صاحب هذه الملاحظة وذلك الجواب يكون لا يعرف العربية؟ وهل موقف يوسف هذا إلا مثل موقف أبي مسلم الخراساني من رسالة عبد الحميد الكاتب التي بعثها إليه عن مخدومه مروان الحمار آخر خلفاء بني أمية، وكانت من الطول بحيث تقع في مجلد، فلما وصلت إلى أبي مسلم أحرقها ولم ينظر فيها. وكذلك قدر يوسف في رسالة ابن القصيرة أنها لا يكون لها التأثير المطلوب في نفس الأدفنش بسبب طولها وربما أهملها النفس السبب فعوضها بعبارته البليغة التي أقضت مضجعه!
وقالوا إن شعراء الأندلس مثلوا أمام يوسف بعد انتصاره في موقعة الزلاقة وأنشدوه مدائحهم فيه، وإن المعتمد بن عباد قال له: أيعلم أمير المسلمين ما قالوه؟ فقال: لا؛ ولكنهم يطلبون الخير. فليت شعري لماذا احتاج هنا إلى من يترجم له ولم يحتج إليه في فهم رسالة ابن القصيرة وانتقادها؟ وهلا عدوا جواب أمير المسلمين على فرض صحة الحكاية من باب ما يسمى عند البديعيين بأسلوب الحكيم، في غرض الشعراء بمدحه إلا طلب خيره؟ ! . .
أما ما نرويه نحن في هذه القصة، فهو أنه كان يحثو التراب بيده وهم يلقون قصائدهم، فقال قائل: إنه يعرض لهم بقول النبي (ص)؛ «احثوا في وجه المداحين التراب».
ولا ننس في هذا الباب ما يروى عنه من أنه لما جال في بلاد الأندلس وتطوف على أقطارها شبهها بعقاب رأسه طليطلة ومنقاره قلعة رباح وصدره جيان ومخالبه غرناطة وجناحه الأيمن بلاد الغرب وجناحه الأيسر بلاد الشرق. قال في الحلال الموشية. «وبالنظر إلى كيفية وضعها وتمثيلها في الصفرة) (١) يبدو بيان هذا التشبيه الذي هو راجع إلى سياسة أمرها واعتبار أحوالها، فهل صاحب هذا التشبيه البديع لا يفهم مثل قول ابن زيدون؟
حالت لفقدكم أيامنا فغدت ... سوداً، وكانت بكم بيضاً ليالينا
стр. 72
الذي يقال أن المعتمد كتب به إليه، فلما قرئ عليه قال: لعله يطلب منا جواري سوداً وبيضاً! . . فيا للصبيانيات تروى للتنقيص من ذوي الأخطار! . .
نعم لقد أهدى يوسف للمعتمد جارية نروي خبرها في الجزء الثاني، وهذا الخبر وحده كاف في الدلالة على ما كان ليوسف من عناية بالأدب وأهله والفن وأربابه، حتى الجواري المغنيات المؤدبات! . . ولا غرو فتلاميذ مدرسة ابن ياسين أقل ما يتوفر فيهم المعرفة باللغة العربية. على أن النبغاء في العلم والفقه من اللمتونيين قد ظهروا قبل دخول ابن ياسين إلى الصحراء، وقد تقدم ذكر بعضهم في العصر السابق.
وممن كتب لعلي بن يوسف من أدباء الأندلس باستدعاء منه الوزير أبو القاسم بن الجد المعروف بابن الأحدب، وأبو بكر بن محمد المعروف بابن القبطرنه. . ونصنا على الاستدعاء وأنه من أمير المسلمين نفسه لإظهار كامل العناية التي لقيها هؤلاء الأدباء من رئيس الدولة وما كان لهذا الرئيس من عظيم الالتفات إلى ذوي الكفايات الأدبية من رجال الأندلس.
ومن قول أحد شعرائهم فيه مشيراً إلى تقديم والده على أخيه تميم وهو أصغر منه:
لئن كان في الأسنان يحسب ثانياً ... علي وفي العلياء يحسب أولاً
كذلكم الأيدي سواء بنانها ... وتختص منهن الخناصر بالحلى
أما من التحق بخدمة بقية الأمراء المرابطين من أدباء الأندلس ولقوا منهم كل بر ورعاية فكثير، منهم الفيلسوف الأديب أبو بكر بن باجة الذي كتب للأمير أبي بكر إبراهيم المعروف بابن تافلويت وحظي عنده حظوة كبيرة، وله فيه مدائح كثيرة. ولما توفي رثاه بعدة مرات تعبيراً عن وفائه له، لما كان يجده عنده من مزيد الرعاية وحكايته معه لما سمع موشحة له في مدحه فحلف لا يمشي ابن باجة لداره إلا على الذهب تأتي في الجزء الثاني. ومدح هذا الأمير أيضاً الشاعر ابن سارة الشنتريني. وهذه الأشعار كلها مذكورة في قلائد العقيان.
ومنهم الفتح بن خاقان الكاتب البليغ صاحب كتابي القلائد والمطمح المعروفين،
стр. 73
وقد ألف كتابه القلائد باسم الأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين، وأشاد في مقدمته بمحاسنه وبفضله في إحياء رسم الأدب بعد دروسه. وكان هذا الأمير ممدحاً مقصوداً من كبار الأدباء الأندلسيين لكرمه وشجاعته وأريحيته الأدبية. فممن مدحه الشاعر المجيد أبو اسحق بن خفاجة على قلة رغبته في صحبة الملوك ومدحه لهم. والوزير أبو بكر بن رحيم وأبو الفضل بن محمد بن الأعلام الشنتمري وأبو عامر بن عقيد وأبو الحسين بن نيفون وغيرهم، ومدائحهم له ثابتة في القلائد والمغرب لابن سعيد، ما يمنعنا من إيرادها إلا خشية التطويل.
وكان الأمير عبدالله بن مزدلي مثل الأمير إبراهيم في قصد الأدباء إياه ومدحهم له، وممن مدحه القاضي أبو محمد بن عطية صاحب التفسير، والوزير أبو جعفر بن مسعدة، وكان كاتباً له، والوزير أبو عامر بن أرقم، له فيه قصيدة بارعة. ولهذا الوزير مقامة أدبية في اسم الأمير تميم بن يوسف الذي كان هو أيضاً مألف أهل الأدب ومعقد آمالهم.
ويطول بنا الأمر لو أردنا أن نتتبع كل من آوى إلى ظل المرابطين من رجال الأدب فشملوه برعايتهم وأحاطوه بعنايتهم، وكان في ذلك تشجيع للحركة الأدبية وضمان لازدهارها الذي ظهر أثره في المؤلفات العديدة الموضوعة في هذا العصر، وناهيك بقلائد الفتح بن خاقان وذخيرة ابن بسام, ولا يقتصر البر بالأدب وأهله في هذا العصر على المرابطين من ملوك وأمراء، بل إن غيرهم من الولاة كانوا كذلك يشجعون الأدب ويظهرون مزيد العناية بأهله، والناس كما يقال على دين ملوكهم. فهذا الرئيس أبو الحسن بن عشرة من أهل سلا كان من أهل العلم والنباهة جواداً ممدحاً، قصده الشعراء والأدباء من كل جهة وناحية، وخصوصاً من الأندلس، وكان يلي قضاء بلده. ودخل الأندلس غازياً في سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، أعني قبل قيام دولة المرابطين، فامتدحه جماعة من أدبائها. ورحل إلى الشرق لأداء فريضة الحج فامتدح بالمهدية ومصر وغيرهما. وتوفي سنة ٥٠٢ ببلده سلا بعد أن أورث بنيه سؤدداً ضخماً وشرفاً جماً.
ومثله أبو مروان بن سمجون الطنجي رأس هذا البيت، الذي يعتبر مفخرة لطنجة، بما أنجب من علماء وأدباء عديدين. وكان هو نفسه من رجال العلم والأدب
стр. 74
شاعرة بليغاً وخطيباً فصيحاً وله جاه عظيم عند أمير المسلمين يوسف بن تاشفين حتى إنه ليعد نائبه في شمال المغرب والقطر الأندلسي بأجمعه. وقصده الشعراء ومدحوه بأبلغ القول مما يأتي بعضه في المنتخبات.
على أننا لا ننتهي من هذا الحديث حتى نسجل أن هذه الرعاية التي كان يحظى بها الأدباء الأندلسيون من الأمراء المرابطين، وكانت داعية لمداخلتهم لهم واختلاطهم بهم؛ قد أثرت في الأدب الأندلسي تأثيراً محسوساً فظهر بمظهر القوة والجزالة واختفت منه عناصر الضعف والفسولة التي كانت سائدة عليه أيام ملوك الطوائف. وانتحى الشعراء في شعرهم مناحي الجد والتوقر بدل ما كانوا منغمسين فيه من البطالة، والمجون، وذلك نتيجة لتشبعهم بروح الحفاظ الذي كان يسيطر على رجال الدولة وارتفاع معنويات أهل الأندلس عموماً بما آتاهم الله من نصر على عدة وهم بعد ما كانوا أصبحوا طعمة سائغة له. وقد سجل دوزي بغيظ هذه الظاهرة الجديدة التي طرأت على الأدب الأندلسي من جراء توجيه الأمراء المرابطين له، واعتبرها تدهوراً في حقه، في حين أننا نعتبرها انتعاشاً وبعثاً للأدب العربي الأصيل. وإلى القارئ مثالاً على ذلك هذه القصيدة التي يقولها الوزير ابن أرقم مدحاً للأمير عبدالله ابن مزدلي:
سريت والليل من مشراك في وهل ... مبرأ العزم من أين ومن كسل
وسرت في جحفل يهودي فوارسه ... سناك تحت الدجى والعارض الهطل
والبدر محتجب لم تدر أنجمه ... أغاب عن سرر أم غاب عن خجل
هوت أعاديك من سار يؤرقه ... ركض الجواد وحمل اللامة الفضل
إذ الملوك نيام في مضاجعهم ... مستحسنون بهاء الحلي والحلل
لله صومك براً يوم فطرهم ... وما توخيت من وجه ومن عمل
نحرت فيه الكماة الصيد محتسباً ... وحسب تغيرك نحر الشام والإبل
стр. 75
إذا ضرير المداري هزهم طرباً ... ألهاك منه صرير البيض والأسل
وإن ثنتهم عن الإقدام عاذلة ... مضيت قدماً ولم تأذن إلى العذل
كم ضم ذا العيد من لاه به غزل ... وأنت تنشد أهل اللهو والغزل
في الخيل والخافقات البيض لي شغل ... ليس الصبابة والصهباء من شغلي
ظلت يومك لم تنقع به ظمأ ... وظل رمحك في عل وفي نهل
وكلما رامت الروم الفرار أتت ... من كل أوب وضمتها يد الأجل
فصار مقبلهم نهباً ومدبرهم ... وعاد غانمهم من جملة النفل
فكم فككت من الأغلال عن عنق ... وكم سددت بهذا الفتح من خلل
أنت الأمير الذي للمجد همته ... وللممالك يحميها وللدول
وللمواهب أو للخط أنمله ... ما لم تحن إلى الخلية الذبل. . .
ونسجل هنا قوله أو للخط التي تصحفت في القلائد بالحظ، وإنما هي الخط يعني الكتابة فكأنه يقول في أنامله: أنها للسيف والقلم والكرم! . .
стр. 76
تراجم بعض الشخصيات هذا العصر
والآن نقدم تراجم بعض شخصيات هذا العصر الذين برزوا في أحد أبواب المعرفة التي قدمنا الكلام عليها، متممين بذلك وصف النشاط العلمي والأدبي الذي وجد في المغرب على عهد المرابطين، فنضع الصورة في إطارها ونحيط بالموضوع من جوانبه كلها.
