Полный текст (302 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
موسوعة العلوم الإسلامية
تاريخ الغزو الفكري والتعريب خلال مرحلة ما بين الحربين العالميتين
١٩٢٠/ ١٩٤٠
أنور الجندي
دار الاعتصام
стр. 2
موسوعة العلوم الإسلامية
تاريخ الغزو الفكري والتعريب
خلال مرحلة ما بين الحربين العالميتين
١٩٢٠/ ١٩٤٠
أنور الجندي
دار الاعتصام
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4
تاريخ الغزو الفكري والتعريب
خلال مرحلة ما بين الحربين العالميتين
١٩٢٠/ ١٩٤٠
стр. 5
ضوء على البحث ومراجعة لخطته
بعد مرور ربع قرن على كتابته الأولى
هذا البحث يعد حجرا أساسيا من أحجار (بناء منهج دراسة التغريب والغزو الثقافي) لانه يمثل دراسة دقيقة مستفىضة لحركة الفكر العربي الإسلامي وهو العمل الذي شغلت به نفسى منذ أربعين عاما تقريبا (١٩٤٨ - ١٩٨٨) حيث كتبت أولى مقالات عن قضية التغريب لأنه يمثل دراسة دقيقة مستفىضة لحركة الفكر العربي الإسلامي (عربي اللغة إسلامي المضمون) خلال فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى التي انتهت عام ١٩١٨ والثانية التي بدأت عام ١٩٣٩ وقد توفرت على دراسة هذه المرحلة بالتفصيل يوما بعد يوم من خلال جريدة الأهرام في الأساس وأنا متنبه للونها المارونى الفرنسي في هذه الفترة بالاضافة إلى المجلات الأسبوعية والشهرية خلال هذه الفترة والتي تناولت بالبحث مختلف القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وكشفت عن الدور الذي قامت به حركة اليقظة الإسلامية في مواجهة الاحداث من خلال صحف متواضعة جاهدة ولكنها لم تتوقف عن الرد على كل الشبهات وحض السموم والكشف عن الزيف الذي كانت توجهه أقلام لامعة من خلال صحف واسمه الانتشار. كتبت هذا عام ١٩٦١ (بعد أن انتهيت من دراسة معالم الأدبى العربي المعاصر الذي كان يكتب لأول مرة عن منطق وحدته من المغرب إلى العراق، وقد وجدت أننى لابد أن أوسع دائرة دراستى فلا أتوقف عند المعملين اللذين شغلت بهما في هذه الفترة وهما الأدب العربي وتراجم الأعلام، فقد انتقلت من الفرع إلى الاصل بمفهوم ان الأدب والتراجم هى قطاع من الفكر الإسلامي وكان على أن أستوعب العمل كله وكنت من قبل أعمل في دائرة الدعوة الإسلامية، وعندما فرضت ظاهرة القوميات انتفعت بها انتفاعا واسع النطاق في دراسة الإسلام بوصفه ثقافة وتاريخ وركزت تركيزا شديدا على محاولات الاستشراق والتبشير في تزييف مفهوم الإسلام، وكان مفهومى للعروبة سليما وصحيحا بوصفها حقلة من حلقات العقد الجامع ومنطلقا للوصل بها إلى الوحدة الإسلامية الجامعة، كتبت هذا في أشد أوقات استعلاء لمبدأ القوميات بالكشف عن أصالة الإسلام في التعليم والشريعة والثقافة والصحافة. ولذلك فأنا حين أعود اليها اليوم ١٩٨٨ وبعد ربع قرن تقريبا أجد أن هناك بعض القضايا وقد اكتشفت فىها جوانب جديدة فكان على أن أصحح موقفى منها دون أن يؤثر ذلك على منطلق فهمي الصحيح ومنهجي في الاساس القائم على الايمان بالأصولية الإسلامية والعمل على مواجهة التحديات التي ساقها التبشير والتغريب والغزو الفكرى ومن هنا فقد أثرت أن أجرد البحث من ذلك الأخطاء التي لم تكن قد تكتشفت لى في أول الشوط وخاصة وأن مذكرات هرتزل التي كشفت الغطاء عن مؤامرة الصهيونية ضد السلطان عبدالحميد والدولة العثمانية قد ظهرت بعد ظهور كتابى هذا تحت اسم (الفكر
стр. 6
العربي المعاصر في معركة التغريب والتبعية الثقافية) ومن هنا فقد انجاب كثير من الاتهام الظالم الذي كنا نخوض فىه دون وعى والذى عرفته جميع كتب التاريخ المقررة في مدارسنا ومعاهدنا عن مظالم الدولة العثمانية واستبداد السلطان عبد الحميد وقد كان لنا أن نعرف أن المرحلة المضطربة التي يوجه فىها إلى الاتهام إلى الدولة العثمانية هى مرحلة توفى الاتحاديين للحكم بعد عزل السلطان عبد الحميد منذ ١٩٠٩ إلى عام ١٩١٨، فالاتهامات التي توجه في هذه المرحلة هى موجهة في الحقيقة على الاتحاديين الذين احتوتهم المحافل الماسونية ودفعوا الدولة العثمانية إلى الدخول في الحرب العالمية الأولى، والذين سلموا طرابلس الغرب للايطاليين والذين فتحوا الطريق لليهود إلى القدس بعد وقفة السلطان عبدالحميد الكريمة في مقاومة مؤامرة هرتزل بكلمته الحاسمة له والتي كانت مصدر الحملة التي شنتها الصهيونية عليه بقصد هدم شخصيته في نظر العرب توطنه لاسقاطه حتى وصف بالمستبد الأحمر وما روى عنه من أكاذيب.
وقد صححت موقفى من السلطان عبدالحميد بعد أن كشف خطورة مدحت والاتحاديين وقد ثبت أن الدولة العثمانية لم تكن مصدر التأخر أو التخلف الذي كان يسود البلاد العربية وانما كان لذلك مصادر أخرى، فضلا عن عظمة الدور الذي قامت به الدولة العثمانية في حماية الوجود العربي من زحف الحملات الصليبية مرى أخرى بذلك الترابط الإسلامي الذي جمع الأتراك والعرب تحت لواء الخلافة إسلامية، وقد صححت موقفى بأن الأمة هى أمة واحدة: هى الأمة الإسلامية وأن المنطقة العربية هي وطن أو كيان وأنه ليس من المقبول القول بأمة عربية وأمة إسلامية أو بأمتين أو اعطاء الوطن العربي أكثر من مكانه الصحيح في دائرة الوحدة الإسلامية.
وكان خير ما قدم في هذا المعنى ما رسمه الاستاذ الامام حسن البنا من تحديد الدوائر الثلاث: الوطنية والقومية والإسلامية وتكاملها كذلك فقد كان واضحا ان الوحدة العربية هى صحية تجمع واخاء اتسع نطاقها في الحقيقة بعد سقوط الخلافة الإسلامية كحاولة الالتقاء حول هدف أصغر مع التنادى والتعاهد على اعادة الخلافة وقد كان ذلك مادة في برامج جميع الحركات الإسلامية، ولقد كان هناك تفرق واضح عميق بين مفهوم الوحدة العربية كما تحدث به رجال اليقظة الإسلامية وبين مفهوم القومية الوافد الذي دعت اليه بعض الاحزاب العلمانية مفرغا من العقيدة والتعارف الإسلامي جامعا بين العرب والترك والفرس والهند ... الخ.
وقد تغير رأيى في عدد م الشخصيات في مقدمتها رفاعة الطهطاوي الذي ليستوعب الخلاف العميق بين الفكر الإسلامي والفكر الغربي (والفرنسي) حين ظن ان ما يقدمه الفكر الغربي يمكن ان يقبل في أفق الإسلام كذلك صححت رأيى في دعوة عبد الرحمن الكواكبى بعد أن تبين أنه كان من دعاة خلافة عربية هى من أفكار الماسونية.
وكذلك صححنا موقفنا من قضة ما يسمى تحرير المرأة والمؤامرة التي كانت وراء قاسم أمين وصالون نازلي فاضل.
وقد كان موفى من الصهيونية وأنها واليهودية وجهان لعملة واحدة واضحا وقد اتهم هذا الموقف
стр. 7
اذ ذاك من بعض الموالين للنفوذ الحاكم بأنه مضطرب حيث كانت تلك القوى المسيطرة تفرق بين الصهيونية واليهودية، وقد تبين من بعد صدق الوجهة التي ذهبنا اليها وفىها عدا ذلك فقد سار البحث في طريقه الصحيح كاشفا عن وجهه (الفكر العربي الإسلامي) ويمكن القول أن البحث استطاع أن يجلى مجموعة من الحقائق:
أولا: الدفاع عن مفهوم الإسلام الصحيح: دين ودولة ونظام مجتمع ومنهج حياة في وجه كل محاولات تصوير المجتمع الإسلامي على أنه مجتمع انشطارى.
ثانيا: تجلية حقائق الشريعة الإسلامية وعظمتها وما شهد لها به خصوم الإسلام من علماء الغرب في وقت تعالى فىه الدفاع عن القانون الوضعى.
ثالثا: الدفاع عن الوحدة الإسلامية في وقت عامت فىه صيحة القوميات والاقليات والاستعلاء بالعنصر والعرق.
رابعا: دافعت دفاعا شديدا صادقا عن مجموعة حقائق أبرزها دور الأزهر الشريف في حماية مفهوم الإسلام الصحيح وموقفه الحاسم في ثورات الحملة الفرنسية وثورة ١٩١٩ ومواقفه ازاء التغريب في وجه على عبد الرازق وطه حسين.
خامسا: كشفت وأكدت أن اليقظة الإسلامية هى حقيقة أصيلة نابعة من قلب المجتمع الإسلامي وأن مصدرها حركة الامام محمد بن عبدالوهاب وليس الحملة الفرنسية ثم نماها المصلحون من بعد حتى ارست وجهتها إلى تصحيح المفاهيم وكشف زيف مخططات التغريب والغزو الفكري كمقدمة لتشكيل ارادة الأمة الإسلامية في بناء المجتمع الإسلامي على منهج الله ﵎ ..
стр. 8
توطنة
تعرض الفكر العربي الإسلامي المعاصر في تطوره إلى معركة ضخمة: هي معركة الغريب والتبعية الثقافية التي فرضها الاستعمار مستهدفا تحطيم قيم الفكر العربي الإسلامي والقضاء على الملامح الاصيلة لشخصيته.
وقد وقف الفكر العربي الإسلامي من هذه المعركة موقف " التحدى ورد الفعل "، ذلك أن الفكر العربي الإسلامي في مطالع يقظته بالدعوة الوهابية انما كان يهدف إلى التحرير من التقليد والجمود في الفكر والاستبداد في السياسة عن طريق تحرير الفكر العربي الإسلامي من الزيوف التي دخلت اليه خلال فترة الضعف التي مر بها العالم الإسلامي، غير أن العالم العربي الإسلامي سرعان ما واجه أول حملة عسكرية غربية بعد الحروب الصليبية هى الحملة الفرنسية، ومن ثم بدأت معركة الاستعمار الفرنسي البريطانى التي أدت إلى احتلال أغلب أجزاء العالم العربي والسيطرة عليه وفرض الثقافة الغربية عليه، ومن هنا بدأت (معركة التحدى ورد الفعل) التي واجهها الفكر العربي الإسلامي في قوة وحيوية واستطاع بعد ١٤٠ عاما (١٧٩٨ - ١٩٣٩) تحقق انتصار واضح اعترف به خصوم العرب والمسلمين وعبر عنه مستر جب المستشرق الانجليزى حيث قال:
" ان المسلمين الغيورين يسلكون سبيلا وسطا، فيأخذون خير ما في الشرق وخير ما في الغرب، وبدأ ينفضون عنهم غبار العصور الوسطى، ويحمون الإسلام من قوى المدنية الغربية المدمرة، ولن يستطيع العرب أن يقطعوا صلتهم بالماضى كما قطعها الأتراك، ولما كان الإسلام جزءا لا يتجزأ من الماضى فليس في وسع المثل العربي الا على أن يتجرد منه تجرا تاما ".
نعم، لقد دخل الغرب هذه المعركة بكل أسلحته، فحاول التأثير في التعليم والسياسة والمجتمع واللغة العربية والصحافة والدين، وعمد إلى السخرية بتاريخ وأمجاد الأمة العربية الإسلامية وخلق نظريات للقضاء على القيم والمثل العليا وخلق عملاء للثقافة الغربية، وحاول عن طريق المستشرقين ومن تابعهم من المفكرين العرب نشر عديد من الأخطاء والشكوك والشبهات واستغلال روايات موضوعة لتصوير تاريخ العرب والإسلام واللغة العربية بصورة مرزية.
وحاول الغرب انكار فضل الإسلام على الثقافة والحضارة الحديثتين وكذلك انكار فضل مصر على حضارة اليونان، كما عمد إلى تغليب اللغات والثقافات الغربية على اللغة العربية، عن طريق حملات التبشير بالارساليات والمدارس وتحوير أنظمة التعليم والسيطرة على الصحافة واستعان في ذلك بقسوة النفوذ الأجنبى والامتيازات الأجنبية، وعول في سبيل تحطيم القوى المعنوية للأمة العربية فرفض البقاء والخمر والمخدرات وجرى عزل جامعات الأزهر المتروبين والزيتونة عن العمل حتى يتحقق للاستعمار عن طريق التعليم المدنى تنفىذ نظريات أبعاد الدين عن التعليم وخلق مناهج لا هدف لها الا تخريج موظفين يعملون تحت اشراف رؤساء أجانب على حد قول كيومر (رأس انجليزية وأيد مصرية). وحرص الغرب على أن يقدم لنا من الحضارة الجوانب المتصلة بالفرائز والترف وارضاء الأهواء بغية تحطمك المجتمع العربي وبث روح الفساد فىه وتمزيق كيانه. وجرى الزعم بأن المدنية الغربية كل لا يتجزأ، فأما أن تؤخذ كلها أو تترك كلها، وكانت هذه مغالطة واضحة في التفريق بين الثقافة والحضارة والأولى تمثل القيم والمشاعر وهى لا تنقل، والثانية تمثل الماديات والمخترعات والمكتشفات وهى ما يمكن نقله دون قيد. وقعد عمد دعاة التغريب إلى اثارة الشكوك حول
стр. 9
الدين وحول الإسلام بالذات بحسبانه القوة الموجهة التي كانت دائما عاملا فعالا في مقاومة العبودية والاستسلام.
وقد واجه الفكر العربي الإسلامي هذه المعركة الخطيرة في قوة، وكانت نظرية (المقاومة ورد الفعل) التي حمل لواءها الفكر العربي الإسلامي قائمة على أساس المقاومة والتجديد والاجتهاد والمحافظة على الأسس وعدم الاستسلام. وكشف الفكر العربي الإسلامي طوال هذه الفترة عن حقيقة واضحة هى: أن الحضارة الانسانية القائمة الآن ليست من عمل الأوربيين وحدهم بل هي من عمل جميع الشعوب التي شاركت في المدنية منذ قرون، فالورق من الصين، والأرقام من الهند والكتابة من مصر وفينيقية.
وقد كان لهذه المقاومة أثرها عن تحول عدد كبير من عملاء الثقافة الغربية في العالم العربي من الايمان بالحضارة المعاصرة إلى الكفر بها ومن ثم عادوا يبحثون عن وسائل النهضة على اساس من تراثنا الإسلامي والعربي.
كما كشفت الأحداث عن فشل الدعوات والنظريات الغربية في بلادها وأعلن كتاب وفلسفة غربيون منصفون أن الفلسفة المادية الغربية وما استندت اليه من علومها الكونية قد عجزت عن تحقيق مجتمع سليم في الغرب ومفهوم انساني واضح، ودعا الكثيرون إلى ضرورة تطعيم الحضارة المادية بروحانية الشرق.
وكان الرأى السائد هو أن المنطقة العربية الإسلامية ليست مادية خالصة أو روحية خالصة، وانما تؤمن بالامتزاج بين الوحية والمادية، وكان من أكبر أخطاء دعوة التغريب: نقل النظريات التي طبقت على المسيحية لتطبيقها على الإسلام م الاختلاف الواضح في موقف كل منهما من الحضارة والعلم، وقد كشف البحث عن أن اليقظة الفكرية العربية بدأت قبل الثورة الفرنسية والحماية الفرنسية، وأن العرب قد استيقظوا قبل أن يوقظهم الغرب وأحسوا بحاجتهم إلى تجديد تنكيرهم وحياتهم قبل أن تغزو حملات الغرب شواطئ تلاد العرب.
ولقد انتهت هذه المعركة بفشل نظرية (الغريب الكامل) واثبتت المعركة حيوية الشخصية الإسلامية وقدرتها على المقاومة ومواجهة الاحداث والتطور، والاقتباس دون القضاء على الملامح الأصلية للشخصية الإسلامية، على ضوء تجربة سابقة للغرب، فهم قد أخذوا في الماضى عن اليونان والفرس ولم يفقدا شخصيتهم، وتأكد الغرب بأن العرب لن يتخلوا عن ماضيهم ولن يقيموا فكرهم الحديث الا على أساس من قيمهم العربية الإسلامية الأصيلة.
وقد أحس الاستعمار بأن المعركة أوشكت أن تنتهي بانتصار الفكر الغربي فحاول بعد الحرب العالمية الثانية تجديد أسلحته وتقدم ليدخل معركة أخرى بعد عام ١٩٤٦ أشد هولا، وقد بدأت أسلحته تزداد حدة وعنفا وهذا هو موضوع دراستنا في المرحلة القادمة.
