← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 148531

درء القول القبيح بالتحسين والتقبيح

الطوفي

Полный текст (285 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

[الوجوه العقليّة التي أوردها أبو الحسين البصريّ المعتزليّ] إِنّا لما استَدللنا على أنّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله بدللِ المرجِّح واجبٌ؛ فثَبَت أنّ فِعلَ العبد مخلوقٌ لله، وقد سبق تقريره غير موضعٍ- اعترضوا عليه بما أَمكَن. ثمّ قال أبو الحسين وأصحابُه: "هذا الاستدلال فاسدُ الاعتبارِ؛ لأنّه في مقابَلة ما عُلِم صحّتُه بضرورة العقلِ. وبيانه من وجوهٍ. "الأوّل: أنّ كلّ عاقلٍ يَعلم بالضرورة منه ومِن غيرِه أنّ أفعاله تابعةٌ لدواعيه وقصوده وجودًا وعدمً. فيَتناول الطعامَ والشرابَ، إِذا احتاج إِليهما، ولم يمنعه منهما مانعٌ. ويَتركهما إِذا لم يحتج إِليهما، أو كانا مضرَّين له. وكذلك يَنغمِس في الماء في الصيف للتبّرد، ويجتنبه في الشتاء للمضرّة؛ وبالعكس في اصطلاء النار. وإِذا كان الموجِد للشيء هو الذي يَحدث منه الفعلُ موافِقًا لدواعيه، وثَبَتَ أنّ العقلاء تَقرَّر في بداية عقولهم أنّ العبد كذلك، علِمنا أنَ عِلمَهم بأنهم هم الذين يُحدثِون أفعالهم علمٌ ضروريٌّ. "الثاني: أنّ العقلاء بالضرورة يَعلمون حُسنَ ذمّش المسيءِ ومَدحِ المحسِنِ، ويُبادِرون إِلى ذلك ببدائههم. حتى إِنّ الصبيّ، أو المراهق، إِذا أعطيتًه كِسرةً، مَدَحَك؛ وإِذا ضربته بحجرٍ آلمه، بادر إِلى ذمِّ الرامي له ببديهته، دون الحجر أو غيره. ولولا علمه بالضرورة أنّ الرامى هو الفاعل، لما استحسَن ذلك، ولا بادر إِليه. كما إِنّه هو وغيره من العقلاء لا يَذمّون القصيرَ لقِصره، ولا الأسود لسواده؛ لأنّ ذلك ليس فِعلًا له. "الثالث: أنّ الواحد منّا يجد من نفسه وغيره أنّه إِذا طَلَب من غيره فعلًَا، أنّه يَطلُبه منه طلبَ عالِمٍ أنّه الذي يوجِد ذلك الفعلَ ويُحدثِه؛ ولذلك يَتلطّف له بكلّ ممكنٍ، ويَتوصّل إِليه بكلّ وسيلةٍ، من تواضعٍ ومدحٍ وترغيبٍ وترهيبٍ وتوبيخٍ ومعاتبةٍ على التَرك، ويتعجَب منه، ويُعَجٍَب منه، ويُعَجِّب منه غيره، ويَستظرفه. ونجد من أنفسنا الفرقَ الضروريَّ بين أمرِ الشخص بالقيام والقعود، وبين أمرِه بإِيجاد السماء والكواكب، أو حيوانٍ، أو إِنسانٍ مِثله. ولولا أنّ العلم لضروريّ حاصلٌ بأنّ العبد هو الموجِد بأفعاله

стр. 107

الاختياريّة، [لَما وجَدنا ذلك]. فكلّ حجةٍ تذكرونها في خلاف ذلك، إِمّا أن لا تكون قادحة فيما ذكرناه؛ فقد حَصَل مقصودُنا، لسلامة ما ذكرناه مِن قادحٍ. أو تكون قادحةً؛ فلا تَستحقّ الجوابَ؛ لأنّ القادح في الضروريّات معلومُ البطلانِ بالضرورة؛ فلا يَستحقّ الجوابَ". والجواب أنّ ما ذكره مستدرَكٌ ضعيفٌ. أمّا كونه مستدرَكًا، فإنّ قولَه، "ما ذكرتكوه من الحجج على أنّ العبد ليس موجِدًا لأفعاله، إِمّا أن يكون قادحًا فيما ذكرناه من العلم الضروريّ، أو لا يكون"، لا معنى له؛ لأنّ المعلوم بالضرورة لا يَقدَح فيه شيءٌ. لأنّ القدح في الدليل ونحوه هو تضعيفه وتوهينه؛ والضروريّات لا يَلحَقها ذلك. وهو قد أَثبت القدحَ فيما ذكره منه على أحد التقديرية، وذكر أنّ حَكمه أنّه لا يَستحِقّ الجوابَ. وقد كان سبيله أن يَعكس، فيقول: "ما ذكرتموه، إِمّا أن لا يَستحِقّ جوابًا، فقد كُفِينا مؤونَته؛ أو يَستحِق جوابًا، لكنّه على كلّ حالٍ لا يقوى على دفعِ الضرورات". فذلك أسدُّ ممّا ذَكَره. وأمّا كونه ضعيفًا، فلوجهين. أحدهما: أنّ العلم الضروريّ لا يَتنازع فيه العقلاءُ. وهذه مسألة قد وَقَع النزاعُ فيها مِن أوّل العالَمِ، وإِلى آخره. ولم يزل الناسُ قبل أبي الحسين إِمًا قائلٌ بأنّ العبد موجِدٌ لأفعاله، أو منكرٌ لذلك على جهة الجبر، أو على جهة التوسُّط. فالناس فيها ثلاث فِرَقٍ: قدريّةٌ ومجبرةٌ ومتوسّطةٌ. فكيف تصحّ نسبةُ هؤلاء كلّهم إِلى إِنكار الضرورات! وإِنما المعلوم بالضرورة أنّ أفعال العبد دائرةٌ مع قصدِه وإِرادته التامّةوجودًا وعدمًا. أمّا كونه هو المؤثِّر فيها، فلا؛ وهو محلّ النزاع. الوجه الثاني: أنّ كلّ عاقلٍ، فهو يَعلم من نفسه بالضرورة أنّ إِرادته لشيءٍ لا تتوقّف على إِرادة له أخرى. بل سواءٌ أراد تلك الإِدارة، أو لم يُرِدها، فإنها تحصلُ له؛ ويَعلم أنّ تلك الإدارة متى حصلَت له جازمةٌ، وَجَبَ بعدها حصولُ المرادِ. وإِذا كان العلم الضروريُّ بصحّة هاتين المقدّمتين حاصلًا، عُلِم بالضرورة أنّ لا إِرادة منه ولا فِعل؛ بل الإِرادة حاصلةٌ به بِفعل الله سبحانه، وهى المسمّى"بالداعي المرجِّح لأحدِ طرفي الممكِن". والفعل واقعٌ بِفعل الله، بواسطة تلك الإِرادة. فقد انعكس ما قاله؛ وصار

стр. 108

بطلانُ ما ادّعى صحتَه ضرورةً ضروريًّا. أمّا الأوّل، فوجود أفعال العبد مطابِقةً لداعيتِه وقصدِه دائرةً معه وجودًا أو عدمًا، لا يدلّ على أنّه هو المؤثِّر فيها، الموجد لها؛ لجواز أنّ الله سبحانه أوجَدها مطابِقة لقصوده، دائرةً معها، بواسطة خلقِه الإِدارةَ له، كما بيّنّا قبل. وأنّا الوجهين الآخرين، فكلّ ما ذَكَر فيهما، مِن ذمَّ العقلاِ للمسيء، ومدحهم للمحسن، وطلبهم للأمر، وتلطّفهم لمن طَلأبوا ذلك منه، إِلى سائر ما ذكره، فإِنّه راجعٌ [إِلى] كسبه الذي أجراه اللهُ سبحانه مطابِقًا لقصدِه، بواسطة إِادته. فلِمَ قلتَ: "إِنّه ليس كذلك"؟ قوله، "لأنهم يفعلون ذلك فِعلَ عالِمٍ بأنّه الذي يُوِد ذلك الفعلَ". قلنا: الكلام على هذا من وجهين. أحدهما: لا نُسلِّم أنهم يعملون ذلك؛ بل يعتقدونه، لَمَّا رأوا الفعلَ جاريًا على أدواته، بحسب قصوده وإِرادته. والاعتقاد يُصيب ويخطئ [فتبقى] حاجةٌ إِلى أن نُبيِّن أنّ اعتقادهم ذلك صوابٌ. الوجه الثاني: أنّ نقول: "احتجاجُك في هذا بمَن مِن العقلاءِ؟ والرعاع؟ أو بأهل النظر والإطّلاع؟ إِن كان احتجاجُك باعتقاد القسم الأوّل، فلا عبرة بهم ولا باعتقادهم. ثمّ هم معارَضون بأضعافم من أهل الإِثبات، يقولون في كلّ أمرٍ واقعٍ: "هذا فِعلُ اللهِ، وهذا مقدورٌ عليه". وكذلك قال النبي ﷺ لأنَس، "لا تَقُل لشيءٍكان: "ليته لم يكن"؛ ولا لشئ لم يكن: "ليته كان"؛ ولكن قُل: "قَدَّر اللهُ، وما شاء فَعل". وإِن كان احتجاجُك بالقسم الثاني، فالمنازع لك منهم أكثُر من المتاِبِع. فهذا جوابه عن دعوى العلم الضروريّ بأنّ الهبد موجدٌ لأفعاله. ثمّ قال أبو الحسين: وإِن سلَّمنا أنّ ما ذكرتموه يَنفي كونَ العبدِ موجِدًا، لكنّ عندنا ما يقتضي نقيضَ ذلك من وجوهٍ عقليّةٍ وسمعيةٍ. أمّا العقليّة، فثلاثةٌ.