عبدالله بن سعيد الوجدي
يكنى أبا محمد ونسبته إلى مدينة وجدة عاصمة المغرب الشرقي. ولي قضاء بلنسية لأول فتحها في الدولة اللمتونية واسترجاعها من الروم في رجب سنة ٤٩٥ وعلى يديه وتحت نظره تم بناء المحراب بالمسجد الجامع منها في سنة ثمان وتسعين. وفي جانبه كان اسمه مخطوطاً إلى أن ملكها الروم ثانية في آخر صفر سنة ٦٣٦ قاله ابن الأبار. وكان من جلة الفقهاء الحفاظ المسائل الرأي القائمين عليها. وكان يناظر عليه ويجتمع في ذلك إليه. وبه تفقته أبو حفص بن واجب وغيره. وقد حدث عنه أبو العرب عبد الوهاب بن محمد التجيبي وأبو عبدالله بن خليل القيسي نزيل مراكش وتوفي بيلنسية قبل سنة ٥١٠.
إبراهيم بن جعفر اللواتي
هو الفقيه المشاور أبو إسحق، المعروف بابن الفاسي، من أهل سبتة . أخذ عن شيوخ بلده. ولزم الفقيه أبا الأصبغ بن سهل وكتب له في قضائه بطنجة وغرناطة وسمع منه جميع كتبه وحدث بها عنه، وكان بصيراً بالشروط والوثائق؛ بل لم يكن في عصره من هو أقوم عليها منه، عارفاً بالأحكام متفنناً في معارف شتى. شاوره القضاة بالمغرب والأندلس، ودرس الفقه زماناً. وأخذ عنه من الأكابر القاضي عياض
стр. 77
وأمثاله. وكان عاقلاً مهيباً كثير الوقار لا يتكلم أحد في مجلسه إلا بمسألة علم أو كلام فيه نفع. وألف مختصر ابن أبي زمنين فنحا فيه أحسن منحى. وكانت وفاته في? جمادى الأولى من عام ٥١٣.
أبو عبدالله التميمي
الفقيه القاضي أبو عبدالله محمد بن عيسى بن حسين التميمي ، مولده بفاس سنة ٤٢٩ وانتقل به أبوه إلى سبتة وهو شاب؛ فطلب العلم على أبي عبدالله المسيلي وغيره. ورحل إلى الأندلس ثلاث رحل، إحداها في شبيبته إلى إشبيلية؛ فقرأ بها الأدب على أبي بكر بن القصيرة، والثانية إلى المرية سنة ٤٨٠ فأخذ عن ابن المرابط وأجازه الدلائي، والثالثة بسنة ٨٨ إلى قرطبة فسمع من ابن الطلاع وأبي مروان بن سراج وغيرهما. واتسع في الأخذ وتقلد الشورى وتولى القضاء بسبتة وبفاس، وكان عارفاً بالفقه والحديث حافظاً ضابطاً كثير الكتب مليح الخط والإنشاء والمحاضرة، من أعقل أهل زمانه وأفضلهم وأسمتهم، تام الفضل، كامل المروءة عند الخاصة والعامة، عظيم القدر، وهو شيخ القاضي عياض الذي صدر به فهرسته، لازمه للمناظرة عليه في المدونة والموطأ وسماع المصنفات وأجازه جميع رواياته. قال: وكان من أحسن القضاة سيرة وأنزههم، وأجرأهم على الطريقة القوية، فمضى فقيراً حميداً واحتفل الناس بجنازته. وولع العامة بنعشه مسحاً بالأكف ولمساً بأطراف الثياب تبركاً به رحمة الله عليه. توفي في ٢١ جمادى الأولى سنة ٥٠٥ وله ولد أسمه عبد الله من أهل العلم بالحديث والرواية والإتقان.
القاضي عياض
هو أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي . كان إمام وقته في الحديث وعلومه، عالم بالتفسير وجميع علومه فقيهاً أصولياً عالماً بالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، كاتباً شاعراً مجيداً، ريان من علم الأدب، خطيباً بليغاً، صبوراً حليماً جميل العشرة جواداً سمحاً كثير الصدقة دؤوباً على العمل صلباً في الحق. هكذا وصفه ابن فرحون في الديباج.
стр. 78
دخل الأندلس ورجل إلى الجزائر الشرقية منها طالباً للعلم وأكثر الأخذ فنافت شيوخه على المائة، فيهم القاضي أبو بكر ابن العربي وأبو الوليد ابن رشد الجد وابن عتاب وابن حمدين والمازري وأبو علي الصدفي وغيرهم. وفي قلائد العقيان كتاب توصية به من أمير المسلمين إلى ابن حمدين لما قصده للأخذ عنه. وهذه من المناقب التي تروي المرابطين في الاعتناء بالعلم والاهتمام بنشره.
قال ابن بشكوال: وجمع من علوم الحديث كثيراً وله عناية كبيرة به واهتمام بجمعه وتقييده، وهو من أهل التفنن في العلم واليقظة والفهم.
وبعد عودته من الأندلس أجلسه أهل سبتة المناظرة عليه في المدونة وهو ابن ثلاثين سنة أو ينيف عليها. ثم أجلس الشورى ثم ولي قضاء بلده مدة طويلة حمدت سيرته فيها. ثم نقل إلى قضاء غرناطة، قال ابن الخطيب: وبني الزيادة الغربية في الجامع الأعظم وبني في جبل المينا الراتبة الشهيرة.
ولما ظهر أمر الموحدين بادر إلى الدخول في طاعتهم، ثم انحرف عنهم لما اضطربت أحوالهم بثورة ابن هود؛ فنقلوه إلى مراكش شرداً به عن بلده، وبها توفي سنة ٥٤٤ ومولده بسبتة في شعبان ٤٩٦.
وللقاضي عياض التصانيف البديعة منها إكمال المعلم في شرح مسلم كمل به معلم شيخه المازري. ومنها كتاب الشفا في التعريف بحقوق المصطفى، أبدع فيه كل الإبداع وسلم له أكفاؤه براعته فيه، ولم ينازعه أحد في الانفراد به ولا أنكروا عليه مزية السبق إليه، بل تشوفوا للظفر به وأنصفوا في الاستفادة منه وحمله عنه الناس فطارت نسخه شرقاً وغرباً. وهو في الحقيقة كتاب فريد، دحض به مزاعم الملاحدة ومطاعنهم على المقام النبوي الشريف، وأتى في ذلك بالعجب العجاب مما لا ينكره إلا أعمى القلب مطموس البصيرة. ومنها مشارق الأنوار في تفسير غريب الحديث المختص بالصحاح الثلاثة: وهي الموطأ والبخاري ومسلم، وضبط الألفاظ والتنبيه على مواضع الأوهام والتصحيفات وضبط أسماء الرجال. وهو كتاب لو كتب بالذهب لكان قليلاً في حقه. ومما قيل فيه شعراً:
مشارق أنوار تبدت بسبتة ... ومن عجب كون المشارق بالغرب
стр. 79
فأجيب هذا القائل:
وما شرف الأوطان إلا رجالها ... وإلا فلا فضل لترب على ترب
ومنها كتاب التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة، جمع فيه غرائب من ضبط الألفاظ وتحديد المسائل، وكتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك وهو المشتهر بالمدارك. وغير ذلك مما نشير إليه بعد.
وله رسائل أدبية وديوان خطب ومقاطيع شعرية سنلم بها في المنتخبات.
وكان أبو الفضل بمنزلة من الجد في تعظيم الشريعة والذب عن حرمها، بحيث أن الفتح بن خاقان الكاتب المشهور صاحب قلائد العقيان، دخل عليه يوماً وهو بحكمته؛ فاشتم منه رائحة الحمر ورأى عليه آثار نشوتها، فغضب عليه وجرده من ثيابه وحده الحد الشرعي ولم تأخذه في الله لومة لائم. وخرج الفتح من غده ثائراً حنقاً وهم أن يحذف ذكره من قلائده؛ فقيل له أن ذلك يكون أدعى لاشتهار القضية وظهورها فعدل عن ذلك. ولكن القاضي الأديب بعد أن خرج الفتح من عنده أتبعه بصلة سنية إبقاء على وده واسترضاء لخاطره وضرباً للمثل في أن التمسك بقواعد الإسلام وحفظ حدوده لا ينافي الأريحية الأدبية ولا يذهب بظرف الأديب ورقة حاشيته. ﵀.
عيسى الملجوم
أبو موسى عيسى بن يوسف بن عيسى بن علي الأزدي، عرف بابن الملجوم ، لقب جرى على أحد أجداده في شبيبته لحبسة كانت في لسانه. وبنو الملجوم من بيوتات المجد القديمة بفاس، وقد رفع ابن القاضي في الجذوة نسبهم إلى المهلب بن أبي صفرة. ونبغ منهم عدة أفراد في الفقه والحديث والأدب، ورأسوا بالعلم وتولوا القضاء وأدركوا شرفاً كبيراً. وكان عيسى هذا عارفاً بالفقه ذاكراً للمسائل، متقدماً في علم الفرائض، محدثاً حافظاً راوية. سمع ببلده من أبيه قاضي الجماعة أبي الحجاج، وأبي الفضل ابن النحوي وأبي الحجاج الكلبي الضرير؛ وبأغمات
стр. 80
من أبي محمد اللخمي سبط أبي عمر بن عبد البر. ودخل الأندلس فلقي بقرطبة أبا عبد الله بن الطلاع وأبا بكر حازم بن محمد وأبا علي الغساني وأبا الحسين بن سراج وأبا محمد بن عتاب. ثم دخل الأندلس ثانية فلقي بإشبيلية أبا عبدالله بن شبرين وكتب إليه أبو عبدالله الخولاني وأبو علي الصدفي وغيرهما. وتولى القضاء بفاس وبمكناس، وكان من أهل الجلالة والأصالة، راوية جماعة للدواوين العتيقة، والدفاتر النفيسة. وابتاع من أبي على الغساني أصله من سنن أبي داود الذي سمع فيه على أبي عمر بن عبد البر، وهو أصل أبي عمر، كان قد صار إلى أبي علي بخمسة آلاف دينار بعد أن نسخ منه أبو علي بخطه وقابله وأتقنه. وناهيك بهذه الهمة العالية وهذا الشغف بالعلم. ولعله أراد أن يسدي إحساناً في صورة معاملة، إلى شيخه الذي يأبى من رؤية المنة عليه لأحد، شأن أمثاله من علماء السلف ﵏. حدث عنه أبو محمد بن فليح وابنه أبو القاسم عبد الرحيم وقال: ولد يوم الاثنين مستهل ذي القعدة ٤٧٦ وتوفي في رجب عام ٥٤٣.
أحمد بن الحطيئة
الشيخ أبو العباس أحمد بن عبدالله بن أحمد بن هشام بن الحطيئة اللخمي الفاسي ، كان رأساً في القراءات السبع ومن أهل العلم والصلاح، ولد بفاس سنة ٤٧٨ وانتقل إلى مصر فقرأ على ابن الفحام. وقرأ عليه شجاع بن محمد بن سيدهم وروى عنه الحافظ أبو الطاهر السلفي. وعرض عليه القضاء بمصر أيام العبيديين؛ فاشترط أن لا يقضي بمذهب الدولة فأبوا وتوفي آخر المحرم سنة ٥٦? .
علي بن حرزهم
أو ابن حرازم كما هو الجاري على الألسنة فيه وفي كثيرين غيره من هم على اسمه . وصوب الساحلي الأول في كتابه بغية السالك وهو الذي في كتب الأقدمين.
هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن محمد بن عبدالله بن حرزهم، يعتلي نسبه إلى عثمان بن عفان (رض). ولد ونشأ بفاس وكان من كبار فقهائها ومدرسيها العباد
стр. 81
الزهاد. قال الساحلي: كان عالماً فقيهاً محدثاً حافظاً مدرساً زاهداً في الدنيا، سالكاً في طريق القوم من أهل التحقيق، مشاركاً في علوم الشريعة لكنه أميل إلى التصوف. أحكم كتاب الإحياء للغزالي وضبط مسائله فكان يستحسنه ويثني عليه. درس بفاس وأخذ عنه ناس الطريق الشيخ أبي مدين الأنصاري وأبي عبدالله التاودي. ودخل مراكش فدرس بها العلم وتاب على يده خلق كثير وزهد أميرها في الدنيا.
نعم فقد كان في أول الأمر من حمل على كتاب الإحياء واستنكر ما فيه، ثم غلبت عليه نزعة التصوف فرجع عن رأيه فيه كما سبق الإلماع إلى ذلك. ونظر؛ كما يقول ابن قنفذ في كتابه أنس الفقير، فيما كان ينكره منه، فوجده موافقاً للكتاب والسنة.