وبعد فهذه دراسة سريعة شاملة لتطور الفكر العربي الإسلامي المعاصر تصور موجهته لمعارك التغريب والتجزئة والتبيعة الثقافية في خلال المرحلة فىما بين الحربين ١٩١٩ - ١٩٣٩ في مجال المسائل الكبرى: التعليم والسياسة والمجتمع والمرأة والقومية العربية واللغة العربية والصحافة والدين.
وهى تكشف في صراحة وصدق عن جميع المعالم والتيارات والحركات التي اشتملتها في هذه المعركة في خلال هذه الفترة الدقيقة الحرجة، فترة ما بين الحربين العالميتين.
واعتقد أن هذه هى الدراسة التمهيدية لأكشف عن هذه الفترة التي يمكن ان توصف بأنها كانت المحاولة لوضع أسس بناء الفكر الإسلامي والثقافة العربية والمجتمع العربي، وكل ما يمكن أن توصف به هذه المعركة في كلمات: أن الفكر العربي الإسلامي لم ينهزم بالرغم من القوى والأسلحة والمؤامرات التي تجمعت للقضاء عليه. وأنه استطاع أن يقاوم بقوة وعنف وأن يكشف عن أصالة وحيوية وقدرة على التطور والتلقى والاقتباس مع الاحتفاظ بمعالمه الأصيلة.
أنور الجندى
стр. 10
مواقف حاسمة
فى تاريخ الفكر العربي المعاصر
(١٠٩٦ - ١٢٩١) الحروب الصليبية:
١٧٤٣ الوهابية (١٨٠٣ الاستيلاء على الحجاز). ... ١٩٢٠ ثورة العراق.
١٧٥٠ تركيا دولة الرجل المريض. ... ١٩٢٠ انشاء " بنك مصر ".
١٧٨٩ الثورة الفرنسية. ... ١٩٢١ تركيا تهزم اليونانيين.
١٧٩٥ ثورة المصريين على ظلم الأمراء وتوقيع وثيقة حقوق الانسان العربية. ... ١٩٢٢ اكتشاف قبر " توت غنخ آمون ".
١٧٩٧ الحملة الفرنسية. ... ١٩٢٣ اعلان الجمهورية التركية والغاء السلطنة.
١٨٣٠ احتلال فرنسا للجزائر. ... ١٩٢٣ بدء الفاشية والنازية في أوربا (ايطاليا وألمانيا).
١٨٣٩ احتلال بريطانيا لعدن. ... ١٩٢٣ انشاء الاتحاد النسائي.
١٨٤٢ ثورة الدروز والمارون (اعادة تنظيم لبنان ١٨٦٠). ... ١٩٢٤ الغاء الخلافة (٣ مارس ١٩٢٤).
١٨٤٣ ثورة " السنوسية " في طرابلس. ... ١٩٢٥ ثورة سوريا.
١٨٥٠ نظرية دارون. ... ١٩٢٦ تولي السعوديين حكم الحجاز.
١٨٥٤ انشاء قناة السويس - افتتاحها ١٨٦٩. ... ١٩٢٨ الحروف اللاتينية بدلا من العربية في تركيا.
(١٨٦٣ - ١٨٨٠) حكم إسماعيل والديون ... ١٩٣٦ معاهدة (٦٩٣٦) في مصر.
١٨٧٠ " المهدية " في السودان (القضاء على المهدية ١٨٩٦).
١٨٧١ جمال الدين الأفغانى في مصر.
١٨٧٥ المحاكم المختلطة في مصر.
١٨٧٥ شراء بريطانيا لأسهم مصر في القناة.
١٨٧٦ الدستور العثمانى الأول.
١٨٧٩ خلع إسماعيل.
(١٨٧٦ - ١٩٠٩) السلطان عبد الحميد (فترة حكمه)
١٨٨١ احتلال تونس.
١٨٨٢ الثورة العرابية في مصر والاحتلال البريطانى.
١٨٨٣ (نظرية ماركس)
١٨٩٥ وزارة مصطفى فهمى " تصفية مصر ".
١٨٩٨ قاسم أمين يعلن دعوة تحرير المرأة.
١٩٠٠ " نظرية فرويد ".
١٩٠٤ الاتفاق الودى بين بريطانيا وفرنسا.
١٩٠٦ دنشواى - وخروج كرومر (١٨٨١ - ١٩٠٧).
١٩٠٨ سيطرة الاتحاديين.
١٩٠٨ انشاء " الجامعة المصرية ".
١٩٠٩ خلع عبد الحميد.
١٩١١ احتلال ليبيا.
١٩١٢ احتلال مراكش.
١٩١٣ مؤتمر باريس " أول مؤتمر عربي ".
١٩١٤ الحرب العالمية الأولى واعلان الحماية على مصر (١٩١٤ - ١٩١٨).
١٩١٦ الثورة العربية الأولى (الشريف حسين).
١٩١٧ الثورة الشيوعية في روسيا وخلع القيصر.
١٩١٧ احتلال العراق.
١٩١٧ وعد بلفور.
١٩١٩ ثورة مصر.?
стр. 11
?
стр. 12
مدخل
تأثر الفكر العربي الإسلامي المعاصر بعوامل متعددة كانت بعيدة المدى في يقظته وتطوره ويمكن اجمال هذه العوامل في عبارة واحدة هى " التحدى والاستجابة " أو التحدي ورد الفعل.
فقد كان الفكر العربي الإسلامي إلى ما قبل اصطدامه بالغرب الزاحف يعيش حياة منبثة يغلب علهيا الركود والضعف والانطواء.
وكان هذا طبيعيا بالنسبة للجمود الذي خيم على العالم الإسلامي كله نتيجة للمرحلة التي كانت تمر بها الدولة العثمانية في خلال القرون الثلاثة الأخيرة بعد أن دخلت هه الدولة مرحلة الضعف إلى وصفت فىه " بالرجل المريض " وهى نفس القرون الثلاثة التي استيقظت فيها أوربا ودخلت خلالها معركة النهضة التي سيطرت فيها على العام وانفصلت على الكنيسة وتحررت من المسيحية ودعت إلى العلم التجريى ونظريات المادية والجنس، ثم كانت الثورة الفرنسية (١٧٨٩) التي اعتبرتها أوربا قمة انتصاراتها في مجال الحرية وفي خلال لك ظهرت عوامل الاحتكام بين الشرق والغرب التي بدأت بالاستكشاف ثم تطورت إلى التجارة إلى الاستعمار.
وكان ها الاحتكاك هو المعركة الثانية بين الشرق والغرب بعد مضى أربعة قرون على نهاية الحروب الصليبية (١٢٩١) وقد كانت الحملة الفرنسية على مصر هى أول حركة استعمارية للعالم العربي (١٧٩٨).
كان لهذا الاصطدام بين العالم العربي وأوروبا " بداية الاستجابة للتحدى "، بل يمكن القول بأن اليقظة الفكرية العربية بدأت قبل الحملة الفرنسية بأكثر من أربعين عاما، عندما بدأت أول حركة فكرية عربية إسلامية هى " الوهابية " عام ١٧٥٧ كرد فعل على انهيار تركيا العثمانية وجمودها ومقاومة للمجهود الذي ران على التفكير العربي الإسلامي.
هنا بدأت هذه المعركة التي نطلق عليها " التحدى والاستجابة "، كانت الحملة الفرنسية في أوائل القرن التاسع عشر هى بدء هذه المعركة الضخمة التي ما تزال ممتدة حتى اليوم: معركة التحدى ورد الفعل.
كانت الحضارة التي حملها الاستعمار معه باهرة مثرة فتح الوطن العربي عنيه عليها، فاضطرب فترة حيث التقت بالضوء بعد الظلام الطويل ثم لم يلبث أن واجهها ولم يقبلها الا بتحفظات.
وقد حل الاستعمار معه حضارته وثقافته إلى العالم الإسلامي كسلاح من أسلحة الغزو والاحتلال، بل لعلها قمة الأسلحة الضخمة البعيدة المدى بعد أسلحة الغززو العسكرى، اذ كانت الأداة التي حرص الاستعمار على استعمالها لتأكيد الغزو ولاقرار بقائه في المناطق التي احتلها، فقد رسم الاستعمار خطته على أساس أن يقضى على الحياة الفكرية العربية الإسلامية بالغزو الفكرى والثقافي الغربي ومحو اللغة والدين واحلال لغة أخرى ودين آخر وثقافة أخرى مكانها، مما يمكن له - أى الاستعمار - بالبقاء الطويل، ومما يحول الغزو إلى عملية ادماج كاملة وتجنيس لأهل المنطقة العربية، فقد كان حريصا على أن يمحو وجود العرب محوا نهائيا. وقد كان الاستعمار الفرنسي والانجليزى، - وقد تقاسما المنطقة - (بالاضافة إلى الاستعمار الأسباني والايطالى) حريصا على أن يحطم الشخصية العربية ويقضى على وجودها أو يمحوها وكانت لمحاولة الاستعمار الفرنسي في الجزائر ثم محاولة الاستعمال الايطالى في ليبيا دلالة واضحة على ذلك الاتجاه الذي تحطم من بعد، على أثر المقاومة الضخمة التي واجهت بها الامة هذا الاستعمار.
ونحن في هذا البحث انما يعنينا الغزو الفكرى والثقافي وأثره في تطور الفكرى العربي الاسامى المعاصر.
كل هذا الفكر العربي فكرا إسلاميا خالصا، ثم تطور مع انتفاضة اليقظة إلى فكر قومى ووطنى وسياسى يقوم على أساس التحرر من الاستبداد الداخلى والاستعمار الغربى.
стр. 13
وقد بدأت حركة المقاومة السياسية للاستعمار، منذ اليوم الأول للاحتلال وفي نفس الوقت بدأت حركة رد الفعل إلى عدة ميادين في وقت واحد.
وكان أبلغ ما تدل عليه هو: قوة الشخصية العربية الإسلامية وقدرتها على المقاومة وصلابتها واعتدادها، ووقوفها موقف الرد على التحدى.
لقد حاول الاستعمار أن يستغل ضعف العالم الإسلامي والوطن العربي فكريا واجتماعيا وسياسيا للسيطرة عليها، ولكن المنطقة استطاعت أن تواجه هذه المعركة في يقظة وقوة، فمضى الفكر العربي الإسلامي يرفع عن نفسه أصر الجمود ويستكشف معدنه الأصيل المخبوء تحت ضباب الجمود الذي ران على الشرق.
كانت مهمة الفكر العربي في الفترة: تجديد الفكر الدينى، وكشف حقيقة المعالم الأساسية للثقافة العربة والتراث الإسلامي، وفتح باب الاجتهاد. ومواجهة أفكار الغرب وذلك بالنظر فىها وتقبل بعضها ومارضة بعضها الآخر والرد على ما وجهه الغرب إلى العرب والمسامين من اتهامات، ونقض النظريات الفكرة الاستعمارية.
كما واجه الفكر العربي الإسلامي حملات التبشير والاستشراق والتغريب، فلم يقف ازاء الحضارة الغربية الغازية موقف الجمود، بل سعران ما فصل بين الحضارة والثقافة. فوقف من الحضارة موقف القبول لوسائلها وأدواتها وأن عارض الجانب الاباحى منها.
أما من ناحية الثقافة فقد وقف منها موقف الحذر، فرفض مذاهبها التي تتعارض مع روحه ومقوماته، وقبل أساليبها في البحث، فجدد بها ثقافته وتاريخه وتراثه.
ولقد كانت المعركة بين الفكر العربي الإسلامي، والفكر الغربي طويلة المدى عميقة الجذور وهى ما تزال مستمرة لما تتوقف، خلال مائة عام من اندلاعها، ولكن على مستوى آخر غير مستواها الأول، فقد كان الاستعمار يطمع بقوته واساحته وسلطاته وجيوش احتلاله أن يفرض ثقافته وحضارته فرضا كاملا، وأن يمسخ الثقافة العربية والفكر العربي الإسلامي مسخا نهائيا، ليقضى على أصوله وجذوره وتراثه ومعالمه الأولى، غير أن المقاومة القادرة على رد التحدى حالت دون سقوط الفكر
العربي الإسلامي، بل ردت عليه قوته وحياته بما استفادت من تبادل القذائف في المعركة، فأن الفكر العربي الإسلامي لم يلبث أن استيقظ ونفض عنه غبار الجمود وحاول أن ينطلق بقوة تعوض ما فاته خلال الاغفاءة الطويلة التي قضاها مقيدا بسلاسل الجمود الذي سقطت في هوته الامبراطورية العثمانية، فعمل في ميادين البعث والتجديد والاقتباس والنقل والترجمة للدفاع عن كياته وهذا العمل في جملته يهدف الى:
المحافظة على الاسس الأصلية للشخصية.
التقريب بين وجهات النظر.
الاستفادة من الجديد والانتفاع به.
صقل التراث القديم وابرازه في صوره عصرية ..
تصحيح الاخطاء المتعمدة وغير المتعمدة.
الانتفاع بأسلحة الغزو لرد الغزو نفسه.
لقد كانت تيارات الغزو مدعمة بأسلحة مختلفة منها جيش الاحتلال وسلطان الاستعمار، والأمراء، والحكام، والعملاء من المفكرين والسياسيين ولم يكن يقف في وجهها أو يردها ألا صلابة القوى الشعبية العميقة الايمان بشخصيتها وتراثها وقيمها، لذلك قام معسكر قوى للدفاع عن الكيان الفكرى العربي الإسلامي، مهماتهم هذا الكيان " بالمحافظة " فانه كان الحاجز الضخم الذي رد " موجة الادماج " وحال دون بلوغ الاستثمار غايته في القضاء على مقومات الفكر العربي الإسلامي، مما اضطر معه أن يعدل من خططه بعد أن تأكد من أن محاولة القضاء النهائي على كيان الفكر العربي الإسلامي ومقوماته، هو أمر جد مستحيل.
ولما فشلت معركة " الادماج " بدأت معركة " التغريب " وهى معركة أشد قوة لأنها معركة غير مكشوفة، ولكنها خفية تسرى في برامج التعليم ومناهج البحث ويسيطر عليها الاستعمار من عدة نواحى، من ناحية الصحيفة والمدرسة، والكتاب، والسينما، والاذاعة.
وهذه هى المعركة الضخمة التي خاضها الفكر العربي الإسلامي وواجهها في صلابة، وهي موضع دراستنا هنا في مجال مرحلتها الأولى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية (١٩٤٤) حيث بدأت معركة أخرى بعد الحرب العالمية الثانية أشد عنفا وأخطر قتالا وسيكون مجالها دراسة أخرى.
стр. 14
العرب بين الامبراطورية العثمانية وتركيا الكمالية
كي نستطيع أن نصور معالم الفكر العربي الإسلامي المعاصر وتياراته في هذه الفترة علينا أن نستعرض الحياة السياسية للعالم العربي التي سيطرت على الكيان العربي والإسلامي أكثر من أربعة قرون، والتي كان الوطن العربي جزءا منها حتى أوائل الحرب العالمية الاولى ١٩١٧.
ولقد ارتبط تاريخ الوطن العربي بتركيا أمدا طويلا حتى بعد أن انفصل عنها، عندما انتهت الدولة العثمانية وسقطت الخلافة وقامت الجمهورية التركية، فقد ظل الوطن العربي يتطلع إلى هذا الجزء من الالم الإسلامي، الذي ارتبط به برباط الخلافة الإسلامية والتبعية للامبراطورية العثمانية، ثم ظل مشدود النظر اليها وهى تنهزم في الحرب العالمية الأولى ثم تحارب اليونان وتحرر وتنتقل إلى دولة عصرى علمانية تنفصل عن الشرق والإسلام وتتجه إلى الغرب، وتلغى النظم القديمة وتلغى اللغة وتكتب اللاتينية من الشمال وتحرر المرأة وتفرض القبعة.
ولقد كان لتركيا في المرحلتين أثرها في الوطن العربي في المرحلة الأولى وهى قائمة باسم الخلافة الإسلامية عندما بدأت حركة الوحدة الإسلامية التي قادها السلطان عبد الحميد باسم العالم الإسلامي كله في مواجهة المؤامرة الاستعمارية الصهيونية والتي حاولت السيطرة على فلسطين ثم كيف عملت الحركة الطورانية التي قادرها جماعة الاتحاد والترقى لاسقاطه والقضاء على حركة الوحدة الإسلامية واحلال دعوى القوميات والعنصرية وفتح الطريق أمام الصهيونية للسيطرة على فلسطين وتسليم طرابلس الغرب لايطاليا واقامة ذلك الصراع العنيف مع العرب في محاولة لتتريكهم حيث وقعت المعركة بين العرب والاتحاديين، وانتهت بانفصال العرب عنهم.
وفي المرحلة الثانية: عندما اتهزمت تركيا العثمانية في الحرب العالمية الأولى. وسقطت في يد الحلفاء، وتبع ذلك قيام مصطفى كمال بحركة التغريب والارتماء في أحضان الغرب كلية والقضاء على الخلافة والسلطنة حيث قبلت تركيا الاندماج الكامل في النظم الغربية وانفصلت انفصالا كاملا عن الشرق والإسلام والعرب في اللغة والفكر والسياسة والاجتماع.
