وقال العلامة ابن غازي في تلاميذه الجاحدين:
أقمت بمكناسة مدة ... أعلم أبناءها ما الكلام
فلما توهمه بعضهم ... عليَّ به بخلوا والسلام
وقال رابح بن عبد الصمد المديوني الفشتالي (من أهل القرن العاشر) في أبي الفضل الشريف المكي:
أكل هجين أبعدته يد النوى ... يلوذ بأبواب الورى يتكفف
وكل زنيم جاهل قدر نفسه ... يزاحم أهل البيت كي يتشرف
وله في أسود:
وأسود يفتت الدجى من جبينه ... تشاءمت من رؤياه عند الملاقاة
له نعمة ليست تليق بمثله ... من النعمة المغبوطة الحسنات
ولابن الخطيب الزرويلي المتوفي ٩٩٣ يهجو مدينة مراكش ؛
ما كان ظني وحق الله فرقتكم ... لو أن مراكشا كانت تواتيني
أظل في نصب مما أكابد من ... نفض الغبار ومن طرد الذبابين
وطول ليلي في كد وفي تعب ... ما بين بق وناموس يناغيني
أبيت أحرس فرشي من عقاربها ... والقلب في فكر منها وتخمين
إذا رأيت سواداً مر بي وأتى ... ظننتها عقربا ذبت لتوذيني
стр. 842
لم يبق في الفم ضرس أستعد به ... أفناه مضغ الحصى من الطواحين
منوا علي بإطلاقي بفضلكم ... هذا العجاج بها قد كاد يعميني
لم يبق في الكيس فلس استعين به ... أفنيت مالي في غسيل وتصبين
وله في القصر الكبير:
ارحل من القصر واسمع قول ذي ثقة ... إن المقام به ضرب من الحمق
إن لم تمت في أوان الحر محترقاً ... لم تنجح فيه زمان البرد من غرق
ولابن عمرو الشاوي في العدول الجهال:
إن العدول الأُلى جاد الزمان بهم ... عن العدالة والتوفيق قد عدلوا
أحداث سن وألباب كسنهم ... تالله لو شهدوا في الكلب ما قبلوا
وقال عبد الملك التجموعتي يهجو البربر:
هم البرابر لا ترجو نوالهم ... وسل من الله تعجيل النوى لهم
لا بلغ الله قلباً منهم أملاً ... وبلغ الله قلبي ما نوى لهم
وقال أيضاً فيهم:
فلو كنت في الفردوس جاراً لبربر ... لحولت رحلي من نعيم إلى سقر
يقولون للرحمن باباً بجهلهم ... ومن قال للرحمن باباً فقد كفر
стр. 843
وأجابه العلامة اليوسي بقوله:
كفي بك جهلاً أن تحن إلى سقر ... بديلاً من الفردوس في غير مستقر
وتجهل معنى مستبيناً مجازه ... لدى كل ذي فهم سليم وذي نظر
فإن أبا الإنسان يدعوه أنه ... كفيل وقيوم رحيم به وبر
ومن قال للرحمن باباً فقد عنى ... به ذلك المعنى المجاز وما كفر
وقد قال عيسى إنني ذاهب إلى ... أبي وأبيكم جاء ذلك في الأثر
وقال اليوسي، أنفذه في رقعة مع طعام لبعض ضيفانه:
كلوا واعذروني في التخلف إنني ... رأيت اتباع الظرف ليس من الظرف (١)
وأحسن ظرفي ترك ضيفي كما يشا ... وليس ارتقاب الضيف من شيم الطرف (٢)
وقال الطبيب عبد القادر بن شقرون معميا في التمر المجهول (٣):
ما أحمر اللون حلو الطعم معسول ... يعزى لذات عقاص زانها طول
قد شاع معروفها بين الورى كرماً ... فاعجب المعروف أم وهو مجهول
стр. 844
وقال كذلك في اللفت البلدي وهو السلجم:
ما أبيض في خده حمرة ... يرفل في ثوب من السندس
قد بيع في السوق على حسنه ... مظلمة بالثمن الأبخس
ألفت في أوصافه جملاً ... معجبة للحاذق الأكيس
وقال محمد بن الشيخ سيدي الشنقيطي في رجل أكول اسمه: نحن وكان يدّعي الشرف:
ما هز عطفي كمي يوم هيجاء ... بين الأواني كذي النونين والحاء
فرد يقوم مقام الجمع وهو لذا ... يدعى بمضمر جمع بين أسماء
يسطو بأسلحة للأكل أربعة ... يد وفم وبلعوم وأمعاء
تخال لقماته العظمى براحته ... كراكر الإبل أو جماجم الشاء
ما بين طلعتها فيها وغيبتها ... في فيه إلا كلمح الطرف للرائي
فتنبوي كدلي خان ما تحها ... أشطانها فترامت بين أرحاء
فبان أن الذي يحويه من شرف ... قد صح لكنه بالهاء لا الفاء
وقال الأديب عبد السلام الزموري المتوفي ١٢٧٩ في شراب الشاي:
الحمد لله الذي نعمنا ... بكل مطعوم به أطعمنا
وكل مشروب لذيذ طيب ... حلو حلال كالغمام الصيب
стр. 845
مثل الأتاي (اللّندريزي) مذهبه ... على صفا صينية ملتهبة
تطاير الهم لديه وانشرح ... صدر الذي يشربه من الفرح
فإن يكن معنبراً (١) فذاك في ... مذهبنا المعروف خير ما اصطفى
وذا إلى ثلاثة أو أربعا ... من الأحبة وما زاد ادفعا
ما لم يكن مغنياً أو مطربا ... أو ذا ملاحة يرى محببا
فهو الذي يقيمه ويحسنه ... وكلنا من يده نستحسنه
وإن يكن منعنعاً فذاك لا ... وحقكم يصلح إلا للملا
أو للذي أولع بالحناوى (٢) ... أو اشتكى ضرا فللتداوي
خذه فدتك النفس من قبل الطعام ... أو بعده في عليك من ملام
إلا إذا كان الطعام كسكسا ... فكل من أخره فقد أسا
ووقته وقت سرور وانبساط ... وحيثما دعا لشربه النشاط
وقت الصباح عندهم مستحسن ... لكنه بعد العشاء أحسن
إذ وقته وقت فراغ البال ... وراحة القلب من الإشغال
والأمن من كل ثقيل يدخل ... أو خبر على النفوس يثقل
مع اتساع الوقت للمنادمه ... ولذة الجلوس والمكالمة
وذاك في الصباح لا يتفق ... وهو من بعد العشا محقق
стр. 846
أكرم بذاك الوقت وقت الكرما ... وإنما الليل نهار الندما
يومن فيه مع غلق الباب ... وسدل ما يستر من حجاب
واختر له من الشموع الأبيضا ... كألسن الأفعى إذا تنضنضا
على دخان العود إذ يحترق ... وماء ورد عطره ينتشقى
ولا أرى الأتاي بالقنديل ... والزيت والمنخاس والمنديل
