وما ذاك عن بغض لها غير أنه ... يرجي سواها فهو يهوى انتقالها
وكان ظهور الدولة الفاطمية على مسرح السياسة المغربية سبباً لقيام نزاع كبير بينها وبين الأمويين أصحاب الأندلس؛ على المغرب. فما كانت تطفأ لظى الحرب بينهم إلا وتشعل من جديد. وقد لقي المغرب من جراء ذلك عنتاً شديداً. ثم قامت دولة مغراوة وبني يفرن فكانت دولة مغربية محضة، وإن لم ير المغرب على عهدها إلا الحروب الطاحنة والفتن الداخلية الماحقة؛ فكان عهداً مظلماً توقفت فيه جميع الحركات الناشئة من علمية وأدبية، وانقرض العمران، وكادت الفوضى تقضي على هذه البلاد؛ لو لم يتداركها الله بعبد الله بن ياسين مؤسس دولة المرابطين.
الوسط الفكري في هذا العصر
رأينا كيف تأخر فتح المغرب إلى ما بعد منتصف المائة الأولى للهجرة، وأنه لم يقره قراره بعد الفتح الأول، ولا سكنت ثائرته. بل سرعان ما قتل الفاتح في إحدى جولاته بمدن إفريقية، وعادت البلاد كلها إلى عهد الفوضى والاضطراب، مما دعا إلى تجريد حملة ثانية على هذا الإقليم بقيادة موسى بن نصير، رأبت منه الصدع ورتقت الفتق، وشغلت المغاربة إلى حين بالعبور إلى الأندلس والقتال في تلك البلاد التي كانت إلى الأمس القريب تستتبعهم وتتحكم فيهم.
وفيما بين هذين الفتحين كان كثير من المغاربة لم يفهموا حقيقة الدعوة الإسلامية ولم ينظروا إلى العرب إلا كما كانوا ينظرون إلى الرومان والروم وغيرهم، ممن وغل عليهم ودوخ أقطار هم من قبل قصد الاستغلال والاستئثار. ولقد قالت الكاهنة داهية لقومها: «إنما تطلب العرب من المغرب مدنه وما فيها من الذهب والفضة، ونحن إنما نريد المزارع والمراعي، فالرأي أن تخرب هـ ذه المدن والحصون ونقطع أطماع العرب عنها». وبالطبع فإن من يكون هذا رأيه في القوم لا يقبل ما أتوا به من شرع ودين، ولا يتأثر بما يحملونه من علم وعرفان.
ونقل عن ابن أبي زيد القيرواني أنه قال: ارتدت البربر اثنتي عشرة مرة،
стр. 37
من طرابلس إلى طنجة، ولا شك أن هذا الكلام إن أريد به الردة الحقيقية، فإنما يتنزل على أقوام من البربر لا على جميعهم، وإن أريد به الثورة والعصيان وشق العصا على الدولة، فهو صحيح في جملته. على أن الخلفاء والولاة الذين تتابعوا على حكم المغرب لما تنبهوا إلى وجوب تعليم المغاربة وتلقينهم مبادئ الدين الحنيف، فرتبوا لهم الأئمة والفقهاء يعلمونهم ويرشدونهم، أمنوا بعد ذلك من انتفاضهم وعرفوا السبيل إلى تفهيمهم حقيقة ما جاءوا به. ومن يومئذ لم تعد ثورات المغرب والحروب التي نشبت بعد، إلا تمرداً على الولاة الظالمين أو فتنة يوقدها ذوو الأغراض من الخوارج وأصحاب المطامع السياسية، ويستغلون فيها المغاربة البرءاء أسوأ استغلال.
وفي الحقيقة إن جناية الخوارج على المغرب لا تعادلها جناية، فإنها تسببت في انقسامه على نفسه، وتسليط بعضه على بعض، مما أدى إلى بقائه زهاء ثلاثة قرون طعمة النيران الحروب وميداناً لتجريب الحظوظ، وهو في كل ذلك إنما يزداد سوء حالة من ناحية انتشار الجهل وعدم الاستفادة، مما أتي به الفاتحون العرب، حملة الهداية الإسلامية ومنورو الشعوب.
وثمة عامل آخر، إلى جانب انعدام الاستقرار واضطراب الأمن، كان له أسوء الأثر في عدم استفادة المغاربة مبكراً من علوم العرب وآدابها وبطء نهضتهم وظهور المثقفين فيهم؛ ذلك هو أن المغرب لبعده عن مواطن العرب الأصلية أو التي توطنوها بعد الفتح الإسلامي، لم يتخذه العرب مقراً لهم ومسكناً؛ وإنما كانوا يحلون في إفريقية وعاصمتها القيروان، التي كانوا هم المنشئين لها والممصرين، أو يجتازونه إلى الأندلس، حيث يجدون أنفسهم في بلاد شبه مستقلة عن قاعدة الخلافة وطائلة السلطان. ولذلك ما لبث الجناحان المغربيان الشرقي والغربي، أن نهضا وحلقا، فتكونت في إفريقية الأغلبية، وفي الأندلس الأموية، حركات فكرية وأوساط علمية وأدبية راقية، بخلاف المغرب الذي لم يكن يستقر فيه إلا أفراد قلائل من الولاة العرب، أو بعض الجنود من جفاة الأعراب الذين ليسوا في قبيل ولا دبير من شؤون الفكر وحياة العلم والأدب. وهم مع ذلك قليل وقليل جداً؛ حتى إن جيش طارق بن زياد الذي فتح الأندلس لم يكن فيه إلا ثلاثمائة عربي أو ثلاثة عشر على الخلاف في ذلك، وهو اثنا عشر ألفاً. . . وقد علمت أن إدريس الثاني استقبل في سنة ١٨٩ هـ وفود العرب من بلاد إفريقية والأندلس وهم نحو الخمسمائة فارس فقربهم واستأنس بهم
стр. 38
لأنه كان فريداً بين المغاربة ليس معه عرب. . . وما هو خطر خمسمائة فرد في قطر بعد سكانه بالملايين? فلا جرم إذا بقي المغرب على جهله وتأخره ولم يسرع إلى التطور والتعرب والنقل عن أساتذته الجدد كما نقل عنهم أشقاؤه وجيرانه.
على أننا إن صورنا الحياة الفكرية في هذا العصر بهذه الصورة القائمة، فلا نمر بدون أن نشير إلى ذلك البصيص من النور الذي كان يومض خلالها أحياناً، منبعثاً من مصدر الإشعاع بفاس، أعني جامع القرويين. . . فمن المعلوم أن هذا المسجد الذي يعد أقدم جامعة علمية في العالم الإسلامي، قد أسس في هذا العصر، وبالضبط في سنة? ٤٥ هـ. وكانت التي بنته سيدة فاضلة من مهاجرة القيروان، تسمى أم البنين الفهرية.
ولما كانت المساجد في المجتمع الإسلامي تؤدي مهمتين: مهمة دينية، ومهمة ثقافية. إذ تلقى في أروقتها دروس في مختلف العلوم والفنون، فإنا نعتقد أن جامع القرويين منذ إنشائه كان مركزاً للدراسات الدينية والأدبية، التي لم تنقطع منه أبداً، وأن تأسيسه كان مبدأ الارتكاز للحياة الفكرية في المغرب، بالرغم من وجود مساجد أخرى سابقة له في فاس وغيرها. ولا أدل على ذلك من أن كبار علماء المغرب الذين عرفناهم، إنما نبغوا بعد التاريخ الذي شيد فيه ذلك المسجد العامر.
على أن مراكز ثقافية أخرى كانت تقوم في كل من سبتة وطنجة والبصرة (١) وأصيلاً. وهي باستثناء سبتة قد عرض لحركتها فتور أو اضمحلت بالمرة أثناء هذا العصر نفسه، وإن تخرج منها أعلام لهم مكانتهم في تاريخ الحركة الفكرية بالمغرب. إذا فقد كانت هناك دروس، وكانت هناك هيئة علمية، وإن كنا لا نعرف من خبر هذه الهيئة وأثر تلك الدروس إلا الشيء القليل.
ولعل أهم ما نسجله عن الحياة الفكرية في هذا العصر، التي قلنا أن تأسيس
стр. 39
جامع القرويين كان مبدأ الارتكاز لها في المغرب، هو ظهور المذهب المالكي في الفقه، وسيطرته على المذهب الكوفي الذي كانت له الصولة في المغرب، وبالتالي قضاؤه على المذاهب الأخرى التي كانت منتشرة في جهات مختلفة من هذا القطر؛ كالمذهب الخارجي الذي كانت تعتنقه إمارة بني مدرار في سجلماسة، والبرغواطي (١) الذي كان باض وفرخ في تامسنا والإعتزالي الذي كانت منتشراً هنا وهناك، كالشيعي الذي يقال إن قرنه طلع مع نشوء الدولة الإدريسية. وعلى كل حال فإن مذهب مالك لم يتوطد أمره في هذا العصر كمذهب فقهي فقط، ولكن كعقيدة أيضاً فإن التلازم بين طريقته في الفقه والاعتقاد، وهي اتباع السنة ونبذ الرأي والتأويل، مما لا يخفى.
وقد كان الفضل في اتجاه المغرب هذا الاتجاه الرجال من أبنائه البررة، أرادوا إشباع نهمتهم من العلم، فتحملوا عن ديارهم ومساقط رؤوسهم، وضربوا في طول البلاد الإسلامية وعرضها طلباً للمزيد من المعرفة ورغبة في سعة الرواية، ثم عادوا إلى وطنهم يتفجرون عاماً ويلتهبون إخلاصاً.
فأخذ عنهم من لم يستطع الرحلة من مواطنيهم، وقاموا جميعاً بتأسيس قواعد العلم ومعاهد الدين في مختلف أنحاء البلاد. وهؤلاء أمثال أبي هرون البصري، الذي كان أول من أدخل كتاب ابن المواز إلى الأندلس، وأحمد بن الفتح المليلي، ودراس بن إسماعيل، وجبر الله بن القاسم الفاسي، وأبي جيدة بن أحمد، وأبي محمد الأصيلي، وابن أبي غافر، وعيسى بن علاء السبتيين، وعيسى بن سعادة الفاسي الذي تنازعه الفقهاء والمحدثون لما توفي بمصر، كلهم يدعيه ويقول أنا أحق بالصلاة عليه، وابن سمحون الطنجي بالحاء المهملة، ومحمد بن يحيى الصديني وأولاده، وابن الزويزي الذي كان يضرب به المثل في صحة الفتيا، يقولون: لا أفعله ولو أفتاك
стр. 40
به ابن الزويزي، والقاضي ابن محسود، والحسن ابن علي الفاسي، وأحمد بن العجوز وولده عبد الرحيم وأحفاده، وخلف بن مسعود الرعيني المعروف بابن أمنية، وابن أبي مسلم الصدفي، وأحمد بن قاسم السبتي، وسلمان بن أحمد الطنجي الأستاذ في القراءات، وعثمان بن مالك فقيه فاس وزعيم الفقهاء في وقته. كتب عنه تعليق على المدونة هو من أقدم ما كتب المغاربة عليها، وأبي بكر بن زوبع السبتي وابن حمود الطنجي، له شعر في مناسك الحج، وعلي الهواري الفاسي، والحسن القرشي من أهل فاس، له كتاب سماه التصنيف، وحمزة بن يوسف الحرار منها، وابن التبان كذلك وابن يربوع السبتي، وابن أبي الربيع المكناسي، وعلي بن هرون الطنجي، وأيوب بن محمد فقيه المصامدة في وقته، وأبي القاسم بن محرز، وسليمان بن عذراء فقيهي المرابطين، وتونارت بن تيدي من فقهاء المصامدة أيضاً، ولمتاد بن بلين اللمتوني، الذي كان المثل يضرب بفتواه في الصحراء، وعثمان بن سعيد البصري، وكان يتفقه على طريقة أهل العراق وسعيد بن خلف الله البصري أيضاً، له جزء في مسائل من سؤالات أبي هرون البصري وصاحبه عبدالله بن يعيش لأحمد بن ميسر الإسكندراني، وقاسم بن محمد المعروف بابن الماموني، له كتاب المناسك وموسى بن ياسين، له كتب حسان، في الحساب والفرائض، وغيرهم ممن يطول تتبعهم.
ونترجم منهم هنا، د راس بن إسماعيل ، وأبا جمدة بن أحمد، وأبا محمد الأصيلي وابن العجوز، وأبا عمران الفاسي، وإن كان الأصيلي استوطن الأندلس بعد رجوعه من رحلته، والفاسي أقام بالقيروان ردحاً طويلاً من حياته. إلا إننا نذكرهما كعامين من أعلام هذا العصر البارزين.
