فقد الإمام أبي الربيع المرتضى ... جزعت لعظم مصابه الثقلان
وبكت عيون الدين ملء جفونها ... وجداً عليه وكل ذي إيمان
لما نعى الناعون خير خليفة ... وعرى الفؤاد طوارق الأحزان
مزقت ثوب تجلدي من فقده ... ونثرت در الدمع من أجفاني
عجباً لموت غاله إذ لم يخف ... فتك الملوك وسطوة السلطان
وسما لمنصبه المنيف ولم يهب ... غضب الجنود وغيرة الأعوان
لو كان يمنع خاض فرسان الوغى ... حرصاً عليه مواقد النيران
وحموه بالنفس النفيسة إنما ... يحمون روح العدل والإحسان
لاكن قضاء الله حم فلا يرى ... للمرء في دفع القضاء يدان
والموت مورد كل حي كأسه ... وسوى المهيمن في الحقيقة فان
إن غاب عنا شخصه فلقد ثوى .... فينا الثناء له بكل لسان
ومناقب ومفاخر ومآثر ... شاعت له في سائر الأوطان
ومعارف وعوارف ورسائل ... ومسائل قد أوضحت ومعان
وبدور أولاد وآل قد قفوا ... آثاره في العلم والعرفان
تخذوا الديانة والصيانة شرعة ... وتقلدوا بصوارم الإيقان
أخلاقهم ووجوههم واكفهم ... كالزهر والأزهار والأمزان
إن حاربوا أبدوا شجاعة جدهم ... أو خاطبوا أزروا على سحبان
من كل من جعل القران سميره ... وسما بوصف العلم والتبيان
стр. 877
كم آية ظهرت له وكرامة ... دامت دلائلها مدى الأزمان
قد كان أوحد دهره وزمانه ... في العلم والتحقيق والإتقان
قد كان فرداً في البلاغة إن جرت ... أقلامه بهرت بسحر بيان
من للعلا من بعده من النهى ... من للتقى وتلاوة القرآن
يا رمسه ماذا حويت من العلى ... وطويت من علم ومن عرفان
يا رمس كم واريت من كرم ومن ... جود ومن فضل ومن إحسان
يا رمس كيف حجبت عنا شمسه ... وضياؤها في سائر البلدان
فلو استطعت جعلت في قلبي قبره ... حبا وأحشائي من الأكفان
ولو أن عمري في يدي لوهبته ... وفديته بالأهل والاخوان
لاكن يخفف بعض أثقال الأسى ... علمي به في جنة الرضوان
стр. 878
الموشحات والأزجال
لابن غرلة موشح غزلي:
يا من حكى خده الشقائق ... وما له في البها شقيق
تركتني بالشموع شارق ... لما بدا خدك الشريق
***
سللت من ناظريك صارم ... للفتك يا شادن الصريم (١)
وسرت يوم الفراق سالم ... وقد تركت الحشا سليم (٢)
متى أراك الغداة قادم ... يا من حديثي به قديم
شيبت من أجلك المفارق ... وسرت مع جملة الفريق
ما بين حاد حدا وسانق ... قلبي بمن ساقه وسيق
***
السائل الدمع صرت ناهر ... مذ سال في وجنتي نهر
стр. 879
وسرت والقد منك خاطر ... والقلب مني على خطر
لست على ذا الجفا بقادر ... لكن بهذا جرى القدر
سهم النوي من يديك مارق ... وقد غدا للدما مريق
فاسمح بوعد يكون صادق ... ولا تكن تهجر الصديق
*
قلي غدا للجحيم صال ... يا من بسيف الجفون صال
وغير مغناك ما حلالي ... فلم ترى قتلتي حلال
يا ناحل الخصر كالخلال (١) ... يا كامل الوصف والخلال
ساعات عمري غدت دقائق ... لما بدا خصرك الدقيق
تنطق عن إذنه المناطق ... تقول بالردف ما نطيق
*
يا حادي العيس معك أحوى ... رقي بإحسانه حوى
ريم له القلب صار يهوى ... نجمي به في الهوى هوى
لكنه بعد ذاك ألوي ... ديني وللعشق ما لوى
قد سرح النوم فهو طالق ... عن مقلة دمعها طليق
وأنكر العهد والمواثق ... وعهد ودي به وثيق
стр. 880
جبينه يخجل الدراري ... وثغره يفضح الدرر