إذ كل أمره على النظافة ... قد انبنى وشرطه اللطافة
لا سيما الساقي الذي يناوله ... كذلك الكأس الذي تستعمله
وشربه على خلاء المعدة ... جاز على شرط حضور المائدة
تاخذ منها لقمة أو لقمتين ... من قبل أن تشرب منه حلقتين
وأخرنه مطلقاً حيث تلا ... ما كان مالحاً يرى مخللا
وشربه على الشواء والكباب ... يفتح للصحة منه ألف باب
стр. 847
الرثاء وذكر الموت
لأبي الحسن المسفر في الموت وفلسفته، ويقال إنها وجدت تحت وسادته بعد وفاته:
قل لإخوان رأوني ميتاً ... فبكوني ورثوني حزناً
أعلى الغائب مني حزنكم ... أم على الحاضر منكم هاهنا
أتظنون بأني ميتكم ... ليس ذاك الميت والله أنا
أنا في الصور وهذا جسدي ... كان لبسي وقميصي زمنا
أنا كنز وحجابي طلسم ... من تراب قد تهيا للفنا
أنا در قد حواني صدف ... طرت عنه فتخلى رهنا
أنا عصفور وهذا قفصي ... كان سجني فألفت السجنا
أشكر الله الذي خلصني ... وبنى لي في المعالي ركنا
كنت قبل اليوم ميتاً بينكم ... فحييت وخلعت الكفنا
فأنا اليوم أناجي ملأ ... وأرى الله جهاراً علنا
عاكف في اللوح أقرأ وأرى ... كل ما كان ويأتي ودنا
стр. 848
وطعامي وشرابي واحد ... هو رمز فافهموه حسنا
ليس خمراً سائغاً أو عسلاً ... لا، ولا ماء ولكن لبنا
هو مشروب رسول الله إذ ... كان يسري فطره مع فطرنا
فأفهموا السر ففيه نبأ ... أي معنى تحت لفظ كمنا
فأهدموا بيتي ورضوا قفصي ... وذرا الطلسم بعدي وثنا
وقميصي مزقوه رمماً ... ودعوا الكل دفيناً بيننا
قد ترحلت وخلفتكم ... لست أرضى داركم لي وطنا
حي ذي الدار نووم مغرق ... فإذا مات أطار الوسنا
لا تظنوا الموت موتاً إنه ... لحياة هي غايات المنى
لا ترعكم هجمة الموت فما ... هي إلا نقلة من هاهنا
فاخلعوا الأجساد عن أنفسكم ... تبصروا الحق عياناً بينا
وخذوا في الزاد جهداً لا تنوا ... ليس بالعاقل منا من ونى
حسنوا الظن برب راحم ... تشكروا السعي وتأتوا أمنا
ما أرى نفسيي إلا أنتم ... واعتقادي أنكم أنتم أنا
عنصر الأنفس منا واحد ... وكذا الجسم جميعاً عمنا
فمتى ما كان خير فلنا ... ومتى ما كان شر فينا
فارحموني ترحموا أنفسكم ... وأعلموا أنكم في إثرنا
أسأل الله لنفسي رحمة ... رحم الله صديقاً أمناً
стр. 849
وعليكم من سلامي صيب ... وسلام الله بدأ وثنى
أبد الدهر إلى يوم يرى ... بعضنا بعضا لرحب وهنا
ولأبي جعفر بن عطية يكي نفسه حيث نكبه عبد المومن:
أنوح على نفسي أم انتظر الصفحا ... فقد آن أن تنسى الذنوب وأن تمحى
وها أنا في ليل من السخط حائر ... ولا أهتدي حتى أرى للرضا صبحا
ولميمون الخطابي يرثي عبد الله بن أبي بكر ابن الجد ويعزي أباه وهو يومئذ وزير إشبيلية وعظيمها وكانت حاضرة الأندلس:
أرجة الصعق يوم النفخ في الصور ... أم دكة الطور يوم الصعق في الطور
أم هدة الأرض إظهاراً لما زجرت ... به الخليقة من إيقاع محذور
أم الكواكب في آفاقها انتثرت ... وباتت الشمس في طي وتكوير
ما للنهار تعرى من ثياب سنا ... وشابة الليل في أثواب ديجور
قد كان الصبح طرف زانه بلق ... مقسم الخلق بين الدجن والنور
فما الملم الذي غشى بدهمته ... أديمه عنبراً من بعد كافور
أصخ لتسمع من أنبائها نبأ ... يطوي من الأنس فيها كل منشور
وانظر فإن بني عدنان ما حشروا ... إلا لرزء عظيم القدر مشهور
وافي مع العيد لا عادت مضاضته ... فشاب سلساله الأصفى بتكدير
واعتام داراً لها في السبق جمهرة ... من المفاخر أزرت بالجماهير
стр. 850
رمى قريشاً فأصمى سهم حادثه ... أبناء فهر بتوفيق المقادير
فخانها الجد في ابن الجد يوم قضى ... وأثر الخطب فيها أي تأثير
لله والمجد ما أبقاه من أثر ... أخرى الليالي بطيب الذكر مأثور
نوارة عند ما راقت بدوحتها ... أهوت إلى الترب من بين النواوير
جار الذبول عليها عندما ملأت ... معاطس الدهر من طيب وتعطير
وسيف بأس لكسر الخطب أغمده ... صرف الحوادث فيها بعد تكسير
قضى فرافق شهر الصوم مرتحلاً ... ووافق الشهر في فضل وتطهير
واختاره خاطب الخطب الملم به ... للصهر كفؤاً فأمضى العقد للحور
فسار للحين مسروراً وخلفنا ... للحزن فأعجب لمحزون بمسرور
ناديت يا حادي الأحزان يوم حدا ... أظعان قلبي رفقاً بالقوارير
فالوجد والدمع من حزن قد اقتسما ... قلبي وجفني بمنظوم ومنثور
فالقلب بالغيظ في تصعيد مستعر ... والجفن بالفيض في تصويب ممطور
وسائق الخطب يشدو الحاملين له ... يسوقهم سوق حادي العير للعير
وللملائك في آفاقها زجل ... قد شفعته بتهليل وتكبير
ثني المصاب على شيخ الجزيرة في ... عهد وحل وتقديم وتأخير
ذاق الرزايا على مقدار منصبه ... والابتلاء على قدر المقادير
إن كان فرق شمل الأنس منه فكم ... أولاه للجد من جمع وتوفير
يا دهر حملته وقع الخطوب ولم ... تزل تنفذ عنه كل مأمور
стр. 851
أردت بالصبر منه أن تقيم لنا ... برهان تقديمه للخير والخير
يا عامر الثرب كم خلفت من كبد ... ومن فؤاد بثاوي الحزن معمور
لو كنت تحمي وتفدى للعلا ابتدرت ... آلافها بالقنى أو بالقناطير (١)
وإنما الموت حكم ليس يدخله ... نسخ لخلق وعدل دون تجوير
يقضي على الأسد في الآجام حاكمه ... وفي الكناس على البيض اليعافير
