← Общие книги

Общие книги · id 148530

تاريخ الغزو الفكري والتعريب خلال مرحلة ما بين الحربين العالميتين

أنور الجندي

Полный текст (302 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

اليه من اقامة العلائق الانجليزية المصرية على أساس من التفاهم والتعاطف المتبادل". وكان معنى هذا أن التطور الذي يتطلع اليه الاستعمار هو تحوله عن هدفه في حماية اللغة أو التسامح مع الاستعمار في بث آرائه أو التخفف من العمل في مجال الحركة الوطنية ومعنى خطة اصلاح الأزهر من داخله انما تعنى الالتقاء مع الاستعمار الغربي بما يحقق اقامة العلاقات المصرية البريطانية على أساس من التفاهم ولما كان غير ذلك غير ممكن، فقد حرص الاستمار على خلق معاهد جديدة لتخريج معلمى اللغة العربية والقضاء، وفرق بين القيم المادية للمتخرجين من مدرسة القضاء الشرعى ودار العلوم وكلية الآداب وبين خريجى كلية اللغة العربية كلية الشريعة الأزهريتان. وكانت هذه محاولة لقصر الأزهريين على الامامة والخطابة في المساجد وبذلك شعر الأزهريون بأنهم أقل منزلة فاذا طالبوا بمساواتهم اتهموا بأنهم طلاب دنيا وليسوا أصحاب رسالة. وقد كان واضحا أن القس دنلوب عمد إلى ابعاد الأزهريين عن المدارس الأولية والابتدائية، وكان هذا جريا مع الخطة التي ترمى إلى اقصاء الدين المناهج الدراسية. وهكذا حقق الاستعمار: *خلق ثنائية التعليم: *عزل الأزهر وتجميده وخلق مدارس ومعاهد تتصل بالعلوم الحديثة. *التفرقة في القيم المادية بين خريجى الأزهر وخريجى المعاهد الأخرى. *اقصاء الإسلام عن المناهج الدراسية. وغلب على منهج الدراسة مذهب "ديوى" الذي يزدرى بالقيم والدين والروحية ويدعو إلى مناهج تتصل بالحياة الواقعية. وفي الوقت الذي كانت مناهج التعليم الرسمية في مصر تتبع مذهب ديوى في اقصاء الإسلام عن برامجه، كانت المعاهد الأجنبية على اختلاف أنواعها والتي يدرس فيها ٧٠% من المسلمين تدرس المسيحية بمذاهبها وثقافتها. ويمكن القول بأن هذه الخطة التغريبية التي اصطنعها الاستعمار مع الأزهر قد اصطنعت مع المعاهد التي تدرس اللغة العربية والإسلامية في مختلف أنحاء العالم الإسلامي كالزيتونة في تونس والقرويين في المغرب حيث عمد الاستعمار إلى خلق جامعات ومعاهد تدين له بالولاء وتسير وفق مذاهبه ويخضع لسلطانه وأن كانت هذه المعاهد لم تلبث أن تحولت شيئا ما عما أريد لها.

стр. 247

- ٤ - التعليم ركز الاستعمار في أكبر جانب من حملة التغريب على التعليم وركز الغزو الثقافي أساسا على محاولة تغيير مناهج التعليم في العالم العربي كوسيلة لدعم الاستعمار وبقائه يخلق جيل جديد من الشباب يصل إلى مقاعد الحكم يؤمن بصداقة الغرب، ولذلك عمد إلى تشكيله على نحو "مستغرب" قليل الصلة بالتراث العربي، بعيد عن مفاهيم الحرية والكرامة والقوة التي تبثها تعاليم الإسلام، منكرا لروابط الدين واللغة العربية والتاريخ العربي، معلق الطرف بأمجاد أوربا وعظمة حضارة الغرب، ساخرا مستخفا بأمجاد الإسلام، وقد ركز الاستعمار على تحقيق هذه الغاية في التعليم بوسائل متعددة: *انشاء مدارس الارساليات الأجنبية والطوائف الدينية المختلفة. *تجميد الجامعات الدينية الكبرى وخلق نظم دراسية مدنية مستقلة ومنفصلة عنها. *قصر التعليم على أبناء الأغنياء وحدهم الذين يدفعون المصروفات والغاء المجانية وحرمان الفقراء من التعليم نهائيا. *وضع برامج مغربة تهدف إلى تخريج موظفين فقط. *التوسع في انشاء الكتاتيب والحيلولة دون انشاء التعليم العالى. *القضاء على اللغة العربية بادخال لغة المحتل وجعلها اللغة الأساسية في مختلف علوم الدراسة. *الغاء تدريس الدين الإسلامي نهائيا. ودراسة فلسفات ترتبط بالأديان البائدة واليهودية والمسيحية. *تشويه التاريخ العربي بفض كتب بأقلام المستشرقين تقدم الإسلام على أنه دين السيف وترسم العرب صورة مزدراء. *التوسع في دراسة تاريخ الدولة الفرنسية والدولة الانجليزية وتاريخ أوربا وحروبها وأبطالها. وفي مصر كان خطأ محمد على أنه انفصل عن الأزهر وأنشأ تعليما مدنيا في حين أن جميع الجامعات الأوربية كانت جامعات دينية في أول الأمر ثم تحولت مدنية، بل أن الأمريكيين واليسوعيين حين أنشأ كل كليته في لبنان بدأت دينية لاهوتية محضة ثم تحولت مع الزمن إلى كلية عصرية. غير أن سيطرة النفوذ الفرنسي على محمد على قد مكن الخبراء الفرنسيين الذين يحملون لواء دعوة التغريب والغزو الثقافي من أن يفوضوا انشاء تعليم مدنى لخلق ثنائية التعليم التي تؤدى إلى تخريج طوائف مختلفة الثقافة مما يؤدى إلى البلبلة والصراع وقد حدث هذا فعلا. وفي تونس حيث توجد جامعة الزيتونة وفي المغرب حيث توجد جامعة القرويين وفي الجزار حيث توجد جامعة القيروان وكلها على نسق الأزهر حرص الاستعمار على تجميدها جميعا وانشاء أنظمة أخرى للتعليم لخلق هذه الثنائية أيضا وللقضاء على اللغة العربية. *** الاستعمار والتعليم حرصت الدولتان المستعمرتان (فرنسا وانجلترا) وتبعتهما ايطاليا في ليبيا - حرصت كل منهما على نشر ثقافتها ولغتها في الأقطار التي تحتلها باعتبار أن النفوذ الثقافي مقدمة للنفوذ السياسى.

стр. 248

وقد قامت مناهج التعليم والثقافة الاستعمارية على أساس تغليب لغة الدولة المستعمرة ومحاولة القضاء على اللغة العربية باعتبارها لغة غير أساسية أو بالاغضاء عنها أو تغليب اللغة العامية عليها. كما حرص على أن يوجه التعليم توجيها يقصد به تخريج الموظفين والعمال الذين تحتاج اليهم مصالح الحكومة. فضلا عن أن نظم التعليم ومناهجه كانت تعمل على تأكيد قيام قوميات ضيقة أساسها التجزئة وتعميق هذه الدعوات بما يؤدى إلى فصل القطر الواحد عن العالم العربي من الوجهة الثقافية مع القضاء على التاريخ القومى والتراث الروحى والأمجاد الإسلامية والعربية المرتبطة بالمعارك ومقاومة الأعداء المغيريين وكذلك حجب تراجم الأبطال والقادة والأعلام. وقد ارتبط هذا النظام بعقد معاهدات ثقافية تفرض فيها الدول الغربية على الدول العربية نظمها واتجاهاتها الهادفة إلى الاستعار التعليمى والثقافة وفرض استيراد أساتذة ومعلمين من البلاد المستعمرة يحملون أساليب التغريب، ومحاولة خلق روح الاعجاب بأدب وأمجاد وبطولات الدول المستعمرة وفرض تاريخ البلاد المستعمرة على الشباب العربي ومحاولة الايهام بوجود خلافات جذرية بين الدول العربية في الجنس والثقافة والموطن. ومن هذا ما حاولته فرنسا في سوريا ولبنان وتونس والجزائر ومراكش من الدعوة إلى حضارة البحر الأبيض المتوسط وربط هذه الأجزاء العربية بالثقافة اللاتينية. وفي المغرب: فرق الفرنسيون بين البربر والعرب وذلك بحرمان البربر من تعلم اللغة العربية وأحياء لهجاتهم القديمة بغية تمزيق الجبهة الوطنية. وقد ارتبط هذا بتقييد السفر والتنقل بين البلاد العربية بقيود ثقيلة والحيلولة دون انتشار الكتب المطبوعة في البلاد العربية وتشجيع اللهجات واللغات المحلية لبعض الطوائف "لتبعيد" البلاد العربية بعضها عن بعض على حد تعبير ساطع الحصرى. *** تجربة مصر وقد كانت تجربة مصر من أقسى هذه التجارب: ١ - حول التعليم بعد الاحتلال إلى اللغة الانجليزية تدريجيا ولم يكد يحول عام ١٩٠٠ حتى كان التعليم في جميع المدارس العالية والثانوية باللغة الانجليزية فتدهور التعليم وعجز الطلبة عن اجتياز حلقات الدراسة لرسوبهم مرتين وثلاثا وأوقف "دنلوب" تأسيس المدارس الا في حدود العدد الذي يكفى لتخريج الموظفين. والغيت مواد العلوم من المدارس مثل التاريخ الطبيعى. ٢ - ألغيت "المجانية" في جميع المدارس (بأنواعها الثلاث) وحرم أبناء الفقراء من دخولها، وأعلن يعقوب أرتين وكيل المعارف وعميل الاستعمار ويد دنلوب في التنفيذ "أن وجود المجانية في المدارس في مصر أمر غير عادل". وسجل كرومر هذا في تقريره سنة ١٩٠٠ فقال أنه في عام ١٨٧٩ كانت نسبة المجانية في الحكومة ٩٥% أما في السنة الماضية (١٨٩٩) فان نسبة الذين يدفعون مصروفات مدرسية كانت ٥/ ٩٨ في المائة وفي المدارس الثانوية ٨٦% وأنا واثق من أن هذه السياسة ستظل متبعة بثبات حتى تلغى طريقة التعليم المجانى كلية أو تكون في حكم ذلك. وسجل في تقريره ١٩٠٤ أن تلميذا واحدا فقط يتعلم الآن في المدارس بالمجان. *** الرد على مؤامرات الاستعمار في التعليم ٣ - استبعد التعليم دراسة التاريخ القومى. ووضعت المناهج بصورة عملت على هبوط مستوى التعليم الثانوى بحيث أصبح يعادل مستوى التعليم الابتدائى في فرنسا (من مذكرة ناظر مدرسة الحقوق المصرية الفرنسي). وبلغ جملة ما أنفق على التعليم خلال ٢٥ سنة من عهد الاحتلال ٢.٨٠٠.٠٠٠ جنيه من ميزانية بلغت ٢٥٨ مليون جنيه أى بنسبة واحد في المائة. وقد نقص عدد المدارس بعد الاحتلال بنسبة الربع، كما نقص عدد تلاميذ المدارس. كما جمد الاحتلال (التعليم الدينى) الذي كان قائما على الثقافة الدينية وتخريج طائفة من المعلمين والفقهاء في القرى بما في ذلك الأزهر الشريف.

стр. 249

وأوقف الاستعمار اعانة الكتاتيب الأهلية وكان عددها ٩٦٤٧ كتابا. كما حاصرت سلطات الاحتلال التعليم الثانوى والعالى فلم يكن بعد ١١ سنة من الاحتلال (١٨٩٣) سوى ثلاث مدارس ثانوية أميرية. وعمدت بريطانيا إلى عدم السماح للوطنيين بالانضمام إلى هيئة التدريس ومحاربة الأزهريين ومعلمى الدين واللغة منهم والحيلولة دون تسرب أبناء الفقراء إلى معاهد العلم حتى يظل التعليم قاصرا على أبناء الأغنياء الذين هم صنائع المستعمر أصلا والذين يدينون له بالثروة والحكم والبقاء، وذلك في سبيل اعداد جيل (مغرب) متفاهم، يلتقى بالاستعمار لقاء الصداقة لا الخصومة وهو الجيل الذي سيطر فعلا على الحكم في العالم العربي في الثلاتينات من هذا القرن. ٤ - صور اللورد كرومر منهجه في التعليم في تقرير عام ١٩٠٠ (المقتطف مايو ١٩٠٠) على انه وسيلة للاستخدام في وظائف الحكومة قال: ينظر كثيرون من الناشئة المصرية المتعلمة إلى الاستخدام في وظائف الحكومة كغاية لهم. المدارس التي أنشدها وأرغب في أن أراها هى التي تعلم فيها القراءة والكتابة والحساب باللغة العربية ويكون الغرض منها تعليم الصنائع. لابد لجعل التلامذة يقومون بجانب من نفقات تعليمهم. يسرنى أن أقول أن نظارة المعارف رأت مضار التعليم المجانى وحاولت تلافيها من سنوات. ففى ١٨٧٩ كان الذين يتعلمون مجانا لا اقل من ٩٥ في المائة من التلامذة الذي يتعلمون في مدارس الحكومة. في السنة الماضية كان عدد التلاميذ الذين يدفعون أجرة التعليم ٩٨.٥ في المائة في المدارس الابتدائية و ٨٦% في الثانوية وأرجو أن يستمر هذا الأمر حتى يبطل التعليم المجانى تماما. الذين يتعلمون لغات أجنبية ٥٩٤٥ منهم ٨٥ في المائة يتعلمون اللغة الانجليزية. لابد من تعلم من هؤلاء لغة أجنبية ذلك أنه ليس في العربية كتب للتعليم في بعض العلوم. أن اجتهاد الذين يهمهم أمر التعليم. يجب أن يكون مصروفا إلى ترقية التعليم الابتدائى بواسطة "الكتاتيب" الاحصاء الآخر دل على أن ٨٩.٥ في المائة من الذكور و ٩٩.٧% كم الاناث لا يعرفون القراءة والكتابة يبلغ عدد الكتاتيب في القطر المصري ١٩٤٠٤ أعانت الوزارة ٢٤٦ كتابا منها. وهكذا يكشف تقرير كرومر عن روح الاستعمار البريطانى في مصر من ناحية التعليم على نحو واضح الدلالة وهى: لانصراف من التعليم العالى إلى الكتاتيب. الغاء التعليم المجانى والقضاء على تعليم أبناء الفقراء. التعليم باللغة الانجليزية والقضاء على اللغة العربية. تخريج موظفين فقط. ٥ - أدى اهمال التعليم على أساس قاعدة "جهل الشعوب نافع للاستعمار وأنه بانتشار التعليم يصعب حكمهم" على حد تعبير أحمد شفيق في كتابه "مصر الحديثة ونفوذ الأجانب" إلى انحطاط مدرسة الهندسة والطب فقد وكل الأمر فيها إلى أساتذة من الانجليز "لم يكونوا يحملون شهادات تؤهلهم للعمل فيها حتى قل تلاميذ مدرسة الهندسة، فلم يكن فيها عام ١٨٩٤ سوى ١٧ طالبا وكذلك مدرسة الحقوق التي ضعف التعليم فيها بعد أن عزل كرومر المشرفين عليها من العلماء الفرنسيين وتولاها "رجال من الانجليز لم تكن لهم الكفاءة المطلوبة".

стр. 250

اللغة العربية حوربت "اللغة العربية" كجزء من خطة الققضاء على الوحدة العربية وقطع الصلة بين الماضى والحاضر، وقد أشار اللورد دوفرين في تقريره (١٨٨٢) إلى خطر اللغة العربية في التعليم في مصر. فقال "أن الأمل في نجاح تهذيب العامة في مصر لا يزال ضعيفا ما دام الصبيان لا يتعلمون اللغة بدلا من تعلمهم لغة القرآن الشريف كما يفعلون الآن، فان نسبة العامة إلى الفصحى في اللغة العربية هى كنسبة اللغة الايطالية الحديثة إلى اللغة اللاتينية القديمة". وقد كان هذا بدء حملة ضخمة على اللغة الفصحى فقد جرت تعليمات الاستعمار باغفال أمرها في المخاطبات ووضع التقارير وتأليف اللوائح والقوانين. وبدأت خطة ادخال اللغة الانجليزية في المدرسة الابتدائية وجعلت لسان التعلم في علمى الانشاء والجغرافيا ثم دخلت التعليم الثانوى وجعلت لسان التعليم في علوم الطبيعة والتاريخ والجغرافيا. ومما يذكر أن اللغة العربية كانت لغة التعليم في مدرسة الطب حتى أغارت عليها اللغة الانجليزية. وقد كانت حجة المستشرقين والمبشرين في الهجوم على اللغة العربية أنها لغة الخاصة وأنه لابد لنشر التعليم بين جميع طبقات الشعب من اللغة المحكية (العامية) وهى حجة واهية لم تجد لها مبررا وقد فشلت هذه الخطة وقضى عليها قضاءا تاما. وقد اضطهد دناوب مدرسى اللغة العربية في وزارة المعارف وكان هو ورجاله يزدرون لابسى العمائم ويعملون على النيل منهم. *** البعثات وكما عمدت بريطانيا إلى أيقاف البعثات ايقافا نهائيا فلما اذنت بعد ذلك بايفاد بعثات وجهت ٩٠ في المائة منها إلى بريطانيا. وقد أعلن تصريح في مجلس العموم البريطانى (٨ مارس ١٩٠٧) عن البعثات والتعلم جاء فيه "لقدمكثنا في مصر مدة ربع قرن وصلنا بالمصريين إلى الانحطاط في التعلم وكان لهم بعثة علمية ينتخبونها من نجباء طلبتهم، أما نحن فقد ألغينا هذه البعثة واستبدلاناها بلا شئ". وقد كانت البعثات ١٩١٧ لا يزيد عن ٢٥ طالبا يتلقون العلم في انجلترا ثم زادت سنة ١٩٢٠ أى ٣١ طالبا *** المدارس الأجنبية وقد حرص الاستعمار البريطانى على تعديد ألوان الثقافات لتمزيق جبهة الثقافة والفكر الإسلامي والقضاء على وحدته، فأذن لعشرات من الارساليات بانشاء المدارس وقد كانت هذه المدارس حرة في دراساتها وغير مشرف عليها، خاضعة لسطان الامتيازات الأجنبية، وكانت هى أوكار التبشير والعدوان على الإسلام واللغة العربية والقومية وكل مقوماتنا وأمجادنا. وقد استهوت هذه المدارس الطبقات الأرستقراطية على حد تعبير محمد العشماوى (يناير ١٩٣٩ - مجلة الحديث) بحسن قيامها على اللغة الأجنبية الأساسيةلها وقد كان نجاحها قائما على أنقاض اللغة العربية. وقد كان من الأعاجيب أن كتب التاريخ العربي والإسلامي قد وضعها مبشرون مليئة بالسموم والأكاذيب وأن قام أمثال الخواجة ميشيل والخواجة توما - على حد تعبير (الرسالة - ١٧ ديسمبر ١٩٤٥) على تدريس سيرة النبى وأبى بكر وعمر. وقد بلغ الأمر أن ذهب أبناء العرب إلى أوربا ليتعلموا "اللغة العربية" لغتهم، على المسيو مارسيه في باريس " كأنما باريس هى بادية البصرة وكأن مارسيه من فصحاء بنى عقيل أو كأنه