стр. 109

"أحدها: وقوع أفعالِنا بحسب دواعينا، وانتفاؤها بحسب كراهتنا". وقرّره بنحو ما قرّرتُ به الوجه الأوّلَ من الثلاثة الضروريّة. وجوابُه بما سبق فيه. "الثاني: أنّ الأنبياء اتّفقوا على أنّ الله سبحانه أمَرَ عبادَه بأشياءٍ، ونهاهم عن أشياءٍ. والأمرُ بالفعل يَتضمَّن الإِخبارَ بقدرة المأمور عليه. حتى لو عجز عنه لمرضٍ، أو غيره من الأسباب، لعُدَّ الآمِر له سفيهًا؛ إِذ يأمره، مع علمِه أنّه لا يَقدر على الامتثال. ولو صحّ ذبك، بصحّ أن يَبعث اللهُ رسولًا إِلى الجمادات، يُبلَّغها ما أُرسِل به؛ ثمّ يخلق فيها الحياةَ، ويعاقِبها لكونها لم تمتِثل, وذلك معلوم الفسادِ بالبديهة". والجواب: لا شكّ أنّ الأنبياء اتّفقوا على ما ذَكرَ. لكنّ قولَه: "الأمر بالفعل يَتضمَّن الإِخبارَ بقدرة المأمور عليه"، كلامٌ مجمَلٌ. فنقول: إِن ّعنَيت أنّ قدرته مؤثِّرةٌ في وجود الفعل، فهذا محلُّ النزاع. وأيضًا، إِن عنيتَ بأنّ الأمر يَتضمَّن قدرةَ المأمورِ هو الله"، فهو ممنوعٌ؛ لأنّه راجعٌ إِلى أنّ ذلك قبيحٌ عقلًا؛ لأنّه تكليف ما لا يطاق. ونحن فقد أَبطلنا الأصلَ الأوّل، وأثَبتنا الثانى، بما فيه كفايةٌ. وأمّا ما أَلزمَه على ذلك، من تكليف الجمادات، ثمّ عقابها على تَركِ الامتثالِ، فالكلام عليه من وجوهٍ. أحدها: أنّ وقوع ذلك جائزٌ عقلًا؛ إِذ لا يَلزَم منه محالٌ لذاته، وإِنما اللازم منه قبحُه عقلًا، وسَفَهُ فاعِله. لكنّ هذا بناءٌ على التحسين والتقبيح العقليَّين؛ وهو باطلٌ. وقد قدّمنا أنّ عندنا لا يَقبُح من الله شيء كان ما عسى أن يكون. وقد سبق تقريرُه في الوجه الثالث من أدلّتهم في الحسن والقبح. الثاني: سلَّمنا أنّ ذلك يَلزم منه محالٌ لذاته. لكن قد قرَّرنا جوازَ التكليف بالمحال؛ ويعود الكلامُ إِليه.

стр. 110

الثالث: أنّ الفَرق بين تكليف الحيِّ العافل، الواقعِةُ أكسابُه باختيارِه بحسبِ إِرادته دائرةً معها وجودًا وعدمًا، وبين تكليف جمادٍ لا يَتَّصف بشيءٍ من ذلك أصلًا، حاصلٌ بالضرورة، ظاهرٌ ظهورًا لا يَتردَّد فيه عاقلٌ؛ لأنّ الأوّل يَصِحّ منه كسبُ المأمورات والمنهيّات والتلذّذُ بها، سواءٌ كانت تلك الأكسابُ خلقًا له، أو لم تكن. والحجر الأصمّ لا يصحّ منه ذلك، ولا يجد له لذّةً بالضرورة. لا يَلزَم من صحّة تكليفِ الأوّل تكليفُ الثاني؛ لأنّ الأوّل أكمل؛ ولو لم يكن إِلاّ بالصورة. ولا يلزم من تكليف الأكمل تكليفُ ما هو دونه. الوجه الثالث: قال: "لو كان الله سبحانه هـ الخالق لأفعال العباد، للزم فيه محذوراتٌ. "منها سدُّ باب الاستدلال على وجود الصانع. وذلك لأنّه لا طريق إِلى إِثبات الصانع إِلاّ القياس؛ لأن يُقال: "العالَم محدَثٌ؛ فيحتاج إِلى المحدِث"، قياسًا على أفعالنا المحتاجَة إِلينا. فمَن مَنَع حُكمَ الأصلِ في هذا القياس، وحَكَمَ بأنّ العباد غيرُ موجِدين لأفعالهم، لم يمكنه الاستدلالُ به على وجود الصانع. والجواب: لا نُسلم أنّ هذا المحذور لازمٌ للقول بأنّ الله خالقُ أفعال العباد. قوله: "لا طريق إِلى إِثبات الصانع إِلاّ القياس المذكور". قلنا: لا نُسَلِّم حصرَ طريقِ ذلك في هذا القياس؛ بل ولا أنّ العالَم محدَثٌ؛ لأنّه مؤلَّفٌ؛ وكلّ مؤلَّفٍ محدَثٌ؛ وكل محدَثٍ، فالعقلِ لذاته يَدلّ على أنّ له محدِثًا. فذلك المحدِث، إِن كان محدَثًا أيضًا، لَزم الدورُ والتسلسلُ الباطلان. وإِن كان قديمًا، فهو المطلوب. ولا واسطة بين المحدَث والقديم. قوله: "مَن مَنَع حُكمَ الأصلِ في القياس المذكور، انسدَّ عليه بابُ إِثباتِ الصانع". قلنا: "مَن مَنع حُكمَ الأصلِ"؛ بمعنى أنّ لا كسبَ للعبدِ، أو بمعنى أنّ لا إِيجاد للعبد؟ الأوّل مُسلَّمٌ؛ لأنّ الأصل حينئذٍ يخلو عن العلّة في الحقيقة والصورة. والثاني ممنوعٌ؛ لأنّا، وإِن نَفَينا إِيجادَ العبد لأفعاله، لكنّا أَثبتنا كسبَه لها، بمعنى صدورها عن قدرة الله سبحانه خلقًا على أدوات العبد، دائرةً مع إِرادته كسبًا. وحينئذٍ، يمكننا أن نجعل الجامعَ

стр. 111

فى القياس هو القَدْر المشتَرك بين الأصل والفرع؛ وهو الظهور. أعني أنّ العالَم ظَهَر بعد أن لم يكن ظاهرًا. وأفعال العبد ظهَرت بعد أن لم تكن ظاهرةً. فإِن قيل: "لكن يَلزم من ذلك أن يكون صانعُ العالم كاسبًا له، لا موجِدًا، كالعبد مع أفعاله. فيحتاج أيضًا إِلى موجِدٍ؛ ويلزم التسلسلُ، أو يَفسد القياسُ"، قلنا: لا يَتعيَّن أن يِلزمَ ذلك. بل جاز أن يَلزم ذلك. بل جاز أن يَلزمَ أنّ المعدوم شيء وذاتٌ وجوهرٌ، وأنّ العالَم كذلك في الأزل. والقدرة القديمة إِنما أثَّرت في إِظهاره بعد خفائه، كما سبق من مذاهب المعتزلة. فيكون القياس على أصلِهم صحيحًا؛ وإِن كنا ننازِع في ذلك. "ومنها أنّ الله سبحانه سدَّ باب النبوّات؛ لأنّ الله سبحانه، إِذا كان خالقًا لجميع القبائح، لم يمتنِع مِن أن يُظهِر المعجزاتِ على أيدي الكّاتبين؛ فيَقع اللبسُ بين النبيّ والمتنّبيء." قلتُ: وقد سبَق جوابُ هذا مستوفيًا في الوجه الثالث من أدلّتهم على تحسين العقل وتقبيحه. ونزيد ها هنا بأن نقول: هذا المحذور، كما هو لازمٌ علينا، فهو لازمٌ عليكم. أمّا على أبي الحسين، فلأنّه سَلَّم أنّ العبد لا يَفعل إِلاّ لداعٍ من الله، دفعًا للتسلسل، وسَلَّم أنّ حصول الفِعل عقيب الداعي واجبٌ. فحينئذٍ، قد فَعَل اللهُ في العبد ما أوجَب صدورَ الكفرِ عنه. ولا فرق في العقل بين فعلِ القبيح وقِعلِ ما يوجِب القبيحَ. فإِن لَزم علينا من الأوّل سدُّ بابِ النبوّة، لَزم عليه من الثاني ذلك بعينه؛ وقد سبق هذا أيضًا. وأمّا على مشايخ المعتزلة، فلأنهم حَكَموا بأنّ الله قادرٌ على القبيح، وعلى إِيجاد ما عَلمَ أنّه لا يوجَد. فلمّا قيل لهم: "ذلك يَدُلّ على السَّفَه، وعلى انقلاب العِلم جهلًا؛ وهو محالٌ على الله سبحانه"، قالوا: "القبيح الذي يوجِده اللهُ سبحانه لا يُقال إِنّه يَدلّ على السفه والجهل، ولا إِنًه لا يَدلّ؛ بل يُمسك عن القولين". وإِذا جاز لهم مثلُ هذا

стр. 112

الجواب، جاز لنا مِثلُه ها هنا؛ فنقول: إِظهارُ اللهِ سبحانه المعجِزَ على يدِ الكاذب، لا إِنّه قبيحٌ، ولا إِنّه غير قبيحٍ؛ بل يُمسَك عن القولين. أو نقول: المعجِز الظاهر على يدِ الكاذب، لا نقول إِنّه يَدلّ على صدِقه، ولا إِنّه لا يَدلّ؛ بخلاف الصادق، فإِنّ معجِزه يَدلّ على صِدقِه، ولابدّ. قلتُ: كذا أَلَزمهم الإِمامُ فخر الدين في النهاية. وفيه نظرٌ؛ لأنّ المعجِز إِذا ظَهَر على أيديهما، لم يُعلَم أيّهما الصادقُ، ليكون معجِزهُ دليلَ صدقِه؛ ولا أيّهما الكاذبُ، ليُمسَك عن عدمِ ذلك ونفيه. وإِنما يَصحّ له ما ذَكَر لو عُلِمَ منهما الصادقُ من الكاذبِ قبلَ ظهورِ المعجِز. فبتقدير أن لا يُعلَم ذلك، يَقَع اللبسُ؛ وهو المدَّعى قبحُه. والتحقيق أنّ هذا الذي أَلزَمهم به هو من باب مقابَلة الفاسد بالفاسد؛ لأنّ قولهم، "لا نقول هو خطأٌ، ولا إِنّه ليس بخطأٍ، وقوله، "لا نقول إِنّه يَدلّ على صدقِه، ولا إِنّه لا يَدلّ"، إِن عَنوا به إِثباتَ الواسطةِ بين القسمين، فلا واسطة؛ بل هو رفعٌ للنقيضيت. وإِن عَنوا به السكوتَ أدبًا مع الله، فقد قالوا بأحد النقيضين في المعنى من حيث نَفوه. والله أعلم. "ومنها سدُّ بابِ الوثوق بوعد الله ووعيده؛ لأنّه إِذا جاز أن يخلق القبائحَ، جاز عليه الكذبُ؛ فلا يوثَق بشيءٍ مِن إِخباره". والجواب أنّ "الكذب" إِمّا أن يقال هو الخبر غير المطابِق، أو يقال هو الإخبار غير المطابق. فإِن كان الكذب هو الأوّل، فالخبر لا شكّ أنّه كلام الله؛ وهو صفةٌ له ذاتيّةٌ، سواءٌ قيل: "هو معنًى نفسانيٌ"، على رأي الأشعريّ، أو "قولٌ متلو"، على رأي جمهور السلف. وأيًّا ما كان، استحال لحوقُ الكذبِ له؛ لأنّه نقصٌ؛ والنقص لا يَلحَق صفاتِه تعالى، كما لا يَلحَق ذاتَه. فحينئذٍ، يَصير معنى قوله: "لو جاز أن يخلق القبائحَ، لَلَحقَ النقضُ صفاتِه". وهو كقوله: "للحِقَ النقصُ ذاتَه". ولا ملازَمة بين ذلك وبين خلقِه، أو جوازِ خلقِه للقبائح. وأيضًا، دلّ الدليلُ القاطع على استحالة الكذب عليه سبحانه. إِذا لو جاز عليه الكذبُ، لكان إِمّا كاذبًا لنفسه، كقول المعتزلة في الصفات؛ أو بكذبٍ قديمٍ؛ إِذ لا تَقومُ