ويمتطي الشهب في شم الجبال كما ... في الوكر يعتام أفراخ العصافير
أعظم بآيته من آية عظمت ... فليس تدرك في حال تفسير
فسلم الأمر فالأقدار قد نفذت ... وكل شيء بتدبير وتقدير
ما فقر ذي الفقر عن جهل وعن كسل ... ولا غنى المرء عن كيس وتشمير
ولا الحمام بنقص في المزاج ولا ... ضعف الطبيعة عن أسباب تدبير
فكم صحيح قضى فيها بلا مرض ... كم مريض أقامته لتعمير
* * *
فأسمع بقلبك فالأشياء ناطقة ... وألسن الحال تغني كل نحرير
مقدمات الليالي طالما فضحت ... نتائج الغدر منها كل مغرور
جمع السلامة معدوم الوجود بها ... فكم بها للردى من جمع تكسير
стр. 852
والكون طرس وهذا الخلق أحرفه ... والحرف ما بين ممحو ومبتور
والدهر يعرب والأفعال يظهرها ... طوعاً ويعجم منها كل مسطور
وإنما الخلق أسماء تعاورها ... إعرابه بين مرفوع ومجرور
وكلهم في مدى الأعمار تحسبهم ... كحالها بين ممدود ومقصور
والموت مثل عروضي قطع من ... أبياتهم كل موزون ومكسور
يا من يؤمل أن يبقى وقد نفضت ... أيدي المقادير من إبرام تقدير
هذي الحقيقة لا ما حدثتك به ... آمال نفسك عن دنياك من زور
لا تخدعنك الليالي إن فتنتها ... كادت فكادت ترينا كل محذور
كم باكرت بعبوس الخطب من ملك ... قد كان بالبشر وضاح الأسارير
سائل بكسرى مليك الفرس هل تركت ... له المنايا جناحاً غير مكسور
وأنزل بصنعاء في قصر ابن ذي يزن ... تلمم بقسر على الأغيار مقصور
وأعبر على حيرة النعامن معتبراً ... تعبر بأطلال نعمى ذات تغيير
وأين من كان سجن الجن في يده ... والإنس والجن في قهر وتسخير
وأين مخترق الدنيا بعزمته ... يطوي البلاد معاً طي الطوامير (١)
بادوا فليس بها باد يحس به ... منهم وأفناهم ريب الدهارير
* * *
стр. 853
هو القضاء أبا بكر أصبت به ... فاصبر وسلم له تسليم مأجور
والله يحرس علياكم ويرفع عن ... سامي معاليك أنواع المحاذير
ولأبي العباس الجزناني يرثي جاريته صبحاً:
يا صاحب القبر الذي أعلامه ... درست ولكن حبه لم يدرس
ما اليأس منك على التصبر حاملي ... أيأستني فكأنني لم أيأس
لما ذهبت بكل حسن ... أصبحت نفسي تعاني شجو كل الأنفس
يا صبح أيامي ليال كلها ... لا تنجلي عن صبحك المتنفس
وله يخاطب قبرها:
يا قبر صبح حل فيك ... لمهجتي أسنى الأماني
وغدوت بعد عيانها ... أشهى البقاع إلى العيان
أخشى المنية إنها ... تنئي مكانك عن مكاني
كم بين مقبور بفا ... س وقابر بالقيروان
وللعلامة أبي بكر بن شبرين السبتي يرثي بلديه العلامة ابن هانئ:
قد كان ما قال البريد ... فأصبر فحزنك لا يفيد
أودي ابن هانئ الرضى ... فاعتادني للثكل عيد
بحر العلوم وصدرها ... وعميدها إذ لا عميد
قد كان زيناً للوجود ... فيه قد جمع الوجود
стр. 854
العلم والتحقيق والتوف ... يق والحسب التليد
تندى خلائقه فقل ... فيها هي الروض المجود
غض عن الإخوان لا ... جهم اللقاء ولا كنود
أودي شهيداً باذلاً ... مجهوده نعم الشهيد
لم أنسه حين المعارف ... باسمه فينا تشيد
وله صبوب في طلا ... ب العلم يتلوه صعود
لله وقت كان ينظمنا كما نظم الفريد
أيام نغدو أو نروح ... وسعينا السعي الحميد
وإذ المشيخة جثم ... هضبات حلم لا تميد
ومرادنا جم النبات ... وعيشنا خضر برود
لهفي على الإخوان والأ ... تراب كلهم فقيد
لو جئت أوطاني لأنكر ... في التهائم والنجود
ولراع نفسي شيب من ... غادرته وهو الوليد
ولطفت ما بين اللحود ... وقد تكاثرت اللحود
سرعان ما عاث الحمام ... ونحن أيقاظ هجود
كم رمت إعمال المسير ... فقيدت عزمي قيود
والآن أخلفت الوعود ... وأخلقت تلك البرود
ما للفتى ما يبتغي ... فالله يفعل ما يريد
стр. 855
أعلى القديم الملك يا ... ويلاه يعترض العبيد؟
يا بين قد طال المدي ... أبرق وأرعد يا يزيد (١)
ولكل شيء غاية ... ولربما لان الحديد
* **
إيه أبا عبد الإله ... وبيننا مرمى بعيد
أين الرسائل منك تأ ... تينا كما نسق العقود
أين الرسوم الصالحات ... تصرمت أين العهود
أنعم مساء لا تخطيك ... البشائر والسعود
وأقدم على دار الرضا ... حيث الإقامة والخلود
والق الأحبة حيث دار ... الملك والقصر المشيد
حتى الشهادة لم تفتك ... فنجمك النجم السعيد
لا تبعدن وعد لو أن ... البدء في الدنيا يعود
فلئن بليت فإن ذكر ... ك في الدنا غض جديد
تالله لا تنساك أند ... ية العلا ما أخضر عود
وإذا تسومح في الحقوق ... فحقك الحق الأكيد
стр. 856
جادت صداك غمامة ... يرمي بها ذاك الصعيد
وتعهدتك من المهيمن ... رحمة أبداً وجود
وله يرثي ملك غرناطة المغتال محمد بن إسماعيل بن الأحمر:
تعين بكي لميت غادروه ... في ثراه ملقى وقد غدروه
دفنوه ولم يصل عليه ... أحد منهم ولا غسلوه
إنما مات حين مات شهيداً ... فأقاموا رسماً ولم يقصدوه (١)
ولابن عبد المنان يرثي الحاجب أبا عبد الله التميمي وفيه جناس وتورية:
من كان يبكي ماجداً فليجد ... بالمدمع السكب على الحاجب
يمم وجه المجد فأغتاله ... صرف الردي لم يخش من حاجب
عين أصابته ويا قرب ما ... في الوجه بين العين والحاجب
وللشيخ القصار على ما نسبه إليه غير واحد من الأثبات بخطوطهم والبيت الأول رأيناه في كتب القدماء فهو مضمن: (٢)