ولما قدم الشيخ أبو مدين إلى فاس دخل لجامع القرويين وسأل عن مجالس العلماء فسار إليها مجلساً بعد مجلس، قال: وأنا لا يثبت في قلبي شيء مما أسمعه من المدرسين إلى أن جئت إلى شيخ كلما تكلم بكلام ثبت في قلبي وحفظته. فلما فرغ دنوت منه وقلت له حضرت مجالس كثيرة فلم أثبت على ما يقال وأنت كل ما سمعته منك حفظته، فقال لي: هم يتكلمون بأطراف ألسنتهم فلا يجاوز كلامهم الآذان وأنا قصدت الله بكلامي فيخرج من القلب فلازمته. وكان هذا الشيخ هو علي بن حرزهم، توفي ﵀ سنة ٥٥٩.
أبو القاسم المعافري
هو الفقيه الأصولي المتكلم أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد المعافري من أهل سبتة. له رحلة سمع فيها بالأندلس من القاضي أبي الوليد الباجي وببلاد إفريقية ومصر والحجاز من جماعة كابن فضال بمصر وابن الصباح بتونس ولقي بمكة الفقيه عبد الحق (١)
стр. 82
والإمام أبا المعالي الجويني وابن صاحب الخمس بصقلية وغيرهم. ودرس هناك الأصول والكلام ودرس ذلك ببلده سبتة مدة حياته. قال القاضي عياض: وعليه أخذ ذلك جماعة من شيوخنا وأصحابنا، ورحل إليه الناس في درس ذلك عليه. ولي قضاء بلده سبتة والخطابة بمسجدها كما تولى قضاء الجزيرة الخضراء. وتوفي آخر محرم سنة ٥٠٢.
الحسن بن طريف النحوي
الشيخ الصالح أبو علي الحسن بن علي بن طريف، من أهل سبتة ويعرف بالتاهرتي شيخ بلده في النحو، له سماع من الفقيه حجاج بن الماموني وأبي عبد الله ابن سعدون وأبي الأصبغ بن سهل وأبي محمد أبي قحافة. وأخذ عن أبي تمام القطيني وغيره بالأندلس ودرس النحو عمره بسبتة. وأخذ عنه جماعة منهم القاضي عياض وغيره. وتوفي في ١٩ ذي الحجة ٥٠١.
مروان بن سمحون
أبو عبد الملك مروان بن عبد الملك بن إبراهيم بن سمجون اللواتي الطنجي، زعيم المغرب وشيخه وذو الجاه العريض والقول المسموع فيه. هكذا عرفه القاضي عياض في فهرسته ثم قال: كان من أهل العلم والفقه والأدب، وله سماع عال من المصريين كابن نفيس وابن منير وأبي محمد بن الوليد ونمطهم، وقرأ القرآن على المقرئين بها وجالس الفقيه عبد الحق بصقلية، وسمع من أبي علي المعروف بابن مد كيو فقيه سجلماسة بها، عن أبي محمد بن أبي زيد، وحصل علماً جماً، وكان يقول - كما عند صاحب معجم البلدان - لم أدخل إلى الشرق حتى حفظت أربعة وثلاثين ألف بيت من أشعار الجاهلية، وكان ذا شهامة وجزالة وفصاحة. أخذ نفسه بالإعراب في كلامه مع الخاصة والعامة، فلا يكاد يؤخذ عليه لحن، وولي الصلاة والخطبة والفتيا بسبتة، ثم انتقل إلى طنجة صدر الدولة المرابطية؛ فولي صلاتها وخطبتها وفتياها، ثم تقلد أحكامها وانصرفت إليه جميع أمور الأندلس والمغرب، وفوض إليه أمير المسلمين يوسف في كبار مهامه. وكان مهيباً صلباً. وله شعر وخطب فصيحة قوية العارضة كثيرة الغريب.
стр. 83
مولده سنة ٤٢١ ووفاته في ٢٠ رجب ٤٩١ وهو من بيت بني سمجون اللواتيين الطنجيين الذين ظهر منهم في هذا العصر والعصر الذي يليه كثير من أهل العلم والفضل. ورحل بعضهم إلى الأندلس واستقر فيها، فظهر منهم بها أيضاً علياء فضلاء.
أبو الحسن بن زنباع
هو القاضي الأديب أبو الحسن بن زنباع ويقال فيه أيضاً ابن بتيع الصنهاجي ، من أهل طنجة، نسبه إليها القلقشندي في صبح الأعشى. وقال: ترجم له في قلائد العقيان واثنى عليه وأنشد له أبياتاً منها:
وقد تحمي الدروع من العوالي ... ولا تحمي من الحدق الدروع
ويوخذ من تحلية الفتح له بالفقيه القاضي وصفته بالمشاركة في العلوم والآداب والفصاحة والبيان، والطب أيضاً، أنه شخصية علمية فذة؛ وأن الأدب هو أقل بضاعة كان يتميز بها فصار اليوم اكثر ما نذكره به. وشعره مع ذلك طبقة عالية من حيث البلاغة والانسجام والإجادة في مختلف الأغراض، فهو مفخرة لقبيله وحجة على المنكرين براعة المغاربة في الأدب وخاصة في هذا العصر، وسنثبت آثاره في محلها من قسم المنتخبات.
يحيي بن الزيتوني
هو أحد الأدباء الذين نبغوا في هذا العصر، من أهل فاس. كان أديباً أريحياً خفيف الروح رقيق الحاشية متظرفاً حسن المذهب: له شعر بديع وتصرف مطبوع. ذكره ابن بسام في الذخيرة وقال: كان حاضر الجواب ذكي الشهاب، ثم أورد واقعة حال جرت بينه وبين أبي الوليد بن زيدون مجلس المعتمد، قصد فيها أديب الأندلس أن ينال من المترجم ولكن هذا أفحمه، وسنوردها مع بعض شعره في محلها.
стр. 84
ابن القابلة السبتي
أبو محمد عبدالله بن هرون المعروف بابن القابلة السبتي . ذكره بن دحيه في كتابه المطرب من أشعار أهل المغرب وقال إنه من شعراء سبتة المطبوعين. وهو ممن ترجمهم ابن بسام في الذخيرة وأوردهم ابن سعيد المغربي في كتابيه رايات المبرزين وعنوان المرقصات المطربات من شعراء المائة الخامسة. ولا نعلم من أحواله شيئاً غير ما تدل عليه كنيته من مكانة اجتماعية متواضعة. على أن ابن دحية لم يذكره بكنيته وإنما نسبة إلى أبيه، وهو الوحيد الذي ذكر اسم أبيه فيما وقفنا عليه.
وثم شاعر آخر يعرف بابن القابلة أيضاً وهو محمد بن يحيى الشلطيسي من رجال المغرب لابن سعيد وله قرابة أدباء يعرفون بهذه الكنية مذكورون في الصلة وصلة الصلة.
وللمترجم شعر جميل نورده في المنتخبات.
تسمية بعض الكتب المؤلفة في هذا العصر
وبعد فهذه جريدة بأسماء الكتب التي ألفت في هذا العصر، من العلماء الذين ذكرناهم، على حسب ما وقفنا عليه. وبالضرورة فهي لا تحيط بجميع مؤلفات عهد المرابطين، وإنما تعطي أمثلة منها:
في الفقه:
مختصر كتاب ابن أبي زمنين لإبراهيم بن جعفر.
الإعلام بحدود قواعد الإسلام للقاضي عياض.
نظم البرهان على صحة جزم الآذان له.
مسألة الأهل المشروط بينهم التزاور له.
أجوبة القرطبيين له.
الأجوبة المحبرة على الأسئلة المتخيرة له.
стр. 85
المقاصد لحسان فيما يلزم الإنسان له.
النوازل القضائية له.
التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة له.
في الحديث والتفسير
تفسير لأبي بكر بن الجوزي السبتي.
إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للقاضي عياض.
الشفا في التعريف بحقوق المصطفى له. ا
لإلماع في ضبط الرواية وتقييد الساع له.
بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد له.
مشارق الأنوار في غريب الحديث والآثار له.
في التوحيد
تصنيف لأبي بكر بن الجوزي السبتي.
في التاريخ
ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعيان مذهب مالك للقاضي عياض.
الغنية له في شيوخه وهي فهر سته.
معجم شيوخ أبي علي الصدفي له.
الفنون الستة في تاريخ سبتة له.
في الأدب
ديوان خطب لمروان بن سمجون.
أغنية الكاتب وبغية الطالب في الصدور والترسل للقاضي عياض.
سر السراة في أدب القضاة له.
ديوان خطب له.
стр. 86
عصر الموحدين
стр. 87
إنقلاب
لم تكن دولة المرابطين أعظم استقراراً ولا أكثر اطمئناناً منها حينما ظهر المهدي ابن تومرت على مسرح التاريخ وضرب ضربته القوية التي قوضت أركان ذلك البنيان الشامخ وأتت عليه من الأساس. على أن من يستقرئ الأحوال بتعمق، يجد أن بذور الثورة كانت تنمو هنا وهناك، والقوم في غفلة عما يجري حولهم. ولعل ابن تو مرات لم يرحل إلى المشرق إلا وهو يحمل في رأسه فكرة الثورة على الواقع المغربي، وخاصة في ميدان الاجتماع وما يرجع لنزعة الدولة العقدية والمذهبية. ولعله رأى بعيني رأسه، وهو يتجول في ميدان المغرب والأندلس، نسخ الإحياء تضرم فيها النار، والناس بين موافق ومخالف، فتاقت نفسه لتحقيق الحق في هذا الموقف الغريب، إذ ليس من الجائز أن يكون الإسلام في المشرق غيره في المغرب.
ومن هنا يجيء اتصال زعيم الانقلاب الموحدي بحجة الإسلام الغزالي في رحلته، وقراءته عليه، وسؤال هذا له عن المصير الذي لقيه كتابه في المغرب، وعن أحوال المرابطين ثم دعاؤه عليهم - فيما يروي المؤرخون - بتمزيق ملكهم، ذلك الدعاء الذي يعتبر في الحقيقة دعوة إلى الثورة عليهم. ومما لا شك فيه أن المهدي رشح نفسه لهذه المهمة، من يومئذ. وما يمنعه من ذلك؟ وهذا الإمام الغزالي الذي أيد سياسة المرابطين أيام العاهل الكبير يوسف بن تاشفين، عاد فسحب تأييده لها أيام ولده علي.
وكان المهدي رجلاً من سوس، ومن قبيلة هرغة بالذات، إحدى قبائل المصامدة واسمه محمد، وإنما اشتهر بالمهدي بعد إعلانه لدعوته، وهو ينتسب في آل البيت ﵈ وخرج طالباً للعلم سنة ٥٠١ فدخل الأندلس ورحل إلى المشرق؛ فحج ولقي الأئمة وحصل على علم غزير، وكان ذا فصاحة ولسن وحجة قوية، إلى ورع ونسك وغيرة شديدة على الدين، ما جعل منه داعية من الطراز الأول، فلم يلبث أن نزل إلى الميدان مصلحاً دينياً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى التوحيد على طريقة
стр. 88
الأشاعرة، من تأويل المتشابهات وعدم إقرارها على ظاهرها فراراً من الوقوع في التجسيم. وكان أكثر ما يحفز همته للعمل ما يراه من انتشار البغي والفساد مع سكوت علماء الدين على ذلك. ولقد بدأ في طريق عودته إلى المغرب من رحلته التي دامت زهاء عشر سنوات، يصطدم بالعامة وأولي الأمر، إذ كان كلما رأى منكراً تقدم بتغييره، فيريق الخمور ويكسر آلات اللهو والطرب ويغلظ على أهل المجون، كما فعل في الإسكندرية والمهدية وتونس وقسنطينة وبجاية وتلمسان وغيرها. وما كان ينجيه من طائلة العقاب إلا ما يلوح عليه من سمة الخير، ومساندة الرأي العام له إذ كان المجتمع الإسلامي ما يزال يؤثر الطهارة ويتمسك بقانون الأخلاق.