فى هذه المرحلة أيضا، كان العرب مشدودو النظر نحو تركيا. وقد كان لهذا التطور الحضارى والثقافي أثره في الوطن العربي، بل وفي العالم الإسلامي أيضا، حيث تأثرت به ايران وأفغانستان.
بل لعلنا لا نعدو الحق اذا قلنا، " أن حركة التغريب " في الوطن العربي انما تطورت وتعمقت على أثر حركة التغريب التي قامت بها تركيا الحديثة التي رأت أو الوسيلة المثلى للنهضة والحرية هي قبول الحضارة الغربية قبولا كاملا.
وقد تم هذا التحول بقوة السلطة الحاكمة وسلطان القانون المفروض، ولم يتم بالاقناع والتطور، لذلك لم يكن عميق الجذور وسرعان ما اعتوره الاضطراب ولم يعدو طوال عشرين عاما ما بين (١٩٢٤ - ١٩٤٤) أن يكون الا قشرة ظاهرية، مما حمل الباحثين على التول بأن تركيا في خلال هذه الفترة كانت تعانى آلام المخاض.
وقد ظهرت دلائل تؤكد ذلك فيما بعد، حين اضطرت الحكومة التركية إلى اعادة الكثير من معالم الحياة الفكرية والروحية القديمة بعد أن ثبت أن القضاء عليها كان غير يسير.
وقبل أن يبزغ القرن التاسع عشر كان نابليون قد زحف إلى الشرق بأسطوله واحتل مصر، وسأ إلى عكا ومحاولا فتحها وأثارت حركته مطامع بريطانيا حيث تم
стр. 15
?
بدأ صراع طويل المدى منذ ذلك التاريخ بين بريطانيا وفرنسا، كان له أثره السياسى البعيد المدى وأثره الفكرى الذي ما زال قائما إلى الآن.
ولقد كانت الحملة الفرنسية (١٧٩٨) نقطة الالتقاء بين الشرق والغرب في العصر الحديث وهى المرحلة الثانية للحروب الصليبية.
وقد امتد هذا الدور حتى عام ١٩٧٦ عندما وضعت فرنسا وبريطانيا يدها على الوطن العربي كله وأعلن اللورد اللنبى في القدس أثناء الحروب الصليبية.
وقد كشفت هذه الجملة عن اتجاه أوربا نحو الشرق الإسلامي، والبلاد العربية، وكانت نطقة البدء، فقد توالت بعد ذلك حملات الاستعمار وامتدت، حتى بعد أن جلت الحملة الفرنسية عن مصر عام ١٨٠١، واجهت المنطقة العربية حملة بريطانية عام ١٨٠٧ ولم يمض على ذلك أكثر من ثلاثة وعشرين عاما حتى احتلت فرنسا الجزائر عام ١٨٣٠ وتبعتها بريطانيا عام ١٨٨٢ باحتلال مصر، ثم توالت مراحل الاحتلال.
كان هذا الجمود والضعف الذي اصاب الشرق الإسلامي، والوطن العربي مدعاة لأن تنطلق دعوة المقاومة والاصلاح وتندلع في نفوس المصلحين شرارة الغيرة: هنالك بدات طلائع دهوتين:
(١) دعوة إلى مقاومة جمود الدين وقشوره.
(٢) ودعوة إلى مقاومة استبداد السلاطين والامراء.
أما الدعوة الأولى، فحمل لواءها محمد بن عبد الوهاب وقد تحولت إلى حركة فدولة كانت بعيدة المدى في العالم الإسلامي، مؤثرة أكبر الأثر، في مختلف طوائف المسلمين (أهل السنة والشيعة والمنصوفة جميعا).
ولم تكن " الدعوة الوهابية " دعوة دينية خالصة وانما كانت " حركة سياسية " ذات مذهب فكرى، لذلك اهتزت لها دولة الخلافة العثمانية، واهتز لها الغرب الواقف وراء سرير الرجل المريض، ينتظر اليوم الذي يقتسم فىه امبراطوريته الواسمة، لذلك كان لابد من محاولة تأتى عن طريق تركيا العثمانية الخائفة من هذا الخطر الذي يزحف اليها من أطراف العراق، ويهاجم المواقع المقدسة فىها، وخاصة بعد أن تحقق لها - أي
الوهابية - امتلاك الحجاز وسيطرتها على (الجزيرة العربية): ان لم يكن عسكريا فسياسيا وفكريا.
وكانت مصر اذ ذاك قد تحررت من الحملة الفرنسية بقوتها المعنوية الشعبية التي حطمت هذه الحملة، والتي وجدت لها قيادة فعالة استطاعت أن ترد من قبل ظلم المماليك وتفرض عليهم توقيع وثيقة حقوق الانسان (١٧٩٥) ثم استطاعت أن تنزع الحاكم التركى (خورشيد) من منصبه في القلعة باسم الشعب على نحو يدل على مدة اليقظة والفهم والايمان بالحق الشرعى في خلع الحاكم الفاسد .. وقد جاء هذا نتيجة للايمان بالتراث العربي الإسلامي، وليس نقلا عن الحضارة الأوربية التي لم تكن بعد، قد وضعت موضع الاقتباس في العالم الإسلامي. وقد اتسع هذا الاتجاه فيما بعد حينما بدأت دعوة جمال الدين إلى اقامة استبداد الملوك. واتجهت فعلا إلى مقاومة شاه ايران، وخديو مصر.
***
القوة الجديدة في مصر
وفى مصر بدأت قوة جديدة بقيادة محمد على وإبراهيم بلغت ذروتها من القوة، واخذت بها تركيا، كما أخذت بها أوربا التي كانت تخشى أى قوة جديدة شابة يمكن أن تفرض بسلطانها على المنطقة.
لذلك ضربت المقوتان بعضهما ببعض فسلطت محمد على على الوهابية فانهزمت (١٨١٦) ثم انزهم محمد على بعد ذلك بأقل من عشر سنوات حينما حطم الغرب مجتمعا أسطوله في موقعة نفارين (مايو ١٨٢٥) مما انتهى بامبراطوريته التي اجتاحت الامبراطورية العثمانية وكادت تستولى عليها، والتي امتدت إلى الجزيرة العربية عام ١٨٤٠ إلى أن تتقلص في حدود مصر وحدها، وبذلك قضى على الحركتين: الحركة الوهابية ذات الطابع العربي السياسى المذهبى، والحركة المصرية.
***
المؤامرة على الدولة العثمانية
كان الغرب يهدف إلى تمزيق الدولة العثمانية لالقهام الأقطار العربية التابعة لها والسيطرة عليها، والقضاء على الخلافة الإسلامية التي هى علامة الوحدة الإسلامية الجامعة للعالم الإسلامي كله.
стр. 16
كان هذا الهدف يعيش في أعماق الفكر السياسي المغربي منذ استطاعت الدولة العثمانية الزحف إلى أوربا والسيطرة علهيا والوصول إلى أسوار فىينا، مما خلق في الغرب بعد أن وصل إلى مرحلة القوة والتفوق روح الانتقام والعدوان وهو ما حاوله من مؤامرات واسعة خلال أكثر من مائة عام لتمزيق الدولة العثمانية.
وكانت الدولة العثمانية قد التقت بالاقطار العربية فىوحدة إسلامية جامعة عام ١٥٠٠ ميلادية، ولم تكن هذه الوحدة استعمارا كماحاول البعض أن يصفه، ولكن كان لقاء تحت مظلة الإسلام في سبيل حماية الأمة من عوامل الغززو الغربي الذي تجدد بعد انتهاء الحروب الصليبية.
وكانت المؤأمرة الغربية تهدف إلى القضاء على روح الجامعة الإسلامية باثارة روح القوميات والتعصب والعروق والدماء وهى الدعوة التي حمل لوائها جماعة الاتحاد والترقى وسيطر عليها مدحت وبعض المثقفين الذين تعلموا في الغرب وكانت دعوتهم ترمى إلى تمزيق
الروح الإسلامية والقضاء عليها واعلاء ما اسموه " الطورانية " وهى العنصرية التركية القديمة وذلك في سبيل القضاء على الوحدة الجامعة بين العرب والترك وهى الدعوة التي حمل لوائها الاتحاديون الذين حكموا تركيا بعد اسقاط السلطان عبد الحميد، وقد اندفعوا فىها إلى الحد الذي حملهم على العمل على تفريك العناصر وتتريك العرب بالذات بحرمانهم من لغتهم وتصفيه تاريخهم وماضيهم وهو العامل الخطير الذي أثار روح الخلاف بين عنصرى الدولة العثمانية ومهد للقضاء على الامبراطورية وكذلك مضى إلى هدم الدولة وتسليم فلسطين لليهود وطرابلس الغرب للايطاليين وجاء بعد ذلك دور مصطفى كمال أتاتورك في تغريب تركيا كلية والقضاء على الخلافة واللغة العربية والإسلام وقد كشفت الايام عن سلامة موقف السلطان عبد الحميد وصموده أمام مغريات ومؤامرة الصهيونية في مخططها الرامى إلى الاقامة في القدس وكان موقفه الحاسم معهم هو العامل الأساسى في اسقاطه.
стр. 17
العرب والاستعمار
(ماذا كان أثر الاستعمار في الكيان العربي وما مدى هذا الأثر من الناحية الفكرية).
لقد بدأ الاستعمار في الكيان العربي بالحملة الفرنسية على مصر التي حفزت أسطول بريطانيا إلى التحرك للبحث عن الأسطول الفرنسي. وكان هذا علامة الصراع الفرنسي البريطانى، الذي اتصل في الوطن العربي منذ ١٨٩٨ حتى ١٩١٧ حينما اقتسمت بريطانيا وفرنسا بمعاهدة (سايكس باكو) الوطن العربي: أى أنه في خلال قرن وربع قرن ظلت المعركة محتدمة الأوار ثم أنها استمرت بعد ذلك في الميادين الثقافية والاقتصادية والاجتماعية بالرغم من الاتفاق الودى الذي تم توقيعه بينهما عام ١٩٠٤ وبه أطلقت كل منهما يد الأخرى في مصر، ومراكش.
كانت بريطانيا تسيطر على مصر والعراق وفلسطين والأردن، بينما تسيطر فرنسا على سوريا ولبنان ومراكش وتونس والجزائر. وكان الاستعمار البريطانى والفرنسي متباين الوسائل والأساليب في كل من الأقطار المحتلة، غير أنه كان هناك شبه اتفاق غير مكتوب بينهما يلتقى في مفهوم واحد هو (أن الشرق كله هو منطقة نفوذ وتوسع للغرب، وأن سكان أفريقيا وآسيا، في درجة أقل من درجة أهل أوربا، وأنه لا بد أن تظل بلادهم منطقة نفوذ للغرب، ومورد خامات وأسواق انتاج وأن يظلوا وقود الجيوش التي يجندها الغرب، وعمال مصانعه، وعبيد أرضه وأداة استغلاله) وكان اختلاف فرنسا وبريطانيا في النظم والأساليب، يمثل جانبا من الخطة المرسومة لتجزئة المنطقة وعزلها، والفصل بين كل منطقة منها وبين الأخرى بوسائل مختلفة أقل ما فيها الأسلاك الشائكة، فقد كان هناك اختلاف في الأسماء ثم في نونع نظام الحكم والعملة والأعلام ومنهاج التعليم ومفاهيم الثقافة والفكر فضلا عما آثاره الاستعمار من خلافات بين حضارات قديمة ومذاهب ودعوات تفرقة بين المسلمين، والمسيحيين والبربر والعرب والموازنة والدروز والسنة والشيعة، كان الاستعمار بعد أن احتل هذه الأقطار بالغزو العسكرى قد أخذ يدعم بقاءه في المنطقة. وكانت وسيلته إلى ذلك هى الغزو الثقافي
والفكرى، وهذا لا يتم الا بعزل هذه الأجزاء ونشر دعوات التجزئة والانفصالية في كل منها، ثم تجزئتها داخليا مرة أخرى بالأحزاب السياسية أو بالخلافات المذهبية.
ولقد قاوم الكيان العربي الاستعمار منذ اليوم الأول، بالثورات والمعارك وبمختلف أسلحة المقاومة، واستمر في معركة متصلة معه، لم تتوقف، قدم خلالها الشهداء والضحايا، ثم وقفت بالمرصاد لكل مؤامرته. ووجد الاستعمار أعوانا وملاء كانوا أداته في تنفىذ دعوات التغريب والتجزئة وفرض سلطاته السياسى والفكرى. كانت الحضارة الغربية هى وسيلته في تحطيم جبهة المقاومة والقضاء على كيان الأمة ذلك لأنه لم يقدم لنا من هذه الحضارة جانب الزخرف والجنس والملذات والاثام، فكان ذلك عملا ضخما في تحطيم اقتصادنا العربي، فلقد تهاوت ثروات الأسر كلها تحت سلطان الملذات والمخدرات والبغاء، وكلها أسلحة هيأ لها وحماها، عن طريق الامتيازات، وشجع على استمرارها، وجند لها من الكبراء من وقفوا دون القضاء عليها. أما الجانب الايجابى الفعال من الحضارة جانب القوة العسكرية والكشف والاختراع والمدافع والطائرات ومصانع الانتاج فقد حال بيننا وبينها، وبذلك انهارت ثروتنا الاقتصادية، في نفس الوقت الذي تحطمت فىه قوانا الاجتماعية والروحية، هذا بالاضافة إلى حملاته التغريبية في فرض " ثقافة " الغرب التي تحمل تحمل بذور المادية وانكار الأديان والتشكيك في التاريخ ومحاولة تحطيم معنوياتنا عن طريق " التعليم " الذي فرض سلطانه عليه وعن طريق " التبشير " الذي سانده وحماه ودفعه إلى الأمام، وعن طريق الحملات المستمرة على اللغة العربية ومحاولة احلال اللهجات العامية بدلا منها وحملات الشعوبية واذاعة نظريات السامية والأربة.
واجهت العرب الاستعمار في معارك المقاومة المخالفة: السياسة والفكرية والاجتماعية، وأعانها على المعركة صلابة شخصيتها وقوة روحيتها وايمانها بالله
стр. 18
واستهانتها في التضحية من اجل الحرية والدفاع عن الحمى وكرامة الوطن.
وكانت معركة " التحدى والاستجابة " معركة ضخمة، ظلت تدور رحاها خلال الفترة التي نؤرخها، بين الاستعمار بأسلحته وقواته ووسائله، وعملائه وأغرائه وحملاته التغريبية، وسلطانه على الحكم والتعليم والصحافة والاذاعة والسينما في الوطن العربي كله، وبين قوى الأمة ممثلة في قادتها ومفكريها حيث استيقظت لتدافع عن وجودها وتدعم من كيانها، وقد اندفعت أقلامها تكتب داعية إلى الجهاد والغداء والمقاومة بينما كانت حركات الاصلاح تجرى في محيط الدين والمجتمع والفكر والتعليم والاقتصاد، فقامت جمعيات الشبان المسلمين والاخوان والرابطة الشرقية، وبنك مصر وانشئت مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية وجرت اصلاحات في الأزهر وتجديد في أساليب دراسة العقيدة واللغة والمجتمع والمرأة. وتوحيد في الجهات الداخلية ازاء المستعمر ممن يمكن القول معه بأن الاستعمار هزم في معركته الأولى، وتحطت أسلحته. وكسبت الأمة العربية الجولة الأولى.
فقد بقيت اللغة العربية وبقى الإسلام وتحرر
الاقتصاد ونقض التعليم منه آثار الاستعمار. وفشل التبشر، وتحطمت دعاوى المستشرقين وانكشفت اتهاماتهم المتعصبة.
ولكن هل توقف الاستعمار على أثر الهزيمة التي منى بها، ذلك لم يحدث مطلقا، فقد جدد الاستعمار خططه وبدأ معركة جديدة بعد الحرب العالمية الثانية ليس هذا موضع بحثها.
وجملة القول في هذا المدخل، أن أمتنا قاومت الاستعمار والغزو العسكرى والثقافي وواجهت الحملات المختلفة بايمانها. وفرضت رأيها في الحضارة فرات أن هذه الحضارة ليست غريبة خالصة وأنما هى تراث الانسانية كلها وقد شارك فيها الشرق من قبل وقدم لها خلاصة جهده وتجاربه ما أوصلها إلى مرحلة القوة والفعالية، كما فرضت البلاد رأيها في الثقافة الغربية فانكرت قول القائلين: بقبولها جميعا خيرها وشرها، ما يحمد فىها وما يعاب، وتحررت من التبعية، وأعلنت حقها في أن تقبل منهاجها في البحث، حيث جددت بها تراثها، ورفضت مالا يتفق مع معالم شخصيتها وقيمها وكيانها وأمجادها.
стр. 19
(١)
الفكر العربي الإسلامي في مرحلة اليقظة
(الى الحرب العالمية الأولى)
стр. 20
يقظة الفكر العربي الإسلامي
كانت الفترة التي سيطر فيها الأتراك العثمانيون على العالم الإسلامي فترة خمود للفكر العربي الإسلامي بصفة عامة، اذ لم يكن للفكر العربي ملامح خاصة يتميز بها. فقد دخلت العرب في نطاق الامبراطورية العثمانية ١٥١٧ واستمروا حتى عام ١٩١٧ أى أنها أمضت أربعمائة سنة في نطاق الامبراطورية التركية التي بدأت تهوى إلى الضعف منذ عام ١٨٦٣ عندما أغار الاتراك على أسوار " فىينا " وارتدوا عنها مهزومين، وكانت هذه أول هزيمة لهم فتحت أعين الغرب على ضعف الامبراطورية مما حمله على مواصلة الحملات عليها وفتح عينه على بدء معركة الانقضاض والغزو.