стр. 857
(زر والديك وقف على قبريهما ... فكأنني بك قد نقلت إليهما)
لو كنت حيث هما وكانا بالبقا ... زاراك حبواً، لا على قدميهما
أنسيت عهدهما عشية أسكنا ... دار أبلي وسكنت في داريهما
ما كان ذنبهما إليك وإنما ... منحاك محض الود من نفسيهما
كانا إذا ما أبصرا بك علة ... جزعاً لما تشكو وشق عليهما
كانا إذا سمعا أنينك أسبلا ... دمعيهما أسفاً على خديهما
وتمنيا لو صادفا لك راحة ... بجميع ما يحويه ملك يديهما
فلتلحقنهما غداً أو بعده ... حتماً كما لحقا هما أبويهما
ولتقدمن على فعالك مثل ما ... قدما هما أيضاً على فعليهما
بشراك إن قدمت فعلاً صالحاً ... وقضيت بعض الحق من حقيهما
وقرأت من أي الكتاب بقدر ما ... تسطيعه وبعثت ذاك إليهما
فاحفظ بني وصيتي وأعمل بها ... فعسى تنال الفوز من بريهما
وللشيخ رضوان الجنوي:
إذا شئت أن تبكي فقيد من الورى ... وتندبه بعد النبي المكرم
فلا تبكين الأعلى فقد عالم ... يبادر بالتفهيم للمتعلم
وفقد إمام عادل قام ملكه ... بأنوار حكم العدل لا بالتحكم
وفقد شجاع صادق في جماده ... وقد كسرت راياته في التقدم
стр. 858
وفقد سخي لا يمل من العطا ... ليطفئ بؤس الفقر عن كل معدم
وفقد تقي زاهد متورع ... مطيع لرب العالمين معظم
فهم خمسة يبكي عليهم وغيرهم ... إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم (١)
وللشيخ أبي عثمان سعيد بن علي الجزولي الحامدي يرثي المولى محمد الحران ابن محمد الشيخ المهدي السعدي وقد توفي سنة ٩٥٥ وكان يذكر بالشجاعة والحلم والعلم:
أتروي الأماني والأماني سراب ... وتغني المغاني والمغاني خراب
إلى م التعامي والتعلل بالمنى ... وقد قربت للظاعنين ركاب
خليلي من سود الليالي أساود ... تعض بصرف والمنايا لعاب
فمن تكن الأيام يوماً سررنه ... فإني بأيام الزمان مصاب
نعي أتاني والنعي محمد (٢) ... رددت عليه والدموع جواب
بكاء من شدت عرى الملك كفه ... ومن رأيه في المعضلات شهاب
مهيباً تلاقيه القبائل والقنا ... فتغضي وأعمار الكماة نهاب
كريم غذته المكرمات وسيد ... نمته كرام الناس طاب وطابوا
أتته المنايا خلسة حيث أيقنت ... بأن اختلاساً في القلوب غلاب
فتى نيط حب المأثرات بلحمه ... فهن حلاه والمديح ثياب
فياليت من نادي صداه يجيبه ... كما كان من ناداه فهو يجاب
стр. 859
وإن طلاب الناس للعرف بعده ... وقد غيبوه في الثرى لعجاب
لقدبث بث الحزن في الأرض هلكه ... فكل عميد في البلاد مصاب
نعته القوافي للعوافي فأعولت ... بنات الفيافي أنسر وذئاب
أظن صروف الدهر تحدث بعده ... ستحلو وإن الحادثات لصاب
كما حال تال الطيبات لفقده (١) ... عن العهد حولاً فالعذاب عذاب (٢)
عظيم ألم في عظيم بمثله ... وبين الشكول في القياس نساب
فيا طيباً طاب الثرى بعظامه ... قضيت ولم يلمم بساحك عاب
سلام ورضوان عليك ورحمة ... يوافيك منها في الضريح رغاب
عليك أبا الحران صبراً فذق به ... دواء لأدواء الزمان يشاب
رزنت جليلاً فاحتسبه فإنه ... وإن جل خطب فالعزاء عصاب (٣)
لعل مساس الرزء يقدح ما به ... تهد صلاد أو تفت صلاب
فكن هضبة نأوي إليها فإنما الخطوب سيول والملوك هضاب
على أنه التمحيص والميز حاكم ... بأنك تبر والملوك تراب
فإن غاض منه جعفر البأس والندى ... ففي البحر والخلج العظام حساب
وما ضاع مجد قط حف بقبة ... فكيف وقد حف القباب قباب
رعى الله للإسلام فيها بدوره ... وأخصب منها للأنام جناب
стр. 860
وللأديب علي بن أحمد مصباح يرثي الشهيد أبا الفضل جسوس:
حل بالدين يا لقوم بلاء ... أحجمت دون وصفه الشعراء
قتل اليوم أعلم الأرض ظلماً ... فبه في الإسلام حق العزاء
قتلوه من أجل أن كان أستا ... ذاً أعزته السنه السمحاء
قتلوه من أجل أن كان عن سبل الهوى فيه نفرة وإباء
قتلوه أن كان للشرع شمساً ... ليس تخفي ضياءها الظلماء
قتلوه أن كان حصناً به تمنع عما تريده الأشقياء
قتلوه من أجل أن كان للشر ... ع حساماً تهابه الأمراء
قتلوه أن كان للحق قوا ... لا وما إن تضله الأهواء
فانظروا الدين أن قضى نحبه عبد السلام أودت به الغرباء
وإذا نودي العباد اليوم الفصل جاءوا وهم له شهداء
وهناك الإلاه والخلق والأ ... ملاك طراً عن قتله خصماء
ما يكون الجواب منهم إذا ما ... سحبوا في الظى وبيس الجزاء
كيف نفسي عليه هدت به اليو ... م من الدين هضبة قعساء
لهف نفسي عليه ما لشموس العلم حيث اختفت عليه انجلاء
عذبوه حياً وقد كان سيي ... ن لديه السراء والضراء
واجتنوا ماله الذي سوف يجني ... بؤسهم حين لا يقيهم نجاء
فغدا عائلاً وأولاده والأهل ... طرأ جميعهم فقراء
стр. 861
غير أنهم لما رأوه من الله ... وأن أملقوا فهم أغنياء
صبروا للقضاء واحتسبوا الأجر وما غيرتهم البأساء
ثم طافوا به على الناس في الأسو ... اق كما يكون منهم عطاء
فغدا المسلمون يلقون أموا ... لاً عليه رجالهم والنساء
ما حبوها إلا لظنهم أن ... سوف يأتي له بهن الفداء
ثم من بعد ذا سقوه المنايا ... ليس والله بعد هذا بلاء
يا لها من مصيبة سار في الأر ... ض وفوق السما بها الإنباء
