائة للهجرة في خلافة الهادي على الأصح، وروي أنه لما حضرته الوفاة، قال له أبناؤه، أوصنا، فقال: اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، قال أبو محمد مكي في التبصرة، وكان -يعني نافعا- يقرئ الناس بكل ما قرئ الناس بكل ما قرئ عليه مما رواه ألا يسأله إنسان عن قراءته، فيأخذ عليه فلذلك كثر الاختلاف عنه، انتهى. وزاد في الإبانة إيضاحا فقال ما نصه: فإن يسأل سئل فقال: ما العلة التي من أجلها كثر الاختلاف عن هؤلاء الأئمة يعني السبعة، وكل ولحد منهم قد انفرد بقراءة اختارها مما قرأ به على أئمته، فالجواب أن كل واحد من الأئمة قرأ على جماعات بقراءات مختلفة، فنقل ذلك على ما قرأ، فكانوا في برهة من أعمارهم يقرئون الناس بما قرأوا فمن قرأوا عليهم بأي حرف كان لم يردوه عنه إذا كان ذلك مما قرأوا به على أئمتهم ألا ترى أن نافعا١ قال: قرأت على سبعين من التابعين فما اتفق على اثنان أخذته وما شذ فيه واحد تركته، وقد روي عنه أنه يقرئ الناس بكل ما قرأ به حتى يقال له: نريد أن نقرأ عليك باختيارك مما رويت، وهذا: قالون٢ ربيبه وأخذ الناس به، وورش٣ أشهر الناس في المتحملين عنه: اختلفا في أكثر

стр. 56

من ثلاثة آلاف حرف من قطع، وهمز، وتخفيف، وإدغام، وشبهه، ولم يوافق أحد من الرواة عن نافع رواية ورش عنه، ولا نقلها أحد عن نافع غير ورش، وإنما ذلك؛ لأن ورشا قرأ عليه بما تعلم في بلدة، فوافق ذلك رواية قرأها نافع على بعض أئمته فتركه على ذلك، وكذلك ما قرأ عليه قالون وغيره، وكذلك الجواب عن اختلاف الرواة عن جميع القراء، وقد روي عن غير نافع أنه كان لا يرد على أحد ممن يقرأ عليه إذا وافق ما قرأ به على بعض أئمته، فإن قيل له: اقرئنا بما اخترته من روايتك اقرأ بذلك. انتهى. ببعض حذف.

стр. 57

الثناء على الرواة: ثم قال: وربما ذكرت بعض أحرف ... مما تضمن كتاب المنصف١ لأن ما نقله مروي ... عن ابن لب٢ وهو القيسي وشيخه مؤتمن جليل ... وهو الذي ضمن إذ يقول حدثني عن شيخه المغامي٣ ... ذي العلم بالتنزيل والأحكام أخبر أنه ذكر بقلة في هذا الرجز بعض أحرف، أي: كلمات من الرسوم الذي تضمنه، واحتوى عليه الكتاب المسمى بالمنصف، وجملة ما ذكره منه نحو: اثني عشر موضعًا والقصد من ذكرها بيان انفرد مؤلفه بها، وإنما اقتصر الناظم عليها، وسكت عن غيرها مما انفرد صاحب المنصف؛ لأن تلك المواضع اشتهرت في زمن الناظم دون بقية ما انفرد به. والمنصف نظم الشيخ أبي الحسن علي بن محمد المرادي الأندلسي البلنسي، ثم علل الناظم اعتماده عليه فيما ذكره منه بأن ما نقله فيه مؤلفه مروي عن شيخه الأستاذ ابن لب القيسي، وشيخ القيسي ثقة مؤتمن في نقله، جليل، أي: عظيم، وهو الإمام: أبو عبد الله محمد بن أحمد المغامي من طبقة أبي داود، يروى عن الحافظ أبي عمرو الداني، وعن أبي محمد مكي قال الناظم وهو، أي: شيخ ابن لب هذا هو الذي ضمنه البلنسي في نظمه المسمى بالمنصف إذ يقول فيه حدثني، أي: ابن لب عن شيخه المغامي ونصه:

стр. 58

إذ كنت قد أخذته روايه ... عن ابن لب من ذوي الدرايه وكان شيخا خص بالإتقان ... في عصره من أهل هذا الشان حدثني عن شيخه المغامي ... ذي العلم بالتنزيل والأحكام وكل ما أذكره فعنه ... أخذته مما استفدت منه وقوله: ذي العلم صفة للمغامي، والمراد بالتنزيل هنا القرآن، أي: صاحب العلم بعلوم القرآن، وبأحكامه من حلال وحرام، وناسخ ومنسوخ وغير ذلك. ثم قال: جعلته مفصلًا مبوبا ... فجاء مع تحصيله مقربا وحذفه جئت به مرتبا ... لأن يكون البحث فيه أقربا شرع من هنا إلى قوله لأجل ما خص من البيان في ذكر اصطلاحه في هذا الرجز، فأخبر أنه جعله مفصلا مبوبا، أي: ذا فصول وذا أبواب، وسيأتي تفسير الباب، والفصل عند أول ترجمة من النظم، ومراده بكونه مبوبا أنه ذو تراجم، فمنها ما صرح فيه بلفظ باب، كباب اتفاقهم، والاضطراب، ومنها ما خلا عنه كالقول فيما سلبوه الياء، وهاك واوا سقطت في الرسم، ولما كان لفظ التبويب، ظاهرا في التراجم دون الفصول، وإن كان يصدق بالفصول نبه على أنه مفصل أيضا، ثم فرع على جعله مفصلا مبوبا. قول: فجاء مع تحصيله مقربا، أي: جاء هذا الرجز مع حفظه مقربا لفهم حافظيه، ثم أخبر أن حذف هذا الرجز، أي: حذف الألفات المذكورة فيه جاء به مرتبا من أول القرآن إلى آخره، في ست تراجم لكثرة مسائله، فيتطلب مسائل كل ترجمة فيها ثم علل مجيئه بالحذف مرتبا بقوله، لأن يكون البحث فيه أقربا، أي: لأجل أن يكون بالبحث والتفتيش على الحذف في هذا الرجز قريبا لطالبيه. ثم قال: وفي الذي كرر منه اكتفي ... بذكر ما جاء أولا من أحرف منوعا يكون أو متحدا ... وغير ذا جئت به مقيدا