راس بن إسماعيل
هو أبو ميمونة دراس بن إسماعيل الفاسي، كان اسمه، كثير الدرس . سمع من شيوخ فاس، ورحل إلى المشرق، فحج وجال في الأندلس وأفريقية، ولقي جماعة من العلماء. روى الحديث وقرأ الفقه، وسمع بإفريقية من أبي بكر بن اللباد وغيره وبالأندلس من شيوخها. ولقي علي بن أبي مطر بالإسكندرية، وسمع منه كتاب ابن
стр. 41
المواز، وحدث به بالقيروان، سمعه منه أبو محمد بن أبي زيد وأبو الحسن القابسي وغيرهما. ودخل أيضاً الأندلس مجاهداً وتردد بها في الثغر؛ فسمع منه أبو الفرج عبدوس بن خلف، وخلف بن أبي جعفر وغير واحد. . . وهو من أدخل مذهب مالك إلى المغرب، وكان الغالب على أهله مذهب الكوفيين. وكان ﵀ فقيهاً محدثاً حافظاً، من أهل الفضل والدين. ولما وصل إلى القيروان أطلع الناس من حفظه على أمر عظيم، حتى كان يقال ليس في وقته احفظ منه. وكان نزوله بها عند ابن أبي زيد. وله بفاس مسجد يعرف به بحي مصمودة، ويقال إن قبلته أقوم قبلة بفاس، وبه كان يدرس الفقه بعد رجوعه من المشرق. توفي ببلده سنة? ٥? هـ ودفن مخارج باب الفتوح منها، حيث بنيت عليه قبة جميلة. ويحكى أن أبا محمد بن أبي زيد القيرواني قدم فاساً لزيارته، فوجده قد توفي في ذلك اليوم فحضر جنازته وأقام بقبره ثلاثة أيام. وكان ذلك سبب زيارة القبور بفاس عدد تلك الأيام إلى الآن. ولما أراد الرحيل إلى بلده أنشد:
قف بالمقابر للتوديع يا حاد ... فإن في جوفها قلبي وأكبادي
أبو جبيده
هو أبو جبيدة بن أحمد اليزنسني من أهل فاس ، ومن كبار أهل العلم والفقه والصلاح بها. له رحلة إلى المشرق، لما رجع منها خرج أهل فاس كلهم للقائه، الرجال والنساء، فكان هؤلاء في ناحية وأولئك في ناحية، وذلك كله فرحاً به وإجلالاً له. واشتهر بفتواه في حكم أرض المغرب، التي أنقذ بها البلاد والعباد من سطوة الجبابرة. وذلك أن عامل المنصور بن أبي عامر لما تغلب على فاس قال لهم: أخبروني عن أرضكم أصلح هي أم عنوة؟ فقالوا لا جواب عندنا حتى يأتي الفقيه، يعنون أبا جيدة. . . وكان يعمل في بستان له خارج المدينة. فلما جاء سأله، فقال: ليست بصلح ولا عنوة، وإنما أسلم عليها أهلها فبقيت لهم. فقال العامل: خلصكم الفقه. وهذه الفتوى هي مضمون كلمة الرئيس الأميركي منرو «أمريكا للأميركيين» فقد سبقه إليها أبو جيدة بعدة قرون. . .
стр. 42
وكان أبو جيدة راسخ القدم في فقه مالك والشافعي معاً، وله تأليف في الوثائق على طريقة الشافعية. وتوفي ﵀ سنة? ٦٥ هـ ودفن خارج باب المسافرين، أحد أبواب فاس، حيث يوجد قبره في جامع هناك. وقد ترك الناس تسميتها القديمة وسموها باب سيدي بو جيدة اعترافاً بفضله وتخليداً لذكراه.
الأصيلي
هو أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن محمد الأصيلي الإمام المحدث الفقيه راوية البخاري. والأصيلي نسبة إلى أصيلا المغرب ، كما جزم به ابن الطيب الشرقي محشي القاموس، وأيده مرتضى في التاج. وقال: يدل له عده في الغرباء الطارئين على الأندلس. قال أبو الوليد بن الفرضي: «ومن الغرباء في هذا الباب عبد الله بن إبراهيم بن محمد الأصيلي من أصيلا، يكنى أبا محمد. سمعته يقول: «قدمت قرطبة سنة? ٤? فسمعت بها من أحمد بن مطرف وأحمد بن سعيد، وكانت رحلتي إلى المشرق في محرم سنة? ٥? ودخلت بغداد فسمعت بها من أبي بكر الشافعي وأبي بكر الأبهري» وقال في الديباج، «وحج فلقي بمكة سنة ٥٣ أبا زيد المروزي، وسمع منه البخاري، وأبا بكر الآجري، وبالمدينة قاضيها أبا مروان المالكي. وحدث عن الدارقطني، واضطرب في المشرق نحو ثلاثة عشر عاماً، وسمع ببغداد عرضته الثانية في البخاري من أبي زيد، وسمعه أيضاً من أبي أحمد الجرجاني وهما شيخاه في البخاري وعليها يعتمد» ثم انصرف إلى الأندلس فقرأ عليه الناس كتاب البخاري وانتهت إليه الرئاسة بها، فولي قضاء سرقسطة وقام بالشورى مدة في قرطبة وغيرها. وصنف كتاب الآثار والدلائل في خلاف مالك وأبي حنيفة والشافعي، وكان من "حفاظ مذهب مالك. ومن أعلم الناس بالحديث وأبصرهم بعلله ورجاله، وتوفي يوم الخميس ١٩ ذي الحجة ٣٧٢.
ابن العجوز
عبد الرحيم بن أحمد الكتامي المعروف بابن العجوز يكنى أبا عبد الرحمن من أهل سبتة . كانت له ولأبيه في قومه كتامة، وفي المغرب رياسة بالعلم، وإليه كانت الرحلة في
стр. 43
المغرب في وقته، وعليه كانت تدور الفتيا. وله عقب نجباء في العلم، عبد العزيز وعبد الرحمن وعبد الملك. رحل عبد الرحيم إلى الأندلس وإفريقية ولازم أبا محمد بن أبي زيد واختص به وسمع منه كتاب النوادر والمختصر وغيرهما، وسمع من دراس ابن إسماعيل وأبي محمد الأصيلي ووهب بن ميسرة الحجازي. وكانت رحلته في نحو الثمانين وثلاثمائة. أخذ عنه الناس بسبتة علماً كثيراً وتفقهوا عليه وسمعوا منه. وكان من حفاظ المذهب العالمين به. روى عنه أبو القاسم بن المأموني وغيره من فقهاء سبتة وفاس وتوفي سنة ٤١٣.
أبو عمران الفاسي
موسى بن عيسى بن أبي حاج الغفجومي نسبة إلى غفجوم، فخذ من قبيلة زناتة . كان بيته بفاس بيتاً معروفاً مشهوراً، يعرفون ببني حاج، وله عقب، وكان فيهم نباهة. وإليه ينسب درب أبي حاج بالطالعة من المدينة المذكورة. استوطن القيروان وحصلت له بها رئاسة العلم، وتفقه بأبي الحسن القابسي، ورحل إلى قرطبة فتفقه بها عند الأصلي وسمع من أبي عثمان وعبد الوارث وأحمد بن قاسم وغيرهم. ورحل إلى المشرق وحج ودخل العراق، فسمع من الفتح بن أبي الفوارس وأبي الحسن المستملي. ودرس الأصول على القاضي أبي بكر الباقلاني، ولقي جماعة وسمع من أبي ذر. قال حاتم بن محمد: كان أبو عمران من أحفظ الناس وأعلمهم، جمع حفظ المذهب المالكي إلى حديث النبي ﷺ ومعرفة معانيه. وكان يقرأ القرءان بالسبع ويجوده، مع معرفته بالرجال وجرحهم وتعديلهم. أخذ عنه الناس من أقطار الأندلس والمغرب واستجازه من لم يلقه. وألف كتاب التعاليق على المدونة وخرج عوالي حديثه في نحو مائة ورقة. قال حاتم بن محمد: ولم ألق أحدة أوسع علماً منه ولا أكثر رواية. وذكر أن الباقلاني كان يعجبه حفظه ويقول: لو اجتمعت في مدرستي أنت وعبد الوهاب (١) - وكان إذ ذاك بالموصل - لاجتمع عندي علم مالك، أنت تحفظه وهو ينظره. وفي كتاب بيوتات فاس لابن الأحمر أن الطغاة من أهل فاس العاملين عليها
стр. 44
لمغراوة أخرجوه منها لأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وهو يفيد أنه استقر بفاس بعد رجوعه من رحلته، ثم خرج منها مضطراً.
وتوفي في سنة ٤٣٠ وهو ابن ٦٥ سنة.
***
هذا في الناحية العلمية، وفي الناحية الأدبية، يمكن أن نشير إلى هذه الظاهرة العجيبة التي تتمثل في استعراب جميع قبائل الشمال المغربي، ما عدا الريف بحيث تنوسيت فيها البربرية تماماً. ويقال إن الفضل في ذلك يرجع للأدارسة الذين آووا إليها بعد خروجهم من فاس وأسسوا بها دولتهم الثانية على يد القاسم كنتون منهم، تلك الدولة التي كانت قصبتها في قلعة حجر النسر يجبل سماتة (١). ولا يبعد ذلك على النظر، فإن اكتناف هذه القبائل بمدينة سبتة وطنجة وأصيلا والبصرة، وكلها كانت مراكز حركة أدبية نشيطة، مما يقوي بواعث هذا الاستعراب. ولعل أقوى الأدلة على صحة هذا القول، هو انتشار السلالة الأدريسية في هذه القبائل انتشاراً لا يوجد له نظير في ناحية أخرى من نواحي المغرب. وهو دليل باق إلى الآن، يحملنا على القول إن تأثير الأدارسة في استعراب البربر وتطورهم الفكري أكثر مما نظن.
فاذا ذهبنا نقيس عملهم في هذا الباب بعمل أمراء نكور (٢) أبناء صالح بن منصور، وقد تأسست هذه الإمارة في الريف قبل قيام الدولة الأدريسية وبقيت
стр. 45
إلى ما بعد انقراضها، نجد أنه لا نسبة بينهما في ذلك؛ وهذا الريف ما يزال بالبربرية لحد الآن.
وباستثناء هذه الظاهرة التي نسجلها بكل ارتياح، نرى أن الغموض يساور الناحية الأدبية في هذا العصر أكثر من الناحية العلمية. فإذا استطعنا أن نعد أفراد من العلماء ونترجم لهم ولو على سبيل الإجمال، فإننا لا نستطيع ذلك بالنسبة إلى الأدباء. وغاية ما يمكننا أن نفعله هو أن نذكر أسماء بعض هؤلاء الأدباء الذين ورد ذكرهم عرضاً في الكتب وفي المنازعات السياسية أو المذهبية بسبب بيت أو بيتين من الشعر الذي يرويه لنا هذا المؤلف أو ذاك؛ على أنه ما قيل في الموضوع.
ولعل من ألمع هذه الأسماء وأشهرها في هذا المعنى اسم إدريس الثاني ثم ولده القاسم، وعبيد الله بن يحيى بن إدريس، والحسن الحجنام، وإبراهيم المؤبل وعبدالله الكفيف الطنجي وسعيد بن هشام المصمودي وإبراهيم بن محمد الأصيلي، وإبراهيم ابن أيوب النكوري. وسوف نورد لبعضهم في الجزأين الثاني والثالث بعض الآثار.
стр. 46
عصر المرابطين
стр. 47
سياسة الدولة
في ذاك الجو السياسي المضطرب الذي خضع له المغرب مدى ثلاثة قرون أو تزيد، ومن صميم الشعب المغربي الذي سئم حياة الفوضى والقلق، قام الرجل الذي رسم لهذه البلاد خطة العمل، وقاد أهلها إلى قرارة المجد ومستوى العظمة، فعرفوا واجبهم من يومئذ وما تخلفوا عنه قط. وكان الرجل تلميذاً غير مباشر للشيخ أبي عمران الفاسي السابق الذكر، والذي نفته السلطة الغاشمة من بلده فاس لأمره بالمعروف ونهي عن المنكر. فنحن إذاً بإزاء خريج لتلك المدرسة الإصلاحية التي لم يتح لها أن تقوم بدورها في أرض الوطن فأدته من بعيد على أحسن الوجوه.