عمت المسلمين رزءا فأضحت ... كل عين منهم عراها البكاء
يابن جسوس إن تكن حبست للخو ... ف عنكم لسانها الأدباء
فأنا اليوم تفصح برثاكم ... مثلما صخرها رثت خنساء
فليقل من يشاء ما شاء وليفعل فبي من بلواكم برخاء
فعسى إن لقيتكم يوم حشر ... تشفعن لي فإنكم شفعاء
وللشيخ أبي على اليوسي يرثي زاوية الدلاء لما أوقع بها السلطان مولاي رشيد العلوي سنة ١٠٧٨:
أكلف جفن العين أن ينثر الدرا ... فيأبى ويغتاض العقيق بها حمرا
وأسأله أن يكتم الوجد ساعة ... فيفشي وإن اللوم آونة أغرى
وقد كنت أستصحيه حتى توقدت جذا الوجد فاستسقيته يطفئ الجمرا
على أن دمع العين فضل حشاشة ... تذاب فماذا ينفع الدمع أن يجري
стр. 862
وكانت سروخ الهم عني عوازباً ... وبعد النوى أضحت مراتعها الصدرا
وكانت عيون الحادثات غوافلاً ... زمانا وخطب الدهر كان بناغرا
ليالي كان البنين عن جيرة الحمى ... صدوداً ونظم الشمل لم يستحل نثرا
وكانت مدامات الوصال مدامة ... على القوم صرفاً لا مزيجاً ولا تزراً
تجاذب أخدان الصفاء كؤوسها ... فلا تخشي منها خماراً ولا سكراً
فبينا ليالي الوصل بيض وروضه ... بفيض الندا كانت مرابعه خضرا
عدت غدوة أيدي الحوادث فاختلت ... خلاها (١) ٩ فعادت بعد نضرتها غبرا
وأبدلن مانوس الديار وأهلها ... بوحش وحولن الأهيل بها قفراً
وبينا جموع الحي كالراح شبتها ... بماء فما تخشى جفاء ولا نعرا
وكالفرقدين الطالعين تألفاً ... وصاحبي الملك الذي نادم الشعري (٢)
أصابتهم عين الكمال فغادرت ... أكفهم من كل ما جمعت صفرا
وردتهم مثل الثريا إذا رأت ... سهيلا بشحط البين أو واصل والرا (٣)
فأصبح في أرجائها البوم منشداً ... يردد ما قال من قد خلا شعراً:
(كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس) بلى لكن هوى جدهم عثرا
стр. 863
فلا جفن إلا وهو مغض على القذا ... ولا عين إلا من نجيع الشجا حمرا
ولا وجد إلا وهو مرخ سدوله ... ولا هم إلا وهو يكتنف الفكرا
صبرت فؤادي للخطوب فلم يزل ... به رشقها حتى تقضى فلا صبرا
وأزمعت نهر الدمع (١) عني تعزياً ... فلما جرى كالنهر لم أملك النهرا
ووجهت نحو الحي أعرب عن هوى ... ضميري فلا ألفيت زيداً ولا عمرا
وأحسب ما قد كنت أحسب دائماً ... فخطت بنان البين في راحتي صفرا
* * *
ألا قل لأرواح الصبا لا تغادنا ... فإنا بأرواح الجنوب لنا ذكرى
وقل للبروق الشرق تغمد سيوفها ... فإن بروق الجوف (٢) صيرتها بترا
بلاد إذا ذقنا رضاب معينها ... فما لرضاب العين نلتمس الثغرا
وإن نحن رحنا بالشذا من رياضها ... ربحنا فما نرجو على العنبر التجرا
رياض إذا أبصرتها ونشقتها ... فلا تذكرن نجداً ولا تذكرن شحراً
وأزر على من كان حن صبابة ... إليها قديماً إذ على مثلها يزرى
فمن لي بواديها إذا فاح رنده ... ومن لي بمرعاها اذا أطلع المشرا (٣)
стр. 864
ومن لي بروضات يفوق ضياؤها ... على الشمس حسناً كلما ابتهجت زهرا
وهيهات واد ينبت الرند أيكه ... وهيهات روض يطلع الشمس والبدرا
وعذب فرات تستقيه وقاية ... وتطعمه راحاً وتبصره درا
فهل نفحة تكفيني المسك فائحاً ... وهل شربة تكفيني الشهد مستمراً
وهل طلعة تكفيني البدر طالعاً ... وهل لعة تكفيني الثغر مفترا
وهل وقفة بين الطلول التي قضت ... صروف الليالي في معالمها نذرا
هنالك إخوان الفؤاد وفتية ... هم للحشا خمر فما يطلب الخمرا
نزايلهم لا عن هوى لنواهم ... كما لفطام زايل المرضع الظئرا
وننأى عجالاً عنهم مثلما نأى ... أبو صبية عنهم أذا يمم القبرا
فمنا إليهم صبوة ابن ملوح (١) ... ومنهم شجا الخنساء إذ فارقت صخرا
فما أنزر الصبر الجميل على النوي ... وما أغزر الدمع الطويل وما أجرى
فلولا هوى نجد وطيب نسيمها ... وريح خزاماها إذا ساوق الفجرا
وعذب فرات سلسبيل سخت به ... أكف الغوادي في حدائقها غمرا
ومشمولة صهباء ما قط شابها ... براووقه الحاني ولا حلت القدرا
بها هامت الأرواح من قبل خلقنا ... ومن بعد ما كنا إذ نبلغ الحشرا
стр. 865
فكم ولهت فكر ابن عيسى ومالك
وكم أطربت سهلاً وكم أشغلت بشراً (١)
إذا ما تحساها الفتى لم يخف بها ... جناحاً ولكن يرتجي عندها أجرا
تحمله الأوزار غير مذمم ... بأعبائها العظمى ولم يكسب الوزرا
وتبرد غلات الحشا وتشبها ... أواراً وتعطي الرشد والسفه الحجرا
وتورثه قبضاً وبسطاً وفرقة ... وجمعاً ونسياناً وتورثه شعرا
فلولا رجاء الفوز منها بشربة
وتداوي عقابيل الهوى والجوى المضرى
لكانت أكف البين تصدع بالجوى
زجاجة أحشائي فلا أملك الجبرا
على أن هذا الدهر ليس بضارع ... له غير من أمسى بأحداثه غمرا
* * *
هو الدهر لا يبقي على متخشع ... ذليل ولا ذي نخوة مزده كبرا
حسام إذا مما صمم الدهر في امرئ ... غذا دمه بين الورى خضر مضرا (٢)
وسيل إذا ما يمم الأرض أصبحت ... أخاديد وانفلت كراد سها كسرا
النبوغ المغربي - م ٥٧
стр. 866
وليث هصور ما تغشى حظيرة ... فيسطو إلا أنعم العض والعقرا
غشوم فما يرتاع من بأس خادر ... كمي ولا من حسن ساكنة خدرا
فليس عجيباً ما أتى من عجائب ... ولو أطلع الغبراء واستنزل الخضرا
وليس بنزر ما أباد وما بدا ... ولا بغريب ما أعل وما أبرا
