← Указатели

Указатели · id 148529

النبوغ المغربي في الأدب العربي

عبد الله كنون

Полный текст (910 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

النبوغ المغربي في الأدب العربي تأليف عبدالله كنون - (الجزء الأول) -

стр. 2

النبوغ المغربي في الأدب العربي

стр. 3

مقدمة الطبعة الثانية

стр. 4

هذا الكتاب لما ألفت هذا الكتاب، لم أكن أهدف به إلى تمييز أدب المغرب بميزةٍ ليست في الأدب العربي العام، ولا إلى تخصيصه ببحث مستقل يجعله في نظر المغاربة أو غيرهم كتابًا خاصًا بأدب قطر من أقطار العروبة على حدته، وإنما كان مقصودي الأهم من تأليفه، هو بيان اللبنة التي وضعها المغرب في صرح الأدب العربي الذي تعاونت على بنائه أقطار العروبة كلها، وذكر الأدباء المغاربة الذين لم يقصروا عن إخوانهم من المشارقة ومغاربة بقية أقطار المغرب العربي في العمل على ازدهار الأدبيات العربية على العموم. وذلك لأني رأيت منذ نشأتي الأولى إهمال هذا الجزء من بلاد العروبة في كتب الأدب وكتب تاريخ الأدب، حتى لقد تذكر تونس والجزائر، وبالحرى القيروان وتلمسان فضلاً عن قرطبة وإشبيلية، ولا تذكر فاس ومراكش بحال من الأحوال. وظننت أولاً أن ليس لبلادي في هذا المجال مشاركة، وإنما حسبها ميادين البطولة والجهاد والفتح، ولذلك لا يسع المؤرخين وكتاب التراجم إلا أن ينوهوا بشخصيات يوسف بن تاشفين، وعبد المؤمن بن علي، ويعقوب المنصور، وأبي الحسن المريني، وأضرابهم من أبطال المعارك وأرباب الحكم والسلطان، ويثنوا على أعمالهم ومساعيهم في خدمة الإسلام، وتوطيد دولته؛ في حين أنهم لا يعيرون اهتمامًا لرجال العلم والأدب، ولا يعرجون على ما كان لهذا الوطن العزيز من صولة في عالم الفكر وميدان العرفان. ثم لما بحثت، وجدت كنوزاً عظيمة من أدب لا يقصر في مادته عن أدب أي قطر من الأقطار العربية الأخرى، وشخصياتٍ علمية وأدبية لها في مجال

стр. 5

الإنتاج والتفكير مقام رفيع. ولكن الإهمال قد عفى على ذلك كله، وعدم الاهتمام يجمعه في كتاب، والتنبيه عليه في خطاب أدى إلى وأده، فاحتاج إلى من يبعثه من مرقده. وقد شمرت عن ساعد جدي، وأنا يافع لم يبقل بعد عارضي، فتتبعت جميع ما وصلت إليه يدي من آثار أدبية مغربية، وأخبار عن أدباء المغرب وعلمائه، مما وقفت عليه في الكتاب والأوراق والمحافظ، أو تلقفته من أفواه المشائخ والأدباء والأقران، وجمعت ذلك كله في كتاب النبوغ ودفعت به إلى المطبعة منذ بضع وعشرين سنة، لعلي أرفع الضيم عن بلادي، وأثبت مركزها في حظيرة العلم والأدب، على ما هو عليه مركزها في السياسة والحرب أو أعظم. ولقد وفقت إلى ما أردت أو بعضٍ مما أردت، على ضعف وسائلي المادية والأدبية في ذلك الحين، فكان للكتاب صدًى بعيد في الداخل والخارج، نبه الزملاء والناشئين بعد إلى العناية بهذه الناحية من تاريخهم، وأثار اهتمام الباحثين والمعنيين بهذه الشؤون في الشرق والغرب، حتى قال فيه أمير البيان المرحوم الأمير شكيب أرسلان? ? إن من لم يقرأه فليس على طائل من تاريخ المغرب العلمي والأدبي والسياسي? ? وصار العلامة الأستاذ كارل بروكلمان، الحجة في تاريخ الأدب العربي يعتمده في ملحقات كتابه العظيم، عن تاريخ هذا الأدب. ولا يمكنني في هذه العجالة أن أستوعب أسماء جميع الأدباء والكتاب الذين تناولوه بالنقد والتقريظ في مختلف الصحف والمجلات منذ صدوره إلى الآن. ولكني أشير إلى إقرار العالم الإيطالي الشهير جيوفاني بيانكي في مقال له بمجلة الشرق الحديث (١) عن الكتاب? ? بإبرازه للمساهمة التي أبداها المغرب في الآداب العربية، تلك المساهمة التي أهملت حتى اليوم، ولم تقدر كما كان ينبغي? ? وهذه هي الغاية التي من أجلها الفت النبوغ. وكذلك أشير إلى ما جاء في مقال عنه للدكتور محسن جمال الدين، نشر بمجلة الأديب البيروتية منذ عهد قريب (٢) وهو قوله: ? ? أن فضيلة هذا الكتاب في أنه يختص بدراسة

стр. 6

أدب بلاد المغرب الأقصى وتاريخه ويستخرج النصوص من خزائنها النادرة، ذات المخطوطات النفيسة، ويعرض لنا نماذجها الحسنة. ودراسة شخصياتها المعتبرة، وهو بعيد عن ابتذال القول وضعف الرأي. . . والذي يدرس منا كتاب «النبوغ المغربي» فستدهشه هذه الوفرة الزاخرة من أسماء الرجال والمؤلفات والنصوص، ويتأكد بعدها أن أغلب أصحاب حرفة الأدب عندنا أو حملة العلم في جامعاتنا، لم يسمعوا بها أو يقتنوا من آثارها، أو يحفظوا بعض أشعارها ونثرها، وما عمل المؤلف المفضال، والصديق الكريم إلا صيحة داوية، ودعوة حارة، وغرساً مثمراً لجمله الحاضر، ولأجيالنا القادمة في الوطن العربي كافئة، وفي عالم الحضارة العالمية الواسعة , وهذا وصف للمجهود الطائل الذي بذلته في تأليف النبوغ، بقلم أستاذ جامعي يعرف قيمة البحوث المبتكرة التي لم تنسج على منوال سابق. وكان المرحوم الأستاذ سعيد حجي يعلن عنه في جريدة المغرب عند صدوره بهذه العبارات «حادث خطير في تاريخ المغرب، ظهور كتاب النبوغ المغربي في الأدب العربي، أول كتاب من نوعه، وأوفاه في موضوعه "، وألقي بأحد نوادي سلا محاضرة عنه بعنوان (خطوة عظيمة في تاريخ الفكر المغربي) نشرها في العدد الثامن وما بعده من الملحق الثقافي لجريدة المغرب. ثم كانت موافقة عجيبة أن أعلن في مصر عن جائزة الدولة قدرها خمسمائة (٥٠٠) جنيه، خصصت لمن يؤلف عن الأدب العربي في القطر المصري، من الفتح الإسلامي إلى العصر الحاضر. . فكتب الأستاذ حجي معلقاً على هذا النبأ بالملحق المذكور ما يلي: «من حسن الصدف أن تهتم وزارة معارف مصر بوضع جوائز عن الأدب المصري في الماضي، في نفس الأسبوع الذي يصدر فيه كتاب مغربي عن الأدب المغربي في ذلك الماضي، فيكون المغرب أسبق إلى تلك المفخرة من كل الأمم الناطقة بالضاد ولكن يجب أن نتساءل ماذا ينال مؤلفنا من تقدير إدارة العلوم والمعارف، وما يستحقه من تشجيع من جمهور المثقفين؟ فنحن نهيب بتلك الإدارة إلى الاهتمام بهذا المؤلف الحافل، ونرجو أن تشتري منه بضع مئات من النسخ تقديراً لمجهودات مؤلفه الثمينة، وتشجيعاً لمثل هذه المباحث القيمة، ، وقد كان الجواب على هذا النداء النبيل هو صدور قرار عسكري بمنع رواج الكتاب، ومعاقبة من تضبط عنده نسخة منه. ونص ما كتبته جريدة السعادة،

стр. 7

لسان حال حكومة الحماية، بعددها رقم ٤٥٩٢ في هذا الصدد تحت عنوان بلاغ عسكري (أصدر سعادة الجنرال خليفة سعادة القائد الأعلى للجنود بالنيابة أمراً يقضي بمنع الكتاب المعنون بالنبوغ المغربي في الأدب العربي الصادر باللغة العربية في تطوان من الدخول إلى المنطقة الفرنسية بالمغرب الأقصى، وكذلك بيعه وعرضه وتوزيعه، ومن خالف ذلك يعاقب بمقتضى القوانين المقررة». . وإذا كان هذا القرار دلالة فهي تأكيده لكون الكتاب عملاً وطنياً فوق كونه عملاً أدبياً ولذلك استحق أن يحظى من الاستعمار الفرنسي الغاشم بهذا الجزاء الظالم. . وكان أن ثارت ثائرة الصحف الوطنية بتطوان ضد هذا التدخل العسكري الاستبدادي في شؤون الفكر والثقافة، فكتبت كل من جريدة «الحرية» وجريدة «الوحدة المغربية، مقالات نارية تنتقد فيها القرار المذكور وتندد بالحرية الفرنسية المزعومة، مما جعل الصحافة الاستعمارية تصاب بالسعَّار، فتصب جام غضبها على الوطنية المغربية عموماً، وتخصَّني بحملات عدائية أنتهزها الأذنابُ والمنافقون، فلم يقصروا في الأذى والضرر. ومن الأنصاف أن أقول أن هذا كان في الجنوب أو المنطقة السلطانية إذ ذاك. وأما في الشمال أو المنطقة الخليفيه، فقد تلقي الكتاب بقبول حسن من لدن السلطة، واقتنت منه إدارة المعارف كمية من النسخ، وزعتها على المكتبات والمعاهد في المنطقة. ثم لما ترجم إلى الإسبانية بمعرفة الأستاذين خير ونيمو كريو أورد ونياز ومحمد تاج الدين بوزيد، قابلته المحافل الأدبية في إسبانيا بمزيد من التقريظ والتقدير، وبلغ الأمر أن وصلتني رسالة من وزارة الخارجية الإسبانية بتاريخ ١٨ نوفمبر ١٩٣٩ تعلمني بأن وزارة المعارف العمومية لهذه البلاد، قد منحتني درجة دكتوراه شرف للآداب من جامعة مدريد بمناسبة صدور كتابي النبوغ المغربي في ترجمته الإسبانية، وتدعوني إلى زيارة إسبانيا في رحلة تستغرق شهراً على نفقة الحكومة. وجاءت هذه التحية الكريمة في الوقت المناسب، فمحت من نفسي آثار المعاملة السيئة التي عومل بها الكتاب من السلطات الفرنسية وعملائها، ورددت الجواب بالشكر وعرفان الجميل ولكني أجلت السفر إلى أن يشاء الله تجنباً للقيل والقال. هذه قصة كتاب النبوغ المغربي باختصار، من لدن التفكير في وضعه وجمعة،