ويتعلق الأمر بأحد زعماء قبيلة صنهاجة العظيمة وهو يحيي بن إبراهيم الكدالي، فإنه لما حج ومر في طريق عودته بالقيروان، اجتمع بأبي عمران هذا وتحدث إليه عن سوء الحالة الاجتماعية بالمغرب وما عليه القبائل من الجهل بأصول الدين وفروع الشريعة. فبعث معه بكتاب إلى تلميذه واجاج بن زلو اللمطي وكان فقيهاً صالحاً وإقامته بمدينة نفيس بالجنوب المغربي، يأمره فيه أن يبعث معه من تلاميذه من يصلح للدعوة والإرشاد، ويصبر على لأواء الصحراء. ولحسن الحظ فقد وقع اختياره على تلميذ من الحذاق الأذكياء الفقهاء النبلاء أهل الدين والفضل والتقى والورع والأدب والسياسة والمشاركة في العلوم، كما وصفه ابن أبي زرع، هو عبد الله بن ياسين الجزولي؛ فخرج مع يحيى بن إبراهيم حتى وصل بلاد كدالة من قبائل صنهاجة، وهم ولمتونة إخوة يجتمعون في أب واحد. وكانوا يسكنون آخر بلاد الإسلام، ويحاربون السودان، ويليهم من جهة المغرب البحر المحيط (١).
стр. 48
دخل عبدالله بن ياسين بلاد صنهاجة بقصد تعليمهم القرآن وتفقيههم في الدين فوجد القوم على جهل مطبق لا يفرقون بين حلال وحرام، ليس معهم من الإسلام إلا الشهادتان ويتزوجون أكثر من أربع نسوة، فجعل يقرئهم القرآن ويبين لهم شرائع الإسلام ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فثقلت وطأته عليهم ونفرت منه قلوبهم، وحدث أن مات حاميه والذاب عنه الزعيم يحيى بن إبراهيم فتوفرت الأسباب على منابذته والإعراض عنه، فخرج مع من ثبت منهم على دعوته إلى رباط ناء في أقاصي الصحراء حيث أقاموا يعبدون الله ويطبقون تعاليم دينه. . وقيل إن يحيى بن إبراهيم كان ممن خرج معه إلى هذا الرباط بعد أن تنكر له قومه ونبذوا طاعته ولم يمت إلا بعد ذلك. وأياً كان فإنهم ما لبثوا هنالك إلا قليلاً حتى تسامع بهم الناس فكثر عليهم الوارد ونزع إليه التوابون ممن جفوه قبل. وبلغ عدد من اجتمع عليه من أشراف صنهاجة نحو ألف رجل، فسماهم هو أو سماهم الناس «المرابطين»، من أجل ملازمتهم لذلك الرباط.
ولم يزل عبد الله بن ياسين مقيماً برباطه على الحالة التي وصفناها حتى قويت جموعه وكثرت وفوده، فندبهم إلى جهاد من خالفهم من قومهم وقال لهم: «يا معشر المرابطين! إنكم جمع كثير، وأنتم وجوه قبائلكم، ورؤساء عشائركم، وقد أصلحكم الله تعالى وهداكم إلى صراطه المستقيم فوجب عليكم أن تشكروا نعمته عليكم، وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر وتجاهدوا في الله حق جهاده. فقالوا له: أيها الشيخ المبارك؛ مرنا بما شئت تجدنا سامعين، ولو أمرتنا بقتل آبائنا لفعلنا. فقال لهم: «اخرجوا على بركة الله وأنذروا قومكم وخوفوهم عقاب الله وابلغوهم حجته؛ فإن تابوا ورجعوا إلى الحق وأقلعوا عما هم عليه فخلوا سبيلهم؛ وإن أبوا من ذلك وتمادوا في غيهم ولجوا في طغيانهم استعنا بالله تعالى عليهم وجاهدناهم حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.
وقد كان هذا هو دستور الدولة المرابطية الذي سارت عليه منذ قيامها، وقانونها الأساسي الذي لم تجد عنه قط. إنها قامت لإصلاح الفساد وتطهير المجتمع من عوامل الشر ونشر الفضائل الدينية وتطبيق الشريعة الإسلامية كما جاء بها صاحب الرسالة ﷺ . وهي كما عملت وفق هذه المسطرة في قبائل المغرب التي أفسدها الدعاة والخوارج من أصحاب البدع والنزعات الضالة، حتى أنقذ الله بها هذا القطر
стр. 49
من الهاوية التي كان قد تردى فيها، فإنها قد سارت على نفس المسطرة لما أصبحت مدعوة إلى القطر الأندلسي الذي أفسده تحلل ملوك الطوائف من كل الالتزامات الدينية والسياسية وانغراس أهله في الملاهي والملذات.
ولقد عمل المرابطون مع عبدالله بن ياسين على تثبيت دعائم الإسلام في بلاد صنهاجة أولاً ثم في بقية البلاد كسجلماسة ودرعة وسوس، إذ كانت على ما كان عليه أهل صنهاجة من الجهل والزيغ والفساد. وكان عبد الله يرتب العمال في كل البلاد التي يحل بها ويأمر بإقامة العدل وإظهار السنة وأخذ الزكاة والعشر من القبائل وإسقاط ما سوى ذلك من المغارم التي طالما كانت السبب في تمردهم وانحرافهم عن الجادة. وقاتل في مدينة تارودانت قوماً من الروافض يقال لهم البجلية، منسوبين إلى عبد الله البجلي الرافضي، كان قدم إلى سوس حين قدم عبيد الله الشيعي إلى إفريقية، فأشاع هنالك مذهبه فور ثوه بعده جيلاً عن جيل، لا يرون الحق إلا ما في أيديهم، فطهر تلك الناحية من بدعتهم وردهم إلى السنة. كما قاتل برغواطة ببلاد تامسنا الساحلية المعروفة اليوم بالشاوية، وكانوا أهل نحلة فاسدة وزيغ عن الدين.
وفي أثناء المعركة التي انتهت باستئصال شافتهم، توفي ﵀ شهيدة مبروراً، وقد قضى في تربية المرابطين وإعدادهم للمهمة العظمى التي قاموا بها مدة حكمهم للمغرب؛ إحدى وعشرين سنة، لأن دخوله للصحراء مع يحيى بن إبراهيم كان سنة ٤٣٠ واستشهاده كان سنة ٤٥١، وهي مدة لا تعد شيئاً إذا قسناها بالنتائج التي حصلت فيها. فقد طهر المغرب من الظلم والفساد، وتوحدت أقاليمه بعد طول الفرقة، وقطع دابر الخلاف المذهبي والسياسي الذي كان سبباً في كثير من الحروب الداخلية العنيفة، وتمحضت جهود المغاربة من يومئذ لبناء مستقبل بلادهم وإحلالها المحل اللائق بها بين بقية بلاد الإسلام والعروبة.
وكان بلي أمر المرابطين حين وفاة ابن ياسين الأمير أبو بكر بن عمر اللمتوني الذي لم يلبث أن سلم سلطاته لابن عمه يوسف بن تاشفين وانقطع هو إلى الجهاد في بلاد السودان مع الإشراف على شؤون الصحراء.
وكان يوسف ذا همة عالية وحزم وعزم؛ فلما أسند إليه الأمر عزم على تصفية ملك المغرب وانتزاع ما بقي منه بيد مغراوة وبني يفرن. وهكذا استولى على
стр. 50
فاس ونقل كرسي المملكة منها إلى مراكش التي بناها سنة ٤٥٤ ثم طمح إلى تملك المغرب الأوسط فلم ينشب أن أخذ عاصمته تلمسان من يد مغراوة، ثم افتتح مدينة تنس ووهران وجبل وانشريس وجميع أعمال شلف إلى الجزائر. وفي سنة ٤٧٥ كان قد صفاً له أمر المغربين معاً. ثم إن مستخلفه الأمير أبا بكر بن عمر كان قد مضي إلى الصحراء يجاهد في سبيل الله حتى بلغ حدود السودان ونهر النيجر، ولما توفي سنة ٤٨٠ دخلت هذه البلاد كلها في طاعة يوسف، فعظم بذلك أمره وذاع صيته في البلاد. ومن ثم توجهت إليه أنظار أهل الأندلس وتعلقت به آمالهم في النجدة والإنقاذ.
وكانت بلاد الأندلس منذ سقوط الدولة الأموية، تخضع لملوك الطوائف الذين تنازعوا النفوذ فيما بينهم، واستبدوا بولاياتها المختلفة. ولم يكن عندهم غناء في دفاع العدو المغير، لتفرق كلمتهم وانهماكهم في اللهو والمجون، على حين أن عدوهم آخذ لهم بالمرصاد، يستخلص منهم الجزية لقاء الكف عن قتالهم، ولا يفتأ يتنقص بلادهم من أطرافها مهدداً لهم بالاكتساح الشامل عند أول فرصة. وذهاباً مع الغاية في التهديد قام الفنس السادس ملك قشتالة برحلة جاس فيها خلال ديار ملوك الطوائف حتى وصل إلى ساحل المحيط من شاطئ مدينة طريف وأقحم بفرسه في اليم وقال هنا يجب أن انتهي بجنودي. وقد هلع المسلمون لذلك أشد الهلع وأيقنوا بالخطر الداهم إن لم يتداركهم الله بلطفه، وليأسهم من ملوكهم فإنهم لم يكونوا ينتظرون الغوث إلا من الخارج وقد فكر أهل قرطبة في الاستنجاد بعرب إفريقية، فقال لهم قاضيهم أبو بكر بن أدهم: «أخاف إذا وصلوا إلينا أن يخربوا بلادنا كما فعلوا بإفريقية ويتركوا الفرنج ويبدأوا بنا. والمرابطون أصلح منهم واقرب إلينا». وشعر ملوك الطوائف بانحراف رعاياهم عنهم وسوء رأيهم فيهم وتشوفهم إلى المرابطين، فلم يسعهم تحت ضغط الرأي العام إلا استصراخ يوسف بن تاشفين والاحتماء به من العدو المشترك. وهكذا عبر المعتمد بن عباد ملك إشبيلية إلى العدوة، فلقي يوسف وأبلغه رغبة أهل الأندلس في الجواز إليهم ونصرتهم على عدوهم؛ فما كان منه إلا أن لبي دعوتهم واستنفر الجيوش والمقاتلة إلى الجهاد. وعبر البحر إلى الأندلس؛ فلقيه أهلها وملوكها وعلى رأسهم. المعتمد بن عباد والمتوكل بن الأفطس وغيرهما. ونازل الفنس السادس وجيشه العظيم بسهل الزلاقة من ناحية بطليوس فانتصر عليه وهزمه شر هزيمة حيث لاذ بالفرار في ثلة من الجند مستتراً تحت جناح الظلام.
стр. 51
وكانت هذه الواقعة الحاسمة في يوم الجمعة ١٥ رجب ٤٧٩ هـ. وتعرف بالزلاقة، وبها تنفس الأندلسيون الصعداء وامنوا على أنفسهم ودينهم. ولما انتهت المعركة اجتمع ملوك الطوائف، واقبلوا على يوسف يهنونه بالفتح المبين، وحيوه بإمرة الإسلام فصار يدعى أمير المسلمين من ذلك اليوم، وهو أول من تلقب به من ملوك الإسلام فيما نعلم، ولم يجرؤ هو ولا أولاده من بعده أن يتلقوا بأمير المؤمنين تأدباً مع خليفة بغداد، وإن كانوا قد بلغوا في قوة النفوذ والسلطان ما لم يكن للخليفة منه قليل ولا كثير.
ورحل يوسف إلى المغرب بعد ما ترك قطعة من جيشه تحت تصرف ملوك الأندلس لحماية الثغور ودفاع العدو، ولكن هؤلاء سرعان ما راجعوا حياتهم العابثة، وعادوا إلى التناحر فيما بينهم وضيعوا الجند وعرضوا بلادهم للفقد من جديد. فجاء الصريخ إلى يوسف من فقهاء الأندلس وأعيانها وعامتها فأسرع إليهم، وكان العدو قد أخذ في الانقضاض على بلاد الإسلام، فأوقفه عند حده، وقضى على ملوك الطوائف وضم بلاد الأندلس إلى المملكة المغربية، وبذلك أنقذها من الاضمحلال ومن المصير الذي لقيته بعد نحو أربعة قرون.
وتوج يوسف حياته الحافلة بتاج الصدق والإخلاص فأعلن انضواءه تحت لواء الخلافة الإسلامية وكتب للخليفة العباسي أحمد المستظهر بالله يبايعه ويطلب منه تقليداً على ما بيده من أعمال الأقاليم فأجابه لذلك وخاطبه بأمير المسلمين، وناصر الدين. وكان رسوله إلى الخليفة الفقيه عبد الله بن محمد بن العربي المعافري الإشبيلي وولده القاضي أبا بكر بن العربي الإمام المشهور. وبعد ورود التقليد عليه من الخليفة ضرب السكة باسمه ونقش على الدينار «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وتحت ذلك أمير المسلمين يوسف بن تاشفين. وكتب على الدائرة «ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين» وكتب على الصفحة الأخرى «عبد الله أحمد أمير المؤمنين العباسي» وعلى الدائرة تاريخ ضربه وموضع سكته. وطار ليوسف بهذه السياسة الحكيمة والسيرة النيرة ذكر جميل في أقطار المشرق والمغرب، حتى خاطبه أقطاب الفكر في العالم الإسلامي حينئذ، من أمثال الإمام الغزالي والقاضي أبي بكر الطرطوشي. ويقال إن الغزالي كان عقد النية على زيارته فتوفي يوسف قبل أن يتهيأ له ذلك.