واذا كان الغزو الأدبى للشرق قد بدأ بوصول فاسكودى جاما إلى الهند (مايو ١٤٩٨) ومن ثم بدأت هزيمة الوحدات البحرية العربية وتحطمت أساطيل العرب التجارية في المحيط الهندى، فان انتصار العثمانيين في حكم المنطقة وحمل لواء الزعامة السياسية والثقافية والدينية قد أخر الاصطدام إلى ما بعد ذلكن غير أن الغرب لم يتوقف عن الغزو وذلك بمحاولة حصول دوله على امتيازات في مختلفة أقطار الامبارطورية العثمانية تكمل للتجار سلامة أشخاصهم وأملاكهم ثم اتسعت هذه الامتيازات حتى أصبحت سلطانا ضخما لا سبيل إلى مراجعته، لها محاكهما وسلطانها وقد تغلغل الفرنسيون قبل غيرهم في العالم العربي.
واذا قيل أن حركة الثقافة الأوربية قد بدأت بحملة نابليون على مصر (١٨٩٨) أو من قبلها بوصول الجمعيات التبشرية الفرنسية ١٨٤٧ والأمريكية ١٨٦٨ إلى بيروت واليها تنسب يقظة الفكر العربي فاننا نرى أن اليقظة الفكرية قد سبقت هذا الغزو الفكرى الغربي بأمد طويل حيث بدأت بدعوة محمد بن عبد الوهاب إلى تجديد الدين والعودة إلى بساطته الأولى. واذا كان عبد الوهاب قد ولد سنة ١٧٠٣. وقام بدعوته في حدود الأربعين فأن يقظة الفكر العربي تكون قد بدأت قبل وصول الجمعيات التبشرية الأوربية بمائة عام على الأقل. وقد كانت هذه الدعوة الفكرية السياسية بعيدة المدى في تحرير الفكرى
العربي ويقظته، ولا سيما بعد أن أتيح لها أن تتحول إلى دولة فتية كان لها أغارات على حدود الشام والعراق.
كانت يقظة الفكر العربي الإسلامي منصبة على تأكيد الحقائق الأساسية للفكر الذي قامت عليها الحضارة الإسلامية. وهى في موجزها تتمثل في مبادئ محددة صريحة:
كرامة الانسان وحريته.
امتزاج الروحية بالمادية. والعمل لليوم والغد معا.
قل هاتوا برهانكم في كل قضية " مبدأ سياسية السقل والعلم ".
حفظ التراث وتجديده.
تجديد الفكر بالغربلة واقصاء القشور والاجتهاد والموائمة مع التطور والزمن والبيئة.
تكريم الطوائف المختلفة ورعايتها.
اقامة عملية الصهر والوحدة واقامة الكيان الموحد.
حماية الوطن والحضارة والتسلح واليقظة للعدو.
المقاومة واعتبار الدفاع عن الوطن دفاع عن العرض.
تغليب السلام والأخوة والمحبة وعدم العدوان.
الدعوة إلى العدل الاجتماعى ومساوة الأجناس والمفاضلة بالعمل والتضامن الاجتماعى.
الشورى وقبول الآراء المختلفة ودراستها.
ولقد كانت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب إلى التجديد الفكرى الإسلامي وقيام هذه الدعوة من قلب الجزيرة العربية بالذات عاملا ضخما في هذه الفترة الدقيقة بالذات، لاسيما اذا ربطنا هذا بأن العالم الإسلامي قد
стр. 21
وجد دائما مثل هذه الدعوات التجديدية للفكر على فترات ممتدة من تاريخه، وحمل لواءها أمثال الغزالى وابن تيمية.
وقد روى الجبرتى أن واعظا من تركيا جلس في جامع المؤيد (١١٣٢ - هـ) وكثر عليه الناس وازدحم المسجد بهم، وكذر ما يفعله أهل مصر بضرائح الأولياء وايقاد الشموع والقناديل على قبورهم وتقبيل أعتابهم، ووصف ذلك كله بأنه كفر يجب على الناس تركه، ورد على ما قاله الشعرانى من أن بعض الأولياء اطلع على اللوح المحفوظ وأن ذلك لا يجوز وأنه لا يجدر بناء القباب على ضرائح الأولياء أو بناء التكايا. ولم يتوقف هذا الواعظ الذي لم يذكر الجربتى اسمه - عند الوعظ بل عمد إلى جمع طائفة من الأعوان والاتباع حوله واتجه إلى العمل تقويم الناس بالعصى، فخرج ورجاه بعد صلاة التراويح ووقفوا بالبنادق والأسلحة على باب زويلة فهرب الذين يقفون معه " ودعا هذا الواعظ إلى هدم التكايا، وقد نفاه الوالى إلى الشام وكان لحركته أثرها في مصر، وقد تأثر بها حسن العطارن الذي أصبح فيما بعد شيخا للأزهر.
وقد كانت الدعوة الوهابية فاتحة الدعوة إلى تحرير الفكر، وقد تلتها بعد، حركة تحرير الفرد التي دعا اليها المشايخ والعلماء في مصر، حين فرضوا على المماليك توقيع وثيقة بحقوق الشعب.
واذا كانت دعوة محمد بن عبد الوهاب قد واجهت خصومة من معسكر التقليديين فانها هيأت الاذهان لمقاومة سيطرة الخرافات والأوهام وتنقية العقيدة.
٢ - مقاومة جمود النظم.
٣ - مقاومة استبداد الحكام.
٤ - تحرير الدين من التقليد وفتح باب الاجتهاد.
٥ - تحرير الشعب من سيطرة العلماء التابعين للحكام.
٦ - مواجهة الفساد والتحلل الاجتماعى.
وقد حمل الفكر العربي الإسلامي المعاصر في أول مواجهة لليقظة.
ولذلك كان أبرز ملامح هذا الفكر:
" المقاومة " أو الرد على التحدى وقد أثبتت الأمة قدرتها على المواجهة السريعة، فان اليقظة لم تلبث أن وصلت إلى مرحلة القوة حين بدأ الغزو يدخل معارك متصلة شملت الوطن العربي كله (مصر والجزائر وتونس والخليج العربي وليبيا).
واتصل بهذا ما واجهته مصر في أقصاء الحاكم الظالم حين اقتضت المقاومة الشعبية بقيادة عمر مكرم أبعاد الوالى التركى (خورشيد) وكانت " مهمة الحاكم وحق الشعب في عزله اذا ظلم " واضحة في ذهن عمر مكرم حين نادى بهذا المعنى في هذه الفترة الباكرة.
ولاشك أن كان " للأزهر " دوره الضخم، فقد كان معقل كل حركات المقاومة السياسية والعسكرية والثقافية والحديث عن دوره في حماية الثقافة الإسلامية في خلال فترة الظلام يعتبر من الكلام المعاد. وكان للأزهر دوره أيضا في حماية الشعب من ظلم الأمراء. ودوره في مقاومة الحملة الفرنسية. وتأكيد حق الشعب في تولية الحاكم.
وظهر من رجاله من دعوا إلى التجديد: كحسن الطويل شيخ الأزهر المجدد ثم الجبرتى الذي سجل مظالم محمد على وطغياته ورفاعة الطهطاوى رائد الترجمة والنقل.
ولقد كان للغة التركية والفكر التركى أثرهما على اللغة العربية، هذا الأثر الذي قاومه الفكر العربي مؤكدا شخصيته، ولم يلبث أن قاوم اللغتين الفرنسية والانجليزية والفكر الغربي من السيطرة عليه فيما بعد.
ولاشك كان " للقرآن " أثره الواضح الكبير في نقاء اللغة العربية وبقائها وصمودها أمام الحملات التركية والغربية التي وجهت اليها.
فى هذه الفترة ظهرت تيارات مختلفة في الفكر العربي الإسلامي.
(١) تيار تجديد الدين بتفقية، الذي حمل لواءه خلفاء محمد عبد الوهاب أمثال السنوسى والمهدى والشوكانى ومحمد عبده.
(٢) التيار الثقافي: الذي حمل لواءة رفاعة الطهطاوى في مصر وخير الدين في تونس.
стр. 22
(٣) التيار الثقافي: الذي حمل لواءه الشيوعيون والمرسلون الأمريكيون في لبنان.
(٤) التيار السياسى: الذي حمل لواءه جمال الدين الأفغانى.
(٥) التاريخ القومى التركى الذي حمل لواءه الاتحاديون في الدستور والطوراثية.
(٦) تيار القومية العربية الذي حمل لواءه حرب الشام.
وقد سار كل تيار من هذه التيارات في طريقه
وتكونت من هذه الروافد صورة الفكر العربي الإسلامي المعاصر الذي يمثل في مجموعه:
الواقعية والايجابية والربط بين الماضى والحاضر " وبناء " الجديد على " أساس " القديم والغربلة الدائمة لكل ما يتجمد من الأفكار.
وقد كان في الأماكن أن يؤدى هذا إلى تحقيق النهضة الأكيدة للعالم الإسلامي والبلاد العربية لولا أن الاستعمار كان يحمل معه تيارا ضخما قويا في خطة كاملة لسحق هذا الفكر - قد بلغ في نفس الفترات مدى أعمق بكثير من هذه التيارات مجتمعة ذلك هو تيار " التغريب ".
стр. 23
تيارات الفكر العربي الإسلامي
حتى نهاية الحرب العالمية الأولى
١ - تيار التجديد الديني:
محمد بن عبد الوهاب، الشوكانى السنوسية، المهدية، محمد عبده.
٢ - التيار الثقافي (المزج بين الشروق والغرب):
رفاعة الطهطاوى، وخير الدين التونسى.
٣ - التيار الثقافي الغربى:
اليسوعيون والمرسلون الأمريكيون في لبنان.
٤ - تيار " الجامعة الإسلامية ":
جمال الدين الأفغانى. الكواكبى.
٥ - تيار " الجامعة العربية ".
стр. 24
(١)
تيار التجديد الدينى
يعد تيار " التجديد الدينى " من أوقى التيارات الفكرية التي بدأت بها يقظة الفكر العربي والإسلامي عامة: هذه الدعوة التي بدأها محمد بن عبد الوهاب في قلب الجزيرة العربية ولم تلبث أن انطلقت إلى مختلف الأفطار، فظهر الأمام الشوكانى في اليمن، والألوسى في العراق، والسنوسى في ليبيا، والمهدى في السودا، ومحمد عبده ومدرسة المنار في مصر، وذلك غير ما ظهر في مختلف أطراف العالم الإسلامي من دعوةات مماثلة:
محمد بن عبد الوهاب ١٧٠٣ - ١٧٩١
الشوكانى ... ١٧٥٦ - ١٨٣٤
شهاب الدينالألوسى ١٨٠٢ - ١٨٥٤
السنوسى ١٧٨٥ - ١٨٥٩
المهدى ... ١٨٤٣ - ١٨٨٥
محمد عبده ١٨٤٩ - ١٩٠٥
ومعنى هذا أنه في خلال فترة قرن ونصف قرن لم تنقطع هذه الدعوة إلى التجديد الدينى بل واصلت عملها بقوة وحمل لواءها عدد كبير من الأعلام وقد اتصلت هذه الدعوة بالمعركة الكبرى، معركة الغزو الغربى: العسكرى والسياسى والاجتماعى والفكرى، ولذلك تعمقت جذورها واتسع نطاقها حتى أصبحت علما على اتجاه فكرى واضح في أكبر جانب من جوانب التفكير العربي، وهو التفكير الاجتماعى المتصل بالعقيدة والقيم والحرية والمعاملات بل لا نعدو الحق اذا قلنا " أن التجديد " كان بعيد الأثر في جميع مفاهيم " المقاومة " التي قامت بها البلاد العربية ازاء الاستبداد الداخلى
والاستعمار الغربي وانما أثرت في مفاهيم الفكر العربي: السياسىن والثقافي، والاقتصادى.
يمكن القول بأن تيار التجديد الدينى انما قام على أساسيين واضحين هما:
(١) العودة إلى التوحيد والمنابع الأولى للإسلام، فالتوحيد هو اساس الإسلام. وقد دخله كثير من الفساد في خلال فترة الركود التي أصابت العالم الإسلامي تحت حكم العثمانيين وقد أثر في نقاء التوحيد ما توسع فىه المسلمون من البدع: التي يتصل بالتقرب إلى الأولياء، والنذر لهم، وبناء الأضرحة وزيارتها، وقد حملت هذه الدعوة لواء عبادة الله وحده، ورد البدع وابطال التوسل والشفاعة.
(٢) فتح باب الاجتهاد وقد كان اقفال باب الاجتهاد بعيد الأثر في الجمود الذي أصاب الفكر العربي الإسلامي مما غلب التقليد فكانت الدعوة إلى تحرير العقل الإسلامي ممن أصار التخلف.
وقد حمل محمد بن عبد الوهاب لواء الدعوة على هذا النحو وقال: أن مسألة " التوحيد "ن هى عماد الإسلام، وأن الانحراف في العقيدة هو سبب ضعف المسلمين وسقوط همتهم. ولم يلبث ابن عبد الوهاب أن حول دعوته إلى برنامج سياسى ودعا لمقاومة استبداد الحاكم والتحرر من سلطان الدولة " العلمانية " وهاجم حدود سورية والعراق، وهاجم كل انحراف عن المبادئ الأساسية للإسلام، ودعا إلى التحرر من سلطانها، كما هاجم علماء الدين الرسميين الجامدين، واستطاع أن يحول الدعوة إلى حركة لها كيانها الذي هز الامبراطورية العثمانية حين اقنع " محمد بن مسعود " حاكم نجد، الذي حمل لواء الدعوة في جزيرة العرب
стр. 25
جمعاء. ومن ثم آمن اتباع محمد بن عبد الوهاب بأنهم الدم الجديد في الوطن العربي. وبذلك تحولت الدعوة إلى حركة تحميها دولة.
وأعلن الوهابيون أن سبيل الاصلاح، هو العودة إلى منابع الإسلام الأولى، وتنقية الدين من البدع الدخيلة عليه والايمان بعقيدة التوحيد الخالص، وكان محمد بن عبد الوهاب تلميذا لمذهب أحمد بن حنبل وقد تأثر أفكار ابن تيمية وابن القيم الجوزية. واتيح له أن يطوف في انحاء العالم الإسلامي ويزور بالذات بغداد وكردستان وهمزان وأصفهان وقم وهى معاقل الشيعة التي كانت تحمل لواء الأفكار التي هاجمها ووجدت رسائل لابن تيمية مكتوبة بخط محمد بن عبد الوهاب.
وقد انتهت المرحلة الأولى للحركة الوهابية بهجوم (محمد على) على الحجاز، حيث بدأت الحملة المصرية الأولى ١٨١٣ وانتهت. وقد أخذ على الوهابيين أنهم لم يكونوا على استعداد حربى حديث مما مكن لمحمد على هزيمتهم وقد أخذ عليهم المؤرخون عدم اتصالهم بالحضارة أو التفاتهم إلى الثقافات الغربية وأن برنامجهم في الاصلاح السياسى والاجتماعى لم يكن محققا لمواجهة الغزو الغربى، وقيل أن الدعوة لم تكن سلمية محضة، وأنما كانت تواجه خصومها بالعنف وتستحل دماءهم وأموالهم وكان ذلك من الوهابية خروجا على سماحة الإسلام.
٤ - وفي اليمن: ظهر " محمد عبدالله الشوكانى " الذي تأثر بابن تيمية وابن حزم وقد نشأ على مذهب الزيدية في الفروع. وفتح باب الاجتهاد وحارب التقليد وذهب إلى تحريمه، ودعيا إلى الاجتهاد وترك زيارة القبور وألف كتابه المعروف " نيل الأوطار " الذ تسرح فىه مؤلف ابن تيمية " منتقى الأخبار ".
وقد أثارت آراؤه في عدم زيارة القبور معركة حيث قال:
" كم سرى عن تشييد بنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكى لها الإسلام. منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جاب النفع، ودفع الضرر، فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجح المطلب وسألوا منها ما يسأل العباد من ربهم، وشدوا اليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا ".
وقد وقف من خصومه موقفا صلبا، واعلن أن
المذاهب جميعها سواء، ولا يخص مذهب الزيدية منها. وأن مذهبه في العقائد هو مذهب السلف.
٣ - وظهر: أبو الثناء محمود شهاب الدين " الألوسى " (١٨٠٢ - ١٨٥٤) في العراق على نفس النهج التجديدى في الفكر العربي الإسلامي المعاصر. وهو مفتى بغداد وأمام العراق في اللغة والدين والتفسير وله " روح المعانى " في تفسير القرآن الدينى يمثل مذهبه وقد أثارت آراءه غضب العلماء التقليديين فسعوا سعيهم ضده فعزل عن منصب الافتاء. جمع في كتابه " روح المعانى " من ثلاث طرق: طريقه السلف، وطريقة المتكلمين، وطريقة المتصوفة، ورد على آراء فخر الدين الرازى.