ويظهر من سيرته هذه أن الرجل كان مخلصاً في دعوته أشد الإخلاص، وأنه لم يكن يهمه ملك ولا دنيا إلا بلوغ قصده في محاربة الفساد وتجديد الدين. ولولا ذلك لما عرض نفسه للخطر مراراً في غير موطنه، حيث لا يرجو ملاكاً ولا يجد من قومه أعواناً يشدون أزره ويحمون ظهره. ولقد أشخص بين يدي أمير المسلمين بمراكش عند ما جهر بدعوته وكثر انتقاده للحكام فلم ير فيه غير داعية ديني مخلص، وتأثر بكلامه ثم أمر بتخليته على الرغم من إلحاح أهل مجلسه عليه في البطش به وتحذير مستشاريه له مما سيؤول إليه أمره.
والذي نريد أن نقوله هو أن الرجل كان صاحب فكرة إصلاحية عمل لتنفيذها بالوسائل المألوفة قبل أن يكون طالب ملك يرتكب كل محظور للحصول عليه. وبذلك تعلم أنه فوق ما تقول عليه ورمي به من التلبيس والشعوذة وعضائه الأمور. وهذا هو رأي ابن خلدون الناقد البصير. فاستمع إلى ما يقوله في هذا الصدد عند تعرضه لتصحيح كثير من أغلاط المؤرخين في مقدمته الحافلة:
«ويلحق بهذه المقالات الفاسدة والمذاهب الفاشلة، ما يتناقله ضعفة الرأي من فقهاء المغرب، من القدح في الإمام المهدي صاحب دولة الموحدين ونسبته إلى الشعوذة والتلبيس فيما أتاه من القيام بالتوحيد الحق والنعي على أهل البغي قبله، وتكذيبهم لجميع مدعياته في ذلك، حتى فيما يزعم الموحدون أتباعه من انتسابه في أهل البيت. وإنما حمل الفقهاء على تكذيبه ما كمن في نفوسهم من حسده على شأنه، فإنهم لما رأوا من نفوسهم مناهضته في العلم والفتيا والدين بزعمهم، ثم أمتاز عنهم بأنه متبوع الرأي،
стр. 89
مسموع القول، موطأ العقب، نقموا ذلك عليه وغضوا منه بالقدح في مذاهبه والتكذيب لمدعياته. وأيضاً فإنهم كانوا يأنسون من ملوك لمتونة أعدائه، تجلة وكرامة لم تكن لهم من غيرهم، لما كانوا عليه من السذاجة وانتحال الديانة؛ فكان لحملة العلم بدولتهم مكان من الوجاهة والانتصاب للشورى، كل في بلده وعلى قدره في قومه، فأصبحوا بذلك شيعة لهم وحرباً لعدوهم، ونقموا على المهدي ما جاء به من خلافهم والتثريب عليهم والمناصبة لهم، تشيعاً للمتونة وتعصباً لدولتهم. ومكان الرجل غير مكانهم وحاله غير معتقداتهم. وما ظنك برجل نقم على أهل الدولة ما نقم من أحوالهم وخالف اجتهاده فقهاءهم، ونادى في قومه ودعا إلى جهادهم بنفسه، فاقتلع الدولة من أصولها وجعل عاليها سافلها، أعظم ما كانت قوة وأشد شوكة وأعز انصاراً وحامية. وتساقطت في ذلك من أتباعه نفوس لا يحصيها إلا خالقها، قد بايعوه على الموت ووقوه بأنفسهم الهلكة. وتقربوا إلى الله تعالى بإتلاف مهجهم في إظهار تلك الدعوة والتعصب لتلك الكلمة، حتى علت على الكلم ودالت بالعدوتين من الدول؛ وهو بحالة من التقشف والحصر والصبر على المكاره والتقلل من الدنيا، حتى الولد الذي ربما تجنح إليه النفوس وتخادع عن تمنيه. فليت شعري ما الذي قصد بذلك إن لم يكن وجه الله، وهو لم يحصل له حظ من الدنيا في عاجله? ومع هذا فلو كان قصده غير صالح لما تم أمره وانفسحت دعوته «سنة الله التي قد خلت في عباده».
وكما أنه لم يقم لطلب الملك على ما علمت، فإنه لم يقم لطلب ثأر له عند دولة المرابطين، لأنها لم تؤذه بشيء ولم تمد إليه يداً بسوء. وكون تنازع الزعامة بين المصامدة الذين ينتسب إليهم وصنهاجة التي ينتمي لها المرابطون، هو الباعث له على القيام كما قيل بذلك، ضعيف جداً؛ وخصوصاً مع ما علم من ديانته وتقواه وعدم تمسكه بأسباب العصبية التي نهى عنها الإسلام. على أنه لم يثبت أن هناك تنازعاً كان قائماً بين المصامدة وصنهاجة عند ظهور المهدي بن تومرت. والثابت هو أن دعوته كانت تحتضن مختلف القبائل لأنها قامت تحت شعار التوحيد، كما كانت دعوة عبدالله بن ياسين تنتظم صنهاجة وغيرها ولذلك سمى أتباعه بالمرابطين. فالأمر في الحالين معاً يتعلق بدعوة دينية أكثر مما يتعلق بعصبية قبلية. نعم لقد كان أنصار المهدي في غالب الأمر من المصامدة، وذلك لأنه آوى إليهم وأقام فيهم مدة يدعو إلى فكرته وينشرها بينهم بكل قواه، بعدما يئس من استجابة العلماء له في نبذ التقليد وطرح الجمود،
стр. 90
والقيام بتغيير المنكر الذي كان يجري على مرأى منهم ومسمع. وبدل أن يمدوا إليه يد المعونة ويعززوا موقفه، قاوموه وجرضوا أمير المسلمين عليه؛ فلم يسعه إلا النجاة بنفسه واللجوء إلى قومه ينشد عندهم الحماية والنصرة. ولقد لجأ منهم إلى مأمن حقاً، حيث انتصب لنشر العلم وبث أفكاره ومبادئه في غير خوف ولا رقابة. وكان أكثر ما يدعو إلى الأخذ بمذهب الأشاعرة في الاعتقاد، وخاصة في تأويل المتشابه من الآي والأحاديث، الذي كان المغاربة لا يجنحون إليه أخذاً بمذهب السلف في ترك التأويل وإقرار المتشابهات كما جاءت؛ مشددأ النكير عليهم في ذلك وربما رماهم بالتجسيم. ولذلك سمى أتباعه بالموحدين تعريضاً بخصومه من رجال الدولة والفقهاء وعامة أهل المغرب الذين كانوا كلهم على مذهب السلف في العقيدة. وكان من رأيه القول بعصمة الإمام، على رأي الإمامية من الشيعة. وألتف في ذلك كتابه الذي افتتحه بقوله (أعز ما يطلبه) فصار هذا الافتتاح علماً على ذلك الكتاب، ولم تحفظ عنه فلتة في البيدعة سوى هذه على ما يقول ابن خلدون. ويظهر لنا أنه مزج بين المهدوية والإمامية) (١)، ولذلك كان أتباعه يعتقدون فيه الأمرين معاً. وقد لبث الخطباء مدى طويلاً في أيام الموحدين يذكرونه بوصف الإمام المعصوم المهدي المعلوم من فوق منابر المغرب كافة. وعلى كل حال فإنه عكف على التعليم وتربية من استجاب له من قومه في جبال سوس، فكنت تراه طوال يومه يعقد المجالس الخاصة والعامة يلقي فيها إلى الناس مذاهبه وآراءه، متخذاً في ذلك الأساليب الموصلة إلى المقصود بسرعة؛ فتارة يملي بالبربرية وتارة بالعربية، وكذلك فعل في تأليف الكتب مثل المرشدة، وهي عقيدة خالية من البدعة، مما يدل على أنه لم يكن يعلن بآرائه السياسية للعموم أو أن تأليفه لها سابق عن إعلانه بمذهبه هذا الجامع بين المهدوية والإمامية. ومهما يكن من أمر، فإن هذا التطور السياسي إنما طرأ على دعوته بعد خروجه من مراكش ولجوئه إلى سوس. يدلنا على ذلك إجماع المؤرخين على عدم ذكرهم لشيء من آرائه السياسية فيما كان يصدر عنه من أقوال قبل ذلك، وفي مناظرته للعلماء بمراكش بين يدي علي بن يوسف على الخصوص. وكما تنتشر النار في الهشيم كانت هذه الآراء مع مذهبه في التوحيد تنتشر في القبائل، وفي كل يوم يرتفع صيته ويؤمه الناس من كل جهة، فيعرف كيف يستميلهم إليه ويدخلهم في
стр. 91
دعوته، حتى أصبح سلطاناً مطاعاً في جميع القبائل، والمغرب إذ ذاك وفي كل وقت هو القبائل. وقد تأول الجميع عليه ما كان يحدثهم به عن المهدي والإمام المعصوم، فصاروا لا يدعونه إلا بأحد اللقبين.
وكانت هذه الأخبار تصل إلى مراكش فتثير حفيظة الدولة عليه. وكلما اشتدت صولته كلما أوجست الخيفة منه، فتعض أصابع الندم على إفلاته من يدها. وصممت العزم على مناوشته بالقتال ومبادأته بالمحاربة، فأرسلت إليه أول طليعة في سنة ٥١٥ وهو بجبل تينمل من بلاد سوس فهزمها.
ولا حاجة بنا إلى القول إن المهدي ثابر في محاربة القوم ومناجزتهم القتال. وكانت الحرب بينهم سجالاً. غير أنه لم يفرح بالانتصار على خصومه في موقف مشهود. ومع ذلك فإنه كان قوي العزم صحيح العقد في جهادهم واثقاً بالنصر عليهم وغلبتهم والإدالة منهم، كما وعد بذلك أصحابه وهو يجود بنفسه. وكان حرياً أن يشهد الدولة المرابطية تخر من فوق عرشها العالي ويتهدم بنيانها الشامخ، لولا أن المنية عاجلته فتوفي وهو في زهرة العمر ٥? ٤ وخلفه رفيقه عبد المؤمن بن علي الكومي الفتى الجلد الصبور، الذي كان لقي المهدي في ملالة قرية ببجاية، وهو في طريقه إلى المشرق بقصد طلب العلم. فعدل عن رحلته وصحب المهدي مكتفياً بالدراسة عليه، وهذا أحلته منه محلاً خاصاً وأشركه في أمره وكاشفه بخبيئة نفسه، وكان هو وارثه وخليفته من بعده بعهد منه؛ فواصل عمله في محاربة المرابطين بدون انقطاع، وجمع همة الموحدين على هذه الغاية، فلم يضع السيف من يده حتى دخلت دولة المرابطين في خبر كان.
وكانت هذه الدولة قد شاخت قبل الأوان وتمكن منها الضعف أيما تمكن؛ فإنهار كل ما بناه لها ذلك العاهل العظيم يوسف بن تاشفين من آثار المجد الرفيع، وأركان العز المنيع. وذلك أن ولده عليا برغم صلاحه كان ضعيفاً مستضعفاً؛ فغلب على أمره واستقل الولاة بالأقاليم وعاد العتو والفساد في القبائل كما كان، وبرزت المرأة إلى ميدان السياسة فلعبت دورها الذي طالما زلزل العروش وقلب المالك. وهذا كاف في صرف النظر عن هذه الدولة وتوجيهه إلى من يحيط وحدة الأمة بسياج الحكمة والتدبير ويحقق أملها في مواصلة النهوض والتقدم. لذلك فإن العقلاء
стр. 92
من أهل المغرب وعامة أهل الأندلس ساعدوا حركة العصيان وناصروها في الشر والإعلان. والقبائل قد شاهدنا ما كان من رياضة المهدي لهم وتخريجهم في مدرسته؛ فلم يكونوا محتاجين إلى تجديد عهد ولا تثبيت طاعة، فسرعان ما دانت البلاد العبد المؤمن الذي فرض دعائم الدولة المرابطية ودوخ المغرب من أدناه إلى أقصاه. وسرعان ما استقرت الأحوال واستتب الأمن وعادت الأمور إلى نصابها؛ فقامت دولة الموحدين بمراكش شامخة البنيان رفيعة الأركان. وتم الانقلاب الموحدي العظيم في مدة لم تكن تكفي في بادئ النظر لتجهيزه فأحرى تنفيذه. والله في خلقه شؤون.