стр. 52
وقد رد يوسف بسياسته هذه المغرب إلى أحضان الجامعة الإسلامية بعد أن كان الولاة قبله قد اقتطعوه من جسمها. . وتلك ولاشك خطة مستمدة من تعاليم عبد الله بن ياسين التي كان يلقيها إلى تلاميذه المخلصين ومنهم يوسف بن تاشفين الذي قام عليها أصدق قيام. ولو كان ملوك الإسلام يحملون مثل هذا الشعور الذي كان بحمله يوسف، ويسيرون بهذه السيرة التي سار عليها لما تفككت عرى المملكة الإسلامية، ولما صار المسلمون بعد ذلك خولاً للأجانب تتداولهم أيدي الاستعمار في الشرق والغرب؛ فهم لا ينقذهم من سيطرة الأغيار إلا هذه السياسة الرشيدة التي هي سياسة الجامعة الإسلامية.
يوسف والمعتمد
من الثابت تاريخياً أن يوسف بن تاشفين لم يعد إلى الأندلس بعد معركة الزلاقة ويستخلص هذا القطر من أيدي ملوك الطوائف إلا بعد أن كتب إليه العلماء والخاصة والعامة يناشدونه الله ورابطة الإسلام أن يبادر لإنقاذهم من سيطرة ملوك السوء الذين انصرفوا بعد رجوعه للمغرب، إلى لهوهم ومجونهم وأغفلوا نصائحه في نبذ التخالف والتدابر، وأهملوا أمر الجند وضنوا عليه بالمؤونة، فأصبحت البلاد من جديد معرضة لحملات أعدائهم اليقظين المنتهزين للفرص. وحضه علماء المغرب وساسته وقواده وزعماء الرأي فيه على تلبية طلب هؤلاء، فتردد في الأمر وبقي يقدم رجلاً ويؤخر أخرى. ثم كتب إلى علماء المشرق وعلى رأسهم يومئذ حجة الإسلام الغزالي فأفتوه بوجوب المسارعة إلى ذلك، وإلا فيكون مؤاخذاً أمام الله والناس والتاريخ.
فلما رأى إجماع الأمة، علمائها وساستها ورجال الحرب فيها على رأي واحد، عزم متوكلاً على الله وسار إلى الأندلس أما أهلها فتلقوه بالفرح والسرور، وأما هؤلاء الملوك المعبر عنهم ملوك الطوائف: فمنهم من القى القياد ولم يدفعه الهوس إلى التهور في القتال غير المجدي؛ ومنهم من تعنت واستحدث من الضعف قوة لم يكن يستحدثها في محاربة من كان يؤدي إليهم الخراج من ملوك النصرانية، فكاشف جيش المرابطين بالعداء وناشبه القتال. وكان من بين هؤلاء المتوكل بن الأفطس صاحب بطانيوس الذي جنب إلى مصرعه فانتهى حديثه من يومئذ، والمعتمد بن عباد
стр. 53
الشاعر الغزل الرقيق الذي أوصى يوسف رجاله بالعناية به فأبقوا عليه، ولكنه ملأ الدنيا بكاء وعويلاً! . .
وهل تدري ما فعل به بعد؟ لقد كانت معاملته له بحيث لو لم يتفق المؤرخون على روايتها لقلت إنها من المستحيل على ملك بربري متوحش، كما يطيب لكثير من كتابنا وأدبائنا المهذبين أن يصفوه. لقد عامله بما لم تعامل به أوروبا الحديثة نابليون العظيم (١) وشتان بين نابليون والمعتمد! لقد أرسله إلى طنجة عروس المغرب، فلبث فيها ثم في مكناس شهوراً إلى أن فرغ الفاتح من أعماله وتقرر مصيره في أغمات. لا تقل وما أغمات? وأين تجيء أغمات من إشبيلية? فلم تكن أغمات إحدى القرى المهجورة في بلاد الصحراء والجزر المنقطعة في ظلمات المحيط، فهي كانت عاصمة الدولة قبل بناء مراكش، ويقول المؤرخون عنها أنها مدينة كبيرة في ذيل جبل كثير الأشجار والثمار والأعشاب والنباتات. ونهرها يشقها وعلى النهر أرحية كثيرة تدور صيفاً، وفي الشتاء يجمد النهر ويمر عليه الناس والدواب. وأهلها ذوو يسار وأموال، ولهم على أبوابهم علامات تدل على مقادير أموالهم. زاد ياقوت: وليس بالمغرب فيما زعموا بلد أجمع لأصناف الخيرات ولا أكثر ناحية ولا أوفر حظاً ولا خصبة منها.
وفي كلتا المدينتين طنجة وأغمات لم يكن بمنزلة المحبوسين السياسيتين التي نعرفها في هذا العصر، بل كان مطلق الحرية ليس عليه أدنى حجر، ولا على من يريد زيارته والوصول إليه. وقد اجتمع به شعراء طنجة وأدباؤها وطارحوه أحاديث الشعر والأدب كما وفد عليه جل أدباء الأندلس وهو في أغمات، وكانوا يقضون معه الأوقات الطويلة. وكذلك غيرهم من كل من يمت له بصلة أو يدلي إليه بسبب، وحسبك أنه استدعى ذات مرة طبيب يوسف الخاص لمعالجة بعض حريمه فلبى هذا طلبه، ولو علم كراهية يوسف لذلك لما أقدم عليه.
فليت شعري ماذا ينكر أصحابنا من هذه المعاملة التي هي في منتهى التسامح
стр. 54
مع رجل أقل ما يقال فيه أنه أعطي ملكاً فلم يحسين سياسته، وقد أنكر شعبه تصرفاته، وعرض الفردوس العربي للفقد في منتصف القرن الخامس الهجري بعبثه واستهتاره، ثم حمل السلاح على حماة البلاد الذين أنقذوها من السقوط في يد العدو على حين أنهم لم يفرغوا بعد من لم شعثها ورأب صدعها؟ !
إننا مهما تملكتنا الأريحية الأدبية وأخذ منا الجمال الفني واستحوذ علينا الخيال الشعري، لا يبلغ بنا ذلك إلى حد إهمال شخصيتنا والتهاون في حفظ كياننا، فنفضل قول بيت من الشعر على إنقاذ مملكة من أزهى ممالك العرب والإسلام وأوسعها وأغناها وأعظمها حضارة وعمراناً ورقياً. .!
ليس يبلغ بنا استهواء المظاهر الحضارية الخلابة، والبذخ والترف، ومجالس اللهو والطرب، وعزف القيان وغناء الندمان، وتطيين البساتين بالمسك والعنبر) (١) وتشديد القصور وزخرفة الدثور إلى الاستكانة للذل والصغار وأداء الجزية التي يوجب الإسلام والشرف أخذها لا إعطاءها. ففي الحقيقة إن عمل يوسف جليل، وجليل جداً، وفوق ما يظنه الظان ويقدره أولئك الكتاب والأدباء الخياليون. والإسلام والمدنية والعالم كلها مدينة ليوسف بن تاشفين وممنونة له بإنقاذ الأندلس وبقائها في يد العرب مدة أربعة قرون أخرى. ومن المحقق أنه لو لم يسارع يوسف إلى إنقاذ الأندلس في ذلك الحين لما وجد ابن رشد ولا ابن طفيل ولا أبناء زهر ولا ابن العربي ولا ابن الخطيب ولا، ولا، ممن أنجبتهم تلك الجزيرة من رجال العلم والفلسفة في حياتها الثانية التي كان يوسف سبباً فيها، فضلاً عن غيرهم من رجال الدين والأدب الذين ازدهرت على أيديهم تلك الحضارة العديمة النظير. وهذا مما لا يشك فيه أحد، وإنما ألمعنا إليه هنا وإن لم يكن من موضوعنا لننبه على غلط أولئك الذين اندفعوا في تغليب أهوائهم وتحكيم عواطفهم ورموا المجاهد العظيم يوسف بن تاشفين بما أملاه عليهم تعصبهم للمعتمد بن عباد من صفات ذميمة وألصقوه به من تهم باطلة، ولو كانوا حقاً ذوي غيرة على دولة الأدب والشعر، لوجهوا حملاتهم العنيفة إلى من كان يعمل على هدم كيانها وتعفية أثرها في ذلك القطر العزيز بالتمهيد لاستيلاء العدو عليه
стр. 55
وإجلاء العرب عنه كما صار في نهاية القرن التاسع الهجري فذهبت ريح العروبة والإسلام منه إلى الآن، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
ويحلو لنا أن نختم هذا الفصل بكلمة في الموضوع للعلامة الناصري صاحب الاستقصا فإنه قد شعر أيضاً بهذه الحملة المدبرة ضد أمير المسلمين فكتب قائلاً: وأعلم أنه قد يوجد هنا لبعض المؤرخين حط من رتبة أمير المسلمين وغض عليه: إما في كونه بربرياً من أهل الصحراء بعيداً عن مناحي الملك والأدب ورقة الحاشية؛ وإما في كونه تحامل على ملوك الأندلس حتى فعل بهم ما فعل وذلك حيث عاين حسن بلادهم ورفاهية عيشهم. . وأعلم أن هذا الكلام جدير بالرد، وأصله من بعض أدباء الأندلس الذين كانوا ينادمون ملوكهم ويستظلون بظلهم ويغدون ويروحون في نعمتهم، فحين فعل أمير المسلمين بسادتهم ورؤسائهم ما فعل، أخذهم من ذلك ما يأخذ النفوس البشرية من الذب عن الصديق والمحاماة عن القريب حتى باللسان، وإلا فقد كان أمير المسلمين ﵀ من الدين والورع على ما قد علمت، ومن ركوب الجادة وتحري طريق الحق على الوصف الذي سمعت، وهذا ابن خلدون إمام الفن ومتحري الصدق قد نقل أن ملوك الأندلس كانوا يظلمون رعاياهم بضرب المكوس وغيرها، ثم وصلوا أيديهم بالطاغية وبذلوا له الأموال في مظاهرته إياهم على أمير المسلمين؛ ثم لم يقدم على قتالهم واستنزالهم عن سرير ملكهم حتى تعددت لديه فتاوى الأئمة الأعلام من أهل المشرق والمغرب بذلك. قافهم هذا واعرفه، والله تعالى يقابل الجميع بالعفو والصفح الجميل بمنه وكرمه».
الحياة الفكرية في هذا العصر
لقد آن للبحث العلمي أن ينصف دولة المرابطين ويقول فيها كلمة عادلة لا تتأثر بعصبية بلدانية ولا بمحمية دينية. فقد رأينا كيف كان التشيع للأندلس سبباً في تشويه شخصية يوسف بن تاشفين من بعض الكتاب والأدباء حتى أدى الحال إلى تجاهل عمله العظيم في إنقاذ ذلك القطر العزيز من المصير المؤسف الذي صار إليه فيها بعد. ونجد بعض المؤرخين المسيحيين من أمثال المستشرق الهولندي رينهيرت
стр. 56
دوزي (١) يصبون جام غضبهم على المرابطين ودولتهم، ويجعلون مبدأ اضمحلال الأندلس من تاريخ استيلاء الدولة المرابطية عليها، ناسين أو متناسين أن اضمحلال الأندلس سياسياً إنما كان السبب الأول فيه تكالب النصارى على المسلمين وإذكاء نار الحرب عليهم بلا هوادة، منذ اليوم الذي وطئت فيه أقدامهم أرض شبه الجزيرة. وقد شعر الأندلسيون أنفسهم بالخطر الذي كان يتهددهم قبل عبور المرابطين إليهم، وعبر شاعرهم عن ذلك أصدق تعبير في هذه الأبيات البليغة التي قالها عند سقوط مدينة طليطلة في يد عدوهم وهي:
شدوا رواحلكم يا أهل أندلس ... فما المقام بها إلا من الغلط
ألثوب ينسل من أطرافه وأرى ... ثوب الجزيرة منسولاً من الوسط
من جاور الشر لا يأمن بواثقه ... كيف الحياة مع الحيات في سفط؟
فمن الحق أن يقال إن المرابطين هم الذين مدوا حياة الأندلس السياسية وأبقوها في قبضة الإسلام زهاء أربعة قرون أخرى، وهذا هو ما يغيظ المستشرق دوزي ومن سلك سبيله في التحامل على الدولة المرابطية.