ولم يلبث أن ظهر من آل الألوسى، عالم آخر سار في نهج التجديد الدينى هو " محمود شكرى الألوسى " ١٨٥٦ - ١٩٢٤ الذي يمم نفس الطريق الذي سلكه علماء نجد في الدعوة إلى تطهير عقائد الناس من البدع والخرافات وفتح باب الاجتهاد، معرضا نفسه للخصومة العنيفة مع رجال التصوف في وقت كان فيه أبو الهدى الصيادى شيخ الصوفية: مستشارا للسلطان عبد الحميد وقد لقى من العنت ما لقى كل من دعاة التجديد الدينى في الفكر العربي الإسلامي، من محاربة واضطهاد حيث كان الاستبداد والنفوذ الأجنبى يلتقين في جبهة واحدة لتحطيم التجديد الدينى وتحريره من جمود التقليد، فأصدر عبد الحميد أمره بنفى شكرى إلى الأناضول، غير أن أنصاره في الموصل استطاعوا أن يحولوا بينه وبين المنفى.
٤ - محمد بن على السنوسى الكبير، سمع الدعوة الوهابية في مكة فاعتنقها، وعاد إلى الجزائر يبشر بها، ويؤسس طريقته في المغرب. وقد صرف صدر عمره في مكة، ثم عاد بعد الخمسين إلى برقة، حيث مضى يؤسس الزوايا ليبث تعاليمه بين أهل البادية.
وكان أبرز معالم دعوته: العودة بالإسلام إلى منابعه الأولى، كما حملت السنوسية لواء الجهاد، ومقاومة الاستعمار الايطالى، حينما هاجم طرابلس وكان لتعاليم الدعوة أثرها الضخم في الفداء.
فقد نهىى السنوسي عن حياة الترف، وحيازة الذهب والجواهر.
وفي السودان: حمل المهدى لواء الدعوة إلى التجديد الدينى على نحو أقرب إلى التجرد السياسى، وقد قاوم الاستبداد ممثلا في سلطاته المفروضة على أهل السودان.
стр. 26
(٢)
التيار الثقافي
المزج بين الشرق والغرب
برز التيار الثقافي المصري في الوطن العربي واضحا في أوائل القرن التاسع عشر يحمل لواءه:
(١) الاقتباس من الغرب بالترجمة والتعريب. " الترجمة ".
(٢) خلق الرأى العام وتنبيهه بالصحافة. " الصحافة ".
(٣) رفع مستوى الشعب بالتربية والتعليم. " التعليم ".
(٤) تبسيط اللغة العربية وتحريرها من السجع والزخرف. " اللغة العربية ".
(٥) الدعوة إلى تعليم المرأة وتصحيح مناهج المجتمع " المجتمع والمرأة ".
وكانت معالم هذا التيار الثقافي العصرى تتمثل فى:
(١) المطبعة العربية التي دخلت العالم العربي (١٨٢١، مطبعة بولاق: القاهرة) و (١٨٣٤ مطبعة المرسلين الأمريكية: بيروت) هذا مع ملاحظة أن أول مطبعة عربية أنشئت في حلب في أوائل القرن الثامن عشر وطبع بها الانجيل ١٧٠٦.
(٢) المدارس الغربية الحديثة في لبنان: وأول هذه المدارس ما أنشأه الآباء المازاريون ١٨٣٤ (عنيطورا - لبنان): مدرسة بيروت (٢) الس وليم طمسن الأمريكي الدكتور غانديك: مدرسة عبية لبنان ١٨٤٧ (٣) المدرسة الانجليزية ١٨٦٠ الكلية الانجليزية للبنات ١٨٦١.
(٣) المدرسة الوطنية (بطرس البستانى) ١٨٦٣.
(٤) الكلية الأمريكية ١٨٦٦.
(٥) الكلية اليسوعية ١٨٧٤.
(٣) ظهور الصحف العربية: (١) الوقائع المصرية: رفاعة الطهطاوى وفارس الشدياق ١٨٢٧ القاهرة (٢) مرآة الأحوال: رزق الله حسون ١٨٦٥. (٣) الرائد التونسى - تونس ١٨٦١.
(٤) البعثات التي اتجهت إلى أوربا والتي كان نواتها أمثال: رفاعة الطهطاوى (١٨٢٦) وعلى مبارك (١٨٣٤).
(٥) الهجرة اللبنانية إلى أمريكا والدور الفكرى الذي قامت به في المهجر.
ومن هذه المعالم جميعا بدأ هذا التيار الثقافي المصري الذي اعتمد على النقل والاقتباس من الحضارة الغربية في (مجال الترجمة والصحافة والتعليم) والذى أثر في ميادين التربية والمجتمع واللغة العربية. وهو مكون من عنصرين: عنصر الرواد الذين سافروا إلى أوربا وعادوا، وعنصر الأعلام الذين تأثروا بالمرسلين الغربيين الذين وفدوا إلى العالم العربي والذى ركزوا جهودهم بصفة خاصة في لبنان وحرصوا على أن يبدأ بالعمل من القرية بدلا من المدينة فأنشأوا مدارسهم في قرى لبنان وكان بين الانجيليين الأمريكين والسيوعيين والفرنسيين منافسة على العمل في هذا الميدان وقد اشتركت القاهرة وبيروت وتونس في هذه الحركة الضخمة التي كانت تيارا طبيعيا لابد منه بعد اتصالنا بالغرب، هذا الاتصال بدأ بالحملة الفرنسية ١٧٩٨ عندما استقدم نابليون إلى مصر أول مطبعة عربية وكانت حملته عبارة عن نقطة البدء في الغزو الثقافي الغربي حيث بدأت البعثات المختلفة من أمريكا وفرنسا وبريطانيا ودول أخرى عديدة تزحف إلى العالم العربي وتقيم فيه المدارس والمطابع والصحف وترصد في ميزانياتها اعتمادات ضخمة للتبشير.
стр. 27
وفى هذا المجال ظهرت مدارس أربع:
* المدرسة المصرية (رفاعة وعلى مبارك).
* المدرسة اللبنانية (وقد امتزجت بالمدرسة المصرية حينا).
* المدرسة المهجرية.
المدرسة المصرية
ظهرت المدرسة المصرية في تيار الثقافة الحديثة المتصلة بالغرب مبكرة في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر حينما بدأت البعثات المصرية إلى أوربا. وكان رائد هذه المدرسة هو " رفاعة الطهطاوى " (١٨٠١ - ١٨٧٣) الذي سافر إلى فرنسا ١٨٢٦ وعاد ١٨٣١ وعمل في ميادين الترجمة والتربية والصحافة والتأليف والتعليم والشعر. ونظم الأناشيد الوطنية وتراجم القوانين.
وكان رمزا على الرابطة بين الأزهر والثقافة الغربية، ولابد أنه كان هو بطبيعته النفسية متأهبا لحمل لواء هذه الرسالة، وتقبل التطور الفكرى بين دراسات الأزهر ودراسات الجامعات الغربية، وقد كان رفاعة عاما على المدرسة التي دعت إلى النقل والاقتباس من الثقافة والحضارة الغربية في حدود ما هو صالح منها وما هو نافع لنا. وقد حاول نقل خير ما وحد في أوربا، ونقد ما شاهده من عيوب في مجال الحضارة الغربية، ومرجع هذا إلى أصالة الثقافة العربية الإسلامية والمفاهيم الأساسية وايمانه بالكيان الفكرى الإسلامي الأصيل، وحرصه على تنقيته وصقله والزيادة فىه بالاقتباس، ولذلك فقد خال ذلك كله دون اضطراب شخيته أممام مفاتن الحضارة ومع ذلك فان هناك تحفظات على وجهة رفاعة الطهطاوى كشفت عنها الأبحاث فىما بعد وخاصة في موقفه من الاقتباس من الغرب ومن مفهوم الوطنية المصرية.
وكان لاستاذه (حسن العطار) الفضل في تكوين هذا الاتجاه عنده، فقد عرف العطار بالتجديد والايمان بضرورة النقل من الغرب بما يزيد شخصيتنا قوة.
ولعل حرص (رفاعة) على أن يحقق لوطنه ريادة كاملة في الفكر الغربي هو ما حمله على أن يساهم بهذا
المحصول الضخم في ميدان الفكر العربي، فقد كان أول من كتب عن " الوطنية القومية " ان صح اطلاق هذا التعبير عليها، على أساس غلبة اللون المصري ومقاومة الاتجاه التركى. وتعليم المرأة وتحريرها، وحب الوطن والمفاخرة به، ووحدة وادى النيل واحياء التاريخ القديم.
بل أنه قد تكلم عن قناة السويس وحق مصر فيها وصور مظالم الاقطاع فتحدث عما يلاقيه العمال الزراعيون من الظلم على أيدى الملاك الاقطاعيين وهاجم الاقطاع مهاجمة عنيفة وندد بالامتيازات الأجنبية.
ثم هاجم فرنسا لاحتلالها الجزائر. كما هاجم المجتمع الفرنسي وانتقد كثيرا من أخلاقه وعوائده وانتقد نظرة المجتمع الفرنسي العلاقة بين الرجل والمرأة وبذلك يكون (رفاعة) قد عمل في الميادين الخمسة التي حمل لوائها التيار الثقافي. وهي الاقتباس من الغرب بالترجمة والتعريب، وخلق الرأى العام وتهيئته بالصحافة ورفع مستوى الشعب بالتربية والتعليم، وتبسيط اللغة العربية وتحريرها من الزخرف وتحرير المرأة والدعوة إلى تعليمها، وتصحيح مفاهيم المجتمع.
وقد واجه (رفاعه) اضطهاد في عهد عباس نظرا لآرائه الجريئة في الحرية والحكم والدعوة إلى تجديد مصر وتحسين أوضاعها، واعتباره التربية: الأساس الأول لخدمة الوطن.
وهو يرى أن الوطن هو " عشيرة الانسان الذي فيه درج ومنه خرج ومجمع أسرته وهو البلد الذي نشأته تربته وغذاه هواءه، وأن حب الوطن من الايمان ومن طبع الأحرار احراز الحنين إلى الأوطان. ومولد الانسان على الدوام محبوب منشؤهن مألوف له ومرغوب. ولأرض الوطن حرمة كما للوالدة حق لبنيها والكريم لا يحقق أرضا بها قوابله ولا ينسى دارا بها قبائله ".
وقد شهد " رفاعة " الثورة الفرنسية ودرس عواملها وترجم مواد الدستور الفرنسي (دستور ١٨٢٤) وترجم القانون المدنى وقانون التجارة الفرنسي كما اشترك مع عبد الله أبو السعود وأحمد حلمى في نقل قانون المحاكمات وقانون الحدود والجنايات.
ولم يقبل رفاعة أن يشترك في مشروع الخديو إسماعيل انقل قوانين نابليون واحلالها بدل التشريع الإسلامي. كما اقتبس من الدستور الفرنسي عدة عبارات
стр. 28
ونظم بعض الأشعار التي عبر فيها عن الشورى وحاجة وطنه إلى العدل.
وقد أعلن (رفاعة) دعوته إلى عليم المرأة ويرى أن تربية أولاد الملة وصبيان الأمة وأطفال المملكة ذكورها وأبناثها من أوجب الواجبات، كما يرى أن من حق المرأة أن تعرف كل أمور دينها، بل أن حقها على الزوج أن يعلمها ذلك اذا لم تكن تعلمته.
كما كان لآرائه الجريئة عن الشورى والحرية ما دفع عباس إلى نقله منفيا إلى السودان ١٨٤٩ حيث بقى نحو أربعة أعوام بعيدا عن مجاله في العمل ترجم فىها كتاب (مواقع الأملاك في وقائع تليماك).
كما ترجم إلى العربية تاريخ اليونان، والميثولوجيا اليونانية واخبار الأمم القديمة كالمصريين والبابليين.
وبه بدأت نهضة الترجمة التي اتسعت وأمتدت بعد انشائه لمدرسة الألسن ١٨٣٥ حيث تكون جيل من تلاميذه في مقدمتهم: صالح مجدى، وعبد الله أبو السعود.
وجملة رأيه أن للتمدن والعمران واسطتين:
(١) تهذيب الأخلاق والآداب الدينية والفضائل الانسانية.
(٢) المنافع العمومية التي تعود بالثروة والغنى فيحسن الحال وينعم البال.
٢ - أما على مبارك (١٨١٦ - ١٨٨٦) فهو لم يتعلم في الأزهر، وانما تعلم في مدرسة الهندسة وسافر في احدى بعثات محمد على وأقام في فرنسا خمس سنوات ووصل إلى منصب ناظر المعارف في عهد إسماعيل، وقد عمل على اصلاح التعليم، وأنشأ مدرسة دار العلوم فأخذ لها من خيرة طلبة الأزهر حيث تلقوا العلوم الدينية واللغوية والتاريخ والجغرافى والرياضية والطبيعية والكيما وأنشأ مجلة " روضة المدارس " ورأس تحريرها " رفاعة الطهطاوى " وألف الخطط التوفيقية في عشرين مجلدا (١٠٨٧ - ١٨٨٩) وقد دعا إلى ما أسماه " الوجوه الحسنة من مدينة الغرب، ونبذ السيء منها" وآمن باصلاح التعليم، ويرى أن الاصلاح السياسي خير من الثورة، ولذلك فهو لم يشترك في الثورة العمرانية كما أنشأ دار الكتب.
جمع آرائه في الحضارة والشرق والغرب في قصة الفها باسم " علم الدين " وهى قصة شيخ تربى في الأزهر تتلم عليه مستشرق انجليزى تعلم منه اللغة
العربية ودعاه الانجليزى ليزور معه انجلترا فلبى الدعوة وقد ضمت مجموعة ضخمة من المعلومات والأفكار. قصر رفاعة ميدانه الفكرى على اصلاح التعليم فاقتبس من أنظمة المدارس الفرنسية وحول الكتاتيب إلى مدارس نظامية وأصدر لائحة التعليم ١٨٦٨.
٣ - امتدت هذه المدرسة الثقافية المصرية في مجموعة من الأعلام في مختلف الميادين من بينهم: صالح مجدى، وعبد الله أبو السعود وخليفة محمود ومحمد قدرى، ومحمد عثمان جلال، ومحمود الفلكى، وعبد الله فكرى.
***
المدرسة اللبنانية
كان للمدرسة اللبنانية دورها الضخم الواضح في هذا التيار، فقد عملت في مختلف الميادين ومن اعلامها حسب الترتيب التاريخى:
الدور الأول: ناسيف اليازجى. بطرس البستاتى. فارس الشدياق.
الدور الثاني: سليم البستانى. سلميان البستانى. البراهيم البازجى. يعقوب صروف.
وقد جمع هؤلاء بين العمل في ميدان الترجمة والصحافة وتجديد اللغة العربية وعمل ناسيف اليازجى وبطرس البستانى وسليم البستانى في التعليم وحمل لواء تحرير المرأة (خطاب بطرس البستانى - ١٤ كانون الأول ١٨٩٤) وفارس الشدياق.
***
١ - البستانيون:
وقد كان للبستانيين دور كبير في التيار الثقافي في هذه المرحلة. فبطرس البستانى مؤسس أول مدرسة وطنية عالية في لبنان (١٨٦٣). ومنشئ أول معجم عربي عصرى ومخرج أول موسوعة عربية وفق الأساليب المتبعة في الغرب. وقد ترجم للانجليز ثم اتصل بالمراسلين الأمريكيين وعمل مع المستشرق فانديك وانشأ مجلة (تغير سوريا) ثم مجلة الحنان كما ترجم التوارة بالاشتراك مع الدكتور غالى سمث.
стр. 29
ومن مؤلفاته: قاموس محيط المحيط، قطر المحيط، دائرة المعارف.
وقد طبع الثقافة العربية بالطابع الحديث، وجارى علماء الافرنج، وقد أتم مشروع دائرة المعارف في سبعة أجزاء.
وعمل سليم البستانى (١٨٤٨ - ١٨٨٤) في نفس الميدان، حرر مجلة الحنان وشارك في اعداد دائرة المعارف وواصل العمل في المدرسة الوطنية التي أنشأها والده في بيروت.
وعالج الرواية الاجتماعية. وقد سبق جورجى زيدان بعشرين عاما في وضع الروايات الأفرنجية كما قام سليمان البستاني (١٨٥٦ - ١٩٢٥) بأكبر عمل في ميدان الثقافة والفكر العربي المعاصر وهو ترجمة الياذة هوميروس شعرا إلى العربية وساهم في دائرة المعارفة واحترف التعليم وحرر مجلة الحنان.
وعلى عبدالله البستانى (١٨٥٤ - ١٩٣٠) باللغة والمعالجم والتعليم. وعلم في المدرسة البطريركية في بيروت وله معجم البستانى في مجلدين. ومن تلاميذه: شكيب أرسلان، وبشارة الخورى، واسعاف النشاشيبي. وداود بركات.
***
٢ - البازجيون:
عمل اليازجيون (ناصيف: ١٨٠٠ - ١٨٧١) في ميدان خدمة اللغة العربية وتجديدها، كما علم في المدرسة الوطنية للبستانى والكلية للأمريكان. وهذب اللغة العربية والمنطق والشعر، كما ساهم في احياء تراث اللغة المشترك ونشره: واتصل بالمراسلين الأمريكيين وصحح مطبوعاتهم ولاسيما الكتاب المقدس وأبرز مؤلفاته: مجمع البحرين، الذي عارض فيه مقامات الحريرى في ستين مقامة، ومؤلفاته في (اللغة العربية) فصل الخطاب في أصول لغة الاعراب: الجوهر الفرد في موجز الصرف وفي (البيان والبديع): مجموع الأدب في فنون العرب.