стр. 251

الأصمعى أو الخليل". هكذا جنت المدارس الأجنبية على اجيال متتالية خرجت منحرفة عن ايمانها بوطنها وتراثها وثقافتها وعقائدهها، حيث تلقوا دروسها على أجانب لا بصر لهم بعلوم العربية ولا علم لهم بمصادرها ولا قدرة لهم على فهمها". وكانت هذه المدارس هى أعلى مظاهر الاستعمار الثقافي. وقد شهد مستر (جب) المستشرق الانجليزى المعروف بهذا الخطر حين قال "فى أواخر القرن التاسع عشر نفذت الخطة إلى أبعد من ذلك بانهاء التعليم العلمانى تحت الاشراف الانجليزى في مصر والهند. ولعل نصيبنا من الحق في التهمة التي ترمى بها المدارس الأجنبية من أنها مفسدة لقومية التلاميذ. فقد ربت في التلاميذ خروجا على الأنظمة الاجتماعية" .. وقل سير (بانيكار) في كتابه مشكلات الدول الآسيوية والأفريقية "وأن هذه المؤسسات أصبحت موضع ريبة وشك، حتى الجامعة الأمريكية التي بقيت مدة طويلة تعتبر مركز النهضة القومية نالت قسطها من النقد من قبل الوطنية، ذلك أن القسم الأكبر من الجهود التربوية يقوم به مبشرون من رجال الدين، وكان من الطبيعى أن يسيطر جو دينى على الكليات مما يضفى عليها صبغة مسيحية وأن هذا له أثره في ازعاج الأكثرية وأنه لم يكن محاولة لتغليب اللغة ولكن لتغليب الدين أيضا وأن من معايب النظم التربوية الحديثة فقدان المثل الاجتماعية العليا والتوجيه السليم، ولم يكن من مصلحة الاستعمار أن تروج تربية حيوية تدعو إلى الانطلاق كان يراد التقليل من قيمة الثقافة الوطنية وتمجيد فضائل السيد الأجنبى وابراز أهداف التربية الاستعمارية واثارة الروح الانهزامية في نفوس المواطنين لتتمكن من التحكم بهم وبخبراتهم دون عناء كبير". وقال فولتين شيرول في كتابه أنه مهما يكن الأساس الذي نقيم عليه حكمنا على نظام التعليم الذي أعد لناشئه المصريين تحت الحكم البريطانى فانه لم يستهدف البته تحرير البلاد، ولا شك أنه أعظم اخناق لنا. فبعد انصرام ما يقرب من أربعة عقود من السنين ما تزال الأمية تعم ٩٢% من الذكور و ٩٩ في المائة من الاناث بين سكان القطر العربي وقالت الدكتورة علاء عز الدين (العالم العربي ص ١٧٠) أن التعليم في مصر كان متجافيا مع طبيعة الشعب وبيئته فكان تلقيته بلغة أجنبية وكان يتجه اتجاها نظريا صرفادون الالتفات إلى حاجات الشعب. وقال الدكتور حافظ عفيفى في كتابه "على هامش السياسة" أن كثرة المدارس الأجنبية قاومت كل حركة ترمى إلى مصيرها، كما أهملت اهمالا شنيعا أمر تعليم تلاميذها لغة البلاد وتاريخها وثقافتها واهتمت بتعليم لغة البلاد التي تنتمى اليها وحدها. *** المدارس الأجنبية كما حرص الاستعمار على انشاء معاهد وكليات انجليزية صرفه خصها بجانب كبير من عنايته واعتبر خريجيها هم الحكام الجدد في العالم العربي، في مقدمة هذه الكليات: كلية فكتوريا التي خرجت أمين عثمان والأمير عبد الاله وتاريخهما معروف وتكشف كلمة اللورد لويد في احتفال كليه فكتوريا السنوى بالاسكندرية ١٩٢٦ الصورة الكاملة لهذه الكلية وهدفها (المقتطف ص ٥٣٠ مايو ١٩٢٦) "قد يهمكم أن تعلموا أن أبناء الكلية السابقين ثمانية أجناس أو ٩ أجناس مختلفة، وأن من الطلبة الآن ٣٠ في المائة مصريون و ٢٠ في المائة سكسون. ومنهم يونان ويهود وايطاليون وأرمن وسوريون وأحباش وغيرهم .. كل هؤلاء لا يمضى عليهم وقت طويل حتى يتشبعوا "بوجهة النظر" البريطانية بفضل العشرة الوثيقة بين المعلمين والتلاميذ فيكونوا قادرين على أن يفهموا أساليبنا ويعطفوا علينا .. وأود كثيرا أن أشعر بأن كلية فيكتوريا تنجب نفرا من نخبة الموظفين والمعلمين والتجار. هذه الكلية تنمى فيهم الشعور الانجليزى ما يكون كافيا لجعلهم صلة للتفاهم بين الشرق والغرب وأن كل هذه المشاكل التي بين (بريطانيا ومصر) تحل اذا تعلم كل من الانجليز والمصريين أن بنظر إلى رأى الفريق الآخر نظرا مقرونا بالفهم والعطف". *** مفهوم التعليم ولا شك أن مناهج التعليم في ظل الاحتلال كانت خالية من كل ما يقوى الروح الوطنى أو يشجع التفكير الصحيح. وكان التعليم لا طابع له من القومية يدل على

стр. 252

أنه مستمد من روح الأمة ماضيها وعاداتها وتقاليدها - على حد تعبير محمد العشماوى- وهو صاحب خبرة طويلة في وزارة المعارف -يرى أنه برنامج متشعب المواد مهلهل الأطرافن خال من دراسة الفنون والآداب ولهما مع اللغة الوطنية أكبر الأثر في ايقاظ الروح القومية. وقد أجمع الباحثون على أن نظام التعليم كان عاجزا عن تجهيز الرجل والمرأة بما يجعلهما أكفاء لحمل عبء المسئولية الاجتماعية مما أدى إلى أزمة خطيرة في الأخلاق في بلادنا وتدهور القيم الاجتماعية والأخلاقية والسياسية في هذه البلاد وأن اهمال تعليم التاريخ يضعف الروح الوطنية والقومية في الصدور حيث يخرج الشاب وهو لا يعلم شيئا عن منشئه وأصله وحضارته.

стр. 253

الصراع بين التعليم الإنجليزى والفرنسي وقد عمد الانجليز إلى احلال لغتهم وثقافتهم محل اللغة الثقافة الفرنسية تدريجيا وخاصة في المعاهد والمدارس العليا التي كان الفرنسيون يسيطرون عليها مثل مدرسة الحقوق وأخرج الأساتذة الفرنسيون من الوظائف والمراكز المختلفة وأحتل الأساتذة الانجليز بدلا منهم وقد استبدلت اللغة الانجليزية في جميع المدارس باللغة الفرنسية واعتبرت اللغة الانجليزية لغة أصلية والفرنسية أضافية. وهاجم كرومر أسلوب التعليم الفرنسي وقال أن أساتذة مدرسة (الحقوق) لا يلامون على ما يرى في التلاميذ من قلة ما يميزهم بعضهم عن بعض لأنه ليس في أسلوب التعليم الفرنسي ما يدعو إلى هذا الامتياز ودعا إلى أفضلية الأسلوب الانجليزى لأنه يجعل التليمذ يعتمد على نفسه. وقد حاولت جبهة الثقافة الفرنسية في مصر أن تدافع عن التعليم باللغة الفرنسية، وبررت ذلك بأن اللغة الفرنسية هى لغة التجارة والجمعيات العلمية والصالونات والسهرات والتداول بين الأجانب أنفسهم، وهى لذلك أوسع انتشارا في هذه البلاد من اللغة الانجليزية وأن جميع الشركات بلا استثناء تستعمل اللغة الفرنسية، حتى الشركات الانجليزية في مصر فمن كتب خطابا باللغة العربية إلى بنك الأنجلو أو إلى غيره يأتيه الرد بالفرنسية لا بالانجليزية ولا بالعربية أما صحافتهم في مصر فلا تطبع بالانجليزية الا جريدتان هم (الايجيبشيان غازيت) والايجيبشيان ميل والأولى لا يقرأها الا الانجليز، وفي مصر خمس جرائد فرنسية مهمة غير المجلات وهى اللبمتية -الريفورم -الجنرال دى كير -البورص -ألايكو. ثم أن الحركة العلمية في مصر تجرى كلها باللغة الفرنسية فمعظم المحاضرات التي تلقى في الجمعية الملكية للاقتصاد والاحصاء والتشريع تلقى باللغة الفرنسية، والجامعة المصرية يلقى فيها بعض محاضرات بالفرنسية ولا يلقى فيها شئ باللغة الانجليزية (الأهرام ١١ / أكتوبر عام ١٩٢٣). وبينما كانت انجلتر تحارب الثقافة الفرنسية كان القصر والحكام الأتراك يؤيدون الثقافة الفرنسية، المعروف أن صراع اللغتين الفرنسية والانجليزية في مصر انما كان على حساب اللغة العربية. *** بعد الاستقلال عندما صدر تصريح ٢٨ فبراير ١٩٢٢ كان ذلك ايذانا بانتهاء السيطرة البريطانية على مختلف الشئون وبدأ عهد جديد هو عهد الاستقلال، وقد تركت بريطانيا ظاهريا سيطرتها على التعليم وتخلى المستشارون الانجليز عن مناصبهم ولكن هل انتهى نفوذهم بـ لقد كان الأمر كله مجرب اختفاء من فوق المسرح السياسى واخراج المسرحية من وراء الكواليس، فهم قد اختفوا فعلا خلف المصريين من عملائهم وبقى نفوذ دنلوب في وزارة المعارف قائما واستمرت الخطة التعليمية كما هى تستهد تخريج موظفين فقط وظل القائمون بأمر التعليم في وزارة المعارف ممن رباهم دنلوب هم أصحاب الرأى الأعلى. وجد فريق جديد من المؤمنين بمذهب "ديوى" الذي ينص صراحة على أقصاء الدين من المناهج الدراسية وقد ظهر دعاة لأسلوب التربية الانجليز أمثال عطية الابراشى صاحب مقالات التعليم في انجلترا -الأهرام، مارس ١٩٣١) والدكتور مأمون عبد السلام (التعليم في لندن -الأهرام فبراير ١٩٢٣) وحافظ عفيفى صاحب كتاب الانجليز في بلادهم. *** معركة المقاومة وقد قاوم الفكر الإسلامي اتجاه التعليم كما رسمه الاستعمار منذ اليوم الأول ولم يستسلم له أو يقبله، وظل يصارع الانحراف التغريبى ممثلا في كرومر ودنلوب وسعد زغلول وغيرهم في معركة طويلة ممتدة.

стр. 254

وقد كانت مدرسة الحقوق أكبر مركز مقاومة ضد الاستعمار الانجليزى حيث تحولت إلى خلية من خلايا الوطن المصرى، لم تعدم مصر أمثال أحمد حشمت وزيرا للمعارف يقاوم الانجليز ويصطدم بالاحتلال اصطداما شديدا، وكان بينه وبين كتشنر ودنلوب معارك متعددة في هذا الصدد، وعندما تولى نظارة المعارف ١٩١٢ أعاد قلم الترجمة لتعريب الكتب واخذ في احياء أدب اللغة العربية وطبع الكتب العربية النادرة وبحث مشروعا لانشاء مجمع علمى أو أكاديمية لاحياء الآداب العربية يكون الغرض منها اصلاح اللغة العربية. وقد أدخل علم الصحة في المدارس وأنشأ روضة الأطفال ومدارس التدبير المنزلى وفتح باب التأليف والترجمة للكتاب والمؤلفين. وقد انزعج الاحتلال لهذه الخطوات وأسرع بنقله إلى وزارة الأوقاف لتجميد نشاطه وقد كان حشمت صورة مضادة لسعد زغلول. وقد تركزت هذه المقاومة في ١ - معركة اللغة العربية ٢ - معركة تعليم الدين ٣ - تعليم الفقراء والمجانية. *** ١ - اللغة العربية وقد بدأت هذه المعركة عام ١٩٠٦ وكان اول من طالب باصلاح التعليم على يوسف صاحب المؤيد حيث قدم اقتراحا في الجمعية العمومية بطلب عرض لوائح التعليم على الجمعية قبل اقرارها. واقترحت الجمعية العمومية على الحكومة ١٩٠٧ أن تجعل تعليم العلوم في مدارسها باللغة العربية أن تكون العربية قاعدة التدريس كما كانت قبل الاحتلال، ونص الاقتراح على "تعليم العلوم في مدارس الحكومة باللغة العربية مع ايجاد الوسائل الفعالة لايجاد الكتب العربية الصالحة في كل علم وفن. وقد عارض سعد زغلول الاقتراح (وكان وزير المعارف الذي رشحه كرومر) فأظهر رغبته الشخصية في احياء لغة البلاد لولا ما يراه من العثرات في سبيل هذه الأمنية فهو يرى "أن الحكومة لم تقرر التعليم باللغة الأجنبية الا ليتقوى التلاميذ فيها وعليهم الاستفادة من المدنية الأوربية ويفيدوا بلادهم ويقووا على الدخول مع الأجانب في معترك الحياة". الى أن قال: واذا فرضنا أنه يمكننا أن نجعل التعليم من الآن باللغة العربية وشرعنا فيه فعلا، فاننا نكون قد أسأنا إلى بلادنا والى أنفسنا اساءة كبرى، لأنه لا يمكن للذين يتعلمون على هذا النحو أن يوظفوا في الجمارك أو البوسطة أو المحاكم العديدة التابعة للحكومة ويقتضى نظامها وجود موظفين يعرفون اللغة الأجنبية جيد المعرفة ولا أن يستخدموا في بنك أو مصرف أو يشتركوا في شركة من الشركات التي كثر تأسيسها في البلاد ولا أن يكونوا محامين أمام المحاكم المختلطة ولا مترجمين ولا غير ذلك مما يحتاج إلى براعة في لغة أجنبية، واذا قطعنا النظر عن ذلك كله وأردنا أن نشرع اليوم في التعليم باللغة العربية اعترضنا صعوبات مادية هى قلة المعلمين الأكفاء الذين يمكنهم تعليم هذه الفنون باللغة العربية". ثم ناشد الأعضاء "ألا يندفعوا في هذه المسألة وراء احساسهم" اذ لا فائدة من طلب تعلمون من الآن أنه لا يقابل بغير الرفض لاستحالة تنفيذه (الهلال -ابريل ١٩٠٧). وقد بين المقاومون للتيار الاستعمارى التغريبى ومن بينهم جرجى زيدان نتائج التدريس باللغة العربية واللغة الأجنبية وكيف أن التعليم باللغة الاجنبية يؤدى إلى ١ - الضعف في اللغة العربية وآدابها ٢ - ضياع الجنسية العربية ٣ - انحصار العلم والتهذيب في الطبقة العليا وبقاء العامة على جهلهم. *** ٢ - اللغة والجنس وقد جرت مساجلات متعددة حول اللغة العربية وقال خصومها: ماذا على المصريين لو استبدلوا لغتهم بالانجليزية مثلا كما حدث في الولايات المتحدة. فيمكن أن تذهب اللغة العربية وتبقى الأمة المصرية متحدة بالجامعة الوطنية وكانت هذه احدى دعوات التغريب. وقد رد عليها جرجى زيدان (الهلال -أبريل عام ١٩٠٧) فقال أن الانسان ضنين بجنسيته حريص على قوميته مهما يكن شأنها من الضعف حتى الأمم الهمجية فكيف بالعرب وتاريخهم مجيد يوجب الفخر لن ينتسب اليه من أصحابه وذهاب اللغة ذهاب الجنسية فبقاء الأمة المصرية ولغتها انجليزية مثلا لا يضر أعقابها من أجيال عديدة اذ ينسون جنسيتهم القديمة ولا يعرفو الا الجنسية الجديدة.

стр. 255

وليس هناك وجه للمقارنة بينها وبين لغة الهنود الحمر الذين يتخذون الانجليزية. أما اللغة العربية فأنها لغة تمدن وعلم ودين وهى من أرقى لغات الأرض فضلا عن ارتباطها بالدين الإسلامي. *** ٣ - اللغة وتدريس العلوم وأثيرت مشكلة اللغة وتدريس العلوم بها (مايو عام ١٩٢٠) وكانت الصحف منبرا لمعركة حامية حولها. وقد أبدى دعاة التغريب وحماة الغزو الثقافي اعتراضا على صلاحية اللغة العربية لتدريس العلوم في الجامعة منها: - قصور اللغة عن الوفاء عما تحتاجه علوم الطب من الألفاظ والاصطلاحات. - المشقة في ترجمة الكتب العربية ونشرها. - صعوبة تحويل المدرسين الانجليز من مدرسين باللغة الانجليزية إلى مدرسين باللغة العربية - ما ينشأ عن التعليم باللغة العربية من انقطاع الصلة بين الطبيب وبين علوم الطب بعد تخرجه. - تعذر الدراسة على الطبيب في المستقبل إذا أراد التوسعة في معلوماته ونيل درجات عالية من الخارج. وقد فند الدكتور أحمد عيسى كل هذه الاعتراضات وابان عظمة "اتساع اللغة العربية" وكثرة ألفاظها وتعدد معانيها تعددا لا يدانيها فيه سوى اليونانية وقال "أن لغة يبلغ ما أمكن حصره من كلامها مائة الغ مادة لا يمكن وصفها بالعى والقصور". وقال أن اللغة العربية هى لغة الفصاحة. هى لغة البلاغة يتسع المجال فيها للكاتب من اطناب وإيجاز وتصريح وتلميح وكناية واستعارة ولا يعجز الكاتب عن التعبير بها أرق المعانى وتصويرها حتى يخيل اليه اتها مصورة امامه تلمس باليد (الأهرام - ٤ مايو ١٩٢٠). وقد عرض كثيرون لتأييد هذا الرأى: محمد شافعى اللبان (١٤ مايو ١٩٢٠ الأهرام) والدكتور هيكل في افتتاحية الأهرام ١٠ مايو ١٩٢٠ حيث نعى على ما يؤلف من الكتب باللغة الانجليزية أو أي: لغة اجنبية وبين أن ما يكتب باللغة العربية يكون في متناول الجميع قراءته وفهم معلومه، وقال أن أهم ملاحظة تكثف عن الضرر الفاحش الذي يجيء بسبب التعليم بلغة أجنبيه هو عدم التفاهم بين طائفة المعلمين وباقى الطوائف تفاهما تاما. وقد ظلت معركة اللغة العربية في تعليم العلوم قائمة، وظل الاستعمار ممثلا في أعوانه وأتباعه في الجامعة حريصا على ان لا يتحقق التعليم باللغة العربية في مصر في حين استطاعت سورية أن تحقق ذلك. ومما يتصل بذلك ما طالب به زكى مبارك من ادخال اللغة العربية إلى الأقسام الثانوية في المدارس الأجنبية: وقال أن الطلاب معرضون لأصعب الأخطار في الوجهة العمومية أن لم يحرسوا حراسة من طغيان الدعايات المذهبية ولا يعصمهم من تلك الدعايات الا تذويدهم باللغة العربية. ودراسة تاريخ مصر دراسة عميقة تصل بهم إلى الثقة بأنهم نشأو في وطن له ماض في خدمة العلوم والآداب والفنون. وملاحظة زكى مبارك لها وزنات لأنها جاءت نتيجة خبرته أيام كان مفتشا لوزارة المعارف بالمدارس الأجنبية. *** ٥ - تعليم الدين ولقد حرص الكثيرون على مقاومة أقصاء الدين عن مناهج التعليم وكان في مقدمتهم الشيخ محمود أبو العيون الذي لم يترك مناسبة دون أن يثير هذه الرغبة وقد وجهها إلى كل وزير للمعارف (أننا نريد أن يكون تعليم الدين في المدارس مادة أساسية كباقى المواد التي ينجح فيها الطلاب أو يرسب. ونريد أن يكون التعليم للعبادات والعقائد وسير أبطال الإسلام والائمة المعروفين (خطابه إلى وزير المعارف ٦/ ١٠/١٩٣٠) وكان قد تقدم به لأول مرة عام ١٩٢٣ ثم عام ١٩٢٥. وقد أشار عبد الصبور مرزوق في كتابه فوضى التعليم في مصر إلى ان الانجليز علموا مدى خطر التربية الدينية على وجودهم حين (أوحوا إلى عصبة مجرمة من خونة المصريين فأنزلوا بهم المحن) وأشار إلى قول جاروفالو المربى الايطالى: أنه لمقاومة الاجرام يجب رفع مستوى الاحساس الخلفى بالتعليم الصحيح

стр. 256

القائم على أساس دينى. لأن أسباب الجريمة وموطنها الأساسى هو ضعف التكوين الأخلاقى لا العوامل الاقتصادية أو الأحوال الاجتماعية. *** ٦ - تعليم الفقراء والمجانية وقد كانت هذه معركة ضخمة من معارك المقاومة فقد حرص الاستعمار على وضع قاعدة تعليمية أساسية هى "عدم تعليم أبناء الفقراء والفلاحين حتى لا يتركوا طبقتهم" وقد دافع لطفى السيد عن هذا الرأى في "الجريدة" وكان التعليم قبل الاحتلال مجانيا. وقد امتد هذا الاتجاه بعد الاستقلال. وقد كانت الاعتراضات دائما بأن تعميم التعليم الالزامى تحول دونه الميزانيات التي لا تكفى، وقد امتد هذا إلى عام ١٩٣٩ (الدكتور هيكل - تعميم التعليم الالزامى يقتضى مبالغ طائلة) وقد دارت مساجلات متعددة حول اتجاهين في التعليم: (الأول) يرى ضرورة قصر التعليم على الصفوة بغية أعداد القادة الذين يستطيعون أن يتولوا اصلاح البلاد والأخذ بيدها. (الثاني) يرى أن التعليم حق من حقوق الشعب على الدولة أن تيسره للناس جميعا. أما تحسينه والرقى به فسيأتى مع الزمن. ثم ظهرت نظريتان أخريان: هما ١ - محو الأمية ٢ - تعليم الأمة، وأسهبت الصحف في بحث النظريتين: (الأهرام ٢٠/ ٤/١٩٢٥) (فالرأى القائل بنظرية محو الأمية يرى أن يكون تعليم الطفل المصري والطفلة المصرية اجباريا من سن السابعة إلى العاشرة والفريق القائل بنظرية تعليم الأمة يرى أن يكون تعليم الطفل المصري والطفلة المصرية من سن السابعة إلى الرابعة عشرة ما حولها. أما ازالة الأمية فهى ايصال الطفل إلى فك الخط) أما نظرية تعليم الأمة فهى أوسع من ذلك بكثير. وقد كانت الصيحات تتعالى بالدعوة إلى "الاستعانة بالبرامج الغربية واستقدام خبراء أجانب من التربويين الأوربيين والأمريكيين" دون تقدير مدى أهمية حاجتنا المحلية القومية أولا ودون نظر إلى مدى ما يحمل هؤلاء الخبراء من آراء منحرفة وتغريبيه او ان يكونوا من دعاة الغزو الثقافي. وقد كان للسياسة والاستعمار اثرهما في أن يوصف التعليم الأولى (الأهرام - ٥/ ١١/١٩٣٥) بأن الوزارة أخرجته عن طوره وجعلته غالى الثمن باهظ الحمل بحيث لا يقوى عليه الا أوساط الناس ومن فوقهم، أما الفقراء وهم الذين أنشئ لهم هذا التعليم فقد حيل بينهم وبينه وقد امتلأت سجلات الوزارة بمظاهر نفوذ الأهليين من نظام التعليم الالزامى وعدم مطابقته لعاداتهم وتقاليدهم) وحملت الكاتبة "مى" على التعليم الاجبارى، بحجة أنه مؤد للبطالة وأفقار الريف وازدحام المدن (١٨/ ٢/٢٤) - دون تحويل الفلاحين الذين يعملون في الحقول إلى افندية وعارض زكى المهندس وإسماعيل القبانى فتح أبواب التعليم الثانوى لكل من أراد: وقال إسماعيل القبانى: أنه ينبغى ألا يدخل المدارس الثانوية الا لمن لديهم استعداد خاص يؤهلم لها. وعارض رياض شمس (٢/ ٢/١٩٢٩ - الأهرام) التعليم الاجبارى وقال أنه خطير "لأننا اذا عممنا التعليم بين سائر طبقات الشعب فسيكون لدينا بعد سنين معدودة بضعة ملايين من الفلاحين ومعنى هذا أن بلدنا سيكون مسرحا لثورة اجتماعية" وطالبت الأهرام (محمد زكى عبد القادر) بأن يحصر نطاق التعليم العالم في أضيق نطاق ممكن (١ يولية / ١٩٠٩) ولا يبقى الا نوع واحد من المجانية هى مجانية التفوق والنبوغ وأن فكرة مساعدة الفقراء عن طريق المجانية هى فكرة غامضة وليس لها غرض مجدد فانه لا يمكن القول بأنها تساعد على نشر العلم. وهاجمت احسان أحمد (الأهرام ٨/ ١٦/١٩٢٩) تقرير الخبير كلا باريد الذي استقدمته وزارة المعارف لنظر تعديل المناهج تعليمهم حسب حاجتهم وظروفهم. وكانت أكبر حملة على تعليم أيتام الفقراء، وهى حملة عمر طوسون (٢٣"١٢/ ٣٢) فقد دعا إلى (الغاء