стр. 59

هذا من جملة مصطلحه في هذا الرجز، وهو أن الذي في القرآن من كلمات الحذف المطرد يكتفي فيه بذكر ما جاء أولا من أحرف، أي: يقتصر فيه على ذكر حذف ما وقع أولا من الكلمات، ولا يتعرض لحذف ما زاد على ذلك الأول من نظائره الواقعة بعده اكتفاء به عنها، لكون حكم الجميع واحدا، ومن هذا يعلم أن اللفظ الذي يذكر فيه الناظم الحذف في ترجمة من التراجم يعم نظائره الواقعة في تلك الترجمة، وفيما بعدها ولا يعم ما قبل الترجمة التى هو فيها؛ لأن الناظم إنما الناظم إنما يكتفي بالأول عما بعده، ولا يكتفي عن الأول بما بعده، نعم إن وجد في كلامه ما يدل على تعميم الحكم في السابق واللاحق كان الحكم شاملا للجميع، وذلك كتعليق الحكم على ضابط لا على عين لفظ. نحو قوله: وقبل تعريف وبعد لام، وقوله: ووزن فعال، فاعل ثبت. ثم إنه لا فرق في ذلك المكرر الذي يكتفي فيه بذكر الأول بين أن يكون منوعا، أو متحدا والمراد بالنوع اللفظ المكرر الذي في أوله أو آخره زيادة على نظيره: كالأزواج و"أزواجهم" أو"أزواج" و"الأبصار"، و"أبصارهم"، و"أبصار"، و"بسلطان"، و"سلطان"، والمراد بالمتحد اللفظ المكرر الذي على صورة واحدة في جميع القرآن من غير زيادة، ولا نقص "كباخع" و"صلصال" و"غضبان". واسم الإشارة في قوله وغير ذا جئت به مقيدا يعود على المكرر، المطرد حذفه بقسيمه، الممنوع، والمتحد، يعني أن المكرر من الكلمات غير المطرد حذفها بأن حذفت في بعض المواضع دون بعض يقيده بقيد يميزه به عن غيره، والتقيد بأشياء، منها المجاور، كقوله: إلا الذي مع خلال قد ألف، ومنها التقيد بالحرف، كقوله: لابن نجاح: خاشعا، والغفار، فقيد الغفار بالحرف وهـ "وأل" احترازا عن: "غفارا" بسورة نوح، ومنها التقيد بسورة، كقوله: والحذف في الأنفال في الميعاد، ومنها التقييد بغير ذلك مما سنقف عليه إن شاء الله في كلام الناظم، وحذف همزة جاء من قوله: ما جاء أولا على إحدى اللغات في اجتماع الهمزتين. ثم قال: وكل ما قد ذكروه أذكر ... من اتفاق أو خلاف أثروا والحكم مطلقا به إليهم ... أشير في أحكام ما قد رسموا

стр. 60

يعني أن من اصطلاحه أن يذكر جميع ما ذكره الشيوخ الثلاثة المتقدمون وهم: أبو عمرو الداني، والشاطبي، وأبو داود، من أحكام الرسم التي اتفقت عليها المصاحف، أو اختلفت فيها مما رووه عنها، واعتمدوه موافقا لقراءة نافغ، فخرج ما ذكروه من الأحكام، واستضعفوه فلا يذكره، وأما التعاليل التي ذكروها فالغالب عدم ذكره لها، وقوله: من اتفاق أو خلاف يؤذن بأنه لم يلتزم ببيان ما ذكره الشيوخ من التشهير والترجيح، وحينئذ لا يلتفت إلى اعتراض شارحيه عليه بفوات بيان ذلك. ثم أخبر أن من اصطلاحه، أيضا أن يشير بالحكم في حال كونه مطلقا إلى اتفاق الشيوخ المذكورين في أحكام ما قد رسموا أي: في أحكام الألفاظ التي ذكروا رسمها. ومراده بالحكم المطلق ما لم يسند لواحد فأكثر من شيوخ النقل المذكورين، فيدخل فيه، قوله: وحذف "إِدَّارَأْتُم" "رهان"، وقوله و"احذف تفادوهم "يتامى"، و"دفاع"، وشبه ذلك، ويدخل فيه أيضا قوله: "كذاك لا خلاف بين الأمة" وقوله: "وللجميع الحذف في الرحمن"، وقوله: "وجاء أيضا عنهم في " العالمين"، وشبه ذلك مما فيه الحكم لكتبة المصاحف لا لشيوخ النقل؛ لأن هذه الأمثلة ونحوها خالية من إسناد الحكم لواحد فأكثر من شيوخ النقل المذكورين. تنبيهان: التنبيه الأول: ما اصطلح عليه في هذين البيتين لا يختص بحذف الألفات، بل يجرى في جميع أبواب نظم الرسم. وأما قوله: قبل وفي الذي كرر منه اكتفى، البيتين فهو مختص بالحذف كما قررناه؛ لأن المتبادر عود ضمير على الحذف في قوله: "وحذف جئت به مرتبا"، ومن الشراح من جعله جاريا في جميع أبواب النظم أيضًا. التنبيه الثاني: إنما لم ندخل الشيخ البلنسي في ضمير ذكروه؛ لأن إدخاله فيه يقتضي أن جميع ما ذكروه في المنصف يذكره الناظم، وهو ينافي قوله: قبل وربما