стр. 8

إلى ما بعد طبعه ومنعه. والآن وقد مرت على ظهور طبعته الأولى هذه المدة الطويلة، وكثر الطلب عليه من مختلف الجهات وخصوصاً بعد استقلال المغرب، وتوجه الأنظار إلى هذه البلاد التي كانت محاطة بستار حديدي من نظام الحماية، يمنع الاتصال بينها وبين شقيقاتها العربيات، والأوطان الإسلامية الأخرى، وسائر العالم الحر، فأن الحاجة أصبحت جد ماسة إلى إعادة طبعه، وتقديمه وثيقة وسنداً إلى جميع هؤلاء الذين يهمهم الوقوف على تاريخ المغرب الفكري وماضيه الحضاري. ولكن بعد مراجعته طبعاً وتجديد النظر في محتوياته من مادة وفكرة وترتيب، ضرورة أن المعلومات التي كانت لدينا زمن تأليفه هي غير المعلومات الآن، والتفكير وسائر وسائل العمل، قد تطورت بتطور الزمن، فلم يكن أبدا من إدخال تعديل جوهري عليه يتلخص فيما يلي: أولاً - إضافة المواد الجديدة التي وقفنا عليها بعدُ، سواء فيما يرجع إلى تراجم الأشخاص أو الآثار الأدبية، أو الدراسات الموضوعية التي تناولناها في مختلف العصور، فقد ظهرت في عالم الطباعة كتب مهمة لها اتصال وثيق موضوعنا كمجموعتي رسائل موحدية، ورسائل سعدية، ورابع البيان المغرب لابن عذاري، ومغرب ابن سعيد، والغصون اليانعة، ورايات المبرزين له، واطلعنا على الحماسة المغربية اللجراوي، وتثير الجمان لابن الأحمر والمدارك للقاضي عياض، ورحلة ابن رشيد، وغير ذلك من المخطوطات النادرة التي تحتوي على مواد أساسية في الموضوع كان من الضروري أن تضاف إلى أماكنها وتكمل عناصر البحث. ثانياً - تصحيح بعض الأغلاط التي وقعت لنا في كتابة بعض التراجم، ونسبة بعض الآثار الأدبية والعلمية لغير من هي له، والحكم في بعض المسائل بما ظهر لنا خلافه وما إلى ذلك. ويقوي الداعية إلى هذا التصحيح أننا رأينا الذين كتبوا في موضوع الأدب المغربي يقلدوننا في تلك الأغلاط، سواء الذي صرح منهم باعتبار النبوغ من مراجعه، والذي لم يصرح بذلك، وهو أمر مؤسف يدل على ضعف الهمم، وكلال العزائم، في الذين تصدوا حتى الآن لهذا البحث، على الرغم من تيسير صعابه، وتذليل عقابه. ولذلك كان لزاماً علينا أن نبادر بتصحيح كل غلط من هذا القبيل ولو للمحافظة على هذه الثقة (العمياء) التي وضعها فينا الزملاء الكرام.

стр. 9

ثالثاً - تحرير بعض الفصول من التأثير السياسي، والعاطفي الذي كتبت به، نتيجة لما كان المغرب يمر فيه من ظروف سياسية، وأحوال اجتماعية معاكسة لمطامحه العليا، وآماله الكبرى، في الوحدة والاستقلال، والتطور داخل إطار العروبة والإسلام. . ومن أخطر ذلك السياسة البربرية التي انتهجها الاستعمار الفرنسي للتفرقة بين عناصر المواطنين المغاربة، وتأليب بعضهم على بعض أخذا بمبدأ فرق تسد. . فكان الكتاب كلما سنحت الفرصة، يحمل على هذه السياسة حملة شعواء، ويوجه القارئ المغربي في الاتجاه السليم المجاني لهذه العنصرية المقيتة، والذي هو الحق والصواب، والآن لما شالت زعامة الاستعمار، وفشلت سياسته في هذا الصدد، لم يبق موجب لذلك التوجله، أو على الأقل للهجة الشديدة التي كتب بها ذلك التوجيه. رابعاً - تحوير في التصميم الذي وضع عليه الكتاب، فنحن لقلة المعلومات التي كانت عندنا عن العصر المرابطي أو لضعف استعدادنا في استخراج هذه المعلومات من تضاعيف الكتب والمراجع العامة، كنا أدمجنا هذا العصر في العصر الموحدي. والآن وقد توفرت لدينا معلومات قيمة عن المرابطين وعهدهم، فصلنا عصرهم عن عصر الموحدين، وخصصناه بدراسات مهمة عن الاتجاه السياسي، والحركة العالمية، والحياة الأدبية، وميزناه بخصائصه التي ينفرد بها عن العصر الموحدي. وبالطبع فقد خلصنا هذا العصر أيضاً من الاشتباكات التي كانت تجمع بينه وبين العصر المرابطي، لما كانا متداخلين؛ وبذلك نكون قد أعدتنا كتابة العصر الموحدي من جديد، كما أننا كنا العصر المرابطي كله ابتداء. ويضاف إلى هذا التحوير تقسيم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء، فالجزء الأول للدراسات، والثاني للمنتخبات البشرية، والثالث للمنتخبات الشعرية، وقد كان قبل مقسمها إلى جزئيين فقط يجمع الجزء الثاني بين دفتيه المنتخبات الشعرية والنثرية معاً. وإلى هذا فقد أضفنا زيادات كثيرة إلى غالب الفصول، وخاصة فيما يتعلق بنهضة الفنون ومشاركة المرأة في مختلف مجالات النشاط الفكري للشعب. وبعض الكلمات في هذا الصدد، وهي جهد مقلّ، تفوق ما كتُب بشأنه في بعض التواريخ العامة الأدب العربي جملة.

стр. 10

ولا حاجة بي إلى القول إن روح البحث المجرد التي سيطرت على الكتاب في طبعته الأولى هي التي تتقمصه في طبعته الثانية، وأن التثبت والتحري وعدم إلقاء الكلام على عواهنه، هي الموازين القسط التي تحكمت في كل جملة من جمله، إن لم أبالغ فأقول في كل كلمة من كلماته. ومع ذلك فما أبرئه من نقص، ولا أحاشيه من خطأ، لعلمي بأن الكمال لله. وأن العصمة لا تكون إلا للنبيّ. والله المسؤول أن يكسوه حلل القبول، وأن يجعله ساداً للفراغ الذي يشعر به الجميع في هذا الباب وولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكّي من يشاء، والله سميع عليم. . طنجة في ربيع الثاني ١٣٨٠ وأكتوبر ١٩٦٠ عبدالله كنون الحسني

стр. 11

عرض وتحليل

стр. 12

عرض وتحليل بقلم المرحوم الأمير شكيب أرسلان كتب أمير البيان الأمير شكيب أرسلان ﵀ بحثاً مستوفى عن كتاب ((النبوغ المغربي)) حين صدوره في صورة عرض وتحليل، ونحن نثبت هنا القسمين المنشورين منه بجريدة ((الوحدة المغربية)) الغراء، الصادرة بمدينة تطوان، في عددها ٢٢٤ و ٢٣٤، المؤرخين في ٤ صفر و ٢٩ ربيع الثاني ١٣٦١، ونقدمها بين يدي الكتاب تتويجاً له وتحلية: ١ قرأت الجزء الأول من هذا الكتاب الممتع الذي أخرجه للناس فذا في بابه السيد الشريف، والعلامة الغطريف الأستاذ/ عبد الله كنون ؛ من مفاخر القطر المغربي في دورنا الحالي، وقد كنت أعهد نفسي من بين المشارقة، الرجل الذي اطلع أكثر من غيره في تاريخ المغرب وأهله، وأنعم النظر فيما يتعلق بثقافته وسياسته وسائر شؤونه؛ ولكني رأيت نفسي بعد أن طالعت هذا الكتاب الصغير حجمه والكبير قدره؛ كأني لم أعلم عن المغرب قليلاً ولا كثيراً، وكدت أقول: إن من لم يطلع على هذا الكتاب لا يحق له أن يدعي في تاريخ المغرب الأدبي علماً، ولا أن يصدر على حركاته الفكرية حكماً. وكما قيل في كتاب ((نفح الطيب)) للعلامة المقري: أنه كتاب نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، وكلام وزيرها لسان الدين بن الخطيب؛ الذي من لم يقرأه فليس بأديب، يمكن أن يقال كذلك: إن من لم يقرأ كتاب ((النبوغ المغربي في الأدب العربي)) فليس على طائل من تاريخ المغرب العلمي والأدبي والسياسي، بل هذا الكتاب في موضوعه أجدر بالإطلاق الشامل من كتاب ((نفح الطيب)) في موضوعه؛ وذلك بأن ((نفح الطيب)) على جلالة قدره قد حشر بين دفتيه غثاً وسميناً، وعالياً ونازلاً، وأطال حيث ينبغي الاختصار، وأوجز حيث النفوس تشتاق إلى