стр. 113

به الحوادثُ؛ أو بمعنى أنّه ليس بصادقٍ. وبكلّ حالٍ، يكون الكذبُ منه قديمًا؛ فيستحيل الصدقُ منه بعد. والكذب نقصٌ؛ فيَلزَم لحُوقُ النقصِ له؛ وهو محالٌ. وإِذا كان الكذبُ عليه محالًا، استحال أن يكون لازمًا لخَلقِه الأفعالَ؛ لأنّ المحال لا وجود له حتى يكون لازمًا أو ملزومًا. وإِن كان الكذب هو الإِخبار غير المطابِق، فالإخبار إِظهار الخبرِ؛ والخبر قديمٌ، كما بَيّنّا؛ فإِظهاره لا يُغيِّر عن صفة الكمال؛ والصدق كمالٌ له، والكذب نقصٌ فيه؛ محالًا؛ ويعود الكلامُ. وأيضًا، الكذب إِمّا معنًى وجوديُّ، فقد بيّنّا استحالتَه؛ أو عدميّ والعدميّ يَستحيل أن يكون لازمًا لأمر الوجوديّ الذي هو خَلقُ الأفعالِ، أو جوازهُ. وأيضًا، الكذب لابدّ له، على أصلكم، من علّةٍ؛ بناءً على تعليل الأفعال. وتلك العّلة، إِما للرهبة، أو للرغبة، لجلب نفعٍ، أو دفعِ ضررٍ؛ وذلك على الله محالٌ. وأيضًا، إِنما يُوصِل الكذبُ إِلى أغراضه مَن يَعجَز عن تحصيلها بذاته؛ والله سبحانه لا يُعجِزه شيءٌ؛ وهو بقدرته الكاملة غنيُّ عن الوسائط. "ومنها سَدُّ باب العلم بصحّة الشرائع، لوجهين. أحدهما: أنّه لو جاز أن يَفعل القبائحَ، جاز أن يَدعو، أو يَبعث من يَدعو، إليها. ولو جاز أنّ كلّ شرعٍ دَعَى إِليه قبيحٌ؛ فتزول الثقةُ بالشرائع. الثاني: لو جاز ان يخلق في العبد الكفر والضلالَ، ويُزيّنه له، ويَستدرِجه بذلك إِلى عقابه، لجاز أنّ دين الإِسلام هو الكفر والضلال، استدرج أهلَه إِليه، وأنّ بعضَ الملل المخالِفة للإِسلام هي الحقُّ، ولكان صَرَف اللهُ المسلمين عنه، وزَيَّن لهم خلافَه. ومتى جاز ذلك، جاز أنّ أهل الاعتزال في هذه المسألة وغيرها على الحقّ، وأنتم على الباطل". والجواب عن الوجه الأوّل أنّه مبنيُّ على التقبيح العقليّ، وأنّ حُسن الأشياءِ وقُبحَها معلومان قبل الشرعِ؛ وهو ممنوعٌ. بل الحُسن والقبح مستفادان من أمرِ الشارعِ ونهيِه. فلو أَمَرَ اللهُ سبحانه بما شاء، كان حسنًَا. ولو نهى عمًا شاء، لكان قبيحًا. وعن

стр. 114

الوجه الثاني أنّ قوله: "لجاز أن يَستدرج العبدَ، بخلق الكفر فيه، إِلى عقابه"، قلنا: نعم. هو جائزٌ وواقعٌ؛ والنزاع فيه. وأمّا جواز أنّ دين الإسلام هو الباطل، وغيره الحقّ، فممتنِعٌ. وذلك لأنّ حقيَّة دينِ الإِسلام عَلمناها بالأدلّة العقليّة الدالّة لذواتها، لا بوَضعِ واضعٍ. فلا يجوز تغيرُ حقيقةِ دلالتها. فتجويز أنّ دين الإسلام باطلٌ، مع أن حقّيّته ثابتةٌ بالدليل العقليّ الدالّ لذاته، ممّا لا يجتمعان؛ وإِلاّ لّزِم منه قلبُ حقائقِ الأشياء؛ وهو محالٌ. فلا جرم، لَمَّا كان تجويز بطلانِ الإِسلام مَلزومًا لهذا المحال، كان محالًا. ثمّ لَمّضا كان نفي خلقِ اللهِ سبحانه الكفرَ والضلالَ في العبدِ استدارجًا له مَلزومًا لتجويز بطلانِ الإسلام، كان أيضًا محالًا. وإِذا كان نفىُ خلقِه الكفرَ والضلالَ في العبد محالًا، كان نقيضُه- وهو خلقُه الكفرَ والضلالَ في العبد- واجبًا؛ وهو المطلوب فسؤاله انقَلَب عليه. ثمّ نقول: إِنّ الإِسلام إِنما ثَبت بدلالة المعجِز. ولا شكّ أنّ الناس اختَلَفوا في دلالة المعجزة على صِدق مدَّعي النبوّة، هل هي لذاتها، أعني لكونه معجِزًا؟ أو ليَنزل ظهورُه على يده منزلةَ قولِ الله، "صدقتَ، إِنّك رسولي"؟ فإِن كان الأوّل، لَزم منه المحالُ المتقدِّم. وهو أنّ خلاف الدليل الدالّ لذاته محالٌ؛ فملزومه، وهو تجويز بطلانِ الإِسلام، محالٌ، وإِن كان الثاني، وهو الصحيح، كان بطلان الإِسلام ملزومًا لوقوع الكذب من الله سبحانه، لينزل ظهورُ المعجِزِ على يدِ النبيّ منزلةَ قولِ الله له، "صَدَقتَ". فلو كان الإِسلام باطلًا، لكان هذا التصديق كاذبًا؛ وهو محالٌ، لما سبق من استحالة الكذب على الله سبحانه. وأمّا تجويز أنّ المعتزلة في هذه المسألة وغيرها من مسائل النزاع الإِسلاميّة معهم على الحقّ، ونحن على الباطل، فهو صحيحٌ. لأنّا بيّنّا أنّ هذه المسألة ونحوها ليس الحُكم معلومًا فيها بالضرورة؛ وإِلاّ لما تَنازَعنا فيها. ولهذا، اختلف الناسُ في تفكيرهم بها وبأمثالها. لكنّ التجويز الطلَق أعمّ مِن أن يكون راجحًا، أو مرجوحًا، أو مساويًا. فكلُّ. فكلُّ من الفريقين، إِذا أَنصَفَ، جَوَّز على الحقّ، ونحن على الباطل، فهو صحيحٌ. لأنّا بيّنّا أنّ هذه المسألة ونحوها ليس الحُكم معلومًا فيها بالضرورة؛ وإِلاّ لما تَنازعنا فيها. ولهذا، اختَلَف الناسُ في تكفيرهم بها وبأمثالها. لكنّ التجويز المطلَق أعمّ مِن أن يكون راجحًا، أو مرجوحًا، أو مساويًا. فكلُّ من الفريقين، إِذا أَنصفَ، جَوَّز على رأيه الخطأَ؛ لكن يَدَّعي رجحانَه. قوله: "فلا تَستحِقون الجوابَ إِلاّ لمرجحٍ". قلنا: هذا معارَضٌ بمِثلِه. فإِنّكم أيضًا إِذا استدللتم في المسألة، قلنا لكم: تجويز خطأكم غيرُ ممتنعٌ؛ فلا تَستحِقّون الجوابَ. ولا

стр. 115

شكٌ أنّ مناظرتنا لكم ليست ضربةَ لازِبٍ. وكذلك أنتم معنا. إِذ كلُّ منّا قد اعتَقَد صحّةَ مذهبِه؛ فهو يقول لخصمه: "لكم مذهبكم، ولي مذهبي"؛ كما يقول لخصمه من غير الدين: "لكم دينكم، ولي دينِ". وإِنما التبيان فيما إِذا انقَضَّنا على المناظرة لتحقيق الحقِّ وتعيينه في طرَفٍ، ودفعِ الشبهةِ عن ضَعفَي العامّة. أليس كلَ منّا يَلزَمُه الجوابُ عن سؤال صاحبه بمقتضى التزامِه الدخولَ معه في المناظرة؟ بلى! وذلك هو الإِنصاف. "ومنها لزومُ أمورٍ بالإِجماع؛ وهي تسعةٌ. "أحدها: لو كان الله سبحانه خالقِ القبائحِ، كالظلم والعبث، لجاز أن يخلقها مستقلًا منفرِدًا بها، غير مُجْر لها على أدوات العبد. وحينئذٍ، كان يكون ظالمًا عابثًا. إِذ حقيقةُ الظالمِ والعابثِ موجِدُ الظلمِ والعبثِ". والجواب أنّ هذا السؤال محالٌ؛ ولازم المحالِ محالٌ. وبيانه أنّك إِن عنيتَ" بخلقِه للظلم والعبث ونحوه منفرِدًا به"، أنه يُجريه على ذاته على حدِّ إجرائه إِيّاه على ذاتِ الآدميّ، فهو محالٌ؛ لأنّ ذلك يجري على حركات الآدميّ وأبعاضِه وأجزائه؛ والله سبحانه منزَّهٌ بالإِجماع عن الحركات والأبعاض والأجزاء. وإِن عَنيتَ أنّه يخلقها قائمةً بنفسها، لا في ذاته، ولا ذاتِ غيره، فهو محالٌ؛ لأنها أعراضٌ لا تَقُوم بنفسها. والمحال لا يَدخل تحت المقدوريّة ولا قسم وراء هذين القمسين. إِلاّ أن يقال: "يجوز أن يَنفرِد بخلقِها". بمعنى أن يجريها على ذاتِ ما ليس بعاقلٍ، ولا مكلًّفٍ، كالجمادات والبهائم. فهو خارجٌ على تكليف المحال؛ وقد سبق الكلامُ عليه. وعلى المقادير كلِّها، لا يَلزَم تسميتُه "ظالمًا" ولا "عابثًَا". أمّا أوّلًا، فلأنّ أسماءه عندنا توقيفيّةٌ؛ ولأنّ إِطلاق ذلك عليه يُوهِم قيامَ الظلمِ ونحوه بذاته. وإِذا كنّا لا نقول: "يا خالق القاذورات"، ونحو ذلك، مع أنّه عريُّ عن الإِبهام المذكور، فأنْ لا نُسمِّيهٍ "ظالماً" أَولى. وأمّا ثانيًا: فلأنّ عل هذا التقدير، نحن إِنما نَشتقّ للذات صفةٍ من معنًى قام بها، لا يغيرها؛ كالأَسوَد لمن قام به السوادُ، والمتحرِّك لمن قام به الحركةُ؛ خلافًا لكم في ذلك، حيث سمَّيتم اللهَ تعالى متكلَّمًا لكلامٍ زعمتم أنّه خَلَقَه في ذات غيره، من