стр. 61

ذكرت بعض أحرف البيت، وحيئنذ لا يكون صاحب المنصف معتبرا في إطلاق الحكم الذي يشير به الناظم إلى اتفاق شيوخ النقل، ومما يؤيد ذلك أن الناظم ساق الخلاف مطلقا في قوله الآتي: "لكن قل سبحان فيه اختلفا"، مع أن صاحب المنصف ليس له فيه كلام. وقول الناظم: أثروا بقصر الهمزة بمعنى رووا، وجملة أثروا صفة اتفاق وما عطف عليه، وعائد الموصوف محذوف تقديره أثروه. ثم قال: وكل ما جاء بلفظ عنهما ... فابن نجاح مع دان رسما وأذكر التي بهن انفردا ... لدى العقيلة على ما وردا ذكر في البيت الأول أن من مصطلحه أن كل حكم جاء في هذا الرجز مصاحبا للفظ عنهما الذي هو ضمير اثنين مجرور بعن، ولم يتقدم له معاد فرسمه أبو داود مع أبي عمرو الداني، أي: ذكراه معا نحو قوله: "والحذف عنهما "بأكّلُونَ"، وقوله: عنهما روضات"، وقوله: "وبعد واو عنهما قد أثبتت"، فإن تقدم معاد، عاد ضمير الاثنين له نحو، وقوله: "والأولان عنهما قد سكتا"، ولا يخفى أن ما نسبه لأبي عمرو وحده أوله مع أبي داود يستلزم نسبته للشاطبي أيضًا، لقوله: قبل "والشاطبي جاء في العقيلة"، وأما لفظ عنه الواقع في هذا الرجز، فضميره لأبي داود غالبا، وإنما لم يذكره الناظم في اصطلاحه؛ لأنه داود إلا وقد تقدم معاده بخلاف لفظ عنهما، فإنه يضمره للشيخين من غير تقدم معاد كما عرفت. ثم أخبر في البيت الثاني أنه يذكر في هذا الرجز الكلمات التي انفرد بها الشاطبي في العقيلة مسندة إليه على الوجه الذي ورد فيها، وهي التي أشار إليها بقوله: قبل، "وزاد أحرفا قليلة"، وقد تقدم أن عدتها ستة، وفي هذا البيت من الفائدة أنه إذا نقل حكما مسندا للعقيلة علم انفراد الشاطبي به إلا أن يصرح الناظم بزائد عليه نحو، ومن عقيلة وتنزيل، وعن، والألف في قوله: رسما للإطلاق للتثنية كما قيل ولدى في قوله: لدى العقيلة بمعني في.

стр. 62

ثم قال: وكل ما لواحد نسبت ... فغيره سكت إن سكت وإن أتى بعكسه ذكرته ... على الذي من نصه وجدته ذكر في هذين البيتين أن مصطلحه أيضًا أن كل حكم في أي باب من الأبواب نسبه لواحد من الشيخين المتقدمين، وسكت عن غيره، وهو الشيخ الآخر، بحيث لم يذكر له فيه شيئا، فإن ذلك الغير سكت عن حكم ذلك اللفظ الذي تعرض الآخر لحكمه، وإن أتى ذلك الغير بعكس ذلك الحكم يعني بما يخالف ذلك الحكم بوجه ما، فإنه يذكره على الوجه الذي من نصه إلى من لفظه، سواء كان مقابلا للحكم الأول أم لا، مثال القسم الأول قوله: والحذف في المقنع في ضَعَفا، و"عن أبي داود جا أضعافا"، ومثال القسم الثاني: مقابلا حذف "نحسات" لأبي عمرو لدخوله في ضابط الجمع، وثبته لأبي داود ومثاله غير مقابل قوله: ومقنع قرآنا أولى يوسف ... وزخرف وسليمان احذف وما شرحنا به قوله: "وكل ما لواحد نسبت" من أن المراد لواحد من الشيخين المتقدمين، هو الذي يدل عليه استقراء النظم خلافا لمن حمله على أن المراد لواحد من الأئمة المتقدمين، أما الثلاثة أو الأربعة بزيادة البلنسي. ثم قال: لأجل ما خص من البيان ... سميته بمورد الظمآن ملتمسا في كل ما أروم ... عون الإله فهو الكريم أخبر أنه سمى رجزه هذا بمورد الظمآن، لجل ما خص به من البيان، والإيضاح والمورد بكسر الراء اسم مكان من مورد الماء وغيره وصل إليه، ويطلق ويراد به نفس الماء الذي شأنه أن يورد، وهذا المعنى هو الذي اعتبره الناظم في التسمية، والظمآن: العطشان، ووجه مطابقة الاسم للمسمى، أن الطالب في تلهفه، واشتياقه للمسائل شبيه

стр. 63

بالعطشان، وهذا الرجز لما اشتمل عليه من الفوائد مع سهولته بالماء العذب البارد، لإطفائه لهب المشتاق لمسائله إطفاء الماء ظمأ الوارد. وقوله: ملتمسا حال من التاء في تسميته، أي: سميته في حال كوني ملتمسا، أي: طالبا في كل ما أروم، أي: في كل أمر أقصده، وأريد فعله عون الإله، أي: إعانة الله تعالى، ومن جملة ما رامه، وقصده هذا الرجز. ثم علل طلبه الإعانة من الله بقوله: فهو الكريم، أي: إلا أنه لا كريم على الحقيقة إلا هو .