стр. 257

المجانية بتاتا من التعليم الابتدائى والثانوى. وان يقتصر على التعليم الأولى. وبعد التعليم الأولى يترك التلميذ ليحترف حرفة أبيه أو أي: حرفه تناسب بيئته ودرجة تعلمه). كما وقف عدد من النواب في مجلس الشعب فحملوا على المجانية وفي مقدمة هؤلاء: محمود زكى. وسراج الدين شاهين. وقد اعلنا أنه يكفى أن يتعلم أبناء الفقراء تعليما الزاميا. وقال الأهرام (٢٧/ ١٢/١٩٣٢) أن محمود زكى شن غارة على المجانية وأشار على وزارة المعارف أن تعمل على الاقلال منها. وقد هاجم هذا الاتجاه كثيرون من بينهم عمر الدسوقى وكان أبلغ رد على عمر طوسون والأستقراطية الاقطاعية الاستعمارية في عهد صدقى هو دفاع الشيخ صادق إبراهيم عرجون من علماء الأزهر (١٩/ ١/٣٣ - الأهرام) تحت عنوان "الأرستقراطية عقبة فاحذروها" .. وقد هاجم فيه هذا الاتجاه ضد تعليم اولاد الفقراء (فاننا رأيناهم يجمعون على حرمان هؤلاء المساكين الذين لا ذنب لهم الا أنهم أبناء الفقراء من التعليم العالي. على أن يعلموا تعليما أوليا فقط. ثم قال: ماذا يكون الحال اذا اندفعت الأمة في هذا التيار وأصبح متعلموها وقادة الرأى فيها من طبقة أبناء الأغنياء .. الا تسودها الأستقراطية الطاغية فتكمم انفاسها وتعيدها سيرتها الأولى من الخضوع إلى الفردية والاستبعاد للحكام وتقديسهم أعمى. ذلك الخلق الفاسد الذي جهد المستعمرون طوال حياتهم بيننا في غرسه وتعهده والذى جاهدت الأمة في الخلاص منه، هل من استعداد ابناء الأغنياء وهم على ما نعلم من التربية المدللة والرفاهية المفرطة أن يقوموا بحاجات الأمة في المستقبل في خلق رجال سيضربون في الحياة والمخاطر له. لقد حدثنا التاريخ عن العبقرية في أجواء الأكواخ الحقيرة .. وأن كثرة العلماء والعباقرة من الفقراء. ان الأمة المصرية نسبة التعليم فيها ضئيلة جدا بل هى مخجلة حقا. وأن هذه الأعوام التي طأطأت منها الاستعمار الأجنبى هامتها لم تكن الا نتيجة الجهل. لنفرض أن الأمة استجابت إلى هذه الدعوة الخطيرة واصبح معظمها يحترف هذه الحرف. فماذا يكون مصير الحال. بلا ريب مصيره ارتفاع صوت هذه الأقلية المتحكمة المسيطرة تصرفه في ملاذها وشهواتها أو في جيوب الأجانب المتعلمين لأنهم عرفوا طرق تصريف المال في وجهه العظيمة النافعة. عالجوا الأزمة ولكن لا تحرموا عصب الأمة العلم فهو الذي سيفنيها وينقذها من أزمتها ويعيد اليها حريتها ٧ - وطالب عباس عمار بالعناية بالناحية القومية في التعليم (الأهرام ٣٠/ ١٢/١٩٣٤) فقال: علموا الطلبة تاريخهم في تفصيل لنواحى عظمته وتحليل لما فيه من فخر وجلال. علموهم روح المدنية المصرية القديمة وأروهم فضل مصر على الفن والعلم والأدب، وأن تكون موضوعات المطالعة مصرية تدور حول مدنيتنا ويئتنا والشعر الذي نحفظه ينبغى أن يتغنى بماضينا ويلهب حماستنا والقصص التي تقص علينا يجب ان تقتبس من تاريخنا وعقائدنا وخرافاتنا. ياقوم عار ان يقف متخرج في كلية الحقوق يوشح نفسه للسلك السياسى فيقول أن قناة السويس حد بيننا وبين الشام. *** تجربة المغرب عرضنا لتجربة العزو الثقافي الانجليزى في مصر أما الغزو الثقافي الفرنسي في المغرب فقد كان أشد قسوة. (١) فرضت اللغة الفرنسية باعتبارها اللغة الوحيدة في الثقافة والتعليم. (٢) عمدت إلى التقصير (اقامة المسيحية محل الإسلام) ثم إلى الفرنسية (احلال اللغة الفرنسية محل اللغة العربية). وقذفت المغرب بأقطاره المختلفة بالارساليات التبشيرية. (٣) اهمال اللغة العربية اهمالا كليا ثم مكافحة فعالة وتقويض دعائم المؤسسات التقليدية الدينية باستنضاب موادرها. (٤) اذاعة دعاوى باطلة بين البربر تزعم بأنهم لم يكونوا مسلمين تماما وذلك في محاولة لعزلهم عن العرب واستمالتهم لفرنسا (٥) منعت فرنسا التكلم بغير اللهجات البربرية أو اللغة الفرنسية.

стр. 258

(٦) حظرت على الفقراء ومعلمى اللغة الفرنسية الانتقال إلى مناطق البربر وتعليم القرآن بها. وقد أشار (م لوكينز) إلى هذه السياسة فقال "ان سياسة الحماية تجلت في ميدان التعليم في شكل حرب منظمة ضد الثقافة الوطنية وفي شكل تنظيم تعليم عصرى يرمى قبل كل شئ إلى تكوين موظفين فرنسيين في الميدانين الادارى والفنى وأعوان مغاربة ثانويين". وقد أشار ساطع الحصرى إلى هذه الخطة (الرسالة م ٤ ص ٢٥١) فقال "ذهبوا إلى انه يجب أن يرافق الفتح السياسى فتح معنوى بحيث يتقرب اهالى المستعمرات من المستعمرين وان يندمجوا فيهم اندماجا وذلك ينشر لغة المستعمر وتعليم اهالى المستعمرات تعليما ينشئ في نفوسهم حب المستعمر. وقد جعل الفرنسيون اللغة الفرنسية محورا لكل درس في مناهجهم مع مادة ترمى إلى تحبيب الأهلين في الفرنسيين وما يترتب على أهل الجزائر نحو فرنسا مقابل الحماية التي تسديها اليهم والعدل الذي أدخلته إلى بلادهم ونعمة التعلم والحضارة. وقال ساطع الحصرى أن هذه السياسة لم تنجح وأتت بالنقيض ولذلك تحولوا منها إلى التعليم بغير تثقيف" على نحو ضيق جدا يجعلهم آلات صماء في أيدى الاستعمار دون أن يدخل التعليم أي: عنصر من عناصر الثقافة العامة. وقد أشار علال الفاسى (المغرب) إلى ذلك فقال: ان سياسة التعليم التي فرضها الاستعمار الفرنسي كانت تهدف إلى محاربة اللغة العربية والاستضافة عنها باللغة الفرنسية. وقد سلطت الحماية حربها على المنظمات الثقافية المغربية فأقفلت عددا كبيرا، وصبت عدائها المستمر على (جامعة القرويين - والمغرب) وفروعها في مراكش ومكناس والرباط وطنجة ووجده. وعقم التعليم الرسمى وضعفت نسبته، واصبحت نسبة التعلم في عهد الاستعمار الفرنسي: ٥/ ٢ في المائة (تونس) ٢ في المائة (الجزائر) ٣٥/ في المائة مراكش هذا بالاضافة إلى نشر الدعايات التبشيرية والمحاولات لنشر المسيحية ونشر أساليب ملتوية لاستدراج المثقفين إلى المسيحية فضلا عن الاضطهاد الدينى في المساجد والمعابد والأوقاف الإسلامية. وجاء في تقرير رسمى فرنسي (ساطع الحصرى ص ٤٧١ حولية التعليم جـ ٢) أن ايالة (الجزائر) لن تصبح مملكة فرنسية الا عندما تصبح لغتنا (الفرنسية) هناك قومية. والعمل الجبار الذي يترتب علينا انجازه هو السعى وراء نشر الثقافة الفرنسية بين الأهالى بالتدريج إلى ان تقوم مقام اللغة العربية الدارجة بينهم الآن. وفي تونس: أنشأ الفرنسيون (١٨٨٣) مدارس ابتدائية فرنسية للأوربيين والعرب ليس بها لغة عربية وذلك لمحاولة تنشئة الأطفال تنشئة فرنسية صرفة). وقد قاوم الشعب العربي في تونس والجزائر والمغرب هذا التيار وأسس مدارس حره من ماله الخاص .. غير أن السلطات الفرنسية قاومت هذه المدارس ولم تسمح الا بعدد ضئيل منها، ولعل أعظم عمل تم في هذا المجال هو ما قام به العلامة الشهيد: عبد الحميد بن باديس وزميليه في الكفاح "البشير الإبراهيمى" والطيب العقبى في الجزائر حيث أسسوا ثلاثمائة مدرسة في المساجد لحماية اللغة العربية. وجملة القول أن العرب استطاعوا في ميدان التعليم أن يواجهوا حملة لاتحدى بحملة رد الفعل، وأن جميع البرامج التي وضعت لصبغ العرب باللون الفرنسي أو الانجليزى قد فشلت، حتى أولئك الذين تلقوا الدراسات في فرنسا وبريطانيا عاد منهم كثيرون وقد تحرروا من سلطان التغريب وعملوا على خلق فكر عربي حر قائم على الأسس العربية والإسلامية والأمجاد والقيم العربية الأصلية وتحطمت نظرية الغرب في القضاء على الشخصية العربية وأن استطاعوا تمييعها إلى حد ما. وقد مضت الشخصية العربية تقاوم وتعمل في سبيل التماسك. *** نقص المناهج التعليمية وبالجملة فان ما أبعده الاستعمار من المناهج التعليمية هو: الدين والتاريخ واللغة العربية وكانت نظرية "ديوى " هى أساس المناهج ونقطة الالتقاء مع التغريب. *** نظرية ديوى أبرز مظاهر مذهب ديوى في التربية هو ابعاد الدين عن مجال التربية وكان هدفه هو ابعاد المسيحية عن برامج التعلم الغربى، وقد قصف الاستعمار إلى فرض

стр. 259

هذا المذهب في دراسات مدارس المعلمين العليا التي كانت مجال تخريج رجال التربية في مصر، ورأى في هذا عوضا عن الاشراف البريطانى على التعليم الذي كان يقوم به دنلوب حتى عام ١٩٢٢ وكانت نظرية ديوى عماد المنهج التربوى بعد ذلك، وكان إسماعيل القبسانى هو عماد هذه الدعوة وحامل لوائها بانشاء معهد التربية وليس ادل على اضطراب نظرية ديوى من انها هوجمت في امريكا نفسها ورميت بأنها (مجردة من العناصر الصالحة لتنشيط الحياة الفكرية). وقد ظل لاتباع نظرية ديوى سيطرتهم الكاملة على انظمة التربية والتعليم في خلال الفترة التي نؤرخها وبذلك استطاعت ان تبعد الإسلام عن مجال التربية والتعليم مع حملات مستمرة على أساليب التعليم الأزهرية وابعاد خريجيه عن مجالات التربية بحجة أطلق عليها "النقص في مستوى الكفاية الفنية للتعليم" وذلك جريا مع الهدف التغريبى الواضح. كما حرصت هذه المناهج على حجب الدراسات الوطنية التاريخية التي تعمل على بث امجاد الأمة وعظمة الشخصية العربية في نفوس الطلاب. وقد حلت البرامج في المدارس والمعاهد العربية في عهد الاستعمار البريطانى والفرنسي في مرحلتيه: مرحلة الحماية ومرحلة الاستقلال الذاتى من: ١ - الثقافة الإسلامية والتاريخ الإسلامي ٢ - القرآن والدين الإسلامي. ٣ - أصول اللغة العربية وفلسفتها. فى حين زيدت برامج اللغة الانجليزية أوالفرنسية على نحو مساو للغة العربية، وغلب في التاريخ دراسة التاريخ الاقليمى الذي يدعو إلى خلق روح لانفصالية والتجزئة وتغليب تاريخ أوربا والشعوب الأوربية على نحو يصور الاستعمار بصورة العظمة والجلال. وفي الجزء القليل من تاريخ الوطن العربي والتاريخ الإسلامي كانت المناهج تخلو خلوا كاملا من الأمجاد والبطولات وتاريخ الابرار المجاهدين. وفي خلال هذا التاريخ كانت هناك تزويرات وسموم يراد بها رسم صورة مشوهة لتاريخ الإسلام تبدو معه الأمة العربية في صورة التفكك والصراع بين الحكام وابراز جوانب المؤامرات والخصومات وعوامل الصراع التي يراد بها القضاء على صورة الوحدة والقوة والتطور: وبالجملة فقد أقصى عن برامج التعليم في المدارس والكليات العليا جانب الثقافة العربية الإسلامية. وقد حدث هذا في التعليم المدى بينما ضعف التعليم في الأزهر والمعاهد الدينية والعربية وعزل خريجيه تقريبا عن التريبة والحياة الفكرية. *** اللغة العربية في الجامعة جرت معارك متعددة منذ ١٩٢٠ حول التعليم باللغة العربية في الجامعات. كان أولاها بشأن التعليم بالعربية في كلية الطب. وعارض في ذلك على إبراهيم ونجيب محفوظ وعبد المجيد محمود وأمين عبد الرحمن وإبراهيم شوقى وقدموا تقريرا نشرته الأهرام في ١/ ٧/١٩٢٢ يعلنون فيه صعوبة ذلك ونتائجه السيئة. بينما اجمع الأساتذة "على أن اللغة العربية تصلح للتعليم وتسع جميع الاصطلاحات الفنية، ومن اجل ايجاد كتب طبية عربية، على المدرسين أن يبداوا بتدريس الفروع الموكولة اليهم باللغة العربية كمقدمة لظهور كتب عربية طبية في جميع الفروع". وهاجم الدكتور هيكل "الضرر الفاحش والخطر العظيم بسبب التعليم بلغة أجنبية وقال: أنه لو أن اللغة العربية هى التي حلت محل اللغة الفرنسية في تدريس الحقوق لكانت النتيجة الطبيعية أن تظهر بدل هذه المؤلفات الانجليزية مؤلفات غربية تعادلها (١٠/ ٥/١٩٢٠). ودعا محمد الشافعى اللبان إلى التدريس باللغة العربية في مدرسة الحقوق (١٤/ ٥/١٩٢٠) وكان للدكتور زكى مبارك دور واضح في الدعوة لتعريب التعليم في كلية العلوم بالذات ومختلف كليات الجامعة، وقد كتب عديدا من المقالات في يوليه وأغسطس عام ١٩٣١ قال: أن كل ما يجرى في كلية العلوم يكتب باللغة الانجليزية حتى جداول الدروس والبيانات التي تعلق على الجدران. أليس معنى هذا أنه ليس لنا لغة، وأن لغتنا ليست لغة مدنية ولا علم، وانما تصلح فقط للمناوشات الكلامية في الصحف والمجلات. وقال: هم يزعمون أن اللغة العربية ليس فيها

стр. 260

مصطلحات علمية، وهذه علة لا قيمة لها على الاطلاق. لان اللغات المشهورة في اوربا كالفرنسية والانجليزية لم يكن لها ايضا مصطلحات قبل نهضة العلم. ولا أكاد اصدق ان كلية الحقوق تريد ان تعود من جديد إلى فرض اللغة الفرنسية على الطلاب وقد قامت الدلائل على صلاحية اللغة العربية لشرح القوانين وهى من أغنى اللغات في مؤلفات الفقه والتشريع". ووجه هجومه إلى لطفى السيد وطه حسين (١ - أغسطس ١٩٣٥ - البلاغ) فقال: هل توجد في العالم كله جامعة واحدة جعلت لغة التعلم لغة أجنبية غير الجامعات التي تنشئ في المستعمرات: ان التعليم بلغة اجنبية يهدم الاستقلال من الأساس. وقال: أتحتجون بأن اللغة العربية تعجز عن التعابير العلمية. فان احتججتم فأنا نسألكم، ما هى القوة السحرية التي جعلت لغات الغرب أقدر من غيرها على التعابير العلمية. وهل تخلق اللغات كاملة مكملة لا تحتاج إلى زيادة ولا يعتورها نقص. أن المصطلحات العلمية في اللغات الأوربية تنحت نحتا من اللاتينية واليونانية ومع ذلك لم يقل أحد يفقر الفرنسية او الانجليزية، فما الذي يمنع أن تؤخذ المصطلحات العلمية مرة واحدة وتنقل إلى اللغة العربية ويسد هذا الباب في وجه من يريدون أن تظل دائما اتباعا ابدا الدهر لأبناء اللغات الأجنبية. اليس من العجاب ان ندرس الطب باللغة الانجليزية في بيروت وتدريس بالانجليزية في القاهرة ولا شك أن الهدف من وراء ذلك كان هو أن يؤدى الدين والتاريخ إلى تقوية ااروح الوطنية واحياء الروح العربية الحرة. *** اللغة الاجنبية وقد اتصل بهذا غلبة اللغة الاجنبية على الألسنة حتى في الأحاديث العامة والضعف الواضح في اللغة العربية في الكتابة والتعبير واذا كان الدكتور الطاهر الحميرى (تونس) في كتابه مكافحة الثقافة يقول (أنه يعرف عائلات تونسية كل حديثها بالفرنسية ولا يدخل فيه من العربية الا بعض الكلمات التي لا مقابل لها في الفرنسية) فان هذا لم يكن مظهرا تونسيا بقدر ما هو مظهر عربي شامل في هذه الفترة. *** دنلوب والدور الذي قام به "دنلوب" في تحويل التعليم في مصر عن الهدف الأسمى قد حقق نتائج أكيدة وظل قوى الأثر من بعده، ذلك الهدف الذي يقصد إلى تخريج موظفين فقط. ومما يرويه "الدكتور محمد ناجى" أن الشيخ عبد العزيز شاويش بعد أن عاد من منفاه ١٩٢٣ عمل مديرا للتعليم الابتدائى بوزارة المعارف: يقول "على أثر عودتى لأول مرة تأسست مدرسة عبد العزيز وكان برنامجها يقتصر على سنة واحدة لتخريج معلمين فكتب تقريرا وجهه إلى "دنلوب" قال فيه ان هذه المدرسة أسست لتخريج معلمين، فالسنة التي قررتموها لا تكفى لتلقين قاصديها وتهذيبهم وتدريبهم وتعليمهم كيف يعلمون، واقترح برنامجا من ثلاث سنوات. وقرأ دنلوب التقرير وكتب عليه "غيابك عن مصر ثلاث سنوات متعاقبة وضعتك في موضع المغالى فيما يطلب لقومه. أن أمتك يكفيها معلم يستطيع أن يعلمها ألفا باء ومبادئ الحساب"! *** المقاومة في العالم العربي كما تعددت حركات المقاومة في جميع أنحاء العالم العربي بعد حصوله على الاستقلال، ففى العراق أمكن بفضل ساطع الحصرى ١٩٢١ أن توجد نظاما تعليميا يحمل طابعا قوميا خاصا بالرغم من ارتباطه باللغة الانجليزية كما عملت سوريا على تعريب الالفاظ والكتب ودراسات الجامعة وأصبحت كليات الطب وغيرها تدرس باللغة العربية وهو ما لم تبلغه مصر وأدخلت دراسات القومية العربية إلى المناهج التعليمية. ثم جرت أبحاث لتوحيد برامج التعليم في البلاد العربية (أغسطس ١٩٢٧) وقد جرت هذه المشاورات بين مصر والعراق ومع الثعالبى زعيم تونس حول "توحيد الثقافة العربية بين الناطقين باللغة العربية" وقد أعلن الثعالبى أسفه لأن تكون الأمة العربية وهى ممتدة من شطوط الأطلنطى إلى تخوم البلوخستان مقطعة الأوصال عارية من الثقافة، ليس لها منهاج معين تتبعه ولا مبدأ تسير عليه وقال: "ان اليوم التي يجتمع فيه المراكش

стр. 261

والجزائرى والتونسى والطرابلسى والمصري والفلسطينى والسورى والحجازى واليمانى والنجدى والعمانى والعراقى لوضع منهاج للتعليم والثقافة لتوحيد روحية هذه الأقطار يومئذ يعتقدون أنهم عنصر غلاب ويستحيل من حقهم أن يرضوا بالموت حتف انوفهم تحت صراع وختل سياسة الاستعمار. ان هذا العمل صعب ولكن أصعب منه احتمال الضيم وقبول الفناء في ارادة الغير" كما دعا المجلس الإسلامي لأعلى في فلسطين إلى مؤتمر عربي عام للنظر في توحيد مفاهيم التعليم وقد سجل أحمد شفيق في كتابة "أعمالى بعد مذكراتى" أنه تفاهم في الفكرة مع الملك فيصل والملك سعود وأن لطفى السيد وزير المعارف رفض الفكرة ووقف في وجهها وقال: لقد زرته وأعدت الحديث معه فلم أحد عنده قبولا للفكرة.

