Полный текст (302 стр.). Показаны 281–302 · переход к 286.
стр. 281
معركة الزى
وكانت معركة الزى من أهم المعارك الاجتماعية.
أتجهت إلى استبدال الطربوش بالعمامة في البيئات الدينية والأزهرية، والقبعة بالطربوش في البيئات المدنية.
وقد جرت معارك في دار العلوم عام ١٩٢٥ حول استبدال الزى الأزهرى بالزى العصرى. وقال الشيخ حافظ عبد ربه أن الزى الأزهرى بوصفه الحالى عائق كبير يحجب عن صاحبه كثير من حقائق الحياة ويدفع به خطوات إلى الوراء أو على الأقل يمنعه من مشاركة المجتمع في شتى مرافقه ونواحيه وأنه في الوقت نفسه يؤكد الطبقية بين صفوف الشعب ويبقى على الفوارق البغيضة المذمومة.
وقد جرى البحث حول العلاقة بين تغيير الزى وتغيير العقلية وهل يمكن أن يؤدى هذا التطور المادى إلى تطور فكرى.
واتصلت الأبحاث بمناسبة الثورة التركية وفرض القبعة على الأتراك العثمانيين والغاء الطربوش والعمامة.
وقد جرت أبحاث حول العمامة والطربوش والقبعة.
وقيل أن "العمامة" زى دينى بحت لا صلة له بالمجتمع ولا بالإسلام، وأن الزى الأزهرى خلقته الظروف ودعا اليه الوسط: وقد طالب علماء الأزهر بجعله مقصورا على رجال الدين. وردد الجانب الآخر أن العمامة زى أقره الشرع اذ كانت في صدر الإسلام زيا يتميز به المسلمون عن غيرهم، وأن الزى الأزهرى فضفاض يلائم بالصحة ولا يحول دون الاندماج في المجتمع وقد وجهت حملة ضخمة إلى "العمامة" بقصد التخلص منها. وهاجم الشيخ التفتازانى خصوم العمامة (٢٠ مارس ١٩٢٦ - الأهرام) وقال أنه اذا اختفت العمامة قبر الطربوش لأنها لا تجد ما تستند اليه وقال: أن العمامة زى قومى وأن العمائم تيجان العرب. أما الطربوش فيكفى أن ينفرد بالظهور بعد العمامة ليختفى بعد أسبوع من تاريخ زوالها لأن الحملة عليه سهلة موفقة .. أما القبعة التي تريدونها زيا لنشء هذا البلد الكريم فهى مظهر الفناء المطلق الذي تبلغ فجواته، الشخصية المصرية وتضيع في فيافيه مميزات أهل هذا البلد الظاهرية فلا تعرفهم بسيامهم وتراهم عبدة أزياء تغيرت ملامحهم"
***
٢ - الطربوش
أما الطربوش فتاريخه أنه جاء مع الأتراك العثمانيين الذين لبسوه بعد فتح القسطنطينية، أخذه الأتراك من اليونان وأخذته مصر من الأتراك، وتخلى عنه مصطفى كمال. ومصر تلبس الطربوش قبل أن تصنع طربوشا واحدا وتستورده من النمسا. وقد لبس أحمد زكى باشا سكرتير مجلس الوزراء الطربوش الأبيض بعد أن قاطعت مصر النمسا وأضربت عن شراء بضائعها.
وقال المقطم في حملته على الطربوش (١٤ يونيه عام ١٩١٧) أن الغربيين والشرقيين يظنون أن الطربوش شعار دينى إسلامي وهو ظن بعيد عن الحقيقة فانه ليس في الإسلام زى خاص. كما أن الطربوش ليس شعارا إسلاميا كذلك البرنيطة ليست شعارا مسيحيا.
أما الطربوش فقد أقتبسه السلطان محمود الثانى العثمانى من الروم نصارى الأرخبيل ولم ينقضى أكثر من مائة سنه من اتخاذه غطاء للرأس بدلا من يتجان الانكشارية ودعا المقطم إلى ابطال الطربوش واستبداله بلباس آخر.
وقد ذكر الباحثون أن التمسك بالطربوش يرجع إلى عوامل أهمها مسألة القومية والمصرية والشعار المصري وتميز المصري على غيره.
стр. 282
٣ - القبعة
وقد جرت الدعوة إلى القبعة كلباس صالح صحى بدلا من الطربوش يحبس الدم وتنجم عنه أضرار الصلع، وأنه ليس هناك ما ينص في الدين على تحريم القبعة أو اشتراط أى لباس آخر.
وقد تصدت الرابطة الشرقية والجمعية الطبية المصرية لبحث الأمر من الوجهة الطبية والدينية، وذكر بأن الجمهورية التركية لم تتخذ القبعة لسبب صحى بل لسبب اجتماعى، هو اختيار اللباس الأوربى وأفتت الرابطة والجمعية الطبية بأن أفضل لباس للرأس يوافق مصر في زمن الصيف هو (القلنسوة البيضاء) المصنوعة من الفلين.
وقال الدكتور محجوب ثابت في حديث له مع محب الدين الخطيب (١٤ أغسطس ١٩٢٦) أن الطربوش صحيا خير من القبعة. وذكر أنه لا يدافع عن الطربوش لذاته وقال: أما أن القبعة لباس المتمدنيين فالتمدين ليس بالبرنيطة ولكن بالمعارف العلمية التي جعلت لابس القبعة يصل إلى هذه المكانة في الدنيا، هذه المكانة التي وصل اليها بعلوم القوة والثروة والعمران. وقال أن البرنيطة شعار أمم تحاول استلاب استقلالنا والاستيلاء على ديارنا واحتقارنا في أوطاننا وتاريخنا. وذكر أن الكماليين سجنوا من أجل القبعة من سجنوا وشردوا من شردوا.
وقال "متطربش" معلقا: تبرنطوا اذا شئتموا واذا أردتم وتطربشوا اذا حلا لكم. ولكن لا تنسوا أن الدين والوطنية والأخلاق والقومية ليست في الثياب بل في الألباب، ولا في الدثار بل الأفكار ولا في شكل الملبوس بل في العقول التي في الرءوس.
وأجمع كثير من الباحثين على أنه مسألة الخروج من العمامة إلى الطربوش ومن اللطربوش إلى القبعة انما هى تقليد للغرب، لا يقصد به منفعة واضحة أو غاية معلومة. وجرى ذكر ما قال سعد زغلول في معارضته لنبذ الطربوش
"مثل الذين يتبرأون من أنسابهم" وقال العقاد "أن من سقوط الهمة أن ييتوارى الانسان وراء القبعة خجلا من جنسه".
وقالت جريدة مانشيستر جارديان: أنه بينما العرب والترك يستعبدون للأزياء الغربية بأبشع أشكالها وأبعدها عن جمال الخيال والتصور يتحول الغربيون إلى التنويع والتزويق.
وقد حققت هذه الحملة تحول كثير من طلبة دار العلوم والقضاء الشرعى من العمامة إلى الطربوش ومنع الأزهر التغيير.
وصدرت في مصر فتوى رسمية (٢٥/ ٣/١٩٢٦) بأن المذاهب الأربعة المعمول بها مجمعة على تحريم لبس القبعة عند عدم الميل إلى دين أصحابها وعدم قصد الاستخفاف بدين الإسلام. وأ، في تغيير الزى القومى فناء للخصية وذلك شأن الضعيف- وردت الفتوى على ما قيل من أن الزى الغربي يدفع احتقار الغربيين وقالت "أن الزى لا يدفع احتقارا ولا يرد عارا مع فساد الخلق وتأخر العلم وعدم النهوض بالصنائع والأعمال الاقتصادية والأخلاقية".
ولم تلبث أن وقعت حادثة الطربوش في تركيا بين وزير مصر المفوض ومصطفى كمال أتاتورك حيث أشار رئيس الجمهورية التركية إلى الوزير المصري برفع طربوشه في حفل رسمى.
وقد امتدت معركة الطربوش إلى سوريا فكتبت جريدة النهار البيروتية (١٢/ ٩/١٩٣٣) بأن الطربوش نمساوى، وليس عربيا وأنه يذهب ثروة البلاد، وأن دمشق تستورد مائتى ألف طربوش كل عام وتدفع ربع مليون ليرة عثمانية على أقل تقدير. وقالت: (اذا فرضنا أن الطربوش كان منتشرا منذ مئتى سنة فأننا نجد أن دمشق دفعت للنمسا ثمن طرابيش خمسين مليون ليرة عثمانية) وذكرت أنه يجرى البحث عن غطاء آخر للرأس وهل القبعة الأفرنجية؟ أما الكوفية اليدوية. أم العمامة أم السدارة العراقية وقالت أن فكرة اعدام الطربوش ليست فكرة حديثة فقد أحرق في العام الفائت واستعيض عنه بالسدارة العراقية.
وفي العراق لبس الملك فيصل السدارة اعلانا لتحرر بلاده والابتعاد عن زى الترك. وانتشرت السدارة الوطنية في العراق
كما جرى عام ١٩٢٦ فرض السترة والبنطلون على سائقى السيارات.
وأثيرت مسألة الطربوش والقبعة مرة أخرى في مصر بعد توقيع معاهدة ١٩٢٦ وجرى التفكير في توحيد
стр. 283
الذى ووضع لباس جديد للرأس، وأجمع الكثيرون على أن توحيد الزى لازمة من اللوازم الاستقلالية.
وصاح توفيق الحكيم (٧/ ٣/١٩٣٧ - الأهرام): آن الأوان أن لكى نلبس القبعة، وقال أنه طالما يوجد في مصر شئ اسمه طربوش وشئ اسمه قبعة فستبقى دائما كلمة أهالى وكلمة أجانب، ومهما مهدنا للتخلص من عار الامتيازات بمقتضى الاتفاقات أو بنصوص القوانين فان ذلك لن يخفف الا قليلا من وطأة تلك الامتيازات المعنوية والأدبية التي يتمتع بها كل لابس قبعة على حساب لابس الطربوش: ونادى: أيها الشباب أقدقموا على لبس القبعة ولا تخشوا ما دمتم مقتنعين أن الطربوش لم يعد يصلح لحاضركم ولا مستقبلكم، وقد رد كثيرون معترضين على رأيه وقال زكى طليمات أنه آن للوزراء والكبراء أن يخلعوا طرابيشهم.
وأشير إلى أن كلمة (قبعة) كلمة كلدانية. وأنها تسعى في قاموس الفيروزباذى "البرنس" وروت الأهرام ١٤/ ٣/١٩٢٦ أن (سليم سركيس) هو أول من فكر في لبس القبعة بدلا من الطربوش عام ١٩١٧ وفي نفس العام كتب (شيخ) يطلب إلى اخوانه المشايخ لبس الطربوش بدلا من العمائم، وأن معنى ذلك أن فكرة استبدال القبعة بالطربوش هى فكرة مصرية لا تركية.
ولعل أعظم داعية للقبعة هو الدكتور محمود عزمى الذي حاول منذ عام ١٩٢٥ أن يستبدل الطربوش بالقبعة، غير أنه لم يحقق هذا العمل الا صيف عام ١٩٢٦ متعللا "بالأخطاء الوراثية" التي حالت دون ذلك، وقال مصطفى صادق الرافعى في الرد عليه بأن هذا التحول مظهر من مظاهر التحلل الاجتماعى.
***
السينما
وكانت السينما من بين القضايا الاجتماعية التي جرى الجدل حول خطرها على المجتمع والأخلاق. ومدى أهمية اختيار القصص التي تعرضها لتوجيه الشباب والفتيات إلى مفاهيم صحيحة للحياة دون أن تكون وسيلة للاغراء أو خلق جو من الأعجاب بالجريمة أو الاباحة.
ومع ذلك فقد ظلت القصة السينمائية عاملا من عوامل الهدم والتغريب واشاعة الاثارة والتحريض على الجريمة وتصوير الحياة الاجتماعية بصورة التحلل.
?