стр. 64

تقسيم الرسم القرآني بين التوقيفي والقياسي: "مقدمة" الرسم قسمان: قياسي وتوقيفي، ويسمى القسم الثاني بالاصطلاح نسبة لاصطلاح الصحابة ﵃. فالرسم القياسي هو تصوير الكلمة بحروف هجائها على تقدير الابتداء بها، والوقف عليها، ولهذا أثبتوا صورة همزة الوصل، وحذفوا صورة التنوين وفيه تآليف مخصوصة به. والرسم التوقيفي علم تعرف به مخالفات خط المصاحف العثمانية لأصول الرسم القياسي، وهو المؤلف فيه هذا الرجز، وأصوله المتقدمة وغيرها. والمراد بأصول الرسم القياسي قواعده المقررة فيه، ويرادف الرسم: الخط، والكتابة، والزبر والسطر، والرقم، والرشم بالشين المعجمة، وإن غلب الرسم بالسين المهملة في خط المصاحف. وموضوع الرسم التوقيفي حروف المصاحف العثمانية من حيث الحذف والزيادة، والإبدال، والفصل، والوصل، ونحو ذلك. ومن فوائده تمييز ما وافق رسم المصاحف من القراءات، فيقبل وما خالفه منها فيرد، حتى لو نقل وجه من القراءات متواتر ظاهر الوجه في العربية إلا أنه مخالف لرسم المصاحف، فإن كانت مخالفته من نوع المخالفات المسطورة في الفن قبلت القراءة وإلا ردت. وموافقة القراءة لخط المصحف، ولو تقديرا هي أحد الأركان الثلاثة التي عليها مدار قبول القراءات. والركن الثاني: موافقة وجه ما من وجوه النحو سواء كان أفصح، أو فصيحا، والركن الثالث: التواتر. وقد أجمع أهل الأداء وأئمة القراء على لزوم تعلم مرسوم المصاحف فيما تدعو إليه الحاجة، واعلم أن أكثر رسم المصاحف موافق لقواعد الرسم القياسي، وقد خرجت عنها أشياء منها ما عرف حكمه، ومنها ما غاب عنا علمه، ولم يكن ذلك من الصحابة كيف اتفق بل لأمر عندهم قد تحقق، وأعظم فوائد ذلك كما ذكره بعض العلماء أنه حجاب منع أهل الكتاب أن يقرأون على وجهه دون موقف.

стр. 65

هذا، وقد تقدم لك أنه ورد عدة أحاديث في طلب الاقتداء بالصحابة فيما فعلوه، ومما فعلوه مرسوم المصاحف، وقد أجمعوا عليه وهم ﵃ اثنا عشر ألفا فيجب علينا اتباعهم، وتحرم علينا مخالفتهم في ذلك. فيجب على كل من أراد كتابة مصحف أن يكتبه على مقتضى الرسم العثماني، فإن كتبه على مقتضى الرسم القياسي، فقد خالف الأحاديث الواردة في طلب الاقتداء بالصحابة، وخالف ما أجمع عليه الصحابة، وخرق إجماع من بعدهم من علماء الأمة، قال أشهب: سئل مالك: هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال: لا ... إلا على الكتابة الأولى: رواه الداني في المقنع، وقال الإمام أحمد بن حنبل: تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أوياء، أو ألف، أو غير ذلك، وقد نقل الجعبري، وغيره إجماع الأئمة الأربعة على وجوب اتباع مرسوم المصحف العثماني، وقال في المقنع بعد أن ذكر جواب مالك المتقدم، ولا مخالف لمالك من علماء الأمة. وهذا كله يرجع إلى مصطلح الرسم، وأما النقط والشكل ونحوهما فقد قدمنا الخلاف فيا عند قول الناظم: ومالك حض على الاتباع لفعلهم، إلخ. كما لا تجوز مخالفة خط المصاحف في رسم القرآن لا يجوز لأحد أن يطعن في شيء مما رسمه الصحابة في المصاحف؛ لأنه طعن في مجمع عليه؛ ولأن الطعن في الكتابة كالطعن في التلاوة، وقد بلغ التهور ببعض المؤرخين إلى أن قال في مرسوم الصحابة ما لا يليق بعظيم علمهم الراسخ، وشريف مقامهم الباذخ فإياك أن تغتر به. وهذا إذا قلنا أن مرسوم المصاحف: اصطلاح من الصحابة، وأما إذا قلنا: أنه من إملاء النبي ﷺ على سيدنا زيد بن ثابت، من تلقين جبريل ﵇ كما نقله بعض العلماء، فالطاعن فيه طاعن فيما هو صادر من النبي ﷺ ، ويشهد لكونه من إملائه ﷺ ما ذكر صاحب الإبريز عن شيخه العارف بالله سيدي عبد العزيز الدباغ أنه قال: رسم القرآن سر من أسرار المشاهدة وكمال الرفعة، وهو صادر من النبي ﷺ ، وليس للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن، ولا شعرة واحدة، وإنما هو توقيف من النبي ﷺ ، وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف، ونقصانها ونحو ذلك لأسرار لا تهتدي إليها العقول إلا بالفتح الرباني، وهو سر من الأسرار خص الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية، فكما أن نظم القرآن معجز فرسمه معجز أيضا، انتهى.