والخد أزهى من النضار ... نزهت في حسنه النظر
عليه سطر من العذار ... كم عاذل فيه قد عذر
جماله يفتن العواتق ... وخمر أرياقه عتيق
وطرفه بالنبال راشق ... وقده كالقنا رشيق
*
يا من بسقم الجفون أعدى ... جسمي وبي أشمت العدا
أجريت دمعي فصار مداً ... وطال ما بيننا المدى
مضناك بالهجر مات صدا ... وما جلا قلبه الصدا
يا من حوى الحسن فهو فائق ... من سكرتي فيه لا أفيق
فأرسل الطرف منك طارق ... وأقطع على سلوتي الطريق
*
قد ساعد الوقت يا نديم ... فقم بنا للهوى نديم
واستجلها مع رشا كريم ... يرنو بألحاظه كريم (١)
كأنه قلبي الكليم ... وكأسه جذوة الكليم (٢)
بكر غدت في الدنان عاتق ... ما الحر من رقها عتيق
стр. 881
ينير في الكأس شبه بارق ... إن مزجت صرفها بريق
وله أيضاً هذه الموشحة وتعرف بالعروس:
من يصيد صيدا ... فليكن كما صيدي
صيدي الغزالة ... من مراتع الأسد
*
كيف لا أصول ... واقتنصت وحشيه
ظبية تجول ... في ردا (١) سوسيه
صاغها الجليل ... فهي شبه حوريه
تنثني رويدا ... إذ تميس في البرد
تعجن الغلاله ... والردا مع النهد
*
رب ذات ليله ... زرتها وقد نامت
والرقيب في غفله ... والنجوم قد مالت
رمت منها قبلة ... عند ضمها قالت
قر قر وأهدا ... لا تكن متعدى
стр. 882
تكسير النبالا (١) ... وتفرط العقد (٢)
*
خدها الأسيل ... بدت منه أنوار
طرفها الكحيل ... سل منه بتار
ها أنا القتيل ... فهل يؤخذ الثأر
قد أسرت عبداً ... ولم أكن بالعبد
مت لا محالة ... فاطلبوا دمي بعدي
ولسعيد بن إبراهيم السدراتي هذا الموشح في مدح الأمير إسمعيل بن الأحمر:
نشرت فيكم بني نصر ... لأبي الصدق راية النصر
أي شهم وأي صنديد ... حاز إرث السماح والجود
شيد المجد أي تشييد
لم تخادعه ألسن الشكر ... فهو في الدهر طيب الذكر
ثاقب الذهن وافر العقل ... عالم بالعلوم والنقل
جعل النصر منه في النصل
стр. 883
ضيق الحزم واسع الصدر ... بارع الحسن باسم الثغر
أي بدر بطالع السعد ... سعدت منه رتبة المجد
لم تحد راحته عن رفد
صادق الوعد سابق الفخر ... جالب النفع دافع الضر
رافع الحق باسط العدل ... قاهر الظلم قاتل المحل
مانع البغي مانح البذل
مذهب الضيم عاجل البر ... ناجح الفعل ذاهب العسر
يا أبا الصدق أنت مولانا ... كم نوال بذلك أغنانا
رقت حسنا وفقت إحسانا
لك جو كوابل القطر ... ومقام أربي على النسر
وللمنصور الذهبي هذا الموشح الغزلي:
ريان من ماء الصبا ... أهيف ممتلي البرد
*
كالغصن هزته الصبا ... فوق الربي الشهب
قد قلت، لما أن سبا ... بحسنه، لبي:
من عينيه سل ظبا ... وأغمدها في قلبي
*
стр. 884
أسرني ماضي الشبا ... أوطف مرنح القد
*
يا فاضح الروض سنا ... ومخجل البدر
وقاطعي ظلماً عنا ... ومن مقره صدري
إن لم تكن شمس دنا ... فإنها تجري
*
علقته من الظبا ... خشفا يسطو على الأسد
*
قلت له وقد نهد ... وجد في حربي
وغلب الظبي الأسد ... وفاز بالغلب
الشمس برجها الأسد ... فأسع إلى قلبي
وللسيد العربي المالي موشح إشاري:
الطرف دافق ... والقلب خافق
فكيف أخفي ... والحال ناطق
*
حالي ينادي ... على فؤادي
مسكين هذا ... لا شك عاشق
стр. 885
قد كان قربي ... عوناً لقلبي
على استتاري ... من الخلائق
*