стр. 284
معركة المقاومة الاجتماعية
كانت الحضرة الأوربية قد بدأت تنفذ إلى الشرق كله وتمتد إلى جوانبه. وتمد في كل مكان معالمها صور اللذه والمتعة والترف وتغلبها على مقاومات المجتمع العربي الأصلية كوسيلة للقضاء على روحه المعنوية ودفعه إلى التحلل والاستهانة بالقيم والكرامة والحرية، وانتشرت صور الحضارة في البيت والعلم والملبس والفن وخرجت دعوة تحرير المرأة إلى غير مادعا اليه الذين حملوا لواءها كما تناثرت في أنحاء الوطن العربي الحانات وانتشر البغاء الرسمى وظهرت معالم التفكك على الأسرة وبدأ الشباب يتحلل ويضعف عن مواجهة الأضواء ذات البريق ونشأت مشاكل الاختلاط وبدع المصايف على شواطئ البحار وزادت موجة تدهور المجتمع قوة، واستعلن الاثم وبرزت الاباحة وهدفت السينما والمسرح والصحافة إلى ارضاء الجماهير واغرائها وهدهدة غرائزها، وغلب التحلل على الأغانى والموسيقى.
غير أن الفكر العربي الإسلامي لم يقف ازاء هذه الموجة من التغريب الاجتماعى صامتا، بل واجهها بالاصلاح، وعمل على مقاومة التحلل، ودعا المصلحون إلى انشاء المجلس الأعلى للاصلاح الاجتماعى (صحف ٢٦/ ٤/١٩٣٦) ليحمل رسالة الدعوة إلى دراسة تيارات تطور المجتمع وتتبعها بما يكفل حسن استغلالها لصالح الجماعة والمجتمع
"ذلك أن تطور المجتمع لا يمكن سد تياره أو الوقوف في سبيله لأنه نتيجة تفاعل عدة قوى طبيعية ومحلية وعائلية ليس من الميسور الشيطرة عليها، كما أن معالجة الاصلاح الاجتماعى بالمقالات والنصائح أصبح أسلوبا باليا، ولذلك لابد أن تتحه الأبحاث الاجتماعية اتجاها علميا قائما على مناهج بحث لها وسائلها وموازينها الحقيقية، فقد تقدم الاجتماع كعلم من العلوم النظرية وأمكن تطبيق نظرياته الاجتماعية تطبيقا علميا، وخضعت المجتمعات الانسانية الراقية منها والمتأخرة للبحث الاجتماعى كما تخضع الكاتبات الحية للبحث البيولوجى"
وأشار الباحثون إلى أن المجتمع المصري كان متقدما على المجتمع التركى من عدة وجوه في نظمه الادارية والاقتصادية والقضائية، وكانت المرأة الركية تحسد أختها المصرية لما كانت تتمتع به من حقوق، ثم انقلبت الآية بعد عام ١٩٢٤ اذ نادت تركيا بوضع سياسة اجتماعية رسمت وسائلها وخططها وأقدمت على تنفيذها، وبدأ حول المجتمع التركى.
ودعا المصلحون وفي مقدمتهم محمد فريد وجدى (الأهرام ١٢/ ٤/١٩٣٦) إلى وضع سياسة لللاصلاح الاجتماعى في هذا الدور من الانتقال الذي تجتازه البلاد صيانة للآداب والأموال والأعراض التي تحلل وتتلاشى أمام قوى عارمة منصبة عليها من ضروب شتى لا تجد حيالها من ملاذ تحتمى فيه دونها، وقال وجدى "أن أول ما يؤثر على خيال الأمة في هذا الدور هو أن تنفض من رأسها غبار الخمول. وأشار إلى الشر الذي تلقاه من نقلها مظاهر المدنية، وفي هذه المظاهر ما هو شر محض والخير الذي فيها لا يمكن الوصول اليه بمجرد التقليد، وأشار المصلحون إلى أن هناك آفات اجتماعية سرت في جسد الأمة من مخلفات الاستعمار "الذى وضع بويضات جرائميه بين جدران المدارس" وأن مرتعها الخصيب هو الطبقة العامة من الأمة.
وأشار عبد الله حسين (الأهرام ٢/ ٩/١٩٣٣) إلى أن السياسة القومية للوطن ليست هى الاستقلال وانما تتصل بسياسة التعليم وسياسة المجتمع، وأن تكون المدرسة قومية البرنامج والروح، وأن المدرسة المصرية تهمل التاريخ المصري أشد الاهمال وتقوم الدراسة على وضعها أجانب، ودعا إلى تربية العاطفة الوطنية بشراء البضاعة الوطنية. وأنحى باللائمة على الطبقة الأرستقراطية إلى تحتقر مصنوعات بلادها ولا يرضى رغتها الا شراء كل شئ أوربى، وطالب عباس عمار (٣١/ ٨/١٩٣٣) بضرورة وجود أمور ثلاثة يمتلك الشباب زمامها ليشيدوا صرح وطنهم شامخا هى:
(١) مثل أعلى يقوم على مبدأ الخدمة العامة ويرمى إلى الخير العام.
стр. 285
(٢) عاطفة سامية ترتفع بصاحبها عن الأنانية المعقولة.
(٣) اعداد متين يضمن للمرء تحقيق هذه المثل العليا.
قال عباس عمار: أن مجتمعنا مريض تنتابه العلل، ومرجع النقص في الاصلاح هو عجز الجماعات عن أى تكون لها برامج جميلة تؤمن بها وتعمل على تحقيقها. ودعا إلى قيام نظام "المحلات" التي تعد حجز الزاوية في بناء الاصلاح الاجتماعى وهى (مؤسسات) تقام في مناطق متفرقة في المدن والقرى لرفع مستوى الحياة الاجتماعية في كل منطقة.
وعالج منصور فهمى (٢٠/ ٦/١٩٣٩) ما أسماه "علة العلل في مشاكلنا الاجتماعية وهو: الاقتباس من الحضارة بما يوافق حاجتنا أو قبولها قبولا كاملا".
وقال "أنى أتمسك بميراث انحدر إلى بلدى من قرون وأن استةحى ما يوحى به تاريخى وأن استلهم ما يلهمنى جو بلادى. لسنا من الغرب وأنها لكبيرة أن ننهج في كل شئ سبيل الغربيين، فالتقليد حدود-وكان طه حسين قد دعا إلى قبول الحضارة الغربية كاملة غير مقبوضة "ما يحمد منها وما يعاب وما يحب منها وما يكره".
واتجه الأزهر ووزارة الأوقاف إلى الدعوة إلى ابطال البدع والعادات الضارة وأشار وزير لأوقاف في خطاب وجهه إلى شيخ الأزهر (صحف ٢١/ ١/١٩٣٦) إلى أن هناك عادات كثيرة وأمور عديدة لابست الشعائر الدينية واقترنت بأداء العبادة، وتطاول الزمن حتى انطمست من بينها الحدود وتلاشت الفواصل فاختلط الأمر وظنها العامة دينا وأدوها عبادة ووجد من الناس من يدعو اليها باسم الدين ويحض على المحافظة على فعلها فتمكنت من النفوس وهى بدع، واستولت على العقول وهى ضلال، ونشأ عن ذلك جدل عنيف وخلاف شديد ملآ المساجد وأثار الفتن وأورثت العداوة والبغضاء وأوجد التحزب والتفرق، وأدى ذلك إلى قيام طرائق وفرق وجماعات يضلل بعضها بعضا حتى اتخذ بعض الناس مساجد خاصة على قيد بضع خطوات من مساجد الجماعة".
وأجاب شيخ الأزهر أن الموالد التي يقيمها أرباب الطرق لبعض الأولياء في مساجد المسلمين لم تكن على عهد رسول الله بل هى من بدع الفاطميين التي شوهت جمال الدين وصورته أمام الناس بصورة لا تتفق وما ينبغى له من عظمة وجلال، وهى انتهاك لحرمة المشاهد كالذى نجده عند اقامة الموالد من تقديرها بالأطعمة والأشربة ودخول الأطفال فيها حفاة أو بنعال ملوئة، وقد يختلط في تلك الموالد الرجال والنساء فتعظم الفتنة.
وأشد من هذا أن يتحول المسجد إلى ملهى يتبارى فيه المغنون والمطربون فاذا كانت المغنية امرأة كما شوهد في مساجد القاهرة كاان الفساد أكبر والفتنة أعظم لأن المسجد في وقت المولد يدخله جميع الناس، فضلا عن حلقات الذكر التي تقوم على آلات الطرب والأناشيد الغرامية التي ننفخ في نفوس الشبان روح الفسق، كما تقوم على تحريف اسماء الله تعالى وصفاته والتمايل في الذكر إلى حد الرقص والخلاعة. والواجب تطهير المساجد من هذه البدع والمنكرات حتى تكون خالصة لما أعدها الله له من عبادته على الوجه الذي يحبه ويرضاه".
كما هاجمت الصحف المسرح الفرنسي الخليع في مصر وأعلن راغب غالى (الأهرام ٧/ ١٢/١٩٣٢) اننا نحتج على الذين يتوهمون أنهم يستميلوننا بمثل تلك البرنامج المشحونة بذاءة، ودعا الحكومة إلى عدم الانخداع بنظريات الفن والجمال المزيفة حينما يكون في الأمر ما يخالف الآداب العامة أو تراخى الأخلاق.
стр. 286
(٧)
المرآة
كانت الدعوة إلى "تحرير المرأة" خطوة كبرى في سبيل التطور وقد حملت دعويين: هما: تعليم المرأة وسفور المرأة، غير أن الاستعمار قد حرص على الانحراف بها عن اتجاهها الصحيح، فقد حملت لواء الدعوة إلى تحرير المرأة طائفة من نساء الطبقة الأرستقراطية وكان العاة يطمعون في العمل في هذا الميدان لكسب لون من الزعامة، وقد حالت سيطرة هذا النوع من النساء على ميدان المرأة من اشتراك المرأة الشعبية، كما كان لسيطرة الرجل على حركة تحرير المرأة دخل في كثير من الأهواء التي وجهت الحركة وجهة غير صحيحة.
وقد كان قاسم أمين في دعوته إلى تحرير المرأة انما يقيم مناهجه على أساس من قواعد أن ما حدث هو أن قلة من ساكنات المدن هن اللائى خرجن من الحجاب. غير أن السفور كان عملا مظهريا محضا، ولم يقع ما دعا اليه قاسم أمين من ارتفاع مستوى الأدب (مجلد ٤٦ الهلال ص ٩٧٦) وخلق سعادة البيوت، بل حدث أن صاحب هذا التطور-على حد يعتبر محمد فريد وجدى "تدهور مروع في الآداب العامة وانتشار مفزع لمبدأ العزوبة، وأصبحت جلسات المحاكم خاصة بقضايا هتك الأعراض وهرب الشابات من دور أهلهن".
ونعت "ابنة الشاطئ" ما تكشفت عنه حركة تحرير المرأة مما سمته "مهزلة اليمة موجعة" تلك هى "أن الرجال ساقونا لنعمل لحسابهم وهم يوهموننا أننا نعمل ويعملون معنا لحسابنا" ذلك أن الرجال رتبوا لنا الخروج زاعمين أنهم يؤثرونا على أنفسهم، ولكنهم كذبوا في هذا الزعم فما أخرجونا الا ليحاربوا بنا السآمة والضجر في دنياهم. أن أقسى ما نلقاه في محنتنا هو شعورنا بما انكشف من ضعف الرجال وصغارهم، ونحن شقيقات بذلك فكان منه مرارة موجعة" وقد أشارت بنت الشاطئ إلى هذا الانحراف "أن المرأة دفعت ضريبة فادحة ثمنا المتطور، ويكفى أن أشير في ايجاز إلى الخطأ الأكبر الذي نسوه نهضتنا وأعنى به انحراف المرأة الجديدة عن طريقها الطبيعى وترفعها عن التفرغ لما نسميه "خدمة البيوت وتربية الأولاد".