стр. 13

الإطالة والإكثار. وأيضاً فقد يكون الأديب أديباً ولم يقرأ ((نفح الطيب))، فأما ((النبوغ المغربي في الأدب العربي)) فهو خلاصة منخولة، وزبدة ممخوضة، استخلصها صاحبها من مئات الكتب المصنفة، وألوف الأحاديث التي لقفها من أفواه العلماء الذين أخذ عنهم، وقلما رأيت مؤلفاً جمع المعنى الكثير في اللفظ القليل، وجاء في ضمن ٢٥٠ صفحة بالعريض الطويل في درجة هذا التأليف الذي هو ثمرة تحقيق وتدقيق، ودرس عميق لم يخرج إلى قراء العربية أحسن منه في بابه. أشار العلامة مصنف ((النبوغ العربي)) في مقدمة كتابه إلى جمعه فيه بين العلم والأدب، والتاريخ والسياسة، وإلى تصويره الحياة الفكرية في المغرب، من لدن قدوم الفاتح الأول إلى يوم الناس هذا، ولعمري إن من قرأ هذا الوعد الذي جزم به المؤلف لاعتقد في البدء أنه بالغ فيه جداً، وحمل نفسه إداً، وزعم الإحاطة بموضوع تعجز عنه الجملة، ولا تفي به الكتب الجمة، وادعى فتح مغاليق تنوء مفاتيحها بالعصبة، إلا أنه عندما يبدأ القارئ بالمطالعة يجد المؤلف قد وعد فأنجز، وقرب الأقصى بلفظ موجز، وكان فعله محققاً لقوله، وقد مزج في كتابه بين الحركات الفكرية والحركات السياسية مزجاً عجيباً، حقق فيه الصلة الطبيعية التي لا تكاد تنفك في كل دور من أدوار الأمم بين العلم والسياسة، بحيث لا يرقى الواحد منها إلا رقى الآخر برقيه كاللازم والملزوم. وهو إن لم يكن توخى ذكر الفتوحات والمغازي، ولا حاول استقصاء مآثر السيف في جانب مآثر القلم، فقد ضمن في تضاعيف كلامه على تطور الحركات العقلية في المغرب من لدن الفتح العربي إلى الآن لمحة دالة يفهم منها القارئ تطور السياسة وتعاقب الدول المختلفة التي سادت المغرب من ذلك اليوم إلى الآن، فلا يسير المطالع لهذا الكتاب إلا على ضوء من أول الكتاب إلى آخره، ولا يكاد يشكل عليه فيه مسألة، ولا يستعجم موضوعاً، ولا يفتقر مقام إلى مقال، وهو مع هذا كله من الكتب المختصرة، فكأنما أراد به صاحبه لا مثالاً للتاريخ فحسب، بل مثالاً للبلاغة. ومن أول ما شغل المؤلف به ذهن القارئ: قضية خفاء الأدب المغربي على المشارقة، وإنكار كثير من هؤلاء لكثير من مزايا إخوانهم المغاربة، وهو غير ملوم في الاحتفال بهذه القضية، وفي كونه نص عليها في أول كتابه؛ لأن للمغاربة حقاً

стр. 14

في المطالبة بمكانهم في الأدب العربي الذي هم من جملة حملة ألويته، بل من نخبة عمار أنديته، ولكن الأمر على حد ما قال الشاعر: والنجم تستصغر الأبصار رؤيته ... والذنب للطرف لا للنجم في الصغر فالمشارقة الذي يعزو إليهم إخوانهم المغاربة جهل مقامهم في الأدب ليس منهم واحد يلز في جملة العلماء المحققين، وإنما هم من صغار المتأدبة الذي علموا شيئاً وغابت عنهم أشياء. ولم تكن قبل اليوم علاقات العالم بعضها ببعض كما في هذا العصر؛ الذي جعلت فيه الاختراعات العلمية ومظاهر أسرار الكهربائية؛ القاصي قريباً، والمجهول معلوماً، والبلدان النائية بلداً يكاد يكون واحداً، والأسفار المشتطة سفراً قاصداً. وقد كان المغرب من قبل في زاوية من الأرض ليس ورائها إلى الغرب سوى بحر الظلمات. نعم. لم يزل المغرب كما كان من الجهة الجغرافية، ولكنه أصبح اليوم قريبا بالباخرة والطائرة، والسلكي واللاسلكي، والهاتف والراديو؛ فصار الشرقي يعرف عن المغرب وأهله في اليوم الواحد ما لم يكن يعرفه في السنة بطولها. فالآن إذا جهل الشرقي أحوال المغرب وعميت عليه مآثره يكون جديراً باللوم، وحقيقاً بالرثاء لقصور معارفه، فأما عما مضى فلا يتوجه اللوم وأسباب الاتصال قليلة، ووسائل التعارف محدودة. ولا تنس الانحطاط الذي طرأ على العالم الإسلامي شرقيه وغربيه؛ فإنه في مقدمة أسباب جهل بعض أجزائه بأحوال البعض الآخر، ولا تنس أيضا تكالب الاستعمار الأوروبي وكون أهم شروطه الفصل والقطع والضرب بالأسداد بين البلاد المستعمرة وأخواتها، والأمم المستضعفة ومن تمت إليهم بصلة دين أو نسب أو لغة؛ فهذا كله جعل أمور المغرب مجهولة عند غير المحققين من أهل الشرق. ولو كان الاستقلال السياسي موفوراً للعالم الإسلامي لما وقع من التجاهل والتناكر هذا الذي وقع أخيرا، وجعل الأخ لا يعرف شيئا عن أحوال أخيه، فقد عهدنا عندما كان الإسلام إسلاما، وكانت الرجال رجالا أن الحركات الفكرية إذا شاعت في المشرق شاعت في المغرب، وإذا نبغ شاعر أو كاتب في أحدهما تناقل الناس أقواله للآخر، وإذا كتب الإمام الغزالي كتاباً في أقصى الشرق تدارسه الفقهاء في أقصى الغرب، وعمل به الموحدون والغزالي بعد في الحياة، وألف سعد الدين التفتازاني كتاباً في خراسان أو ما يليها تكلم عليه ابن خلدون في فاس أو تونس في عرض كلامه على ملكة المشارقة في العلوم العقلية، والتفتازاني لا يزال حياً. وإذا ألف ابن هشام كتاباً في النحو وهو

стр. 15

في مصر، ولم تكن المطبعة قد عرفت يومئذ، لم تمض أشهر حتى امتلأت أسواق الوراقين في مدن المغرب بنسخ هذا الكتاب، وابن هشام يومئذ حي، وجعله مثل ابن خلدون موضوعا في مقدمته لذكر ملكة المتأخرين في علوم العربية، وهلم جرا. فالرقي الفكري متصل بالاستقلال السياسي اتصال النتيجة بالمقدمة، ولقد فقدت في الأدوار الأخيرة من العالم الإسلامي أسباب الاتصال بما طرأ من التفكك، ومصير بلاد الإسلام طرائق قددا، تليها دول مختلفة أكثرها خارج عن الإسلام، بل أكثرها عدو للإسلام كاشح يعمل لمحوه من الدنيا، ومن المعلوم أنه لا يعمل للإسلام غير دول الإسلام نفسها. فلا عجب بعد هذا أن يجهل بعضنا مكان بعض وأثر بعض، بل العجب أن تعلم اليد اليمنى باليد اليسرى ونحن على ما نحن عليه من تفكك الأجزاء وتقطع الأوصال، والسياسة كما قلنا هي والأدب شريكا عنان، وفرسا رهان. وقد أصاب الأستاذ صاحب ((النبوغ المغربي)) في عدم إطلاقه القول على المشارقة أنهم جاهلون بأقدار المغرب، فإنه قيد ذلك بقوله ((إنكار كثير من المشارقة لكثير من مزايا المغاربة))، وفي هذا القيد قد أخرج محرر هذه السطور من هذه الجملة الخاسرة؛ فإني على ما بي من قصور وتقصير، وعيوب تضيق فيها المعاذير، أقدر أن أدعي بحق سبق غيري من جميع أنحاء العالم العربي إلى معرفة مزايا المغرب وأهله، وإيجاب عدم التفرقة بحال من الأحوال بين مغرب ومشرق، أقول هذا من باب التحدث بنعمة الله. ٢ عالج السيد عبد الله كنون في صدر كتابه هذا حادثين جليلين هما من أهم حوادث الفتح الإسلامي في العالم، وهما: إسلام البربر، هذه الأمة العظيمة التي لولا دخولها في الإسلام لكانت بلاد شمالي أفريقيا أقطارا معادية للإسلام، مناوئة للعروبة، بخلاف ما هي عليه الآن من الاعتصام بهما وتكوينهما جزءا لا ينفك من أجزاء العالم الإسلامي، ولا يقل شأنا فيه عن مصر، والشام، وجزيرة العرب، والأناضول، وفارس، وهلم جرا، بل حصنا منيعا تتكسر على جوانبه هجمات الأمم التي لا تطيق وجود الإسلام في الأرض. وكذلك حادث استعراب البربر الذين أصبحوا بتأثير الدين

стр. 16

الحنيف واللسان العربي الشريف كتلة واحدة هم والعرب، يعادون من عاداهم، ويوالون من والاهم، ويكونون دائما يدا واحدة على من سواهم، وإن وجدت بين الأحايين بين الفريقين منازعات ومشاجرات فلا تكون إلا من قبيل تنازع قبائل العرب أنفسهم بعضها مع بعض، أو من باب المنازعات العائلية التي لا تمنع أصحابها من الاتحاد على الأجنبي وتناسي جميع الأحقاد بإزاء الخطر العام، وهذا على حد المثل العامي القائل. . . (أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عم على الغريب). ولله در القائل: وذوي ضباب مضمرين عداوة ... قرحى القلوب معاودي الأكناد ناسيتهم بغضاءهم وتركتهم ... وهمو إذا ذكر الصديق أعادي كيما أعدهمو لأبعد منهمو ... ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد بل البربر في المواقف العامة هم أقرب إلى العرب من العرب بعضهم إلى بعض، ولئن كان التاريخ قد روى بين العرب والبربر مخاصمات شعبية عامة كما جرى في الأندلس مثلا بعد فتحها بقليل وأوجب نكوصا كانت عواقبه السيئة فيما بعد، فقد ندر وقوع هذه الحوادث ذات الشكل العام بين الأمتين، وغلب عليهما الشعور بالوحدة الإسلامية حتى صارتا مصداق قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢]. ولا ننسى ما قام به البربر في التاريخ الإسلامي من جلائل الأعمال في الذب عن حوض هذه الملة، سواء على أيدي المرابطين أو الموحدين، أو بني مرين أو غيرهم، مما يجعلهم في مقدمة صفوف المجاهدين الذين تتباهى بمآثرهم أمة محمد ﷺ ، وعلى كل حال، يمكننا أن نقول بحسن اهتداء البربر وتآخيهم مع إخوانهم العرب حملة القرآن الأولين امتدت جزيرة العرب من شرقي البحر الأحمر الضيق إلى شرقي الأوقيانس الأطلنطيقي الواسع، فصارت هذه الأقطار كلها سلسلة عربية إسلامية غير منفصلة ولا متعصبة. وهذا قد وفاه حقه الأستاذ كنون، وأوضح أسباب انتشار الإسلام من أول الفتح بين الأمة البربرية، وذكر من