فانظر حبيبي ... إلى الذي بي
إن كان يرضيك ... أنا موافق
*
قالت لي روحي ... بي عين مليح
مت في غرامه ... إن كنت عاشق
*
وله تجرد ... عن كل مقصد
فمهر وصله ... قطع العلاق
*
مولاي لبيك ... لبيك لبيك
فليس للعبد ... عنك عائق
*
بحقك ارحم ... من أنت أعلم
به وواصل ... ولا تفارق
стр. 886
ولابن زاكور هذا الموشح في وصف الطبيعة والحث على الغبوق:
جاء الأصيل ... محي قتيل ... النائبات
قم يا حميم ... نبرد حميم ... الحسرات
قدك من الأشجان ... يا من له ... قلب رقيق
أصغ إلى ألحان ... ورق ... تنادي من سحيق
قد أينع البستان ... فهاتها ... مثل العقيق
تشفي غليل ... صب عليل ... ذي زفرات
هب النسيم ... يهدي شميم ... الزهرات
والشمس بالورس ... ترقم بالرقص ملا
تفعل بالنفس ... فعل الخليع ... بالطلا
حي على الأنس ... يا ذا الأسى وانظر إلى
غصن يميل ... بصبا بليل ... ذي نسمات
من لا يهيم ... بشذا النسيم ... أقسى القساة
وله آخر من معناه:
أرسل جياد النظر ... واعتبر ... وأشرب طلا السلوان
وذد شرود الغير ... ولتشكر من طرز البستان
стр. 887
حلاه غب المطر بالزهر ... مكلل التيجان
وطائر البشر صدح لأن قدح ... زند ألمني السعد
باكر معاهد الفرح فقد شرح جمالها ... الورد
*
واعتنقت هيف الغصون ... يستنشرون جواهر الأطواق
كأنهم مدلهون ... متيمون ... سمت لهم أشواق
وللبنفسج عيون ... لا ينعسون تبكي من الإيراق
والنرجس الغض نفح ... لما اصطبح من نشره ند
فاركض سوابق الفرح ... فقد جرح خدوده الورد
*
وزان وجنات الشقيق ... ندى رقيق رواوه يبهر
كأنما على العقيق در أنيق ... من أنفس الجوهر
أو دمع من ضم العشيق ... يشكو الحريق بخده الأحمر
يسلو به من انتزح ... من المرح من للنوى مدوا (١)
لب منادي الفرح ... فقد جرح خدوده الورد
وله أيضاً في الربيع:
جل صنيع البديع ... الفاعل المختار
стр. 888
حلى الربيع ... الرفيع ... بحلية النوار
سر بديع ... لي مذيع ... سرائر الأزهار
الروضاض ... وهو راض ... غصون أشجاره
شفا المراض ... في مراض ... جفون أنواره
*
صح العليل ... من غليل ... نسيمه المعطار
إذ في مميل ... النخيل ... من غصنه أسرار
وفي مسيل (١) ... سلسبيل مياهه استعبار
فعله ماض ... عند قاض ... أفكار زواره
إذ لا اعتراض ... في اقتراض ... نقود أزهاره
*
ولا جناح ... في مباح ... ألحان ورشانه
وهل يتاح ... ارتياح ... إلا بريحانه
تروي الرياح ... عن صحاح ... آثار نيسانه
من في الرياض ... والحياض ... أجل أوطاره
فيه تراض ... عن تراض ... بنات أفكاره
стр. 889
وله موشح غزلي على وزن ليل الهوى يقظان (١):
من علم الغزلان ... الفتك بالليث الجري
وسلط العينان (٢) ... على قلوب البشر
يا ضرة الشمس .. الله في الصب الكئيب
يا منية النفس ... هجرك للنفس مذيب
حدثني حدسي ... أنك للب سليب
*
بأسهم الأجفان ... ذات العذاب الأكبر
مصمية الوهان ... بالدعج والحور
ما ضر يا محبوب ... يا هاجري بلا ذنوب
لو تنعش المطلوب ... بلفظك العذب الخلوب
بغاية المرغوب ... من وصلك المحي القلوب
تذكر يا وسنان ... يا ذا الرواء الأنضر
ليالي البستان ... تحت العريش الأخضر
وأنا في نشوه ... من خمر ثغرك النفي
стр. 890
مهيج الصبوه ... لكل من لم يعشق