توحيد المغرب العربي
لئن كان المهدي بن تومرت هو صاحب دعوة الموحدين والقائم على دولة المرابطين والممهد للانقلاب والواضع لخطط الثورة التي اتبعت بالحرف، فإن عبد المؤمن هو رجل الدولة الذي اضطلع بتنفيذ جميع برامج الثورة والاستيلاء على مملكة المرابطين وتحقيق وحدة الشال الإفريقي، مع الحرص على تطبيق مبادئ الدعوة الموحدية في الحقلين الديني والاجتماعي بأمانة وإخلاص. ولقد صدق المهدي حين قيل له إن الموحدين قد هلكوا، وذلك في وقعة البحيرة التي جرت بينه وبين المرابطين واستأصلت معظم أصحابه، فقال: ما فعل عبد المؤمن؟ قيل: هو على جواده قد أحسن البلاء. قال ما بقي عبد المؤمن فلم يهلك أحد. . .
نعم لقد كان عبد المؤمن بالنسبة لدعوة الموحدين كيوسف بن تاشفين بالنسبة لدعوة المرابطين، هو الذي أبلغها كمالها وقرطس أهدافها ونهض بأعبائها المادية والمعنوية نهوضاً تاماً، فلم يخلف ظن إمامه حين اختاره لصحبته ومعاونته على مهمته منذ لقيه أول أمره، ولا حين قال فيه هذه الكلمة ورشحه لخلافته من بعده. وهكذا لما بويع له من طرف الموحدين خرج مغيراً على بلاد تادلة ودرعة وغمارة فاستولى عليها وتسابق الناس إلى الدخول في دعوته أفواجاً، وانتقضت القبائل على المرابطين؛ مما يدل على أن التعفن السياسي كان بالغاً فيها مداه. ثم صرف عزمه لفتح بلاد المغرب
стр. 93
فخرج من تينمل سنة ٥٣٤ في غارة طويلة دامت سبع سنين، فلم يرجع منها حتى فتح المغربين الأقصى والأوسط. وهلك علي بن يوسف وابنه تاشفين الذي ولي بعده في تلك الأثناء وألقت إليه فاس وتلمسان ومراكش بالمقاليد أواخر سنة ٥٤١ فخلصت له مملكة المرابطين في المغرب بأجمعها.
ثم بدأ يهتم بأمر الأندلس، فيما تم أن قدم عليه وفدها وهو بمراكش للبيعة سنة ٥٤٢ وأرسل إليها جيشاً بقصد تمهيدها ومدافعة العدو الذي اغتنم فرصة الانقلاب الموحدي فأغار على أطراف البلاد.
وطمح إلى الاستيلاء على بقية الشمال الإفريقي. وكانت دولة بني زيزي الصنهاجيين المعروفين ببني حماد، تسيطر على القسم الشرقي منه بما فيه من ولايات جزائرية وتونسية، إلا أنها قد ضعف أمرها وتطاول عليها الثوار من عرب هلال. وعدا النورمانيون وهم إفرنج صقلية على السواحل فأخذوا صفاقس وسوسة والمهدئة، ولقي السكان منهم هولاً عظيماً، فتوجه عبد المؤمن إلى هذه الناحية سنة ٥٤٦ ومهد أمرها باستيلائه على بجاية وقلعة حماد وقسنطينة. ورجع إلى المغرب، ثم عاد إليها سنة ٥٥٤ بجيش جرار؛ فدخل تونس وضرب الحصار على المهدية، وهي من أمنع ما يكون، يحيط بها البحر من ثلاث جهات، فتركها محاصرة براً وبحراً. ومضى يفتح طرابلس وصفاقس وسوسة، وجبال نفوسة وسائر بلاد إفريقية إلى برقة. ثم سقطت المهدية في يده أواخر السنة بعد هزيمة الأسطول الذي أتى لنجدتها.
ورجع عبد المؤمن إلى المغرب وقد ضبط أمر هذه البلاد وأصلح شأنها ولم يسترح إلا قليلاً. ثم عبر البحر إلى الأندلس سنة ٥٥٦ ونزل بجبل طارق وكان قد أمر ببنائه وتحصينه، وكان يسميه جبل الفتح؛ فأقام به شهرين وأشرف منه على أحوال الأندلس، ووفد عليه قوادها وأشياخها؛ فأمر بغزو غرب الأندلس فغزي وكان الظفر فيه للمسلمين. ثم عاد إلى المغرب وأخذ في الاستعداد للجهاد؛ فأمر بإنشاء الأساطيل ونظر في استجلاب الخيل والاستكثار من أنواع السلاح والعدد. وحين كان على أتم أهبة وافاه الأجل المحتوم في جمادى الثانية سنة ٥٥٨ برباط سلا. وكان أعظم أعماله بعد إرساء قواعد الدولة الجديدة هو توحيد أقطار الشمال الإفريقي، أو ما يسمى اليوم بالمغرب العربي وتكوينه منه دولة قوية زرعت الرعب في قلوب الأعداء؛
стр. 94
فحقق بذلك أعظم أمل لا يزال يخالج نفوس الساسة والمهتمين بمستقبل هذه البلاد، خصوصاً في العصر الحاضر، الذي أصبح شعاره قول الشاعر «وإنما العزة للكاثر».
ولما تولى ولده يوسف سار على أثره في الحزم والتدبير وحياطة مملكته الشاسعة الأطراف، وكان له بالأندلس اهتمام خاص. جاز إليها جوازه الأول سنة ٥٦? فاستولى على شرقيتها، وكان لم يدخل قبل في طاعتهم وحقق أمل والده في غزو أرض العدو فكانت له فيها وقائع منصورة. وأقام بالأندلس يغزو ويعمر البلاد ويشيد الآثار مدة خمس سنين، ثم رجع إلى المغرب وخرج إلى إفريقية سنة ٥? ٥ فتعهد نواحيها بالإصلاح والتنظيم، وعاد إلى مراكش بعد أن قضى سنتين في رحلته هذه. ثم جاز إلى الأندلس جوازه الثاني سنة ٥٧٩، حيث أصيب في ساحة الشرف على أبواب مدينة شنترين وتوفي في ربيع الثاني سنة ٥٨٠ وبويع هناك لولده يعقوب المنصور الذي بلغت الدولة في أيامه إلى منتهى القوة والعظمة. وكان عهده العهد الذهبي للمغرب سواء من ناحية استبحار العمران وازدهار الحضارة أو من ناحية استقرار النظام وانتشار العدالة؛ فكانت المرأة تخرج من بلاد نول فتنتهي إلى برقة وحدها، لا ترى من يعرض لها ولا من يمسها بسوء. وكان الدينار يقع من الرجل في الشارع العمومي فيبقى ملقى لا يرفعه أحد عدة أيام إلى أن يأخذه صاحبه. ويمكن القاضي الشهر وأكثر لا يجد من يحكم عليه لتناصف الناس وارتفاع مستواهم الخلقي. وكان المنصور ينظر بنفسه في المظالم، حتى إنه لينظر في قضية الدرهم والدرهمين وينصف من نفسه ويمتثل لحكم القضاة. وبقدر ما كان له من جولات مظفرة في تثبيت السلطة بأقطار إفريقية، كان لا يغفل عن القطر الأندلسي والسهر على حركة الجهاد فيه، حتى يفل من غرب العدو المستأسد على أهله. أما في إفريقية فإن أهم عمل قام به لضمان استتباب الأمن هناك هو تدبيره لأمر العرب من بني هلال الذين طالما أقلقوا راحة السكان منذ أن سراحهم الفاطميون للتشويش على ملوك بني زيري، فم ير أصلح لهم من نقلهم إلى المغرب حيث أمرهم ناحيتي الحوز والغرب، فانقطعوا عن الصحراء التي كانوا يعتصمون بها من السلطة بعد ما يعيشون في الأرض فساداً. وبذلك انحسمت مادتهم وأفادوا في تعريب الناحيتين المذكورتين وما اتصل بها من مواطن البربر.
وأما في الأندلس فإنه منذ ولي لم يفتر عن مواصلة الجهاد بنفسه وبواسطة كبار
стр. 95
قواد جيشه، إلا أن المعركة الكبرى التي خاضها ضد الفونس الثامن ملك قشتالة (١) كانت أجل أعماله الجهادية. وتسمى غزوة الأرك باسم الحصن الذي دارت حوله. وكانت يوم الخميس? شعبان سنة ٥٩١ وشارك فيها جيش الأندلس والعرب والموحدين وسائر قبائل المغرب فضلاً عن المتطوعة والعبيد؛ فهزم العدو هزيمة شنعاء وقتل من رجاله عدد كبير. وأما الأسرى والغنائم فشيء يفوت العد والإحصاء. وكانت هذه الواقعة أخت الزلاقة في خضد شوكة النصارى والتمكين الإسلام في أرض الأندلس إلى أمد بعيد.
وقد اشتهر إن السلطان صلاح الدين الأيوبي استنجد بيعقوب المنصور في حربه مع الصليبيين على بيت المقدس، ورجاه أن يبعث بأساطيله ليحول بينه وبين أساطيلهم المتدفقة على بلاد الشام فلم يجبه، وأن ذلك فيما يروي المؤرخون لكون صلاح الدين لم يخاطبه في رسالته بأمير المؤمنين. وهذا تعليل بارد لا نراه يتفق مع أخلاق المنصور وعلو همته وبعد نظره، وإنما الحقيقة أن صلاح الدين كان سرح مولاه قراقوش لبلاد المغرب سنة ٥٦٨ ففتح طرابلس وما والاها من البلدان ووضع يده في يد العرب وابن غانية (٢) وشغب كثيراً على المنصور مما سبب له متاعب جمة في بلاد إفريقية، لولاها لكان له في بلاد الأندلس فتوحات عظيمة لا تقدر بقيمة. فهذا هو السبب الحقيقي في إعراض المنصور عن نجدة صلاح الدين الذي ضربه من الخلف وأراد أن يغرر به لإتمام الضربة وإلا فأعمال المنصور في الجهاد وإعلاء كلمة الإسلام لا تقل عن أعمال صلاح الدين.
ويقال إنه بعد أن صرف رسوله جهز من أساطيله لهذا الغرض ١٨٠ قطعة ومنع
стр. 96
النصارى من سواحل الشام. ويؤيد هذا ما كان له من الصيت عند أهل الشام، حتى إنهم أقاموا له مشهداً بالقرب من دمشق على ما عند ابن خلكان.
وتوفي المنصور سنة ٥٩٥ وخلفه ولده محمد الناصر وكان كأبيه همة ونجدة وشجاعة. وفي أوائل أيامه واجه ثورة ابن غانية بإفريقية فقضى عليها وقتل ابن غانية وأراح البلاد من فتنته وعيثه، وبعث بأسطول من مرسي الجزائر إلى جزائر شرق الأندلس المعروفة بالبليار؛ فاقتحمها وكانت هي معقل بني غانية، استقلوا بها منذ اضمحلال دولة المرابطين. وباستيلاء الناصر عليها أنهار آخر حصن للمرابطين كانوا يروعون به أمن السكان في شرق الأندلس وإفريقية ويهددون منه سلامة الدولة الموحدية. ومع أن هذا العمل الذي افتتح به الناصر مدة حكمه يدل على توفيقه وحسن سياسته، فإن الحظ خانه في الواقعة التي جرت بينه وبين القوات المتحدة الممالك النصرانية بالأندلس في صفر سنة ٦٠٩ وتسمى بالعقاب (١) وكانت من الوقائع الفاصلة التي عجلت بسقوط الأندلس وأدالت بها للنصرانية من دولة الإسلام، ثم كانت هي مبدأ سقوط الدولة الموحدية وإن دامت بعدها أكثر من نصف قرن.