ذلك لأن مصر لم تخرج فتياتها من دورهن لتسد بهن فراغا كانت تشكوه في ميادين الأعمال. وانما أرادت أن تجد فيهن الأمهات المستنيرات المثقفات. وهذه هى اليوم ترى البيوت منهن مقفرة خلاء. أما الأبناء فتركوا للخدم وقد نشأ هذا الانحراف الضال نتيجة لخطأ كبير في فهم روح النهضة، وبلغ من سوء ما وصلت اليه أن نادت مناديات بحذف نون النسوة من اللغة كأنما الأنوثة نقص ومذلة وعار، وأهدر الاعتراف بالأمومة كعمل من الأعمال الأصلية لنا حتى سمعنا من يسأل كيف تعيش أمه برئة معطلة، يقصد الرئة المعطلة هؤلاء الباقيات في بيوتهن يرعين، الأولاد، وزعموا أن المرأة تستطيع أن تجمع بين عملها في البيت ووظيفتها في الخارج.
وقد نعى بعض المفكرين على أن القائمات بالعمل في الميدان النسوى لا يعرفن اللغة العربية ولا ينطقنها وأنما هم من المثقفات ثقافة فرنسية، فهل يمكن أن يكون لهن أى نفع في تفهم حياتنا وحاجياتها وهن منعزلات ثقافيا وأرستقراطيا عن المجتمع. وقد اعتذرن بأنهن بمعرفتهن للفرنسية يسمعن صوت المرأة في الخارج وقد اعترض أحمد حسن الزيات على ذلك بأن الثقافة الأجنبية تفقد كثيرا من قيمتها اذا لم تقرن بقسط من الثقافة العربية السليمة وليس صحيحا أن قضية المرأة تخدم فقط عن طريق الكتابة بالفرنسية لأن الفرنسية لا تقرأ في برلين ولندن.
وصور الدكتور منصور فهمى ما اعتور الحركة النسوية في ظل الاحتلال وشابها ما وصفه بأنه "تحول خروج النساء عن عزلتهن عن أن يكون وسيلة يسوغها شرف الغاية ليكون غاية لذاته" وقال أن من أشد العوامل التي أضعفت قيمة الاختلاط بين المرأة والرجل هو انتشار الآراء دون أن تفهم علة وجهها الصحيح، ومن هذه الآراء ذهابهم إلى أن
الاختلاط بين النساء والرجال
стр. 287
وتوالى المجامع التي يتلاقون فيها من شانه أن يهدب من المظاهر ويعمل على ترفيع النظرات وترفيق الآداب.
ولعل قاسم أمين كان يخشى ذلك فقال: والذى أراه هو أن الغربيين قد غلوا في أباحة التكشف للنساء إلى درجة يصعب معها أن تتصون المرأة من تعرض لمثارات الشهوة بما لا ترضاه عاطفة الحياة .. وهكذا ظلت حركة الاختلاط تنمو سريعا وتشيع إلى أن أصبحت الفتاة التي كانت أمها منذ نيف وثلاثين عاما لا تستبيح لنفسها الاتصال ببعض المحارم أصبحت هذه الفتاة ترى الاتصال بالرجال للسمر. والتسلى حقا من حقوقها، ومن المقرر أن الاختلاط بين الرجل والنساء اذا قام على غير مقتضياته الضرورية الجادة، وكان منبعه اللهو والترف فانه لا يلبث أن يقوض دعائم الأمم.
وقد صور عباس عمار الحركة النسوية (الأهرام ٢١/ ٥/١٩٣٣) بأنها مظاهر لا أكثر ولا أقل، وطالب بأن تقوم جهود المرأة على أساس للسير في الاصلاح على هدى، ونعى على الفرق العظيم بين ثقافة الرجل وثقافة المرأة.
ووصف محمود أبو العنين حركة المرأة بأنها ثورة فهو يرى (الأهرام ٩/ ١٢/١٩٣٣) أن المرأة فهمت الحرية فهما معكوسا وفي ظل الحرية الزائفة تحررت المرأة المصرية من الآداب والأخلاق. ورأت فيها قيودا يجب تحطيمها. وفي ظل الحرية الزائفة داست المرأة أقدس واجباتها كزوجة وأم وربة منزل فتهدمت تلك الأصول الثلاثة التي تبنى عليها حياة الأسرة وسعادة المجتمع.
وهاجمت "لبيبة هاشم" الظواهر الحسنة في حرية المرأة وهى تخفى صفات قبيحة وقالت"أو لسنا نرى عيوب المدينة الأوروبية بدأت تجر أذيالها بيننا فتكنس آثار الحشمة من طريقنا. أو ليسنا نشعر بريحها المسموم تهب من الغرب فتذر من عيوننا رمادا تعمى به بصائرنا.
ما أهمية الشعر مجزوزة أو مترسلا معقوصا أو مضفورا اذا كانت الرأس لا تحوى عقلا وعلما".
ونعت نعيمة المغربي (الأهرام ١٢/ ٩/١٩٣٣) على المرأة العربية الاسراف في التقليد. والمباهاة بمعرفة أحدى اللغات الأجنبية فقالت"لا أريد أن يكون تعليمنا للغة أجنبية سببا لهجر لغتنا هجرا قد يكون لا لقاء بعده".
وهاجم عبد الرحمن فهمى (الأهرام ٢٥/ ٦/١٩٣٩) خروج المرأة"عارية مردتية ثوبا يظهر محاسن جسمها بعد أن تصبغ وجهها وقال: لقد حدثنا التاريخ أن الأمم العابثة أقل نجمها، وقال أن قاسم أمين لم يكن يظن أن الأمر سيصل إلى هذا" التدهور الخلقى الهادم لكيان الأمة" ودعا إلى حرية الأمة التي تقوم على قواعد الدين- والتي أعطيت للمرأة في صدر الإسلام فأباحت لها مزاولة أعمالها وأدارة شئون ممتلكاتها فكانت تقابل من تشاء وتخطب في الاجتماعات وتساجل الشعراء وتسابق الرجل إلى حومه الوغى ... ".
ودعا نبيه أمين فارس المرأة العربية أن تحرر أولا من الرجل نفسه" فان جميع أتعابها وبلاياها وجهلها وتأخرها يعود إلى الرجل المتسلط عليها والى عقلية الرجل فهو مصدر جهلها وسبب شقائها"
стр. 288
معارك تحرير المرأة
وقد مرت حركة تحرير المرأة في مراحل متعددة: التعليم والسفور والمساواة والاختلاط والعمل وتنوعت حقوقها بين حقوق المجتمع والزواج والطلاق والحقوق السياسية.
معركة التعليم
وكانت الدعوة إلى تعليم المرأة أولى خطوات حركة تحرير المرأة وقد قطعت المرأة هذه المرحلة بخطا واسعة وحققت فيها نجاحا واضحا.
وقد اتسعت حركة التعليم النسوى في مصر عام ١٩٢٤ حيث تم أنشاء أول مدرسة ثانوية، ودخلت الفتاة الجامعة عام ١٩٢٨ فتخرجت خمس فتيات عام ١٩٣٣ منهن: نعيمة الأيوبى وسهير القلماوى.
وسافر عدد من الفتيات إلى الخارج وكان عدد الفتيات اللائى يتعلمن في ذلك العام أكثر من ٥٠ ألف فتاة.
غير أن الاستعمار كان حريصا على أن لا يحقق تعليم الفتاة الهدف منه ووصف هذا التعليم (١٦ نوفمبر عام ١٩٣١ - الأهرام- شهدى الشافعى) بانه تعليم ناقص مبتور لا تجنى منه الفتاة الا غرورا وزهورا، وانه فشل فشلا تاما في تحقيق الغرض منه "وهو اخراج زوجة صالحة تستطيع أن تدير شئون منزلها وتربى اطفالها" وقد وصف الكاتب فتاة اليوم: بأنها أيا كان نصيبها من التعليم تحتقر كل من يتصل بالشئون المنزلية وترى انه لا يليق بها أن تقوم بما يقوم به الخدم.
وطالبت حنيفة حفنى ناصف (الصحف ٢٨/ ١/٣٠) الفتيات بالاستزادة من تعليم لغة البلاد وتاريخها والعمل لها وفتح الباب أمام من تظهر نبوغا للتبحر في العلم.
ونعت (أسمت بدوى) على تعليم المرأة وقالت أنه لا يؤدى الا إلى تعليم القشور دون اللب والعرض دون الجوهر. وقالت أن نظام التعليم من الفساد بحيث لا تفهم الفتاة قيمة ما تدرسه لتمتحن فيه آخر العام، حى اذا فارقت المدرسة فارقت ما درسته فيها طوال مدة التعليم التي لا تتفق مع قصر وقت الفتاة الطبيعى مما يضطرها لطول المدة إلى ترك المدرسة، قبل أن تستفيد شيئا ينفعها في حياتها الاجتماعية وقالت"أسماء فهمى" أن ما يوجد في المجتمع المصري من نقائض كالتفكك وضعف البنيان القومى وعدم الثقة بالنفس والغير وتضحية المصلحة العامة في سبيل الاغراض الشخصية، أنما هو نتيجة لنقص تربيتنا القومية في كل من المدرسة والمنزل، وقالت أن من عوامل النقص هذه تلك المكانة التي يستمتع بها الأجنبى بيننا في لغته وعاداته التي لها كل احترام وبضاعته التي لها الرواج التام. وأنه لمن المؤلم أن يعيش الأجنبى بيننا السنوات الطوال دون أن يفكر في معرفة لغتنا.
وجرى البحث حول أنشاء كلية للبنات في الأزهر ودعا اليها محمود أبو العينين وقال أن تعليم المرأة الدين واجب محتوم. وأن المرأة المصرية تعانى أشد أزمة في حياتها الخلقية وان خير علاج لذلك هو تعليم المرأة دينها ونعى على وزارة المعارف عجزها عن تعليم المرأة أمر دينها.
***
٢ - معركة السفور
وكانت معركة"السفور" أضخم من معركة التعليم فقد كان هناك تسليم بمبدأ التعليم، وكان الخلاف حول النوع والدرجة - أما السفور فقد قامت معارضة ضده بالرغم مما أورده قاسم أمين من حجج من نصوص الدين ودعا محمد فريد وجدى بعد أربعين عاما (١٩٣٢) ليؤكد رأيه في ضرورة الحجاب، وكان قد أعلنه عند صدور كتاب تحرير المرأة ١٨٩٩.
وقد أكدت له الأيام اتى مرت- على حد قوله - ضرورة احتجاب النساء، وان الحجاب لا يحول دون
стр. 289
التعليم ولا المدنية يقول: "وقد ازددت في عقيدتى هذه رسوخا" وأشار الى"أن المزرون بالحجاب لا يجدون حجة ناهضة على منافاته لأكرم دروب الوجود الاجتماعى وأشار إلى أن نساء اليونان كن محجبات في عهدهم القديم، ولم يمنع ذلك من أن يملأوا أطباق الأرض علما وصاروا اعظم الأمم جاها. كما أن الرومان بنوا صرح أكبر دولة لعهدهم ونسائهم محجبات فلما أسفرن في آخر أيامهم أصبحوا أسرى شهواتهم. وتلاهم المسلمون ونساءهم محجبات فانتزعوا سلطان الأرض من براثن أمتين لم يكن لهما ثالث في العالم".
وقال"أن أطلب للمرأة جميع الحقوق الانسانية حتى حق الانتخاب والنيابة ولا أرى أن حجابها يمنعها من ذلك". وقال"أن التصدع الذي دب دبيبه في البيوت كاب بسبب الغاء الحجاب (الأهرام ١٤/ ٩/١٩٢٢):
وعندنا أن ذلك كان من باب اقامة الحجة، اذ أن السفور كان في الثلاثينات قد قطع مرحلة طويلة، ولم يعد هناك سبيل إلى العودة به مرة أخرى وهو مع ذلك يدعو إلى وجوب تعليمها"تعليما لا حد له" وكان أول من قال بأن الإسلام فرض التعليم على المرأة كما فرضته على الرجل.