وعمل إبراهيم اليازجى (١٨٤٧ - ١٩٠٦) في نفس الميدان: فاشتغل باللغة العربية والصحافة والترجمة وكان ناقدا لاذع النقد. له مساجلة هامة مع
فارس الشدياق. وقد فاق والده في العلم باللغة والفقه لاسرارها. وانتدبه اليسوعيون للاشراف على تصريب التوارة، فعمل بها تسع سنوات، ثم هاجر إلى مصر وأصدر البيان ١٨٩٥ والضياء (١٨٩٨ - ١٩٠٦).
***
٣ - وعمل فارس الشدياق (١٨٠٤ - ١٨٨٧) في ميادين اللغة والصحافة والترجمة . وكان أبرز معالم فكره، حرية الرأى وسخرية النقد والرأة في نقد الكنيسة ورجالها، واصلاح المجتمع، وتجديد اللغة العربية والأسلوب العربي.
عمل في الوقائع مع رفاعة الطهطاوى وأصدر الجوانب (١٨٦١ - ١٨٨٣) ودعا إلى تحرير المرأة. وعمل مع المراسلين الأمريكيين في ادارة مطبعتهم بمالطة وتصحيح الكتب العربية. كما عمل في لندن بدعوة من جمعية ترجمة التوراة وحرر الرائد التونسى واشترك في ترجمة الكتاب المقدس ١٨٥٩.
وله في اللغة، سر الليال في القلب والابدال. والجاسوس على القاموس وله رحلته التي ترتبط مع رحلة رفاعة الطهطاوى وعبدالله فكرى. (الساق على السابق فيما هو الفارياق).
وقد ارتبط هذه المدرسة اللبنانية بالثقافة الفرنسية، وعمل رجالها مع المرسلين الأمريكيين وجمع أغلبهم بين الصحافة والتعليم واصلاح اللغة العربية والترجمة والدعوة إلى تجديد الفكر العربي بالاقتباس من الفكر الغربى.
وقد امتدت هذه المدرسة في يعقوب صروف ١٨٥٢ - ١٩٢٧ صاحب المقتطف، ولويس شبخو صاحب (المشرق) وشيلى تشميل (١٨٦٠ - ١٩١٧) داعية مذهب النشوء والارتقاء في الفكر العربي.
ثم لم تلبث مدرسة مصر، ومدرسة لبنان ان ارتبطتا وانصهرتا فأخرجنا أعلام التجدد الفكرى بمفهوم (التبعية) والصحافة والترجمة، أمثال: أديب اسحق، وفرج أنطون، ورزق الله حسون، ويعقوب صنوع، وفرنسيس مراش.
وبالحملة فقد كانت المدرسة اللبنانية تابعة لمخطط للتبشر الغربي ومنفذة له.
стр. 30
٤ - اثر الهجرة اللبنانية
بدأت الهجرة اللبنانية إلى امريكا الشمالية ١٨٥٤ التي فتح طريقها انطون البشعلانى توالت طوائف المهارجين وازدادت بعد حوادث ١٨٦٠ ثم اتسع نطاقها بعد الثورة العرابية ويمكن اطلاق اسم الهجرة الشامية عليها لاشتراك الفلسطينيين والسوريين فيها.
وكانت ظاهرتا المجاعة من أبرز عوامل هذه الهجرة، بدأت الهجرة إلى البرازيل (أمريكا الجنوبية) عام ١٨٧٤ وتكاثر المهاجرون بها في نهاية القرن بعد هرب يوسف كرم من لبنان مع فريق من جنوده إلى أمريكا الجنوبية ووصلت طلائح المهاجرين إلى الارجنتين ١٨٨٤ التي فتحت أبوابها للمهاجرين العرب حتى زاد عددهم عن ٣٠٠ ألف.
وقد بدات النهضة الفكرية ١٨٨٨ في الشمال حيث صدرت أول جريدة لهم في نيويورك (كوكب أمريكا) ثم صدرت (الهدى - تعوم مكرزم ١٨٩٨) ثم توالت الصحف كما أنشأت الجمعيات، وفي مقدمتها الرابطة القلمية بنيويورك ١٩١٢ والعصبية الأندلسية (سان باولو ١٩٣٢) وفي المهجر ظهر تيار من الأدب العربي عرف بالأدب المهجرى تأثر أصحابه الأدب الغربي في طلاقته وفي التحرر من قيود الأسلوب والمعانى. وكان ولا شك لظهور هذا الأدب في بيئة غير البيئة العربية التي كانت محتملة في ذلك الوقت بقيود الاستبداد والتقاليد ما مكن له من أن يحمل لواء التحرر.
وأبرز من ظهر في المهجرك جبران وأمين الريحاننى ونسب عريضة وفرحات وميخائيل نعيمة وايليا أبو ماضى والشاعر القروى وشفىق معاوف.
ولاشك كان للعوامل النفسية والاجتماعية التي أحاطت بهؤلاء المهاجرين أثرها في أدبهم، فهم قد هاجروا من أوطانهم في ظل من الحاجة المسغبة والاضطهاد، فاذا بهم يقطعون الطريق إلى عالم مجمهول، عاشوا فىه بين الاغتراب والفائة والعمل المضننى في سبيل كسب العيش، وذلك بحمل " الكشة " على أكتافهم يدورون بها في القرى ويعرضون ما يحملون فيها من لعب ودبابيس وأمشاط وصنون على البيوت التي يدقون أبوابها وقد
استمروا طويلا في هذا الجلاد المضننى حتى تحقق لهم الحصول على الغنى، وفي ظل هذا الكفاح المضنى انتجوا أثارهم الأدبية التي حملت في تضاعيفها معنى الحرمان والاغتراب والشوق إلى الوطن وتصوير ما احتماوه من متابع وآلام. وقد ذاع هذا الأدب في العالم العربي كمذهب جديد تأثر به الأدب في اسلوبه ومضمونه، وكان الشعر أشد تأثرا به، وحمل الأدب العربي في لبنان لواء اللون المهجرى حتى عرفت به.
ولاشك ان كان للأدب المهجرى بمعالمه وآرائه وحريته أثر واضح في الفكر العربي الحديث فقد حمل لواء الدعوة إلى الحرية والقومية العربية ومقاومة الاستبداد والاستعمار، وأتاحج للاثار التي صدرت منه باللغة الانجليزية أن تعرف الغرب بالفكر العربي وقد أصابت أثار كثيرة منه وفي مقدمتها كتاب النبى لجبران خليل جبران شهرة بعيدة فطبعت منه عشرات الالاف من النسخ.
ويمثل الأدب المهجرى صورة واضحة لامتزاج الفكر العربي ببالفكر الغربي والتأثر به في الأسلوب والطريقة قد وصف الأدب الهجرى: بالواقعية والانسانية، وقد تأثر الروح الغربي واتجه نحو الانسان من حيث هو انسان حى، فكان في مجموعة يحمل أواء الدفاع والكرامة والحرية الانسانية.
وتمثل الهجرة اللبنانية في الفكر العربي طابع الأمة العربيى في الهجرة والاقتحام والمغامرة والتطلع إلى الآفاق البعيدة والخروج من البيئة اذا تضاعفت فىها عوامل الاضطهاد والفقر في محاولة للبحث عن الرزق والحرية والكرامة مهما احتمل في سبيل ذلك من العنت. وقد حققت الهجرة اللبنانية هذا المعنى، ففتحت أفاقا جديدة وظل العدد الكبير من المهاجرين مرتبطا بالوطن، مؤمنا بالعروبة واللغة العربية، يمتزج في تفكيره الشوق إلى أرض الوطن بأفكار الحرية والكفاح في سبيل الرزق. وكانت لصيحات الحرية التي أعلنها أثرها الواضح في الوطن العربي.
وقد كان للباحثين على الأدب المهجرى تحفظات كثيرة تتعلق بعدم التزامه بالقيم الإسلامية.
стр. 31
(٢)
دور الأزهر
لاشك أن للأزهر (٩٧٢ م) دوره الكبير في ثقافتنا العربية، هذا الدور الذي امتد خلال ألف سنة دون أن يتوقف، حتى في الفترة التي ركد فيها الفكر العربي الإسلامي وأصابه الجمود والتوقف، ظل الأزهر حمى للتراث الإسلامي وملاذا للغة العربية والدين، فلما بدات اليقظة الفكرية المعاصرة دبت الحياة في الأزهر من جديد ومضى يواجه الطريق إلى التطور والنهضة ومقاومة الغزو الثقافي والاستبداد والنفوذ الأجنبى والاستعمار، فكان مصدرا لكل حركات المقاومة الوطنية في خلال العصر الحديث كما كان في الفترة السابقة معتقلا لحماية اللغة العربية والدين والتراث الإسلامي حيث حفظ اللغة العربية من طغيان اللغات الأجنبية وقد قام الأزهر بدوره ازاء النفوذ الأجنبى والاستعمار.
أولا: قاوم استبداد الولاة المماليك وقام بتحرير وثيقة تحرير الانسان.
ثانيا: قاوم الحملة الفرنسية وقاد المقاومة الشعبية.
ثالثا: عزل الحاكم التركى خورشيد.
رابعا: اشترك في الثورة العرابية.
خامسا: كان الأزهر معقلا لثورة ١٩١٩.
وقد اتصل الأزهر بالثقافة الغربية الحديثة منذ أوائل القرن التاسع عشر حيث سافر رفاعة الطهطاوى إلى باريس، وعياد الطنطاوى إلى بطرسببرج وتشهدت جامعة السريون عام ١٨٢٨ حفلا عاما من علماء فرنسا وعظمائها يستمعون إلى الأزهريين في امتحانهم وكان " حسن العطار " الذي تولى - فما بعد منصب شيخ الأزهر هو استاذ رفاعة الطهطاوى، وعياد الطنطاوى وغيرهم، حيث كان يدرس لهم مقامات الحريرى وديوان الحماسة، ولم تكن هذه الكتب تدرس
فى الأزهر وقد اتصل بعلماء الفرنسيين الذين قدموا مع الحملة الفرنسية وأفاد منهم ثقافيا.
كان الشيخ حسن العطار (١١٨٠ - ١٢٥٠) أول من نبه إلى اصلاح الأزهر بتجديد برامج التعلم فيه، ونقد اهمال الأزهر كتب المتقدمين والعلوم الحديثة والرياضة ووجه رفاعة الطهطاوى إلى دراسة العلوم الذي نبغ فىها الغرب ليقوم بنقلها إلى اللغة العربية.
وحقق رفاعة أمل شيخه وكان لترجماته وأبحاثه أثرها في كسر ذلك القيد الذي وقف طويلا بين الأزهر وبين الثقافة الحديثة وخفف من حدة نظرة العداء إلى المدنية الأوربية.
ودعا رفاعة الطهطاوى إلى اصلاح الأزهر وادخال العلوم العصرية فيه غير أن الأزهر لم يكن مستعدا للتطور السريع، ولذلك فقد عجز أن يواجه الاتجاه التغريبى الذي قام به إسماعيل في نقل القوانين الفرنسية.
وقد ورد في بعض المراجع (كتاب مستر دن المستشرق الانجليزى: الحياة الفكرية في التاسع عشر) أن الحملة الفرنسية حينما قدمت إلى مصر وجدت في صحن الأزهر بضع نساء يتعلمن إلى جانب الشبان لكى يفقهن في الدين. وأنه كانت هناك عالمة ضريرة يلتف حولها الشبان ويتلقون الدروس عنها. واذا كان البعض قد أثار الشك حول هذه الرواية فأن التاريخ قد حفظ أسماء: فاطمة الأزهرية وسنية الطبلاوية، وهما اللتان تعلمت على أيديهما عاشئة التيمورية فن القصائد والموشحات.
٢ - وقد كانت طريقة التعليم في الأزهر اذ ذاك كما وصفها: محمد خالد حسنين هى الطريقة الاملائية. فكان الاستاذ يجلس وسط حلقة من طلبته ويملى عليهم درس الاملاء. وقد أبث الأزهر على ذلك فترة من الزمن إلى أن كثر التدوين والتأليف فشرعوا في دراسة الكتب.
стр. 32
ولم يكن للأزهر قانون ينظم الدراسة التي كانت تجرى على أساس رغبة كل طالب فهو الذي يختار درسه ويختار أستاذه، فاذا بلغ قدرا من الكفاءة تقدم باذن من شيخه إلى حلقة يحضرها بعض الطلاب ويشهدها العلماء فيقرأ لهم فان فهموا واستفادوا اقبلوا عليه، وكان ذلك شهادة بأنه من العلماء.
وأول قانون وضع للأزهر (فبراير ١٨٧٢) ينص على نيل شهادة العالمية بامتحان على يد لجنة من العلماء يختارهم شيخ الأزهر، ويقسم العلماء إلى ثلاث درجات: أولى، وثانية، وثالثة، وتصدر بذلك براءة عالمية - والمواد هى: الفقه والأصول، والتوحيد، والبيان، والبديع، والمنطق، ثم زيدت علوم الحاسب والجبر والهندسة والفلك. وفي عام ١٩١١ انشئ مجلس الأزهر الأعلى وهيئة كبار العلماء واقسام التخصص.
٣ - كان لجمال الدين الأفغانى دوره في اصلاح الأزهر فقد دعا إلى اصلاح مناهج التعليم، واتصل ببعض أساتذة الأزهر وخريجيه، ودرس لهم أمهات الكتب في علم الكلام والحكمة والهيئة والتصوف وأصول الفقه كما دعا الأزهريين إلى دراسة التاريخ وقال:
اذا بقيتم على جهلكم بالتاريخ على هذا الحد فلا يمكنكم أن تعرفوا دينكم ولا نجاح لكم في دنياكم. أن قراءة التاريخ واجب من الواجبات الدينية وركن من أركان اليقين فلابد من تحصيله.
٤ - وكان لمحمد عبده دوره الايجابى في تجديد الأزهر واصلاحه اذ استطاع انشاء مجلس ادارة الأزهر وكان هو من أعضائه فترة غير طويلة. وقد أجرى المجلس محاولات لاصلاح نظام التدريس والامتحان، غير أنه لقى عقبات كبيرة في سبيل اجراء اصلاح شامل يقضى على كل أثر للجمود في الأزهر، وكان رأى الجهات المسئولة الواقعة تحت سلطان النفو الأجنبى توقيف التطور باسم التدرج في الاصلاح وقد انتهى الأمر إلى وضع قانون يقوم باصلاح نظام الدروس والامتحان صار به الأزهر ادارة نظامية.
وقد لقى محمد عبده مقاومة ضخمة من الخديو الذي كان نصيرا للاستعمار وحريصا - على أن لا يدخل أي تقديم فكرى من شأنه أن يحرر الأذهان، كما وجد المقاومة من أساتذة الأزهر وعلمائه، الذين كانوا يؤمنون
بنظام التعليم القديم حتى لقد يذهب البعض إلى القول بأنه حين وجه إلى الشيخ عبده القول في مجال الدفاع عن النظام القديم أنه واحد من ثمراته وأنه قد واصل إلى أرقى الدرجات. أن أجاب بأنه اذا كان لى خط من العام الصحيح فانى لم أحصله الا بعد أن مكثت عشر سنين أكنس من دماغى ما علق فيه من علوم الأزهر. وقد حملت دعوة محمد عبده الاصلاحية عملا من شقين: (١) اصلاح الأزهر (٢) الاصلاح الدينى بفتح باب الاجتهاد.
٥ - غير أن هذا النظام الجديد للازهر لم يلبث أن توقف بعد أن وقع الخلاف بين لخديو والشيخ محمد عبده فاستيقظت النزعة القديمة التي وضعها الشيخ الظواهرى وعبر عنها بقوله " الدين كما تركه أنا الائمة. ما سوى من أمور الدنيا وعلوم الاعصر فلا علاقة للأزهر به " وأنكر العلماء التجديد " الذي من شأنه أن يهدم معالم التعليم الدينى ويحول المسجد إلى مدرسة فلسفة وآداب تحارب الدين وتطفئ نوره " ووافق الخديو على ادخال العلوم الحديثة. ورفض الاصلاح الدينى.
ووقف عدد من مشايخ الأزهر منهم (الشربيني والبشرى) ضد الاصلاح مما انتهى إلى الغاء النظام الجديد وأعيد النظام القديم عام (١٩٠٩) وكان من أهم اسباب الاعتراض على النظام الجديد: الزام الطلبة (الامتحان في العلوم الحديثة).
٦ - ربط الأزهر العالم الإسلامي فكان مجال الالتقاء بين شباه مصر والشام والمغرب والترك والسودان والحجاز وجاوة والحبشة والأفغان والهند والعراق وقد بلغ طلابه عام ١٩٠٦ (١٠ آلاف طالب).
وخرج الأزهر أعلاما قاموا بقيادة الفكر العربي الإسلامي في هذه الفترة وما بعدها وفي مصر أمثال: حسن العطار استاذ الطهطاوى والطنطاوى، وحسن الطويل أستاذ محمد عبده، ومحمد عتده، وحسين المرصفى، وسعد زغلول، وأحمد أبو خطوة، وعلى يوسف وإبراهيم الهلباوى، وعبد السلام المويلحى، وإبراهيم اللقانى، والمراغى.