стр. 116

جسمٍ، أو نبىّ، أو مَلَكٍ. "الثاني: أنّ مِن جملة القبائح الإشراك بالله، ونسبةَ ما لا يَليق به إِليه، من سب وشتمٍ ونحوه. فلو كان خالقَ ذلك، لكان سابًا شاتمًا لنفسه؛ وذلك من أفعالِ السفهاء، لا الحكماء". والجواب: إِن عنيتم أنّه يكون شاتمًا لنفسه حقيقةً، أعنى بغير واسطةٍ، فهو غير لازمٍ. وإِن عنيتم مجازًا، أي بواسطة خَلقِ السب والشتمِ على جارِحةِ الآدميّ، فهو كذلك. إِلاّ أنّا لا نُطلِق ذلك عليه، لإِيهامِه، أو تَوَقَُفِه على التوقيف، كما مَرَّ. "الثالث: لو جاز أن يخلق الزنا واللواط، لجاز أن يَبعث رسولًا هذا دينُه. ثمّ لجاز أن يكون في الأنبياء المتقدمين مَن لم يُبعَث إِلاّ للدعوة إِلى المنكَرات، كالسرقة والخيانة، ومدحِ الشيطان، وعبادته، والاستخفاف بالله ورسوله، والنهي عن المعروفات، كأضداد ذلك. وهو باطلٌ". والجواب عن مثلِ هذا قد سبق غيرَ موضعٍ. ثمّ هو لازمٌ عليهم من وجهين. أحدهما أنّ الزنا واللواط من القبائح الشرعية، لا العقليّة، فتجوز بِعثةُ رسولٍ بالدعاء إِليهما. وهو لازمٌ لكم أيضًا؛ لأنكم إِنما تَمنعون إِرسالَ الرسلِ بالدعاء إِلى القبائح العقلية. الثاني: لابّد في هذه الأفعال من داعٍ مخلوقٍ لله، كما سبق في غير موضعٍ. ووقوعها عقيب الداعى واجبٌ. فقد فَعَل اللهُ فعلًا أَوجَب عبده وقوعها. ففي الحقيقة، هو فاعلٌ له بواسطة الداعى. ثمّ نقول: رب شيء نُجوَزه مِن اللهِ، مع القطعِ بعدم وقوعه؛ كما تَقرَّر في العاديات. وإِذا كان تجويزُنا لتلك الأشياء لا يَقدح في القطع بعدم وقوعها، فلا محذور في التزام مجرَّدِ جوازِه؛ فنَلتزِمه. "الرابع: لو كان يخلق الكفرَ في العبد، ثمّ يُعذبه عليه، لكان ضررُه على العبد أشدَّ

стр. 117

من ضررِ إبليس. لأنّ إِغواء إبليس عندكم من فِعلِ اللهِ؛ وإِبليس لا يَقدِر على اضطرارِ العبدِ إِلى المعصية؛ كما قال: ﴿وما كان لى عليكم من سلطان إلا أنن دعوتكم فاستجبتم لى﴾؛ والله سبحانه يَضطرُّهم إِل فِعلِها. فلو كان كذلك، لحَسُنَ من الكافر ثمُّ اللهِ ومدحُ إِبليس، أو تفضيلُه على الله في الشكرِ؛ لأنّه أقلّ ضررًا؛ وتقليل الضررِ نعمةٌ تُوجِب الشكرَ". والجواب إِنّه لازمٌ لكم من وجهين. أحدهما: أنّه خَلَق الشهواتِ المستميِلة، وشهواتهم المائلة، ونفوسَهم الأمّارة، والشيطانَ المُغوِي، وقدرتهم التي بها يّتمكّنون من مُواقعة المعاصة. ثمّ كلَّفَهم، مع عِلمِه أنهم يتضرَّرون بالتكليف، ولا يمتنِعون؛ مع أنّه كان قادرًا أن لا يخلقهم؛ أو أنّه إِذا خَلَقهم، عَصًمًهم. ومَن يَفعل مَثلَ هذا، فضررُه أعظم من ضررِ تلك الأشياء. فلنُلزِمكم ما أَلزَمتمونا، وأكثر. الوجه الثاني: يَلزمكم أن تقولوا بتَعصيَتِه؛ لأنّه تَرَكَ الأصلحَ لهم؛ ورعايتُه واجبٌ عليه، وأيضًا، القدحُ في حكمتِه؛ لأنّ تاركَ ما يجب عليه عقلًا، أو شرعًا، لا يكون حكيمًا. "الخامس: لو خَلَقَ الكفرَ في الكافر، لكان قد خَلَقَه للعذاب. ولو كان كذلك، لم يكن لله على الكافر نعمةٌ. لكنّه باطلٌ؛ بقوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين بذلوا نعمت الله كفرًا﴾؛ ﴿فاذكروا آلاء الله﴾. والإجماع من دين محمد أنّ ما من عبد إِلاّ والله عليه نِعَمٌ، مسلمًا، أو كافرًا". والجواب أنّ الله خَلَقَ الكفرَ في الكافر، وخَلَقَه للعذاب. دَلَّ على ذلك نصُّ قولِه، ﴿ولقد ذرأنل لجهنهم﴾؛ وهي لامُ الاختصاصِ والتعليلِ، لا لازم العاقِبة. قوله: " فلو كان

стр. 118

كذلك، لم يكن لله على الكافر نعمةٌ". قلنا: دينيّةٌ، أو دنيويّةٌ؟ الأوّل مُسلَّمٌ؛ فإِنّ الله سبحانه ليس له على أحدٍ من الكفّار نعمةٌ في دينه؛ إِذ النعمة الدينيّة هي الهداية إِلى الإِيمان، كما قال سبحانه: ﴿بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان﴾، وقوله: ﴿ما يريد أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. والثاني ممنوعٌ؛ بل لله على الكفّار أجَلّ النِعَم الدنيوية؛ قال الله سبحانه: ﴿وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها﴾. قولهم، "اللذّة الدنيويّة الفانية، بالنسبة إِلى العقوبة الأبَدية الدائمة، كالقطر من البحر، بل أقلّ. وإِنما ذلك كالسمّ في الحلوى، يُستدرَج بها آكِلُها ليَهلَك بما في ضِمنِها. كما قال الشاعرُ: هَوًى يَلَذُّ، وإِن ساءت عواقُبًه ... كما يَلَذّ ويُؤذي حكُّه الجرَبُ قلنا: هو كما زَعمتَ لا محالة. لكنّ لا يُخرِج ما ألُعطوه في الدنيا عن أن يكون نِعمةَ؛ لأنها مشتقةٌ في اللغة من النُعومةِ والتنعُّمِ. ومَن نازَعَ في حصول ذلك لكسرى وقيصر ونمرود وفرعون ونحوهم ممَّن هو دونهم وفوقهم من الكفّار، فهو منازعٌ في الضرورات. "لسادس: لو خَلَقَ الكفرَ في الكافر، ثمّ كلَّفه بالإيمان، لكان ذلك تكليفَ ما لا يطاق. ولو جاز ذلك، لجاز تكليفُ الأعمى نقطَ المصحفِ، والزمَّنِ العدوَ، ولجاز التكليف بخلقِ القديمِ، والجمعِ بين الضدّين، ولو جاز ذلك تكليفُ الجمادات. وكلّ ذلك باطلٌ، بالضرورة". والجواب: قد سبق هذا السؤالُ؛ وجوابه مستقصَيًا, ثم أكثر ما فيه التكليفُ

стр. 119

بالحال؛ وقد سَبَقَ بيانُ جوازِه. "السابع: لو كان اللهُ خالقَ القبائح، لكان جاهلًا ومحتاجًا. لأنّه كذلك في الشاهد. بل كان هو أَولى بذلك؛ لأنّه مسقِلُّ بالفعل؛ بخلاف الشاهد". والجواب أنّ قياس الغائب على الشاهد مطلقًا، فاسدٌ، وإِلاّ لَزِمكم قولُ المجسّمة؛ إِذ لا فاعل في الشاهد إِلاّ جسمٌ. ولا نُسَلَّم أنّ خلقَه القبائحَ يَستلِزم الجهلَ، أو الحاجةَ؛ لأنّا وإِيّاكم وغيرنا لم نُحِط بحكمِه ومعلوماته. فعسى له في ذلك من الحكمة خَفِيَت عنّا، كما سبق لموسى مع الخضر؛ وأَولى. ولو لم يكن في ذلك من الحكمة إِلاّ استحقاق أحدِ الفريقين منّا ومنكم الملامةَ بسوء العقيدة، لكان كافيًا. فإِذًا، إِنّا أو إِيّاكم، لعلى هُدًى، أو في ضلالٍ مبينٍ. "الثامن: لو كان هو الخالق للأفعال، لكان إِمّا أن يَتوقّف خلقُه لها على دواعي العبيد وقُدَرهم؛ فيَلزَم احتياجُه إِلى ذلك منهم. أو لا يتوقف؛ فيَلزَم وقوعُ الأفعالِ المحكَمَة، كالكتابة والنِّساجة، ممن لا عِلم له بها. ووقوع الأفعالِ العظيمة الهائلة ممن لا قدرة له عليها، كنقلِ النملةِ جبلًا شامخًا، ونحو ذلك، ممّا فساده ضرورى. وفي ذلك زوالُ الفرقِ بين القوي والضعيفِ، وفسادُ تصَرُّفاتِ العقلاسِ، في حبسِهم اللصوصَ وقُطاعَ الطريقِ، وعقوبتِهم كلِّ جانٍ. وكلّ ذلك باطلٌ بالضرورة". والجواب: لنا أن نَلتزِم القسمَ الأوّل، ونقول بتَوقُّف خلقِه لأفعالهم على دواعيهم وقُدَرِهم، لا تَوَقُّف حاجةٍ، بل تَوقُّف الحكمةِ على شرطِ وجودها؛ كما توقَّفَت معرفةُ ربوبيّته على إِيجاد العالم، وإِن لم يكن به إِليهم ولا إِليها حاجةٌ. ولنا أن نَلتَزِم الثاني، ونَلتَزِم ما أَلزَموه، مِن وقوع الأفعالِ المحكَمَة ممن لا عِلم له بها، بطريق الإِلهام والتسخير، كالنحل في بنائها المسدّسات الهندسيّة، والعنكبوت في بنائها بيتَها، ومِن خلقِ الرعشةِ في المرتعِش خاليةً عن حكمة قادرٍ أن يُرتِّب عليها أفضلَ الحِكَم. وأمّا حملُ النملةِ الجبلَ، وعجزُ الرجلِ عن رفعِ آجرةٍ من الأرض، فهو أيضًا مقدورٌ له؛