لم تعرنا جفوه ... تثير نار حرقي
*
ما بيننا ندمان ... إلا أريج الزهر
أو نغمة الورشان ... على غصون الشجر
والبدر من بعده ... يرقبنا بكل عين
أرسل من وجده ... عينا علينا الفرقدين
فغاب في قصده ... وخيبة الرقبان شين
*
والورق في الأغصان ... فاقت حنين الوتر
بمطرب الألحان ... عند الصباح المنسفر
تثير أشواقي ... بصوتها المبري السقم
قامت على ساق ... إذ عنبر الليل بسم
عن ثغر أشواق ... تشدو بطيب النغم:
*
مقال ذي أشجان ... حلف أسى وضرر
«ليل الهوى يقظان ... والحب ترب السهر»
стр. 891
وله توشيح من وزن «شق جيب الليل عن نحر الصباح (١)» تخلص فيه للمديح:
عللاتي فلقد جاء الصباح ... بسلاف الراح
وأمزجاها بلمي غيد صباح ... وأملأ الأقداح
واسقياني فلقد غنى وصاح ... طائر الإصباح
إن في الكاسات من خمر الدنان ... ساوة المحزون
فاشربنها فلقد آن وحان ... زمن ميمون
*
مذ بدت تطلع أقار المدام ... في سنا الفكر
قوض الأشجان من بعد التئام ... رائد البشر
مثلما قوض غربان الظلام ... أجدل الفجر
يا لها من خمرة رقت معان ... من بها ملبون (٢)
حاكت الأقمار في أيدي القيان ... في الليالي الجون
*
مزجتها راحة ... الإسكندر ... بثرى سرنديب
فلذا أزرت ... بطعم السكر ... وأريج الطيب
وأشبت بسناها الأبهر ... أمنيات الشيب
فاسقنيها قهوة تكسو البنان ... عندم المطعون
стр. 892
مكثت في الدن دهرا مذ زمان ... صانها افريدون
*
بنت كرم حبيت كرمتها ... لأبي بلقيس
وسقاها فبدت نضرتها ... أرسطاطاليس
خلتها لما غشت سورتها ... في حشا البنيس (١)
زجل الرهبان يوم المهرجان ... في حمى عبدون
أو فوادي إذ علاه الخفقان ... فهو كالمجنون
*
هاجه ذكر عهود باللوى ... في ظلال البان
وبروحي ياعذولي في الهوى ... شادن فتان
وجهه والبدر في الحسن سوا ... فهما مثلان
يا له من أحور الجفن بران ... لحظه المسنون
وجفا عيني الكرى لما جفان ... وصله الممنون
*
ليت إذ مزق صبري بالجفا ... وسبا لبي
وكسا جسمي الضنا والدنفا ... وبرى قلبي
يتقي الرحمن فيمن ألتلفا ... دون ما ذنب
فلقد أودى بروحي الهيمان ... وكساني الهون
وحكى لوني مما قد عران ... صفرة العرجون
يا حياة الروح صل ذا المبتلى ... بالهوى قهرا
стр. 893
لا تظن القلب منه قد سلا ... أو نوى غدرا
لا ومن فضله الله على ... خلقه طرا
الرسول المصطفى البيت الجنان ... ذي السمى الميمون
من حباه الله بالآي الحسان ... والنبأ المكنون
ولابن الطيب العلمي توشيح في وزن «يا ليلة الوصل وكأس العقار» (١):
يا ليلة السكر ويوم الخمار بين الصغار علمتما لأكواس رمي الجمار
بات ... يحيينا نسيم ... الرياض
حتى اكتسى الليل ... قميص البياض
كأنما يملا الطلا ... من حياض
مهفهف ينسيك ذات الخمار غب المزار يدير باليمنى لناو اليسار
فأشرب فيها في شربها من جناح
هذا غراب الليل ضم الجناح
وقهقه الإبريق والطير ناح
وفاح كالعنبر نشر العرار بين الثمار وأنشد القمري حي الديار
واستنطق الأوتار تحت الورق
ظبي صفا منه الجبين ورق
стр. 894
نام وأهدى للعيون الأرق
عارضه فوق الخدود استدار ثم استنار وألبس الحمرة ثوب اخضرار
بدر على جيش الملاح ظهر (١)
يعبق ريح المسك مهما ظهر
فهل رأيت الغصن لما زهر