وقد عرف للشيخ حسن العطار موقفه من نابليون حيث انتزع القلادة التي قلده اياها والقى بها إلى الارض في حضرته ورفض أن يقبل تحية محتل لبلاده وقد اشترك
стр. 33
الأزهر عام ١٩٠٢ في مؤتمر اللغات الشرقية (بهامبورج) بألمانيا ولاشك أن الاستعمار الغربي والغزو الثقافي بمختلف مراحله قد وجه كثيرا من خططه التغريبية نحو الأزهر فحرص على أن يفصل بينه وبين التطور والحضارة وذلك بالتوسع في التعليم المدننى مما خلق مشكلة (ثنائية التعليم) التي كان لها أثرها الواضح.
٧ - ويتصل بأثر الأزهر في التفكير العربي الحديث أثر معاهد أخرى تقوم بنفس رسالته منها: معاهد النجف بالعراق والزيتونة في تونس والقروى في المغرب والخلايا في السودان، وحلقات مساجد دمشق والجزائر والزوايا السنوسية في طرابلس.
فقد كان لهذه المعاهد العلمية القائمة على الدراسات الدينية واللغوية أثرها الواضح في الروابط التي قامت بين اللغة والفقه والذى كان لها بعيد المدى قى مقاومة تيارات التغريب والغزو الثقافي التي استهدفت، القضاء على اللغة العربية والإسلام وتزييف تاريخ لأمة العربية والأمة الإسلامية والتشكيك في القيم والتراث والبطولات ومدى الدور الذي قامت به الأمة العربية في نقل الحضارة
والمحافظة عليها والتفاعل معها وتطويرها، مما كان له أبعد الأثر في ظهور الحضارة والحديثة.
مراجع البحث
/ك/ الأزهر بين الماضى والحاضر: منصور رجب ملحق المقتطف (ابريل ١٩٤٦).
الرسالة ص ١١٠ مجلد السنة التاسعة.
محمود أبو العيون - مجلد ٤٠ الهلال ص ٦٠.
التعليم في الأزهر = ص ١٣٨ الهلال مجلد ١٥.
الأزهر في جامعة غرناطة: الاهرام ١٩/ ١٢/٣٢ (محمد خالد حسنين).
/ك/ تاريخ الاصلاح في الأزهر: عبد المتعال الصعيدى.
стр. 34
(٣)
دور الصحافة
كان الصحافة العربية دورها في يقظة الفكر العربي الإسلامي المعاصر، فقد عاصرت هذه اليقظة وارتبطت بها وكانت عاملا فاعلا منفعلا بها. فالصحافة هى أبرز عوامل الثقافة وأعمقها أثرا، وهى أقوى من المدرسة والكتاب فضلا عن أنها بعيدة الأثر في التيارات المختلفة: الاجتماعية والسياسية، وقد حملت لواء تجدد الفكرى الدينى والدعوة إلى الحرية والاصلاح، مقامة طغيان السلاطين والملوك والأمراء ومهاجمة التدخل الاجنبي والاستعمار. وقد استغلها الحاكم المستبد والأمير والسلطان والاستعمار.
حملت الصحافة لواء الدعوات المختلفة: التجزئة والوحدة، والجامعة الإسلامية والقومية العربية والفرعونية والفينيقية ودعوات التغريب والغزو الثقافي، ودعوات المقاومة وتحرير الفكرى العربي من اطار التبعية الانجليزية أو الفرنسية.
وكانت الصحافة في دورها الضخم تثمل معركة الفكر العربي كله مجسمة في صورة صحف تصدر هنا وهناك في أنحاء الوطن العربي، وفي خارج الوطن العربي في لندن وباريس والاستانة.
ولقى الصحفيون الاستشهاد والغنائم على حد سواء، عاش المجاهدون والأبرار منهم حياة الضمير والكرامة مع الفقر والاضطهاد من الاستعمار وعاش المحترفون العملاء حياة الثراء وكانت أقلامهم نقطر السم وتحرف القول.
وفي هذه الفترة (حتى نهاية الحرب العالمية الأولى) تبدو الصحف في ثوب بسيط تغلب عليه ركاكة الاسلوب الذي تطور إلى أسلوب وسط. مع بساطة الاخراج وغلبة الرأى على الخبر، وغلبة الكتابة على الصورة. وغلبة روح الوطنية الخالصة على روح العمالة للاحزاب والهيئات. وغلبة صحف الأفراد على صحف الشركات والمؤسسات.
× صدرت الصحف في أول أمرها بواسطة الحكام أو الاستعمار. فاصدر محمد على الوقائع المصرية (١٠٢٨) وأصدر والى سورية (حديقة الاخبار) والبى في تونس أصدر (الرائد) وداود باشا حاكم لبنان أصدر جريدة لبنان ١٨٦٧ وصدرت الجوانب في الاستانة موالية للسطان عبد الحميد والخديو في مصر والباى التونسى، كما أصدر الاستعمار صحفا تدافع عن وجوده مثل المبشر في الجزائر (١٨٤٧) والمقطم في مصر (١٨٨٩).
ثم صدرت من بعد صحفا حرة، قام باصدارها الأفراد، ولكنها كانت ذات ولاء من نوع أو آخر، ولم تتحرر الصحف الا حين دعا جمال الدين دعوته في مصر إلى الحرية ومقاومة الاستبداد، حينئذ ظهرت مدرسة الأبرار في عالم الصحف، أولئك الذين صارعهم الحاكم أو الاستعمار أو النفوذ الأجنبى، فأغلق صحفهم واحدة بعد أخرى، ولقوا بعد ذلك السجن والنفى والتشريد، ومن هؤلاء أديب اسحق وسليم نقاش.
× وكان رزق الله حسون أول عربي أنشأ صحيفة عربية هى مرآة الأحوال ١٨٥٥ ثم فارس الشدياق أصدر (الجوانب) الاستانة وأصدر عبد الله أبو السعود (وادى النيل) ١٨٦٦.
× واستطاعت طوائف من أحرار سوريا وصحفها أن نقلت من الحصار وصدرت في القاهرة صحف تهاجم فيها ما يسمى الاستبداد الحديدى والخلافة العثمانية ولم يكن هذا في حد ذاته يعنى الا أن بريطانيا التي كانت تحكم مصر اذ ذلك تشجع مهاجمة دولة الخلافة يحمل أكثر من معنيين فقد كان بالنسبة لبعض كتاب لبنان رد فعل لأحداث سنة ١٨٦٠ والجرى في تيار الاستعمار الفرنسي والبريطانى الذي كان يعمل على تحطيم الامبراطورية العثمانية.
стр. 35
× كانت الصحافة العربية في هذه الفترة تهدف الى: (١) اصلاح اللغة العربية بعد أن تحولت من الركاكة في التعبير إلى أسلوب ميسر معقول (٢) تحرير الوطن العربي من الحكام المستبدين في مختلف الأقطار، والاستعمار (٣) تحرير الوطن العربي من التقاليد والعادات البالية.
كما قامت الصحافة تدور فعال في قضية المرأة وانشاء الجامعة، ودعم الاقتصاد الوطنى والاشتراكية والقومية العربية.
× واستعملت الصحافة في هذه الفترة أسلوب العاطفة، واثارة النفوس والحماس والرأى الجرئ، وقامت على أكتاف دعاة مؤمنين بأفكارهم أو تجار محترفين يجيدون صناعة بيع القلم، وحتى نهاية فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى تحطمت صحافة الرأى الحر وسيطرت صحافة (١) المدارس المتأثرة بالغرب (٢) الصحف ذات اللون الممالئ للمحتل (٣) الصحف المماثلة للاقطاع ومن أسماهم الاستعمار أصحاب المصالح الحقيقية.
وقد استطاع الاستعمار في مصر القضاء على الصحف الوطنية حتى اذا جاءت الحرب العالمية لم يبق في الميدان ال الصحف الشبيهة بالرسمية والموالية للاستعمار والمحايدة.
× بدأت الصحف اخبارية: تحمل الأوامر الحكومية وشئون التجارة والدواوين وأحوال السياسة والتجارة ثم حملت رسالة النقد الاجتماعى والسياسى. وقد اهتم رفاعة الطهطاوى بالاصلاح الاجتماعى، وجدد التعبير الصحفى. واهتم إبراهيم اليازجى بلغة الجرائد وصحح تعبيراتها، وأحل فارس الشدياق التعبيرات الجديدة في مكان الكلمات الأجنبية، ومنها كلمات: المؤتمر، والأسطول والباخرة والبريد والمنطاد والحافلة والازمة المالية والسند والسلك البرقى.
× كان كتاب الصحف في أول الأمر كتاب بلغاء أمثالك ناصيف اليازجى وبطرس البستانى، ورفاعة الطهطاوى، وفارس الشدياق وليسوا صحفيين على النحو الذي عرف بعد الحرب العالمية الأولى.
وكانو يجمعون إلى الصحافة: التعليم، وتأليف الكتب، والبحث العلمى، واللغوى، ولم تكن الصحافة مهنتهم الوحيدة.
× وسجلت الصحف في هذه الفترة معارك ومناظرات أدبية غلب عليها الطابع الشخصى من أهمها معركة: فارس شدياق وإبراهيم اليازجى، كما أجرى مناظرات مع إبراهيم الأحدب، ولويس صابونجى، وسعيد الشرتوبى، وبطرس البستانى، وقامت معركة الشدياق مع اليازحى على أثر موت ناصيف اليازحى ١٨٧١ حين رثاه الشدياق على صفحات الجرائد وانتقده وكان موضوع الانتقاد لظة (لطحل) وقد انتصر اليازحى لأبيه على صفحات الجنان لبطرس البستانى.
ومن أجل معركة رزق الله حسون وفارس الشدياق أصدر حسون مجلة سماها (رجوم وغساق) وهو مؤسس جريدة مرآة الأحوال.
وقد أخذ المؤرخونه على فارس الشدياق أسلوبه المقذع، والعدول عن البرهان إلى الطعن والشتم.
× وانقسمت الصحف بين التيارات التيارات الأربعة (١) التيار الوطنين القومي الحر (٢) التيار العثمانى (٣) التيار الفرنسي (٤) التيار الانجليزى.
وصدرت الصحف في العالم العربي باللغة التركية والعربية في مصر وسوريا، وبالعربية والفرنسية في الجزائر، وهاجر كثير من الكتاب اللبنانيين إلى أوربا وأمريكا وصدرت لهم صحف في لندن وباريس وروما.
فاصدر رزق الله حسون في لندن " مرآة الأحوال " وندد بمبادئ السلطة العثمانية وكان مر الهجاء وعمل معه، لويس صابونجى، وجبرائيل دلال، وأمين الشميل وعبدالله مراش، وكانت دعوتهم إلى اقامة خلافة عربية بدلا من الخلافة العثمانية.
وأصدر خليل غثنم صحفا في فرنسا قاوم بها السلطة العثمانية.
وقامت الصحافة العربية في المهجر، بدور ضخم، فقد ربط بين الجاليات العربية وبين الوطن العربي، وقد صدرت صحف عربية متعددة في كندا، والمكسيك،
стр. 36
?
والارجنتين والبرازيل التي صدر بها وحدها ١٤٠ صحيفة وقد حملت صحافة المهجر لواء الحرية وحب الوطن وايقاظ روح القومية العربية، وكانت أشد جرأة في النقد من صحف الوطن.
وتمخضت هذه الحركة الصحفية عن ظهور تيارين صحفيين واضحين في العالم العربي:
١ - تيار الدعوة إلى الوطنية والحرية، لمقاومة الاستعمار الغربى.
٢ - تيار قبول الالتقاء بالاستعمار في منتصف الطريق، وقبول الحضارة الغربية والدعوة إلى التجزئة والأقليمية.
***
(التيار الأول)
أثر جمال الدين الأفغانى في الصحافة من ناحيتين:
التفاؤه في مصر بالكتاب الذين أقاموا صحافة جديدة لأول مرة في العالم العربي كله قوامها (١) مقاومة الاستبداد في الحكم، والدعوة إلى الدستور والحياة النيابية للحد من سلطان الفرد (٢) مقاومة الاستعمار البريطانى، والنفوذ الاجنبى (٣) الدعوة إلى الاصلاح الاجتماعى، وتحرير اللغة من قيود السجع، والكتابة من المدح والهجاء وتحرير الدين من قيد التقليد وأبرز من قام بهذا الدور أديب اسحق، وإبراهيم اللقانى، وسليم عنحورى، وقد شارك جمال الدين في هذه الصحف وكتب بتوقيع " ظهر ابن وضاح " وكانت حملاته على الانجليز من أهم ما كتب وقيل أنه أوحى إلى يعقوب ابن صنوع باصدار صحيفة شعبية ساخرة (٣) كان عمله الآخر بعيد المدى حيث أنشأ صحيفة (العروة الوثقى) في باريس صدرت في ١٣ مارس ١٨٨٤ وتوقفت بعد صدور ١٨ عددا منها.
كان لها أثرها البعيد المدى على الصحافة العربية كلها حيث خلقت تيارا قويا حملت لواءه المنار والمؤيد فيما بعد.
ومن أقواله البعيدة المدى في تكوين الرأى العام قول هل أنت أيها الفلاح المسكين تشق قلب الأرض لتنبت منها ما يسد الرمق، وتقوم بأود العيال. فماذا لا تشق قلب ظالمك، لماذا لا تشق تاوب الذين يأكلون ثمرة أتعابك.
× حملت هذه الصحف لواء الرد على اقراءات الغرب وأكاذيبه. وقد كان أحمد عبده دور كبير في الرد على أخطأء هانوتو وفرح انطون (١٩٠٠).
وكان محمد عبده قد رأس تحرير الوقائع (١٨٨٠) وعمل مع تلميذه عبد الكريم سليمان على خلق صحافة النقد والاصلاح الاجتماعى، ورفع مستوى الكتابة والتحرير في التقارير الرسمية. وبلغ من تشدده في النهوض بالتحرير في الصحف العربية، أنه أنذر مدير جريدة شهيرة بتعطيل جريدته اذا لم يجد لها محررا، صحيح العبارة. وقد وجه نقده الصحى إلى مخلف قضايا المجتمع وكان أهم مار كز عليه تركيزا متصلا " التعليم " وعرض لحكومة الشورى، ودعا إلى اقامة نهضة وطنية حقيقية على أسس ثابتة.
وصور أديب اسحق منهج هذا التيار في العدد الأول من صحيفة (جريدة مصر القاهرة) ٢٤ كانون أول ١٨٧٩.
" مسلكى أن اكشف حقائق الأمور ملتزما جانب التصريح متجافيا عن التعريض والتلميح. وأن أجلو مبادئ الحرية وآراء ذوى النقدز وأن ابين ما يظهره البحث من عواقب الحوادث ومقاصد أهل الحل والعقد. وأن أوضح معايب اللصوص الذي نسميهم اصطلاحا (أولى الأمر) ومثالب الخونة الذين ندعوهم وهما (أمناء الأمة) ومفاسد الظلمة الذين نلقبهم جهلا "ولاة النظام".
ومقصدى أن أثير بقية الحمية الشرقية. وأهيج فضالة الدم العربي وأرفع الغشاوة عن أعين الساذجين وأحيى الغيرة في قلوب العارفين ليعلم قومى أن لهم حفا مسلوبا فيلتمسوه. ومالا منهوبا فيطلبوه. ولتخرجوا من خطة الخسف وينبذوا عنهم كل مدلس يشترى بحقوقهم ثمنا قليلا. ويذيقوا الخائنين عذابا وبيلا ليستميتوا في من الأجانب بما يطمعون فىه من رفعة المقام. فمن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد".
× وقامت اللواء في مصر بدور ضخم في مقارومة الاستعمار البريطانى والحملة على كرومر. وحمل مصطفى كامل على العميد البريطانى عقب حادث دنشواى
стр. 37
(يونية ١٩٠٦) شهرين كاملين في صحف مصر وأوربا وأهمها الفيجارو الفرنسية، وظل هجومة على الاستعمار البريطانى وممثلة كرومر في مصر مستمرا لم يتوقف.
وحملت (اللواء) الدعوة إلى الجلاء والحرية والدستور وكانت دعوتها حماسية صادقة الايمان بدورها في التعبئة الوطنية، حتى أنها انفصلت عن الخديو عندما غير اتجاهه، وهاجمت فرنسا بعد عقدها الاتفاق الودى (وكانت تعتمد عليهما من قبل).
وقد أعلن مصطفى كامل في اللواء (٣ يناير ١٩٠٠) أن هدفه هو " خدمة الوطن والإسلام بأشرف السبل وأنفعها والسعى وراء الاتحاد والاتفاق بين المصريين وبعضهم من جهة أخرى. والعمل لتربية أبناء مصر أحسن تربية وطنية وترقية التجارة والصناعة".
كما دعت الصحف الوطنية الشعبية إلى تعليم الشعب وانشاء الجمعيات التعاونية.
× وكان للصحافة العربية دورها في مجال الحرية والدستور ففى مصر بعد صدور الدستور العثمانى (يولية ١٩٠٨) انطلقت الصيحة بالدعوة إلى انشاء حكومة نيابية في مصر واضطر مجلس شورى القوانين (ديسمبر ١٩٠٨) أن يطلب من الحكومة وضع مشروع قانون يمنح الأمة حق الاشتراك الفعلى مع الحركة في ادارة أمورها الداخلية.
وحمل عبد العزيز شاويش على سياسة دنلوب في وزارة المعارف والحكم الانجليزى في السودان. وهاجم رئيس محكمة دنشواى وهو رئيس الوزراء.