стр. 262

الجامعة في معركة الغزو الثقافي كان انشاء "الجامعة المصرية" في مصر من معارك مقاومة الغزو الثقافي فقد كانت الدعوة إلى انشاءها حلقة عن حلقات الحركة الوطنية ومقاومة الاستعمار. ولقد فوجئ الاستعمار بالدعوة إلى المشروع وهاجمه هجوما عنيفا، وحاول ايقاف خطواته، وقال كرومر معلقا "ان التعليم الذي تحتاج إليه الأمة المصرية هو تعليم "الكتاب" وحث الحكام والأعيان على انشاء الكتاتيب لتحويل تيار الرأى العام عن مشروع الجامعة" وقد استقبل الرأى العام المشروع بشيء كثير من الايمان والتضحية وانهالت التبرعات التي بدأها "مصطفى كامل الغمراوى" بخطاب أرسله لجريدة المؤيد (٣٠ - سبتمبر ١٩٠٦) متبرعا بمبلغ ٥٠٠ جنيه. وفي ٤ أكتوبر ١٩٠٦ نشرت المؤيد أسماء مؤيدى المشروع وبلغت التبرعات ٤٤٨٥ جنيها وتبرع حسن زايد (المنوفية)، ٥٠ فدانا وعقدت الجلسة التمهيدية في بيت سعد زغلول (١٧ أكتوبر ١٩٠٦) وصدر قرار تأسيس الجامعة (٣٠ مايو ١٩٠٨) وافتتحت في (٢١ ديسمبر ١٩٠٨) في مجلس شورى القوانين (مجلس الشيوخ) وقد أشار حسن حسنى كامل في رسالة الأهرام (٢٤/ ١٢/٢٥) أن أول مصري نادى بوجوب انشاء جامعة مصرية هو مصطفى كامل عام ١٩٠٢ ولما عاد مصطفى كامل ١٩٠٦ من أوربا جمع المصريون ٥٠٠ جنيه للاحتفال به بعد دفاعه في حادث نشواى فأرسل خطابا إلى محمد بك فريد (٢٥ سبتمبر ١٩٠٦) طلب فيه تحويل هذا المبلغ إلى مشروع الجامعة وقال: على اللجنة أن تقوم بدعوة الأمة كلها وطرق باب كل مصري لتأسيس جامعة أهلية تجمع أبناء الفقراء والأغنياء على السواء. غير أن سعد زغلول لم يلبث ان انسحب من مشروع الجامعة بعد تعيينه وزيرا للمعارف - وكان للمنتظر أن يعقد المشروع، وذكرت بعض المصادر ان احمد باشا المنشاوى كان قد عزم ١٩٠٥ على انشاء جامعة اهلية في جهة باسوس وابى الغيط على نفقته ومات قبل تنفيذ المشروع. وأعلن أن الجامعة عبارة عن مدرسة علوم وآداب تفتح أبوابها لكل طالب وليس صبغة سياسية واشترط في اللائحة أن من يريد الالتحاق أن يكون حاصلا على شهادة المدارس العليا أو دار العلوم أو القضاء الشرعى أو مخرجا من الأزهر. وفي ٢١ ديسمبر ١٩٠٨ افتتحت الجامعة الأهلية رسميا في مكان الجامعة الأمريكية الآن بميدان الأزهار. وكانت دراستها: الحضارة الإسلامية والحضارات القديمة والتاريخ والجغرافيا عند العرب وادخلت ١٩١٠ مادة الأدب العربي. واعترفت الحكومة بشهادات الجامعة (١٩١٣) حيث كان أحمد حشمت وزيرا للمعارف. وكانت أطروحات الجامعة الأولى لطه حسين وحسن إبراهيم وأحمد بيلى وحامد المرعشلى وزكى مبارك واسرائيل ولفنسون وفريد رفاعى وأوفد عددا منهم إلى وربا ليعودوا أساتذة. وقد حاول الاستعمار أن يحارب الجامعة فأعلن الدوق غورست أن الجامعة غير مستقلة ووقامت قيامة الصحف. وقد تولى التدريس فيها: أحمد زكى باشا (الحضارة) إسماعيل رأفت (الجغرافيا) حفنى ناصف (الأدب العربي القديم) محمد الخضرى (التاريخ الإسلامي) محمد المهدى (الأدب العربي) كما ألقى بها محاضرات للمستشرقين نلينو وجريدى وسنتيلانا واتجه عدد كبير من طلاب الأزهر إلى الجامعة. فى الجامعة بدأ المزج بين الثقافة العربية القديمة

стр. 263

والثقافة الغربية الجديدة وفتحت آفاق جديدة للبحث وقال بعضهم معلقا ان منهج البحث يختلف عن منهج الأزهر فلم يقل المؤلف في أول دروسه "قال المؤلف ﵀" ولم ترد كلمات الفنقلة ولا الحواشى والمتون. وقد جرت محاولات كثيرة للقضاء على الجامعة وحاول الاستعمار تحويلها إلى كلية اداب شرقية بدلا من جامعة كاملة. وحاول رجال الارساليات البروتستانت والانجليز رد العاملين والتدخل، واتهام المشروع بالعقم خلال عامين متتابعين ١٩٠٧ - ١٩٠٨ ووصفت الجامعة بانها "كابوس بريطانيا العظمى" ثم انتصرت الجامعة على ازماتها وحصلت على اعانات من وزارة الأوقاف. وقد تلقت من المتاحف والمعاهد الأدبية المختلفة كتبا وهدايا ومجموعات نادرة من الأحجار الجيولوجية والقطع الأثرية كما وهبت اليها مكتبات متعددة من أعلام الفكر في مصر. ٢ - صور قاسم أمين (أهرام ١٨ أبريل ١٩٠٨) الهدف من الجامعة فقال "لا يمكننا أن نكتفى الان بأن يكون طلب العلم في مصر وسيلة لمزاولة صناعة أو الالتحاق بوظيفة، بل نطمع أن نرى بين أبناء وطننا طائفة تطلب العلم حبا للحقيقة وشوقا لاكتشاف المجهول. فئة يكون مبدؤها التعليم للتعليم. ان طائفة المتعلمين في مصر وهم متخرجوا المدارس العالمية يعملون على مبدأ "أكسب كثيرا وانفق قليلا" ولا تجد منهم العاقل المحب لعلمه أو فنه أو العاشق الذي يملك شهوة العمل قلبه): وقال على الشمسى: ان الجامعة ستبنى ملكات حب العلم والتعمق فيه وحب البحث العلمى لتخرج فيه مصر طوائف من العلماء والباحثين المتحرزين لطلب الحقائق العلمية والفنية، وذلك حتى تحمل مصر قسطها في بناء الحضارة العالمية تشارك جماعة الأمم في العمل على تقدم المدنية وترقية الانسانية. ٣ - رسم قرار انشاء الجامعة هدفها "ترقية مدارك المصريين وأخلاقهم وذلك بنشر الآداب والعلوم" ومن اخص الوسائل التي تتخذها لتحقيق غاياتها وسيلة البعثات (١) ترتيب تدريس مماثل للحاصل في المدارس الجامعية بأوربا (٢) تنظيم محاضرات يلقيها اكابر رجال العلم والآداب (٣) منح جوائز لأصحاب المؤلفات العلمية والأدبية باللغة العربية. *** الغزو في ظل الجامعة الرسمية ثم تحولت إلى جامعة رسمية في ١١ مارس ١٩٢٥ وعين لطفى السيد أول مدير للجامعة بعد أن اصبحت تابعة للدولة. وبدأت بكليات أربع: الحقوق والآداب والعلوم والطب. وكان عدد طلبتها عام ١٩٢٥ - ٢٠٢٧ طالبا ودخلت الفتاة الجامعة لأول مرة ١٩٢٩. وترى الأهرام: أن سلطات الاحتلال البريطانى سمحت بأن تضم الجامعة المصرية إلى الحكومة خوفا من نفوذ الارساليات الأمريكية. فقد لاحظت اللجنة التي شكلت لذلك وغالبيتها من الانجليز أن الارسالية الأمريكية جمعت تبرعات ضخمة في أمريكا لانشاء جامعة أمريكية في القاهرة على غرار جامعة بيروت وقد بدأت الدراسة الثانوية بها أكتوبر ١٩٢٠ (ومما يذكر الارساليات الأمريكية قدمت مصر ١٨٦٥ حيث أنشاء الكلية الأمريكية في أسيوط وأول مدرسة للبنات). وقد كانت أولى الطلبات بالجامعة سهير القلماوى ونعيمة الايوبى وفاطمة سالم. ولقد واجهت الجامعة منذ اليوم الأول معارك الغزو الثقافي والصراع بين مستشرقى فرنسا ومستشرقى انجلترا. وكانت أولى معاركها حول استقدام المبشرين الذين يلبسون ثياب المستشرقين حيث يكلفون بالقاء دروس عن اللغة العربية والإسلام والقرآن وكان موضع الاعتراض أن هذه العلوم لا تحتاج إلى أساتذة أجانب يكلفون الدولة مبالغ طائلة ليحدثوا الطلاب عن علوم يوجد من يبرع فيها ويفوق المستشرقين من أساتذة الأزهر وعلمائه. وقد دافع طه حسين عن استقدام المسيو كازانوفا وقال: "أريد أن يعلم الناس انى سمعت هذا الأستاذ يفسر القرآن الكريم تفسيرا لغويا خالصا فتمنيت لو أتيح لمناهجه أن تتجاوز باب الرواق العباسى ولو خلسة ليستطيع علماء الأزهر الشريف أن يدرسوا على طريقة جديدة نصوص القرآن الكريم من الوجهة اللغوية الخالصة على نحو مفيد حقا" ... ورد محمود ابو العيون (٤ سبتمبر ١٩٢٣ - الأهرام) فهاجم هذا الاتجاه وقال ان كازانوفا وضع كتابا في تخطيط مدرسة الفسطاط ولكن هل وضع كتابا في فقه

стр. 264

اللغة وتاريخها وآدابها أو مناهد تدريسها يرجع اليه علماء اللغة والأدب فيما جهلوه وهل وضع تفسيرا للقرآن لغويا خالصا. ان كل فعل هذا ليكونن له شأن كبير عندنا. ثم هاجم طه حسين وقال: الآن قد عرفنا مذهب الدكتور طه حسين ورايه في كل تعاليمنا واذا كان قد راى ايثار على كل عالم واديب في مصر فيا ضيعة العلم في مدارسنا العالية، العلم الدينى الذي يدرسه لأبنائنا أساتذة أوربيون كالمسيو كازنوفا. ثم ذكر ابو العيون كيف ان جامعات ألمانيا وانجلترا وفرنسا استعانت بشيوخ اللغة العربية في الماضى والحاضر وكان في مستشرقيها الكفاية وان حسن توفيق العدل والدكتور حامد والى وعبد العزيز شاويش ومحمد جاد المولى ومنصور سلمان كانوا من هؤلاء الأعلام. ثم هاجم الغزو والثقافي التغريبى الذي تحمل لواءه الجامعة وقال: نحن بلينا بالتقليد الضار. وهو على الحقيقة مسخ وتغيير وتنازل منا طوعا واختيارا عن كل مميزاتنا ومشخصاتنا إلى الغير ولو دام الحال على مثل هذا لأصبحنا مثل كندا واستراليا وبعض جنوب افريقيا وسواحل تونس والجزائر ومالطة ... " ٢ - وكانت المشكلة الثانية في معركة الغزو الثقافي هى المحاضرات التي ألقاها الدكتور طه حسين ١٩٢٦ عن الشعر الجاهلى في كلية الآداب ودعا فيها أقصاء عنصرى القومية والدين في مجال البحث العلمى. وهاجم الإسلام وأنكر ما ورد في القرآن من أخباره عن إبراهيم وإسماعيل وطعن في نسب النبى وأنكر أن للإسلام أولية في بلاد العرب وأنه دين إبراهيم. ثم تبين بعد أن قامت الضجة ضد ذلك الكتاب في الصحف ومجلس النواب أن هذه الأفكار مأخوذة من كتاب (مقالة عن الإسلام) لجرجس صال الانجليزى معربة عن الانجليزية بقلم من يدعى هاشم العربي ومطبوعة ١٨٩١ يرى فيها ما رأى الدكتور طه عن قصة إبراهيم وإسماعيل وينسبه لنفسه على أنه ابتكار من ابتكاراته ورأى كما كشف عبد الحميد سعيد في مجلس النواب عام ١٩٣١ عن (نوته) لأحد الطلاب استملاها من محاضرات الدكتور طه على الطلبة في القرآن، وفيها بحث الدكتور الطلبة على نقد القرآن ويذكر لهم أن في القرآن أسلوبين مختلفين كل الاختلاف: أحدهما جاف وهو مستمد من البيئة المكية ففى هذا الأسلوب تهديد ووعيد وزجر، فلما هاجر النبى إلى المدينة تغير الأسلوب بحكم البيئة وأصبح ذلك الأسلوب لينا، وحث الدكتور طه الطلبة على أن ينظروا إلى القرآن كاى كتاب عادى يجرى عليه النقد العلمى ما يجرى عليها وأن يغضوا النظر عند البحث فيه عن قدسيته وعرض طه لفواتح السور وذكر عدة آراء فيها "منها قصة التعمية ومنها انها كانت في الأصل علامات مميزة لمصاحف الصحابة". وقد ذكر (زكى مبارك) في مجال سجال بينه وبين طه حسين ان المستشرقين في السربون عندما قرأوا آراء طه حسين قالوا هذه بضاعتنا ردت الينا. *** المعارك الأدبية ٣ - ودار بحث طويل حول مهمة الجامعة ومقدار ما أدته للفكر العربي وقد أجمع الباحثون على أن التدريس في الجامعة منذ انشائها (٩ يونيه ١٩٣٣ - الأهرام) لا يختلف عن التدريس في المدارس الثانوية فالطالب يرجع إلى كلام المدرس والى الكتاب ولا يكون له رأيا خاصا ويعتمد على الحفظ أكثر من اعتماده على الادراك، كما سجل موقف الطلبة من أساتذتهم وخروجهم على ما تواضع عليه الناس جميعا من احترام الاساتذة وتكريمهم والترفع عن هجر القول. وقال لطفى السيد أن الجامعة لم تستطع ان تجعل اللغة العربية لغة التعليم كما هو مرجو وان كان لها في التعليم خط عظيم في كلية الحقوق وبعض أقسام الكليات الأخرى. ٤ - وقال الدكتور مشرفة: الذي ينقصنا هو روح العلم وجو التفكير الحر، والجامعة المنشودة تنعى الروح العلمية الصحيحة: وواجب الجامعة هو واجبه أولا نحو نفسه وثانيا نحو الأسرة الجامعية. وجرى نقد حول خريجى الجامعة وعدم الاستفادة منهم - الأهرام (١٦/ ٥/١٩٢٦) فأقصى عنها معظم المصريين الذين قامت على رؤوسهم الجامعة الأهلية القديمة، ونحى عن أبوابا بعض الاكفاء من المصريين الذين كان يقضى تعليمهم بأن يكونوا بين جدرانها، وبذلك حرم من وضع أسس الجامعة كثير من أكفاء المصريين ثم انفسح المجال للأجانب غثهم وسمينهم ولم يراع في انتخابهم سوى أحقيتهم، وها هى الجامعة تموج بهم،

стр. 265

هؤلاء الأجانب قليل منهم من يفوق شباب مصر المتعلمين في كفاءتهم واحس الانجليز بأن نصيبهم من الغنيمة، ليس بالقدر الذي يجب ان ينالوه، وكذلك تمر الآن بالجامعة موجة ترمى إلى اكثار عدد الانجليز بالجامعة بكل الوسائل الممكنة" ١.هـ. ٦ - وأشار تقرير لجنة المالية بمجلس الشيوخ (١٥/ ٦/١٩٢٩) إلى ضرورة تمصير الجامعة وصوغها في قالب مصري لحما ودما لكى تمثل تفكيرنا الماضى وملأ الكراسى بأساتذة مصريين، وقال التقرير أن كل العلوم لا تزال تلقى محاضراتها باللغة الانجليزية ولا يكاد يوجد فيها اكثر من اساتذة مصريين، وأن مستوى التعليم الجامعى دون ما تنشده ولم يحقق كثير من الجامعيين الغرض المطلوب منهم. ٧ - وقال عباس عمار (الأهرام - ٣/ ١٠/١٩٢٦): أول ما تستطيع جامعتنا أن تؤديه في سبيل الواجب العلمى الذي يفرض عليها هو أن تحاول تغيير وجهة نظر المصريين والشرقيين إلى العلم. وأن نسمو بعقليتنا عن هذا الفهم الخاطئ لقيمة العلم والعلماء. فالنزعة التي عندنا نزعة خطرة ونظرتنا إلى العلم نظرة مادية بحته يخشى على العقلية المصرية منها أن ظلت تسير في ذلك الاتجاه. وقال: ان على الجامعة أن تحارب هذه النزعة وأن تعلم تمام العلم أن جهادها في سبيل غايتها العلمية لن يجدى الا اذا مهد له بذلك الأساس، لأن حب العلم لذاته والشغف بالبحث والتفانى في حب الحقيقة العلمية المجردة يتطلب أن يكون أساس الدراسة هو المثل الشخصى والدافع الذاتي. والواجب الخاص هو الاهتمام بالدراسات المصرية والشرقية دراسة تفصيلية عميقة أشد العمق متسعة أكبر توسع. وقال: أليس التراث المصري تراثا حافلا لم تمط يد المصريين اللثام عن شيء منه ذى بال. ألسنا في الدراسات الشرقية كلها عيالا على الغربيين المستشرقين، بل ألسنا في الدراسات الحديثة نفسها تقف مراجعنا عند حدود ما يكتبه الأجانب وتنحصر مهمة كتابنا في ترجمة آرائهم وان هم احسنوا فيما يتجاوز تصرفهم دائرة التعديل والتنوير. اليس يجرح كرامتنا ويمس إلى حد كبير شعورنا ان نبقى نحن نجهل هذا التراث الخالد حتى يضع أجنبى يدنا على مواضع الفخر فيه وأن يولى الشرق وجهة غريبة يستوحى منها عظمة الأباء والأجداد. ٨ - وقال الدكتور عبد الوهاب عزام (الهلال م ٤٠ ص ٣٤١) أننا كنا إلى وقت قريب عالة على المستشرقين ناخذ منهم ولا نعطيهم، أما اليوم فنحن نزامل المستشرقين ونتضامن معهم في أحياء الثقافة العربية والقاء النور على حضارة الإسلام. وقال: ان تراث العرب الفكرى مشتت في بلاد الله قد نثرته الحروب الصليبية وبددته الغزوات فتقاسمته تركيا ودويلات أوربا ومن الضرورى استحضار هذه المخطوطات او اخذ صورة فوتغرافية لها.