стр. 66

باب: الاتفاق والاختلاف في الحذف: ثم قال الناظم: باب اتفاقهم والاضطراب ... في الحذف من فاتحة الكتاب أي: هذا باب بيان اتفاق كتاب المصاحف، واختلافهم في حذف الألفات من كلمات فاتحة الكتاب، والباب لغة: المدخل الموصل إلى الشيء، واصطلاحا اسم لجملة من المسائل المشتركة في أمر يشملها تحته فصول غالبا، والفصل لغة: الحاجز بين الشيئين، واصطلاحا اسم جملة من مسائل الفن مندرج تحت باب أو كتاب، غالبا. والضمير في قول اتفاقهم يعود على كتاب المصاحف المتقدم ذكرهم في قوله: "ثبت عن ذوي النهى والعلم"، ولا يصح عوده على الرواة الناقلين عن المصاحف؛ لأنه لم يتقدم ذكرهم لا تصريحا، ولا تلويحا ولا على الشيوخ الذين عينهم الناظم لعدم الاطراد، فإن الناظم كثيرا ما يأتي بذكر الخلاف مع اتفاق الناقلين له؛ ولأن أكثر الكنايات وشبهها الآتية في النظم الأنسب بها كتاب المصاحف لا شيوخ النقل كقوله: "لا خلاف بين الأمة في الحذف". وقوله: وبعضهم أثبت فيها الأولاد. وقوله: ولجميع السيئات جاء بألف. والتعبير باتفاق كتاب المصاحف، واختلافهم في معنى تعبير الشيوخ باتفاق المصاحف واختلافها، ولكن لما وقع في عبارة الناظم ضمير العقلاء لزم حمله على كتابها، وأحدهما قريب من الآخر، وأل في قوله: والاضطراب عوض عن ضمير كتاب المصاحف، والاضطراب: الاختلاف. وقوله: في الحذف تنازعه كل من الاتفاق، والاضطراب، ومعنى الحذف: الإسقاط والإزالة، وآل فيه للعهد والمعهود.

стр. 67

قوله: وحذفه جئت به مرتبا، والذي يحذف غالبا في المصاحف من حروف الهجاء ثلاثة: الألف، والواو، والياء المديتان، وهي التي تزاد أيضا. وإنما اختصت هذه الأحرف بالحذف غالبا لكثرة دورها، وبقاء ما يدل عليها عند حذفها، وهو الحركات التي نشأت هذه الأحرف عنها، وإنما اقتصر في الترجمة على الحذف؛ لأنه هو المخالف لقاعدة الرسم القياسي، وأما الإثبات فلا حاجة إلى التنصيص عليه لجريانه على القياس، ولذا لم يترجم له، ولم يتعرض لشيء منه استقلالًا. "واعلم" أن البسملة إن كانت من الفاتحة، ومن كل سورة أو من الفاتحة فقط كما قيل بكل منهما دخل في ترجمة الفاتحة ولا إشكال، وإن لم تكن من الفاتحة ولا من غيرها كما هو قول مالك، وجماعة دخلت فيا أيضا لملازمتها إياها لفظا وخطا. تنبيهان: التنبيه الأول: الحذف الواقع في المصاحف ثلاثة أقسام، حذف إشاة، وحذف اختصار، وحذف اقتصار. أما حذف الإشارة فهو ما يكون موافقا لبعض القراءات نحو: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا﴾ فإن أبا عمرو البصري قرأ بحذف الألف من اللفظ، والباقون بإثباتها فحذفت الألف في الخط إشارة لقراء الحذف، ولا يشترط في كونه حذف إشارة أن تكون القراء المشار إليها متواترة، بل ولو شاذة لاحتمال أن تكون غير شاذة حين كتب المصاحف، وهذا القسم يعلم مما سنذكره في الشرح من قراءة الكلمة بدون ألف. وأما حذف الاختصار، أي: التقليل فهو ما لا يختص بكلمة دون مماثلها فيصدق مما تكرر من الكلمات، وما لم يتكرر منها، وذلك كحذف ألف جموع السلامة: كالعلمين والذريت. وأما حذف الاقتصار فهو ما اختص بكلمة أو كلمات دون نظائرها: "كالميعد، في الأنفال، و"الكفر" في الرعد، وربما جامع القسم الأول كلا من القسمين الأخيرين، "كواعدنا"، وفيها "سراجا"، وربا اجتمع القسمان الأخيران، وذلك حيث تتفق المصاحف على حذف كلمة، وتختلف في نظائرها فيكون اختصارا بالنسبة إلى حذف النظير في