أما اضمحلال الأندلس معنوياً فليس هناك من ينكر أن الازدهار الذي عرفته في أيام المرابطين، ثم الموحدين بعدهم، يكاد يفوق ما كان لها منه في أيام الخلفاء وملوك الطوائف وخاصة في ميدان العلوم والآداب. إن معظم أعلام الفلسفة والطب الأندلسيين، هم ممن عاشوا في هذا العصر أو نبغوا بعده بقليل. فأبو بكر بن باجة المعروف بابن الصائغ الفيلسوف والطبيب والموسيقار هو من أظلته دولة المرابطين وخدم رجاها بعلمه وفنه. وأبو الوليد بن رشد وأبو بكر بن طفيل وأبناء زهر هم
стр. 57
ممن نبغوا في أعقاب هذا العصر وانتشرت معارفهم في العصر الموحدي الذي يليه. فالرشدية إذن، هذا المذهب الفلسفي الذي هو طابع الحياة الفكرية الأندلسية، إنما ظهرت في هذا العصر الذي يزعم صاحبنا أنه عصر اضمحلال الأندلس. وقل مثل ذلك أيضاً في الميمونية، وهي فلسفة موسى بن ميمون التي نسجت على منوال الرشدية في التوفيق بين العقل والدين بالنسبة لليهودية. وأعلام الفقه والتصوف مثل ابن رشد الكبير وأبي بكر بن العربي وابن عربي الحاتمي وابن سبعين هم كذلك من رجال هذا العصر أو عصر الموحدين. وكبار اللغويين والنحاة والمفسرين والمقرئين فضلاً عن مؤرخي الآداب، والشعراء والكتاب، الذين أنجبتهم الأندلس في حياتها الثانية بعد خضوعها لدولة المرابطين، هم ممن لا يأتي عليهم العد، ولا يتسع المقام حتى لذكر المشاهير منهم. فهل هذا هو الاضمحلال المتحدث عنه؟
نعم لقد اضمحلت قرطبة فذهبت تلك العبارة التي كانت بها على عهد الخلفاء، وخربت مدينة الزهراء التي أنشأها عبد الرحمن الناصر فامحت معها معالم حضارة باهرة، ولكن ذلك كان قبل دخول المرابطين إلى الأندلس، فمسؤوليته لا تقع عليهم.
ويعزو المستشرق الكبير تدهور الحياة الفكرية في الأندلس على عهد المرابطين والموحدين إلى تعصب الولاة واضطهادهم للعلماء، وهو أن كان يعني حادثة إحراق كتاب الإحياء للغزالي التي جرت على عهد المرابطين وما بدر من المنصور الموحدي من إساءة إلى الفيلسوف ابن رشد، فليت شعري كيف غفل عن اضطهاد ابن مسرة وإحراق كتب خليل بن عبد الملك المعروف بخليل الغفلة في عهد المروانية، وإحراق كتب الفلسفة والتعاليم اليونانية التي كانت في مكتبة الحكم من قبل المنصور بن أبي عامر، واضطهاد ابن حزم، وإحراق كتبه في دولة ابن عباد. ولماذا لم يعتبر ذلك نكسة للفكر وبدء اضمحلال الأندلس المعنوي؟
إن مثل هذه الأقوال التي هي أشبه بحديث خرافة منها بحديث العلماء: إن دلت على شيء فإنما تدل على نزعة خاصة أبعد ما تكون عن روح البحث والتحقيق، والواجب على المؤرخ الذي يحترم نفسه أن يترفع عن سفاسف الأقوال، ولا سيما إذا كانت لا تستند إلى دليل من نقل أو نظر.
لقد كان أساس دعوة المرابطين العلم، وعليه قامت دولتهم. وإن رحلة يحيى
стр. 58
ابن إبراهيم الكدالي التي تمخضت عن دخول عبد الله بن ياسين إلى الصحراء لأعظم دليل على ذلك. وكانت نزعة عبد الله إلى علم الفقه والدين أقوى منها إلى أي علم آخر، بالطبع لأنه كان عالم دينياً، فغلب هذا الميل على الدولة، ومن ثم كان تقديمها للفقهاء واختصاصها لهم دون من عداهم من أرباب المعارف المتنوعة، برغم ما صار إليها من جيوش العلماء والفلاسفة من جراء فتح الأندلس وضمها إلى الأيالة المغربية. ولم يكن هؤلاء يطمعون في القرب من الدولة قرب حظوة على ما يقول المؤرخون؛ إلا أن يتلبس أحدهم بلباس الفقهاء وعلماء الدين كما فعل مالك بن وهيب؛ فرقي إلى منصب وزير لعلي بن يوسف (١). ولكن هذا لا يعني أن اضطهاداً فكرياً كان ينال غير هذا الصنف من العلماء أو إن حقوقهم كانت مضيعة، فإن غاية الأمر أن وظائف الدولة كانت من نصيب رجال الشريعة، وفيما عدا ذلك فإن كل العلماء كانوا قائمين بنشاطهم الفكري لا يعترض سبيلهم معترض. وأي خير في أن تجعل مقاليد الحكم بعد الفقهاء وهم أحق الناس بها وأولى: إذ كانوا حملة الشريعة التي هي قانون البلاد ودستورها المقدس؟
ثم إن اصطناع الدولة لنوع خاص من العلوم كثيراً ما كان ظاهرة ملحوظة في غير ما دولة من دول الشرق والغرب، فلم يعب عليها بل اعتبر من أسباب نهضة ذلك العلم، وخيراً وبركة على رجاله والمشتغلين به. على أن اهتمام المرابطين بعلوم الدين كان يزينه وصف شريف وخلق نبيل هو تشعه بالروح السلفي المتسامح؛ الخالص من شوائب التنطع والتعمق، وعدم مجاراته للخلافات المذهبية والبدع والأهواء التي كانت حينئذ تنخر جسم الوحدة الإسلامية بالشرق. فالعقائد أبسط ما يكون، وقواعد الإسلام وشعب الإيمان كما بينت في حديث جبريل، والزهد والتقشف هما شعار الدولة وطابعها الخاص. واعتبر أنت بأمير المسلمين علي بن يوسف وما كان عليه من متانة الخلق وقوة الإيمان وصدق اليقين والانقطاع إلى العبادة، قبل أن تنظر إلى أبيه العاهل الكبير وهو يعمل مع الخدمة في بناء جامع مراكش ويحمل الطوب والحجر بيده وعلى كاهله إلى البنائين. ويزيد المؤرخون أنه كان
стр. 59
صائماً في تلك المدة كلها. . فلم يكن تدين المرابطين خدعة ونفاقاً، كما لم يكن مذهباً خاصاً ونحلة متميزة، يضطهدون الناس من أجل الدفاع عنها وعدم مخالفتها.
وهنا تبرز قضية إحراق كتاب الإحياء للإمام الغزالي في أيام علي بن يوسف، فإن هذا الكتاب لما وصل إلى المغرب، ونعني به هنا ما يشمل الأندلس والمغربين الأقصى والأوسط، نظر فيه رجال الفقه والدين فرأوه محشواً بما لا عهد لهم به من آراء المتكلمين ومذاهب الصوفية. وقد تداولته الأيدي من خاصة الناس وعامتهم؛ فقرروا مجافاته الظاهر الشريعة وساذج العقيدة وحذروا الناس من مطالعته والنظر فيه، فما كان من رجال الدولة إلا أن أمروا بجمعه وإحراقه، ولم يعتبروا موالاة الغزالي لدولتهم ولا نظروا إلى المودة التي كانت بين يوسف وبينه، والمكاتبات التي جرت بينها والثناء الذي كان يثنيه الغزالي على يوسف، حتى لقد هم بزيارته وقصد البحر ليركب إليه فبلغه موته فرجع. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن الدولة حقيقة كانت خاضعة لرأي الفقهاء لا تورد ولا تصدر إلا عن نظرهم، ويدل هذا بالتالي على أن القانون كانت له السيطرة على الجميع وأن رجال الدولة كانوا هم أول من يحترمه، وذلك في نظرنا غاية المدح والتقريظ للمرابطين الذين لم يثبت في تاريخهم أنهم أراقوا محجم دم في غير ساحة الحرب، ومن ثم فانهم لم يحكموا بالقتل قط على خارج ولا مخالف، ولو قتلوا أحداً لكان المعتمد أحق بالقتل لما ألب عليهم من الخصوم وبارزهم به من العداوة. . أما غيره من ملوك الطوائف الذين استسلموا فإنما نقلوهم إلى مراكش وأطلقوا سراحهم، بل لقد ثار عليهم ثوار بعد ضم الأندلس إلى المغرب. وكان مع هؤلاء الثوار شخصيات أدبية معروفة، فتلت في الذروة والغارب من الثورة) (١)، كما كانت هناك شخصيات أخرى تتولي مناصب سامية ولا تزال تشنع عليهم وتطعن فيهم، فطالما غضوا النظر عن هذه ولم يعاقبوا تلك إلا بعقوبات طفيفة قد لا تتجاوز الحرمان السياسي من الحقوق المدنية كما نعبر اليوم، ومن يدرينا أن ذلك من تأثير خضوعهم لأحكام الشرع وعملهم بقول فقهاء الإسلام؛ دين العدالة والتسامح؟ .
стр. 60
وإلى ذلك فإن مما ينبغي أن يعلن أن قضية الإحياء إنما أثارها وتولى كبرها أبو عبدالله بن حمدين قاضي قرطبة، وكذلك قضية إزعاج أبي العباس بن العريف من المرية إلى مراكش أنما كانت بسعي فقهاء بلده.
ولا ننكر أن بعض فقهاء المغرب تواطأوا مع فقهاء الأندلس على رأيهم في الأحياء، ولكنا نجد أبا الفضل بن النحوي من علماء المغرب الأوسط، يعارض فتيا ابن حمدين وينتصر للغزالي. وكان قد انتسخ كتاب الأحياء وجعله ثلاثين جزءاً. فإذا دخل شهر رمضان قرأ في كل يوم منه جزءاً، وكان يقول: وددت إني لم انظر في عمري سوى هذا الكتاب. وكذلك أبو الحسن البرجي من فقهاء المرية عارض في هذه الفتيا، وأوجب في نسخ الإحياء لما أحرقها ابن حمدين تأديب محرقها وتضمينه قيمتها لأنها مال مسلم. وقيل له أتكتب بما قلته خط يدك? فقال سبحن الله! «كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون». ثم كتب السؤال في النازلة وكتب فتباه بعقبه. ودفع إلى أبي بكر بن عمر بن أحمد بن الفصيح وأبي القاسم بن ورد وغيرهما من فقهاء المرية ومشائخها؛ فكتب كل واحد منهم فيه بخطه؛ «وبه يقول فلان» مسلمين لعلمه وزهده. ففاظ ذلك ابن حمدين لما بلغه وكسر من حدته. وكتب إلى قاضي المرية حينئذ أبي عبد الملك مروان بن عبد الملك بعزله عن الخطة التي له؛ فأخبر بزهده وانقباضه عن الدنيا. وكان علي بن حرزهم من فقهاء فاس قد وافق أولاً على تلك الفتيا التي تدين كتاب الإحياء، ثم بدا له فرجع عنها. .
وهكذا نرى أن هذه الفتنة أندلسية في الأصل، وأن رجال الدولة إنما أخذوا فيها برأي الأغلبية من رجال الفقه، والرسميين منهم بالخصوص، كابن حمدين الذي كان قاضياً بعاصمة الأندلس، وهم مع ذلك لم يستقصوا ولم يتتبعوا من خالف من أهل العلم الأمر العالي الصادر في هذا الصدد تسامحاً منهم وتغاضياً. ولعلهم كانوا يكبحون من جماح المتحمسين للقضية، ولولا ذلك لربما سطا ابن حمدين بفقهاء المرية الذين وافقوا أبا الحسن البرجي على فتياه، إذ بعد أن يخلو بعضهم من خطئة إفتاء أو شهادة أو تدريس أو خطابة أو إمامة. . .
هذا ونحن نشرك الأندلس في الحديث عن المغرب لأن يوسف بن تاشفين بتوحيده للبلدين وحد تاريخهما وجعلهما وطناً واحداً يتبادل سكانه المصالح والمنافع، وقد
стр. 61
انتفت بينهم الفوارق السياسية وزالت الحواجز الاصطلاحية، فسكن بعضهم إلى بعض، وتقاربوا واتصلوا لا كما كان تقاربهم واتصالهم من قبل، بل بصفة مجدية ومؤثرة في جميع مناحي الحياة. . فالمغرب يبذل حمايته للأندلس ويدافع عنها العدو المغير، والأندلس تبذل ثقافتها ومعارفها للمغرب، فرجالها في خدمة الدولة، وكتّابها وشعراؤها يزينون بلاط مراكش. وقد فعل الاحتكاك بالأندلسيين الأفاعيل في تقدم الحياة الفكرية بالمغرب ونهضة العلوم والآداب. وكما كانت الأندلس مهاجر من لم تساعده الحال من أبناء المغرب في العصر السابق، صار المغرب مهاجر الأندلسيين في هذا العصر، وأصبحت مراكش حاضرة المغرب يومئذ وكرسي مملكته؛ مهوى أفئدة المثقفين ومطمح أنظار المتأدبين، وفي هذا الصدد يقول عبد الواحد المراكشي في كتابه المعجب: «وانقطع إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين من الجزيرة من أهل كل علم فحوله حتى أشبهت حضرته حضرة بني العباس في صدر دولتهم، واجتمع له ولابنه من بعده من أعيان الكتاب وفرسان البلاغة ما لم يتفق اجتماعه في عصر من الأعصار».