стр. 17

هذه الأسباب التي أوجبت إقبال البربر على هذا الدين زرافات ووحدانا، ونبذهم ما عداه، ما لا يقدر العدو الألد والخصم الأعند أن يكابر فيه أو يتعامه عنه، وذكر الخلفاء الذين في أيامهم ازداد انتشار الإسلام بين البربر مثل: عمر بن عبد العزيز ﵁، الذي أرسل إليهم طائفة من الفقهاء يعلمونهم القرآن وأصول الدين. ولا عجب وهو الخليفة العادل الورع المقرون اسمه باسم عمر بن الخطاب رضي الله عن الاثنين، حتى قيل في عدلهما: عدل العمرين، وسارت الأمثال في ورع الثاني كما سارت في ورع الأول، وروى المؤرخون أنه لما كثر إسلام القبط في مصر وارتفعت الجزية عمن أسلم منهم، شكا عامل مصر إلى عمر بن عبد العزيز نقصان الجباية عما كانت عليه؛ وذلك بسبب فشو الإسلام في القبط، فأجابه بتلك الكلمة الشهيرة: . . . ويحك إن محمدا لم يجئ جابيا، وإنما جاء هاديا. إذا كان جديرا بهذا الخليفة الورع أن يهتم بالاستقصاء في إسلام البربر، والإمعان في تأدبهم بآداب القرآن حتى غرس فيهم هذه النجابة المعروفة، وأوقد في قلوبهم هذه الحمية الإسلامية التي لم تفارقهم منذ ذلك اليوم. وذكر مآثر موسى بن نصير ﵀ في هذا الباب حتى لم يمض إلا قليل فظهر الطابع العربي على البربر، ونبغ فيهم العلماء والخطباء بالعربية الفصحى، وحسبك شاهدا طارق بن زياد الذي خطب قبل الموقعة التي هز فيها لذريق ملك الأندلس، تلك الخطبة الطنانة التي لو حاول مثلها قس بن ساعدة، أو سحبان وائل، لم يأت بأفصح ولا أبلغ منها. ولقد كنت أفكر مليا في أمر هذه الخطبة وأقول في نفسي: . . . هنا لغز من ألغاز التاريخ لا ينحل معناه بالسهول، فقد اتفقت الروايات على كون طارق بن زياد بربريا قحا، وكذلك اتفقت الروايات أيضا على كونه هو لا غيره صاحب الخطبة الرنانة المعدودة من أنموذجات الخطب العربية، فكيف يمكن التلفيق بين هذين الأمرين المتناقضين، وأنى لطارق البربري مثل هذه العربية، وكنت أفكر في أن طارقا قد يكون أحسن تعلم العربية كما أحسن ذلك كثير من أبناء جيله، وكما تعلمت العربية رجال فارس حتى بزوا في العربية أقرانهم من أنفس العرب، ولكني لم أكن مستريح البال من جهة إتقان طارق للعربي الفصيح وبلوغه فيه هذه الدرجة العليا، وكان يحز في صدري أن تلك الخطبة كانت بلاغتها في المعنى، وإنما وضعها رواة العرب في هذا القالب الفصيح الذي سحر الألباب، وما زلت

стр. 18

متردداً في هذا حتى جاءني ثلج اليقين على يد الأستاذ عبد الله كنون الذي جزم بأن هذه الخطبة النادرة إنما كانت من جملة ثمرات انطباع البربر بالطابع العربي البحت (١). ثم أشار الأستاذ إلى مثار الخلاف لأول الفتح بين العرب والبربر، فلم تأخذه العصبية للعرب الذين هو منهم، بل من أشرف بيوتاتهم، سبيل المؤرخ الصادق لا يحابي في الحق، بل سبيل المسلم العامل بمقتضى شريعته، الحافظ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] الراوي حديث رسوله ﷺ وهو: «ليس منا من دعا إلى عصبية» فذكر أن مثار النزاع بين الأمتين كان استبداد العرب بوجوه المنافع، واستئثارهم بمناصب الدولة من أيام الإمام إدريس ﵁، فكان هذا الأمر سببا للتنافس بين الفريقين في المغرب، وأنا أقول أن هذا الأمر نفسه قد كان سببا لتنافسهما في الأندلس منذ أوائل الفتح، حتى إن فريقا من البربر بلغ منهم السخط أن تركوا الجهاد في الطرف الشمالي من بلاد الجلالقة حيث كان منهم العدد الأغلب من المجاهدين، فأصبحت تلك الثغور عورة، ورجع الإسبان فاستولوا عليها، وكان بذلك مبدأ المقاومة الإسبانية ونمو شوكتها، ولم تزل مع الزمن تنمو

стр. 19

وتزداد حتى آلت إلى ما آلت إليه، مما لا حاجة إلى ذكره، ولو كان قومنا العرب عملوا يومئذ بقاعدة المساواة الإسلامية ولم يحابوا أنفسهم على إخوانهم الجدد، ولم يجعلوا في الإسلام عاليا ونازلا لما وقع ذلك الخرق الذي انتهى في الأندلس بذهاب الملك ووقوع الهلك، ونجمت عنه في أفريقيا نفسها أضرار جسيمة لا شك فيها. وقد ذكر صاحب النبوغ المغربي هذه الحقائق في عرض كلامه على تاريخ الحركة الفكرية في ذلك القطر العظيم، وذلك لما تقدم لنا من اتصال الحركة الفكرية بالحركة السياسية والحركة الاجتماعية إلى الحد الذي لا يمكن معه ذكر إحداهما من دون ذكر الأخرى، ونبه الأفكار إلى نكتة هي من الأهمية بمكان، وهي السؤال: لماذا لم يكن في المغرب الاندماج تاما كما وقع في الشام والعراق والأندلس حيث قد ألقت العروبة بجرانها وعمت السهل والوعر، ولم يبق ثمة إلا أقطار عربية لا تفترق عن جزيرة العرب في شيء؟ فأورد على الفرق الواقع أسبابا معقولة سنخوض فيها بفصل تال.

стр. 20

أول تقريظ

стр. 21

أول تقريظ كان أول تقريظ للنبوغ المغربي هو ما كتبه صديقنا العلامة الأديب السيد الحاج محمد بن اليمني الناصري حين اطلع عليه وهو يطبع بتطوان. فنحن اعتزازا بصداقة هذا الأخ الكريم واعتدادا برأيه الجميل في الكتاب نسجل تقريظه هنا في المقدمة وفاء وذكرى. ونصه: كل من درس تاريخ الأدب العربي في المغرب الأقصى عموما فإنه لا بد أن يخرج بنتيجة طيبة تقضي بأن منبت المغاربة طيب يخرج نباته بإذن ربه، بل يشهد لأهله الأباة الأحرار بالنبوغ الفطري، والتفوق الفكري، والذكاء النادر، والذهن الحاضر. ومن كابر في ذلك ليستعرض أمامه ما تدفقت به يراعة صديقنا الأستاذ الأكبر، الذي أعظم التاريخ عمله وأكبر، المرشد المهذب، والناصح المشذب، ذي الأعمال الجليلة والخلق السني، أب محمد سيدي عبد الله الكينوني الحسني، لا يزال يرتع في بحبوحة العيش الهني، في هذه الصفحات البيض التي بيض بها وجه وطنه، واستخدم في استخراج دفائنها فائق مواهبه وفطنه، فسد بها في الأدب العربي أكبر ثلمه، وسجل بها في سجل الخلود نبله وعلمه، بيض الله وجهه يوم تبيض وجوه، واتتاه في نفسه وسعبه ما يؤمله ويرجوه، على أكمل الوجوه. أيها الصديق العزيز: لقد فقت بهذا العمل الجليل شيوخك وأقرانك حتى برزت في الميدان على الشيخ والكهول والشبان، فكنت لهم في هذا البحر الخضم أعظم ربان، إذ مثلت النهضة المغربية فكريا وأدبيا وسياسيا في الإبان، فاستحققت أن يرفع ذكرك، ويحلق بأفكارنا فكرك، فنقول:

стр. 22

يا بني الضاد تحلوا ... بالنبوغ المغربي فهو والله مثال ... للشفوف العربي مثلته صفحات ... من محيط أدبي يتجلى فيه ذوق ... للفتى الحر الأدبي موقظ الشعب بشعر ... مشعر كل غبي وبنثر كنثير من ... صحاح الجوهري بذ أعلام علوم ... فضلوا كل سري إذ أتى بالعمل الفذ ... الجليل العبقري وتحرى صوب صدق ... فيه بالحر حري فليعش حرا طليقا ... في سما الفكر السني رافلا في خير عيش ... كامل القصد هني وكتبه على عجل صبيحة ٢١ صفر الخير عام ١٣٥٧ هـ وهو على جناح السفر عبد ربه تعالى محمد بن اليمني الناصري الرباطي عفا الله عنه.