стр. 68

بعض المصاحف واقتصارا بالنسبة إلى إثباته، وهذا كله اصطلاح لهم، وإلا يبعد أن يشمل ذلك كله اسم الاختصار. التنبيه الثاني: للحذف والإثبات مرجحات، فينفرد الإثبات بالترجيح لكن حيث لا مرجح للحذف، وينفرد الحذف بترجيحه إلى القراءة بحذفه، لكن حيث لم ينص على الإثبات أو راجحيته، ويشتركان ما في الترجيح بالنص على رجحان أحدهما، وينص أحد الشيخين على أحد الطرفين مع سكوت الآخر الذي قد يقتضي خلافه، وبالحمل على النظائر، وعلى المجاور، وباقتصار أحد الشيوخ على أحدهما، وحكاية الآخر الخلاف، وينص شيخ على حكم عين الكلمة عند اقتضاء ضابط غيره خلافه، ويكون النقل عن نافع عند نقل غيره خلافه، وبكونه في المصاحف المدنية عند مخالفة غيرها، وبكونه في أكثر المصاحف. ثم قد يحصل لكل طرف مرجح فأكثر مع التساوي في عدد المرجحات، أو التفاوت، وقد يكون بعض المرجحات عند التعارض أقوى من بعض فيتسع في ذلك مجال النظر، وكثير من هذه المرجحا يجرى أيضا في غير باب الحذف ومقابله مما يذكر بعده، ومن هذه المرجحات يعلم وجه كثير مما جرى به العمل، وسنبين إن شاء الله ما جرى به العمل عندنا بتونس في جميع ما ذكر في الناظم الخلاف، أو التخيير، وأما ما ذكر فيه الناظم اتفاق الشيوخ، أو الشيخين على نقله من غير ذلك خلاف فيه بين المصاحف، فلا توقف في العمل به، ولذا لا ننص عليه. ثم قال: وللجميع الحذف في الرحمن ... حيث أتى في جملة القرآن كذاك لا خلاف بين الأمة ... في الحذف في اسم الله واللهمه لكثرة الدور والاستعمال ... على لسان لافظ وتال وذكر في البيتين الأولين بعضا من مسائل الإتقان المصدر به في الترجمة، فأخبر أن الحذف واقع في الرحمن أي: في ألفه التي بعد الميم حيثما أتى في القرآن لجميع كتاب المصاحف. فدخل لفظ الرحمن الواقع في الفاتحة وغيرها، ولم يقع في القرآن الكريم إلى مع آل، وقد تقدم اندراج البسملة في الفاتحة فيدخل لفظ الرحمن الواقع فيها.

стр. 69

ثم أخبر أنه لا خلاف في حذف الألف الواقعة بين اللام والهاء في اسم: الله واللهم وأما حذف الألف الواقعة بين اللامين من: لله، فسيأتي في قوله: وقبل تعريف وبعد لام البيت. وقوله: بين الأئمة، أي: الجماعة، المراد بهم كتاب المصاحف، واسم الإشارة في قوله، كذلك يعود على لفظ الرحمن، أي: اسم الله، واللهم، كلفظ الرحمن في الاتفاق على الحذف. ويدخل في قوله: اسم الله، أي: الاسم الذي هو: الله ما في الفاتحة وسائر السور من اسم الله، ففي الفاتحة الحمد لله، وفي غيرها نحو ختم الله. وأما: "اللهم ملك الملك"، وإنما ذكر اللهم مع أنه هو لفظ الله زيدت عليه الميم دفعا لتوهم أنه لا يدخل في اسم الجلالة لزيادة الميم فيه. وذا الحكم الذي ذكره في البيتين مطلق، فيشمل شيوخ النقل المتقدمين، على ما قررناه في اصطلاحه، ولفظ الرحمن متحد، وأما اسم الله فمنوع كما يقتضيه اصطلاحه المتقدم. ثم علل حذف الألف في هذه الكلمات الثلاث بكثرة دورها، أي: تكرارها، وكثر استعمالها على لسان اللافظ، أي: الناطق بها في غير القرآن، وعلى لسان التالي لها في القرآن، ويلزم من ذلك كثرة كتبها فحذف الألف فيها إنما هو في الحقيقة لكثرة كتبها اللازم لعليل الناظم، وقد ذكر شيوخ النقل حذف الألف في هذه الكلمات، ولم يذكروا تعليل الناظم، فذكره إياه تبرع، والهاء في قوله: اللهمه هاء السكت، والظاهر أن عطف الاستعمال على الدور عطف تفسير. ثم قال: وجاء أيضًا عنهم في العالمين ... وشبهه حيث أتى كالصادقين ونحو ذريات مع ءايات ... ومسلمات وكبينات من سالم الجمع الذي تكررا ... ما لم يكن شدد أو إن نبرا فثبت ما شدد مما ذكرا ... وفي الذي همز منه شهرا والخلف في التأنيث في كليهما ... والحذف عن جل الرسوم فيهما

стр. 70

أخبر مع إطلاق الحكم الذي يشير به إلى اتفاق شيوخ النقل بأن الحذف جاء أيضا عن كتاب المصاحف في العلمين، وفي شبهه حيثما أتى في القرآن، وذلك الشبه كالصدقين، ونحو والذاريات، آيت، مسلمت، بينت، ثم ذكر ضابطا بين به شبه: العالمين، فقال من سالم الجمع الذي تكررا، أي: هو الجمع السالم المتكرر في القرآن مذكرا أو مؤنثا. ثم أخرج المشدد والمهموز من الجمع السالم بقسميه المذكر والمؤنث بقوله: ما لم يكن شدد أو أن نبرا، أي: همز يعني ما لم يكن الجمع السالم بقسميه واقعا بعد ألفه شد أو همز مباشر، ثم ذكر حكم هذا المخرج، وهو المشدد والمهموز فأخبر أن الحكم في المشدد المذكر ثبت الألف اتفاقا، وشهر الثبت في المهموز منه مع خلاف بعض المصاحف فيه بالحذف، وأن الخلف حاصل في جمع المؤنث في كلا قسميه المشدد والمهموز، والحذف وارد عن أكثر المصاحف في قسمي المؤنث. أما العالمين ففي: رب العلمين" أول الفاتحة، وأما شبهه من المذكر غير المشدد أو والمهموز فنحو: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ ١، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢، ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٣، ومن المؤنث نحو: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ﴾ ٤، ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ ٥، ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ ٦، ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ٧، وأما المذكر المشدد فنحو: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ ٨، ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ﴾ ٩، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ ١٠، والمهموز منه نحو: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ ١١، ﴿بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ ١٢. وأما المؤنث المشدد فنحو: ﴿فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ ١٣، ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ ١٤. والمهموز منه نحو: ﴿وَالصَّائِمَاتِ﴾ ١٥، ﴿سَائِحَاتٍ﴾ ١٦، ولم يود في القرآن جمع مؤنث سالم فيه ألف واحدة مهموز ما بعدها أو مشدد.