إن هذا الاستعراض السريع لما بذله رجال الدولة الموحدية من جهود جبارة في سبيل إقرار الوحدة المغربية والدفاع عن تراث الإسلام في إسبانيا لمما ينبئ عن عقيدة راسخة وإيمان قوي بالمهمة السامية التي كان على المسؤولين في الدولة الجديدة أن يضطلعوا بها. فما كانت دعوة المهدي إلا دعوة توحيد وتجديد للمفاهيم الإسلامية التي تبعث روح القوة والعزم في نفوس المسلمين فينهضون للعمل بجد لحماية بيضتهم وحفظ كيانهم المادي والمعنوي. وتحت تأثير هذه الدعوة اندفع الموحدون المقاومة القوات المسيحية الحليفة من ممالك قشتالة وليون ونبارة وأراغون التي تدفقت على بلاد الأندلس معززة بعطف البابا وبالفرسان الصليبيين الذين جاءوا من مختلف بلاد أوربا يريدون سحق المسلمين. كذلك كانت مملكة النورمان الناشئة في صقلية أوائل القرن السادس الهجري قد اقتحمت مدن الشاطئ الإفريقي
стр. 97
واستولت على ثغر المهدية أعظم حصن في هذا الشاطئ. فلولا قيام الدولة الموحدية التي استطاعت أن توحد الصفوف وتجمع الكلمة وتكون من أقطار إفريقية الشمالية هذه القوة العتيدة التي حاربت في آن واحد في كلتا الجبهتين الأندلسية والإفريقية لعصفت القوات النصرانية ببعض تلك البلاد أو بها جميعاً في ذلك الحين.
وقد ظهر من سباق الأحداث التي قارنت قيام هذه الدولة أن ملوك الموحدين قطعوا تلك الصلة التي تقر بتبعية المملكة المغربية لدولة الخلافة العباسية كما كان عليه الأمر في دولة المرابطين. ومن ثم فإنهم لم يحجموا عن اتخاذ لقب أمير المؤمنين وانتحال وصف الخليفة نفسه، ولعل ما شجعهم على ذلك هو حكمهم للأندلس وإفريقية الشمالية جميعاً، وكان بنو أمية بمجرد توطد ملكهم في الأندلس قد ادعوا الخلافة وتلقبوا بأمير المؤمنين، فضلاً عن ضعف أمر الخلافة العباسية في هذا العهد، ولا سيما وقد مات العاضد لدين الله آخر خلفاء الفاطميين الذين كان قيامهم من المغرب، فأقام صلاح الدين الأيوبي منافس يعقوب المنصور دعوة بني العباس في مصر، وقبله في سنة ٥٤٩ أي عند استتباب الأمر العبد المؤمن، كان الخليفة العباسي المقتفي لأمر الله كتب عهداً لنور الدين محمود ابن زنكي مخدوم صلاح الدين وولاه مصر وأمره بالمسير إليها. وكان قد تملك دمشق في ذلك العام، فلم يمنعه من قصد مصر إلا شغله بجرب الفرنج (١). والمقصود أن هذه العوامل مجتمعة كانت تشجع ملوك الموحدين على الاتصاف بالخلفاء وأمراء المؤمنين مع ما أعلم من انتسابهم في قيس عيلان بن مضر، وكون دعوتهم كما أرادها المهدي أول مرة تستهدف إصلاح أحوال المسلمين عامة، بدليل قيامه بالنكير للأوضاع الفاسدة في مصر بل حتى في مكة على ما يروي في ترجمته، فما بالهم لا يرون أنفسهم أحق بها وأهلها؟ . .
وإذا كان هذا من أهم الفوارق بين دولة الموحدين ودولة المرابطين التي لم تنقد في حبل الادعاء قط، فإن السيطرة التامة على كامل التراب المغربي من بلاد نول إلى أرض برقة هو ما تميزت به الدولة الموحدية في الميدان الحربي وجعلها في الوقت نفسه
стр. 98
دولة بحرية قوية ذات أسطول عظيم يضمن لها السيادة المطلقة على غرب البحر الأبيض المتوسط ومضيق جبل طارق، بحيث لم تكتف بحماية الشاطئ الإفريقي بل منعت تدفق القوات الصليبية القادمة من الغرب على سواحل الشام، هذا إلى ما جنته البلاد من ثمار الدعوة الموحدية، إذ كانت دعوة إصلاحية تقدمية، في الميدان الثقافي والديني مما نتناوله بالبحث في الفصول الآتية.
الدولة والثقافة العربية
ما هز عطفيه بين البيض والأسل مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي بهذا المطلع المطرب وحده، وهذا البيت البليغ المفرد، مدح محمد بن أبي العباس المعاني عبد المؤمن بن علي الذي استعاده منه واستعاده، وأمره بأن يقتصر عليه، وأجازه فيا يقول العياد الإصبهاني في كتاب الخريدة بألف دينار قائلاً له: لقد قلت في هذا كل شيء.
نعم، لقد قال فيه كل شيء. أليس قد مدحه بالشجاعة والتفوق فيها، حتى نفي عن غيره أن يكون هازاً عطفيه مثله، في الوغى المرتفعة بين السيوف اللامعة؟ وانظر أنت إلى رشاقة هذا التعبير وما فيه من الحسن والجمال، أليس يدعو إلى الإعجاب بحسن خلق عبد المؤمن قبل الإعجاب بحسن خلقه وبرشاقة قده واعتدال مشيته قبل شجاعة قلبه وثبات جأشه؟ وفوق هذا وذاك أليس قد دعاه بالخليفة؟ وهذه هي الأمنية الحلوة التي طالما تمناها ملوك الإسلام وحلموا بها في منامهم، حتى المضروب على أيديهم منهم، فيعدون الشرف الصميم والفخر العظيم والغاية التي لا قبلها ولا بعدها أن ينعتوا بالخليفة، فيكونوا ظل الله في أرضه ووارثي سر النبوة وواضعي أيديهم على رقاب ملايين البشر. لذلك فعبد المؤمن الناقد البصير يحق له أن يشير على السمعاني بالاقتصار من القصيدة على مطلعها هذا لأنه كما قال قد جمع كل شيء يمكن أن يقوله شاعر في ملك ذي صولة وبأس مثل عبد المؤمن. وهو من جهة
стр. 99
أخرى خشي أن يدرس البيت ويضيع في تضاعيف القصيدة فإبقاؤه على حاله من الفردية أدعى إلى حفظه وسيره وتخليده في الناس.
وبعد، فهذا مثال واحد من أمثلة تنشيط عبد المؤمن للأدب والأخذ بضبعه وإكرام أهله وإحلالهم منه المحل اللائق بهم، وإدرار الصلات الطائلة عليهم؛ ففي كل رحلة، وفي كل احتفال عيد وغيره، وفي جميع المظاهر العادية وخلافها والمقابلات الرسمية والمواقف العامة، كان يجلس إلى الشعراء، وما أكثرهم في دولته؛ فمن أندلسيين إلى مغاربة إلى أفارقة ومنهم إلى مصري وشامي وعراقي وغيرهم، يحاورهم ويساجلهم فينثرون عليه من عقود مدائحهم كل نفيس غال، فيحسن الاستماع إليهم ويسر من ثنائهم عليه وينتقد هذا ويقرظ ذاك، وفي الأخير تحيز الكل ويفيض عليهم من سيب عطائه ومجر نواله.
وهنا يحسن أن أورد للقارئ ما ذكره صاحب المعجب في وصف احتفاله ببيعة أهل الأندلس له على ظهر «جبل الفتح» كما كان يسمي هو جبل طارق ملخصاً قال: «ونزل الجبل المعروف بجبل طارق وسماه هو جبل الفتح فأقام به أشهراً وابتنى قصوراً عظيمة، والمدينة الباقية إلى اليوم ووفد عليه وجوه أهل الأندلس للبيعة كامل مالقة وغرناطة ورندة وقرطبة وإشبيلية وماو إلى هذه البلاد، وكان يوم عظيم اجتمع فيه من وجوه البلاد ورؤسائها وأعيانها وملوكها من العدوة والأندلس ما لم يجتمع لملك قبله، واستدعى الشعراء وكان على بابه طائفة أكثرهم مجيدون، فكان أول من أنشده أبو عبدالله محمد بن حبوس من أهل فاس قصيدة أجاد فيها ما أراد:
بلغ الزمان بهديكم ما أملا ... وتعلمت أيامه أن تعد لا
وبحسبه أن كان شيئاً قابلاً ... وجد الهداية صورة فتشكلا
وانشده ابن الشريف المعروف بالطليق المرواني:
ما للعدا جنة أوقي من الهرب؟
стр. 100
فقال عبد المؤمن إلى أين؟ إلى أين؟ رافعاً بها صوته فقال الشاعر:
أين المفر وخيل الله في الطلب؟ !
وأين يذهب من في رأس شاهقة ... وقد رمته سماء الله بالشهب
تحدث عن الروم في أقطار أندلس ... والبحر قد ملأ العبرين بالعرب
فلما أتم القصيدة قال عبد المؤمن مثل هذا تمدح الخلفاء! وأنشد ابن سيد الإشبيلي الملقب باللص:
غمض عن الشمس واستقصر مدى زحل
وانظر إلى الجبل الراسي على جبل
أني استقر به؟ أني استقل به؟
أني رأي شخصه العالي فلم يزل
فقال له عبد المؤمن لقد أثقلتنا يا رجل! فأمر به فأجلس. وأنشد محمد بن غالب البلنسي المعروف بالرصافي:
لو جئت نار الهدى من جانب الطور ... قبست ما شئت من علم ومن نور
الخ «هذا وغيره يفيدك بالخبر اليقين عن عناية الموحدين بالأدب ويدلك على نشاط الحركة الأدبية ونفاق سوقها في هذا العصر الزاهر، حتي عمت البدو والحضر والعرب والبربر؛ فأخصبت الأفكار وتفتحت العقول وآتت الآداب والفنون أكلها الشهي وثمرها الجني. أما الفضل في ذلك كله فإنه يرجع إلى عبد المؤمن وحده الذي عرف من أين تؤكل الكتف، فاستغل جميع عناصر الحياة التي كانت متوفرة في عهد الملوك المرابطين قبله ولم يترك من وسائل التشجيع وأسباب التنشيط شيئاً إلا فعله، واستحدث في ذلك أساليب خاصة به، وكيفيات لم يتبع فيها أحداً. ولعل
стр. 101
ذلك راجع لما تلقفه عن أستاذه ومربيه المهدي بن تومرت من أنواع المعارف وفنون الآداب، ولما تطور فيه من الأطوار، ولعبه من الأدوار، وما جربه بنفسه من تصاريف الدهر وتقلبات الزمان، فليس ينكر أنه استفاد من ذلك كله وأنه في مدرسة الحياة هذه، درس علوم الاجتماع والنفس بأجمعها. غير أنا إن اعتبرناه هو منشئ الحركة وموجدها وصاحب الفضل الكبير فيها؛ فلا ننسى ما بذله خلفاؤه الصالحون، كيوسف ابنه ويعقوب المنصور ومحمد الناصر وغيرهم من أعقابه وأحفاده، والأمراء الموحدين الآخرين الذين كانوا مقيمين بالأندلس وإفريقية؛ فإن هؤلاء أيضاً فضلاً كبيراً في قيام الحركة الأدبية واستمرار تقدمها إلى الأمام. إنما نحن في سائر تلك البلاد لا يهمنا إلا المغرب، إذ هو موضوع كتابنا هذا وقد وقفناك على مبدأ الأمر فيه فلنوقفك على منتهاه.
كان عبد المؤمن رجلاً ثقفاً حاذقاً متحققاً بكثير من فنون العلم والأدب، قد تلقف عن المهدي بن تومرت ما أتي به من المشرق، وزادته الأيام حنكة وتدريباً على الأمور، فجعلت منه ذلك العبقرية الفذ، الذي يندثر أن يجود الزمان بمثله إلا في الفينة النادرة. ولقد استخدم مواهبه كلها في تثبيت مركز الدولة وتقرير مستقبلها الحفيل بالعظائم، حتى شاد لها ذلك العز المكين والفخر المبين، الذي بقي ذكره مخلدة في بطون التواريخ. وكان هماماً بكل معاني الكلمة لا يستعظم مطلباً ولا يستبعد غاية، ملوكياً، كما يقول المراكشي؛ كأنه ورث الملك عن آبائه وأجداده، فلم يقصر نظره على أمر خاص من أمور سياسة الدولة، ولم يوجه عنايته إلى ناحية واحدة من النواحي العديدة التي يتطلبها إصلاح المجتمع، بل كان يقبل بكلتيه على كل أمر جليل أو حقير، صغير أو كبير فيرتق الفتوق، ويرأب الصدوع، ويتقن عملية المزج والتلقيح بين العناصر المختلفة، والأجناس المتباينة، ولقد خص الأندلس قبل المغرب برعايته وحمايته، وعرف ما لأهلها من فضل ويد في تقدم المعارف العامة، واستخلص منهم صفوة الصفوة، واختص بعلمائهم، وقربهم من مجلسه، وجعلهم بطانته وأهل مشورته، فأفاد ذلك المغرب والمغاربة كثيراً.