ولعل في هذا ما يدفع القول بأن غير الفقهاء لم يكن لهم قبول في هذه الدولة، فالأمر على ما يظهر إنما يتعلق بالنفوذ والسيطرة، وتلك هي سيادة القانون التي يمثلها الفقهاء كما قدمنا. على أن غالب أهل العلم والأدب في العصور المتقدمة كانوا من درسوا الفقه وشاركوا في معرفة أصوله وفروعه. ولقب فقيه كثيراً ما كان يطلق على العالم بأي علم كان ولو لم تكن له ممارسة الفقه، فربما عنى المؤرخون الذين يتحدثون عن تقريب الدولة للفقهاء واختصاصها لهم أنها قربت أهل العلم (١) واختصتهم بالرعاية من دون الزعماء واهل العصبيات القبلية كما كان الشأن في الدول التي قبلها بل والتي بعدها وقد قال ابن خلدون في المقدمة: إنما كان القضاء في الأمر القديم لأهل العصبية من قبيل الدولة ومن إليها كما هي الوزارة لعهدنا بالمغرب.
ومهما يكن من أمر فإن علم الفقه على مذهب الإمام مالك الذي سجلنا توطده في العصر السابق قد واصل تقدمه في هذا العصر، وعقدت المجالس الحافلة في كل من
стр. 62
سبتة وفاس ومراكش للمناظرة عليه، وامتزجت دراسة الفقه بعلم الأصول، وظهر الاشتغال بعلم الكلام على طريقة أهل النظر والتأويل، ولم يكن قبل ذلك مما يشتغل به أحد، وعني كثيرون بعلم القراءات. هذا العلم الذي لم ينقطع الاشتغال به في المغرب في مختلف العصور، وهو من فروع علم التفسير. ونشط الاشتغال بعلم الحديث والرواية فكثرت الرحلات لسماعه والأخذ عن رجاله رغبة في علو الإسناد والضبط والإتقان. وكان علم التصوف مما له الشفوف في هذا العصر، ونظرة واحدة في كتاب التشوف لابن الزيات تظهر القارئ على كثرة من كان يأخذ بطريق القوم من رجال المغرب في هذا العصر. ولكن مما يلاحظ أن تصوفهم إنما كان رياضة ومجاهدة ولم يكن هذا التصوف الفلسفي الذي أنكره الفقهاء على الغزالي فأحرقوا كتابه، وعلى ابن العريف وابن برجان والميورقي فحملوا أمير المسلمين علي بن يوسف على إشخاصهم إلى مراكش، ثم ندم على ما فرط منه في حقهم بعد ذلك. ولم تكن العلوم الفلسفية والرياضية والطب قليلة الحظ من العناية بها والإقبال عليها؛ فقد رأينا كبير فلاسفة العصر أبا بكر بن باجة يحظى برعاية أحد أمراء المرابطين، ويسكن مدينة فاس. . . ولا شك أنه قد أخذت عنه علوم جمة في العاصمة العلمية. وكان أبو العلاء بن زهر الطبيب ممن حظي عند علي بن يوسف، وهو الذي أمر يجمع مجرباته بعد موته؛ فجمعت بمراكش وبسائر بلاد المغرب والأندلس وانتسخت في جمادى الآخرة سنة ٥٢٦. وكان الفيلسوف مالك بن وهيب وزيراً له. كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ولما أظهر المهدي بن تومرت دعوته بمراكش وأحضر بين يدي أمير المسلمين، كان ابن وهيب هذا هو الذي تولى مناظرته، لأنه كان قد تثقف بفنون العلم والمنطق والكلام في الشرق، فلم يقدر على مصاولته غير ابن وهيب. وقبل ضم الأندلس إلى المغرب كان بسبتة ابن مرانة، وهو من أعلم الناس بالحساب والفرائض والهندسة والفقه وله تلامذة وتآليف، ومن تلامذته ابن العربي الفرضي الحاسب، وهو من أهل بلده. وكان المعتمد بن عباد يقول: أشتهي أن يكون عندي من أهل سبتة ثلاثة نفر: ابن غازي الخطيب، وابن عطاء الكاتب، وابن مرانه الفرضي، ذكره ياقوت في معجم البلدان. ونظن أن غير سبتة من بقية مدن المغرب العلمية كانت مثلها في احتوائها على رجال من ذوي المعارف العامة، وإنما الآفة في ضياع أخبارها والإهمال الذي يمني به هذا الصنف من العلماء خاصة.
وظهر في هذا العصر أيضاً الاشتغال بالعلوم الأدبية واللسانية من نحو ولغة
стр. 63
وشعر وكتابة وكما نبغ في كل العلوم التي ذكرنا أفراد عديدون، كذلك نبغ في الأدب والشعر أفراد نجد تراجمهم لأول مرة إلى جانب تراجم نظرائهم من الأندلسيين وغيرهم في المجموعات الأدبية المعروفة: كقلائد العقيان وذخيرة ابن بسام وغيرهما. وشارك الأمراء المرابطون والرؤساء منهم في طلب العلم والتحصيل، فنجد مثلاً أبا الحسين بن سراج وهو من أعلم الناس بالنحو وإشعار العرب وحكاياتها ولغاتها وأخبارها يجتمع إليه للسماع منه نحو الخمسين من رؤساء الملثمين مع مهرة الكتاب كأبي عبدالله بن أبي الخصال وتلك الطبقة. ونجد مثل ابن أيوب الفهري راوية الحديث المسلسل في الأخذ باليد (١) يأخذه عنه جم غفير من الناس فينافسهم في ذلك الأمير سير بن علي بن يوسف، والرئيس المنصور بن محمد ابن الحاج المتوني. وكان المنصور هذا من رجال العلم والفضل، سمع بمرسية من أبي علي الصدفي، وله سماع كثير من شيوخ جلة وفي بلاد شتى كأبي محمد بن عتاب وأبي بحر الأسدي بقرطبة، وطارق بن يعيش ببلنسية وغيرهم. وكان ملوكي الأدوات سامي الهمة نزيه النفس راغباً في العلم منافساً في الدواوين العتيقة والأصول النفيسة. جمع من ذلك ما أعجز أهل زمانه. قالوا: وهو فخر لصنهاجة ليس لهم مثله من دخل الأندلس. ومثله زاوي بن مناد المعروف بابن تقسوط في كثرة السماع والأخذ عن أبي علي الصدفي وغيره، وكان ديناً فاضلاً معنياً بالعلم وكتب بخطه على دقته علماً كثيراً. وكذلك الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين المعروف بابن تعيشت (٢) والي مرسية، سمع من أبي علي الصدفي وكان له منه دولة (٣) خاصة في منزله، وله أيادٍ جمة في رعاية العلم والأدب فضلاً عن نجدته وشجاعته. «وبالجملة فهو من بيت جهاد واجتهاد»، كما قال ابن الأبار في معجم أصحاب أبي علي. ثم زاد قائلاً: «وفي دولة أخيه علي نفقت العلوم والآداب وكثر النبهاء وخصوصاً الكتاب» وحكى أبو بكر بن الصيرفي في
стр. 64
تاريخه أن علياً هذا استجاز أبا عبد الله أحمد بن محمد الخولاني جميع رواياته لعلو إسناده فأجاز له. وأبوه أبو يعقوب مع نشأته في الصحراء كان لا يمضي أمراً إلا بمشورة الفقهاء، وفي هذا النص مصداق لما قدمناه عن المراكشي من نشاط الحياة الفكرية في هذا العصر، زيادة على ما تضمنه من كون أمير المسلمين نفسه كان يهتم بالحديث والرواية، حتى إنه ليستجيز العلماء ذوي السند العالي. وكان الأمير ميمون ابن ياسين أيضاً من عُني بالرواية وسماع العلم. وله رحلة حج فيها وسمع بمكة من أبي عبد الله الطبري صحيح مسلم سنة ٤٩٧ وسمع بها أيضاً من أبي مكتوم بن أبي ذر الهروي صحيح البخاري في أصل أبيه أبي ذر وابتاعه منه بمال جزيل فأوصله إلى المغرب.
ولما ذكر الحافظ السلفي أبا مكتوم هذا في كتابه الوجيز قال: «كان ميمون بن ياسين من أمراء المرابطين رغب في السماع منه بمكة واستقدمه من سراة بني شبابة، وبها كان سكناه وسكنى أبيه أبي ذر من قبله. فاشترى منه صحيح البخاري أصل أبيه الذي سمع فيه على أبي إسحق المستملي وغيره بجملة كبيرة وسمعه عليه في عدة أشهر قبل وصول الحجيج». ثم قفل ميمون هذا وحدث بالأندلس، فسمع الناس منه بإشبيلية وغيرها. وممن حدث عنه أبو إسحق بن حبيش وأبو القاسم بن بشكوال وأبو إسحق بن فرقد وأبو بكر بن خير وغيرهم. فهل بعد هذا غاية في التعلق بالعلم وتشجيعه من رجال الدولة المرابطية؟
واشتهر بالأدب وقول الشعر منهم الأمير أبو بكر بن إبراهيم المسوفي الصنهاجي المعروف بابن تافلويت صهر علي بن يوسف، وكان والياً على تلمسان وعلى سرقسطة ويأتي بعض شعره في قسم المنتخبات.
ولم يقتصر هذا الولوع بالعلم والنبوغ في الأدب على الرجال منهم بل إن النساء شاركن أيضاً بنصيبهن في ذلك. وممن احتفظ التاريخ بأسمائهن من نوابغ المرابطيات الأميرة تميمة بنت يوسف بن تاشفين أخت علي، وتكنى أم طلحة. سكنت فاساً وكانت كاملة الحسن راجحة العقل مشهورة بالأدب والكرم. وحكايتها مع كاتبها تأتي في الجزء الثاني. ومنهن زينب بنت إبراهيم بن تافلويت أخت أبي بكر المذكور آنفاً، كانت زوجا للأمير أبي الطاهر تميم بن يوسف بن تاشفين وكانت من أهل الخير
стр. 65
والتصاون والنوافل والصدقات وأعمال البر، تحفظ جملة وافرة من الشعر ومدحها الشعراء وأثنوا عليها كثيراً. ومثلها أختها حواء.
وإن ننس لا ننس جامع ابن يوسف وهو بمراكش مثل القرويين بفاس، فهو من منشآت هذا العصر. ومنذ بناه علي بن يوسف لم يزل المركز الثاني للدراسات العلمية والأدبية بالمغرب. على أن القرويين لم تفتأ تحاط بالعناية الكاملة من الزيادة فيها كلها ضاقت أرجاؤها، وتجديد معالمها التي يتسور إليها الدثور. وقد نقض بناؤها في أيام علي بن يوسف وعمل على توسعتها من جميع الجهات فبلغت بلاطاتها من الصحن إلى القبلة عشر بلاطات (١). واحتفل في عمل القبة التي بأعلى المحراب وما يحاذيها من وسط البلاطين المتصلين بها فصنع ذلك بالجص المقربص الفاخر الصنعة، ونقشت واجهة المحراب بالنقوش المذهبة الجميلة، وركب في شمسياته أنواع الزجاج الملون البديع، إلى غير ذلك من فنون الزخرفة وضروب الزينة. وكان كل ما أنفق في ذلك من تبرعات المحسنين، إذ لم يزل هذا المسجد العظيم منذ تأسيسه من الشعب وإليه، وذلك هو سر عظمته الخالدة. لكن الذي يلفت الأنظار من اهتمام الدولة بالقرويين وتعزيز مركزها كمعهد دراسي عال هو بناء المدارس التي تتخذ لإيواء الطلبة وتدريس بعض العلوم التي يكون المسجد غير مناسب لتدريسها بسبب ما تقتضيه من إجراء بعض التجربات واستعمال بعض الآلات. وقد بدأ ذلك في هذا العصر إذ ثبت أنه كانت هناك بفاس مدرسة من بناء يوسف بن تاشفين تعرف بمدرسة الصابرين ومن الجائز أن يكون هناك غيرها. والغريب هو أن يتوافق المغرب والمشرق في وقت إنشاء المدارس، لأن هذا التاريخ هو الذي أنشأ فيه الوزير نظام الملك مدرسته العلمية ببغداد وهي أول مدرسة في الشرق كذلك.