وسمح لها بأن تكون قاضية، وأن تحضر الصلوات في المساجد وأن تشهد الأمور العامة وتبدى رأيها فيها، ولكنه أصر على أن الغربيين لم يحصلوا على ما حصلوا عليه بفضل الاسفور ولا بفضل الملاهى وصور غابته في قوله: "أنا لا أطلب سدودا من الحديد والفولاذ لتمنع عن مجتمعنا هذا التحلل الاجتماعى والاقتصادى فقد فشلت تجربة السفور وتركت وراءها أثرا من التدهور قد يعوزنا لمعالجة آثاره سنون" (الأهرام ١٨/ ٩/١٩٣٢).
ولم يكن هذا رأى محمد فريد وجدى الكاتب الاجتماعى ذى الثقافة العصرية وحده ولكنه كان رأى الجانب الداعى إلى اطلاق حرية المرأة اطلاقا كاملا ويقابل هذا الرأى، رأى جانب اخر يرى أن الحجاب ليس من الإسلام ويقوده عالم دينى هو الشيخ عبد القادر المغربى: قال أن الحجاب ليس من الإسلام، وأن الحجاب الإسلامي أثر من آثار أرستقراطية المرأة وليس هو أثرا من آثار أحتقارها أو عبوديتها.
وأشار إبراهيم الهلباوى (الهلال م ٤٠ ص ١٩) إلى أن السفور ليس ماديا فحسب بل هو معنوى، وأن سفور المرأة من حجابها لن يكون صحيحا اذا لم يصحبه سفور عقلها وروحها وعواطفها. وفي احتجاب عقلها وانكماش روحها قناء.
وقالت فردوس (٢٢/ ٩/١٩٣٢ الاهرام)، أن السفور ليس هو مصدر الشقاء الاجتماعى والبلاء الاخلاقى الحاضر، وليس الحجاب يمانع من هبوط المستوى الأخلاقى أويباعث فينا روحا من الكمال واشارت إلى ان للتدهور الأخلاقى المتفشى أسبابا أخرى تحتاج إلى قوانين صارمة ورجال اقوياء، وهاجمت"باسم عبد الملك" أثر الحجاب في العقل، فقالت: أن الحجاب نطاق ضرب حول وجه المرأة وجسدها وليس له أدنى اتصال بعقلها وذهنها وان تأخر المرأة الشرقية راجع إلى نقص في انتهال من موارد العلم الصحيح ما يؤهلها لخوض غمار الحياة العملية بطريقة جديدة.
***
٣ - حقوق المرأة
كانت المعركة الكبرى فيما بين الحربين هى معركة حقوق المرأة وكان أبرز هذه المطالب: المطالبة"بالمساواة" بين الرجل والمرأة مساواة تامة.
أما حقوق المرأة التي دافعت عنها وجاهدت من أجلها فهى:
مساواة المرأة بالرجل في مختلف فروع التعليم وفتح أبواب التعليم الثانوى والعالى والبعثات إلى أوروبا.
واصلاح القوانين العملية للعلاقة الزوجية.
سن قانون منع تعدد الزوجات الا لضرورة كعقم الزوجة أو المرض العضال.
مساواة الرجل بالمرأة في الحقوق النيابية والحقوق التشريعية.
تقييد الطلاق ووضع حد له.
جعل السادسة عشرة سنا أدنى لزواج البنت ليتسنى لها تكوين عقلها وتحصيل قسط مناسب من الثقافة والتعليم.
أصلاح نظم الأحوال الشخصية فيما يتعلق بنظام الخطبة والزواج لتهيئة الجو للأسرة واستقرار الحياة الزوجية:
стр. 290
مد حضانة الأم للطفل ومراعاة جانب المرأة في شروط بيت الطاعة.
تغيير لباس المرأة والغاء الحجاب.
وقد تحققت كل هذه المطالب في خلال هذه الفترة.
وكانت الدعوة إلى المساواة بين الرجل والمرأة مساواة كلية موضوع معارك فكرية متعددة بين دعاة التغريب والمعتدلين من المجددين، وعارض كثيرون هذه المساواة وقالوا أنها مستحيلة عقلا وفعلا (إبراهيم عبد القادر المازنى) لأن لفظ المساواة لا يدل على صحة الادراك والفهم للحقائق الطبيعية التي تقيد كلا من الرجل والمرأة على السواء - وعارض منصور فهمى (٤ فبراير عام ١٩٣٠) مساواة الرجل بالمرأة في جميع الحقوق والواجبات وأثارت محاضرته عاصفة هوجاء.
وقد كانت مسائل الارث في مقدمة المسائل التي شملها بحث المساواة.
وأشار الدكتور السعيد مصطفى (الأهرام في ٢/ ٧/١٩٣٦) إلى هذا فقال: أن حقوق المرأة المسلمة في مصر مقيدة بالشريعة الإسلامية وأن المنازعات التي تقوم بصدد الزواج والطلاق والميراث والهبة والوصية تحل عن طريق هذه الشريعة. وقال انها مسيرة.
غير أن سلامة موسى حمل حملة عنيفة على الميراث ودعا إلى مساواة المرأة والرجل فيه، وقد عرض عبد القادر المغربي لحكم الشرع في توريث البنت نصف ارث أخيها فقال: أن الأبناء لما كانوا هم الذين يخلفون آباهم في أسرهم، كانوا في حاجة إلى المال أكثر من أخواتهم البنات اللواتى يندمجن في أسرة أخرى غير مكلفات فيها بالنفقة.
وقال محمد فريد وجدى (١٣/ ٣/٣٠ الأهرام) أن النظام الاجتماعى في فلسفة الحسبة وهى فلسفة العصر الحاضر موافقا للنظام الإسلامي، وقال أن هذا النظام كان يسمح أن لا يجعل لها حقا أصيلا في الميراث، ولكن الإسلام الذي زاد من ضمان حياتها وتوفير راحتها قدر لها نصف ما للرجل من ميراث.
وقد أراد سلامة موسى في أتجاهه التغريبى أن يكسب إلى دعوته هدى شعراوى فأرسل اليها محضراته التي نشرها بجريدة المقطم (٢٣/ ١٢/١٩٢٨) ودعاها إلى أن تطلب إلى وزارة الحقانية سن قانون يساوى بين المرأة والرجل في حق الميراث.
وقد نشرت هدى شعراوى في الأهرام ٢٨/ ١٢ عام ١٩٢٨ رأيها في هذا الصدد وقالت: أنها لا تظن أن نهضتنا النسوية يجب أن تتبع أوربا في كل مظاهرها.
لأن لكل بلد تشريع وتقاليد، وليس كل ما يصلح في بعضها يصلح في البعض الآخر، وقالت أنها لم تلاحظ تزمرا من المرأة أو الشكوى من عدم مساواتها للرجل في الميراث"والظاهر أن اقتناعها بما قسم لها من نصيب ناشئ من أن الشريعة عوضتها مقابل ذلك بتكليف الزوج بالانفاق عليها وعلى أولادها كما منحها حق استقلال التصرف في أموالها، وأن الأوربية ترث بقدر ما يرث الرجل فضلا عن أنها ملزمة بدفع المهر ومكلفة بالتخلى عن أدارة أموالها لزوجها فضلا على أن الغربية لا حق لها في ادارة ممتلكاتها اذ لا يمكن أن تنفق أى مبلغ من مالها ولا أن تتعاقد مع الغير ولا أن تحترف حرفة بدون تصديق زوجها وموافقته" ا. هـ.
وعارض العقاد الرأى القائل بمساواة المرأة: وقال أنه لم يجد ما يدل على امكان مساواة المرأة بالرجل، ولم ير من النساء واحدة نبغت في فن من الفنون إلى درجة تعادل بها الرجل حتى من يشاء يذكرهن في العصر الحديث كمدام كورى، وليس دخول نساء الغرب في الأعمال والوظائف دليلا على كفاءة المرأة للقيام بأعمال الرجال وامكان مساواتها فان العبرة في المساواة ليست بالحد الأدنى.
***
٤ - مهمة المرأة
وجرى البحث حول مهمة المرأة: وأنقسم الرأى حولها هل هى البيت أم العمل، وأيد كثيرون من معتدلى المجددين الرأى الأول، وقال العقاد أن المرأة الشرقية أحس بطبيعة الأنوثة من صاحبتها الغربية فهى أوفر منها حظا من عنصر النسوية. وهى على الجملة أم لأبنائها وآلف لزوجها وأسكن إلى المعيشة البيتية من صاحبتها الغربية، وقال أننا نود أن تظل كما كانت في كل عصر ملكة البيت الحاكمة المحكومة يسكن اليها الرجل من متاعب الحياة ويستدعى ذلك أن تعيش في ظله وتعتمد في شؤون العالم الخارجية عليه وتدع له كسب رزقها وتدبير
стр. 291
حاجاتها، وقال أن عملها في البيت هو اعداد الجيل القادم وهو أكبر وأجل من أن تجمع بينه وبين السعى في طلب الرزق والاحتيال على شئون المعاش الا اذا كان خروجها إلى معترك السعى والجهاد علامة على التقصير والخلل من جانب المجتمع ونذيرا بالشذوذ في تقسيم الطبيعة.
وقال محمود أبو العينين: أن نظرية مشاركة المرأة للرجل في الوظائف العامة هى نظرية اقتصادية دلت التجارب على أنها خطرة في حياة الدولة لأنها تزيد العاطلين من الرجال.
وقال عباس عمار (الأهرام ٨/ ٢/١٩٣٣) أن وظيفة المرأة هى"الأمومة" وهى لا تستطيع أن تغيرها أو أن تقلبها فتمسخها، اذا فاعدادها يجب أن يكون مرتبطا أساسه بهذه المهمة التي خلقت لها. فهى لابد أن تتعلم تدبير المنزل ومبادئ الصحة ونفسية الأطفال، ولا غنى لها عن أن تتثقف ليركن الزوج اليها وليرى فيها ناحية جذابة يميل لها ويطمئن اليها. وقال أنه ما يرمى بتثقيف البنت أن تجيد الرقص وأن ترطن بلغة أجنبية، وهى مع ذلك عاجزة لا تشرح صدرا ولا تنظم بيتا. ولست أدعو إلى أن تتعلم البنت ألوانا من العلوم لا تتصل بحياتها، وأنما أحب أن تعد البنت لتكون "أما" تفهم مهمتها بتنشئتها أنشاء ربة البيت بكل معنى الكلمة "وقال أنه ما دامت ظروف المجتمع الحالية قد لا تتحقق معها هذا الغرض الذي نعد المرأة له وما دامت فرصة الزواج لم تعد ميسرة لكثير منهن، فمن العبث أن نهمل هذا الجانب الواقعى ومن الأجحاف بحقوق المرأة أن نسقط هذا الأمر من حسابنا وخير للمرأة أن تتسلح بسلاح العمل وأن نعدها للحياة كما نعدها للبيت".
وقال "فيلكس فارس" (٢٦/ ٢/١٩٣٣ - الأهرام) أننا نخدع كثيرا من معنى حرية المرأة الغربية وكثيرات من بنات بلادنا يضعن نصب أعينهن الفتاة العاملة في أوربا كمثال أعلى للرقى الصحيح.
أنا من أنصار تعليم المرأة وتهذيبها، ولكن لا أريد المرأة عاملة خارج بيتها يتحكم فيها الغرباء عنها، فأن لم تنزل الأهانة بها كامرأة نزلت بها أهانات التقريع كمأمورة يجب عليها أن تمحو شخصيتها وتكيفها تبعا لواجبات التنظيم وقال: أن كل ما يمكن المرأة أن تحترم به المجتمع من أعمال ليس الا فضولا كالقابضة على الريح في فضلها الموهوم على النسانية ... أن ما يحسبه النساء حقا لهن وتطالبن به من عمل في المجتمع أن هو الا عبودية مستحدثة من أنانية الرجل فهو
المستفيد منها وهن ضحيتها.
وهاجمت المرأة كل رأى يدعو إلى التحرير من التقليد الغربي الخاص وتطبيق ما يصلح لمجتمعنا وجيلنا.