стр. 23

مقدمة الطبعة الأولى

стр. 24

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم فاتحة الكتاب هذا كتاب جمعنا فيه بين العلم والأدب والتاريخ والسياسة، ورمينا بذلك إلى تصوير الحياة الفكرية لوطننا المغرب وتطورها في العصور المختلفة من لدن قدوم الفاتح الأول إلى قريب وقتنا هذا؛ فالحركة العلمية وما طرأ عليها من نشاط وفتور في جميع العصور، مبسوطة فيه أحسن البسط، والسياسة واتجاهاتها التي كانت تتخذها بحسب طبيعة كل دولة مفصلة فيه تفصيلا مستوفى. وهكذا التاريخ بقسيمه السياسي والأدبي؛ ومنه التراجم. وقد احتوى جملة وافرة من تراجم الملوك والوزراء والقواد والفاتحين والعلماء والأدباء والفقهاء والمتصوفة وغيرهم. والأدب لا نقول إلا أنه الروح المتغلغلة فيه، والحلة التي يبدو فيها للناس، بل نقول: إننا ما تعرضنا لغيره من الأبحاث الأخرى إلا لنربط حلقات البحث الموصل إلى اكتناه حقيقة ماضينا الأدبي، وتجليته على منصة العروس؛ ليشاهده من كان يجادل فيه، ومن ثم كان اسم هذا الكتاب (النبوغ المغربي في الأدب العربي). وقد كثر عتب الأدباء في المغرب على إخوانهم في المشرق لتجاهلهم إياهم، وإنكار كثير منهم لكثير من مزاياهم، ولكن أعظم اللوم في هذا مردود على أولئك الذين ضيعوا أنفسهم وأهملوا ماضيهم وحاضرهم حتى أوقعوا الغير في الجهل بهم والتقول عليهم، وهو معذور وحسبه أنه لم يقصر تقصيرهم، بل سعى فأخفق، ولا عيب على من بلغ جهده. ونحن نعتقد أننا بتقديم هذا الأثر الضئيل إلى الدوائر العلمية سنزيل كثيرا من التوهم والتظنن في تاريخ المغرب الأدبي، وسنرفع حجاب الخفاء عن جانب مهم من الحياة الفكرية لأهل هذا القطر. وسوف ينقضي تجني إخواننا من بحاث الشرق

стр. 25

على آثارنا وتحاملهم على آدابنا؛ لأن ذلك لم يكن منهم عن عمد وسوء قصد، وإنما هو ارتياء واجتهاد. * * * أما عن ترتيب الكلمات فإننا جعلناه على جزأين، وخصصنا الجزء الأول للبحث والاستنتاج، والثاني للآثار الأدبية، ثم الجزء الأول خمسة عصور: عصر الفتوح، ونعني بها الفتوح الأولى وفتح مولاي إدريس. وعصر الموحدين وفيه الكلام على المرابطين. وعصر المرينيين وفيه الكلام على الوطاسين. وعصر السعديين. وعصر العلويين. والجزء الثاني قسمان: قسم المنثور، وقسم المنظوم. وإنما أخرنا الآثار الأدبية إلى الجزء الثاني ولم نذكر أدبيات كل عصر معه رغبة في عدم توقف المطالع وتلهيه عن مواصلة البحث وتكوين فكرة عامة عن جميع العصور مع ما في ضم تلك الآثار بعضها إلى بعض من تأليف مجموعة أدبية نفيسة تكون وحدها دليلا ناطقا على ما للوطن العزيز من ماض أدبي حافل. هذا على كثرة ما أغفلناه منها (لأن قريشا قصرت بهم النفقة) ولولا ذلك لخرجت هذه المجموعة مضاعفة عما هي عليه. وفضيلة هذا الكتاب في أنه ليس لقطر من أقطار العروبة اليوم نظيره، إذ أن جميع كتب الأدب وتاريخه عامة تنتظم البلاد العربية جمعاء -ما عدا المغرب بالطبع. وعمل مثل هذا لا يخفى على العارف ما يقتضيه من جهود جبارة ومشاق عظمى، وإذا تذكر -مع ذلك- أن مصادر هذا البحث الجليل هي أقل من القليل، ومع قلتها فإن كثيرا منها محفوظ في الخزائن الخاصة التي لا طمع في الوصول إليها بمجان أو مال، فإنه يكون أسبق منا إلى طلب المخارج والتماس المعاذر فيما عسى أن يكون وقع لنا من التقصير والزلل والخطأ والوهم ولا سيما مع السرعة في إخراجه للناس لشدة الحاجة إليه، وكثرة الطلب عليه، وكان يلزم أن يبقى سنين طويلة تحت التهذيب والتنقيح. وهناك نقطة سوف لا يماري أحد من قراء هذا الكتاب في أنه امتاز بها عن كثير مما تخرجه مطابعنا في هذه الأيام وهي أنه ليس فيه حرف واحد كتب

стр. 26

انتصاراً للنفس أو تعريضاً بأحد تملُّقاً لشخص أياً كان، ولست أبالي بعد هذه ما يوجد فيه من عيب أو يوصف به من نقصان. * * * ولا أضع القلم من يدي قبل أن أتوجه بكلمة شكر وثناء إلى الأخ العالم المؤرخ الواعية السيد عبد السلام ابن سودة الذي أمدَّني بكثير من الفوائد والمعلومات، وسو غني من الخزانة السّودية القيمة كل ما لم يكن في أختها الكنونية من الأصول والمستندات. وإني أحمد الله على أن لم يجعل علي لأحد - غيره - منة في هذا الأمر، وأغناني عن «مَدَرَةِ» الخزائن الذين هم مصيبة العلم في هذا القطر، حتى المكتبة العامة بالرباط على مساس الحاجة إلى كثير مما فيها لم يقدر لي أن ارجع إليها في شيء للحجز بيني وبين السفر في غالب المدة التي كنت أشتغل فيها بهذا الكتاب. ولا أبخس بقية الخلصاء، حظوظهم من الشكر والثناء، كالأديب السيد محمد العربي الزكاري الذي نقل الكتاب بخطه الجميل من مبيضته والأستاذ الكبير الحاج محمد بنونة الذي اعتنى بتصحيح جلّه، على كثرة شغله وكتب اسمه بالقلم الكوفي الجميل، والعلامة السيد محمد داود الذي صحح بعض الملازم أيضاً ولم يزل مهتماً بأمره منذ الأيام التي كان يصدر فيها السلام حتى لقد همَّ بطبعه على نفقته وتقديمه هدية لمشتركي مجلته لو لم يضطر إلى توقيفها بعد. والشريفين المرحوم السيد عبد السلام القصري والسيد محي الدين الريسوني والسيد محمد العرفاوي والسيد عبدالله بناني والسيد عبد السلام الطنجي والسيد محمد العربي ابن جلون، كل واحد على ما بذل من جهد أو مال في سبيل إخراج هذا الكتاب والحرص على إتمام طبعه منذ أكثر من ثلاث سنين حين قُدِّمَ إلى المطبعة - فالله تعالى يجازيهم جميعاً عن العلم والأدب خيراً. وإني لأسجل لهم هذا الذكر الحسن هنا قياماً بالواجب الذي يحتتمه الإخلاص والمروءة والدين، فما شكر الله من لم يشكرُ الناس. نسأله تعالى أن يلهمنا رشدنا ويقينا شر أنفسنا وينفعنا بما علمنا ويزيدنا علماً وصلى الله على سيدنا محمد وأله وسلم.

стр. 27

عصر الفتوح

стр. 28

الفاتحون الحقيقيون لم يتم فتح المغرب كله إلا في زمن يزيد بن معاوية سنة ٦? هـ، على يد عقبة بن نافع، ذلك البطل العظيم الذي غامر بنفسه، وأقحمها المخاطر في سبيل نشر الدعوة الإسلامية وبثّها بهذه الأصقاع. ففي الحقيقة إن هذا الفتح الأول لبلاد المغرب، وما كان سابقاً عنه، إنما هو مقدمة وتمهيدٌ له. وأول ما فتح من البلاد طنجة، ثم وليلى (١)، وهما إذ ذاك حاضرتا المغرب، ثم استرسلت الفتوح بعد في سائر القبائل المغربية، التي كانت تنقطع الأطماع دونها لتحصنها ومناعتها وشدة بأسها، والتي طالما حاولت إيقاف جيش الفتح الإسلامي عند حده؛ فقاتلها عقبة قتالاً ذريعاً واستنزلها على حكمه. ثم تقدم إلى السبوس؛ ففتح تارودانت عاصمته، ومضى لا يلوي على شيء، حتى وقف بساحل المحيط الأطلسي، حيث رفع يده إلى السماء وقال: «اللهم أشهد أني بذلت الجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بك، حتى لا يعبد أحد من دونك.» فانتشر الإسلام بالمغرب من أقصاه إلى أقصاه، وبدأ يصارع الوثنية المستحكمة فيه. ولولا قتل عقبة بتهوذة من مدن الزاب، بعد ذلك بسنتين لما بقي لها معه ظهور البتة في المدة القريبة. ولكن وقوع ذلك الحادث المؤلم في مثل تلك الظروف الحرجة، كان ضربة لازب على عدم نجاح الآمال المتعلقة باستقرار الحالة، بعد الفتح، واستتباب الأمن والراحة المتيسر في ظلها كل عسير، والممكن معهما تذليل جميع الصعوبات القائمة بأعمال الفاتح الكبير. اضطرب الحبل بعد موت عقبة بن نافع، وانتقضت الأمور بإفريقية الشمالية، وعمت الفوضى وغلبت الفتن. وجرت بعد ذلك حوادث كثيرة لا شأن لنا بها؛

стр. 29

فكان من النتائج المتحتمة الوقوع أن توقفت دواليب الحركة الإسلامية، وضعفت العوامل والأسباب الباعثة، والمشوقة إلى الدخول في الإسلام، حتى ارتد عنه من كان أسلم حديثاً، ولم تخالط بشاشته قلبه. في زمن الوليد بن عبد الملك سنة ٨٧ هـ، قدم موسى بن نصير والياً على إفريقية. فقبض على زمام السلطة بيد من حديد، وضبط الشؤون واستصلح الأحوال، فأصبحت البلاد تمرح في بحبوحة الأمن والنظام، وتتمتع بسكينة وطمأنينة لا عهد لها بهما من قبل. فكان هذا هو الفتح الثاني الحقيقي، وقد قاتل المرتدين عن الإسلام، وبذل قصره في حملهم على الرجوع إليه، والتمسك بحبله المتين. وكان يشتري العبد يظن أنه يقبل الإسلام من بعد أن يجرب فطنته ويمحص عقله، ثم يمضي عتقه ويتولاه. وهكذا شيد صرح الإسلام في «إفريقية (١)» والمغرب، وأقام دعائمه على السياسة الحكيمة والسيرة العادلة، فلم يبق يخشى عليه الانتقاض بعد هذه الجهود العظيمة، والمتاعب الجسيمة. وفعلاً فقد استمر الحال على ذلك سنين عديدة، انصرف العزم فيها إلى تعمير الخراب وتجديد المندثر. وفي اثنائها فتحت الأندلس بجيوش المغاربة المسلمين الصادقي الإيمان. وكان يظن أنه لما يرجع السيف إلى غمده، ينصرف العزم على ترقية مستوى البلاد العلمي والأدبي، بعد رقيها عمراناً واقتصاداً وسياسة. ولكن خطراً جديداً أصبح يهدد هذا القطر المغربي القليل الحظ. فلم يتح له أن يجاري الأقطار الإسلامية الأخرى في النهضة والتجدد، والأخذ بأسباب الحضارة والتمدين، بعد أن ظن أنه اجتاز دور الإنشاء والتكوين. ذلك هو خطر الخوارج (٢) النازحين إليه من الشرق، المضطهدين من حكوماته، حيث إنهم لم يجدوا مجالاً فسيحاً لترويج بدعتهم وبث دعايتهم في أمن وأمان مثل المغرب. وقد قاسى منهم الأمرين، وذاق