стр. 120

بأن يقول له: "كُنْ"، أو بسلبِ الجبلِ ذقل، والرجلِ قوّتَه. ولا استحالة في شيء من ذلك. وأمّا ما ذكرتم، من فساد تَصرُّفاتِ العقلاء، في حبسِ اللصوص، ونحوه، فقد أَجَزتم مثلَه؛ وهو أن يُزيل اللهُ القيدَ من رِجل اللص، ويخرِق له الجدارَ، ليَفرّ. ولكنّكم تقولون: "إِنّه لا يَفعل"؛ بنحن أيضًا نقول ذلك. قلتُ: بهذا أجاب الإمامُ فخر الدين عن هذا السؤال. وفيه نظرٌ؛ لأنّه إِلزمٌ للجواز على الوقوف؛ وبينهما بونٌ؛ لأنهم هم إِنما جَوَّزوا على الله إِزالةَ القيدِ، وخرقَ الجدارِ للّصِّ، ومنعوا وقوعَ ذلك منه؛ كسائر العاديّات التي تجوز؛ ولا تَقع. وهو كثيرًا ما يَحتَجّ بها عليهم. وهم إِنما أَلزَموه وقوعَ العقوبات من العقلاء باللصوص ونحوهم. والأولى في الجواب أن يقال: قد قدّمنا الفرقَ بين الخلق والكسب. ونحن عندنا أنّ عقوبات العقلاء للجناةِ أكسابٌ خَلَقها اللهُ فيهم؛ ثمّ أوقَعها بالجناة مكافأة لهم على أكسابهم، التي هي الجنايات القبيحة. فالجنايت وعقوباتها مخلوقاتٌ لله سبحانه على أدوات العباد، دائرةٌ مع قصودِهم وإِراداتهم وجودًا وعدمًا. ولا يَلزم من ذلك فسادُ تصرُّفِ العقلاء في ذلك؛ لأنّكم إِن عَنيتم "بفساده" كونَه قبيحًا في العقل، حيث عاقبوا غير موجِد الجناية، فنحن قد أَبطلنا القبحَ العقليّ. وإِن عَنيتم كونَه قبيحًا في الشرع، فالإِجماع على خلافه؛ لأنّ الشرع أَذِنَ في عقوباتهم؛ وهو المحَسَِن المقَبح. على أنّ أكثر ما فيه تكليفُ ما لا يطاق؛ ونحن نجيزه. فلتكن جنايةُ الجاني مخلوقةً لله، لتكون أمارةٌ على استحقاقِه عذابَ الآخرة. وقد أقمنا الدلالة على جواز تكليف ما لا يطاق. فإِن سَلَّمنموه، بطل ما أَلزَمتُموناه. وإِن مَنَعتموه، فشنعوا به؛ لأنّ ما أَلزَمتموناه من فروعِه ولوازمه. ولا تُوهِمُوا أنّا التَزَمنا مُحالاتٍ كثيرةً؛ وإِنما هي مسألةٌ واحدةٌ. "التاسع: لو لم يكن العبدُ موجِدًا لأفعاله، لما استَحثّ ثوابًا ولا عقابًا، ولكان الله

стр. 121

سبحانه مبتدِئًا بالثواب والعقاب من غير استحقاقٍ من العبدِ. ولو جاز ذلك، لجاز منه تعذيبُ الأنبياء والأولياء، وإِصابةُ الفراعنة والأبالسةِ؛ وذلك مِن فِعلِ السفهاءِ، ومنافٍ لقوله، ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين﴾، ونحوه من الآيات". والجواب: عندنا أنّ العبد غيرُ موجِدٍ لأفعالِه؛ بل كاسبٌ لها، كما سبق. ولا يَستحِقّ على الله ثوابًا. وقد مرَّت المسألةُ مستوفاةً. والله سبحانه مبتدئٌ بالثواب والعقاب بشبهة الاكتساب. ولا يَستحقّ أحدٌ على الله شيئًا. وما أَلزَمتُموه، مِن جواز تعذيب الأنبياء وإِثابة الفراعنة، هو مُلتَزَم الجوازِ؛ لكن مَنَعَ من وقوعه مانعان. أحدهما: كونُه من العاديّات التي تجُوز لذاتها، ويمتنِع وقوعُها، لاطّراد العادة، كما سبق غيرَ موضعِ؛ كما جوَّزتم إِعانةَ اللصِّ على الفرار، ومَنَعتم وقوعَه منه تعالى. المانع الثاني: إِخبار القرآن بإِثابة الطائع وعقاب العاصى. والخُلف في إخبار اللهِ تعالى محالٌ. وخُصّ من هذا الدليل أصحابُ الوعيدِ من الأمّة سمعًا، بقوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمِن يشاء﴾، ونحوه، مما سبق. وقد صحّ عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "لن يُدخِل أحدأ منكم عملُه ". الجنّة". قالوا: "ولا أنت؟ " قال: "ولا أنا. إِلاّ أن يَتعمَدني اللهُ برحمته" ولا خلاف بين المعتبَرين مِن أهل النقلِ في صحّة هذا الحديث؛ وتَلقّته الأمّةُ بالقبول. ومذهب المعتزلة يَقتضِي أنّه باطلٌ؛ فيخالِفون بذلك جميعَ الأمّة. ورُوي عنه ﵇ أنّه قال: "لو عَذَّبني وابنَ مريم، لكان عادلًا". قوله، "ذلك مِن فِعلِ السفهاءِ". قلنا: هو تقبيحٌ عقليُّ؛ وقد أبطلناه. ومهما فَرَضنا

стр. 122

وقوعَه من الله، كان حَسَنًا عدلَا؛ لأنّه سبحانه لِذاته منزَّه عن النقائص والجور. ولا قبيح نقصٌ؛ فلا يضاف إِليه. أمّا الآيات، نحو ﴿أفنجل المسلمين كالمجرمين﴾، و ﴿أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون﴾، ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار﴾، ﴿لا يستوى أصحاب النار وأصحاب الجنة﴾، ونحوها؛ فقد بيّنّا أنها أحد المانِعَين؛ لوقوع ذلك منه. والله أعلم. [الوجوه النقليّة التي للمعتزلة] وأمّا الوجوه النقليّة التي للمعتزلة، فمِن الكتاب والسنّة والإِجماع. أمّا الكتاب، فنحو قوله تعالى، ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾؛ أَثَبت خالِقين، وأنّه أحسنُهم خَلقًا. ونحوها من الآيات التي أُضيفت الأعمالُ فيها إِلى العباد. وبالجملة، آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد، ووصفهم بأنهم محسِنون أو مسيئون. وآيات اللومِ والتوبيخ لهم تدلّ على أنهم هو الموجدون لأفعالهم. وأمّا السنّة، فقوله ﵇: "اعملوا، فكلُّ ميسَّرٌ لما خُلِقَ له"، "نيّة المؤمنِ خيرٌ مِن عملِه"، "إِنما الأعمال بالنيّات". وأمّا الإِجماع، فهو أنّ الرضا بقضاء الله واجبٌ. فلو كان الكفرُ والمعاصي مخلوقةً لله ولا مقتضيًا له.

стр. 123

والجواب عن آي الكتاب أنها راجعةٌ إِلى الكسبِ؛ أو أنّ خَلْق اللهِ للمعاصي جُعِل أَمارةً على توجُّهِ اللومِ والتوبيخِ إِليهم، بناءً على تكليف ما لا يطاق، كما سبق. ثمّ هي معارَضةٌ بأكثر منها، مّما يَدُلّ على أنّ أفعال العبادِ مخلوقةٌ مقدورةٌ مقضِيُةٌ له سبحانه، كما سنورده، إِن شاء الله. أمّا قوله، ﴿أحسن الخالقين﴾، فسبق أنّ المراد "المصوِّرين"، أو "المقدِّرين"، أو على زعمِكم. وأمّا الأحاديث، فالمراد "بالأعمال" فيها الاكتِساب أيضًا. ثمّ إِنّ الحديث الأوّل حجّةٌ لنا؛ لأنّه قال: "كلُّ ميسِّرٌ لما خُلِق له". فدَل على أنّ الله سبحانه خَلَق كلَّ عبدٍ لشيءٍ، مِن طاعةٍ أو معصيةٍ، وكفرٍ أو إِيمانٍ، وجنّةٍ أو نارٍ؛ وأنّه إِنما يَصير إِلى ذلك بتيسير اللهِ له، وهو خَلقُ الداعي المرجِّح له، وإِيجادُ شروطِ وقوعِه، ونفيُ الصوارفِ عنه. وقد سَلَّمتم أنّ الفعل يجب عقيب ذلك؛ فصار فِعلُ العبدِ دائرًا مع إِرادة الله وخَلقِه الداعى إِليه وجودًا وعدمًا. ولا معنى للفاعل الموجِد إِلاّ ذلك. وبه احتَجَّ أبو الحسين في أحد وجوهِه الضروريّة على أنّ العبد موجِدٌ لفِعله. وأمّا الحديث الثاني، فإِنّه أضاف فيه النيّة إِلى المؤمن، كما أضاف إِليه العملَ. ثمّ النيّة هي القصد والإِدارة. وإِدارة الإِنسان وقصده ليسا مخلوقَين له، باتّفاقٍ؛ فكذلك العمل. على أنّ على رأي القاضي أبى بكرٍ في أنّ ذات الفعل واقعةٌ بقدرة الله سبحانه، وصفتَه من طاعةٍ ومعصيةٍ بقدرة العبد، يَندفع عنّا إِشكالُ الآيات والأحاديث، ولا يُخرِجنا عن رأينا؛ لأنّ النزاع معهم في ذات الفعل وصفته. فإذا سَلَّمنا لهم أنّ صفة الفعلِ بقدرة العبد، بقي النزاعُ في ذاته كما كان. وأمّا ما ذكروه مِن الإِجماع، فقد سبق جوابُه في مقدِّمات المسألة، في أنّ الله