فقالت أنجى أفلاطون: أن نداء"المرأة للبيت" لا يؤدى في حقيقته وجوهره الا إلى تحطيم البيت وتشريد المرأة والأطفال معا، ذلك أنه يعنى اعتبار المرأة خادمة في البيت لا صلة بينها وبين المجتمع الذي تعيش فيه، لا تدرى عنه شيئا. ولا تساهم بشئ في تدبير أموره وعلاج مشاكله، ويعنى أخضاع المرأة لسلطان الرجل اخضاعا تفنى به شخصيتها وكرامتها وآدميتها ويحرم المجتمع من جهود النصف من أعضائه.
وأن فكرة "المرأة للبيت" ليس مضمونها سوى تجميع المساوئ التي تحيط بالأسرة المصرية. فهى تعنى للفتاة اجبارها على الزواج قسرا وكرها، وتعنى للزوجة أباحة تعدد الزوجات واطلاق حق الطلاق والزنا والطاعة والتعذيب، ولذلك فأن"المرأة للمجتمع وليست المرأة للبيت" ودافع الكثيرون عن حق المرأة في العمل وقالوا أنها عملت مع الرجل قبل أنم تتعلم، في الحقول والمزارع وعملت في التجارة ولذلك فليس هناك ما نخشاه من فتح أبواب التعليم للمرأة.
***
٥ - معركة الاختلاط
وقد أستتبع قضية العمل للمرأة معركة جديدة هى:
معركة الاختلاط.
وقال دعاة التغريب: أن السفور وسيلة لا غاية. وأن الغاية هى تكوين المجتمع المختلط. وقال إبراهيم المصرى: الواقع أن السفور أصبح لا جدى اذا لم يقترن بوجود مجتمع مختلطاذ السفور في ذاته وسيلة لاغاية.
وقال محمود عزمى: أنه لا يتم أصلاح بغير اختلاط وتعادل فكرى بين الجنسين وافساح الطريق للمرأة لغشيان المجتمعات العامة.
وعنده"أنه لا يمكن أن يتحقق أى اصلاح من الاصلاحات التي يقوم عليها كيان الأسرة الا اذا تحقق الاختلاط بين الجنسين في المجتمعات الخاصة وفي المجتمعات العامة أيضا".?
стр. 292
وقد أباح طه حسين في الجامعة اختلاط الجنسين وكان لذلك الأمر ضجة وكان رأى المعتدلين من المجددين أن الأمر يتطلب تمهيدا ثقافيا وفكريا واجتماعيا حتى لا يحدث من جراءة ما حدث من ضحايا وأزمات كان لها صدى بعيد المدى.
وعارض رجل من الأزهر منع الاختلاط، فقال محمود الشرقاوى: نحن نقاسى في مصر حجابا صارما بين الشباب والفتاة وبين الرجل والمرأة وأن هذه الحجب هى علة العلل في قعودنا وتخلفنا في الأدب والفن.
ورفض توفيق الحكيم تقليد الغرب في كل شئ ورد ذلك إلى مركب النقص، وقال أن علينا أن نلائم بين الحاجة والوسيلة والضرورة والطريقة في اطار طبائعنا ونطاق طابعنا.
***
٦ - الحقوق السياسية
وكانت معركة الحقوق السياسية هى خاتمة هذه المعارك، فقد ارتفعت الأصوات مطالبة بحقوق المرأة السياسية منذ عام ١٩٢٢ في أبان وضع الدستور الأول وظلت هذه الدعوة تتردد في مناسبات متعددة - وقال فريد وجدى: أنه ليس لدى المسلمين ما يمنع أن تجارى المرأة المسلمة أختها في هذا المضمار، بل أن لها من دينها باعثا قويا فقد أمر النبى (ص) أن تحضر النساء مجتمعات المسلمين العامة التي تعقد للتشاور، وقد ردت أمرأة على عمر في مسألة تحديد المهر فرجع عن مشروعه.
وكان من رأى توفيق الحكيم أن هذا نوع من التهريج .. وقال أنه لا يمانع من ان يكون للمرأة صوت في كل ما يقرر مصيرها على شريطة ألا يحول ذلك دون استقلالها الطبيعى فلا تتلاشى في مجالس الرجال ولا تضيع في مجالس الأحزاب.
وقالت هدى شعراوى: أن ما تدعو اليه المرأة من المطالبة بالحقوق السياسية انما يهدف إلى الاشتراكفى التشريع الذي يوضع بشأن الأسرة والمرأة والطفل وكذلك التنفيذ والمساهمة في علاج الأحوال الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية، واستشهد بعض الكتاب يقول الكاتبة الألمانية (مارجريت كروسى) التي أقامت بمصر طويلا وكتبت تعارض في اعطاء المرأة حق الانتخاب بحجة "أنه من النادر أن تفصل المرأة بين العاطفة والتفكير السياسى وتميل عادة إلى انتخاب ذويها.
стр. 293
المرأة في العالم العربي
وقد امتدت حركة تحرير المرأة في الوطن العربي كله ولقيت مثل ما لقيت في مصر، أصحاب معسكر التغريب يدفعون المرأة إلى السفور والاختلاط والانطلاق، ودعاة الاعتدال من المجددين يطالبون بالانارة والتطور حتى لا يقع الصدام وتتكاثر الضحايا.
(فى لبنان)
وفى لبنان ارتفعت صيحة الدعوة إلى تحرير المرأة المسلمة باسم (نظيرة زين الدين) عام ١٩٢٩ في كتاب ضخم بلغ ٤٢٠ صفحة من القطع الكبير اسمه"السفور والحجاب" اعتمد على الدعوة العاطفية واستغلال الآيات القرآنية والأحاديث فيما ذهب اليه من حرية السفور, وقد بلغ الأمر أن فضلت الكاتبة المرأة عن الرجل وقالت أنها أصلح من الرجال عقلا، وعارض العقاد هذا الرأى لأن فضيلة المرأة الكبرى عنده أنها متممه للرجل وليست منافسة له في ميادين العمل والجهاد وقال العقاد: أن نهضة المرأة ما برحت بخير ما طلبت حقها وعرفت أن حقها لن يناقض حقوق الرجال. أما حين تطلب الحرية لتتحدى بها الرجل وتتمرد عليه فهى فاشلة خاسرة ونادمة.
- وقد هاجم مصطفى الغلايبنى هدف كتاب نظيرة زين الدين: أن هذا الكتاب قد أجتمع على تأليفه عدد كبير من اللادينيين والمسيحيين والمبشرين وان الآنسة وأباها (الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف في الجمهورية اللبنانية) كانا أما مخدوعين أو شريكين لهؤلاء الدساسين وانه كشف النقاب عن غايات مؤلفى الكتاب وغيره ممن يسعون لافساد المسلمين والقضاء على عقائدهم وأخلاقهم بالقضاء على المرأة والمسلمة.
وقال أن هذه الوسيلة التي وصل اليها أخيرا المبشرون بعد أن عجزواعن الطعن في الإسلام وهى استخدام بعض أهله، وقال أن في عام ١٩٢٨ كثر اللغط والحديث حول مسالة المرأة في مصر وسوريا وفلسطين ولبنان والعراق في آن واحد، ثم ظهر كتاب السفور والحجاب المكتوب بأقلام أذناب هؤلاء المبشرين الذين نعرف أسمائهم كلهم ونعرف أكثر أشخاصهم، وقال أن مؤلفوا الكتاب قصدوا إلى الطعن في الإسلام في صور من الأساليب خلابة مموهة بالباطل من القول والزخرف من الكلام. وقد حاولوا أثبات أن الرجل لا عقل له أو أنه ناقص العقل وأن المرأة اصح منه عقلا. واثبات أن المفسرين كانوا مخطئين في تفسير آيات القرآن وأنهم كانوا جهلة دساسين، وطعن الكتاب على أكثر الصحابة كما طعن في العلماء وأجرى الدس بين السنة والشيعة".
أ. هـ.
وليس غريبا أن يحمل دعاة التغريب الدعوة إلى السفور على هذا النحو، فأن هدى شعراوى التي حملت لواء الدعوة إلى تحرير المرأة في مصر كانت ترنو إلى المظهر به والزعامة أكثر مما ترنو إلى الايجابية، ولذلك لم تخرج الحركة النسوية في مصر عن نطاق مجموعة من السيدات الأرستقراطيات، وهدى شعراوى هى: ابنة سلطان باشا الذي رحب بالاستعمار وفتح الطريق أمام الانجليز في التل الكبير وزوجة شعراوى باشا أحد الثلاثة الذين قابلوا المندوب السامى البريطانى يوم ١٣ نوفمبر ١٩٩١.
وكانت حياتها عبارة عن سلسلة من الرحلات إلى أوربا للاشتراك في المؤتمرات النسوية في روما وباريس وامستردام وبرلين ومرسيليا واستامبول وبروكسل وبودابست وكوبنهاجن، وقد جاء في تشكيل جمعية الاتحاد النسائى (١ مايو ١٩٢٦) أنه واسطة تعارف وتعاون بين المرأة المصرية وأختها الغربية، لازالة ما علق بأذهان الغربيين من تصور المرأة المصرية عضوا أشل أو لعبة الزينة في ايدى الرجال.
وقد كانت هدى شعراوى حريصة على أن تحقق تشريعا يعضم الفتاة من الزواج قبل بلوغها السادسة عشرة من عمرها، ولعل هذا يرجع إلى أنها هى زوجت قبل هذا السن إلى رجل في مثل سن والدها فظلت حياتها التعيسة مضطربة طوال حياتها.
стр. 294
فى العراق
وفى العراق دعا الزهاوى إلى تحرير المرأة وكان لمقاله رنة كبرى وأزمة كبرى حيث ندد بحجاب المرأة وقال"ما بال الرجل الذي هو ناقص بدون المرأة بدأب على اهانتها بهضم حقوقها.
ثم ما بال الرجل الذي لا يهتم الا بالمرأة يهن ما به تمامه. وكيف يقول الرجل يجب أن أتمتع بالحرية التي هى أكبر حق من الحقوق الأنسانية والتي هى مشاع بينهما والمرأة عند متاع خلقت للذاته فاذا قضاها جاز له أن تستبدلها بمتاع آخر. (٢٨ - أيلول ١٩٠٨).
وقد أحدث مقاله بلبلة وانفجارا في الأوساط العراقية وقام علماء بغداد ضده. وألف سعيد النقشبندى كتاب (السيف البارق في عنق المارق: الزهاوى) واتجه العلماء إلى والى بغداد الفريق ناظم باشا يعرضون عليه أمر الزهاوى وطالبوا بفصله من كلية الحقوق فعزل الزهاوى ولم يحاكم وأمر بأن يعتكف في داره خوفا من اغتياله. وأخذت الصحف تكتب عنه أقذع الكلمات وقد أيده "معروف الرصافى" وكتب عن حقوق المرأة العراقية ثم غادر الزهاوى بغداد في هجرة إلى مصر والشام، فلما ورد القاهرة كتب في المؤيد مقالا عام ١٩١٠ العدد ٦١٣٨ تحت عنوان"المرأة والدفاع عنها" كان له صداه في الشعب العراقى جيث ضرب منزل الزهاوى بالحجارة وتأخرت النهضة النسوية في العراق حتى عام ١٩٢١ عندما حمل الانجليز لوائها على يد الانجليزية (المس كلى) حيث أسست أول مدرسة للبنات (١٩/ ١/٢٠) احتفل بها العميد البريطانى.
وكانت اول فتاة عراقية تحصل على شهادة هى (صبيحة الشيخ داود) وقامت (أسماء الزهاوى) شقيقة الشاعر بتشكيل جمعية نهضة السيدات البغداديات عام ١٩٢٤ وأشتركت العراق لأول مرة في مؤتمر نسوى عام ١٩٢٩ عقد في لبنان حيث ألقت فيه (أمينة الرجال) كلمة باسم المرأة العراقية. ثم ظهرت شاعرات وكاتبات عراقيات لمعت أسمائهن: أمثال رباب الكاظمى ونازك الملائكة واميرة نور الدين ولميعة عباس وعانكة الخورجى.