стр. 71

والحكم الذي ذكره الناظم في المشدد، والمهموز من الجمع المؤنث بالنسبة إلى كل من ألفيه، وأما غير المشدد والمهموز من الجمع المؤنث ذي الألفين فسينص عليه قريبا، والعمل عندنا في المهموز من الجمع المذكر على ما شهد من الإثبات، إلا التائبون، والسائحون بالتوبة، والصائمين بالأحزاب، فاقتصر أبو داود فيها على الحذف للنظائر المجاورة لها، وعليه عملنا ولم يستثنها الناظم، والعمل في المشدد والمهموز من جمع المؤنث على ما في أكثر المصاحف من الحذف. واعلم أن مما يشمله ضابط الناظم ما ألفه مبدلة من همزة نحو: "مُسْتَنِسِينَ"١، لورش، ويلزم من ذلك حذف صورة الهمزة فيه لقالون ضرورة أن المحذوف في رواية ورش، وهو الألف، وهو بعينه صورة الهمزة في رواية قالون لم يحتج إلى استثنائه في باب الهمزة مع: الرؤيا، وإدارتم. ومما يشمله أيضا ما كانت ألفه مصاحبة للام نحو: ﴿لاعِبِينَ﴾ ٢، ﴿اللَّاعِنُونَ﴾ ٣، وما شمله أيضا بعض الجموع السالمة التي تغير فيها بناء مفردها للتخفيف، كـ ﴿قُرُبَاتٍ﴾ ٤، فإن قالون يسكن مفردها وهو قربة، ومما يشمله أيضا الملحقات بالجمع السالم، وإن لم تكن جمعا حقيقة، ولا فرق بين ما جرى منها مجرى المذكر أو المؤنث فالأول نحو: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٥، ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ ٦، ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ ٧، مما استعمل في جانب الله تعالى على جهة التعظيم. والثاني نحو: ﴿عَرَفَاتٍ﴾ ٨، ﴿وَأُولاتُ﴾ ٩، ويدل على شموله لهذه الملحقات قوله: في ﴿الْعَالَمِينَ﴾ ١٠، وشبه حيث جعل الحذف أصلا في: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ ١١ الملحق بالجمع، ثم حمل عليه شبه من الجمع السالم، وساوى بين الجمع والملحق به في الحكم.

стр. 72

وأما ﴿ثَلاثُونَ﴾ ١ المرفوع غير المرفوع و ﴿ثَمَانِينَ﴾ ٢، وإن كان من الملحق بالجمع المذكر فقد نص على حذفها فيما بعد هذا الباب مع نظائرهما. أما باب ﴿ءَامِنينَ﴾ ٣، ﴿ءَاخذينَ﴾ ٤، و ﴿الامِرُونَ﴾ ٥، ﴿وءَاخرينَ﴾ ٦، و ﴿ءَاياتٌ﴾ ٧ و ﴿المُنشَآتُ﴾ ٨، ما وقع فيه قبل الألف المنشآت"٨، مما وقع فيه قبل الأل همزة في قسمي الجمع السالم، فسيأتي حكمه في باب الهمز عند قول الناظم: وما يؤدي لاجتماع الصورتين، البيت. ومن هنا تعلم أن تمثيل الناظم هنا بآيات للحذف إنما هو بالنسبة للألف التي بعد الياء فقط. أما: ﴿أمَّهاتُ﴾ ٩. ﴿وأَخَوَاتُ﴾ ١٠، ﴿وَبَنَاتُ﴾ ١١، فكل منها جمع سلامة لمؤنث، وسينص في هذا الباب على حذف بنات في ثلاثة مواض فقط، وعلى إثبات عدة كلمات من الجمع السالم مع خلف في بعضها، وسينص فيه أيضا على أنواع أخرى من الجمع السالم لم يذكرها الشيخان مع أمثلة ضابط الجمع المذكور. وبهذا كله تعلم أنه لا بد في الحكم بالحذف، أو الإثبات في الجمع السالم بقسميه من ملاحظة ما ذكره الناظم هنا وفيما سيأتي، ولا يقتصر في ذلك على مجرد ضابط الجمع المذكور، ولا يخفى أنه لا يدخل في ضابط الناظم نحو: ﴿مَرْضاتِ﴾ ١٢، و ﴿تُقايةً﴾ ١٣، و ﴿أمْواتٌ﴾ ١٤ و ﴿أصْواتُ﴾ ١٥ إذ ليس واحد منها جمع مؤنث سالم، أما الأولان فمنفردان، وأما الأخيران فجمعا تكسير. تنبيهان: التنبيه الأول: مراد الناظم بالمشدد، والمهموز في قسمي المذكر والمؤنث في قوله: ما لم يكن شدد أو أن نبرا ما كان الشد، والهمز فيه بعد الألف مباشرا ما صرح به