ولا نريد أن نطيل بالكلام على ما عمله أعقاب عبد المؤمن في هذا الصدد، فما جئنا بنموذج مما عمله هو، إلا ليكون نموذجاً عاماً عن جميع أعمال أعقابه، خصوصاً وقد تتبعوا خطاه، وترسموا آثاره في ذلك، ومن لم يزد منهم على ما عمله هو في البر
стр. 102
بالعلماء والعلم، لم يقصر عنه أصلاً، غير أن تأثير هذه السياسة التعليمية لم يبلغ من القوة في زمنه، بحيث تظهر نتائجه لكل إنسان، ما بلغ في زمن يوسف ابنه، ويعقوب حفيده، ومن بعدهما، إذ قد ازهر غرس عبد المؤمن وأثمر، بتعهد أبنائه له بالسقي والري، فتفتحت الأفكار، وتنورت العقول، واتسعت المدارك، وبلغ الشعب المغربي إلى درجة عالية من الثقافة العالمية، حتى لقد استجلى المنصور ذلك، وأصبح مضطرة إلى عدم الاستمرار في مغالطة الشعب الناهض ببعض التعاليم والشعائر، التي أتت بها دولتهم، وكانت الغاية منها سياسة محضة المهدوية وعصمة الإمام؛ فتقدم بإلغائها إلى الشعب الذي قابلها بمزيد الحماس، لما كان باقياً على سذاجته، ونبذها نبذ النواة، لما حصحص الحق وتبين الصبح لذي عينين. على أن الغريب في أمر هذه الدولة التي رأينا ما بذلته من جهود في خدمة الثقافة الإسلامية العربية، ونقل الشعب المغربي من حضيض الجهل والجمود إلى أوج المدنية والعرفان، هو اعتناؤها الزائد باللغة البربرية، وعدم نسيانها لها، حتى بعد استقامة أمرها ونجاح مطلبها، فلقد بلغ من محافظتها عليها، وتكريمها لأهلها أن حظرت الوظائف الدينية على من لا يحسن التعبير بها، بل عزلت الخطباء، وخطيب القرويين نفسه من الذين ليسوا ببربر أو ليسوا من يتكلمون البربرية، ثم ولست مكانهم من يضطلع بالمهمة المزدوجة، وينطق اللغتين) (١) معاً.
والحق أن هذا تصرف غريب، وفي منتهى الغرابة، يجعلنا نقف أمامه حائرين مشدوهين، لا نعرف سبيلاً إلى التوفيق بينه وبين ما قدمناه من سعر الدولة على تعميم نشر العلم والثقافة العربية.
أما المؤرخون، فلم يذكروا لنا السبب الحامل على هذه السياسة الرجعية التي
стр. 103
سلكتها الدولة بإزاء رجال الدين العرب ولا كيف كان تأثيرها في نفوس هؤلاء، وفي نفوس الجماهير الشعبية، وخاصة في كبريات المدن كفاس ومراكش وسبتة وطنجة، والى أي مدى بلغ انتشارها وكان نجاحها؟
وأما نحن فنستطيع أن نقول في قليل من التردد والحذر، إنه ربما كانت هذه السياسة من تقليد الموحدين الأعمى لابن تومرت، واقتداهم به في إلقائه دروسه بالعربية والبربرية، وكتابته تأليفه باللغتين؛ فإن يكن ذلك كما قلنا، فإنه من الأغلاط الفادحة، والأخطاء الفاحشة. وعجيب صدوره من عبد المؤمن العارف بمقتضيات الأحوال، ومناسبات الأمور إذ أن الظروف الزمانية والمكانية التي اضطرت المهدي إلى ذلك، هي غير الظروف التي قامت فيها دولة عبد المؤمن وتمركزت.
فإن تومرت كان مفتقراً إلى حماية البربر له، ومضطراً إلى مصانعتهم لمساعدته في القيام بنشر دعوته، وهو مع ذلك قد بث العربية في تلك الأوساط البربرية البحت، وارتكب أعجب الأساليب في تلقينها لمن يجهلونها (١).
ولم يستعمل البربرية إلا بقدر الحاجة إليها. أما عبد المؤمن فقد كان على الضد من ذلك كله، إذ كان طور التأسيس وتأليف البربر قد انتهى بالنسبة إليه، وأصبح هو وحده صاحب النفوذ المطلق في البلاد، بعد أن قضى على المرابطين، وأنشأ الدولة الموحدية باسم الدين. فلم لم يرسم لغة القرآن، ويستغني بها عن غيرها؟ ولم هذا التعصب للبربرية الذي أدى إلى تنحية رجال الدين عن وظائفهم، وإحلال أخرين ربما كانوا أقل منهم علماً وإخلاصاً في محلهم؟ لا نرى ما يسوغ لعبد المؤمن هذا التصرف الغريب، اللهم ألا أن يكون باعثه عليه أحد أمرين كلاهما يرجح الآخر:
١ - فإما أن يكون مراده تحدي العرب بذلك، ليتوسل إلى أبعادهم عن
стр. 104
مواقف الزعامة الدينية، ومواطن قيادة الفكر العام خوفاً من انتقادهم عليه في يوم ما، ونبذهم طاعته بالعراء كما حدث بالفعل في أيامه الأولى، فقد ثاروا ضده مرتين، مرة في سلا بقيادة ابن هود، ومرة في سبتة بقيادة القاضي عياض. ولا نرتاب في أن ثورة ابن هود كانت سياسية محضة، لاتباعه خطة المهدي حذو القذة بالقذة، أملاً في النجاح الذي حصل للمهدي، وقد ساعده الحظ في أول الأمر، وكتب له النصر في جميع المواقع حتى كاد يتغلب على جميع مملكة عبد المؤمن الشاسعة.
ويقول ابن أبي زرع: أنه لم يبق بيد عبد المؤمن إلا مراكش فقط، إلا إن صاحب الحلل الموشية قال: إن فاساً بقيت معه كذلك. ثم دارت عليه الدائرة، وتمكن عبد المؤمن من إخماد ثورته ورجع الأمر إلى نصابه.
وأما ثورة القاضي عياض، فقد كانت مزيجة بين دينية وسياسية، ولكنها دينية أكثر منها سياسية، إذ أن أهل سبتة، قاوموا الموحدين أو نزوعاً منهم عن الخضوع السلطة بدعية تعتقد في الإمام، والعصمة، ما ينكره أهل السنة الذين كان عياض من زعمائهم، فهذه وجهة نظر عياض ومن كان معه من العلماء السنيين أيضاً ولكن لما سقطت كل البلاد المغربية في حوزة الموحدين، لم يبق لهم إلا التسليم طوعاً أو كرهاً، وهو الذي كان، ثم لما حدثت ثورة ابن هود، اغتنم القوم الفرصة، فأعادوا الكرة استينافاً لتأييد رأيهم الأول، وتحدياً لسلطة الموحدين التي رأوا منها انحرافاً ظاهراً عنهم، ولربما اشتموا منها رائحة الغدر بهم، وقد اضطروا أخيراً إلى التسليم أيضا، وتشتت شمل القائمين بالثورة، وتربص ببعضهم حتى توفي حتف أنفه.
٢ - وإما أن يكون أراد استرضاء البربر بذلك، واستبقاءهم على حالهم الأول، إذ كان قد تقرر عندهم أنهم أهل التوحيد الحق، والإسلام الصحيح، وغيرهم مبتدعة ومقلدون، لا يصح الاقتداء بهم كما لا يصح أن يقفوا مواقف الوعظ والإرشاد لئلا يضلوا العامة، وينحرفوا بهم عن مذهب الدولة، فهو قد اتخذهم تكأة يستند إليها في إقامة سلطانه ببث المذهب المهدوي الإمامي في الناس.
ومعلوم إن ليس من يقرره للعامة، ويبينه لهم إلا البربر الذين تلقوه عن صاحبه مباشرة إذ كانت أكثرية الرعية وجل أهل العلم، إن لم نقل كلهم في البلاد سنيين، لا يرضون بالدخول في ذلك المذهب، فأحرى أن يقوموا بالدعاية له.
стр. 105
هذا أو ذاك هو ما يكون الحامل لعبد المؤمن على سلوك هذه السياسة الرجعية كما حبب إلينا أن نسميها، ولئن كنا لا نعرف متى توقف العمل بها، فإننا نعرف أن حظها في النجاح كان قليلاً جداً، إذ لم يكن لها تأثير ما في ناحية من نواحي النهضة الأدبية المستجدة في ذلك العهد، إما لحصرها في دائرة مخصوصة، وهي الدعاية الدينية كما علمت؛ وإما لأن الموحدين أنفسهم كانوا لا يساعدون تقدمها في السر، وإن ساعدوها في العلانية، فلذلك لا خوف على العربية ما دامت دائرة انتشار البربرية محصورة، لم تشمل من المرافق العامة، والمصالح المشتركة سوى ما ذكر؛ زد على ذلك أن الأغلبية التي لا تغالب عربية، فهي لا تتأثر بهذه الشرذمة القليلة من الدعاة البربريين، كما أن أهل الكفاءة والاستعداد الذين احتلوا المناصب الرفيعة والمراتب العالية في الدولة بالرغم عنها، وبحكم مساس الحاجة إلى مؤهلاتهم العلمية ومواهبهم العقلية، كلهم عرب مغاربة وأندلسيون، فلا خوف على ما كان أولئك القادة حاميته وذادته. وهكذا لم يلبثوا أن صبغوا الدولة بالصبغة العربية، وطبعوها بطابعهم الصميم.
стр. 106
الحركة العلمية
بذرت بذور النهضة العلمية الكبرى التي نمت وترعرعت على عهد الموحدين في أيام المرابطين. وكانت الغاية المتوخاة من حركة عبد الله بن ياسين هي نشر الدين والتمكين لتعاليمه السمحة من النفوس؛ فاستتبع ذلك رفع راية العلم والعرفان، ضرورة أن الدين الإسلامي والمعرفة متلازمان. ولما قام المهدي بن تومرث بحركته كان يرمي إلى غاية أبعد من غاية سلفه وهي تجديد الدين. وهذه مهمة تقتضي من التوسع في العلم أكثر مما يقتضيه نشر الدين، فلذلك كانت العلوم على اختلافها من عقلية ونقلية ألزم للدعوة الموحدية من أختها المرابطية بطبيعة الحال.
وبكل اعتبار فإن الأساس الذي وقع عليه البناء في هذا العهد هو من وضع المرابطين. فقد كانت تلك الحماسة الدينية وما صحبها من الإقبال على طلب العلم ولو الديني فقط؛ مما دفع بالناس إلى حب البحث والاطلاع، وأدى إلى الاحتكاك بالأندلسيين والنقل عنهم. . . وكما أن العرب في العصر الأول أيام حكم الأمويتين بقوا على السذاجة البدوية والفطرة الإسلامية ولم يعنوا عناية كبرى بغير شؤون السياسة والدين، وكانوا يتهيأون بعامل التطور للدخول في غمار المدنية العباسية ويستعدون لها بمختلف العدد والوسائل؛ فكذلك المغاربة في العصر السابق كانوا يتهيأون هذا العصر ويستعدون لاقتطاف أزهاره، واجتلاء أنواره. فما إن أقبلت تباشيره وأناخت ركائبه حتى أخذ كل شيء اتجاهه وجرت الأمور في مجاريها الطبيعية، حثيثة السير ثابتة الخطى نحو التقدم والكمال.