ويرى الزهاوى أن: على المرأة العربية (أكتوبر عام ١٩٢٤) أن تأخذ من الغربية عادة السفور فتمزق الحجاب الذي أسدله الجهل فسد عليها طريق النور وجعلها بمعزل عن الحياة الاجتماعية الافى ظروف خاصة وأن تأخذ عند الضرورة عادة الزواج والطلاق المدنيين، ومما يذكران الزهاوى عند ما جاء مصر كانت معه زوجته المحجبة التي كانت لم تخرج معه في طريق واحد.
وقد اتصلت الحركة النسوية في الوطن العربي فعقد (أبريل ١٩٢٨) مؤتمران نسويان في بيروت أحدهما أقامته الجمعيات المسيحية في لبنان واخر أقامته الجمعيات الإسلامية في بلاد الشام.
وقد دعا المؤتمران إلى توحيد جهود المرأة فيما يتعلق بتربية الولد وتهذيب النشئ واصلاح العادات والنهضة بالاقتصاديات الوطنية وتنشيط المصنوعات الأهلية وتحسين حال الفتاة العاملة واصلاح السجون.
وقد اشترك في مؤتمر بيروت ١٩٣٠ عنبره سلام الخالدى وكريمة عاصى واحسان القوصى وجوليا دمشقية ونازك سركيس وأميرة أبو عز الدين وابتهاج قدورة ومثلت فيه معظم البلاد العربية:
وقالت عنبره سلام (سورية) أن المرأة السورية مهما تنوعت مشاربها ليست بالتأثير ولا بالطائشة وهى في نهضتها لا تطلب الطفرة ولا تدعو إلى الفوضى بل مبدؤها السير إلى الأمام دون تحطيم أو تهديم.
ودعت عزيزة فوزى (مصر) إلى حماية اللغة العربية وقالت: أن بعض الفتيات يعرضن عنها وتراهن يلوين ألسنتهن باللغات الأجنبية، وقالت: أن فكرة القضاء على لغتنا العربية تدخل إلى النفس غما، وقد وصفت الكاتبة الأمريكية روث فرانستس (٢٧/ ٢/٣٨ الأهرام) النهضة النسوية على هذا النحو:
الحركة النسوية في سوريا أضعف منها في العراق مع ان عدد المتعلمات السوريات أكثر بكثير من المتعلمات العراقيات. ولكن تطورها كان مقصورا على تنويع شكل النقاب لا القضاء عليه. ومن المدهش أن النقاب لا يزال موجودا في بيروت ذاتها ونساء بيروت محجبات ونساء رأس بيروت سافرات.
والمرأة الدمشقية محجبة في أى حى من أحياء دمشق وحلب، لا توجدفيها حركة نسوية. ونساء حمص يتساهلن بعض التساهل وعندهن قدر من الحرية ونساء فلسطين محجبات على الطريقة التركية القديمة. ولا يوجد
стр. 295
فى فلسطين أى حركة ترمى إلى سفور المرأة.
وقد جرت الدعوة إلى ايجاد " اتحاد نسائى شرقى عربي" تكون مهمته توحيد"الأمة لعربية" يبث دعوة مبنية على الوطنية والحصافة، وكان لمأساة فلسطين عام ١٩٣٦ وما بعدها أثرها في تجمع المرأة العربية من كل أقطارها في مؤتمر في القاهرة للدعوة إلى حق فلسطين وحق العرب، كما حمل المؤتمر العربي لواء الاحتجاج على حوادث سوريا ولبنان، ولابد من أن نذكر هنا أن المرأة العربية في سائر الوطن العربي قد شاركت في جميع الثورات والانتفاضات الوطنية وقدمن الضحايا ولم يحل الحجاب أو غيره دون أداء دورها كاملا، فقد حملت السلاح ومرضت الجرحى. وعملت في المقاومة الشعبية.
وقدمت الشهداء في ثورات مصر وسوريا.
وخلاصة القول ان هذه الفترة - بين الحربين - كانت عصبية جدا حتى لقد وصفت الحركة النسوية بأنها غفلت عن خطر الأمومة في حياة المرأة والأمة، فقصرت على توجيه الفتاة الجديدة نحو مكانها الطبيعى في البيت واعدادها لوظيفتها الأولى في الحياة. ولعل مرجع هذا فيما ترى الكثيرات إلى فتنتنا العمياء بمظاهر المدنية الغربية "فان الغرب رجع من زمن بعيد عهن هذا الضلال وراح يكافح في رد المرأة إلى مكانها الطبيعى في البيت وأن مشكلة رد المرأة إلى البيت هى مشكلة ما بعد الحرب".
مراجع البحث
تحرير المرأة: قاسم أمين: ١٨٩٧ - القاهرة.
تحرير المرأة والسفور: محمد فخرى.
هدى شعراوى في النهضة: المرأة: ١٩٤٨ القاهرة.
النسائيات: ملك حفنى ناصف.
اكليل الغار لرأس المرأة, جرجى نقولا باز، بيروت.
تحرير المرأة العراقية: خضر العباسى.
الإسلام والمرأة، سعيد الافغانى ١٩٤٥ دمشق.
المرأة الحديثة، عبد الله حسين ١٩٢٧ القاهرة.
محمد والمرأة، عبد القادر المغربي ١٩٢٨ - دمشق.
تحرير المرأة في الإسلام: مجد الدين حفنى ناصف، عام ١٩٢٤ القاهرة.
السفور والحجاب، نظيرة زين الدين بيروت.
المرأة والشيوخ، نظيرة زين الدين بيروت.
المرأة الجديدة: قاسم أمين ١٩٠٢ القاهرة، بيروت.
المرأة في التمدن الحديث، محمد جميل بهم ١٩٢٧ بيروت
المرأة في التاريخ والشرائع، محمد جميل بيهم ١٩٢٦.
نهضة المرأة المصرية، عبد الفتاح عباده ١٩١٩ - القاهرة.
أختكم فأنصفوها، مادلين أرقش ١٩١٤ - بيروت.
стр. 296
(٨)
الصحافة
كان دور الصحافة في هذه المرحلة - ما بين الحربين - مختلفا عن دورها في الفترة التي سبقت الحرب. فقد كان الملوك الخديويين والمحتلون - سواء منهم الفرنسيون أو الانجليز - هم الذين يصدرون الصحف الرسمية التي تمثل آرائهم وتدافع عن اتجاهاتهم وكانت الصحف الأخرى التي صدرت بأمرهم وايعازهم لا تترد في أن تنسب نفسها اليهم. وقد تطور هذا الأمر فأصبحت الصحف تصدر ممثلة للأحزاب والهيئات، فاذا اختفت وراء مبدأ (الحياد) فقد حق لها ان تدافع عن أي: نفوذ او هيئة أو حكومة دون أن تخشى شيئا. وبعد ان كانت الصحف تدافع عن الوطنية في جرأة وعاطفة تحولت إلى الاعتدال، وبعد ان كانت تهاجم المحتل والدخيل، أصبحت تناصر الحزب الذي تتبعه وتهاجم خصومه من اهل الوطن، وتباعد بينها وبين القضية الوطنية. وكان لقيام حكومات جديدة في الوطن العربي في ظل الاستقلال الذاتى قد خلق جوا جديدا، قد تولت الحكم في الوطن العربي طائفة معينة أو فئة خاصة - كانت فترة الاحتلال والحماية الأولى فترة اعداد لها - هذه الطائفة تؤمن بالالتقاء مع الاستعمار في منتصف الطريق ولا تناهضه.
وفي مصر مثلا جاء الوفد في شعبيته الضخمة بعد الحرب على انقاض الحزب الوطنى.
ومع الاختف الواضح في الأهداف والوسائل، فالحزب الوطنى كان عنيفا في مقاومة الاحتلال جريئا في مهاجمته عاطفيا في هذا الهجوم، أما الوفد فقد كان "متفاهما" مع الاحتلال على مذهب حزب الأمة، وهو لم يلبث أن أنقسم إلى فريقين: فريق أصحاب المصالح الحقيقية والأسر والبيوت والاقطاعيين، وهؤلاء هم الذين انفصلوا تحت اسم "الأحرار الدستوريين" وبقيت المجموعة الشعبية تحت زعامة سعد زغلول تؤمن بالمفاوضة مع الانجليز وتلتقى بهم في منتصف الطريق، وقد دارت المعركة بين الوفد والأحرار في ائتلاف الا مرتين عندما انشأ الملك حزب الاتحاد عام ١٩٢٥، وعندما الغى دستور ١٩٢٣، وأنشأ حزب الشعب ١٩٣١.
***
أخطاء الصحافة
وهكذا عاشت الصحافة فترة ما بين الحربين خادمة للأحزاب، عاملة عندها، لا تستطيع أن تتحرر منها، وبينما كانت صحف الوفد تعتمد على شعبيتها وأقلام كتابها في عنفها وقسوتها أمثال العقاد وعبد القادر حمزة وحافظ عوض وتوفيق دياب وغيرهم، اعتمدت صحف الأحرار الدستوريين على صناعة الصحافة وعلى أقلام الكتاب المؤمنين بالحضارة الغربية، هؤلاء الذين عملوا في جبهة الاقطاعيين وأصحاب البيوتات وجعلوا من أقلامهم التي تحمل كلمات الحرية والتجديد والثقافة أداة للدفاع عن النظام الاستبدادى وحكم الأقلية.
كما سايرت الصحف المحايدة صحف الأحرار الدستوريين في معركة الغزو الثقافي والتغريب ودعت جميعها إلى محاسنة الاستعمار، وفتحت الطريق أمام جميع مختلف الدعوات وكانت لسانا حادا على كل من دعا إلى اصلاح أو اعتدال، فهاجمت الشيخ محمود أبو العيون في دعوة إلى الغاء البغاء. وأطلقت على القوى الوطنية الشعبية كلمة "الرعاع" واصطنعت أسلوب السخرية في مهاجمة كل باحث أو مصلح لا ينتسب إلى حزبها.
وكان كتاب هذه الصحف يعمدون إلى اثارة الجماهير في مشاعرهم بترجمة القصص الفرنسية الماجنة، وكتابة الفصول النقدية اللاذعة في مهاجمة القيم الإسلامية والعربية وتحوير معالم التاريخ على النحو الذي يصور العصر الأموى والعباسى بصورة التحلل. وفي ظلها وحمايتها أعلن كثير من "المجددين" الذين حملوا لواء الأفكار التغريبية آرائهم ودافعوا عنها.
حدث هذا بينما وقفت الصحف الوفدية موقف الاعتدال في الرأى والمحافظة على مشاعر الشعب،
وباعدت بينها وبين مغايظة الجماهير أو اثارتها وهو أسلوب لم تلبث في ذلك إلى أبعد مدى وكان دفاع جريدة السياسة عن الإسلام ومهاجمتها لحملات التبشير أقوى من دفاع الصحف الأخرى، فضلا عن كتابات الدكتور
стр. 297
هيكل عن محمد وأبى بكر وعمر والإسلام، وهكذا كانت الكتابات الأدبية والدينية اسلحة من أسلحة السياسة لكسب الجماهير وترويج الصحف.
أما الصحف المحايدة (الأهرام- المقطم) فقد فتحت صفحاتها لكل دعوة وكل رأى، وتركت هذه الآراء تصطرع وتتقاتل، وكان لهذا أثره البعيد في خلق جو من البلبلة والاضطراب.
وعاشت الصحف المحايدة على ارضاء الاستعمار والحكومات المتوالية بينما عاشت الصحف الحزبية على تأييد أحزابها ومهاجمة خصومها دون تقدير لأى عمل مهما كان نصيبه من النفع أو الضرر، ولذلك فان صحف أى حزب كانت تنعم بالهدوء ما دامت أحزابها في الحكم فاذا تخلت عنه واجهت الصعوبات من تحقيقات ومحاكمات ومصادرات.
وكأنما كانت أقلام الصحف مستأجرة للأحزاب والصحف، لذلك كثر التناقض في أفكارهم وكان لهم مواقف من بعض الأحداث ومواقف مضادة من مثل هذه الأحداث.