وكان موقف الصحافة من مشروع امتياز قناة السويس من أبرز مواقف المقاومة، فقد هاجم محمد فريد المشروع في جريدة اللواء في (أكتوبر ١٩٠٩) هجوما مدعما بالأسانيد والحجج، وظل يواصل حملته حتى أبريل ١٩١٠. ونقل الفكرة من عمل اقتصادى إلى عمل سياسى، يتصل بكرامة الوطن، وحريقه، وكان لهذه الحملة أثرها اذ عجز مجلس شورى القوانين عن الحصول على موافقة أكمل تنفيذ المشروع بالرغم من مرافعة (سعد زغلول) لصالح المشروع.
× وفي تونس نهض التونسيون يطلبون الشورى بدلا من الحكم الفردى الاستبدادى، وكان للصحافة دورها في مؤازرة هذه النهضة. وقام محمد بيرم الخامس
بحمل لواء الدعوة إلى الدستور والشورى بمؤازرة خير الدين باشا الوزير التونسى.
× وكانت مجلة ثمرات الفنون في بيروت (١٨٧٥ - ١٩٠٨) من أبرز الصحف التي حملت لواء الدعوة إلى الحرية وقد واجهت مساجلات جريدة من الجوائب التي كانت تؤيد السلطان ومجلة البشير اليسوعى.
× وعبد الرحمن الكواكبى بصحيفتى: الشهباء ١٨٧٧، والاعتدال ١٨٧٩ يمثل هذا الاتجاه الوطنى الحر، وقد لقى المعارضة والسجن والنفى والمحكمة مما اضطره إلى الهجرة إلى مصر واعلان آرائه في الاستبداد، والدعوة إلى الجامعة الإسلامية بها.
× وكان عبد الله نديم من رجال هذا الاتجاه، بصحيفة الطائف التي هاجمت الاستعمار البريطانى قبل الثورة العرابية وخلالها، ومجلة الاستاذ في خلال حكم اللورد كرومر.
***
(التيار الثانى)
وكان التيار الثانى الموالى للحكام أو للاستعمار، أقوى ماديا فقد حصل على اعتمادات مالية ضخمة آزرته كما سمحت له الحكومات بموالاة الظهور حين ضيقت على الجانب الآخر وقصفت أقلاسه، وعطلت صحفه. وكان المقطم في مصر أهم هذه الصحف. فقد رأى الاستعمار مقاومة الصحافة بالصحافة فأصدر المقطم (١٨٨٩) صحفية يومية سياسية تجارية وذكرت "بلنت" في مذكراته أن وزارتى الحربية والداخلية دفعتا لصحافة المقطم مبلغا عظيما من المال لتدافع عن تصرفات الانجليز فىها وقد عجز الخديو ازاء حملات المقطم أن يقدمها للمحاكمة.
واتيح للمقطم أن تحمل على أهم الأخبار وتنفرد بها، بينما حرمت منها الصحف الأخرى حتى أنها استطاعت أن تنشر بعض الأحكام القضائية قبل النطق بها بعدة أيام. وقد صاغت عقود المديح الاحتلال وتصرفاته. وقاومت خصومه وحملت عالمى الخلافة والسلطة العثمانية.
ولما صدرت المؤيد، اندلعت بينهما خصومات ومساجلات فأتهمت المقطم جريدة المؤيد بالتعصب. واتهمت صاحب المؤيد بالجهل وانضمت الصحف الأجنبية إلى المقطم ضد المؤيد. ووصف المقطم كتابات على يوسف بأنها تعرض حياة الأوربيين للخطر.
стр. 38
وقد سافر فارس نمر إلى لندن واجتمع بكبار السياسين فيها وحرص على ترجمة تقارير اللورد كرومر السنوية ومن يعده تقارير مندوبى بريطانيا ونشرها في المقطم والمقتطف.
× وفي بريطانيا أصدر لويس صابونجى صحيفة النحلة ١٨٧٧ باللغة العربية والانجليزية، كما أنشأ جريدة الاتحاد العربي وجريدة الخلافة: ومثل لويس صابونجى بين يدى فيكتوريا ملكة بريطانيا وقام على خدمة مصالح الدولة البريطانية في مصر أثناء الثورة العرابية. ثم تحول من خدمة الاستعمار إلى خدمة النفوذ العثمانى فسافر إلى تركيا ١٨٩٠ وعمل في معية السلطان عبد الحميد.
وكان الدكتور صابونجى يؤيد الاستبداد ويناصر الخديو إسماعيل، والنظام حيدر أباد وقد تبرع له بعض الممولين في انكاترا بعشرة آلاف جنيه لاصدار جريدة الخلافة في لندن التي حريصة على مهاجمة الإسلام ونشر الأخبار الجارحة عن السلطان، محملة بروح الخصومة والحقد، وكانت جريدة الخلافة تطبع بالعربية والتركية والفارسية والهندية.
وأصدر إبراهيم المويلحى صحفا في ايطاليا، أهمها جريدة الخلافة ١٨٧٩ بالعربية التركبة لمهاجمة السلطان عبد الحميد وبايعاز من الخديو إسماعيل المخلوع ثم اغراء السلطان عبد الحميد فأوقف الصحيفة وسافر إلى الاستانة وقربه السلطان وأنشأ مصباح الشرق في مصر لكى يمدح السلطان.
وقد وصفه أحمد فؤاد صاحب الصاعقة قال عن ألون صحفه (٣٤ جريدة بينها من اختلاف الرأى ما بين الروافض. ومن البعد في الفكر ما بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى. وقيل لم يسلم من قوارض قلمه الا من يعرفه).
× وفارس الشدياق كان يرضى بجريدته (الجوانب) التي نشرها في الاستانة الخليفة العثمانى، والخديو إسماعيل، والباى التونسى، وقد عمل (لخدمة أفكارهم وترويج مصالح بلادهم) وكان يحصل سنويا على ٥٠٠ ليرة عثمانية من كل من: الخليفة، والخديو، والباى.
ومن أعماله المشينة طبعه المنشور الذي أصدره الباب العالمى، ياعلان عصيان عرابى وقد عزى إلى هذا المنشور ما أصاب عرابى وقد عزى إلى هذا المنشور ما أصاب عرابى من هزيمة وسقوط في نظر المسلمين وحصل من سفارة بريطانيا في الاستانة في مقابل هذا العمل على ألف ليرة انجليزية.
× وقد هاجمت الأهرام والمقطم الثورة العرابية ووصفتا عرابى بما أسمته الصحيفتان: (العاصى عرابى ورفاقة) البغاه ومدحت سلطان باشا الخائن والجنرال ولسلى.
× وقد ظهر تيار حيادى المظهر، داخل هذا التيار لا يحمل لواء مدح الاستعمار صراحة: هذا هو اتجاه لطفى السيد في (الجريدة) وهو أقل في الدرجة وأقرب إلى الالتقاء مع الاستعمار في منتصف الطريق، وقد اتجه هذا التيار على محاسنة الاحتلال، ومهاجمة الخلافة والسلطة العثمانية، ونقد اسلوب مصطفى كامل في تعبئة المشاعر الوطنية واتهامه بالحماسة والعنف. والدعوة إلى التعقيل، وقبول الأوضاع والاصلاح تدريجيا. وقد حددت دعوتها في تحقيق الأمانى الوطنية بأنها انما تتم باتفاق يحدث بين الاحتلال وبين أعيان المصريين وحدهم بحسبانهم أصحاب المصالح الحقيقية. وكانت تعتبر (الخديو) صاحب السلطة الشرعية. و (ممثل بريطانيا) صاحب السلطة الفعلية. وقد اتجه هذا التيار ايضا إلى تقييد التعليم وقصره على أبناء الأثرياء. كما دعا لطفى السيد إلى الكتابة باللغة العامية.
وقد أطلق كرومر على هذا التيار: تيار المفكرين البعيدى النظر، ولهذا التيار شبيه في البلاد العربية الأخرى.
مراجع
تاريخ الصحافة العربية: الفىكونت فلبب دى طرازى ج ١ و ٢.
الصحافة العربية: أديب مروة.
تطور الصحافة المصرية ١٧٩٨ - ١١٥١ - إبراهيم عبده.
стр. 39
(٤)
تطور التعليم
للتعليم أثره الواضح في تكوين الفكرى العربي الإسلامي المعاصر وكانت نهضته علامة على اليقظة الفكرية التي شملت الوطن العربي كله. غير أن هناك عوامل متعددة حالت دون دفعه في طريقه الطبيعى أهمها: الاستبداد والاقطاع والنفوذ الأجنبى. فقد كانت هذه الفئات الثلاث تكره التعليم وتراه خطرا على وجودها. ولذلك وقفت في وجهه فلما عجزت عن صد تياره أثرت في مفاهيمه وغاياته وانحرفت بها عن الهدف الأصيل.
وقد كان التعليم في أوائل القرن التاسع عشر في العالم العربي قاصرا على المدارس الدينية والكتاتيب ومعاهد اللغة والدين، كالأزهر، والقرويين، والزيتونة وغيرها من الخلايا والزوايا الملحقة بالمساجد الجامعة لحلقات الدرس والصلاة.
وكانت أولى حركات اصلاح التعليم تهدف إلى ادخال مناهج العلوم العقلية والنظم الحديثة إلى هذه المعاهد.
غير أنه لم تلبث أن ظهرت تحت تأثير الاتصال بالحضارة الحديثة أنظمة جديدة للتعليم خاصة في الاستانة، ومصر، ولبنان اذ انشئت المدارس، والمعاهد والكليات على الأنظمة الحديثة. وكان شباب العالم العربي كله يتجه إلى الاستانة للتعليم العالى، وفي مصر كان لنهضة محمد على العسكرية أثرها في انشاء المدارس الحديثة.
وكان للمراسلين اليرانب: من الفرنسيين والأمريكيين أثرهم الواضح في انشاء المدارس الحديثة، والمعاهد، والكليات، في بيروت واسيوط.
(المرسلين الأجانب هم المبشرين)
وكانت المدارس العربية في الشام (لبنان وسوريا وفلسطين) والعراق تعلم باللغة التركية بوجه عام، حتى لقد كانت تدرس قواعد اللغة العربية باللغة التركية
ثم اتجهت المدارس العليا التركية إلى التعليم باللغة الفرنسية إلى جواز اللغة التركية، وفي مصر كان لرفاعة الطهطاوى وعلى مبارك (فى منتصف القرن التاسع عشر) أثرهما في تطوير التعليم فقد كان الأول أزهرى التعلم وكان الآخر مدنى التعلم، وقد أتيح لهما أن يدرسا في فرنسا، ثم كان لهما العمل في اعدادت المناهج بعد عودتهما. وقد وصل على مبارك إلى مرتبة عليا حيث نال أرقى منصب في وزارة المعارف (١٨٧٩).
وقد عمل رفاعة في ميدان التأليف والترجمة واعداد المناهج وبلغ في ذلك أسمى غاية حيث دعا إلى الاقتباس الصالح من الغرب وأدخل النشيد الوطنى، وأعلى شأن الدعوة الأقليمية إلى الدستور والحرية، ويعد أول من تحدث عن الوطنية ودعا إلى الاعتزاز بالتاريخ المصرى، والتراث الفرعونا وحاول أن يغطى الثغرات المختلفة في الكتب والمؤلفات المقررة على المدارس.
أما " على مبارك " فقد كان اداريا نابغا حقق التعليم نتائج هامة، حيث نقل المدارس من العباسية إلى سراى درب الجماميز، ونظم المدارس الأهلية وأنشا مدارس مركزية في بعض مدن القطر. وانفق على المدارس من تبرعات الأهلى وأموال الأوقاف الخيرية وكان له فضله في انشاء مجلة ثقافىة حررها عدد كبيرى من رجال الفكر المسماة (روضة المدارس) أنشأ دار الكتب، حيث جمع الكتب المتناثرة في المكتبات المختلفة في مكتبة كبرى جامعة كلما أنشأ دار العلوم ليكمل بها النقص الذي وجده في مناهج الأزهر وهو نفس العمل الذي قام به طاهر الجزائرى في دمشق، حيث أنشأ المكتبة الظاهرية من مختلفة المكتبات المتناثرة.
وكان لعلى مبارك " مندرة " لها أثر تاريخى، واضح الدلالة فهى اشبه بالرواق العباسى الذي كان
стр. 40
يلقى فيه محمد عبده دروسه الشهيرة، التي حولت الفكر الدينى ورسمت له مناهج التجديد والاجتهاد.
وكان على مبارك يفتح مندرته لكل من يرد اليه وخاصة الطلاب والشباب الذين أفسح لهم السبيل إلى مناقشته فاذا ما كمل حديثة معهم قال لهم: أنا ناظر، أنا أكبر من مديركم فماذا ذهبتم إلى بلدكم ووجدتم الناس يشكون من عيوب الادارة فلا تتهيبوا أن تذهبوا إلى المدير وتعرضوا عليه الشكوى.
وكان يهدف من ذلك إلى علاج ناحية الذل والاستكانة التي كانت احدى ثمرات عهود الضعف، وقد ارجع المؤرخون تحرر على مبارك وواقعيته إلى دراسته العلمية الصحيحة حيث بدأ حياته مهندسا، والى أنه لم يتعلم في الأزهر.
وقد حاول أن يرسم في قصته " علم الدين " كيف يمكن للأزهرى أن يتصل بالمدينة الحديثة وأن يتقبل محاسنها دون أن يتجمد أو ينحرف وقد نقل على مبارك طرق التعليم الغربية والفرنسية وخاصة، إلى دور العلم المصرية.
ويتصل برفاعة، وعلى مبارك رائد ثالث هو:
عبدالله فكرى، الذي كان له دور في ميدان التأليف التعليمي.
٣ - تطور التعليم في العالم العربي من نظم المعاهد الدينية إلى الأنظمة الحديثة وقد كانت الطريقة القديمة هى الطريقة الاملائية على نظام الحلقات التي يتوسطها الأستاذ ليملى دروسه، ثم نشأت طرق التدوين والتأليف ووضع شروح للمتون والحواشى والتقريرات، حتى فاق ذلك الاهتمام بالمتون الأصلية، وكان يعتمد على المدارس لا على المنهج.
ولم تكن هناك أنظمة أو قوانين تقيد الدراسة، وكان للطلاب وفق رغباته أن يختار أستاذه وأن يقضى المدة التي يراها. وهذا النظام كان موجودا في الأزهر والمعاهد الدينية واللغوية المختلفة، ثم كان للنهضة أثرها فى:
× وضع قوانين وأنظمة التعليم تحدد نوع الدراسات ومددها وما يتعلق بالامتحانات والشهادات.
× وضع برامج للدراسات.
× تأليف كتب للمناهج والدراسات.
***
فى لبنان وسوريا
- كان للبنان دورها الواضح في التعليم الحديث عن طريق المدارس الطائفية، والمدارس الأجنبية، هذه المدارس التي استطاعت أن تقوم على منهج وفق نظام الطوائف الذي منحته الدولة العثمانية لغير المسلمين في انشاء الكنائس والأديرة والمدارس الخاصة.
ولذلك فقد أسست الطوائف المختلفة معاهد تعليمية خاصة بها كان طابعها الأول دينيا لاهوتيا، ثم تطورت إلى معاهد عصرية.
وقد استقت مناهجها من مناهج المدارس الأجنبية واتخذت كل مدرسة اللغة التي تراها.
وفي المدارس الأجنبية كان الاهتمام باللغة التي تتبعها الارسالية، وكان أبرز هذه المعاهد: الفرنسية والأمريكية.
ثم قامت معاهد متعددة تبشرية: ايرلندية وانجليزية ودنمركية وروسية غير أن هذه المعاهد لم تلبث أن ادخلت اللغة العربية بين مناهجها عملا على كسب المسلمين إلى صفوف التعليم بها. وذلك بعد أن انتشر التعليم الحديث بين المسيحيين قبل المسلمين، وكان هدف هذه المدارس تبشيرى، وكان لها دورها الخطير في مهاجمة الإسلام، ومحاربته، ومحاولة التشكيك في كثير من مقومات الشخصية العربية الإسلامية، والحضارة، والتاريخ، واللغة العربية.
وكان لحماية الدول الأجنبية لهذه المعاهد أثره في جرأة هذه المدارس وحرية عملها في هذا الميدان دون أن أخشى أى مقاومة من جانب الحكومات العربية التي كانت جميع المناهج تدرس باللغة التركية غير أنه على أثره في جرأة هذه المدارس وحرية عملها في هذا الميدان دون أن أخشى أى مقاومة من جانب الحكومات العربية التي كانت هى الأخرى خاضعة للنفوذ الأجنبى، وفي سوريا كانت جميع المناهج تدرس باللغة التركية غير أنه على أثر صدور دستور ١٩٠٨ طالب العرب يجعل لغة التعليم: اللغة العربية، وقد تحقق ذلك في خلال الفترة السابقة للحرب العالمية الأولى.
ولاشك أنه كان للمدارس المتعددة في مصر والعراق والشام والشمال الافريقى من فرنسية وانجليزية وروسية وايراندية والمائية ودانمركية وايطالية أثره في الثقافة العربية، واضطراب الفكر العربي بين تغليب احدى الثقافتين: السكسونية، واللاتينية. وما كان لهذا من أثره على الثقافة العربية واللغة العربية.
следующие страницы →