стр. 124

سبحانه مُريدٌ لجميع الكائنات. وهو أنّ قضاءَ اللهِ حُكمُه؛ والكفرَ ونحوه واقعٌ بحُكمِه وقضائِه؛ فهو مَقضيُّ، لا قضاءٌ. وإِنما يجب الرضا بقضاء الله، لا بمقضِيّه، مِن الكفر والمعاصي. والمقضيّ هو مُتَعَلَّق القضاءِ، ومحلُّ تأثيرِه. والله أعلم. هذه أضعف ما للخصوم في المسألة من الشُّبه. وقد وَقَع الجوابُ عنها مبيَّنًا على أصوِلنا التي أحكمناها قبل بطلانِ التحسين والتقبيح، ووجوبِ رعاية المصالح، وجوازِ تكليف المحال. [كلامٌ على طبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبّار المعتزلىّ] واعلم أنّ القاضي عبد الجبّار بن أحمد الهمذانيّ، رئيس المعتزلة في عصرِه، ذَكَرَ في طبقات المعتزلة، مِن الطبقة الأوُلى منهم مِن الصحابة، أميرَ المؤمنين عليّ بن أبي طالب- كذلك، قدَّمه في الذِّكر- وأبا بكرٍ، وعمر، وابن عبّاسٍ، وابن عمر؛ قال: "ومَن يجرى مجراهم". ثمّ ذكر، من الطبقة الثانية منهم، الحَسَنَ والحسين- قال: "وإِنما ذكرناهما في الثانية لنّزِّين بذكرهما هذه الطبقة"- ومحمّد بن عليِّ، يعني ابن الحنفيّة. قال: "ومن التابعين الكبار ممن حكينا عنه العدلَ: السعيد بن المسيِّب، وأصحاب علي ﵇ وابنِ مسعودٍ". "ومن الطبقة الثالثة، أبو هاشم عبد الله بن محمّد بن علىّ، وأخوه الحَسَن بن محمّدٍ، والحَسَن البصريّ، وابن سيرين، ومَن في طبقتهم ممن حَكَينا عنه العدلَ". قال: "وأبو هاشمٍ هو أستاذ واصِل بن عطاء؛ فإِنّه يُحكَى أنّه كان معه في المكتب في دار أبيه، يأخذ عنه وعن أبيه هذه الأصول". قلتُ: فعلى هذا، محمّد ابن الحنفيّة هو أستاذ واصلٍ في الاعتزال. والمعتزلة يُسمُّون

стр. 125

مقالتَهم في أنّ الله تعالى لم يخلق أفعالَ العبادِ "عدلًا"، ويُلقِّبون أنفسَهم "أهل العدل"، بناءً منهم على ما سبق، من أنّه تعالى لو خَلَق الأفعالَ، وعاقَب عليها، لكان جائزًا. وما ذكره عن الصحابة والتابعين، مِن أنهم أهل عدلٍ صحيحٌ، لكنّ الشأن في العدل ما هو؟ هل هو قوله بإِثبات الشركاء لله في الخلق؟ أو قولنا بتوحيد الله في ذاته وأفعاله؟ وذلك غير خارجٍ عن العدل، كما بيّنّا وسنبيِّن، إِن شاء اللهُ. فإِن أراد بالعدل الذي أضافه إِليهم الاعتزالَ الذي يَراه هو وأصحابه، فليس ذلك عنهم صحيحًا. كيف، وإِنّه لا خلاف بين الأمّة أنّ الصحابة لم يَترُكوا سنّة النبيّ ﷺ ! حتى إِنّ ابن عمر كان يَضع قدمَه موضعَ قدمِ رسول الله ﷺ مبالغة في الاتّياع؛ وكان يَبِيت بالمحَصَّب، مع أنّ النبيّ ﵇ إِنما نزلَه اتّفاقًا والمحظوظ عن ابن مسعودٍ أنّه كان يقول: "دعوا التنطُّعَ في الدين؛ وعَدُّوا في المحدَثات؛ وعليكم بالعتيق"؛ يعني ما كان النبيّ ﵇ وأصحابه عليه. وذلك مأخوذٌ من قوله ﵇، "شرُّ الأمورِ محدَثاتها؛ وكلّ محدَثةٍ يدعةٌ؛ وكل بدعةٍ ضلالةٌ؛ وكلّ ضلالةٍ في النار". وقال: "عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين بعدي؛ عضوًا عليها بالنواجذ؛ فإِنّه من يَعش منكم، فسيرى اختلافًا كثيرًا". فشَهد للخلفاء بعده بأنهم على سنّته المرضيّة. وقد بَلَغتنا سيرتهم ومذاهبم بالتواتر؛ فلم نَرَ فيها اعتزالًا، ولا نفيًا للقدر. بل المحظوظ عن عمر أنّه لما فَتَح بيتَ المقدس، خطب الناسَ، وتحت منبره عالمٌ من علماء النصارى. فقال عمر في خطبته: "من يهده اللهُ، فلا مُضِلّ له؛ ومن يُضلِل، فلا هادي له". فقال النصرانيّ: "ما تقول؟ " ففُسِّر له ما قال عمرُ. فَنَفَض يدَه، وقال: "إِنّ الله لا يُضِلّ أحدًا". فسأل عمرُ عمّا قاله النصرانيّ؛ فأُخبِر به. فقال عمر: "كَذَبتَ، أي عدوّ الله! إِنّ الله هو الهادي المضِلّ. والله هو أَضَلّك، وأوجَب لك النارَ. ولولا الأمان، لضَرَبتُ عنقَك". والمحظوظ عن عليِّ رضى الله عنه مناظراتٌ مفحِمةٌ لأهل القدر. ومن المعلوم بالضرورة من حال التابعين أنهم لم يَعدلوا عن سنّة النبيّ وأصحابه؛ بل بالغ قومٌ منهم، حتى أخَذوا بظواهر الأحاديث؛ حتى استَنّ بهم مَن بعدَهم، فنُسِبوا إِلى

стр. 126

التشبيه. وكيث تصحّ نسبةُ الحَسَن البصريّ، وابن سيرين، ونحوهم، إِلى الاعتزال، مع أنّ أهل السنّة والحديث مِن أهل عصرهم كانوا أبغضَ الناسِ في المعتزلةِ ومَن قال بقولهم، وأحبَّ الناس في الحسن وابن سيرين، يَروُون عنهم التفسيرَ والحديث والتعبير والمواعظ والحكمة. وإِنما دعوى عبد الجبّار لاعتزال الحَسَن وابن سيرين كدعوى اليهود والنصاري أنّ إِبراهيم ومحمّدًا كانا يهودّيين، أو نصرانييّن. وتلك دعوى لا تُسمَع. كيف، وقد حَكَى القيروانيّ في مفتاح خزانة التعبير أنّ أبا السيّار ذَكَر أنّ كامل بن طلحة قال: "قلتُ لحمّاد بن سلمة: "يا أبا سلمة. ما لك لا تَروي عن عمرو بن عبيدٍ، كما يَروى أصحابُك؟ "فقال: "إِني رأيتُ في المنام كأني دَخَلتُ المسجدَ، والناس كلّهم يُصلّون صفوفًا إِلى القبلة؛ وإِذا عمروٌ يُصلّي مستدبِرها. فتركتُ الروايةَ عنه". قال القيرواني: "وقيل للحسن البصريّ: "لم هَجَرتَ عمرو بن عبيدٍ؟ " فقال: "يا قوم. أتعذلونني في رجلٍ، والله، لقد رأيته في المنام يَسجُد للشمس مِن دون الله! ". قلتُ: عمرو بن عبيد بن بابٍ هو رئيس المعتزلة. كان حمو واصل بن عطاءٍ؛ وكان يُناظر في الاعتزال والقدر. ومناظرته لأبي عمرو بن العلاء في الوعيد مشهورةٌ؛ وقد سبقَت في مسألة الوعيد. وقد رآه الحَسنُ يِسجُد للشمس من دون الله؛ وهو إِشارةٌ من تلك الرؤيا إِلى أنّه مشابهٌ لبلقيس التي قال الله فيها، حكايةً عن الهدهد: ﴿وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله﴾، الآية. وكانت، فيما ذكر أهلُ السير، مجوسيّةً. وقد وردَت الأخبارُ بأنّ القدرية مجوس هذه الأمّة، الذين يقولون: "لا قدر"، كما سنورد الأحاديث في ذلك، إِن شار الله. فهذا معنى رؤيا الحَسَنِ. فكيف يصحّ أنّ الحَسَن معتزلي، مع أنّه وأصحابه من أهل الحديث هَجَروا عمرَو بن عبيدٍ لأجل الاعتزال، لا غير؛ لأنّ عمروًا كان مِن الزهد وترِك الدنيا وفعلِ العبادات أَوحدَ زمانِه؛

стр. 127

وإِنما كَبا به جوادُ الاعتقادِ الرَدي. قلتُ: وذكر عبد الجبّار في الطبقات، قال: "فَصلٌ في مدحِ الاعتزال. وقد ذَكَرَ محمّد بن يزداد في كتاب المصابيح أنّ كلّ أرباب المذاهب نَفَوا عن أنفسهم الألقابَ، إِلاّ المعتزلة. فإِنهم تَبجَّحوا بها، وجَعَلوا ذلك عَلَمًا لمن تمسَّك بالتوحيد والعدل. واحتَجّ (يعني محمّد بن يزداد) في ذلك بأنّه تعالى ما ذكره إِلاّ في الاعتزال عن الشرِّ؛ كقول إِبراهيم: ﴿واعتزلكم وما تدعون من دون الله﴾. وذَكَر أنّ المعتزلة هي المقتصِدة، اعتَزَلَت الإِفراطَ والتقصير، وسَلَكَت طريقَ الأدلّة. وذكر أنّ المعتزلة الأُولى هم أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأنهم كانوا يدًا واحدةً، يَتَولّى بعضُهم بعضًا، واتّفقوا على هذه الأصول. ورُوِي عن حُذيفة بن اليَمان، عن رسول الله ﷺ وآله، أنّه قال: "مَن اعتَزَل من السوء، سَقَط من الخير". قلتُ: هذا كلّه يحكيه عبد الجبار عن محمّد بن يزداد صاحب كتاب المصابيح. وهو كلامٌ فاسدٌ. أمّا قوله، "إِن المعتزلة تَبجَّحت بلقبِها"، فلا مَدحَ فيه؛ لأنّ أهل كلّ دينٍ وبدعةٍ يَعتقِدون صوابها؛ كاليهود والنصاري يَتبجَّحون بديِنهم واسمِه، ويَدعُون إِليه؛ كقوله تعالى، حكايةً عنهم: ﴿وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا﴾. وأمّا قوله: "كلّ أرباب المذاهب نَفوا عنهم الألقابَ إِلاّ المعتزلة"، فليس بصحيحٍ. لأنهم لَمَّا استَفاض قولُه ﵇، "القدريّة مجوس هذه الأمّة"، ونحوه من الأحاديث، فَرُّوا من هذا اللقب، ونَفوه، وأضافوه إِلى مثبِتي القدر، مكابَرةً؛ كما يقال في المثَل: "رَمَتنب بدائها وانسلَّت"، وقولهم، "حد اسمك سمّني". مع أنّ النبيّ ﵇ فَسَّر "القدريّة" بأنهم الذين يقولون: "لا قدر". ﴿فنادوا ولات حين