وهيكل وطه حسين وكتاب السياسة الذين كانوا ينادون بحرية الرأى ويحملون لواء حماية الدستور والحياة النيابية هم الذين أيدوا محمد محمود أبان حكمه الحديدى عام ١٩٢٩ عندما ألغى الدستور وأوقف الحياة النيابية واستطاعوا ان يجدوا من المبررات ما يجعلونه مادة دفاعهم عن هذا العمل الذي يتناقض قطعا مع أفكار الحرية التي طالما أعلنوها، وقد أيدوا بالبرهان والمنطق - الذي كان سلاحهم دائما - تحديد حرية الصحافة ومحاكمتها ومصادرتها ومقاومتها وألغي محمد محمود رخصة مائة صحيفة وعطل وأنذر عشرات الصحف المعارضة (وكذلك فعل إسماعيل صدقى). (عام ١٩٣٠) ثم اذا بهم يواجهون المعركة بطريقة مضادة في عهد صدقى باشا عندما ألغى الدستور وأقام دستورا جديدا وأضطهد الصحف ومن بينها صحف الأحرار الدستوريين، هنالك عادوا إلى الدعوة إلى الحرية وحماية لدستور متناقضين مع أنفسهم ولم يمر عام واحد على المعركة الأولى.
ويبدو التناقض في موقف صحف الأحرار الدستوريين في كتابات هيكل وطه حسين وغيرهم من سعد زغلول الذي كان خصما للأحرار فاذا هم من هو ضعفا وسقوطا وفشلا وتسلطا، فاذا قام الائتلاف عام ١٩٢٧ بين الوفد والأحرار اذا سعد زغلول - في كتاباتهم - مثل رائع للبطولة والكفاية.
ويمكن القول أن الصحافة في هذه الفترة غلبت الجوانب الشخصية والحزبية على الجوانب الوطنية، وغلبت الخلاف الداخلى والصراع على كرسى الحكم على القضية الوطنية ذاتها.
كما سجلت عنفا لا حد له في الهجاء والنقد السياسى استعملت فيه عبارات وأساليب غاية في القسوة والحدة والاتهام.
وقد وقفت الصحف في صف أصحاب رءوس الأموال والاقطاعيين ووجهات نظر النفوذ الاجنبى من جميع المسائل التي عرضت لها في مجال الاجتماع أو الاقتصاد أو الزراعة أو الصناعة.
ورسمت الصحف لشخصيات لورنس وغردون وبلفور وهرتسل وفيصل وعبد الله ونورى السعيد ومصطفى فهمى صورا من البطولة. ووصفت الأهرام ثورة سورية ١٩٢٥ بالعصيان ووصفت الثوار بالعصاه، كما هاجمت الاهرام ثورة عبد الكريم في المغرب ١٩٢٦ لحساب فرنسا وانساقت في تيار الاستعمار الخفى فنشرت - هى والمقطم - صفحات عن ما سمى حقوق اليهود في فلسطين واحتفلتا بتكريم موسى بن ميمون في دار الأوبرا وكانت وجهة نظرهما بالنسبة لليهود في فلسطين قريبة من وجهة نظر الانجليز واليهود.
واستعملت الصحف المحايدة الأسلوب المرن الذي يحمل أكثر من معنى، كما حملت لواء لدعوة إلى العامية، وأيد (الأهرام) النفوذ الفرنسي ودافع عنه بينما أيد المقطم النفوذ البريطانى ودافع عنه.
وكانت الصحف المحايدة قوة كبرى لا سبيل إلى مقاومتها، فبينما كان الحزب اذا تولى الحكم يحطم صحف خصومه, كانت الصحف المحايدة تلقى المعونة والتقدير فتعيش وتقوى ويشتد ساعدها، بينما تختفى الصحف الوطنية وتغلق أبوابها. وقد داومت الأهرام الاحتفال بأعياد فرنسا ووجهت اليه التحية والتقدير: وكان يوم ١٤ يوليو هو صاحب افتتاحية الأهرام وقالت "مى" في هذه المناسبة (١٤ يوليو ١٩٣٠) تحية لعيد الحرية، تحية لفرنسا، يا من علمت الانسان بأن له اسما وأن له حقا، ولكنك في نفس الوقت اوحيت اليه بأمثولة الألم والجهاد العتيد.
стр. 298
ودافعت الصحف عن اسلوب الهجاء, فقال حافظ عوض عنه (٢٠/ ١/١٩٣١) لا أعده سبا، وانما هو انتقاد ومداعبة ألفها الكتاب في العهد الأخير- واحتفلت الأهرام بذكرى المائة الأولى لمولد غردون في ٢٢/ ١/ ١٩٢٣ وعندما اشتدت حملة التبشير وحملت الصحف لواء الهجوم، وقال طه حسين: ساخرا بذلك كله "من المحقق أن الإسلام لن يضعف به (أى التبشير) وأن المسيحية لن تقوى" أو، والكاتب يمكن أن يخرج من صحيفة إلى أخرى اذا زيد أجره، وربما كان معنى خروجه تغيير مذهبه السياسى أو أرائه السياسية.
وقد هاجمت الصحف الوفدية: خصمين هما: صحف الأحرار وصحف الحزب الوطنى، أما الأحرار فهم الطبقة ذات النفوذ الأسرى التي انفصلت عن الوفد واعتنقت مذهب حماية مصالح الطبقة الجديدة من أعوان الاستعمار البريطانى التي تنافس الطبقة التركية القديمة نصيرة فرنسا وتركيا، بينما تناصر الطبقة الجديدة بريطانيا.
أما الحزب الوطنى فأنه صاحب الدعوة إلى الجلاء، وقد لقى هذا الحزب هجوما عنيفا من الوفد واتهم بالاغراق في الخيال.
ووصفت الصحف الوفدية مصطفى كامل بأنه "شحاذ يلبس الردنجوت" واتهمت محمد فريد بأنه استقراطى ليس من الشعب.
وكان حزب الأحرار متابعة لحزب الأمة على نفس الأسس وكان أعضائه هم أبناء الجيل الثانى لمؤسسه. وكان هيكل هو خليفة لطفى السيد في قيادة الرأى ورئاسة تحرير الصحيفة.
ولم يذكر حزب الأحرار في برنامجه كلمة الجلاء.
وكان موقف الصحف كموقف الكتاب، فقد ناصرت الأهرام جميع الحكومات بلا استثناء ولم تكتب كلمة هجوم واحدة ضد محمد محمود أو إسماعيل صدقى أبان حكمهما الاستبدادى الذي قيدت فيه الحريات وحطمت القيم عام ١٩٢٩ و ١٩٣٠.
وانتقلت بعض صحف الوفد من تأييد الوفد إلى خصومته ثم عادت إلى الوفد كرة أخرى وتحولت جريدة الشعب من مالك إلى مالك وتحول الكتاب معها كالعبيد - على حد تعبير محمد زكى عبد القادر.
ولطالما هاجمت الصحف واحدا من الزعماء أو رؤساء الحكومات واتهمته بالخيانة ثم عادت واثنت عليه، وضفرت له أكاليل الغار، أمثال توفيق نسيم - الذي اتهم بالخيانة، ثم وصف بالوطنية وقال عنه سعد زغلول أنه يستحق تقدير الوطن.
***
(القومية العربية)
ووقفت الصحف المحايدة من القومية العربية موقفا غامضا فكانت تسمى الدول العربية: الجارات الشرقيات .. وكان الاستعمار البريطانى والنفوذ الفرنسي في مصر وهما المسيطران على الصحف على حرص شديد بأن لا تحمل مصر لواء الدعوة إلى الوحدة العربية أو معانى الروابط العميقة الجذور، فاذا تحدثت عنها بين آن ولآن رسمت مصر بصورة الزعامة والقيادة والتعالى عن الأمة العربية.
ولعبت المصروفات السرية دورا كبيرا في حياة الصحافة المصرية، وكانت في كثير من العهود سلاحا من اخطر الأسلحة على الصحافة: وقد قيل أن الصحافة كانت تدار بطريقة لولبية، تعارض أو تبدو انها تعارض ولكن لا يمنع معارضاتها من أن يقبض أصحابها ثمنا (جلال الحمامصى - ك صحافتنا).
وقال الدكتور عزمى (رسالة الصحافة- الأهرام ٧/ ٤/١٩٣٦) أن بعض الصف لها اتصالات بسفارات وأنظمة تعمل بواسطتها على تأييد وجهات نظرها الخاصة أو تقدميها للجمهور على نحو قد يبعد قليلا أو كثيرا عما تريده السياسات القومية للرأى العام من توجيه".
وقال فكرى أباظة: أن الصحافة كانت قبل الاستقلال المزيف والبرلمانية المزيفة لا تخدم الا الكفاح والجهاد. أما اليوم فالبرغم من انتعاشها وانتقاضها ويسرها وغناها واستفحالها تعمل موظفة عند مختلف الأحزاب ننقل للرأى العام أوامر الزعماء وأغراض الزعماء وأهواء الزعماء
وتقتتل فيما بينها، فبعد أن كانت آمرة أصبحت مأمورة، وبعد أن كانت موحية أصبحت تتلقى الوحى، وبعد أن كانت وصيلة الصلة بالشعب اتخذتها عصابات الأحزاب أداة مسخرة لشهواتها ومطامعها فدفنت رسالتها العالمية الحرة المستقلة في قبر من قبور العبودية الحزبية ورمس من رموس الموتى".
стр. 299
وقال فكرى أباظة: أن الصحفى المصري عندنا يطعن حسب الظروف ثم يمدح اذا تغيرت الظروف، يندفع في كلتا الحالتين. وينسى أن يحفظ اتزانه حفظا لخط الرجعة في المستقبل.
وقال: حذار أن تقول أن في مصر جريدة على الحياد بين الأحزاب وان وجدت جريدة على الحياد فاعلم انه حياد ضعيف لا قيمة له.
وقال أن أى صحيفة كانت تقول في الهجوم على صحيفة أخرى: الجريدة الصفراء النكراء، جريدة الخونة، ودعاة التردد والهزيمة، وعن أى كاتب"الغبى الأحمق المأجور".
وقال مصطفى الرافعى: لو عرفت الصحف وأهلها لرأيت أن العمل فيها من أشق الأعمال على النفوس الكريمة فهذه ليست صحفا وانما هى حوانيت تجارة. وأنه لا يقتل النبوغ شئ كالعمل في الصحافة فأن أساس النبوغ العمق والتغلغل في أسرار الأشياء، أما الصحافة فلها أساس غير هذا، وحالة الجمهور تجعل للصحافة عندنا مكانا طبيعيا لرجل السياسة قبل غيره.
وقال زكى مبارك: أن عشرات من الكتاب اشترت الحكومات المختلفة أقلامهم وقيدت مواهبهم وأغرتهم بالمرتب الثابت وكانت اجدى عليهم من شرف العمل لتحرير البلاد.
ويرجع الباحثون ضعف الصحافة إلى أنها خضعت لسيطرة جهات متعددة منها الإستعمار والقصر والأحزاب والحكومات، ثم خضعت لسلطان رأس المال والاعلان، وكان هذا في أيدى عملاء الصهيونية وأن عددا كبيرا من كتاب الصحف المصرية لم يكونوا من المصريين ولذلك لم تكن عواطفهم وطنية، وكان أغلب أصحاب الصحفيين ومحرريها من غير المصريين أعوانا الحاكم والمستعمر، وقد صور هذا النفوذ الكاتب البريطانى (بولسون نيومان) في كتابه (بريطانيا العظمى في مصر) يضاف إلى هذا ولاء المثقفين للطبقة الحاكمة وللنفوذ الأسرى والاقطاعى الموالى للانجليز.
وقد كان للاستعمار أثره في الصحافة فهو صانع هذا الاتجاه من النفاق والهزل والسخرية والتخدير وخداع الجماهير والتميع والبلبلة.
وقد أثر النفوذ المادى الصهيونى على الصحافة من جهة الاعلانات اذ كان الذين يتولون أمور الدعاية بالاعلانات والمقالات والأخبار في الصحافة العربية يهودا صهيونيين من أعداء العرب (نقولا حداد).