فكم من عظيم يعتلي فوق باذخ ... من المجد أردته صوارمه حدرا (١)
وكم من مليك كان يزهى بثروة ... وعز ولا يألو اعتلاء ولا فخرا
تغشاه بالأرزاء حتى كأنما ... له ترة منه فلم يأله دفرا (٢)
وأفرط في استنفاد ما قد أعده ... وماعد حتى ما استطال وما أثرى
أدار على داراً صريف صروفه ... وأتبعه غلابه الملك الحبرا
فأودع ذاك الترب بعد أسرة ... وأودع هذا بعد بسطته تبرا (٣)
وناوى بني ساسان في غلوانها ... وعزتها العظمى فذللها قسرا
وغادر في تلك المدائن أعيناً ... لعين غدت من ريب أحداثه خزرا
تحلي نحوراً بالمدامع حسرة ... وكانت تعالى أن تحليها شذرا
وصيرها مقصورة بعد بسطة ... ومجد على نشز بطن الثرى قصرا
ومد إلى تلك المقاصير كفه ... فلم يدع البيضاء فيها ولا الصفرا
стр. 867
وأشرقت الأرجاء منها بشرعة ... حنيفية من بعد ما أظلمت كفرا
وجر على أولاد جفنة ذيله ... فجرعها حتفاً وألبسها صغرا
فكانوا لآفات الزمان جزائراً ... وكانوا قديماً آفة تتلف الجزرا
وأنحى على لخم فعفى رباعها ... ورام بني بدر فأتبعها بدرا
وأدرك أوتاراً بسيف وبيهس ... فعادا كأن لم يدركا قبله وترا
وطم على مروان إذ تل عرشها ... فما خاف عقباها ولا احتمل الإصرا
وعاد إلى بغداد فاجتث ملكها ... ولم يحترم أملاكها النجب الغرا
ورام ابن عباد بخسف فناله ... وأعلق منتاشاً به الناب والظفرا
أسيراً بأغمات كأن قد فدي به ... من احتل في تلك الجزيرة من أسرى
ولم يرث إذ يبكيه فيها سريره ... ومنبره والدهر ما يختشي نكرا
فهل تمتري في صولة الدهر بعدما ... أتتك على ذكر وقائعه تترى
وكم من محب صادق الحب روضة ... أنيقة أزهار توسطت الغدرا
إذا رام وصل الحب ألفاه في الهوى ... يسارع لا هجراً يخاف ولا غدرا
على ألفة والعيش دان قطوفه ... كأنهما الفرخان قد ألفا ألوكرا
فلم ينشب الدهر المشتت أن فري ... من الوصل ما قد أبرماه وما زرا
وأولاهما بالقرب بيناً وبالهوى ... جفاء وبالوصل القطيعة والهجرا
وأبدل ذاك الأنس وحشاً وغمة ... وذاك اللذيذ الغض مستو بلا مرا
стр. 868
فلا تتبل بالحادثات ولا تثق ... فما وهبت يوماً فموهبها معرى
مقربها مقصى ومرفوعها لقى ... ومنهلها مظما ومكسوها معرى
ولا تركنن للدهر إن نعيمه ... ظلال سحاب يمسح السهل والوعرا
فبينا تراها قد كستك ببردها ... تجافت بأميال فألبست الحرا
ملول فما باق على عهد خلة ... ولا مستديم فيك يسرا ولا عسرا
فإن سر فلتظفر وإن ساء فاصطبر ... لعودته فالدهر ما يألف الصبرا
عشير متى يحسن فقد بر عشرة ... وإلا فكن بالصبر في حكمه البرا
وإن كان يمضي الخطب والحر لم ينل ... جاحاً ولا عاراً به فكن الحرا
وإن سبقتك الحادثات بفائت ... فسوف يريه الدهر فانتظر الدهرا
ألم تر أن الدهر حبلى أنية (١) ... ولادتها يوماً وإن لم تكن تدري
فمن منح تسلي ومن محن تسي ... نتائجها صغري على الماء أو كبرى
* * *
لا تأمنن أبناءه أن تحببوا ... إليك فمن يشبه أباه فقد برا
وكل بني دهر فأشباه دهرهم ... على ما قضى الله الكريم وما أجرى
متى ما ارتجوا رغباء منك تقربوا ... إليك وأبدوا خالص الود والبرا
وأخفوا دميماً كان فيك وأظهروا ... جميلاً وقالوا ذو محاسن لا تعرى (٢)
стр. 869
فذلك أحرى أن يجلوا وينصتوا ... إليك رشاداً كان قولك أو تبرا
وإن لم يرجوا منك خيراً رأيتهم ... جفاء وإعراضاً يولونك الظهرا
وينثون عنك المنديات وإن رأوا ... جميلاً أعاروه الغشاوة والوقرا
فلا تصغ سمعاً للذي ذم منهم ... ولا للذي أبدى الجميل وإن أطرى
فإن بني الدنيا عبيد هواهم ... على مركز الأهوال دورتهم طرا
وإن هواهم حيث ترتقب الغني ... وليس هو أهم حيث ترتيب الفقرا
إذا ما رأوا ذا الوفر لاذوا بذيله ... وإن لم ينالوا من سحائبه قطرا
وإن بصروا بالمملق اهتزأوا به ... ومدوا إليه طرفهم نظراً شزراً
وقالوا بغيض إن نأى ومتى دنا ... يقولوا ثقيل مبرم أدبر الفقرا
فإن غاب لم يفقدو إن عل لم يعد ... وإن مات لم يشهد وإن ضاف لم يقرى
* * *
وفي الله للمرء اللبيب كفاية ... عن الناس والمحروم من حرم الأجرا
فكن رابئاً بالنفس عنهم ومغضياً ... بعين الحشا عما تكنفت الغبرا
ولا تجعلن في غير مولاك همة ... فمنه ترى لو تعلم التفع والضرا
وإن شئت ودا فيهم وتوفرا ... لعرضك أو شئت النباهة والذكرا
فشاركهم فيما بكفك واكفهم ... مؤونك واستبق التجمل والسترا
وخالل ولا تكلم وجامل ولا ترم ... وواصل ولا تصرم ولكن خذ الحذرا
стр. 870
ولا تقتحم عيناك ذا سمل ولا ... تر المرء مزهوا فتعظمه قدرا
فإن الفتي بالنفس لا اللبس مجده ... فما شان درا كون أصدافه كدرا
وماذا على العضب الذي رث جفنه ... إذا كان في الهيجاء ينعمك البترا
وإنك تلفي الناس كالنبت ذابل ... لذيذ وغض كلما ذقته مرا
وقد ما يكون التبر في الترب تختفي ... مكانته حتى تخلصه سبرا
وإن كنت لا تعتد إلا بملبس ... فسيان من يكسى العمائم والخمرا
وإن ألغني ما أورث المرء في الورى ... محامد في الدنيا وعلياء في الأخرى
وكم مترف لم يرأم الضيف ساحه ... وكم ترب طابت محامده نشرا
فلا خير فيمن لا يعاش بظله ... ولو فاق تحليقاً بجو العلى النسرا