ولنعتبر ذلك في الحركة العلمية التي تعنينا الآن، فهذا علم الفقه على مذهب مالك قد واصل تفرعه وانتشاره كما كان قبل أو أكثر. ونتيجة للتفاعل مع الدعوة الجديدة فقد مال أهله إلى الترجيح والتأويل ونبذوا التعصب لأئمتهم ومشائخهم، وجعلوا البحث والنظر رائدهم في معرفة الحقائق وتقرير الأحكام؛ فرجعوا بذلك إلى أصوله ومصادره الأولى من الكتاب والسنة وما إليهما، حيث وجدوا من الدولة العتيدة ميلاً
стр. 107
إليها وتعضيداً لأهلها. لكن من غير أن تحملهم على ذلك حملاً وتلزمهم به قسراً، حتى اشتط يعقوب المنصور ثالث خلفاء الموحدين وتصلب في تنفيذ خطة ابن تومرت ومحاربة علم الفروع قصد الإجهاز عليه. فأحرق كتب المذهب وعوضها بالصحاح العشرة والمنتخب الذي اختاره منها. ويقول المراكشي في هذا الصدد: «وفي أيامه انقطع علم الفروع وخافه الفقهاء وأمر بإحراق كتب المذهب بعد أن يجرد ما فيها من حديث الرسول ﷺ والقرآن، ففعل ذلك. فأحرق منها جملة في سائر البلاد كمدونة سحنون وكتاب ابن يونس ونوادر ابن أبي زيد ومختصره وكتاب التهذيب للبراذعي وواضحة ابن حبيب وما جانس هذه الكتب ونحا نحوها. لقد شاهدت منها وأنا يومئذ بمدينة فاس يؤتى منها بالأحمال فتوضع ويطلق فيها النار. وتقدم إلى الناس في ترك الاشتغال بعلم الرأي والخوض في شيء منه وتوعد على ذلك بالعقوبة الشديدة، وأمر جماعة ممن كان عنده من العلماء المحدثين يجمع أحاديث من المصنفات العشرة؛ الصحيحين والترمذي والموطأ وسنن أبي داود وسنن النسائي وسنن البزار ومسند ابن أبي شيبة وسنن الدارقطني وسنن البيهقي؛ في الصلاة وما يتعلق بها على نحو الأحاديث التي جمعها محمد بن تومرت في الطهارة. فأجابوه إلى ذلك وجمعوا ما أمرهم بجمعه؛ فكان يمليه بنفسه على الناس ويأخذهم بحفظه. وانتشر هذا المجموع في جميع المغرب وحفظه الناس من العامة والخاصة، فكان يجعل لمن حفظه الجعل السني من الكسا والأموال. وكان قصده في الجملة محو مذهب مالك وإزالته من المغرب مرة واحدة وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث. وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده، إلا أنهما لم يظهراه وأظهره يعقوب هذا. يشهد لذلك عندي ما أخبرني به غير واحد ممن لقي الحافظ أبا بكر بن الجد أنه أخبرهم قال: «لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب أول دخلة دخلتها عليه، وجدت بين يديه كتاب ابن يونس فقال لي يا أبا بكر أنا أنظر في هذه الآراء المتشعبة التي أحدثت في دين الله. أرأيت يا أبا بكر؟ المسألة فيها أربعة أقوال أو خمسة أقوال أو أكثر من هذا؛ فأي هذه الأقوال هو الحق وأبها يجب أن يأخذ به المقلد؟ فافتتحت أبين له ما أشكل عليه من ذلك فقال لي وقطع كلامي: يا أبا بكر ليس إلا هذا؛ وأشار إلى المصحف، أو هذا، وأشار إلى كتاب سنن أبي داود، وكان عن يمينه، أو السيف! فظهر في أيام يعقوب هذا ما خفي في أيام أبيه وجده. وانتهى أمرهم معه إلى أن قال يوماً بحضرة كافة الموحدين يسمعهم وقد بلغه
стр. 108
حسدهم للطلبة على موضعهم منه وتقريبه إياهم، وخلوته بهم دونهم، يا معشر الموحدين أنتم قبائل فمن نابه منكم أمر فزع إلى قبيلته، وهؤلاء - يعني الطلبة - لا قبيل لهم إلا أنا، فمها نابهم أمر فانا ملجأهم، والي فزعهم والي ينتسبون. فعظم منذ ذلك اليوم أمرهم وبالغ الموحدون في برهم وإكرامهم فمن هنا تعلم أن الحالة بقيت كما كانت في أيام المرابطين مدة حكم عبد المؤمن وابنه يوسف إلى أيام المنصور. أما أن هذا كان مقصد أبيه وجده، فهو مما لا شك فيه، بل إنه كان مقصد ابن تومرت بالأصالة وقد عمل عليه ودعا إليه في دروسه وكتبه، إلا أنه لم يكن صارماً في ذلك مثل المنصور.
وعلى ما يبدو في فعل المنصور هذا من تضييق خناق الحرية الفكرية وتقييد إرادة أهل العلم فإنه أفاد الحركة العالمية من الوجهة العامة فائدة جلى، حيث جعل الناس يقللون من الإكباب على النظر في علم الفروع المجرد، وينصرفون إلى دراسة الفقه في أصليه العظيمين أعني الكتاب والسنة. فظهر الاشتغال بعلم التفسير وعكف الناس على تفهم كلام الله ودراسته دراسة علمية صحيحة، ونبغ المفسرون العديدون مثل عبد الجليل القصري والحرالي والمزدغي. كما انتشر علم الحديث رواية ودراية واقبل الناس على الأخذ عن رجاله والتأليف في فنونه المختلفة. وكان الأخوان أبو الخطاب وأبو عمرو ابنا دحية السبتيان وابن القطان الفاسي ومحمد بن قاسم التميمي من ألمع محدثي هذا العصر.
الفقه والتصوف:
وبما إن النظر الفقهي قد تطور فإن التصوف لم يبق يعد منكراً كذي قبل، ولم يبق للفقهاء على أهله تلك الصولة. فظهر جماعة من الصوفية الكبار أصحاب النزعات الفلسفية وانبثت مذاهبهم المختلفة في الناس. ولا نقصد الأندلسيين منهم كابن عربي الحاتمي وابن سبعين والششتري وغيرهم؛ فإن في الصوفية المغاربة من كانوا ذوي آراء وأنظار غريبة فلسفية واجتماعية ورياضية، كأبي الحسن المسفر وأبي العباس السبتي وأبي محمد صالح الآسفي. والجدير بالذكر هو أن النهضة الموحدية أثرت على العقول في الأندلس والمغرب تأثيراً متشابهاً فأصبح الفكر الإسلامي في كلا
стр. 109
القطرين محرراً من القيود التي كانت تجعله يثور لاقل بادرة من الخروج عن دائرة المسلمات والقواعد والرسوم المتعارفة. فشتان بين عهد المرابطين الذي كان فقهاؤه في كل من الأندلس والمغرب يجرمون الإحياء وغيرها من كتب الغزالي ويحكمون بإحراقها؛ وبين هذا العهد الذي ينبغ فيه مثل ابن عربي الحاتمي وينشر كتابه الفتوحات الملكية وغيره فلا يحرك الفقهاء ساكناً في سبيل الإنكار عليه، مع عظم الفرق بين محتويات الإحياء ومحتويات الفتوحات مما لا تقره المذاهب الفقهية بأجمعها وربما (ورب للتكثير)) يتعارض مع جوهر العقيدة الإسلامية في كثير من المسائل.
علم الكلام:
وكذا الكلام أخذ حظه الكامل من الانتشار فقد كان ابن تومرت يلزم أصحابه بدراسته إلزاماً. وكان الموحدون على العموم يعتبرون من لم يعرف العقائد على سبيل التفصيل وعلى طريقة الأشعري بالأخص يعتبرونه كافراً ليس معه من الإسلام إلا الاسم. ومن ثم سموا أنفسهم بالموحدين ونبزوا المرابطين خصومهم بالمجسمين. وألف المهدي لأصحابه عقائد مختصرة باللسانين العربي والبربري كما سبق القول، فتأثر الناس أخطاه وصنفوا في هذا العلم الكتب العديدة. وكان من أطولهم يداً وأحسنهم عارفة في هذا السبيل عند العامة الشيخ أبو عمرو عثمان بن عبدالله بن عيسى السلالجي. وهو الذي على يده وقع تحول أهل فاس من المذهب السلفي في العقيدة إلى المذهب الأشعري تبعاً للتيار العام الذي اكتسح المغرب بأجمعه في هذا الأمر نتيجة لدعوة ابن تومرت. ولكن قد شيب صفو هذا العلم في أوائل أيام الموحدين مما أضافوه إليه من تعاليم شيعية بدعية جرياً وراء ما كان يذهب إليه داعيتهم المهدي بن تومرت من ذلك المذهب. فقد كان الاعتقاد بالأمام وعصمته شائعاً في ذلك الوقت وكانت الخطب على منابر المغرب والأندلس وإفريقية التي تنيف على ألفي منبر لا بد أن تشتمل على الدعاء «للإمام المعصوم المهدي المعلوم» حتى تقدم يمنع ذلك يعقوب المنصور على ما ألمعنا إليه سابقاً فكانت حسنة من حسناته وكفارة عن جميع ما يؤخذ عليه بشأن العلم والعلماء، وعلى كل حال فإن علم التوحيد أو علم الكلام - كما سمي قديماً - إنما انتشر في هذا العصر، وما كان قبله أنما هو من قبيل المحاولات الأولى. ومثله علم أصول
стр. 110
الفقه، فقد تبوأ من بين العلوم في هذا العصر مكاناً عالياً ووجد من القرائح المغربية مجالاً خصماً لنموه وازدهاره.
وهذا أن العلمان هما مما نقله المغرب عن المشرق مباشرة وقد نبهنا في عصر المرابطين على الطليعة الأولى من رجالهما الذين أدخلوهما إلى المغرب. ثم جاء المهدي بن تومرت وقد أخذهما عن أئمتهما الراسخين من أهل المشرق فبثهما وحفز الهمم تطلبهما وكان انتشارهما سبباً في تقريب شقة الخلاف ما بين الفقهاء والمتكلمين والمتصوفة، لم يحملان عليه من النظر في الأدلة وعدم المسارعة إلى الإنكار قبل معرفة مدرك الخصم، وبذلك زال النزاع الشديد الذي كان قائماً بين هذه الطوائف من العلماء. والذي كان يبعث بعض الفقهاء من أهل هذا العصر على أن يقول مثل هذه المقالة المنقولة من كتاب الحلال والحرام لراشد الفاسي. قال فيه: «سمعت من أبي محمد عبدالله بن موسى الفشتالي أن التائب إذا اقتصر على ما عند علماء الشريعة أولى وأسلم له، بل لا يجوز اليوم اتخاذ شيخ السلوك طريق المتصوفة أصلاً، لانهم يخوضون في فروعها ويهملون شروط صحتها، وهو باب التوبة، إذ لا يصح بناء فرع قبل تأسيس أصله. وسمعته يقول: لو وجدت تأليف القشيري لجمعها والقيتها في البحر. قال وكذلك كتب الغزالي. وسمعته يقول: إني لأتمنى على الله أن أكون يوم الحشر مع أبي محمد بن أبي زيد لا مع القشيري والغزالي بل مع أبي محمد يشكر فذلك أكثر أمناً لي على نفسي».
على أن الغريب في الأمر هو أن هذه الكتب التي كانت تعدم وتحرق لا تلبث أن تحيي وتروج أيضاً وهذه الإحياء ألم يحرقها علي بن يوسف؟ فكيف عادت إلى الظهور? إذ لا شك أنها المعنية في كلام الشيخ الفشتالي. وإذا قيل إنه كتب الغزالي قد انتشرت من جديد بسبب قيام دولة الموحدين التي يعتبر مؤسسها خريج المدرسة الغزالية وناشر تعاليمها في المغرب، فكيف يقال في كتب الفقه المالكي التي أحرقها المنصور وقد قيل أن عبد المؤمن نفسه أمر بإحراقها لما استتب له الأمر؟ . . والجواب أنه في هذا العصر كان جل الاعتماد على الحفظ والاستظهار. فبعد حرق هذه الكتب لم يصعب على الناس أن يجدوا من يستظهرها بلفظها وتكتب عنه. وهذا الشيخ أبو محمد عبدالله بن محمد بن عيسى التالي الفاسي الفقيه الحافظ المحصل المتوفي سنة ٦٢٣ يذكر المؤرخون في ترجمته أن المدونة. كتبت من حفظه بعد أن أحرقها الموحدون أي في