стр. 266

- ٥ - اللغة العربية ركز الاستعمار في غزه الثقافي على "اللغة العربية" للقضاء عليها كقوة من قوى الوحدة والقومية العربية والإسلام، وسبيلا إلى القضاء على الكيان العربي الإسلامي بما فيه من قيم ومقدرات وتراث يرتبط باللغة العربية. ولقد كان هدف الاستعمار أن تصير اللغة العربية إلى ما صارت اليه اللغة اللاتينية وأن تتطور اللهجة المحلية في كل قطر فتصبح لغة مستقلة لها أدبها وثقافتها منفصلة عن اللهجات الأخرى وبذلك يقضى على اللغة العربية والقرآن. ولقد جند الاستعمار قواه لهذه الغاية وحرص عليها ورسمت خطط بعيدة المدى لذلك، وفي المناطق التي احتلتها بريطانيا سارت الخطة على نحو معين وفي مناطق استعمار فرنسا اتخذت الخطة شكلا آخر اشد عنفا. وكان هدف هذه الحملة اتهام اللغة العربية بالقصور، وعدم الكفاية العلمية او ارتفاع مستواها عن مفاهيم المجموعات العامة او اتهام حروفها ونطقها وكتابتها بالصعوبة والتعقيد، وكل هذه اتهامات حاول الاستعمار بها النفاذ إلى غرضه في الدعوة إلى العامية او استخدام الحروف اللاتينية وتحطيم عامود الشعر. وقد توالت هذه الدعوات خلال هذه المرحلة الطويلة واستمرت وتعددت، واحدة بعد الأخرى، يحمل لواءها غربيون أجانب أو وطنيون من دعاة التغريب. ١ - قدم المهندس وليم ولكوكس إلى مصر ١٨٨٢ من الهند وقد كان موظفا بمصلحة الرى بها وقد دعا إلى نثر العامية والتأليف بها وترجم بعض الفصول من مسرحيات شكسبير ومن الانجيل إلى العامية. وله خطاب مشهور ألقاه في نادى الأزبكية (يناير عام ١٨٩٣) وقد استهله بقوله "لماذا لم توجد قوة الاختراع لدى المصريين الآن" ... قال: ان من جملة العوامل في فقد قوها الاختراع عن المصريين استبقاءهم اللغة العربية الفصحى واشار باغفالها واستبدالها بالعامية اقتداء بالأمم الأخرى. وذكر بنوع خاص الأمة الأنجليزية وقال أنها استفادت افادة كبيرة باغفال اللغة اللاتينية التي كانت لغة الكتابة عندها واستبدالها باللغة الانجليزية الحاضرة". وقد اتخذ لاذاعة هذه الفكرة بمعاونة سكرتيرة أحمد الأزهرى مجلة عنوانها "الأزهر" قالت الأهرام ٢٩/ ٧/٣٢ "لقد قاوم الراى العام فكرته فأبطل المجلة ومع ذلك فقد ظل يؤلف باللغة العامية فكتب في ذلك حياة المسيح وأعمال الرسل وترجم كتب العهد الجديد إلى اللغة العامية المصرية وكان ينظم الزجل". وهى في الحقيقة لهجة وليست لغة. ٢ - كما ظهر بعد ذلك بقليل (١٨٩٧) كتاب أطلق عليه اسم "اللغة العامية المصرية بالحروف الأفرنجية" وهو مشروع ينتقل خطوة ثانية بعد خطوة الدعوة إلى العامية فيطالب بكتابتها بالحروف الأفرنجية. وقد أعده بعض الأجانب ورتبت له أبجدية أفرنجية "عوض فيها عن الحروف العربية الخالصة بأحرف ذات علامات خاصة ومعه تمارين لاستعمال هذه الحروف" على حد تعبير مجلة المقتطف في التبشير بالكتاب. ٣ - دعا وليهم ويلمور أحدد قضاة محكمة الاستئناف الأهلية إلى اتحاد اللغة العربية العامية للكتابة بدلا من اللغة الفصحى، وأصدر كتابا عنوانه: The Spofen Arobrc Of Egypt وقد قال وليمور: أن أرباب الصحف أولى من غيرهم بكتابة اللغة المحلية واسماها (لغة القاهرة)

стр. 267

? وأشار إلى كتابتها بحروف رومانية كما عنى ولمور بجعل الحروف دالة على الأصوات. ويقع كتابه في ٤٠٠ صفحة. قال وليمور: انه يأسف اذ نسيت العربية الفصحى في هذه البلاد ويرى أنه يجب أن تدرس في مدرسة جامعة مع غيرها من اللغات السامية كما يدرس اللغات الحية. ٤ - أصدر الكابتن وليم تمبل جردنر كتابه - اللغة العامية المصرية Egyptien Couoqniola bie كما انشأ حلقة لتدريس اللغة العربية لطائفة المراسلين الذين يردون مصر من انجلترا وأمريكا وجعل هذا الكتاب وسيلة لغايته. ٥ - نشر المستشرق فنسنك رسائل عديدة مكتوبة بحروف أوروبية في اللغة المصرية القديمة ومن بينها رسالة للمقتطف اسمها "اجرومية مصرى" كتبها على هذا النحو (بل لسان المصري ومعها أمسلة) يقصد (باللسان المصري ومعها أمثلة). - ٢ - وعلى ضوء هذا الاتجاه الذي بداه المبشرون وحمله الويه الغزو الثقافي كتب عدد كبير من دعاة التغريب محاولين خلق "أزمة" اللغة العربية وفي مقدمتهم الدكتور صروف وأسعد داغر ولطفى السيد وقاسم أمين وأمين الخولى ومحمود تيمور وعبد العزيز فهمى. فقد كتب الدكتور صروف عام ١٨٨١ يقول أن لغة الكتب عند الأفرنج لا نفترق كثيرا عن اللغة التي يتكملون بها فيفهم العامى منهم كتاب الفلسفة، أما نحن المتكلمين باللغة العربية فكتبنا ولاسيما كتب العلوم مكتوبة بلغة غير اللغة التي نتكلمها، والبعد بينهما كالبعد بين الفرنساوية والانجليزية أو بين اللاتينية والايطالية فلا يقدر عامتنا على ادراك معانى الكتب ما لم يدرسوا لغتها. ثم حاول ان يرسم حلا لعلاج ذلك في واحد من طرق ثلاث: أما أن نكتب كتبا باللغة التي نتكلم بها كما فعل لانفسنا "مع أنه ممكن ونخاف أن تدعو الأحوال اليه في مستقبل غير بعيد". أما أن نكتب كتبا باللغة التي نتكلم بها كما فعل الايطاليون وغيرهم من الامم التي فسدت لغاتهم بتوالى الأزمات. اما أن نعلم أولادنا التعلم باللغة العربية الصحيحة حتى تصبح ملكة فيهم ثم قال: ان هذا فيما نظن اشرف الطرق وامنها وانفعها لأن العربية الصحيحة واسعة المتن مضبوطة القواعد يمكنها ان تجارى العلم اكثر من كثير من لغات الأرض. ٢ - اما اسعد داغر فقد عقد في هذا عام ١٨٩٦ مناظر مع شديد يافث ثم جددها في مارس ١٩٠٢ (المقتطف) وقال انه كتب في عديد من الصحف ومنها (ثمرات الفنون) ناعيا على اللغة العربية "انها لا تصلح ان تكون لغة تكلم ولم توضع الا لتكون لغة كتابة، وبيان ذلك ان المتكلم من طبعه يطلب الاختصار في حديثه. والكلام المعرب طويل جدا بسبب حركات الاعراب ولعدم امكان الاختصار فيه كما في المحكى" ثم قال انه (ليس في اللغة المعربة ما في اللغة العامية من الصلاحية للتكلم والمخاطبة، ولذا قضى قانون تنازع البقاء ان تجفوها الألسنة والشفاه) وجملة رأيه هو نفس اللغة المكتوبة وقصورها عن مجاراة اللغة الأجنبية. ٣ - وكتب لطفى السيد في (الجريدة) في شهرى ابريل ومايو ١٩١٣ عددا من المقالات في (تمصير) اللغة العربية. وقد اتهم اللغة العربية بأنها واسعة في القاموس، ضيقة في الاستعمال مخصبة في المعانى والمسميات القديمة، مجدية في المعانى الجديدة والاصطلاحات العلمية وان رقيها قد انقطع من قرون طويلة فوقفت عند الحد الذي وصلت اليه ايام النهضة العباسية، ودعا إلى استعمال الألفاظ الأعجمية والعامية المألوفة (كالأتومبيل والبسكلت والجاكتة والبنطلون والجزمة) وقال أنه لا يعرف سببا لهجر المألوف المشهور إلى ابتكار غيره الا حب الأغراب، ثم قال أنه لا جرح على الكاتب أو المترجم ان يستعمل من الألفاظ ما شاء من المعانى، وأنه يريد أن لا يترك اللغة العامية تموت بأبعاد عربيها وفصيحها عن عالم الكتابة والنزول بالضرورى من اللغة المكتوبة إلى ميدان التخاطب والتعامل.

стр. 268

٤ - وقال قاسم امين: ان اللغة العربية مرت عليها القرون الطويلة وهى واقفة في مكانها لا تتقدم خطوة إلى الامام، بينما اخذت اللغات الأوربية تتحول وترقى كلما تقدم أهلها في الآداب والعلوم (وطلب بأن تبقى أواخر الكلمات ساكنه لا تتحرك بأى عامل من العوامل) وقال ان هذه الطريقة هى طريقة جميع الغات الافرنكية والتركية وذلك بحذف قواعد النواصب والجوازم والحال والاستقبال بدون ان يترتب على ذلك اخلال باللغة اذ تبقى مفرداتها كما هى. ٥ - وردد سلامة موسى دعوة "ولكوكس" فقال أن الهم الكبير الذي يشغل باله هو هذه اللغة التي نكتبها ولا نتكلمها فهو يرغب أن نهرجها. ونعود إلى اللغة العامية (فنؤلف بها وندون بها آدابنا وعلومنا). وردد دعوة قاسم أمين الذي نعى على اللغة الفصحى صعوبتها واقترح الغاء الأعراب فتسكن أواخر الكلمات وردد دعوة لطفى السيد باستعمال العامية. وأشار إلى أن الخورى في سوريا قد حمل لواء الدعوة إلى اصطناع العامية السورية بدلا من اللغة الفصحى وقال ان الصحف السورية والفلسطينية حتى العراقية تبحث هذا الراى ونسبته إلى ضعف الحمية الوطنية. ٦ - وتحدث الدكتور جورجى صبحى في محاضرة عن اللهجات العربية الدارجة في مصر وتاريخ نشوئها. وأشار إلى ان اللغة الدارجة حتى القرن الثالث عشر الميلادى لم تكن كونت في مصر بعد، واشار إلى طريقة تحول الفصحى إلى عامية، وأن أول تغير في طريق تكوين اللهجات يقع على الحركات كظهور حرف (والاماله E ثم يعقب على ذلك الحروف الساكنه بأن نستبدل الحروف الحلقية بحروف أخف نطقا كابدال القاف هزة والطاء ضادا والذال دالا والثاء تاء ٧ - وكتب عبد الله حسين (الأهرام - ٤ مايو عام ١٩٢٦) فادعى ان اللغة العربية (عجزت عن تأدية) العبارة الدقيقة عن حياة الصناعة وسمو اسرار الطبيعة المكشوفة، ظهر ذلك حين أراد المترجمون أن ينقلوا إلى اللغة العربية كتب الأدب فاجتهد كل مترجم في أن يؤدى المعنى الأجنبى باللغة العربية بتصرفه الشخصى. وأشار العامية فقال: ان لنا لغة عامية هى في الواقع اداة التعبير الحقيقية عن مطالبنا واحاديثنا. ثم تساءل: عما اذا كان من المستحسن (تمصير) اللغة العربية أي: جعلها لغة مصرية خالصة توضع لها أسسها وقواميسها وقاتل أن هذا التمصير يسهل على مصر الاستفادة من بعض المعقول في اللغة العامية. ودعا عبد العزيز فهمى (يناير ١٩٤٤) إلى اتخاذ الحروف اللاتينية لرسم الكتابة العربية وقال: ان أهل اللغة العربية مستكرهون على ان تكون اللغة العربية الفصحى هى لغة الكتابة عند الجميع. وأن في ذلك محنة حائته بأهل العربية وأنه تكليف للناس بما فوق طاقتهم وأن اللغة العربية سهلة المنال كاللغات الأجنبية. ووصف اللغة العربية بأنها ليست لغة أمة واحدة لقوم بعينهم بل أنها مجموع كل لهجات الأعراب البادين في جزيرة العرب، وأنه من الظلم الزام المصريين وغير المصريين بها. وأنه من أجل ذلك فكر في اتخاذ الحروف اللاتينية وما فيها من حروف الحركات بدل حروفنا العربية كما فعلت تركيا. ثم صور مزايا استعمال الحروف اللاتينية فقال: ان الحروف الهجائية الجديدة لا تخل بشيء من نغمات الحروف العربية بل تبرزها جميعا، وقال ان هذه هى الوسيلة الوحيدة لحل هذه المشكلة. *** الرد على الحملات وهكذا استمرت معركة الهجوم على اللغة العربية طوال هذه الفترة التي تزيد عن خمسين عاما، وكان واضحا من لهجة كتابها مدى التعصب والغرض وعنف وسائل الغزو الثقافي ومحاولة البحث عن كل كل وسيلة ممكنة للقضاء على اللغة العربية سواء كان ذلك بأقلام المبشرين من كتاب الغرب أم بأقلام دعاة التغريب من كتابنا. وقد أحملت حملات الدفاع عن اللغة العربية حقائق واضحة لا سبيل إلى انكارها منها: ان الفرق بين لغة الكتابة ولغة التكلم عندنا ليس بالشيء الكبير وقد لا يكون أكثر من الفرق بين لغة كتاب الانجليز ولغة عامتهم.

стр. 269

ان الناطقين باللغة العربية تختلف لغتهم العامة باختلاف الاصقاع والفرق بين لغة مصر والشام ليس بأقل من الفرق بين الفصحى والعامة، فاستبدال الفصحى بالعامية المصرية يحرم كل قطر من الانتفاع بانتاج القطر الآخر. ان اغفال الفصحى يستوجب اغفال كل ما كتب عنها من العلوم منذ ١٣٠٠ سنة وهى خسارة لا حد لها. لا يعقل ان امة لها لغة شهيرة ذات حروف منتشرة وانتاج ضخم وتراث كبير تترك حروفها هذه لتكتب بحروف غربية. الجامعة العربية قائمة بالمحافظة على اللغة الفصحى اذ لولا القرآن لتشتت شمل الشعب العربي. الاختصار في الكتابة العربية مزية لها. ان الحروف العربية التي تستعمل في سائر العالم العربي هى أهم مظاهر الوحدة. ان اللهجة العامية منحطة لانحطاط عقول الناطقين بها ولا تقوم مقام الفصحى في اللغة العربية أرقى لغات العالم. وقد رد جرجى زيدان على ويلم ويلمور (هلال فبراير ١٩٠٢) فقال "هم يشيرون علينا أن نتخذ اللغة العربية العامية بدلا من اللغة الفصحى في الكتابة فأى اللغات العامية يريدون أن نتخذ. لغة مصر أم لغة الشام أم لغة العراق أم لغة الحجاز أم اليمن أم نجد أم المغرب. فان لكل من هذه البلاد لغة خاصة لا يفهمها عامة البلاد الأخرى، فغن قالوا الفوا لغة تشترك بين هذه اللغات قلنا أن اللغة لا تتألف بالتواطئ، وانما هى جسم ينمو نموا طبيعيا على مقتضى ناموس الارتقاء. واسهل منه أن نبقى على اللغة الفصحى وهى ام لغاتنا العامة وأقرب إلى افهمنا من لغة جديدة ملتقطة من أفواه الأمم". فان قالوا: ان كل امة من هؤلاء لها لغتها، فالسورى يكتب لغة عامية الشام والمصري لغة عامية مصر كان ذلك رأى القائلين بانحلال العالم العربي وتشتيت شمل الناطقين بالضاد. زد على ذلك المسلمين لا يستغنون عن تعلم اللغة الفصحى لمطالعة القرآن والحديث، وأن ما ينطبق على اللغة العربية وفروعها يختلف عما ينطبق على اللغة اللاتينية وفروعها، وأن استبدال اللغة الفصحى باللغة العامية ضربة قاضية على العنصر العربي وعلى العلم في اللغة العربية وأن لغة العامة لا تكفى للتعبير عن القضايا العلمية الا باضافة الألفاظ العلمية الجديدة، أما اللغة اللاتينية فلا تنطبق أحوالها على أحوال لغتنا الفصحى ولا يجوز القياس عليها .. وأن الفرق بين اللغة اللاتينية وفروعها أبعد كثيرا من الفرق بين اللغة العربية الفصحى وفروعها العامة. وانه يكفى للشرق ما يعتوره من أسباب الشقاق حتى لم يبق له جامعة غير هذه اللغة فبالله الا أبقيتم عليها وقال: أن تعليم الفصحى ليس بالأمر الشاق الذي يقتضى الأعوام الطوال، أما استبدال الحروف العربية الاعتيادية بالحروف الافرنجية فلا نرى له نتيجة سوى زيادة التعقيد بتطويل الكلمة وتلبك قراءتها. ٢ - وعلق الدكتور صروف في المقتطف (فبراير عام ١٩٠٢) فقال: ان اقتصار المتعلمين في مصر والشام على الكتابة باللغة المصرية وشيوع الكتب والجرائد فيما ولاسيما في السنوات الأخيرة واعتياد أكثر الذين يعرفون القراءة على مطالعة الجرائد، كل ذلك عضد اللغة المعربة وقواها حتى صار اهمالها متعذرا ان لم يكن مستحيلا، لذلك لا نطمع في الكتابة المحكية الآن ولا نشير بها. ولكنا نطمع ونشير بالتوسع في اللغة المكتوبة حتى يدخل فيها كلمة محكية لا تقابلها كلمة فصيحة مألوفة، ونطمع ونشير بالتوسع في التعريب حتى تجارى لغتنا لغات أوربا لذلك فاهتمام القاضى (ولمور) ومن جرى مجراه بضبط اللغة المحكيه جاء بعد أوانه. ورد على قول ولمور: أن أصحاب الصحف أولى من غيرهم بكتابة اللغة المحكية فقال (أن أرباب الصحف احرص الناس على اللغة المعربة). وقال: أن الذين انتقدوا على الكتابة العربية راوا خلوها من الحركات ولا ندرى كيف ذهب عنهم ان هذا الاختصار في الكتابة العربية مزية. وقال ان (ولمور) عنى يجعل الحروف دالة على الأصوات وهو عناء باطل، لأن أصوات اللغة تعد بالمئات ونحن نكتفى بعشرين أو ثلاثين حرفا لدلالة عليها كلها ٣ - وكتب عبد القادر حمزة (البلاغ الاسبوعى - ١٩٢٨) بمناسبة سماعه محاضرة في الكولج دى فرانس

стр. 270

سمع فيها المستشرق (ماسنيون) تقول: أن اللغة العربية تذهب إلى المقصود رأسا بينما اللغات الأوربية لا تصل إلى ذلك الا تدريجيا. ثم قال ماسنيون: انما توشك أن تشرف على الخطر اذا لم يسعفها المصلحون بما تقوم من ضعفها، وعلى العلل في نظره هى الحروف العربية وما يدخل عليها من تغير في الرسم وتغيير في الحركات يضيع المتعلم فيهما شطرا كبيرا من عمره، ودعا إلى ان ترسم اللغة العربية بالحروف اللاتينية فلا تبقى ثمة حاجة إلى شكل الحروف لتعرف حركاتها. وقال عبد القادر حمزة: أن نزوع الترك في كتابة لغتهم بالحروف اللاتينية هو الذي يقذف بهذه الفكرة على اللغة العربية بحروفها الحالية حملت مدنية كاملة ملأت بها جوانب الأرض في مئات قليلة من السنين. وقد قطعت أدوارا فلم تجمد في واحد منها ولم تهن بل تطورت في كل دور بما يناسبه، فالذين يقولون انها بحروفها الحالية أداة غير صالحة ينكرون حقيقة أثبتتها عدة قرون وهى ان الحروف التي ينتقصونها تمتاز على الحروف اللاتينية بأنها مشبكة والكتابة بها اسرع. *** عظمة اللغة العربية وقد دافع كثيرون من الكتاب والمفكرين عن "اللغة العربية" وكشفوا عن مفاهيمها وحقيقتها التي انكرها الغزو الثقافي وحرص على انكارها ليتوصل بذلك إلى التقليل من شأنها والسخرية بها. وقد أجمعوا على عظمة اتساع اللغة العربية وكثرة ألفاظها وتعدد معانيها وقد أمكن حصر مائة ألف مادة من كلامها مما لا يمكن معه وصفها بالقصور. ٢ - يتسع مجالها لأغراض الكتابة وفنون البلاغة: من اطناب وايجاز وتصريح وتلميح واستعارة. ٣ - خاضت معركة الترجمة من اليونانية والهندية ابان دولة الأمويين والعباسيين حيث استطاعت أن تستوعب كتب الطب والحكمة والحيوان والنبات والكيمياء والحيل والرياضيات والفلك مما لا يقع تحت حصر، ولم يستعص عليها أي: مصطلح، وقد وصف الدكتور أحمد عيسى كيف كانوا يحرصون على اللفظ اليونانى فيهندمونه بحسب أوزان اللغة العربية اذا كان للفظ مكانا ومعنى خاصا مع وجود لفظ عربي فصيح يقابله فقالوا (قاطيعو رياس وطوبيقا وبارمنياس وبويطيقا وأنا لوطيقا) وعندهم لفظ المقولة والجدل والعبارة والشعر والخطابة ... ) ونقلوا كتب التشريح والنبات مما لم يجدو له في لغتهم مقابلا فعربوه وادمجوه في لغتهم. ٢ - وتختلف اللغة العربية عن اللغات الأخرى في النمو والتطور، فقد ظهرت فجأة في شبابها دون أن تمر بعهد الطفولة وقد حققت خصائصها الأصيلة رغم اختلاطها باللغات الأخرى. ٣ - جمعت جميع الأحرف التي في اللغات الأعجمية. ولها ستة أحرف لم تجتمع لغيرها من اللغات وهى المجموعة في (تخذ - صظغ) ٤ - عاشت قرابة الألف وخمسمائة سنة وهى تؤدى مهمتها أداة الخطابة والكتابة والصحافة. وهو ما يعد معجزة من عالم اللغات. *** اللغة العربية والاستعمار ولم يقف الاستعمار في معركته مع اللغة العربية عند حملاته عليها، بل حرص على اقصائها عن المحاكم والبنوك والمصالح وفرض لغته بدلا منها، كما عمل على اهمال اللغة العربية في الأوسط المختلفة، وغلب عليها اللغات الأجنبية، وفي الأحاديث العامة ظهرت الكلمات الأجنبية على الألسن كجزء من مركب النقص في تقليد الغالب، وقد بلغ الأمر أن فرض على أصحاب المصالح وهم في بلادهم أن يكتبوا رسائلهم وطلباتهم إلى بعض الجهات باللغات الاجنبية. وأن يتلقى الوطنيون خطابات من هذه الجهات بلغاتها الأجنبية. كما نعت الصحف على المصريين والشرقيين الذين يعرفون العربية انهم يتكلمون باللغات الأوربية فيما بينهم .. ولم يقع هذا في مصر وحدها بل كان سمة بالغة للفترة كلها في مختلف بلاد العالم العربي المحتلة. وقد ذكرت جريدة الجهاد (١٠/ ٩/١٩٣٤) ان وزارة المالية توافيها بياناتها الاحصائية مكتوبة بلغة أجنبية. وأشارت جريدة مصر ١٩/ ٤/١٩٣٤ (أن الشركات