مستأنس أصبح يبغي النفار فما يزار ووجهه الجنة حقت بنار
لما استحل الوصل لي واستباح
في ليلة تنسي الليالي الصباح
قلت وقد أسفر وجه الصباح
«يا ليلة الوصل وكأس العقار دون استتار علمتماني كيف خلع العذار»
وللقاضي محمد بن طاهر الهواري هذا الموشح في مليح شريف:
شاذن بالغرام ... يستفز الغريم
وصله لا يرام ... والهوى لا يريم
*
أغيد لا يقيل ... مهجتي بالمقل
وبطرف كحيل ... حل فيه الكحل
وبخد أسيل ... فوق غصن الأسل
стр. 895
بخله بالسلام ... أضنى قلبي السليم
ليته بالكلام ... أحيي صبا كليم
*
وحشة الهاشمي ... صيرتني هشيم
من غدا لاثمي ... في هواه لئيم
أيها الفاطمي ... صل محبا فطيم
لحظه كالحسام ... فؤادي حسيم
مظهر بابتسام ... در ثغر بسيم
وللشيخ محمد الحراق هذا الموشح الإشاري:
زال عن قلبي توله (١) القنا ... وصفا أمري
إذ غدا لي كل ربع وطنا ... وانتفى نكري
*
كل ماء قد حوته شربتي ... فأنا ريان
لست يوما أحتسي من خمرتي ... وأنا نشوان
من رآني ثابتاً في حيرتي ... ظني وسنان
لم أزل بين هناك وهنا ... دائما أسري
стр. 896
وأرج الفقر في عين الغني ... إذ هما سري
*
من جيوبي كل طيب عبقا ... عند إيقاني
عجبا كيف ينافيني البقا ... فأرى فاني
ووجودي كل شيء سبقا ... ليس لي ثاني
شاربا ألفي ومشروبا أنا .... وأنا غيري
وإذا غيري بدا فهو أنا ... للذي يدري
*
إذ بطوني يقتضي لي ساترا ... في مقام البين
وظهوري يبتغي لي مبصرا ... في ضياء العين
فأنا في البين والعين أرى ... واحدا في اثنين
ظاهر مني ما قد بطنا ... فأعرفوا قدري
من رآني يجتني زهر المني ... مدة العمر
وهذا زجل في النقد الاجتماعي لابن شجاع من أهل تازة:
المال زينة الدنيا وعز النفوس ... يبهي وجوها ليست هي باهيا (١)
стр. 897
فها كل من هو كتير الفلوس ... ولوه الكلام والرتبة العاليا
*
يكبر من كثر مالو (١) ولوكان صغير ... ويصغر عزيز القوم إذ يفتقر
من ذا ينطبق صدري ومن ذا يصير ... يكاد يتفقع لولا الرجوع للقدر
حتى يلتجي من هو في قومو كبير ... لمن لا أصل عندو ولا لو خطر
لذا ينبغي يحزن على ذي العكوس ... ويصبغ عليه ثوب فراش صافيا
اللي صارت الأذناب أمام الرؤوس ... وصار يستمد الواد من الساقيا
*
ضعف الناس على ذا وفسدذ الزمان ... ما يدروا على من يكثروا ذا العتاب
اللي صار فلان يصيح بأبو فلان ... ولو رأيت كيف يرد الجواب
عشنا والسلام حتى رأينا عيان ... أنفاس السلاطين في جلود الكلاب
كبار النفوس جدا ضعاف الأسوس ... هم ناحيا والمجد في ناحيا
يروا أنهم الناس ويرونهم تيوس ... وجوه البلاد والعمدة الراسيا
وله زجل غرامي:
تعب من تبع قلبو ملاح ذا الزمان ... أهمل يا فلان لا يلعب الحسن فيك
стр. 898
ما منهم مليح عاهد إلا وخان ... قليل من عليه تحبس ويحبس عليك
*
يتيهوا على العشاق ويتمنعوا ... يتعمدوا تقطيع قلوب الرجال
وإن واصلوا من حينهم يقطعوا ... وإن عاهدوا خانوا على كل حال
مليح كان هويت قلبي وست معو ... وصيرت من خدي لقدامو نعال
ومهدت لو من وسط قلبي مكان ... وقلت لقلبي أكرم لمن حل فيك
وهون عليك ما يعتريك من هوان ... فلا بد من هول الهوي يعتريك
*
حكمتو علي ورضيت به أمير ... فلو كان يرى حالي إذا يبصرو
يرجع مثل در حولي بوجه القدير ... مرديه ويتعطس بحال انحرو