стр. 128

مناص﴾؛ ﴿يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر﴾. فإِنّ هذه الصفة ليست إِلاّ فيهم. وأمّا قوله، "لم يَذكُره في الاعتزال [عن الخير]، ولم يَذكُره اللهُ إِلاّ في الاعتزال عن الشرّ"، فليس بصحيحٍ. فإِنّه إِمّا غير حافظٍ للقرآن، أو غافلٌ عن تَدَبُّره. وما كان يَنبغي له هذا الحصرُ، إِلاّ بعد السبرِ؛ فإِنّ موسى لقال لقوم فرعون: ﴿وإن لم تؤمنوا لى فاعتزلون﴾؛ وقال سبحانه: ﴿ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بنى اركب معنا﴾. أَفَتَرى اعتزالَ قومِ فرعون موسى، واعتزالَ ابنِ نوحٍ نوحًا، كان اعتزالًا عن الشرّ، أو عن الخير والنبوّة والإِيمان؟ ومادّة الألفاظ كلّها واحدةٌ؛ وهي "عَزَل يَعزِل"، إِذا أَفرَد الشيء ونحّاه. و "العُزلَة": الانفراد. فمن انفَرَد عن خيرٍ أو شر، فقد اعتَزَله. وفي الحديث: "إِذا سجد ابنُ آدم، اعتزل الشيطانُ يبكي". وأمّا قوله، "المعتزلة هي المقتصدة، اعتَزلت الإِفراطَ والتقصيرَ، وسَلَكَت طريقةَ الأدلّة"، فليس بجيّدٍ. وإِنما سُمُّوا "معتزلةً" لأنهم اعَتَزلوا مجلسَ الحسنِ البصريّ، وقولَ جمهورِ السلفِ في إِثبات القدر، واتَّخذوا حلقةً لهم يَقررون فيها أنّ الله لا يخلق أفعالَ العبادِ، ويجب عليه رعايةُ المصالح، ويجب عليه إِقابةُ الطائع، وعقوبةُ العاصي، وأنّه لا شفاعة للعُصاة، ونحو ذلك من أصولهم السابقة. فنَبَذهم الناسُ لذلك، واعتزلوهم أيضًا. فكان في اعتزالهم واعتزال الناس لهم ضربٌ من اعتزال الخوارج. وكيف تكون مقتصدةً، وهي تجعل كلَّ واحدٍ من عباد الله خالقًا معه في كلّ وقتٍ وكلّ زمانٍ! وأيّ إِفراطٍ بعد هذا؟ وأيّ تقصيرٍ لأقبح منه؟ والله سبحانه يقول: ﴿أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار﴾؛ وقال:

стр. 129

﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تتذكرون﴾. وأمّا طريقة الأدلّة التي سَلَكوها، فهي طريقة إِبليس، طريقة التحسين والتقبيح، حيث قال: ﴿أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين﴾. ولما سلكها، آل أمُره إِلى ما قد عُرف. وأما قوله، "إِن المعتزلة الأولى أصحابُ رسولِ الله". فإِن أراد "بالاعتزال" ما عليه المعتزلة، فهو كذبٌ على الصحابة؛ والتواتر عنهم بخلاف ذلك. وإِن أراد أنهم اعتزلوا الشركَ والشرَّ والبدع، فهو كذلك. وأمّا كونهم يدًا واحدةً، يتولى بعضهم بعضًا، فليس ذلك من خواص الصحابةِ، ولا المعتزلة، بل هو حكم عام في دين الإِسلام. قال النبي ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم"، الحديث، إلى أن قال: "وهم يدٌ على من سواهم". وقال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد"، الحديث. والناس كذلك حتى الساعة. غاية ما في الباب أنّ الصحابة كانوا أشدّ في ذلك. والمعتزلة أشدّ فيه لإِقامة بدعتِهم؛ إِذ هي خاملةٌ في العالم. فهو كتعاضد أهل الكتابَين، ن لضعفهم وخمولهم، واتّفاق الكتابِ والسنّة على ذمِّ رأيِهم، وغربتِهم بين أهل القلبة. وكلّ غريبٍ للغريب نسيبٌ. وأمّا الحديث، "مَن اعتزل من الشر، سقط في الخير"، فهو إِن ثبت، مساوٍ لعكسه. إِذ الشر والخير نقيضان؛ من اعتزل أحدهما: سقط في الآخر. ثمّ قال: "وروي عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابرٍ، أنّ رسول الله ﷺ قال: "افتَرَقَت بنو إِسرائيل على اثنتين وسبعين فرقةً. وستفترق أمّتي على ثلاثٍ وسبعين فرقةً؛ أبرها وأتقاها الفئة المعتزلة". ثمّ قال سفيان لأصحابه: "تسموا بهذا الاسم؛ لأنكم قد اعتزلتم الظلم". فقيل له: "قد تسمى به عمرو بن عبيد وأصحابه". فكان (يعني

стр. 130

سفيانَ) بعد ذلك لا يَذكُر في الحديث هذا القول؛ بل يقول: "واحدةٌ منها ناجيةٌ". ورُوي عن عثمان الطويل، قال: لقيتُ قتادة، فقال لي: "يا عثمان. ما حبسك عنا؟ لعل هذه المعتزلة حبستك عنا؟ " قلتُ: "نعم. حديثٌ سمعتُه يرونه عن رسول الله ﷺ ؛ سمعتك تقول: قال رسول الله ﷺ : "ستفترق أمتي على فرق؛ خيرها وأبرها المعتزلة". فأنا اليوم ممن لزمه هذا الاسم". قلت: هذان الحديثان باطلان بالضرورة، لا أصل لهما بوجهٍ من الوجوه؛ أعني الزيادة التي مَدَح بها المعتزلةَ. أمّا الأوّل، فلأنّه غير معروفٍ من حديث سفيان، على كثرة أصحابه والرواة عنه، واختلافهم في ألفاظ روايته. حتى يقول أحدُهم مثلًا: "وما فاتكم، فأتمُّوا"، وبعضهم يزيد: "بالأرض" أو "فى اللحد"؛ ونحو ذلك كثيرٌ. وغرضنا ضرب المثال في تحريه وتحري أصحابه في ألفاظ السنة، فكيف يتواطؤون على كتمان هذه اللفظة، ويتركون الحق للباطل؛ كاليهود في تغييرهم صفة محمدٍ في التوراة! معاذ الله أن يُنسب هذا إلى صباين المحدثين، فضلًا عن أئمتهموأهل المناقب منهم. ولو لم يكن الحديث ما يدل على بطلانه إِلاّ هذا، لكفى. كيف، وإنّه قد فسَّر "الفرقة الناجية" بقوله، "ما أنا عليه وأصحابى"! صح ذلك وثبت في السنة. فإن ادَّعوا أنهم على ما هو عليه وأصحابه، قلنا: ما الغرض ها هنا هذا. بل الغرض أنّ تفسير "الفرقة الناجية" وَرَدَ بغير لفظ "المعتزلة". أمّا كونكم أنتم الذين على ما هو عليه وأصحابه، أو غيركم، فذاك أمرٌ آخر. مع أنّ الظاهر الذي لا يخفى، والمعروف الذي لا يُنكَر، أن أهل الحديث هم الذين هم على ما كان عليه النبيّ ﷺ وأصحابه فَمن نازعهم في ذلك، فقد ادّعى ما ليس له.

стр. 131

ثمّ إَنّه زعم أنّ سفيان روى الحديث لأصحابه مصرحًا بأن الفرقة الناجية المعتزلة. فلمّا علم أنهم سبقوا إِلى ذلك، أمسك عن التصريح. ولا شك أن العادة تقتضي امتناع كتمان مثل هذا إِذ كيف تخلو حلقة مثل سفيان ممن تمثل نفسه إِلى هذا الحديث، فيصير إِلى المعتزلة، ثم يشيعه، فيشتهر عنه! وهذا حديثٌ غير معروفٍ أصلًا؛ فضلًا عن أن يكون غير مشهورٍ. وأيضًا، فإِنّ أصحاب سفيان قد نَقلوا عنه وعن غيره في صفات البارئ، وأفعاله، والفتن الواقعة بين أصحابه، ونحو ذلك أعظم من هذا الحديث وقعًا. فلو جزا أن يكتموا شيئًا من الحديث، لكانت تلك أولى بالكتمان. وأمّا عثمان الطويل، فمعتزلي منهم في إِشادة مذهبه وثبوته بمدح طائفته. ثم هو مجهول عند أهل النقل والرواية. وقد قال الله تعالى: ﴿كذلك زينا لكل أمة عملهم﴾. [رسالةٌ في القدر منسوبة للحسن البصري، أوردها القاضي عبد الجبّار] ثمّ اعلم أنّ عبد الجبّار ذكر عن الحسن رسالةً في نصرة القدر، فقال: "الحسن البصري ممن دعا إلى الله الدهر الأطول بالموعظة والتصنيف والرسائل والخطب. فالمشهور عنه أن عبد الملك كاتبه، فقال: "إنه قد بلغنا عنك في وصف القدر ما لم يبلغنا عن أحدٍ من الصحابة. فاكتب بقولك إلينا ف هذا الباب" فكتب إِليه: "سلامٌ عليك. أمّا بعد. فإِنّ الأمير أصبح في قليلٍ من كثيرٍ مضوا والقليل من أهل الخير مغفولٌ عنهم. وقد أدركنْا السلف الذين قاموا بأمرِ الله، واستنوا بسُنَّةِ