ويطول بنا تتبع الجزئيات التي تدل على اهتمام الأمراء المرابطين بنهضة العلم والأدب مع أنها تفاريق قليلة خلصت من الإهمال الذي أصاب تاريخ هذه الدولة ونجدها مبثوثة هنا وهناك. ولو وصل إلينا تاريخ ابن الصيرفي الذي سبق نقل ابن الأبار عنه لكان فيه شفاء للنفس من هذه الناحية؛ وكان ابن الصير في هذا واسمه أبو
стр. 66
بكر بن محمد الأنصاري الغرناطي أحد الشعراء المجودين له تاريخ مفيد قصره على الدولة اللمتونية وكان من شعرائها وخدام أمرائها وتوفي سنة ٥٥٧ أي بعد انقراض هذه الدولة بقليل، فلا شك أن تاريخه يكون أوثق مصدر عن المرابطين ودولتهم.
ونرى أننا أطلنا بتسمية الأمراء المرابطين الذين كانت لهم شهرة بالعلم والأدب في حين أننا لم نسم أحدا غيرهم ممن اشتهروا بالتفوق في علم من العلوم المتقدمة الذكر عدا الأفراد الثلاثة من أهل سبتة الذين ذكروا عرضاً أثناء الحديث عن العلوم الحكمية. ولو أردنا تسمية جميع من نبغ في باب من أبواب المعرفة من أهل هذا العصر لطال بنا الكلام لأنهم كثيرون جداً ولكنا نقتصر على الشخصيات البارزة منهم تجنباً للإطالة.
فمن الفقهاء عبد الملك المصمودي قاضي الجماعة بمراكش، وإبراهيم بن جعفر اللواتي الفقيه المشاور المعروف بابن الفاسي، وعبدالله بن سعيد الوجدي قاضي بلنسية، ومنصور بن مسلم بن عبدون الزرهوني المعروف بابن أبي فرناس الفقيه الحافظ المشاور، وعبد الله بن محمد بن إبراهيم اللخمي الكوري قاضي الجماعة بمراكش، وعبدالله بن أحمد بن خلوف الأزدي السبتي المعروف بابن شبونة أحد حفاظ المذهب المناظرين عليه، وعبد المنعم بن عبدالله بن علوش المخزومي الطنجي من ولي القضاء بغير موضع من الأندلس، وأبو عبدالله بن محمد الأموي السبتي قاضيها ومفتيها الفقيه الفرضي المفسر، وإبراهيم بن أحمد البصري من قضاة سبتة أيضاً.
ومن رجال الحديث والرواية بكار بن برهون بن الغرديس، من بيت شهير بفاس، ونزل هو سجلماسة، وكان قد حج قديماً وسمع البخاري من أبي ذرة الهروي. وقد رحل إليه أبو القاسم بن ورد الذي قيل فيه إنه لم يكن بالأندلس مثله، فلقيه بسجلماسة وسمع منه الصحيح. ومنهم القاضي أبو عبدالله محمد بن عيسى التميمي وولده عبدالله. وإبراهيم بن أحمد بن خلف السلمي، عرف بابن فرتون ممن لقي أبوي علي الصدفي والغساني وابن الغرديس وتلك الطبقة. ناهيك بكبير محدثي المغرب القاضي عياض الذي يعد بحق مفخرة لهذه البلاد. وهو وإن كان من أدرك عصر الموحدين إلا أن نبوغه وظهوره كانا في هذا العصر.
وثم أفراد أفذاذ من بيوتات علمية شاركت في الفقه ورواية الحديث وغيرهما من
стр. 67
العلوم كبني العجوز السبتيين الذين اشتهر أوائلهم في العصر السابق، وقد ترجمنا لواسطة عقدهم عبد الرحيم، وبني سمجون الطنجيين، وبني ملجوم الفاسيين.
ومن أهل القراآت والتفسير أبو بكر محمد بن علي المعافري السبتي، عرف بابن الجوزي، وهو خال القاضي عياض له تصنيف حسن في التفسير لم يكمل وآخر في التوحيد. وكان متفنناً في العلوم ومن أهل البلاغة والشعر. ومن شعره ما نسب لأبي الفرج بن الجوزي غلطاً لاشتباه اسميهما، ومنهم المقرئ أبو عبدالله القيسي المكناسي، وأحمد بن الخطيئة التميمي الفاسي كان رأس في علم القراآت وأقرأ الجم الغفير من الناس.
وأما التصوف فقد أشرنا إلى كثرة من تعاطاه، وأحسن من كان يمثله من الوجهة العلمية والعملية أبو علي بن حرزهم.
وكان القاضي أبو القاسم بن محمد المعافري السبتي ممن جمع بين علوم الفقه والحديث والأصول والكلام ورحل إلى المشرق ودرس العامين الأخيرين كثيراً. وكذلك يوسف بن الكلبي الضرير كان من أشتغل بعلم الكلام على مذهب الأشعرية ونظار أهل السنة وسكن سبتة ودرس بها وبغيرها من مدن المغرب. وأبو محمد عبد الغالب السالمي المتكلم أيضاً هو ممن سكن سبتة ونشر بها علمه. وهؤلاء الثلاثة كلهم من شيوخ القاضي عياض وهم الطليعة الأولى التي نشرت علم الكلام بالمغرب على مذهب الأشاعرة. إلا أن المغربي الأصيل منهم هو الأول.
وبالإضافة إلى ابن مرانة السبتي الذي ذكرنا نبوغه في علم العدد والهندسة، نذكر القاضي أبا الحسن بن زنباع الطنجي ممن نبغ في الطب والعلاج، وكان إلى ذلك من أعلام الأدب البارزين.
وفي علم النحو واللغة والأدب اشتهر أبو علي الحسن بن طريف السبتي ومروان ابن سمجون الطنجي فضلاً عن الأدباء والشعراء الذين نبغوا في هذا العصر مثل ابن زنباع المذكور آنفاً ويحيي بن الزيتوني وعبد العزيز السوسي وابن القابلة السبتي. وسعيد بن حنيف، وابن عطاء الكاتب، وابن غازي الخطيب. وسنترجم لخاصة الخاصة من سميناهم من الشخصيات العلمية والأدبية قريباً.
стр. 68
رعاية المرابطين للأدب وأهله
لم يكن المرابطون أقل براً بالأدب وأهله منهم بالعلم والعلماء. وليس أدل على نفي ما يتهمهم به خصومهم في مجافاة الأدب وعدم الاهتمام به، من هذه الرعاية الكريمة التي أولاها أمراؤهم لعلية الأدباء، من كتاب وشعراء، منذ اليوم الذي توطدت فيه دعائم ملكهم. ولقد كانت عنايتهم بأدباء الأندلس على الخصوص فائقة الحد، حتى لم يبق منهم أديب مرموق لم ينط به عمله في بلاط أمير المسلمين بمراكش أو في ديوان أحد الأمراء بالأقاليم.
وأول من نذكر منهم الكاتب عبد الرحمن بن أسباط الذي كان في خدمة يوسف ابن تاشفين قبل دخول هذا إلى الأندلس. وهو الذي استشاره يوسف في الأمر عند ورود كتاب المعتمد عليه فقال له: إن أرض الأندلس ضيقة، إنما يعمر المسلمون منها الثمن وسبعة أثمان يعمرها النصارى، ومن دخلها كان تحت حكم صاحبها. وهذا الرجل الذي استدعاك ليس بينك وبينه صداقة قديمة فربما إذا جزت إليه وقضي الغرض أمسكك بها، فاكتب إليه أنه لا يمكنك الجواز إلا أن يعطيك الجزيرة الخضراء؛ فتجعل فيها أثقالك وجندك ويكون الأمر حينئذ بيدك متى شئت الصدور عنها صدرت؛ فعيل بإشارته ولم يعبر إلى الأندلس حتى سلم إليه المعتمد الجزيرة الخضراء فشحنها بالعتاد والرجال.
واستكتب يوسف بعد ذلك أبا بكر بن القصيرة وكان من وزراء المعتمد وكتابه. وهو الذي أجاب عن كتاب الأذفونش (١) إلى يوسف عند عبوره إلى الأندلس. وكان الأذفونش يحاول أن يصرف يوسف عما عزم عليه من نصرة عرب الأندلس فأغلظ له في القول ووصف ما معه من القوة والعدد وبالغ في ذلك. ولهذا احتفل ابن القصيرة في جوابه أيما احتفال، وكان كاتباً مفلقاً، فلما قرئ الجواب على يوسف قال هذا كتاب طويل، وأحضر كتاب الأذفونش وكتب على ظهره: «الذي يكون ستراه».
стр. 69
وقيل أنه كتب: «الجواب ما ترى لا ما تسمع» وأرسله إليه. فلما وقف عليه الأذفونش ارتاع له وعلم أنه بلي برجل له دهاء وحزم يفعل ولا يقول. ويظهر من بعض عبارات الفتح في القلائد أن الكاتب المذكور تعرض لبعض شدائد الدهر قبل أن يسعده الحظ بالالتحاق بخدمة أمير المسلمين.
وكتب ليوسف كذلك الوزير محمد بن عبد الغفور، وهو الذي كتب مرسوم ولاية العهد لولده علي. وكتب له أيضاً أديب الأندلس عبد المجيد بن عبدون باستدعاء منه له، وكان قد التحق بخدمة الأمير سير بن أبي بكر المتوني. وهو صاحب الرائية المشهورة في رثاء بني الأفطس ملوك بطليوس. . ومن حسن أدبه وقوة عارضته أنه بكى فيها مخدوميه السابقين وأفاض في ذكر محاسنهم ولم يعرض فيها بالمرابطين ولا أشار لهم بكلمة سوء وإنما أنحى باللوم على الدهر وتفنن في ذكر غدره بالكرام بما أحزن القلوب وأقض الجنوب. وقيل إنه إنما كتب لعلي بن يوسف. وعلى كل فإن عنايتهم به ظاهرة واستدعاءهم له مؤكد وقد قابل هو هذه العناية بمثلها إذ كان رجلاً لبقاً يقدر الأشياء بقدرها ويفهم ماجريات الأحوال فرثى أولياء نعمته الأولين ولم يبخس مخدوميه الجدد حقهم ولا أنكر عارفتهم.
لا كما وقع للوزير أبي محمد بن أبي الخصال وكان من أنبه الكتاب عند علي بن يوسف وأكبرهم مكانة لديه، غير أنه على ما يظهر لم يكن مخلصاً في خدمته لهم. ولما انهزم جيش بلنسية أمام ابن رذمير (١) كلفه أمير المسلمين أن يكتب إليهم رسالة توبيخ، فأبدأ وأعاد في تبكيتهم والإزراء عليهم، وكأنه اهتبلها فرصة لإظهار مكنون حقده على المرابطين جملة، فكان من فصول تلك الرسالة قوله: «أي بني اللئيمة، وأعيار الهزيمة، إلام يزيفكم الناقد، ويردكم الفارس الواحد؟ »
ألا هل أتاها على نأيها ... بما فضحت قوتها غامد
تمنيتم مائتي فارس ... فردكم فارس واحد
стр. 70
فليت لكم بارتباط الخيول ... ضأناً لها حالب قاعد
ومن لرعاة الإبل، بالجد المقبل، فلولا من لدينا من ذويكم، وضراعتهم إلينا فيكم، لألحقناكم بصحرائكم، وطهرنا الجزيرة من رحضائكم، بعد أن نوسعكم عقاباً، ونحد أن لا تلوثوا على وجه نقاباً. .» إلى آخرها وهي طويلة. فكانت هذه الرسالة سبباً في تأخيره عن الكتابة. وقال علي بن يوسف لأخيه أبي مروان، وكان متخططاً أيضاً في كتابته: لقد كنا في شك من بغض أبي محمد المرابطين والآن قد صح عندنا.
وكان أبو محمد هذا قد أوى إلى ظل المنصور بن محمد بن الحاج اللمتوني أمير قرطبة لما ثار على علي بن يوسف وومع ذلك فلما وقع الرضا على ابن الحاج وولي ما ولي من أعمال المغرب عاد ابن أبي الخصال إلى مكانته منه، حتى توفي هذا الأمير بالثغر الشرقي من الأندلس وبقي هو ببيته منزوياً لم ينله من المرابطين سوء إلى أن اغتيل في فتنة ابن حمدين سنة ٥٤٠. . فهل بعد هذا غاية في البر والتسامح؟ ولو صدر بعض ما ذكر من أبي محمد في عهد ملوك الطوائف لكان ذلك كافياً في الإطاحة برأسه. واعتبر أنت بقضية ابن عمار مع المعتمد مع ما كان بينها من عظيم المودة وقديم الماتة، ومنها يتبين لك نبل المعاملة التي قابل بها أمير المسلمين إساءة ابن أبي الخصال، إذ لم يزد على أن أعفاه من كتابته». هذا على حين أن أخاه أبا مروان بقي متميزاً عنده ومن خدمة دولته بالصدارة.