стр. 73

ثم قال: وجاء في الحرفين نحو الصادقات ... والصالحات الصابرات القانتات وبعضهم أثبت فيها الأولا ... وفيهما الحذف كثيرا نقلا تعرض في هذين البيتين للذي الألفين من جمع المؤنث السالم غير المشدد والمهموز، فأخبر مع إطلاق الحكم الذي يشير به إلى اتفاق شيوخ النقل بأن الحذف جاء في الحرفين، أي: الألفين من جمع المؤنث السالم، نحو: ﴿وَالصَّادِقَاتِ﴾ ١، ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ ٢، ﴿وَالصَّابِرَاتِ﴾ ٣، ﴿وَالْقَانِتَاتِ﴾ ٤، وإن بعض كتاب المصاحف أثبتوا في جموع التأنيث الألف الأول من الألفين لكن الحذف نقل فيهما كثيرا، فقول الناظم: وجاء في الحرفين، البيت، كلام مجمل كالترجمة فصل بالبيت الثاني، والعمل عندنا على حذف الألفين في ذلك إلا ما يأتي استثناؤه. واعلم: أن مما يدخل في ذي الألفين، ما كانت ألفته الثانية مصاحبة للام نحو: ﴿عَلامَاتٍ﴾ ٥، ﴿رِسَالاتِ﴾ ٦، ﴿جِمَالَتٌ﴾ ٧، مما يدخل فيه أيضا: ﴿خَالاتِ﴾ ٨، ﴿مَغَارَاتٍ﴾ ٩، مما الألف فيه أصلية لا زائدة. والأصل "خولات" بفتح الواو ومغرات بسكون الغين، وفتح الواو ثم أعلا على القياس فصارا: خلت ومغرات، والألف في قول: الناظم الأول ونقلا ألف الإطلاق. ثم قال: وأثبت التنزيل أولى يابسات ... رسالة العقود قل وراسيات رجح ثبته وباسقات ... وفي الحواريين مع نحسات أثبته وجاء ربانيون ... عنه بحذف مع ربانيين

стр. 74

ثم قال: وجاء في الحرفين نحو الصادقات ... والصالحات الصابرات القانتات وبعضهم أثبت فيها الأولا ... وفيهما الحذف كثيرا نقلا تعرض في هذين البيتين للذي الألفين من جمع المؤنث السالم غير المشدد والمهموز، فأخبر مع إطلاق الحكم الذي يشير به إلى اتفاق شيوخ النقل بأن الحذف جاء في الحرفين، أي: الألفين من جمع المؤنث السالم، نحو: ﴿وَالصَّادِقَاتِ﴾ ١، ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ ٢، ﴿وَالصَّابِرَاتِ﴾ ٣، ﴿وَالْقَانِتَاتِ﴾ ٤، وإن بعض كتاب المصاحف أثبتوا في جموع التأنيث الألف الأول من الألفين لكن الحذف نقل فيهما كثيرا، فقول الناظم: وجاء في الحرفين، البيت، كلام مجمل كالترجمة فصل بالبيت الثاني، والعمل عندنا على حذف الألفين في ذلك إلا ما يأتي استثناؤه. واعلم: أن مما يدخل في ذي الألفين، ما كانت ألفته الثانية مصاحبة للام نحو: ﴿عَلامَاتٍ﴾ ٥، ﴿رِسَالاتِ﴾ ٦، ﴿جِمَالَتٌ﴾ ٧، مما يدخل فيه أيضا: ﴿خَالاتِ﴾ ٨، ﴿مَغَارَاتٍ﴾ ٩، مما الألف فيه أصلية لا زائدة. والأصل "خولات" بفتح الواو ومغرات بسكون الغين، وفتح الواو ثم أعلا على القياس فصارا: خلت ومغرات، والألف في قول: الناظم الأول ونقلا ألف الإطلاق. ثم قال: وأثبت التنزيل أولى يابسات ... رسالة العقود قل وراسيات رجح ثبته وباسقات ... وفي الحواريين مع نحسات أثبته وجاء ربانيون ... عنه بحذف مع ربانيين

стр. 75

لما ذكر أنواعا من جمع السلامة بحذف الألف اتفاقا، وأنواعا منه بخلاف في حذفها أخذ يستثني من خرج من الكلم عن ذلك، فأخبر عن أبي داود أنه أثبت في كتابه المسمى بالتنزيل، أي: نقل فيه إثبات الألف الأولى من ألفي ﴿يَابِسَاتٍ﴾ ١، في الموضعين من سورة يوسف، وإثبات الأولى من ألف ﴿رِسَالاتِ﴾ ٢، العقود في آية: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ٣، واحترز بقيد السورة عن الواقع في غيرها نحو: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ، فإن ألفه الأولى محذوفة على ما تقدم، ثم أخبر عن أبي داود أيضا أنه رجح ثبت ألف: ﴿رَاسِيَاتٍ﴾ ٤، الأولى إذ الكلام فيها، ورجح إثبات ألف: ﴿بَاسِقَاتٍ﴾ ٥، الأول أيضا، فالأوى في سورة سبأ ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ٦، والثاني في سورة ق. ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ ٧، وأما الألف الثانية فهي محذوفة في الكلمات الربع على ما تقدم، ثم أخبر عن أبي داود أيضا بإثبات ألف الحواريين يعني مرفوعا وغيره، وألف نحسات وبحذف ألف: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ﴾ ٨، ﴿رَبَّانِيِّينَ﴾ ٩، نحو: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ ١٠، في آل عمران والصف: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ ١١، في العقود، وأما: ﴿نَحِسَاتٍ﴾ ١٢، ففي فصلت: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ﴾ ١٣، وأما ربانيون، وربانيين ففي العقود: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ ١٤، وفي آل عمران: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ ١٥، والعمل عندنا على ما نقله الناظم عن أبي داود في الأبيات الثلاثة جزما وترجيحا وقوله: رسلة العقود معطوف على ﴿يَابِسَاتٍ﴾ ١٦بواو محذوف، فهو مدخول لأولى أيضا، وأتى برسالة مفردا على قراء الإفراد لضيق النظم ونصبه على الحكاية. ثم قال:
следующие страницы →