وتعلمت من ساعا بسبق الضمير ... يفهم مرادو قبل أن يذكرو
ويحتل في مطلوبو ولو إن كان ... عصر في الربيع أو في الليالي يريك
ويمشي يسوقو ولو كان بأصبهان ... إيش ما يقول يحتاج يقولو يجيك
ومن زجل سياسي للكفيف الزرهوني يذكر فيه هزيمة أبي الحسن المريني بإفريقية وانقطاع خبره عن رعيته:
سبحان مالك خواطر الأمرا ... ونواصيها في كل حين وزمان
стр. 899
إن طعنا عطفهم لنا قسرا ... وأن عصيناه عاقب بكل هوان
*
كن مرعي قل ولا تكن راعي ... فالراعي عن رعيته مسؤول
واستفتح بالصلاة على الداعي ... للإسلام والرضا السني المكمول
على الخلفا الراشدين والأتباع ... واذكر بعدهم إذا تحب وقول
احجاجأ تحللوا الصحرا ... ودوا سرح البلاد مع السكان
عسكر فاس المنيرة الغرا ... وين سارث به عزايم السلطان
*
أحداجا بالنبي الذي زرتم ... وقطعتم لو كلاكل البيدا
عن جيش الغرب حين يسألكم ... المتلوف في أفريقيا السودا
ومن كان بالعطايا يزودكم ... ويدع برية الحجاز رغدا
قام قل للسد صادف الجزرا ... ويعجز شوط بعد ما يحفان
ويزف كردوم وتهب في الغبرا ... أي ما زاد غزالهم سبحان
*
لو كان ما بين تونس الغربا ... وبلاد الغرب سد إسكندر
مبني من شرقها إلى غربا (١) ... طبقة تجديد وثانيا بصفر
стр. 900
لا بد للطير أن تجيب نبا ... أو يأتي الريح عنهم بفرد خبر
ما أعوضها من أمور وما شرا ... لو تقرأ كل يوم على الديوان
لجرت بالدم وانصدع ححرا ... وهوت الخراب وخافت الغزلان
*
أدر لي بعقلك الفحاص ... وتفكر لي بخاطرك جمعا
إن كان تعلم حمام ولا رقاص ... عن السلطان شهر وقبله سبعا
تظهر عند المهيمن القصاص ... وعلامات نشر على الصمعا (١)
إلا قوم عاريين بلا سترا ... مجهولين لا مكان ولا إمكان
ما يدروا كيف يصوروا (٢) كسرا ... وكيف دخلوا مدينة القيروان
*
أمولاي أبو الحسن خطينا الباب ... قضية سيرنا إلى تونس (٣)
فقنا كنا على الجريد والزاب ... واش للك في أعراب أفريقيا القوبس
ما بلغك من عمر فتى الخطاب ... الفاروق فاتح القرى المولس
ملك الشام والحجاز وتاج كسرى ... وفتح من أفريقيا وكان
стр. 901
رد ولدت أو كرة ذكرى ... ونقل فيها تفرق الاخوان
*
هذا الفاروق مردي الأعوان ... صرح في إفريقيا بذا التصريح
وبقت حمى إلى زمان عثمان ... وفتحها ابن الزبير عن تصحيح
لما دخلت غنائمها الديوان ... مات عثمان وانقلبت علينا الريح
وافترق الناس على ثلاثة أمرا ... وبقي ما هو للسكوت عنوان
إذا كان ذا من مدة البررا ... أش نعمل في أواخر الأزمان
ومن زجل لابن داود يتضمن قصة الجواري العشر التي صاغها عبد المهيمن الحضرمي في شكل مقامة ذكرناها في الجزء الثاني:
أنا ندور في فاس بين زناقي ودروب ... بالطبع والتأدب
حتى سمعت هول في واحد الزنقا ٠ (١) ... بين الريام دعقا (٢)
لما سمعت ذا العياط يا حضرا ... أوقفت ردت خبرا
وأنظرت في الريام وجدتهم عشرا ... بيضا ولون حمرا
ورقيقة غزال في بلاد الصحرا ... وأخرى ملات عبرا
وأخرى شطا مثل غصن البان ... وقصيرة وردة في كم ملك
стр. 902
والبلدية بزينها الفتان ... وعربية كستها باللك (١)
وعجوزة متهدمة الأسنان ... وصبية بشفارها تهلك
من بعد ما هدوا ... حضروا هناك أجواد