стр. 271

والبنوك ما تزال مصرة على تدوين كل مراسلاتها وعقودها مع أبناء البلاد بغير لغتهم ولم تر - حتى المجاملة - ان تضع ملخصا باللغة العربية لعقودها ومراسلاتها كى يفهمها المستهلك الوطنى، وأن ذلك حدث ليس اعتمادا على سلطتها الأجنبية القائمة على احتكار مادة من المواد الحيوية بل لأن لها وحدها حق استعمال لغتها مهما كان هذا الاستعمال من الاستهانة بكرامة الأمم التي تعيش في دارها) ويتصل بهذا اللافتات الموضوعة فوق المحلات والشركات والمخازن وكلها مكتوبة باللغات الأوربية وحدها. *** فى المحاكم المختلطة وقد ظل الاستعمار يحول بين اللغة العربية وبين حقها في المحاكم المختلطة مع أنها مقررة كاحدى اللغات الرسمية بهذه المحاكم منذ عام عام ١٨٧٥، غير ان قضاة هذه العهود من المصريين كانوا من الضعف بحيث أنهم لم يجرؤا على تحرير احكامهم باللغة العربية وظلت هذه الأحكام تصدر باللغة الفرنسية حتى جرؤ المستشار عبد السلام ذهنى (أبريل ١٩٣٤) فكتب ثلاثة أحكام باللغة العربية وتمكن من النطق بها باللغة العربية وذلك في جلسة ١٧ أبريل ١٩٣٤، وقد تمسك رئيس الدائرة السويسرى (هوربيه) دون الاعتراف، بها وقد ثارت لذلك ضجة كبرى فكان حدثا بعيد المدى أحدث أزمة دولية. وقال عبد السلام ذهنى: أنه في تمسكه باللغة العربية انما يقوم بواجب قانونى وأن لهذا التمسك رابطته الوثيقة باحياء اللغة العربية وتكريم اللسان المصري القومى والترجمان العربي. وقد دعا هذا مستشارا آخر هو محمد شكرى أن يقدم احكاما باللغة العربية في ١٧/ ١٢/١٩٣٤ وجرى الدفاع عن موقف المستشار ذهنى بأن النص في اللائحة المختلطة قد أشار باستعمار لغات أربع: هى العربية والفرنسية والايطالية والانجليزية، وقالت الأهرام: أنه لا شك جعل اللغة العربية في المرتبة الأولى يدل على أن المشروع قد قصد أن تكون اللغة العربية هى الأولى، واستتبع هذا البحث عن المرافعة باللغة العربية أمام المحاكم المختلطة - وقد اجاب وزير الحقانية في البرلمان بأنه ليس في القانون ما يمنع المحامى من المرافعة باللغة العربية أمام المحاكم المختلطة لأن هذه اللغة واللغات الثلاثة الأخرى مقررة رسميا امام هذه المحاكم، وقد عقد المحامون أمام المحاكم المختلطة اجتماعات عدة للمطالبة بجعل اللغة العربية هى لغة المرافعة غير أنه حال بينهم وبين ذلك أن القضاة لم يكونوا يعرفونها. وأشار عزيز خانكى بهذه المناسبة إلى الضجة التي اثارها الأجانب عند ما ندب قاض مصري لرئاسة جلسة المحكمة المختلطة وكان من نتائجها الغاء الانتداب حالا ورفضت الدول الغربية ان يتولى القضاة المصريون رئاسة الجلسات. وقد ارتبطت الدعوة إلى اعادة التابة باللغة العربية في المصالح والشركات بالدعوة الوطنية فقد كان تغلب اللغة الاجنبية على اللغة العربية في هذه المجالات امتهانا للكرامة القومية. وفي سوريا انبعثت الدعوة إلى أن اللغة العربية هى حصن منيع للوحدة القومية فقد تحدث عبد الرحمن شهبندر في هذا المعنى في القاهرة (٢٩ أبريل ١٩٢٩) وحذر من أن مدنية العرب مهددة بالاكتساح، كما اكتسحت أشرف تعاليمهم وأن الخطر الذي يهدد الثقافة العربية يجئ من ناحية اللغة العربية التي هى رمز المجتمع والذى وصفها "بلاكما روجيلين" بأنها أدت وظيفة مهمة في التنظيم الاجتماعى. وقال أن من خنق اللغة فقد خنق نفسه لأنها هى اداة التنفس الوحيدة للأمة. *** اصلاح اللغة العربية وقد استبع هذا الاتجاه، البحث في اصلاح اللغة العربية واعدادها بحيث يقضى على ما يثار حولها من عجز وقصور وذلك بالتقريب بين العامية والعربية وتيسير قواعد اللغة العربية، ودعا أحمد امين إلى تيسير التعريف والاشتقاق والقياس والتخفف من المفردات العسير الفهم وخاصة اعدام الكلمات الحوشية التي يمجها الذوق السليم، ودعا المازنى إلى ايثار الكلمة الشائعة بعد تصحيحها وازالة تحريفها وقال ان من الغلو المعيب ان حاول تطهير اللغة العربية من كل لفظ دخيل.

стр. 272

ودعا غير هؤلاء إلى ان تنقل اسماء المسميات الحديثة من لغاتها الأجنبية بعد تهذيبها. - ودعا الدكتور على مصطفى مشرفة إلى ندوين العلوم باللغة العربية وقال ان هذا يؤدى إلى تطوير اللغة العربية وقبولها للمصطلحات العلمية، وقال: أن كل لغة حية انما تنمو عن طريق التأليف والكتاب. وقال أننا ننقل اليوم المعرفة عن غيرنا ثم نتركها عائمة لا تمت بصلة إلى ماضيها ولا تنصل بتربتنا فهى بضاعة اجنبية عليها مسحة الغرابة. وتحدث الدكتور هلال فارحى عن طريق التعريف فقال: أن لها وسائل متعددة: منها التعريف (ادخال الفاظ اعجمية بحالتها الأصيلة) والتوليد (ادخال ألفاظ جديدة وضعها المولدون في صدر الإسلام بطريق الاشتقاق) والترجمة (بحسب المعنى الأصلى) والاستبدال (استبدال الحروف الأعجمية الناقعة بحروف غربية متجانسة) والتسمية بالخاصيات (مثل كهربائية للترام) والمجاز والنقل (يطلق الأول على الألفاظ المستعملة في غير ما وضعت له لمشابهة بينها والثانى يطلق على الألفاظ المنقولة) والاقتباس (عن تعابير وردت كالشهادة للكوبيا) والاشتقاق (نوع لفظ من آخر يشترط تناسبهما لفظا وتركيبا) وقال بهى الدين بركات أن وسيلة الاصلاح هى: ١ - جعل الكتابة العربية مفهومة مع المحافظة على خصائص الخط العربي والكتابة العربية. ٢ - تسهيل تدريس قواعد اللغة والبيان. ٣ - تغير نظم التدريس بما يجعل الطلبة يعتادون التحصيل. *** انشاء المجامع العربية وقد اقتضت حاجة اللغة العربية إلى التطور إلى انشاء مجامع للغة العربية فأنشئ المجمع العلمى في دمشق عام ١٩٢٠ والمجمع اللغوى في القاهرة (١٩٣١) ثم انشئ المجمع العلمى في بغداد (١٩٤٧) وقد بدأت فكرة انشاء مجمع للغة العربية في مصر في نهاية القرن التاسع عشر لوضع قاموس عربي قريب المأخذ سهل التناول. وقد عقدت اجتماعات لهذا الغرض في بيت لطيف باشا سليم وبيت البكرى وفي الأزهر وحضرها الشيخ محمد عبده وعالم إسلامي هو الشيخ الشنقيطى وتبلورت عن انشاء أول مجمع لغوى ١٨٩٧ في بيت البكرى بالخرنفش برئاسة ووكالة الشيخ محمد عبده وكان من أعضائه: أمين باشا فكرى والشنقيطى وإسماعيل صبرى وحفنى ناصف ومحمد بيرم التونسى ومحمد الويلحى ومحمد عثمان جلال ومصطفى نجيب، وقد عقد عدة جلسات سجلت فيها بعض الكلمات العاملة والدخيلة واتفق على عدة كلمات اوردها حسن السندوبى في بحثه بالاهرام (٨/ ٨/١٩٣٤). وهى: المدرة بدلا من المحامى. ورحى بدلا من برافو، والمسرة بدلا من التلفون، وعم صباحا بدلا من بونجور، وحراقبة بدلا من طوربيد. كما ذكر انهم اختلفوا في (الأتومبيل) وأطلق عليه ثكيب ارسلان الفرارة وقال زكى باشا السيارة. ثم تجددت الفكرة عام ١٩١٧ فعقد مجمع لغوى في دار الكتب برئاسة سليم البشرى - شيخ الأزهر إذا ذاك - ووكيله الشيخ محمد بخيت وسكرتيره لطفى السيد ومن اعضائه عبد الرحمن قراعة، حلمى عيسى، رشيد رضا، أحمد الاسكندرى، عبد العزيز فهمى، أحمد كمان، وأمين واصف، إسماعيل رأفت، فارس نمر، يعقوب صروف، أحمد زكى، حفنى ناصف، أحمد تيمور، احمد عيسى وأضافوا اليهم ثلاثة أعضاء فارسى وسريانى وعربي وعنوا بوضع معجم لغوى يفى حاجة العصر الحديث. وقد أجمع الباحثون على ان مهمة المجمع هى: - المحافظة على سلامة اللغة من غلبة اللغات عليها بما يخرجها عن اوضاعها الاصلية بتسجيل لغة أخرى. - التوسع في تطبيق بعض قواعدها الجزئية لتنويع طرق التعبير بها وتسهيل اضافة اسماء حديثة لمسميات حديثة إلى معجماتها العلمية. - العمل على أن تكون وافية بمطالب العلوم والفنون ملائمة على العموم لحاجات الحياة في العصر الحاضر.

стр. 273

وضع معجم تاريخى للغة العربية. ثم كانت المرحلة الثالثة هى انشاء مجمع اللغة العربية في ١٤/ ١٢/١٩٣٢ من عدد العلماء والمفكرين وانضم اليه عدد من المستشرقين الانجليز والفرنسيين وغيرهم. كما جرت خارج المجمع أبحاث وأعمال هامة في والأمير مصطفى الشهابى وقد عنى هؤلاء الباحثون بتعريب أحمد عيسى والدكتور محمد شرف والدكتور أمين المعلوف المصطلحات الطبية والعسكرية والزراعية - وكان من رأى الدكتور أحمد عيسى: انه لا مانع من استعمال الكلمات الأعجمية عند الضرورة على أن يستغنى عنها بعد أن توجد بديلات عربية عنها ولا مانع من التعريب ففى القرآن الكريم كلمات معربة كالسندس وقد واجه المجمع اللغوى في مصر حملات متعددة ولكنها كانت مغرضة، قام بها خصوم اللغة العربية وان بها عمله بطيئا في هذه الفترة التي نؤرخها الا انه استطاع ان يحقق وضع عدد من المعاجم لألفاظ القرآن والحضارة وغيرها. بل أن عددا من اعضاء المجمع اليوم قد هاجموه قبل أن يشركوا فيه. *** رأي المنصفين ولا شك أن اللغة العربية في معركتها ازاء حملة الغزو الثقافي والتغريب قد استطاعت ان تحقق انتصارا كبيرا بمقاومة فكرة القضاء عليها والتقريب بين لغة الكلام ولغة الكتابة. وقد شهد للغة العربية كثيرون من مفكرى الغرب حتى ان ارنست رينان - وهو على ما هو تعصبا وخصومة - شهد لها في كتابه (تاريخ اللغات السامية) أنها بدأت للعرب والعربية - فجأة على غاية الكمال وأن هذا عنده من أغرب ما وقع في تاريخ البشر وصعب حله، وقد انتشرت سلسلة أي: سلاسة. غنية أي: غنى، كاملة لم يدخل عليها منذ ذلك العهد إلى يومنا هذا أي: تعديل مهم، فليس لها طفولة ولا شيخوخة، اذ ظهرت لأول أمرها تامة مستحكمة ولم يمض على فتح الأندلس أكثر من خمسين سنة حتى اضطر رجال الكنيسة أن يترجموا صلواتهم بالعربية ليفهمها النصارى. ولحظ شبنجلر في كتابه انهيار الغرب "مدى تأثير اللغة العربية في شكل تفكيرهم" وقال أن اللغة العربية لعبت دورا أساسيا كوسيلة للنشر المعارف وآلة للتفكير في خلال المرحلة التاريخية التي بدأت حين احتكر العرب على حساب الرومان واليونان طريق الهند. ويرى العلامة فريتاغ الألمانى في معجمه الكبير عن اللاتينية والعربية أن اللغة العربية ليست أغنى لغات العالم فحسب بل أن الذين نبغوا في التأليف بها لا يكاد يأتى عليهم العد، وأن اختلافا عنهم في الزمان والسجايا والأخلاق أقام بيننا ونحن الغرباء عن العربية، وبين ما الفوه حجابا لا نتبين ما وراءه الا بصعوبة. ٣ - وقال رينشرد كوتهيل (الهلال ١٩٢٠ م ٢٨): انه لا يعقل أن تحل اللغة الفرنسية أو الانجليزية محل اللغة لعربية وأن شعبا له آداب غنية منوعة كالآداب العربية ولغة مرنة لينة ذات مادة تكاد لا تغنى لا يخون ماضية ولا ينبذ ارثا اتصل اليه بعد قرون طويلة عن أبائه وأجداده، وأن التباين الجزئى الذي يبدو بين اللهجات العربية لابد ان يزول وعليه فستكون عندنا منطقة عربية تتكلم لغة واحدة شاملة. ولقد كان للعربية ماض مجيد وفي مذهبى أنه سيكون لها مستقبل باهر. ٤ - واكد وليم ورل (الهلال ١٩٢٠ م ٢٨) ان اللغة العربية لم تتقهقر قط فيما مضى امام أي: لغة من اللغات التي احتكمت بها وانها ستحافظ على كيانها في المستقبل كما فعلت في الماضة، وان لها لين ومرونه يمكنانها من التكيف وفقا لمقتضيات العصر. وان اللغات الأوربية في خلال ٢٥٠ سنة لم تستطع السيطرة على العربية أو اضعاف مكانها. ٥ - وقال مرجليوث (الهلال اكتوبر ١٩١٧) ان اللغة العربية لا تزال حية حياة حقيقية، وانها احدى ثلاث لغات استولت على سكان المعمورة استيلاء لم يحصل عليه غيرها (الانجليزية والاسبانية) وهى تخالف اختيها بأن زمان حدوثهما معروف ولا يزيد سنهما على قرون معدودة، أما اللغة العربية فابتداؤها اقدم من كل تاريخ وقال انطون الياس: ان اللغة العربية أقدم لغة

стр. 274

حية، وأرجع كثيرا من الكلمات الانجليزية واللاتينية واليونانية وغيرها إلى أصلها العربي وبرهن على أنه ليس لها في غير العربية تحليل ولا تركيب، قال أن بعض اللاتين قد أتخذوا لهم ديدنا هو أظهار اللغة العربية العظمى بمظهر لغة ميتة وغير مفهومة عند ثلاث أرباع المتكلمين بها. أما لغة الكلام فهى نظر هؤلاء اللاتين عبارة عن لهجات علمية لا ارتباط بينها ومصيرها الفناء بعد زمن قليل. وقال أن حسب هؤلاء أن يذهبوا إلى مصر وسوريا ليتجلى لهم بالبرهان القاطع أن اللغة العربية التي وئدت قبل أن يحين أجلها هى على عكس ما يذهبون اليه لغة حية بكل ما في الحياة من قوة". ولقد جاهد في سبيل اللغة كثيرون منهم ثلاثة أقطاب لا يمكن تجاهل دورهم في خدمة اللغة وحمايتها وتطورها: أحمد تيمور وعبد القادر المغربي وانستاس الكرملى (اقرأ دراسات عنهم في كتابنا حماة اللغة العربية). ولعل خير ما يختم به البحث ما سجله الخليل في كتاب العين من أن عدد أبنية كلام العرب المستعمل والمهمل (٤١٢,٣٠٥,١٢) كلمة. وأن عدد الألفاظ العربية ٦ لفظ لا يستعمل منها الا ٥٦٢٠ لفظا والباقى مهمل.

стр. 275

(٦) المجتمع إزاء الاستعمار والغزو الثقافي والتغريب لقد واجه مجتمعنا العربي بين الحربين معركة ضخمة فقط سقط الوطن العربي كله-تقريبا- في قبضة الاستعمار وفرض عليه الغزو الثقافي والتغريب. وكان على المجتمع أن يواجه تيارا ضخما من الحضارة المادية في مختلف صورها فقد خف سلطان الدين والمعانى الروحية، وتغرب التعليم واستطاعت الصحافة أن تبث كثيرا من آراء الحرية والانطلاق. كما فرض الاستعمار على الوطن العربي غزوا غريبا مدمرا يتمثل في المخدرات والخيانات والبغاء العلنى المصرح به بأمر القانون. وواجه الشباب حياة جديدة تختلف عن حياة التي كان يحياها أبائه في ظل هذه الأضواء والحريات، وارتفعت صيحات تحرير المرأة. والدعوة إلى تعلمها وسفورها، واستتبع هذا ظهور مشاكل جديدة وقضايا متعددة منها أزمة الزواج، كما واجهت الأسرة أزمات جديدة من التفكك والانحلال. وحدثت تطورت في شئون الزى والأغانى وظهرت الدعوات إلى الاصلاح الاجتماعى. ولا شك أن حركة الغزو الثقافي والتغريب التي قام بها الاستعمار قد أدت إلى خلق جو من الانحلال والفساد وقد كانت حملة الاستعمار على الدين عاملا من عوامل الاستهانة بقواعد الخلق ومقومات الفضائل والقيم، مما أدى إلى الاستهانة بها وبذلك اضطرب المجتمع في عناصره الثلاث: الشباب والأسرة والمجتمع. وقد رسم محمود أبو العيون صورة المجتمع في مصر بعد الحرب العالمية الأولى فقال "أنها-أى الحرب- تمخضت عن عجائب مدهشات. ظهر الجيش الأحمر في روسيا وطغى سيله وصحا الرجل المريض في الأناضول تحت ظل القنا وخفق النبوذ، وأزال شيخ الخلافة العثمانية الذي أرهب أوربا. كما أن ثورة ١٩١٩ تركت أثرا بالغا في آداب الأمة المصرية وأخلاقها ولكنا لا نفهم أن ما كنا نسميه نهضة سامية نرمز لها بالتماثيل ونقيم لها الأنصاب، وما كنا نود أن نأخذ من معناه كماله الأوفى يجر إلى انتكاس واضمحلال في كل معانى الحياة الناهضة وتلك التي بذلنا في سبيلها مهجا غالية ودماء ذكية. نقول أن ثورة ١٩١٩ التي طأطأ لها التاريخ أجلالا وهومت لها الأمم اكبارا واعظاما كانت في حياة مصر فجرا كاذبا لمع نوره في آفاقها كلسان الشمعة ثم خبأ وأظلم وها نحن في ديجور الظلمة تائهين حيارى". *** معركة الشباب تأثر الشباب بالأفكار الغربية في الحرية والانطلاق من القيود، وكان للدعوات النازية والفاشية التي ظهرت في أوربا أثرها في أفكار الشباب المتطلع إلى الحرية فقد أخذت مظهريات الأزياء العسكرية، والصرخات المتطلعة، غير أن الأحزاب كانت ما تزال تفرض سلطانها ونفوذها وتحمل مع هذا جراثيم الاغراء بالمال، والنزول عن معانى الوطنية الخالصة، وتغليب االنفعية على القيم، والمصلحة على التجرد. وجرى مع هذا اتجاه إلى التخفف من أعباء الثقافة والجهاد والحرص على الحصول على النتائج السريعة بأقل جهد، وأعانت السياسة على ذلك في الجامعات والمدارس فحصل الشباب على القشور، واكتفى بالشهادة الرسمية وبذلك ضعف المستوى الثقافي. وقد وصفهم محمود أبو العيون (الأهرام ٧/ ١/٣٤) بأنهم من الطراوة والميوعة بحيث لا يقدسون ماضيا ولا يحفلون بمصير وأنهم يضيعون أوقات حياتهم في العبث والمجون وان أفكارهم تصور الأوهام الفاسدة وألسنتهم تنطق بالألفاظ المستهجنةونظراتهم خائنة. وأنه لا شئ أفعل للعصبية ولا أذرى بالمروءة ولا أخطر لكرامة الشعوب من تلك الاباحة الخاسرة.