стр. 30

بسببهم من المحن والأهوال صنوفاً وألواناً، حيث لعبوا دوراً خطيراً في حوادثه السياسية وأثاروا فتناً وحروباً، كان كل من العرب والمغاربة في غنى عنها. غير أن هذه الحال لم تدم؛ فقد شاء الله أن تنجلي، وينجلي معها كل ضير وضرر على مستقبل البلاد. فبينا الإيمان متذبذب، والشعور الديني آخذ بالضعف لبُعد العهد بالهداة المرشدين الساري اليهم نور النبوة، أمثال عقبة، وموسى. وفيما الأقوال والخلافات المذهبية رائجة، ونزغات الملحدين ووساوس أهل الضلالات متسربة إلى نفوس هذا الشعب الفطري الساذج، إذ أتى إدريس بن عبد الله، فاراً بنفسه من الرشيد الذي اضطهد شيعته الخارجين عليه، وشتتهم شذر مذر. فكان دخول هذا الفرع الزكي إلى المغرب فاتحة عصر جديد، طالما تاقت له النفوس واشرأبت إليه الأعناق. وما وطيء ثرى البلاد المغربية، حتى وفدت عليه القبائل معلنة بمبايعته، داخلة في طاعته. فبدأ أعماله بتأسيس الدولة الإدريسية سنة ١٧٢ هـ بمعونه إسحق ابن عبد الحميد الأوربي والي مدينة وليلى، وسعي مولاه راشد. وهي أول دولة عربية مستقلة في المغرب. وبعد أن توطد له الملك، جهز الجيوش واستنفر المقاتلة، وخرج غازياً يضرب في بلاد المغرب طولاً وعرضاً، حتى دوخه جميعه، وقضى على حركات الخوارج وسكن فتنهم المندلعة اللهيب؛ فلم تقم لهم بعدها قائمة. ثم تقدم إلى تلمسان ففتحها سنة ١٧٣ هـ ودخلها، فنظر في أحوالها. وبنى بها مسجداً. ثم عاد إلى وليلى، وقد استقام له أمر المغرب، وتم له اقتطاعه من جسم الخلافة العباسية، وإزالة كل سلطة دينية أو سياسية، كانت لها عليه. وكان هذا هو ثالث الفتوح الإسلامية المهمة. كيف انتشر الإسلام في المغرب هكذا كان تطور الحركة الإسلامية وسيرها بالمغرب مدة قرن كامل. وهكذا كان حرص ولاة العرب شديداً على إشادة معالم الإسلام بهذا القطر، وتثبيت أركانه وإقامة دعائمه. حتى ارتكز فيه ارتكازاً قوياً، وتمكن من نفوس سكانه أيما تمكن.

стр. 31

فأصبح وكأنما آوي إلى وطن وسكن هما أعرف به منه بهما. فكيف تم ذلك؟ وما هي العوامل والأسباب التي سنت الوصول إلى هذه الغاية؟ إن المغاربة الذين كانوا قد اعتادوا حياة الفوضى، وألفوا التمرد والعصيان، بعد أن تمكن منهم العرب وكسروا شوكتهم، أصبحوا مقتنعين بعدم إجداء المقاومة عنهم وذهاب كل مجهوداتهم في الدفاع سدى، لما رأوه من شدة مراس العرب للحروب وطول مغالبتهم لأعدائهم. فلم يسعهم، والحالة هذه، إلا الإذعان لسطوتهم وتسليم مقاليد الأمور اليهم. فساسوهم بالحكمة والإنصاف، وأخذوهم بالعدل والمساواة، حتى أووا إلى ظل الطاعة، واخلدوا إلى السكينة والهدوء. هنالك تذوقوا طعم السلم لأول مرة، وانصرفوا إلى إدارة شؤونهم وتدبير مصالحهم. وبدأوا يشعرون بهناءة الحياة، ويجدون لذاذتها. ثم نظروا فيما تخلف بأيديهم من عادات الوثنية، وبقايا الديانات الأخرى المحرفة. فلم يجدوا في ذلك شفاء غلتهم ونقع أوامهم؛ فأخذوا يتطاولون بأعناقهم إلى الدين الجديد الذي جاء به الفاتحون الأقوياء ورأوه موفياً بأغراض الحياة ومآربها، ضامناً لمصالح البشر في المعاش والمعاد. فكان منه إليه خير داعية ومرشد، أنار أمامهم السبل، وأبان لهم معالم الرشد. وسرعان ما استمالهم إلى جانبه، وادخلهم في حظيرته. وكان أكثر ظاهر أنه تأثيراً عليهم ثلاثاً. أ- يسر شريعته، وسماحته غير المحدودة. فكل تعاليمه هين سهل، يمكن الإحاطة به والقيام عليه في غير تعب ولا عناء. والإسلام كما لا يخفى، دين الفطرة الخالي من التكاليف الشاقة التي تجعله عبئاً ثقيلاً على كواهل معتنقيه. إذ ليس فيه إلا ما ينطبق على النظر والمصلحة العامة. ب- حسن معاملته لكل من يدين به ويحتمي بحماه، فما هو إلا أن يتعلق بسبب من أسبابه، حتى يصبح عضواً عاملاً في جماعته الكبيرة، لا يميزه عن بقية أعضائها مميز، ولا يفصل بينه وبينهم فاصل. واعتبر ذلك في ابن الكاهنة المغربية

стр. 32

المشهورة في التاريخ بطول مقاومتها للإسلام، ومحاربتها للآتين به، حتى ماتت (١)، فإنه ما لبث أن ولي على قومه بعد إسلامه، ولاه حسان بن النعمان عامل عبد الملك بن مروان على إفريقية، الذي قاسي من أمه الأمرين. ج- رفق الولاة المسلمين وعدلهم، وتشربهم بروح الديمقراطية الحق التي جاء بها الإسلام، مع ما كانوا عليه من الأخلاق الفاضلة والسجايا الكاملة. حتى لقد أكبر هؤلاء المغاربة ديناً أنجب مثل أولئك الرجال الأفذاذ، وكون مثل تلك الشخصيات الكبيرة التي يندر وجودها في التاريخ. على أن المغاربة لم يعادوا الإسلام في أول الأمر. ولم يقاوموه تلك المقاومة العنيفة، إلا لجهلهم بحقيقته، وعدم إحاطة علمهم بمحاسنه ومزاياه. وقد فطن لذلك الولاة العرب بعد حين؛ فرتبوا لهم الفقهاء والقراء يلقنونهم العربية ويبصرونهم بالدين. فلما اكتنهوا كنهه، وعرفوا حقيقته، وتمر سوا بتعاليمه السامية وآدابه العالية، أصبحوا من أكبر دعاته وأحمي أنصاره. فجاهدوا في سبيله الجهاد الأكبر، وبذلوا النفس والنفيس لإبلاغ دعوته إلى أقاصي البلاد. فهم الذين فتحوا الأندلس وسهلوا طريقها للعرب، وما زالوا بعد ذلك حاميتها وذادتها إلى آخر العهد بها. وهم الذين اقتحموا مجاهل إفريقية، وحملوا الهداية الإسلامية والثقافة العربية إلى السوادين كما هو معلوم. استعراب المغاربة نتيجة طبيعية أن يستعرب المغاربة بعد إسلامهم، ويتعلموا لغة التنزيل الذي هو دستور الإسلام وأقنومه، والمصدر الأول لجميع أحكامه وتعاليمه. فإنما بالعربية تفهم أصوله وفروعه، وتقرر شرائعه وأحكامه. على أنه اذا كان الإسلام، دين

стр. 33

الفطرة والخلق القويم، مستعد بذاته للانتشار؛ فكذلك هذه الفصحى، لغة البيان والشعر، تمتلك برقتها القلوب، وتستلب العقول. وأحر بالشعب الذي دخلاه معاً، فرحب بها وأحسن اقتبالهما، أن يشهد التطور العتيد، والفتح الجديد في مزاجه وعقليته وحياته العامة. ولقد سارت العربية في المغرب أول الأمر بسير الإسلام، مترسمة خطاه متتبعة آثاره. حتى إنها لو كانت بقيت من ذلك الوقت تنمو وتشير، لكانت الآداب العربية قد أتت أكلها من ذلك الوقت أيضاً؛ ولكن عوائق كثيرة حالت دون سيرها المطرد، وتقدمها المستمر. فتأخرت بذلك النهضة الأدبية في المغرب، وتقدمت في الأندلس، التي فتحت بعده، حيث لم تجد في طريقها شيئاً من تلك العراقيل. وأول ما بدأ نشاط هذه الحركة، في أيام حسان بن النعمان الغساني، أحد ولاة إفريقية من قبل عبد الملك بن مروان. فإنه كان من الممهدين السبيل لتقدم الثقافة العربية واستقرار الحضارة الإسلامية بالمغرب. فدون الدواوين، ورسم اللغة العربية، أي جعلها لغة الدولة الرسمية، فأوجب بذلك تعلمها على السكان، المسلمين وغير المسلمين. ثم بعد ذلك، أنزل عمر بن عبد العزيز بإفريقية والمغرب عشرة من الفقهاء يعلمون الناس القرآن ويفقهونهم في الدين. كذلك فعل موسى بن نصير؛ فرتب عدداً من الفقهاء والقراء للغرض نفسه. وهذه كلها محاولات كان لها نتيجتها الطيبة، وأثرها المحمود في سرعة استعراب المغاربة، وطبعهم بالطابع العربي الصميم. كما شوهد ذلك يوم فتح الأندلس، حيث خطب طارق بن زياد وهو مولى مغربي لموسى بن نصير، خطبته المشهورة في جيشه الذي أناف على اثني عشر ألف جندي، فيهم ثلاثمائة فقط على أكثر تقدير من العرب، ففهمها الجيش كله، وأثرت فيه تأثيرها البليغ المشهود في اندفاعه إلى حومة الوغى، وتهافته على الموت بإيمان وحماس. فكيف يفسر هذا بغير سرعة انتشار العربية، كالسرعة التي انتشر بها الإسلام؟ أما والأمر هكذا، فما الذي قضى عليها بعد ذلك، وأوقف سيرها لأمد بعيد جداً؟ هنا مضلة الأفهام، ومزلة الأقلام. والذي يظهر لنا أنها تلك الفتن والحروب التي نشبت بين العرب والمغاربة فيما بعد. والتي كان مثارها التعصب الأعمى والعنصرية المقيتة. ومما لا شك فيه، أن بعض الحصون والمعاقل المنيعة التي لم يكن