وقفوا وقد ردوا ... وتأدبوا الأغياد (٢)
والضد مع ضدوا ... يتعياروا الجهاد
بيضا مع الحميرا ... وشطا مع القصيرا ... وعجوزة والصغيرا
والساكنا البلاد بالوجه المجوب ... وعربية بغنبوب (٣)
واللي ملات بالشحم في عرقا ... واللي تبلات برقا
*
نطقت وقالت البيضا حسني هاج ... لوني أبيض كما العاج
بدني كما الغصن بيدين نساج ... وأنت كذاك (٤) التمساح
بين البياض وبين السواد دراج ... مثل النهار والداج
النسري (٥) واللوز والأزهار ... والسوسان والياسمين لوني
وكواكب والشمس والأقمار ... من وجهي والصبح من حسني
стр. 903
وأنت لونك يحكي للقار ... ودنيتي (١) يا سودا تعاندني
أوعاي مع عقلك ... أو اصمت وباعدني
وانظر إلى لونك ... وانظر إلى لوني
عندي أحسن منك ... في الدار تخدمني
لون البياض زهوا ... له العباد تهوى ... نصف الجمال هوا
انظر بفكرتك في الثوب المجلوب ... صاحب البياض محبوب
وما السواد من راد يتنقى ... باطل كذاك يشقى
*
نطقت وقالت السمرا بالزعاج (٢) ... لوني بديع وهاج
يشرق كما الخمر في قطعان الزاج ... نسمة وطيبة وعلاج
وبما الذهب كيتكتب التاج ... ونقش القباقب العاج
ماريت في البياض سوى خمسا ... معروفين بالثقل والبراد
ملح وجير وثلج به تكسا ... ورخام وعاج في البياض قداد
منجوسين وقلها بخسا (٣) ... تحت الأقدام يجرعوا النكاد
ورفعة الأسوام ... تعرف للاسمر
شهد العسل ومدام ... والمسك والعنبر
стр. 904
والتبر حين يغنام ... والبرهمان الأحمر
والتمر في أوانو ... والزهر في أغصانو ... والعود في مكانو
الأحمر بديع في المأكول والمشروب ... ما فيه شيء معيوب (١)
وللعذراوي زجل يعرف بالصبوحي:
الصبح كشريف أرخى ذيل إزارو ... ولبس من الديباج غفارا
والليل كغلام أشود شاب عذارو ... وشعل من البياض منارا
*
الصبح كنسر يتعلى ... والليل سالد مع غرابو
والضوء في شماه تولى ... وأرسل على الظلام عقابو
انظر تر حمام القبلا ... مثل الإمام في محرابو
الفلك كيف دار بصنعة دوارو ... وخفا كواكب السيارا
هب النسيم بين الداعي ونهارو ... شوش دواحنا المسرارا
*
الأشجار بارزة في حليها ... تجلى على سواقي البستان
ومياه خلخلت رجليها ... والزهر دار لها تيجان
стр. 905
مدت من الكمام يديها ... تطلب من الكريم الغفران
الأغصان كل واحد يغرم دينارو ... يعطي على الصباح بشارا
والطير كالخطيب طلع في منبارو ... وعظ والأغصان سكارى
*
أقبلت محاسن الغدويا ... للواعين وللي تابو
والروض في ثياب نقيا ... يعيق على طراف جنابو
والمرج كسما ذهبيا ... يرمي على الرقيب شهابو
صب تشوف يا ساقي من بلار ... اسع وطف بالخمارا
واعطف على شموس مقامك وأقمار ... وكمل على وجوه الدارا
*
اغنم مع المليح صباحك ... أما ترى الزمان في غفلا
وأشعل من الهنا مصباحك ... من لا يفوز ما يسلا
إذا أجرت بك رياحك ... جفنك يعوم فوق الحملا
خل عدوك يتقلب فوق جمارو ... واد من الشرور إمارا
من جاد لو زمانو يقطف نوارو ... الأيام صاحيا مطارا
وللشيخ الحراق زجل غرامي:
جاء الزمان واستبشر قلب الهايم ... وتحلى بالسعد حين صاب مناه
نكى الحسود وظفر بالعز الدايم ... وأصبح يتبختر في ثياب هناه
*
стр. 906
مع البذور
بيض النحور
فاغنم كأس الراح ... هاحبيبك زار.