ولا مال في الدنيا لمن ليس راشحاً ... بفضل على العاني ولو جمع الوفرا
ولا مجد للمسيك يوما ولو حوى ... وأثل ما قد كان أثله كسرى
فأغرق على العورات منك بسابغ ... من العرف تغفر ما تساء به غفرا
وإن تعوز النعمى فجد ببشاشة ... فخير القرى أن تبذل الرحب والبشرا
وعاص الهوى إن الهوان مع الهوى
وفي الصبر عز فاستسغه ولو صبرا
فمن الهوى ألقى القياد فقد هوى ... ولو أنه في المجد قد وطيء النسرا
وكن بالذي آتاكه الله من جدى ... قنوعاً رضوا تبلغ الأنجم الزهرا
ومن لم يكن مستغنياً بقناعة ... فليس بمنفك عن الناس معترا
стр. 871
ومن لم يكن يسترغد العيش بالرضى ... بقسمته لم ببرح الدهر مضطراً
ومن لم يكن بالحزم محتزماً فقد ... فرى حبله عن نجحه قبل أن يفرى
ومن لم يبادر صيده وهو معرض ... ليرميه كان العناء له قصراً
ومن شر بخساً نوقه وهي شول ... عجافاً تمناها لدى غيره شكرى
ومن يصطنع عرفاً إلى غير أهله ... فليس بلاق من جزاء ولا شكرا
ومن يحتسب يهمل كما الغيث وابلا ... فلا العقل يجفو بالعباد ولا الصبرا
ومن لا يثقف متنه الدين والحجا ... ويرم الورى يلق المثقفة السمرا
ومن لا يجنب قوله دنس الخنا ... فلا يمتعض يوماً إذا سمع الهجرا
ومن يبتغ بذلا بالسباب وبالنوى ... يكن بنضار جيد يشتري الصفرا
ومن يصحب الأمجاد تنظف ثيابه ... ومن يصحب الأرذال يكسى بها العرا
ومن لا يجالس من يجانس لم يدم ... له أحد فالأسد ما ترأم ألحمرا
ومن لم يجاوز بالصديق ويلحه ... يجد لبه نغلا (١) إذا نزع القشرا
ومن يرم بالبغض الودود معنفا ... ليصفو يورث قلبه البغض والغمرا
ومن لم يكن يبدي سجاياه يبدها ... إذا ما ارتجي الرغباء وآنس الذعرا
ومن يطلب العلياء يلف مذاقها ... هبيداً (٥٦٦) لذوعاً للحناجر لا يمري
ومن يسر في درك المعالي بهمة ... لجوج رموق للعلا يحمد السيرا
ومن لا يزل كلا يمل وتحتمل ... به الأرض أني سار من ثقله وقرا
стр. 872
ومن لا يكن يرجى لخطب فلا يكن ... فتى في ندي وليكن ناهداً بكراً
ومن لم يخل النفس ثم يحلها ... فقد أخطأ المراد من أمه ظهرا
ومن يدخر تقوى الإله وذكره ... على كل حال يحمد السعي والذخرا
ومن يغن بالمولى فلن يعدم الغني ... إذا لم يجد يوماً لجيناً ولا نضرا
ولعبد الله بن محمد العلوي الشنقيطي يرثي عمر التروزي:
هو الموت عضب لا تخون مضاربه ... وحوض زعاف كل من عاش شاربه
وما الناس إلا واردوه فسابق ... إليه ومسبوق تحب نجائبه
يحب الفتى ادراك ما هو راغب ... ويدركه لا بد ما هو راهبه
فكم لابس ثوب الحياة فجاءه ... على فجأة عاد من الموت سالبه
ولسنا نسب الدهر فيما يصيبنا ... فلا الدهر جاليه ولا هو جالبه
مضى مشرق الأيام حتى إذا انقضت ... ليالي أبي حفص توالت غياهبه
نقيب نسينا كل شيء لرزنه ... تذكرناه كل آن مناقبه
أناعيه أرسلت عزلاء مهجتي ... فها دمها حملاق جفني ساكبه
طوى نعيه وعيي فها أنا غائب ... عن الحس فيه ذاهل العقل ذاهبه
تمكن من نفسي بنفس سماعه ... جوى فيه كلي ذاب قلبي وقالبه
أهاذي السحاب الغر وهي ملثة ... بواكيه أم تلك الرعود نوادبه
لقد صح موت المكرمات بموته ... وصرح ناعيه ولوح ناعبه
стр. 873
دعاء السميع المستجاب وطالما ... دعا الأجفلى (١) والعام أشهب آدبه
هو السيد الممتد في الناس ذكره ... وفي البؤس كفاه وفي البأس قاضبه
يلاين مرتاضاً أريباً وينبري ... هزبراً أبا أجر (٢) على من يغاضبه
فتى يهب الآلاف عفوا وتنكفي ... مخافته الآلاف حين تحاربه
تنوع فيه الناسبون فكلهم ... إلى كل جنس كامل الوصف ناسبه
فللأبحر الراوون أخبار جوده ... وللقمر الراوون كيف مناصبه
للأسد الواعون شدة بأسه ... وما دفعت في كل حرب مناكبه
يجد فيفني من يناوي مهابة ... ويجدي فتغني من يوالي مواهبه
علانية يأتمه الجم وارداً فيضربه (٣) أو مارداً فيضاربه
يناجي بما في نفس عافيه قلبه ... فيتحفه ما فيه نيطت ماربه
فلم يغنه المجد الذي هو حائز ... تراثا عن المجد الذي هو كاسبه
على حزمه من طبعه متعقب ... يباعده الأمر اللوم مقار به
معاطفه ما ضقت ذرعاً بحادث ... جليل وإن كانت تخاف معاطبه
إمام ندى في جامع المجد راتب ... تحيل القضايا أن تنال مراتبه
стр. 874
منور مرآة الفؤاد موفق ... تراءى له من كل أمر عواقبه
تفرق ما يكفي البرية كفه ... وتجمع من فوق التراب ترائبه
على يده الطولى تقمصت مطرفاً ... من العز والإثراء ها أنا ساحبه
إلى بابه في كل تيهاء منهج ... يؤدي إليه طالب العرف لاحبه
سقى الله قبراً ضمه وبل رحمة ... من الروح والريحان تهمي سحائبه
وأوفض في وحش التراب بروحه ... إلى حيث أتراب الجنان تلاعبه
وللأديب الطيب بن مسعود المريني المتوفي ١١٤٥:
أتيت القبور أداوي بها ... قساوة قلبي التي أجد
وقمت أسائل عن أهلها ... وهيهات لا خبر يوجد
رأيت مصارعهم عبرة ... تذيب حشاشة من يشهد
أقاموا قليلاً وقد رحلوا ... وغابوا وبالعود ما وعدوا
كأن حياتهم حلم ... أفاقوا به بعد ما رقدوا
دعاهم على الرغم داعي الردى ... فلبوه حين انقضى الأمد
وقد هدم الموت لذاتهم ... وغير عيشهم الأرغد
وحلوا بطون الثرى تحتهم ... تراب وفوقهم جلد
وقد أنكرتهم معارفهم ... وخاتهم الأهل والولد