стр. 34

وصلها الإسلام أو وصلها ولم يتمركز فيها؛ لم يكن للعربية أن تهاجمها أو تتمكن فيها. فالبربرية، ولو أنها انهزمت أمامها، لم تجد خيراً من أن تحتفظ بالرمق الباقي منها في ذلك البعض من الحصون والمعاقل. وهناك حقيقة، في شعف جمال الأطلس، كان متربعها ومقيلها، حيث بقيت تتنازع البقاء. فآناً تجد من يأخذ بضبعها من متعصبة المغاربة ومتحمسيهم، أو ممن لا ناقة له ولا جمل في هذا الأمر، وإنما همته بذر الشقاق والخلاف بين العنصرين المتمازجين والجنسين المتحدين (١) فتنهض وتستوي؛ وآناً تبقى مهملة منبوذة، لا يؤبه لها ولا يحفل بها، وذلك غالب أمرها. بل فيا عدا عصر الفتوح الذي نحن فيه، وفيما بعده بقليل، لم يبق لها بجانب العربية ظهور ولا صولة مطلقة. وخصوصاً بعد قيام الدول العربية البحت من بني مرين والسعديين والعلويين، كما ستجد تفاصيل ذلك في تضاعيف هذا الكتاب. الصراع بين العرب والمغاربة إذا عدنا لذكر الصراع القائم بين العرب والمغاربة؛ فلسنا نقصد صراعاً دينياً من نوع ما سبق، فنكون نقضنا حكمنا بأن المغاربة لم ينتقضوا على الإسلام أولاً، إلا لأنهم جهلوه فعادوه، وإنما نقصد هذا الصراع السياسي الطويل الذي ثارت عوامله بين العنصرين المتنافسين فيما بعد، بسبب تداول الحكم وتنازع السلطة. ولعل مثار النزاع أولاً إنما كان لأجل استبداد العرب بوجوه المنافع، واختصاصهم بالمناصب العالية في الدولة، فبدأت المطالبة بالمساواة في الحقوق. ثم استفحل الداء فبدأ المغاربة يشعرون بالخطر يتهددهم، وأنهم إن لم يتلافوا الحال، ربما أفضى الأمر إلى محو وجودهم السياسي. فهاجت حميتهم وثارت عصبيتهم، وهبوا مندفعين كالسيل الجارف يريدون في البدء نيل حقوقهم المهضومة، وتثبيت مركزهم المتضعضع. ثم لما استحلوا الظفر واستمرءوا طعم الظهور، لم يبقوا قانعين بما حصلوا عليه. فتعلقت آمالهم بالملك والإمارة، وساروا في سبيلهم متحمسين.

стр. 35

ونستشهد التاريخ في إثبات هذا الرأي؛ فنجد أن أول ما وقع هذا الاستبداد في دولة الإمام إدريس، حيث يتحدث المؤرخون أنه في سنة ١٨٩ هـ وفدت عليه وفود العرب من بلاد إفريقية والأندلس، في نحو خمسمائة فارس من القيسية والأزد ومذحج وبني يحصب والصدف وغيرهم. فسر بوفادتهم وأجزل صلاتهم وقربهم، ورفع منازلهم وجعلهم بطانته دون المغاربة. فاعتز بهم لأنه كان فريداً بين هؤلاء، ليس معه عرب، فاستوزر عمير بن مصعب الأزدي، واستقضى منهم عامر بن محمد بن سعيد القيسي قيس عيلان الخ كما في القرطاس. ولكنا نلاحظ أنه لم يظهر أثر سيء لهذه السياسة الإستئثارية، كما يحسن أن تسمي؛ في ذلك الحين على عهد الإمام إدريس، ولعل ذلك يرجع لما كان له ولهم من عظيم المنزلة عندهم، وصدق المحبة فيه. فلم يكونوا ينظرون إلى أعماله بعين الشك والريبة، كما نظروا إلى أعمال أولاده من بعده. ولأن الأمر في أوائله فلا ينتبه إليه، فلا يظهر ما يكون نتيجة له أو أثراً عنه. وكل ما نريد أن نقوله، هو أن هذا السلوك كان مبدأ الاستبداد على المغاربة ومنشأ الخلاف على العرب؛ وإن لم يظهر أثر ذلك إلا بعد أن تدهورت سياسة الأدارسة واختلت إدارتهم، فقويت الهمم وشدت العزائم على مقاومتهم والسعي في مناوأتهم. فظهر على مسرح التاريخ موسى بن أبي العافية فجد في أثر الدولة الفتية يصلي رجالها نيراناً مستعرة، ويشن عليهم كل غارة شعواء، حتي قوض أركانها المتينة وهد بنيانها الشامخ وكاد يستأصلهم، لولا أن أخذت الناس الشفقة عليهم، فمنعوه منهم، فأقلع عنهم خزيان حقيراً. وما كاد يستريح ويأخذ في تدبير شؤونه حتى انبرى له بنو عبيد فساقوه بعصاهم. ومن هنا تعلم أن المغاربة لم يكونوا يريدون الانفراد بالسلطة أول الأمر، وإنما كانوا مغلوبين على أمرهم ومضروباً على أيديهم؛ فأرادوا الدفاع عن أنفسهم ونيل حقوقهم المهضومة؛ وإلا فان أبا عبد الله الشيعي كان يدعوهم إلى بيعة الفاطميين العلويين. وهل كانوا بالمغرب إلا داخلين في دعوة مماثلة ومبايعين للأدارسة العلويين? فلا يخلو هؤلاء الخارجون معه إما أن يكونوا مغرورين أو منتهزين الفرصة للحصول على مطامعهم في ظل الدولة الجديدة على حد قول الشاعر: إذا لم يكن للمرء في دولة أمرئ ... نصيب ولا حظ تمنى زوالها

стр. 36

وما ذاك عن بغض لها غير أنه ... يرجي سواها فهو يهوى انتقالها وكان ظهور الدولة الفاطمية على مسرح السياسة المغربية سبباً لقيام نزاع كبير بينها وبين الأمويين أصحاب الأندلس؛ على المغرب. فما كانت تطفأ لظى الحرب بينهم إلا وتشعل من جديد. وقد لقي المغرب من جراء ذلك عنتاً شديداً. ثم قامت دولة مغراوة وبني يفرن فكانت دولة مغربية محضة، وإن لم ير المغرب على عهدها إلا الحروب الطاحنة والفتن الداخلية الماحقة؛ فكان عهداً مظلماً توقفت فيه جميع الحركات الناشئة من علمية وأدبية، وانقرض العمران، وكادت الفوضى تقضي على هذه البلاد؛ لو لم يتداركها الله بعبد الله بن ياسين مؤسس دولة المرابطين. الوسط الفكري في هذا العصر رأينا كيف تأخر فتح المغرب إلى ما بعد منتصف المائة الأولى للهجرة، وأنه لم يقره قراره بعد الفتح الأول، ولا سكنت ثائرته. بل سرعان ما قتل الفاتح في إحدى جولاته بمدن إفريقية، وعادت البلاد كلها إلى عهد الفوضى والاضطراب، مما دعا إلى تجريد حملة ثانية على هذا الإقليم بقيادة موسى بن نصير، رأبت منه الصدع ورتقت الفتق، وشغلت المغاربة إلى حين بالعبور إلى الأندلس والقتال في تلك البلاد التي كانت إلى الأمس القريب تستتبعهم وتتحكم فيهم. وفيما بين هذين الفتحين كان كثير من المغاربة لم يفهموا حقيقة الدعوة الإسلامية ولم ينظروا إلى العرب إلا كما كانوا ينظرون إلى الرومان والروم وغيرهم، ممن وغل عليهم ودوخ أقطار هم من قبل قصد الاستغلال والاستئثار. ولقد قالت الكاهنة داهية لقومها: «إنما تطلب العرب من المغرب مدنه وما فيها من الذهب والفضة، ونحن إنما نريد المزارع والمراعي، فالرأي أن تخرب هـ ذه المدن والحصون ونقطع أطماع العرب عنها». وبالطبع فإن من يكون هذا رأيه في القوم لا يقبل ما أتوا به من شرع ودين، ولا يتأثر بما يحملونه من علم وعرفان. ونقل عن ابن أبي زيد القيرواني أنه قال: ارتدت البربر اثنتي عشرة مرة،