стр. 276

ويرى عباس عمار (١١/ ٢/٣٤) الأهرام-أن الحالة التعسة للشباب سيئة متوترة واليأس في قلوبهم يملؤها حتى كادت تطفح به. وأن نظراتهم إلى التعليم مادية وأن غرض الثقافة الأسمى يتلاشى ويزول فضلا عن اهمالهم للمثل العليا وتضحية مبادئ الأخلاق في سبيل الغاية وبذلك أمتهن التعليم وهانت على المتعلمين أنفسهم. أما لطفى السيد فيرى أن الجيل الجديد أفضل من الجيل القديم أذا كان قوام الأخلاق في الماضى هو الخوف وأن ملاكها اليوم هو الحرية. وقال "أن عيب هذا الجيل أنه مفتون يتملكه الغرور وقال أن هذا رد فعلى طبيعى لطبائع الاستبداد التي كانت تشمل بمشخصاتها الحاكم والمحكوم جميعا كل في دائرته. "فالحكم يظلم المحكومين ورؤساء العائلات يتشبهون بهم في دوائرهم الخاصة بل في في بيوتهم". *** أزمات الأسرة وقد تأثرت الأسرة بالتطور الاجتماعى الذي أحدثه الاستعمار فأصابها الاضطراب وضعفت عن التماسك نتيجة لثلاث أزمات متصلة (١) الاضراب عن الزواج (٢) تعدد حوادث الطلاق (٣) اضطراب العلاقات في الأسرة، وقد تبين أن انحلال الأسر في الأوساط المثقفة ملفت للنظر وكان العامل الاقتصادى له أثره في الاضراب عن الزواج كما كان لحرية الحياة الخارجية عن طريق البغاء السرى والعلنى أثرها في ضعف الرغبة اليه. وقد دعا المصلحون إلى فرض ضريبة العزاب على من بلغوا سن الخامسة والعشرين أو جاوزوها (٤) ورفع مستوى المعيشة المادية وخفض المهور كمحلول لهذه الأزمة. وقد وصل بعضهم إلى الاعتقاد بأن الحضارة قد كانت بعيدة الأثر في اهدار ذلك الركن وتعريضه للانحلال حتى أن بعض المثقفين أصبح مقتنعا بأن الزواج ليس من ضرورات الحياة وأن في الامكان الاستمتاع بالمرأة بغير زواج. ورأى البعض أن انتشار الاباحة وتنشيط عواملها كان عاملا من عوامل أزمة الزواج وقالوا في تعليل ذلك أن أزمة الزواج غير موجودة في الريف حيث لا توجد المدنية الحديثة وربما كان تطلع الزوج إلى زوجة غنيية تساعده بمالها في الاستمتاع بزخارف الحياة، أو انتظار الزوج يمر بمرحلة تكوين بيت عصرى من هذه الأسباب. ومما كان له أثر في أزمة الأسرة: نزول المرأة إلى ميدان العمل وبلوغها حريتها التامة مما أضعف علاقتها بالأسرة. اذا لم يعد من الممكن أن تقضى وقتها في أعمال المنزل وحمل عبء الأطفال بعد أن تحررت من هذه الشئون ووكلتها إلى الخادمات. *** أزمة الاختلاط واتصلت بهذا أزمة الاختلاط بين الجنسين، وقد لقى الاختلاط معارضة كبرى حتى من السيدات المثقفات اللائى أتهمن الرجل بأنه هو الذي قاد حركة المرأة ووجهها على هواه ولمصلحته، ولذلك فهو المسئول عما بها من أخطاء. وقال عبد الحميد صعيد: أن اختلاط الجنسين في بلادنا لا يؤدى إلى الحب والتفاهم ولكن إلى فوضى العواطف وفحش الميول. وغير صحيح أن تقدم الأوربيين يرجع إلى سفور المرأة واشتراكها مع الرجل في الأعمال ومنافستها له في كسب الرزق. وعارض هذا الرأى رأى يقول أن اختلاطا في الدراسة تحت رقابة عيون الوزارة والأساتذة وفي سبيل العلم وفي بيئة راقية من غير شك من حيث النتائج من اختلاط خفى قد تقع فيه الطالبة فريسة لغواية تقضى على مستقبلها. *** الزواج بالأجنبيات ولقد كان للاستعمار أثره في خلق مشكلة الزواج بالأجنبيات حرصا على كسب عدد من المثقفين الذين تعلموا في أوربا كجزء من خطة تغريبهم وربطهم بأهداف الاستعمار. وطال الجدل حول الزواج بالأجنبيات، وكان

стр. 277

هناك رأى يقول أن الزواج االمختلط لا يورث الأبناء الخارجين منه الا شر أخلاق الطرفين، ومنهم من يقول أنه انما يورث خير ما عند الطرفين من غرائز. ومنهم من يقول بأن النتائج لا يمكن الحزم بها لأنها تبقى معلقة على طبائع الغرائز المتفاعلة. وذكر (محمود عزمى وهو من المتزوجين بأجنبيات) بأن الشرقى المتزوج بغربية تظل حياته هادئة هيئته ما دما مقيمين في الغرب في البيئة التي تمكنت بينهما الألفة فيها ولكن هذه الحياة لا تلبث أن تنقلب حياة مضطربة اذا ماعدا إلى الشرق. وقد أيد محمود عزمى الزواج بالأجنبيات وقال أنه يساعد على تحقيق (الأخذ بناصية المدنية الغربية) فيتعرفون عن طريقهن مختلف المناحى العلمية للمدنية الغربية كما يعملون على "بث الدعوة للمدنية الغربية في أوساطهم الشرقية التي تنتهى بالتعود على فكرة الاختلاط والنظر إلى المرأة على أنها انسان وشخص يشارك الرجل" وبذلك أكد محمود عزمى الغاية التي أرادها الاستعمار من تشجيع هذا الزواج، بينما كان رأى المعرضين أن نتيجته كما قال فكرى أباظة "اننا نلقح دمنا المصري بدم أجنبى لا يمكن أن يكون وفيا للوطن ولا وفيا للنيل ولا مواليا للأهرام. ثم يتغلغل هذا الدم في أجساد الأولاد وأذهان الأولاد واحساس الأولاد فيغذى مخلوقات لا تحن لمصر حنين المصري الفح الخالص، هذا فضلا عن النكبات الاجتماعية الكثيرة التي ينكبنا بها الزواج المختلط". ومن رأى بعض الساحثين أن الزوجة الأجنبية عندما تعود إلى البيئة المصرية التي لم تتعود عاداتها ولم تألف عرفها، فانها تكون جوا جديدا من الأجانب والأجنبيات الذين يمتون وطنها دولة. وتجد أنها مبعدة هى وأولادها عن الوسط المصرى، عندئذ ينتقل الزوج إلى الوسط الأجنبى بدلا من أن ينقل زوجته إلى الوسط المصرى، لذلك ينشأ أولاده نشأة أجنبية لغة وثقافة وعاطفة. وقد جرت أبحاث من شأن صدور قوانين تمنع الطلبة والموظفين والمصريين في الخارج من الاقتران بأجنبيات. وقد حدث حادث كان له أثره في البحث عن أخطار الزواج بالأجنبيات، ذلك هو اطلاقى "مرغيت فهمى" الفرنسية الرصاص على زوجها على كامل فهمى (١٠ - يولية ١٩٢٣) وفي أثناء المحاكمة عزا المحامى الأجنبى عن المتهمين إلى الشرقيين عامة والمصريين خاصة تهما غريبة أثارت الرأى العام. *** المسائل الجنسية وتعددت الأبحاث حول "الصراحة في المسائل الجنسية": وقد اختلف رأى الباحثين حول تغليب الصراحة أو الاخفاء، وقال الدكتور أبراهيم ناجى "أن الذي نخشاه أن يفهم-رأى المراهق والمراهقة- أشياء كثيرة على غير طبيعتها وأغلب الظن أنهما تلقيانها عن الجهال أو من الكتب المتداولة التجارية التي لا تطرق من الموضوع الا في حدود ما تجده مروجا للكتاب. وقال. أن علينا أن نتحدث في صراحة لأننا قد نقع ضحايا جهل الأمراض التناسلية. وقال فريد أبو حديد أنه اذا اضطهد الشعور الجنسى فان الأفراد يضطرون إلى توجيهه إلى مسائل شتى. وقد يصبح الشعور الجنسى المكبوت عبارة عن قوة دافعة خفية تعمل على اختلاس اللذة الجنسية في الخفاء ولا تلبث هذه القوة أن تظهر بآثارها الاجتماعية الخطيرة. *** تحديد النسل وجرى البحث حول تقييد النسل أو اطلاقه ويعد "مريت غالى" أول باحث اجتماعى مصري دعا إلى تحديد النسل، ورأى الدين أنه جائز بشروطه وظروفه. وقد دعا سلامة موسى إلى تحديد النسل ثم عاد فأنكر الدعوة وخطأها. *** تعدد الزوجات كما جرى البحث حول تعدد الزوجات وخطر هذا التعدد ورأى الدين واضح في هذا حيث لا يجوز التعدد الا لظروف خاصة.

стр. 278

معركة إلغاء البغاء وكانت معركة البغاء من أشد هذه المعارك وأقواها في ميدان البحث وقد حمل لواء الدعوة اليها الشيخ محمود أيو العيون، في سلسلة مقالات في الأهرام بدأها ٢٠/ ١١ سنة ١٩٢٣ واستهلها على هذا النحو: "بين سمع الحكومة وبصرها تقام سوق للفجور وتنقض سوق، وتذهب الأعراض ضحايا الشهوات والأطماع بلا نكير ولا رقيب وبين سمع الحكومة وبصرها تنظم الجمعيات السرية لتجارة الرقيق ويجوب دعاتها الأمصار والقرى طلائع وكتائب يختطفون كل طفلة ومعصر وعانس وخود، وبين سمع الحكومة وبصرها والمخدرات تتمرد الروح الخبيثة، ويؤسس الزعيم "الغربى" مملكة منظمة، داخلها مفقود، هنالك وفي سجون ذلك المستبد الظالم تزج الفتيات الغافلات جليبات خزى وأسيرات بغى. هنالك يمتهن الشرف وتزهق الانسانية وتطارد الفضيلة. ثم هاجم الحكومة التي لم تأخذ درسا من الجلادين والجلادات (علام وأبى الدهب وريا وسكينة وغير هؤلاء) وقال وهذه حادثة الغربي ثالثة الأسافى وفضيحة العمر وسبة الدهر. ثم توالت مقالاته يعرض فيها لجوانب المشكلة. ويعرض "للمذاهب الاباحية التي تهدد البلاد بالمحن والزرايا-فى الدين والخلق، فتكثر الجنايات وتتكرر المؤامرات على أغتيال الأعراض وشرف البيوتات، وتساءل عما وضعته الدولة من مراقبة لصون الأعراض يعد حادثة الغربى". وتساءل عما اذا كانت الحكومة (تجهل مواطن الموبقات والفسوق في كل شارع وفي كل حى وفي كل منتدى ظاهر وفي أطراف المدينة وأحشائها) وتحدث عن الزعيم الغربي (الذى هزه لكتابة هذه المقالات) فصور (ما أذهب من شرف وكرامة وما أقام من ولائم وحفلات قصد ونكر ضمت من ضمت من أعاظم الرجال وأخطر السيدات وما شيد من معارض للفسوق يدعو اليها سائحى الأفرنج للتفرج على الممرات والفضائح بصور قبيحة كما يتفرجون على آثار الشرق ومدافن توت عنخ آمون). وأشار إلى حالة شارع (كلوت بك) وانتشار بيوت الفساد فيه وحوانيت تعاطى المكيفات والحانات المرخص بها للأثرية وقال أن الحكومة ضعفت أمام سلطان الاستعمار الذي فرض عليها اباحة الزنا والترخيص بالمسكرات ولعب القمار وتغطية محاولات تجارة الرقيق في خطف البنات. ثم قدم كشفا بأماكن المنازل السرية بالعاصمة (١٧/ ١٢/١٩٢٣) وقال أنها غير محلات النوم والخياطة والزار ومكاتب المخدمين والتدليك والذهبيات المعدة للفجور، ونادى "الغوث الغوث. النجدة النجدة" وكشف عن أن المصابين بالأمراض التناسلية يبلغ ٨٢٠ ألف- وقال أن هناك مليون اصابة في العام، وقال أن الحكومة ترخص بالبغاء. ثم تهمل مراقبة البيوت السرية والآداب العامة. *** ونقل أبو العيون نصا من تقرير قسم اللوائح والرخص هو: "أن الدول التي حرمت البغاء أو تجاهلته لم تفعل ذلك احتراما للدين والآداب والرأى العام فقط بل لأنها رأت أيضا أن الاعتراف به رسميا مفسدة للأخلاق وأنه مسبب للأمراض موجد لجريمة الاسترقاق مروج لتجارة الرقيق الأبيض). ولم يتوقف محمود أبو العيون عند هذا الحد بل أنه أجرى استطلاعا كاملا عن "فضيحة" الغربي التي هزت الدوائر المختلفة وكانت رمزا على مدى الخطر الذي وصلت اليه البلاد بنتيجة للغزو الغربي في ميدان الاجتماع. وكشف عن شخصية (إبراهيم محمد محمود الغربى) الذي تعرض لافساد الأخلاق بأن اعتاد تحريض الفتيات اللاتى لم يبلغن سن الثانية عشر سنة على الفجور والفسق. ووضعهن في منازل معدة للدعارة وعرضهن على المترددين لارتكاب الفاحشة معهن. ثم وصف بزيارته لهذه الشوارع والحارات "القذرة" لرؤيتها وقال "رأيت ما لم أره من قبل. رأيت أسفل منظر وقع عليه نظرى، لم أرسوقا للأعراض مرخصا بها من الحكومة مثل سوق الوسعة في القاهرة هناك، نساء لا عد لهن من جميع الألوان منهن السوداء والبيضاء والنحاسية اللون، جالسات على أبواب منازلهن ينادين بالعربية كل من يمر ليرينه رخصهن المصرح بها من الحكومة".

стр. 279

ووصف إبراهيم الغربى: هذا الرجل "اذا شئت أن تقول بحق-هذا الشيطان، بأنه أشنع منظر تراه في مصر وقال "وانى أعتقد انه الرجل الوحيد من نوعه في العالم الذي يعلن عن مهنته صراحة وله ميزة تميزه عن زملائه فانه شرهم" "فقلما تجد بين هؤلاء السياح من يغادر أرض الفراعنة قبل أن يرى إبراهيم الغربى. وجدنا منزل إبراهيم الغربي منارا بالأضواء الكثيرة ووجدنا القاصرات المرخص لهن جالسات في مدخله، كان إبراهيم الغربي بينهم مرتديا ملابس امرأة ملونا وجهه كما تفعل النساء رغم سواده. له جلد أسود لامع وعينان واسعتان يضع على رأسه طوقا من الذهب المرصع بالأحجار الكريمة وتجد ذراعيه عاريتين إلى الكتف وبهما من الأساور الذهبية الثمينة عدد كبير، وقد أحصيت ما تحمله الذراع الواحدة منها فوجدت أنها أكثر من أربعة عشر صنفا من الأساور، وكان حول رقبته عقد من الذهب، ويحمل في أصابعه خواتم عديدة ويضع في رجليه خلخالا من الذهب ويلبس على جسمه ملابس مزركشة بالذهب والفضة والترتر مما يعكس الضوء فيبهر الأبصار، انهم ينظرون اليه هناك كمل لو كان شيئا خارقا للطبيعة، أو كمل لو كان شخصا مقدسا، وسعيد هو الذي أتيحت له الفرصة أن يلمس جسمه وكثير من الوطنيين يجزمون بأنه اذا غضب على كائن من كان فجزاؤه الموت، وعندى أنه يجب ضرب هذا المخلوق بالكرباج في ميدان عام وأمام الجمهور يقولون أنه ذو ثروة طائلة ونفوذ واسع. وقيل لى أنه نظرا لنفوذه عرض أسمه على الخديو السابق من أجل أن ينعم عليه برتبة البكوية ... ولم يتوقف "أبو العيون" عن الدعوة إلى الغاء البغاء ألا بعد أن انبرت جريدة السياسة تقاومه وتسخر به، هنالك توقفت الأهرام عن نشر مقالاته، بعد أن كشف الستار عن فضائح هذه الجريمة وكشف عن شرور البغاء وحمل على الحكومة حملة منكرة. ولم يلبث أن أرسل إلى البرلمان في أول جلسة من جلساته برقية يطالب بالغاء البغاء الرسمى، وقام بمحاولة ضخمة حين مر على وزراء الدولة وعظماء البلاد وكتابها المصلحين يستكتبهم رأيهم في البغاء، هنالك ازدادت حملة الصحف التغريبية عليه وقاومت دعوته بالشتم والمنابذة ونشرت له المجلات صورا كاريكاتورية قاسية. ووصفوه "بأنه مأجور وصنيعة ومشعوذ ودجال". ثم لم يلبث أن عاود الحملة في يوليو ١٩٣٣ مستأنفا الدعوة إلى محاربة البغاء بالدعوة إلى مطاردة محترفيه وازاله مواخيره وهدم أسواقه النافقة في العواصم والأمصار. ووصف البغاء بأنه "احتراف امرأة تبذل أعضاء جسمها للرجل في مقابل أجر معين. والإسلام دين الدولة الرسمى يحرمه ويعاقب عليه، والأديان كلها تضافرت على تحريمه. وقد راعى الشارع في ذلك صيانة المجتمع من الشرور والمفاسد التي تتنافى مع الآداب والأخلاق والصحة ونظام الأمن". وبين أن أبلغ اباحة البغاء امتهانه لكرامة فريق من بنى الانسان، وورد ما ورد في تقرير عصبة الأمم سنة ١٩٢٧ عن تجارة الرقيق من أن مصر أصبحت ميدانا حيويا ومركزا هاما من المراكز الدولية. وصور كيف أن الترخيص بالبغاء السرى سهل على الشباب الاستمتاع بالمرأة من غير زواج، ودعا إلى سن قانون للزواج في سن معينة وتعليم الدين اجباريا في المدارس ومكافحة الأمراض السرية ودعا إلى الغاء البغاء دفعة واحدة. وكانت الحكومة قد اتخذت قرارا عام ١٩٣٢ لبحث موضوع البغاء وجرى اتصال اللجنة التي كونها الدكتور محمد شاهين وزير الصحة بمختلف الهيئات والطبقات للوقوف على وجهة نظرها وقد ظلت هذه اللجنة معطلة حتى عام ١٩٤١ عندما أعلنت توصيتها بالغاء البغاء الرسمى ولم يتم ذلك الا بعد عام ١٩٤٦. *** تحريم المسكرات ودارت معركة أخرى لمحاربة المسكرات قادها الدكتور أحمد علوش وحمل لواء الحرب في سبيل ذلك أمدا طويلا عن طريق الصحافة والخطابة والنشرات وقد ورد في رسائله أن نسبة مدمنى الخمر من المصريين لم تكن تزيد قبل الاحتلال البريطانى على ٧ أو ٨ في المائة، ونعى على الحكومة الترخيص بفتح محلات لبيع الخمور وطالب بتحريم الخمر صنعا وبيعا وشراءا واستعمالا. وبين كيف كانت المسكرات سببا في أزدياد الجرائم

стр. 280

والإصابة بالجنون وحوادث الطلاق ونقصان قوة الانتاج. وكيف أن ما يرد للدولة من ايرادات نظير استيراد الخمور مهما بلغ مليون من الجنيهات فانه تقابله خسارة ضخمة في القوة العاملة. وهاجم عام ١٩٣٤ اعتزام الحكومة تخفيض الرسوم الجمركية على الأنبذة المستوردة من بلاد اليونان وردد ما قاله المؤتمر الدولى التاسع عشر للمسكرات ومعظم أعضائه من أساطين الطب وأكابر العلماء. *** المخدرات وكنت معركة المخدرات من أقسى هذه المعارك وأطولها، ذلك أن حكمدار القاهرة "رسل باشا" الذي استمر في هذا المنصب أكثر من عشرين عاما كان يتولى بنفسه استيراد المخدرات وحماية وصولها إلى الأراضى المصرية وتوزيعها، وكان في نفس الوقت مسئولا بحكم عمله الرسمى عن محاربتها ومقاومتها. ولقد مر على مصر فترة أنتشر فيها الكوكاكين والهيرويين بدرجة فاتكة وقد تبين أن العدد الأكبر من تجار المخدرات والمهربين هم من الأجانب الذين يحتمون بالامتيازات الأجنبية ولا يمكن محاكمتهم الا أمام محاكمهم الخاصة وقد ضبط في عام ١٩٢٦ وحده ٥١٦٧ كيلو من الحشيش و ١٧٢ كيلو من الأفيون و ٦٤٦ كيلو من الكوكاكين و ٩ من المورفين واذا كان هذا هو ما صودر فأن الكميات التي وصلت كانت لابد أضعاف ذلك. وقد كشفت التحقيقات المتوالية عن عصابات منظمة تنظيما دقيقا ينفق عليها بسخاء في سبيل ادخال هذه المواد إلى البلاد. وقد ورد في التقارير أنه قبل سنة ١٩٢٢ لم يكن يعرف في مصر سوى الحشيش والأفيون وأصبحت زراعة الحشيش ممنوعة في مصر منعا باتا منذ الاحتلال البريطانى. وذكر رسل باشا في بعض تقاريره أن المخدرات لا تنحصر في نوع واحد بل تتناول جميع أنواع السموم القاتلة للعقول والأجساد. وطالبت الصحافة بتعديل قانون المحاكم المختلطة حتى يمكن محاكمة الأجانب الذين تتاجرون في المخدرات، غير أن الاسعمار كان يحاول دائما دون تحقيق ذلك لاستمرار الغزو الاجتماعى عن طريق المخدرات، ولقد تنبأت صحف لندن بأن الأمة المصرية واقعة لا محالة في هوة الادمان على المخدرات وكتبت الديلى اكسبريس في ٦ مارس ١٩٢٧ مقالا بعنوان "المصريون أخذوا يصيرون شعبا يدمن المخدرات" وقد جرت محاولات كثيرة لمقاومة هذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة، غير أن الاستعمار حال دون تحقيق أى عمل ايجابى في هذا الصدد. *** معركة الأغانى وكانت معركة الأغانى احدى المعارك الفكرية الهامة فقد سيطر بعد الاحتلال البريطانى طابع من الأغانى المخنثة المرذولة وصف بأنه يشيع في النفس الذلة والحسرة والموت. ونبه الكتاب إلى مدى الخطر الذي يهدد الأخلاق والرجولة من جراء الغناء الشائع على الألسنة والقيت تبعة الانحطاط على الشعراء. وقد صور إبراهيم المصري هذا التيار فقال: أن هذا اللون من الأدب في جملته مخنث مرزول يعنى بالتأنق الشكلى والحلاوة اللفظية دون الفكر، وأن أخلاقنا مخنثة مرذولة قوامها المجون وطابعها الاستخفاف وعدم الاكتراث، وذوقنا نفسه مخنث مرزول يميل إلى الرخاوة ويستمرئ النعومة ويستطيب كل ما هو رقيق حالم فاتر مريض" ووصف أثر ذلك على الشباب، وقال أنه يصدر عن موجات مروعة من التميع المادى الرخص واللهو الأنانى الفاجع" وبين غيره من الكتاب أن الأغانى والأناشيد المصرية لا تمثل روح فضائل العظمة والكبرياء والأنفة والشمم واحتقار الجبن والجبناء والنذالة والانذال ودعا الكتاب إلى طرق أبواب الحماسة والحكم بجوار التشبيب والمديح وأبواب الفضائل والأخلاق بجوار الوجد والهيام "حتى تتخلل الحكمة النفوس الجامحة باعتبارها الطريق السهل إلى المشاعر واستغلال هذه المفاتح في الخير العام واصلاح النفوس" (حسين محمد الرفاعى ٧/ ٦/١٩٣٣). وقد جرجت الدعوة منذ عام ١٩٢٠ إلى اعداد النشيد الوطنى (أسوه بالأمم الراقية) ونظم شوقى: بنى مصر مكانكموا تيها ... فيها مهدوا للملك هيا ونظم الهوارى: عت مصر فلبينا كراما ... لنا مصر فلاندع الزماما