تساووا بأجمعهم تحتها ... فسيان الأحمر والأسود
стр. 875
على كل ما قدموا قدموا ... وما زرعت يدهم حصدوا
ولابن الطيب العلمي يرثي ابن زاكور:
قضى أخو النظم والنثر ابن زاكور ... فجاد دمعي بمنظوم ومنثور
وامتد شوقي بمقصور الحياة له ... ما حيلتي بين ممدود ومقصور
ولابن زاكور يرثي امرأة من قرابته:
سقى الرحمان قبراً ضم شخصاً ... تسربل بالمكارم وارتداها
ونضر مضجعاً لفناة صدق ... حوى غرر الفضائل إذ حواها
لقد كانت تحض على المعالي ... وتندب للمكارم من أباها
وقد كانت بأفق الفضل شمساً ... فحطتها المنية عن ذراها
وألبسها المنون حلى كسوف ... فهلا فضلها الوافي حماها
فكم أحيت مواهبها كئيباً ... أحلته النوائب في حماها
وكم ربت بأنعمها يتيماً ... قلته أمه حتى سلاها
لئن ماتت فما ماتت حلاها ... وإن أودت فما أودى علاها
فقد أبقت مآثر مشرقات ... تخبر عن علاها في نواها
وللوزير ابن إدريس يرثي السلطان مولاي سليمان العلوي:
نبأ عرا أوهى عرى الإيمان ... وأبان حسن الصبر عن إمكان
شقت لموقعه القلوب وزلزلت .... أرض النفوس ورج كل مكان
стр. 876
فقد الإمام أبي الربيع المرتضى ... جزعت لعظم مصابه الثقلان
وبكت عيون الدين ملء جفونها ... وجداً عليه وكل ذي إيمان
لما نعى الناعون خير خليفة ... وعرى الفؤاد طوارق الأحزان
مزقت ثوب تجلدي من فقده ... ونثرت در الدمع من أجفاني
عجباً لموت غاله إذ لم يخف ... فتك الملوك وسطوة السلطان
وسما لمنصبه المنيف ولم يهب ... غضب الجنود وغيرة الأعوان
لو كان يمنع خاض فرسان الوغى ... حرصاً عليه مواقد النيران
وحموه بالنفس النفيسة إنما ... يحمون روح العدل والإحسان
لاكن قضاء الله حم فلا يرى ... للمرء في دفع القضاء يدان
والموت مورد كل حي كأسه ... وسوى المهيمن في الحقيقة فان
إن غاب عنا شخصه فلقد ثوى .... فينا الثناء له بكل لسان
ومناقب ومفاخر ومآثر ... شاعت له في سائر الأوطان
ومعارف وعوارف ورسائل ... ومسائل قد أوضحت ومعان
وبدور أولاد وآل قد قفوا ... آثاره في العلم والعرفان
تخذوا الديانة والصيانة شرعة ... وتقلدوا بصوارم الإيقان
أخلاقهم ووجوههم واكفهم ... كالزهر والأزهار والأمزان
إن حاربوا أبدوا شجاعة جدهم ... أو خاطبوا أزروا على سحبان
من كل من جعل القران سميره ... وسما بوصف العلم والتبيان
стр. 877
كم آية ظهرت له وكرامة ... دامت دلائلها مدى الأزمان
قد كان أوحد دهره وزمانه ... في العلم والتحقيق والإتقان
قد كان فرداً في البلاغة إن جرت ... أقلامه بهرت بسحر بيان
من للعلا من بعده من النهى ... من للتقى وتلاوة القرآن
يا رمسه ماذا حويت من العلى ... وطويت من علم ومن عرفان
يا رمس كم واريت من كرم ومن ... جود ومن فضل ومن إحسان
يا رمس كيف حجبت عنا شمسه ... وضياؤها في سائر البلدان
فلو استطعت جعلت في قلبي قبره ... حبا وأحشائي من الأكفان
ولو أن عمري في يدي لوهبته ... وفديته بالأهل والاخوان
لاكن يخفف بعض أثقال الأسى ... علمي به في جنة الرضوان
стр. 878
الموشحات والأزجال
لابن غرلة موشح غزلي:
يا من حكى خده الشقائق ... وما له في البها شقيق
تركتني بالشموع شارق ... لما بدا خدك الشريق
***
سللت من ناظريك صارم ... للفتك يا شادن الصريم (١)
وسرت يوم الفراق سالم ... وقد تركت الحشا سليم (٢)
متى أراك الغداة قادم ... يا من حديثي به قديم
شيبت من أجلك المفارق ... وسرت مع جملة الفريق
ما بين حاد حدا وسانق ... قلبي بمن ساقه وسيق
***
السائل الدمع صرت ناهر ... مذ سال في وجنتي نهر
стр. 879
وسرت والقد منك خاطر ... والقلب مني على خطر
لست على ذا الجفا بقادر ... لكن بهذا جرى القدر
سهم النوي من يديك مارق ... وقد غدا للدما مريق
فاسمح بوعد يكون صادق ... ولا تكن تهجر الصديق
*
قلي غدا للجحيم صال ... يا من بسيف الجفون صال
وغير مغناك ما حلالي ... فلم ترى قتلتي حلال
يا ناحل الخصر كالخلال (١) ... يا كامل الوصف والخلال
ساعات عمري غدت دقائق ... لما بدا خصرك الدقيق
تنطق عن إذنه المناطق ... تقول بالردف ما نطيق
*
يا حادي العيس معك أحوى ... رقي بإحسانه حوى
ريم له القلب صار يهوى ... نجمي به في الهوى هوى
لكنه بعد ذاك ألوي ... ديني وللعشق ما لوى
قد سرح النوم فهو طالق ... عن مقلة دمعها طليق
وأنكر العهد والمواثق ... وعهد ودي به وثيق
стр. 880
جبينه يخجل الدراري ... وثغره يفضح الدرر
والخد أزهى من النضار ... نزهت في حسنه النظر
عليه سطر من العذار ... كم عاذل فيه قد عذر
جماله يفتن العواتق ... وخمر أرياقه عتيق
وطرفه بالنبال راشق ... وقده كالقنا رشيق
*
يا من بسقم الجفون أعدى ... جسمي وبي أشمت العدا
أجريت دمعي فصار مداً ... وطال ما بيننا المدى
مضناك بالهجر مات صدا ... وما جلا قلبه الصدا
يا من حوى الحسن فهو فائق ... من سكرتي فيه لا أفيق
فأرسل الطرف منك طارق ... وأقطع على سلوتي الطريق
*
قد ساعد الوقت يا نديم ... فقم بنا للهوى نديم
واستجلها مع رشا كريم ... يرنو بألحاظه كريم (١)
كأنه قلبي الكليم ... وكأسه جذوة الكليم (٢)
بكر غدت في الدنان عاتق ... ما الحر من رقها عتيق