стр. 37

من طرابلس إلى طنجة، ولا شك أن هذا الكلام إن أريد به الردة الحقيقية، فإنما يتنزل على أقوام من البربر لا على جميعهم، وإن أريد به الثورة والعصيان وشق العصا على الدولة، فهو صحيح في جملته. على أن الخلفاء والولاة الذين تتابعوا على حكم المغرب لما تنبهوا إلى وجوب تعليم المغاربة وتلقينهم مبادئ الدين الحنيف، فرتبوا لهم الأئمة والفقهاء يعلمونهم ويرشدونهم، أمنوا بعد ذلك من انتفاضهم وعرفوا السبيل إلى تفهيمهم حقيقة ما جاءوا به. ومن يومئذ لم تعد ثورات المغرب والحروب التي نشبت بعد، إلا تمرداً على الولاة الظالمين أو فتنة يوقدها ذوو الأغراض من الخوارج وأصحاب المطامع السياسية، ويستغلون فيها المغاربة البرءاء أسوأ استغلال. وفي الحقيقة إن جناية الخوارج على المغرب لا تعادلها جناية، فإنها تسببت في انقسامه على نفسه، وتسليط بعضه على بعض، مما أدى إلى بقائه زهاء ثلاثة قرون طعمة النيران الحروب وميداناً لتجريب الحظوظ، وهو في كل ذلك إنما يزداد سوء حالة من ناحية انتشار الجهل وعدم الاستفادة، مما أتي به الفاتحون العرب، حملة الهداية الإسلامية ومنورو الشعوب. وثمة عامل آخر، إلى جانب انعدام الاستقرار واضطراب الأمن، كان له أسوء الأثر في عدم استفادة المغاربة مبكراً من علوم العرب وآدابها وبطء نهضتهم وظهور المثقفين فيهم؛ ذلك هو أن المغرب لبعده عن مواطن العرب الأصلية أو التي توطنوها بعد الفتح الإسلامي، لم يتخذه العرب مقراً لهم ومسكناً؛ وإنما كانوا يحلون في إفريقية وعاصمتها القيروان، التي كانوا هم المنشئين لها والممصرين، أو يجتازونه إلى الأندلس، حيث يجدون أنفسهم في بلاد شبه مستقلة عن قاعدة الخلافة وطائلة السلطان. ولذلك ما لبث الجناحان المغربيان الشرقي والغربي، أن نهضا وحلقا، فتكونت في إفريقية الأغلبية، وفي الأندلس الأموية، حركات فكرية وأوساط علمية وأدبية راقية، بخلاف المغرب الذي لم يكن يستقر فيه إلا أفراد قلائل من الولاة العرب، أو بعض الجنود من جفاة الأعراب الذين ليسوا في قبيل ولا دبير من شؤون الفكر وحياة العلم والأدب. وهم مع ذلك قليل وقليل جداً؛ حتى إن جيش طارق بن زياد الذي فتح الأندلس لم يكن فيه إلا ثلاثمائة عربي أو ثلاثة عشر على الخلاف في ذلك، وهو اثنا عشر ألفاً. . . وقد علمت أن إدريس الثاني استقبل في سنة ١٨٩ هـ وفود العرب من بلاد إفريقية والأندلس وهم نحو الخمسمائة فارس فقربهم واستأنس بهم

стр. 38

لأنه كان فريداً بين المغاربة ليس معه عرب. . . وما هو خطر خمسمائة فرد في قطر بعد سكانه بالملايين? فلا جرم إذا بقي المغرب على جهله وتأخره ولم يسرع إلى التطور والتعرب والنقل عن أساتذته الجدد كما نقل عنهم أشقاؤه وجيرانه. على أننا إن صورنا الحياة الفكرية في هذا العصر بهذه الصورة القائمة، فلا نمر بدون أن نشير إلى ذلك البصيص من النور الذي كان يومض خلالها أحياناً، منبعثاً من مصدر الإشعاع بفاس، أعني جامع القرويين. . . فمن المعلوم أن هذا المسجد الذي يعد أقدم جامعة علمية في العالم الإسلامي، قد أسس في هذا العصر، وبالضبط في سنة? ٤٥ هـ. وكانت التي بنته سيدة فاضلة من مهاجرة القيروان، تسمى أم البنين الفهرية. ولما كانت المساجد في المجتمع الإسلامي تؤدي مهمتين: مهمة دينية، ومهمة ثقافية. إذ تلقى في أروقتها دروس في مختلف العلوم والفنون، فإنا نعتقد أن جامع القرويين منذ إنشائه كان مركزاً للدراسات الدينية والأدبية، التي لم تنقطع منه أبداً، وأن تأسيسه كان مبدأ الارتكاز للحياة الفكرية في المغرب، بالرغم من وجود مساجد أخرى سابقة له في فاس وغيرها. ولا أدل على ذلك من أن كبار علماء المغرب الذين عرفناهم، إنما نبغوا بعد التاريخ الذي شيد فيه ذلك المسجد العامر. على أن مراكز ثقافية أخرى كانت تقوم في كل من سبتة وطنجة والبصرة (١) وأصيلاً. وهي باستثناء سبتة قد عرض لحركتها فتور أو اضمحلت بالمرة أثناء هذا العصر نفسه، وإن تخرج منها أعلام لهم مكانتهم في تاريخ الحركة الفكرية بالمغرب. إذا فقد كانت هناك دروس، وكانت هناك هيئة علمية، وإن كنا لا نعرف من خبر هذه الهيئة وأثر تلك الدروس إلا الشيء القليل. ولعل أهم ما نسجله عن الحياة الفكرية في هذا العصر، التي قلنا أن تأسيس

стр. 39

جامع القرويين كان مبدأ الارتكاز لها في المغرب، هو ظهور المذهب المالكي في الفقه، وسيطرته على المذهب الكوفي الذي كانت له الصولة في المغرب، وبالتالي قضاؤه على المذاهب الأخرى التي كانت منتشرة في جهات مختلفة من هذا القطر؛ كالمذهب الخارجي الذي كانت تعتنقه إمارة بني مدرار في سجلماسة، والبرغواطي (١) الذي كان باض وفرخ في تامسنا والإعتزالي الذي كانت منتشراً هنا وهناك، كالشيعي الذي يقال إن قرنه طلع مع نشوء الدولة الإدريسية. وعلى كل حال فإن مذهب مالك لم يتوطد أمره في هذا العصر كمذهب فقهي فقط، ولكن كعقيدة أيضاً فإن التلازم بين طريقته في الفقه والاعتقاد، وهي اتباع السنة ونبذ الرأي والتأويل، مما لا يخفى. وقد كان الفضل في اتجاه المغرب هذا الاتجاه الرجال من أبنائه البررة، أرادوا إشباع نهمتهم من العلم، فتحملوا عن ديارهم ومساقط رؤوسهم، وضربوا في طول البلاد الإسلامية وعرضها طلباً للمزيد من المعرفة ورغبة في سعة الرواية، ثم عادوا إلى وطنهم يتفجرون عاماً ويلتهبون إخلاصاً. فأخذ عنهم من لم يستطع الرحلة من مواطنيهم، وقاموا جميعاً بتأسيس قواعد العلم ومعاهد الدين في مختلف أنحاء البلاد. وهؤلاء أمثال أبي هرون البصري، الذي كان أول من أدخل كتاب ابن المواز إلى الأندلس، وأحمد بن الفتح المليلي، ودراس بن إسماعيل، وجبر الله بن القاسم الفاسي، وأبي جيدة بن أحمد، وأبي محمد الأصيلي، وابن أبي غافر، وعيسى بن علاء السبتيين، وعيسى بن سعادة الفاسي الذي تنازعه الفقهاء والمحدثون لما توفي بمصر، كلهم يدعيه ويقول أنا أحق بالصلاة عليه، وابن سمحون الطنجي بالحاء المهملة، ومحمد بن يحيى الصديني وأولاده، وابن الزويزي الذي كان يضرب به المثل في صحة الفتيا، يقولون: لا أفعله ولو أفتاك

стр. 40

به ابن الزويزي، والقاضي ابن محسود، والحسن ابن علي الفاسي، وأحمد بن العجوز وولده عبد الرحيم وأحفاده، وخلف بن مسعود الرعيني المعروف بابن أمنية، وابن أبي مسلم الصدفي، وأحمد بن قاسم السبتي، وسلمان بن أحمد الطنجي الأستاذ في القراءات، وعثمان بن مالك فقيه فاس وزعيم الفقهاء في وقته. كتب عنه تعليق على المدونة هو من أقدم ما كتب المغاربة عليها، وأبي بكر بن زوبع السبتي وابن حمود الطنجي، له شعر في مناسك الحج، وعلي الهواري الفاسي، والحسن القرشي من أهل فاس، له كتاب سماه التصنيف، وحمزة بن يوسف الحرار منها، وابن التبان كذلك وابن يربوع السبتي، وابن أبي الربيع المكناسي، وعلي بن هرون الطنجي، وأيوب بن محمد فقيه المصامدة في وقته، وأبي القاسم بن محرز، وسليمان بن عذراء فقيهي المرابطين، وتونارت بن تيدي من فقهاء المصامدة أيضاً، ولمتاد بن بلين اللمتوني، الذي كان المثل يضرب بفتواه في الصحراء، وعثمان بن سعيد البصري، وكان يتفقه على طريقة أهل العراق وسعيد بن خلف الله البصري أيضاً، له جزء في مسائل من سؤالات أبي هرون البصري وصاحبه عبدالله بن يعيش لأحمد بن ميسر الإسكندراني، وقاسم بن محمد المعروف بابن الماموني، له كتاب المناسك وموسى بن ياسين، له كتب حسان، في الحساب والفرائض، وغيرهم ممن يطول تتبعهم. ونترجم منهم هنا، د راس بن إسماعيل ، وأبا جمدة بن أحمد، وأبا محمد الأصيلي وابن العجوز، وأبا عمران الفاسي، وإن كان الأصيلي استوطن الأندلس بعد رجوعه من رحلته، والفاسي أقام بالقيروان ردحاً طويلاً من حياته. إلا إننا نذكرهما كعامين من أعلام هذا العصر البارزين. راس بن إسماعيل هو أبو ميمونة دراس بن إسماعيل الفاسي، كان اسمه، كثير الدرس . سمع من شيوخ فاس، ورحل إلى المشرق، فحج وجال في الأندلس وأفريقية، ولقي جماعة من العلماء. روى الحديث وقرأ الفقه، وسمع بإفريقية من أبي بكر بن اللباد وغيره وبالأندلس من شيوخها. ولقي علي بن أبي مطر بالإسكندرية، وسمع منه كتاب ابن
следующие страницы →