وترى جريدة السياسة الأسبوعية (١٩/ ٣/١٩٢٧) أن الصحافة هى التي خلقت التيارات السياسية في البلاد وعليها تبعة ما في التربية السياسية من مفاسد، وقد صورت جريدة المانشستر جارديان بعض الصحف المعارضة في مصر (٢٣/ ٣/١٩٢٩) بقولها: من الغريب في مصر أن الجريدة التي لا ترعى كرامة الصحافة تباع كالكعك الساخن بسبب مقالات تنشرها لبعض مشاهير الكتاب يستعمل فيها كل ما في حافظته من عبارات القذف والكلام البلدى البذئ والسباب.
وقالت جريدة فريكفدرتر نستبونج أن معظم الصحف في أيدى مسيحى لبنان الذين يحاولون تقليد أوربا ويميلون إلى فرنسا على الخصوص.
ولا ينسى في هذا المجال الصحف التي صدرت لحساب أفراد أو غايات خاصة ووصفت "بأنها وصلت إلى أحط درجات المهانة، وهوت إلى حضيض الوضاعة والخسة. وخرجت عن الآداب العامة وعمدت إلى نهش الأعراض والتعرض للشخصيات واثارة الغرائر" ويغزو بعض الباحثين إلى الاستعمار، هذا التطاحن الذي أثير بين الصحف وجعلها منقسمة تجرى وراء الرزق والمورد فلم تستطع التحرر كلية للعمل الوطنى، وقد أصدرت الحكومات الخاضعة لىستعمار في العالم العربي في مختلف البلاد العربية القوانين المقيدة للحرية الصحفية.
ولم تطبق هذه القوانين الا على الصحف الوطنية، وعلى صحف المعارضة في أبان حكم خصومها.
ولا شك كان الاستعمار يركز على الصحافة المصرية وأهدافها ويعزلها عن الأمة العربية ويخلق بها أجواء البلبلة التي يستغلها في الوطن العربي كله نظرا لنفوذها فيه، ولم يكن الصراع بين الصحف المحايدة كالأهرام والمقطم لحساب الوطن العربي بل كان صراعا بين نفوذى بريطانيا وفرنسا.
واذا كان المقطم قد عنى بالشئون العربية فانه كان انما يحمل وجهة نظر بريطانيا فيها.
وكانت الصحف المحايدة تؤيد الأفكار الغريبة وتذيعها بصرف النظر على قدرة البلاد على التطور.
стр. 300
وقد سفت الصحافة كثيرا ولم تحاول أن ترتفع بالقارئ وكانت في مجموع أبحاثها تعمد إلى العبارات الانشائية، وكانت كتاباتها سريعة غير ناضجة وأنها عجزت عن أن تؤدى مهنة الصحافة الحقيقية وهى توخى المصالح العامة. واحترام المسؤليات والبعد عن التهريج
ومن العجب أن الصحف التي كانت تمثل الأقلية وأحزاب الأسر والاقطاع كانت تدافع عن الحرية وكانت تثور لحرية الرأى بينما تؤيد في نفس الوقت الوزارة التي تعطل الدستور والحياة النيابية.
مما يؤكد بأن المعانى والآراء والأقلام لم تكن الا أدوات في سبيل غرض معين.
وقد فسر دفاع جريدة السياسة عن على عبد الرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) حينما كتبت جريدة السياسة عشرات المقالات في الدفاع عن حرية الرأى
- انه كان دفاعا خفيا عن أمرين. أولا: نفوذ أسرة على عبد الرازق وهى احدى دعائم حزب الأحرار: ثانيا: خصومتها للملك فؤاد الذي كان يطمع في الخلافة وتأييد رأى بريطانيا في منعه من النجاح في هذه الدعوة.
وقد أيد هيكل في السياسة عمل (عدلى) على تحطيم وحدة الأمة بقيادة سعد، وأيد (زيور) الذي جمع البرلمان في الظهر وفضة في المساء، وأيد محمد محمود صاحب اليد الحديدية.
وقد دافعت صحف الأحرار والصحف المحايدة، وبعض كتاب صحف الوفد عن تيار التغريب والارتباط بالغرب، وأندفعت وراء قبول الاستيراد في الفكر وتقبل الثقافة الغربية قبولا كاملا دون تحفظ مع التبعية دون الاقتباس، أما الصحافة الوطنية فكانت وسطا وأكثر اعتدالا وتحفظا، وكانت تدعو إلى المحافظة واتخاذ سبيل الاقتباس والتحفظ، غير أن صوت الصحف المحايدة كان أقوى ونفوذها كان أكبر.
وخلقت الصحف الهازلة تيارا عمل على تمييع كل القيم والمقدسات، وادخال عنصر السخرية والتهريج على الثقافة والفكر ووالأهداف والمثل العليا. وقد أشار توفيق حبيب إلى صحف الكاريكاتير فقال أنها عملت منذ اليوم الأول على نهش الأعراض.
وقد عجزت الصحافة في هذه الفترة على حل المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وكانت مقالاتها تمثل وجهات نظر معينة شخصية، وهى وجهات نظر القصر أو الاستعمار
أو الاقطاع أو الأحزاب ولم تتحدث الصحف عن حقوق العمال أو الفلاحين أو التعاون الا على نحو التنفيس عن الطاقة المكبوتة.
واختفت في هذا العهد المثالية الصفية التي حمل لوائها أحمد توفيق ومصطفى كامل ومحمد فريد وعبد العزيز شاويش وكان آخر من حمل لوائها أمين الرافعى.
كما عجزت الصحف عن قول كلمة الحق، في كثير من المواقف، واضطرت إلى أن تداور، ومع ذلك ان صحفا رفضت ان تنشر مذكرات محمد فريد لأن بها بيانات فاضحة عن تصرف إسماعيل، وشاع ان الوكالة البريطانية تخطب ود كل لين العريكة (عل حد تعبير محمد لطفى جمعه).
وفي عهود حكومات أحزاب الأقلية: الأحرار الدستوريين والاتحاد والشعب، كانت أموال الصحف تجمع بواسطة العمد والمديرين، وقد أنفق محمد محمود باشا على جريدة السياسة من ماله الخاص ما يقرب من ٥٠ ألفا من الجنيهات.
ولم تكن هناك صحف مصرية تدخل المغرب الا جريدة الأهرام، ولا تدخل العراق وفلسطين- في فترة من الفقرات - الا جريدة المقطم.
لا غرابة في هذا الاضطراب الفكرى والصحفى كله فقد كانت عناصر اليهود والأتراك والسوريين والشركس واليونان هى التي تسيطر على السياسة والاقتصاد والسياسة.
***
إيجابية الصحافة
وبعد فماذا كان دور الصحافة الايجابى في الفكر الإسلامي خلال هذه الفترة (ما بين الحربين).
لقد قاومت الصحافة الاستعمار والمستعمرين وأعوانهم، ودافعت عن القيم والمقومات الإسلامية والعربية والمصرية، كما دافعت عن اللغة العربية وحرية التعليم وهاجمت المخدرات والبغاء والتبشير.
وكان أبرز ما تناولته الصحافة في موضوعات السياسية: الاستقلال والمفاوضات والدستور والسودان"
стр. 301
كما تناولت في مشاكل المجتمع: تحرير المرأة والسفور والحجاب والبغاء والمخدرات والتبشير والتعاون وحقوق العامل والفلاح.
وقد كافحت لاصلاح اللغة العربية وطورتها فتحولت من الركاكة في التعبير من ناحية والسجع والزخرف من ناحية أخرى إلى أسلوب وسط بسيط تلغرافى، ودافعت عن اللغة العربية حين هوجمت، ودافعت عن الثقافة العربية حين اصطرعت الثقافتين الفرنسية والانجليزية.
كما حاربت طغيان الملوك والأمراء والحكام والطغاة وهاجمت محمد على وإسماعيل وقاومت الصحافة المصرية المعتمدين البريطانيين أمثال: كرومر وغورست وجورج لويد.
ووقفت الصحافة المصرية والعربية في صف الحرية في الشرق فناصرت غاندى ضد الانجليز.
وهاجمت كل من وجه إلى الوطن الاتهام، فردت بعنف على المحامى بابا كوس الذي هاجم مصر في (١٦ يوليه ١٩٣٣) وقال: الأكربول صاف والنبل كدر.
وحملت لواء الهجوم عن الامتيازات الأجنبية والدفاع اصدار الأحكام باللغة العربية من المحاكم المختلطة والكتابة بالعربية في الشركات والبنوك. وتحريم الزواج بالاجنبيات وحماية الأسرة وتقييد الطلاق. وتناولت أبحاث متعددة عى أبحاث المرأة وحقوقها ومشاكل الريف والصناعة ومهاجمة الأغانى الماجنة كما هاجمت الدعوة إلى نغمة الأقلية والأكثرية:
ونشرت الأهرام لمحمود أبو العيون مقالات (الصحيفة السوداء) التي هاجمت فيها الاستعمار البريطانى هجوما عنيفا، كما هاجمت البغاء والتحلل في مجموعات متعددة من المقالات.
وفتحت الصحف المصرية صفحاتها لكل أبطال الفكر العربي وأحراره: أمثال: جمال الدين الأفغانى وشكيب أرسلان وعبد العزيز الثعالبى.
وكان كل زعماء العالم العربي المبرزين في تلك الفترة صحفيون من ذوى الأقلام الحرة: مصطفى كامل محمد فريد عبد العزيز شاويش والثعالبى وصالح ابن يوسف وفائق السمرائى وأميل الغورى وهلال الفاسى وعبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمى.
وتطورت الصحافة مرتين: من حيث اللغة ومن حيث المعنى، وانتقلت من صحافة الرأى إلى صحافة الخبر، وانتقلت من الجهود الفردية إلى صحافة الأحزاب وجهود الجماعات، وكان أبرز عناصر تطورها بعد ثورة سنة ١٩١٩ هو العناية بأخبار العالم الخارجى والخبر الداخلى والصورة.
واستطاعت رغم القيود والقوانين والاعانات أن تقاوم التغريب والاستعمار.
وصدرت صحف سرية في معظم أنحاء العالم العربي تحمل لواء الأفكار الحرة التي كانت تحول الرقابة دون صدورها.
وأثرت الصحافة المصرية في العالم العربي كله. وكتب بها رجال السياسة في العالم العربي والإسلامي: ويمكن القول مع الأسف أن معظم محاكمات الصحافة لم تكن من أجل الرأى الحر في الأغلب وانما كانت من أجل مسائل شخصية أو خلافات خاصة.
وقد كانت لمؤامرة فلسطين اثرها البعيد المدى في توجيه الصحافة العربية وتحريرها من القيود المختلفة، ودفعها إلى مواجهة الاستعمار والصهيونية مواجهة صريحة.
ولا جدال في أن الصحافة كانت مرآة الفكر العربي وموضوعات الثقافة ومفاهيمها ومعارك الوحدة والتجزئة والشعوبية والتغريب كلها دارت على صفحاتها.
وبالجملة فقد كانت الصحافة العربية في هذه الفترة - ما بين الحربين - تمثل الرد على سؤال واحد: هو البحث عن أساس لبناء قاعدة الثقافة والاجماع والفكر والاقتصاد في الوطن العربي.
وكان للمرأة في الصحافة العربية دور واضح، فقد توالت كتابتها الوطنية وكتابتها في شئونها الخاصة،
стр. 302
وقد تصدت كثيرات منهن للمحاكمة ورفعن الصوت بالدعوة إلى حقوق المرأة السياسية.
وبعد: فهل يمكن أن يقال أن الصحافة العربية تستطيع أن تكزن مرجعا موثوقا بأحكامه لكتابة تاريخ الأمة العربية في هذه الفترة.
وهذا ما يجب أن ننظر اليه بكل تحفظ، وهو يتطلب منا دراسة أهداف كل صحيفة وهويتها أولا، ويتطلب مراجعة آراء بعضها على البعض الآخر والتزود بكثير من الحذر واليقظة في قبول آرائها - وأعتقد أن في هذا الاعتماد الكامل عل صحيفة معينة أو صحف معينة - طال عمرها وامتد - كثير من الخطأ.
هذا وبالله التوفيق ..