اسق ودور
وأنف الشرور
طول الدهور
ساعة السلوان ... فايدة الأعمار
آت المليح وأعصي باللوم الللايم ... وأعمل في أيامك ما تهواه
وأنشد من أشعارك في الحسن القايم ... نجمك صاح صار في صعود سماه
صل الشراب
فالنكاد غاب
والخير صاب
وسرج الفرجات ... شعشعت الأنوار
رشف الأكواب
مع الأحباب
عين الصواب
فا زهى في زمانك ... لو تعيش نهار
نظرة في الحبيب تمحي كل جرايم ... والرحمن كريم باللي يرجاه
стр. 907
إذا ما رضي ما تنفع عزايم ... لو بأعمال الخير كلها تلقاه
وله أيضاً:
زار حبيبي بعد ما جفا ... وتبد كربي
وتيقنت بخاطر وصفا ... حين بغى قربي
واجذبني بالصدق والوفا ... واقلع عن حجبي
وأظهر لي سر ما خفا ... عني في جذبي
نار غرامو ما تنطفا ... عمري من قلي
ما مني للو مخالفا ... يقتل أو يسبي
لاموني في هواه ما كفى ... واتقوا عجبي
وانا حالي ما ينتفى ... راسخ في شربي
نلت وصالو بالمساعفا ... ما هو من كسبي
غير تلاقيتو مصادفا ... سابقة من ربي
وله كذلك:
جاد علي برضاه
الحبيب اللي حبيت ... زارني وأنعم لي بالوصال
حين أشرق نور بهاه
كل شيء بالقهر نسيت ... يا أهلي عقلي إذا شفتوه زال
ما بي غير هواه
стр. 908
بان في بعد ما خفيت ... والغرام إذا هو تقوى وصال
ما يقدر من يلقاه
شوف حالي حين لقيت ... حاط بي واقهرني بالنصال
كلي في الحق مناه
قال لي غيرك ما ريت .... يا لواله زول شك الخيال
ما تم غير الله
وللسيد عبد القادر العلمي المتوفي سنة ١٢٦٦ زجل غزلي:
الخان غلام ... عساس في روضة منعما
كينو ضرغام (١) ... في يمينو حربة لي أو ما
من حاذاه يتركو رميم
صنع العلام ... نقطة في صفحة مكرما
ما نزلت بأقلام ... حكمت ربي رافع السما
كون الله الدايم القديم
وجعاب أروام (٢) ... وكوابس (٣) للضرب رايما
ما تقبل تذمام ... في مكاتب كفار ظالما
стр. 909
مولوعة بالقتل والهجيم
والجيد رام ... قدام جليب وهايما
شرادات اللوهام ... على العفة والطيب قايما
ما تقرا أمان ما تقيم
زين الأعجام (١) العين الشهلا النايما
والبياض تمام ... وخروف الزين المستقما
وصف الزين في صنعة حكيم
قائمة الأعلام ... جبين وغرة مبسما
حسن بغير وشام ... وخدود كوردة ناسما
صنع الله الملك العظيم
وله أيضاً:
راح الوقت ولا بقا ... إلا وقت المعانقا
كب ورا (٢) وارخي رواق
والأشجار الباسقا ... والأطيار الناطقا
عمرت بلغاها أسواق
стр. 910
كب الصهبا الخارقا ... في كيسان بنادقا (١)
من زاج بلاد العراق
تظهر خمر بارقا ... في الأواني شارقا
كلون سحيق الرهاق (٢)
وله من زجل في مدح المولى إدريس الأكبر:
بوجودك يا سراج محفل أهل اليقين
سعد الغرب بعد كان في برج نحيس
انتصرت ملة النبي وتشهر الدين
والحق استقام منهجو بعد التنكيس
وقطع سيف الهدى رقاب المرتدين
بالقهر ولا بقى رهيب ولا قسيس
نبنات مساجد العبادة للمبين
وفنون العلم بالتلاوة والتدريس
بوجودك يا سيدنا مولاي إدريس