стр. 281

معركة الزى وكانت معركة الزى من أهم المعارك الاجتماعية. أتجهت إلى استبدال الطربوش بالعمامة في البيئات الدينية والأزهرية، والقبعة بالطربوش في البيئات المدنية. وقد جرت معارك في دار العلوم عام ١٩٢٥ حول استبدال الزى الأزهرى بالزى العصرى. وقال الشيخ حافظ عبد ربه أن الزى الأزهرى بوصفه الحالى عائق كبير يحجب عن صاحبه كثير من حقائق الحياة ويدفع به خطوات إلى الوراء أو على الأقل يمنعه من مشاركة المجتمع في شتى مرافقه ونواحيه وأنه في الوقت نفسه يؤكد الطبقية بين صفوف الشعب ويبقى على الفوارق البغيضة المذمومة. وقد جرى البحث حول العلاقة بين تغيير الزى وتغيير العقلية وهل يمكن أن يؤدى هذا التطور المادى إلى تطور فكرى. واتصلت الأبحاث بمناسبة الثورة التركية وفرض القبعة على الأتراك العثمانيين والغاء الطربوش والعمامة. وقد جرت أبحاث حول العمامة والطربوش والقبعة. وقيل أن "العمامة" زى دينى بحت لا صلة له بالمجتمع ولا بالإسلام، وأن الزى الأزهرى خلقته الظروف ودعا اليه الوسط: وقد طالب علماء الأزهر بجعله مقصورا على رجال الدين. وردد الجانب الآخر أن العمامة زى أقره الشرع اذ كانت في صدر الإسلام زيا يتميز به المسلمون عن غيرهم، وأن الزى الأزهرى فضفاض يلائم بالصحة ولا يحول دون الاندماج في المجتمع وقد وجهت حملة ضخمة إلى "العمامة" بقصد التخلص منها. وهاجم الشيخ التفتازانى خصوم العمامة (٢٠ مارس ١٩٢٦ - الأهرام) وقال أنه اذا اختفت العمامة قبر الطربوش لأنها لا تجد ما تستند اليه وقال: أن العمامة زى قومى وأن العمائم تيجان العرب. أما الطربوش فيكفى أن ينفرد بالظهور بعد العمامة ليختفى بعد أسبوع من تاريخ زوالها لأن الحملة عليه سهلة موفقة .. أما القبعة التي تريدونها زيا لنشء هذا البلد الكريم فهى مظهر الفناء المطلق الذي تبلغ فجواته، الشخصية المصرية وتضيع في فيافيه مميزات أهل هذا البلد الظاهرية فلا تعرفهم بسيامهم وتراهم عبدة أزياء تغيرت ملامحهم" *** ٢ - الطربوش أما الطربوش فتاريخه أنه جاء مع الأتراك العثمانيين الذين لبسوه بعد فتح القسطنطينية، أخذه الأتراك من اليونان وأخذته مصر من الأتراك، وتخلى عنه مصطفى كمال. ومصر تلبس الطربوش قبل أن تصنع طربوشا واحدا وتستورده من النمسا. وقد لبس أحمد زكى باشا سكرتير مجلس الوزراء الطربوش الأبيض بعد أن قاطعت مصر النمسا وأضربت عن شراء بضائعها. وقال المقطم في حملته على الطربوش (١٤ يونيه عام ١٩١٧) أن الغربيين والشرقيين يظنون أن الطربوش شعار دينى إسلامي وهو ظن بعيد عن الحقيقة فانه ليس في الإسلام زى خاص. كما أن الطربوش ليس شعارا إسلاميا كذلك البرنيطة ليست شعارا مسيحيا. أما الطربوش فقد أقتبسه السلطان محمود الثانى العثمانى من الروم نصارى الأرخبيل ولم ينقضى أكثر من مائة سنه من اتخاذه غطاء للرأس بدلا من يتجان الانكشارية ودعا المقطم إلى ابطال الطربوش واستبداله بلباس آخر. وقد ذكر الباحثون أن التمسك بالطربوش يرجع إلى عوامل أهمها مسألة القومية والمصرية والشعار المصري وتميز المصري على غيره.

стр. 282

٣ - القبعة وقد جرت الدعوة إلى القبعة كلباس صالح صحى بدلا من الطربوش يحبس الدم وتنجم عنه أضرار الصلع، وأنه ليس هناك ما ينص في الدين على تحريم القبعة أو اشتراط أى لباس آخر. وقد تصدت الرابطة الشرقية والجمعية الطبية المصرية لبحث الأمر من الوجهة الطبية والدينية، وذكر بأن الجمهورية التركية لم تتخذ القبعة لسبب صحى بل لسبب اجتماعى، هو اختيار اللباس الأوربى وأفتت الرابطة والجمعية الطبية بأن أفضل لباس للرأس يوافق مصر في زمن الصيف هو (القلنسوة البيضاء) المصنوعة من الفلين. وقال الدكتور محجوب ثابت في حديث له مع محب الدين الخطيب (١٤ أغسطس ١٩٢٦) أن الطربوش صحيا خير من القبعة. وذكر أنه لا يدافع عن الطربوش لذاته وقال: أما أن القبعة لباس المتمدنيين فالتمدين ليس بالبرنيطة ولكن بالمعارف العلمية التي جعلت لابس القبعة يصل إلى هذه المكانة في الدنيا، هذه المكانة التي وصل اليها بعلوم القوة والثروة والعمران. وقال أن البرنيطة شعار أمم تحاول استلاب استقلالنا والاستيلاء على ديارنا واحتقارنا في أوطاننا وتاريخنا. وذكر أن الكماليين سجنوا من أجل القبعة من سجنوا وشردوا من شردوا. وقال "متطربش" معلقا: تبرنطوا اذا شئتموا واذا أردتم وتطربشوا اذا حلا لكم. ولكن لا تنسوا أن الدين والوطنية والأخلاق والقومية ليست في الثياب بل في الألباب، ولا في الدثار بل الأفكار ولا في شكل الملبوس بل في العقول التي في الرءوس. وأجمع كثير من الباحثين على أنه مسألة الخروج من العمامة إلى الطربوش ومن اللطربوش إلى القبعة انما هى تقليد للغرب، لا يقصد به منفعة واضحة أو غاية معلومة. وجرى ذكر ما قال سعد زغلول في معارضته لنبذ الطربوش "مثل الذين يتبرأون من أنسابهم" وقال العقاد "أن من سقوط الهمة أن ييتوارى الانسان وراء القبعة خجلا من جنسه". وقالت جريدة مانشيستر جارديان: أنه بينما العرب والترك يستعبدون للأزياء الغربية بأبشع أشكالها وأبعدها عن جمال الخيال والتصور يتحول الغربيون إلى التنويع والتزويق. وقد حققت هذه الحملة تحول كثير من طلبة دار العلوم والقضاء الشرعى من العمامة إلى الطربوش ومنع الأزهر التغيير. وصدرت في مصر فتوى رسمية (٢٥/ ٣/١٩٢٦) بأن المذاهب الأربعة المعمول بها مجمعة على تحريم لبس القبعة عند عدم الميل إلى دين أصحابها وعدم قصد الاستخفاف بدين الإسلام. وأ، في تغيير الزى القومى فناء للخصية وذلك شأن الضعيف- وردت الفتوى على ما قيل من أن الزى الغربي يدفع احتقار الغربيين وقالت "أن الزى لا يدفع احتقارا ولا يرد عارا مع فساد الخلق وتأخر العلم وعدم النهوض بالصنائع والأعمال الاقتصادية والأخلاقية". ولم تلبث أن وقعت حادثة الطربوش في تركيا بين وزير مصر المفوض ومصطفى كمال أتاتورك حيث أشار رئيس الجمهورية التركية إلى الوزير المصري برفع طربوشه في حفل رسمى. وقد امتدت معركة الطربوش إلى سوريا فكتبت جريدة النهار البيروتية (١٢/ ٩/١٩٣٣) بأن الطربوش نمساوى، وليس عربيا وأنه يذهب ثروة البلاد، وأن دمشق تستورد مائتى ألف طربوش كل عام وتدفع ربع مليون ليرة عثمانية على أقل تقدير. وقالت: (اذا فرضنا أن الطربوش كان منتشرا منذ مئتى سنة فأننا نجد أن دمشق دفعت للنمسا ثمن طرابيش خمسين مليون ليرة عثمانية) وذكرت أنه يجرى البحث عن غطاء آخر للرأس وهل القبعة الأفرنجية؟ أما الكوفية اليدوية. أم العمامة أم السدارة العراقية وقالت أن فكرة اعدام الطربوش ليست فكرة حديثة فقد أحرق في العام الفائت واستعيض عنه بالسدارة العراقية. وفي العراق لبس الملك فيصل السدارة اعلانا لتحرر بلاده والابتعاد عن زى الترك. وانتشرت السدارة الوطنية في العراق كما جرى عام ١٩٢٦ فرض السترة والبنطلون على سائقى السيارات. وأثيرت مسألة الطربوش والقبعة مرة أخرى في مصر بعد توقيع معاهدة ١٩٢٦ وجرى التفكير في توحيد

стр. 283

الذى ووضع لباس جديد للرأس، وأجمع الكثيرون على أن توحيد الزى لازمة من اللوازم الاستقلالية. وصاح توفيق الحكيم (٧/ ٣/١٩٣٧ - الأهرام): آن الأوان أن لكى نلبس القبعة، وقال أنه طالما يوجد في مصر شئ اسمه طربوش وشئ اسمه قبعة فستبقى دائما كلمة أهالى وكلمة أجانب، ومهما مهدنا للتخلص من عار الامتيازات بمقتضى الاتفاقات أو بنصوص القوانين فان ذلك لن يخفف الا قليلا من وطأة تلك الامتيازات المعنوية والأدبية التي يتمتع بها كل لابس قبعة على حساب لابس الطربوش: ونادى: أيها الشباب أقدقموا على لبس القبعة ولا تخشوا ما دمتم مقتنعين أن الطربوش لم يعد يصلح لحاضركم ولا مستقبلكم، وقد رد كثيرون معترضين على رأيه وقال زكى طليمات أنه آن للوزراء والكبراء أن يخلعوا طرابيشهم. وأشير إلى أن كلمة (قبعة) كلمة كلدانية. وأنها تسعى في قاموس الفيروزباذى "البرنس" وروت الأهرام ١٤/ ٣/١٩٢٦ أن (سليم سركيس) هو أول من فكر في لبس القبعة بدلا من الطربوش عام ١٩١٧ وفي نفس العام كتب (شيخ) يطلب إلى اخوانه المشايخ لبس الطربوش بدلا من العمائم، وأن معنى ذلك أن فكرة استبدال القبعة بالطربوش هى فكرة مصرية لا تركية. ولعل أعظم داعية للقبعة هو الدكتور محمود عزمى الذي حاول منذ عام ١٩٢٥ أن يستبدل الطربوش بالقبعة، غير أنه لم يحقق هذا العمل الا صيف عام ١٩٢٦ متعللا "بالأخطاء الوراثية" التي حالت دون ذلك، وقال مصطفى صادق الرافعى في الرد عليه بأن هذا التحول مظهر من مظاهر التحلل الاجتماعى. *** السينما وكانت السينما من بين القضايا الاجتماعية التي جرى الجدل حول خطرها على المجتمع والأخلاق. ومدى أهمية اختيار القصص التي تعرضها لتوجيه الشباب والفتيات إلى مفاهيم صحيحة للحياة دون أن تكون وسيلة للاغراء أو خلق جو من الأعجاب بالجريمة أو الاباحة. ومع ذلك فقد ظلت القصة السينمائية عاملا من عوامل الهدم والتغريب واشاعة الاثارة والتحريض على الجريمة وتصوير الحياة الاجتماعية بصورة التحلل. ?

стр. 284

معركة المقاومة الاجتماعية كانت الحضرة الأوربية قد بدأت تنفذ إلى الشرق كله وتمتد إلى جوانبه. وتمد في كل مكان معالمها صور اللذه والمتعة والترف وتغلبها على مقاومات المجتمع العربي الأصلية كوسيلة للقضاء على روحه المعنوية ودفعه إلى التحلل والاستهانة بالقيم والكرامة والحرية، وانتشرت صور الحضارة في البيت والعلم والملبس والفن وخرجت دعوة تحرير المرأة إلى غير مادعا اليه الذين حملوا لواءها كما تناثرت في أنحاء الوطن العربي الحانات وانتشر البغاء الرسمى وظهرت معالم التفكك على الأسرة وبدأ الشباب يتحلل ويضعف عن مواجهة الأضواء ذات البريق ونشأت مشاكل الاختلاط وبدع المصايف على شواطئ البحار وزادت موجة تدهور المجتمع قوة، واستعلن الاثم وبرزت الاباحة وهدفت السينما والمسرح والصحافة إلى ارضاء الجماهير واغرائها وهدهدة غرائزها، وغلب التحلل على الأغانى والموسيقى. غير أن الفكر العربي الإسلامي لم يقف ازاء هذه الموجة من التغريب الاجتماعى صامتا، بل واجهها بالاصلاح، وعمل على مقاومة التحلل، ودعا المصلحون إلى انشاء المجلس الأعلى للاصلاح الاجتماعى (صحف ٢٦/ ٤/١٩٣٦) ليحمل رسالة الدعوة إلى دراسة تيارات تطور المجتمع وتتبعها بما يكفل حسن استغلالها لصالح الجماعة والمجتمع "ذلك أن تطور المجتمع لا يمكن سد تياره أو الوقوف في سبيله لأنه نتيجة تفاعل عدة قوى طبيعية ومحلية وعائلية ليس من الميسور الشيطرة عليها، كما أن معالجة الاصلاح الاجتماعى بالمقالات والنصائح أصبح أسلوبا باليا، ولذلك لابد أن تتحه الأبحاث الاجتماعية اتجاها علميا قائما على مناهج بحث لها وسائلها وموازينها الحقيقية، فقد تقدم الاجتماع كعلم من العلوم النظرية وأمكن تطبيق نظرياته الاجتماعية تطبيقا علميا، وخضعت المجتمعات الانسانية الراقية منها والمتأخرة للبحث الاجتماعى كما تخضع الكاتبات الحية للبحث البيولوجى" وأشار الباحثون إلى أن المجتمع المصري كان متقدما على المجتمع التركى من عدة وجوه في نظمه الادارية والاقتصادية والقضائية، وكانت المرأة الركية تحسد أختها المصرية لما كانت تتمتع به من حقوق، ثم انقلبت الآية بعد عام ١٩٢٤ اذ نادت تركيا بوضع سياسة اجتماعية رسمت وسائلها وخططها وأقدمت على تنفيذها، وبدأ حول المجتمع التركى. ودعا المصلحون وفي مقدمتهم محمد فريد وجدى (الأهرام ١٢/ ٤/١٩٣٦) إلى وضع سياسة لللاصلاح الاجتماعى في هذا الدور من الانتقال الذي تجتازه البلاد صيانة للآداب والأموال والأعراض التي تحلل وتتلاشى أمام قوى عارمة منصبة عليها من ضروب شتى لا تجد حيالها من ملاذ تحتمى فيه دونها، وقال وجدى "أن أول ما يؤثر على خيال الأمة في هذا الدور هو أن تنفض من رأسها غبار الخمول. وأشار إلى الشر الذي تلقاه من نقلها مظاهر المدنية، وفي هذه المظاهر ما هو شر محض والخير الذي فيها لا يمكن الوصول اليه بمجرد التقليد، وأشار المصلحون إلى أن هناك آفات اجتماعية سرت في جسد الأمة من مخلفات الاستعمار "الذى وضع بويضات جرائميه بين جدران المدارس" وأن مرتعها الخصيب هو الطبقة العامة من الأمة. وأشار عبد الله حسين (الأهرام ٢/ ٩/١٩٣٣) إلى أن السياسة القومية للوطن ليست هى الاستقلال وانما تتصل بسياسة التعليم وسياسة المجتمع، وأن تكون المدرسة قومية البرنامج والروح، وأن المدرسة المصرية تهمل التاريخ المصري أشد الاهمال وتقوم الدراسة على وضعها أجانب، ودعا إلى تربية العاطفة الوطنية بشراء البضاعة الوطنية. وأنحى باللائمة على الطبقة الأرستقراطية إلى تحتقر مصنوعات بلادها ولا يرضى رغتها الا شراء كل شئ أوربى، وطالب عباس عمار (٣١/ ٨/١٩٣٣) بضرورة وجود أمور ثلاثة يمتلك الشباب زمامها ليشيدوا صرح وطنهم شامخا هى: (١) مثل أعلى يقوم على مبدأ الخدمة العامة ويرمى إلى الخير العام.

стр. 285

(٢) عاطفة سامية ترتفع بصاحبها عن الأنانية المعقولة. (٣) اعداد متين يضمن للمرء تحقيق هذه المثل العليا. قال عباس عمار: أن مجتمعنا مريض تنتابه العلل، ومرجع النقص في الاصلاح هو عجز الجماعات عن أى تكون لها برامج جميلة تؤمن بها وتعمل على تحقيقها. ودعا إلى قيام نظام "المحلات" التي تعد حجز الزاوية في بناء الاصلاح الاجتماعى وهى (مؤسسات) تقام في مناطق متفرقة في المدن والقرى لرفع مستوى الحياة الاجتماعية في كل منطقة. وعالج منصور فهمى (٢٠/ ٦/١٩٣٩) ما أسماه "علة العلل في مشاكلنا الاجتماعية وهو: الاقتباس من الحضارة بما يوافق حاجتنا أو قبولها قبولا كاملا". وقال "أنى أتمسك بميراث انحدر إلى بلدى من قرون وأن استةحى ما يوحى به تاريخى وأن استلهم ما يلهمنى جو بلادى. لسنا من الغرب وأنها لكبيرة أن ننهج في كل شئ سبيل الغربيين، فالتقليد حدود-وكان طه حسين قد دعا إلى قبول الحضارة الغربية كاملة غير مقبوضة "ما يحمد منها وما يعاب وما يحب منها وما يكره". واتجه الأزهر ووزارة الأوقاف إلى الدعوة إلى ابطال البدع والعادات الضارة وأشار وزير لأوقاف في خطاب وجهه إلى شيخ الأزهر (صحف ٢١/ ١/١٩٣٦) إلى أن هناك عادات كثيرة وأمور عديدة لابست الشعائر الدينية واقترنت بأداء العبادة، وتطاول الزمن حتى انطمست من بينها الحدود وتلاشت الفواصل فاختلط الأمر وظنها العامة دينا وأدوها عبادة ووجد من الناس من يدعو اليها باسم الدين ويحض على المحافظة على فعلها فتمكنت من النفوس وهى بدع، واستولت على العقول وهى ضلال، ونشأ عن ذلك جدل عنيف وخلاف شديد ملآ المساجد وأثار الفتن وأورثت العداوة والبغضاء وأوجد التحزب والتفرق، وأدى ذلك إلى قيام طرائق وفرق وجماعات يضلل بعضها بعضا حتى اتخذ بعض الناس مساجد خاصة على قيد بضع خطوات من مساجد الجماعة". وأجاب شيخ الأزهر أن الموالد التي يقيمها أرباب الطرق لبعض الأولياء في مساجد المسلمين لم تكن على عهد رسول الله بل هى من بدع الفاطميين التي شوهت جمال الدين وصورته أمام الناس بصورة لا تتفق وما ينبغى له من عظمة وجلال، وهى انتهاك لحرمة المشاهد كالذى نجده عند اقامة الموالد من تقديرها بالأطعمة والأشربة ودخول الأطفال فيها حفاة أو بنعال ملوئة، وقد يختلط في تلك الموالد الرجال والنساء فتعظم الفتنة. وأشد من هذا أن يتحول المسجد إلى ملهى يتبارى فيه المغنون والمطربون فاذا كانت المغنية امرأة كما شوهد في مساجد القاهرة كاان الفساد أكبر والفتنة أعظم لأن المسجد في وقت المولد يدخله جميع الناس، فضلا عن حلقات الذكر التي تقوم على آلات الطرب والأناشيد الغرامية التي ننفخ في نفوس الشبان روح الفسق، كما تقوم على تحريف اسماء الله تعالى وصفاته والتمايل في الذكر إلى حد الرقص والخلاعة. والواجب تطهير المساجد من هذه البدع والمنكرات حتى تكون خالصة لما أعدها الله له من عبادته على الوجه الذي يحبه ويرضاه". كما هاجمت الصحف المسرح الفرنسي الخليع في مصر وأعلن راغب غالى (الأهرام ٧/ ١٢/١٩٣٢) اننا نحتج على الذين يتوهمون أنهم يستميلوننا بمثل تلك البرنامج المشحونة بذاءة، ودعا الحكومة إلى عدم الانخداع بنظريات الفن والجمال المزيفة حينما يكون في الأمر ما يخالف الآداب العامة أو تراخى الأخلاق.
следующие страницы →