ولا ندع هذه الحادثة تمر دون أن نقيمها حجة على من يتهم المرابطين بعدم الذوق الأدبي وكثافة الإحساس الفني، ولذلك كف الأدب في عهدهم واضمحل اضمحلالاً مؤسفاً، بل لا نعدم من يجردهم حتى من معرفة اللسان العربي؛ فكيف فطن علي بن يوسف المغامز ابن أبي الخصال وتورياته التي ظن أنها تخفى على مخدومه، إن لم يكن ثقفاً لقفاً وعلى جانب من العلم يدرك به سوء النية التي أملت على كاتبه رسالته تلك؟
وما بالنا لا نقول مثل هذا أيضاً في يوسف نفسه، وقد قرأ عليه الكاتب القدير أبو بكر بن القصيرة جوابه للإذفنش، فقال هذا جواب طويل، وأملى عليه كلمته التي ذهبت مثلاً أو كتبها بنفسه وهي قوله: «الجواب ما ترى لا ما تسمعه»! . . فهل
стр. 71
صاحب هذه الملاحظة وذلك الجواب يكون لا يعرف العربية؟ وهل موقف يوسف هذا إلا مثل موقف أبي مسلم الخراساني من رسالة عبد الحميد الكاتب التي بعثها إليه عن مخدومه مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية، وكانت من الطول بحيث تقع في مجلد، فلما وصلت إلى أبي مسلم أحرقها ولم ينظر فيها. وكذلك قدر يوسف في رسالة ابن القصيرة أنها لا يكون لها التأثير المطلوب في نفس الأدفنش بسبب طولها وربما أهملها النفس السبب فعوضها بعبارته البليغة التي أقضت مضجعه!
وقالوا إن شعراء الأندلس مثلوا أمام يوسف بعد انتصاره في موقعة الزلاقة وأنشدوه مدائحهم فيه، وإن المعتمد بن عباد قال له: أيعلم أمير المسلمين ما قالوه؟ فقال: لا؛ ولكنهم يطلبون الخير. فليت شعري لماذا احتاج هنا إلى من يترجم له ولم يحتج إليه في فهم رسالة ابن القصيرة وانتقادها؟ وهلا عدوا جواب أمير المسلمين على فرض صحة الحكاية من باب ما يسمى عند البديعيين بأسلوب الحكيم، في غرض الشعراء بمدحه إلا طلب خيره؟ ! . .
أما ما نرويه نحن في هذه القصة، فهو أنه كان يحثو التراب بيده وهم يلقون قصائدهم، فقال قائل: إنه يعرض لهم بقول النبي (ص)؛ «احثوا في وجه المداحين التراب».
ولا ننس في هذا الباب ما يروى عنه من أنه لما جال في بلاد الأندلس وتطوف على أقطارها شبهها بعقاب رأسه طليطلة ومنقاره قلعة رباح وصدره جيان ومخالبه غرناطة وجناحه الأيمن بلاد الغرب وجناحه الأيسر بلاد الشرق. قال في الحلال الموشية. «وبالنظر إلى كيفية وضعها وتمثيلها في الصفرة) (١) يبدو بيان هذا التشبيه الذي هو راجع إلى سياسة أمرها واعتبار أحوالها، فهل صاحب هذا التشبيه البديع لا يفهم مثل قول ابن زيدون؟
حالت لفقدكم أيامنا فغدت ... سوداً، وكانت بكم بيضاً ليالينا
стр. 72
الذي يقال أن المعتمد كتب به إليه، فلما قرئ عليه قال: لعله يطلب منا جواري سوداً وبيضاً! . . فيا للصبيانيات تروى للتنقيص من ذوي الأخطار! . .
نعم لقد أهدى يوسف للمعتمد جارية نروي خبرها في الجزء الثاني، وهذا الخبر وحده كاف في الدلالة على ما كان ليوسف من عناية بالأدب وأهله والفن وأربابه، حتى الجواري المغنيات المؤدبات! . . ولا غرو فتلاميذ مدرسة ابن ياسين أقل ما يتوفر فيهم المعرفة باللغة العربية. على أن النبغاء في العلم والفقه من اللمتونيين قد ظهروا قبل دخول ابن ياسين إلى الصحراء، وقد تقدم ذكر بعضهم في العصر السابق.
وممن كتب لعلي بن يوسف من أدباء الأندلس باستدعاء منه الوزير أبو القاسم بن الجد المعروف بابن الأحدب، وأبو بكر بن محمد المعروف بابن القبطرنه. . ونصنا على الاستدعاء وأنه من أمير المسلمين نفسه لإظهار كامل العناية التي لقيها هؤلاء الأدباء من رئيس الدولة وما كان لهذا الرئيس من عظيم الالتفات إلى ذوي الكفايات الأدبية من رجال الأندلس.
ومن قول أحد شعرائهم فيه مشيراً إلى تقديم والده على أخيه تميم وهو أصغر منه:
لئن كان في الأسنان يحسب ثانياً ... علي وفي العلياء يحسب أولاً
كذلكم الأيدي سواء بنانها ... وتختص منهن الخناصر بالحلى
أما من التحق بخدمة بقية الأمراء المرابطين من أدباء الأندلس ولقوا منهم كل بر ورعاية فكثير، منهم الفيلسوف الأديب أبو بكر بن باجة الذي كتب للأمير أبي بكر إبراهيم المعروف بابن تافلويت وحظي عنده حظوة كبيرة، وله فيه مدائح كثيرة. ولما توفي رثاه بعدة مرات تعبيراً عن وفائه له، لما كان يجده عنده من مزيد الرعاية وحكايته معه لما سمع موشحة له في مدحه فحلف لا يمشي ابن باجة لداره إلا على الذهب تأتي في الجزء الثاني. ومدح هذا الأمير أيضاً الشاعر ابن سارة الشنتريني. وهذه الأشعار كلها مذكورة في قلائد العقيان.
ومنهم الفتح بن خاقان الكاتب البليغ صاحب كتابي القلائد والمطمح المعروفين،
стр. 73
وقد ألف كتابه القلائد باسم الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين، وأشاد في مقدمته بمحاسنه وبفضله في إحياء رسم الأدب بعد دروسه. وكان هذا الأمير ممدحاً مقصوداً من كبار الأدباء الأندلسيين لكرمه وشجاعته وأريحيته الأدبية. فممن مدحه الشاعر المجيد أبو اسحق بن خفاجة على قلة رغبته في صحبة الملوك ومدحه لهم. والوزير أبو بكر بن رحيم وأبو الفضل بن محمد بن الأعلام الشنتمري وأبو عامر بن عقيد وأبو الحسين بن نيفون وغيرهم، ومدائحهم له ثابتة في القلائد والمغرب لابن سعيد، ما يمنعنا من إيرادها إلا خشية التطويل.
وكان الأمير عبدالله بن مزدلي مثل الأمير إبراهيم في قصد الأدباء إياه ومدحهم له، وممن مدحه القاضي أبو محمد بن عطية صاحب التفسير، والوزير أبو جعفر بن مسعدة، وكان كاتباً له، والوزير أبو عامر بن أرقم، له فيه قصيدة بارعة. ولهذا الوزير مقامة أدبية في اسم الأمير تميم بن يوسف الذي كان هو أيضاً مألف أهل الأدب ومعقد آمالهم.
ويطول بنا الأمر لو أردنا أن نتتبع كل من آوى إلى ظل المرابطين من رجال الأدب فشملوه برعايتهم وأحاطوه بعنايتهم، وكان في ذلك تشجيع للحركة الأدبية وضمان لازدهارها الذي ظهر أثره في المؤلفات العديدة الموضوعة في هذا العصر، وناهيك بقلائد الفتح بن خاقان وذخيرة ابن بسام, ولا يقتصر البر بالأدب وأهله في هذا العصر على المرابطين من ملوك وأمراء، بل إن غيرهم من الولاة كانوا كذلك يشجعون الأدب ويظهرون مزيد العناية بأهله، والناس كما يقال على دين ملوكهم. فهذا الرئيس أبو الحسن بن عشرة من أهل سلا كان من أهل العلم والنباهة جواداً ممدحاً، قصده الشعراء والأدباء من كل جهة وناحية، وخصوصاً من الأندلس، وكان يلي قضاء بلده. ودخل الأندلس غازياً في سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، أعني قبل قيام دولة المرابطين، فامتدحه جماعة من أدبائها. ورحل إلى الشرق لأداء فريضة الحج فامتدح بالمهدية ومصر وغيرهما. وتوفي سنة ٥٠٢ ببلده سلا بعد أن أورث بنيه سؤدداً ضخماً وشرفاً جماً.
ومثله أبو مروان بن سمجون الطنجي رأس هذا البيت، الذي يعتبر مفخرة لطنجة، بما أنجب من علماء وأدباء عديدين. وكان هو نفسه من رجال العلم والأدب
стр. 74
شاعرة بليغاً وخطيباً فصيحاً وله جاه عظيم عند أمير المسلمين يوسف بن تاشفين حتى إنه ليعد نائبه في شمال المغرب والقطر الأندلسي بأجمعه. وقصده الشعراء ومدحوه بأبلغ القول مما يأتي بعضه في المنتخبات.
على أننا لا ننتهي من هذا الحديث حتى نسجل أن هذه الرعاية التي كان يحظى بها الأدباء الأندلسيون من الأمراء المرابطين، وكانت داعية لمداخلتهم لهم واختلاطهم بهم؛ قد أثرت في الأدب الأندلسي تأثيراً محسوساً فظهر بمظهر القوة والجزالة واختفت منه عناصر الضعف والفسولة التي كانت سائدة عليه أيام ملوك الطوائف. وانتحى الشعراء في شعرهم مناحي الجد والتوقر بدل ما كانوا منغمسين فيه من البطالة، والمجون، وذلك نتيجة لتشبعهم بروح الحفاظ الذي كان يسيطر على رجال الدولة وارتفاع معنويات أهل الأندلس عموماً بما آتاهم الله من نصر على عدة وهم بعد ما كانوا أصبحوا طعمة سائغة له. وقد سجل دوزي بغيظ هذه الظاهرة الجديدة التي طرأت على الأدب الأندلسي من جراء توجيه الأمراء المرابطين له، واعتبرها تدهوراً في حقه، في حين أننا نعتبرها انتعاشاً وبعثاً للأدب العربي الأصيل. وإلى القارئ مثالاً على ذلك هذه القصيدة التي يقولها الوزير ابن أرقم مدحاً للأمير عبدالله ابن مزدلي:
سريت والليل من مشراك في وهل ... مبرأ العزم من أين ومن كسل
وسرت في جحفل يهودي فوارسه ... سناك تحت الدجى والعارض الهطل
والبدر محتجب لم تدر أنجمه ... أغاب عن سرر أم غاب عن خجل
هوت أعاديك من سار يؤرقه ... ركض الجواد وحمل اللامة الفضل
إذ الملوك نيام في مضاجعهم ... مستحسنون بهاء الحلي والحلل
لله صومك براً يوم فطرهم ... وما توخيت من وجه ومن عمل
نحرت فيه الكماة الصيد محتسباً ... وحسب تغيرك نحر الشام والإبل
стр. 75
إذا ضرير المداري هزهم طرباً ... ألهاك منه صرير البيض والأسل
وإن ثنتهم عن الإقدام عاذلة ... مضيت قدماً ولم تأذن إلى العذل
كم ضم ذا العيد من لاه به غزل ... وأنت تنشد أهل اللهو والغزل
في الخيل والخافقات البيض لي شغل ... ليس الصبابة والصهباء من شغلي
ظلت يومك لم تنقع به ظمأ ... وظل رمحك في عل وفي نهل
وكلما رامت الروم الفرار أتت ... من كل أوب وضمتها يد الأجل
فصار مقبلهم نهباً ومدبرهم ... وعاد غانمهم من جملة النفل
فكم فككت من الأغلال عن عنق ... وكم سددت بهذا الفتح من خلل
أنت الأمير الذي للمجد همته ... وللممالك يحميها وللدول
وللمواهب أو للخط أنمله ... ما لم تحن إلى الخلية الذبل. . .
ونسجل هنا قوله أو للخط التي تصحفت في القلائد بالحظ، وإنما هي الخط يعني الكتابة فكأنه يقول في أنامله: أنها للسيف والقلم والكرم! . .