стр. 132

رسول الله ﷺ . فلم يُبطِلوا حقًا، ولا أَلحَقوا بالربّ إِلاّ ما أَلحَق بنفسه. ولا يحتجُّون إِلاّ بما احتج اللهُ به على خَلقِه؛ وقوله الحقّ: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾. ولم يخلقهم لأمرٍ، ثمّ حال بينهم وبينه؛ لأنّه تعالى ليس ﴿بظلام للعبيد﴾. "ولم يكن في السلف أحدٌ يُنكِر ذلك ولا يجادِل فيه؛ لأنهم كانوا على أمرٍ واحدٍ مُتَّسِقٍ. وإِنما أَحدَثنا الكلامَ فيه حيث أَحدَث الناسُ النَكِرة له. فلمّا أَحدَث المحدِثون في دينهم ما أحدثوه، أحدث اللهُ للمتمسكين بكتابه ما يُطفئون به المحدثات، ويحذرون به من المهلِكات". وذكر "أن الذي أوقعهم فيه سببه الأهواء، وترك كتاب الله. ألم تر إِلى قوله تعالى: ﴿هاتوا برهانكن إن كنتم صادقين﴾! . "فافهم، أيّها الأمير، ما أقوله. فإِنّ ما نهى اللهُ عنه، فليس منه؛ لأنّه لا يَرضَى ما يَسخَطُ، وهو من العباد. فإِنّه تعالى يقول: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر وإِن تشكروا يرضه لكم﴾. فلو كان الكفر ممن قضائه وقدره، لرضى به ممن عمله. وقال تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾. وقال: ﴿والذى قدر فهدى﴾؛ ولم يقل: "قدر فأضل". لقد أحكم الله آياته وسُنة نبيه ﷺ ، فقال له: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى﴾. وقال: ﴿الذى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾؛ ولم يقل: "ثمّ أصلَّ". وقال: ﴿إن علينا للهدى﴾؛ ولم يقل: إنّ علينا

стр. 133

للإِضلال". ولا يجوز أن يَنهَى العبادَ عن شيء في العلانيِة، ويقدِّره عليهم في السرّ ربُّنا أَكرَم من ذلك [وأرحم]. "ولو كان الأمرُ كما يقول الجاهلون، ما كان يقول: ﴿اعملوا ما شئتم﴾؛ ولقال: "اعمَلوا ما قَدَّرتُ عليكم". وقال: ﴿لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر﴾؛ لأنّه جَعَل فيه مِن القوّة ذلك، ليَنظُر كيف يَعملون. ولو كان الأمر كما قاله المخطئون، لما كان إِليهم أن يَتَقدّموا ولا يتأخَّروا، ولا كان لمتقدِّمٍ حمدٌ فيما عمِل، ولا على متأخَِرٍ لومٌ، ولقال: "جزاءً بما عَملَ بهم"، ولم يقل: "جزاءً بما عملُوا، وبما كَسَبوا". "وقال تعالى: ﴿ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها﴾؛ أى بيَّنَ لها ما تأتى وما تَذّرُ. ثمّ قال: ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾؛ فلو كان هو الذي دساها، ما كان ليُخَيِّب نفسه، تعالى عمّا يقولون. "وقال تعالى: ﴿ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار﴾. فلو كان اللهُ تعالى هو الذي قدَّم لهم الشرَّ، ما قال ذلك. "وقال تعالى: ﴿وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلا﴾؛ وقال تعالى: ﴿إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإِما كفورا﴾؛ ﴿ومن شكر فإنما يشكر لنفسه﴾. وقال: ﴿وأضل فرعون قومه وما هدى﴾. وقال تعالى: ﴿وما أضلنا إلا

стр. 134

المجرمون﴾، ﴿وأضلهم السامرى﴾، و ﴿إن الشيطان ينزغ بنيهم﴾، ﴿وزين لهم الشيطان أعمالهم﴾. وقال: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾؛ فكان بدء الهدي من اللهِ، واستحبابُ العَمَى بأهوائهم وظلَّم آدم نفسه، ولم يظلم ربه؛ وقال: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾. وقال موسى: ﴿هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين﴾." وذَكَرَ "أنّ أهلَ الجهلِ قالوا: "إِنّ الله يُضِلُّ ويهدي من يشاء". ولم ينظُروا إِلى ما قبل الآيةِ وبَعدَها، ليستبين لهم أنّه تعالى لا يُضل إِلاّ بتقدُّم الفِسقِ والكفر؛ كقوله، ﴿ويضل الله الظالمين﴾، وقوله، ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾، وقوله، ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾. وبيَّن، ﵀، في كلامه، الوعيد. فقال: "إِنّه تعالى قال: ﴿أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنفذ من في النار﴾.وقال: ﴿كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا﴾. وقال تعالى: ﴿ادخلوا في السلم كافة﴾. فكيف يَدعوهم إِلى ذلك، وفد حال بينهم وبينه! .

стр. 135

"وقال: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾. كيف يجُوز ذلك، وقد مَنَعَ خَلقَه مِن طاعتِه! ". قال: "والقوم يُنازِعون في المشيئةِ. وإِنما شاء اللهُ تعالى الخيرَ قَبلَ أن نَشاءه. وقال: [يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾. وقال في وَلَدِ الزنا: "إِنّه مِن خَلقِ. وإِنما الزاني وَضَعَ نُطفتَه في غير حَقِّها؛ فتَعَدَّى أمرَ اللهِ؛ واللهُ يِخلق من ذلك ما يشاء. وكذلك صاحب البذرِ، إِِذا وَضَعَه في غيرِ حَقِّه". وقال في الرسالة: "إِنّ الله تعالى أَعدَلُ وأرحم مِن أن يعمي عبدًا، ثمّ يقول له: "أَبصِر، وإِلاّ عَذَّبتُك! " فكيف يُضِلُّه، ثمّ يقول له: "اهتَدِ، وإِلاّ عَذَّبتُكّ" وإِذا خَلَقَ اللهُ الشقيَ شقيًّا، ولم يجعل له سبيلًا إِلى السعادة، فكيف يُعَذِّبه! "وقال اللهُ لآدم وحوّاء: ﴿فكُلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة﴾.فغَلَبَه الشيطانُ على هَواه. ثمّ قال: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة﴾؛ وليس للشيطانِ عليهم سلطانٌ، ﴿إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك﴾. "وَبعَثَ الرسولَ نورَا ورحمةً. فقال: ﴿استجيبوا لله وللرسول﴾؛ وقال: ﴿استجيبوا لربكم﴾؛ وقال: ﴿أجيبوا داعى الله﴾؛ ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعون﴾.

стр. 136

وقال: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾. فكيف يَفعَل ذلك، ثمّ يُعمِيهم عن القبول! وقال تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾. ونهى عمّا أَمَرَ به الشيطانُ. وقال في الشيطان: ﴿يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾؛ فمَن أجاب الشيطانَ، كان من حِزبِه. "ولو كان كما قاله الجاهلون، لكان إِبليسُ أَصوَب مِن الأنبياءِ؛ إِذ دَعَا إِلى إِرادة الله وقضائه، ودَعَت الأنبياءُ إِلى خلافِ ذلك، وإِلى ما عَلِموا أنّ الله قد حال بينهم وبينه. "وقال القومُ فيمن أَسخَط اللهَ: "إِنّ اللهَ حمَلَه على إسخاطِ". وكيف يَسخَط، إِذا عَمِلوا بقضائه عليهم وإِرادتِه! ويقول: ﴿ذلك بما قدمت يداك﴾! وهؤلاء الجهّال يقولون: "إِنّ الله قَدَّمَه لهم، وما أضَلَّهم سواه". "وقال تعالى: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه﴾. فلو كان الأمر كما زَعَمُوا، لكان الدعاء والأمر لا تأثير له؛ لأنّ الأمر مفروغٌ منه. لكنّ التأويل على خلاف ما قالوه. وقد قال اللهُ تعالى: ﴿ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود﴾. ثمّ قال: ﴿يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد﴾. والسعيد ذلك اليوم هو المتمسَّك بأمر الله؛ والشقيّ هو المضَيِّع". وقال في الرسالة: "واعلَم، أيها الأمي، أنّ المخالِفين لكتاب الله وعدلِه يخوضونن وفي لَغَطٍ يُعَوَّلون في

стр. 137

أَمرِ تَدَيُّنهم بزَعمِهم على القدر. ثمّ لا يَرضون في أَمرِ دُنياهم إِلاّ بالاجتهادِ والبحثِ والطلبِ والأخذِ بالحَزمِ فيه- وذلك لثِقلِ الحَقِّ عليهم- ولا يَعمَلون في أَمرِ دنياهم في سائر تَصرُّفهم على القضاء والقدر. فلو قيل لأحدهم: "لا تَستَوثِق من أمورِك، ولا تُقفِل حانوتَك احترازًا لمسائِك، واتَّكِل على القضاء والقدر"، لم يَقبَل ذلك. ثمّ يُعَوِّلون عليه في الديِن". قال: ومّما يحتَجُّون به أنّ اللهَ قَبضَ قبضةً، فقال: "هذه في الجنّة، ولا أُبالى"؛ وقَبَضَ أُخرى، وقال: "هذه في النار، ولا أبالي". كأنهم يَرون أنّ ربهم يَفعَل ذلك كالمصارع بينهم المحارب- تعالى اللهُ عمّا يَصِفونه به. وإِن كان الحديثُ حقًّا، فقد عَلِم اللهُ أهلَ النارِ قبلَ القبضتين، وقبلَ أن خَلَقَهم. فإِنما قَبَضَ أَثرََ أهلِ الجنّة الذين في عِلمِه أنهم يَقَلون، وأنهم سيَعملون بما عَلِموا مُمكَّنِين، غيرَ مُجبَرِين. وكان يجب على ما رووه أن تكون أعمالُ الناسِ هباءً منَثورًا، من حيث قد فُرِغ مِن الأمر. وكيف يَصحُّ ذلك، مع قوله: ﴿تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا﴾، وهو الذي حَمَلَهم عليه! وما معنى قوله، ﴿فما لهم لا يمنون﴾، وقد مَنَعَهم! . "وكيف يقول: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾! بل كان يجب أن يقول: "ما كان لأهل المدينةِ أن يَعمَلوا بما قَضَيتُ عليهم". ولما قال: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض﴾، وهو الذي حال بينهم وبين الطاعة!

стр. 138

"وإِذا كان الأمر مفروغًا منه، فكيف يقول: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج﴾! وكيف ابتلى العبادَ، فعاتَبَهم على فِعلِهم! وكيف يقول: ﴿إِنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا﴾! وكيف يقول: ﴿قدر فهدى﴾، ولم يقل: "قَدَّرَ فأَضَلَّ"! وكيف يَصحُّ أنّه خَلَقَهم للرحمةِ والعبادة، بقوله، ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾، وقوله، ﴿فطركم أول مرة﴾، وقوله، ﴿لا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾! فإِذا خَلَقَهم لذلك، فكيف يَصحُّ أن لا يجعَل لهم سبيلًا، ويَقسرهم على السعادة والشقاء، على ما يَذكُرون! وكيف يَبتلى إِبليسَ بالسجودِ لآدم؛ فإِذا عَصَى، يقول: ﴿اهبط منها﴾، ويجعله شيطانًا رجيمًا! وكيف يقول: ﴿فما يكون لك أن تتكبر فيها﴾! وكيف يحذر آدمَ عداوتَه، إِن كان الأمر مفروغًا منه، على ما يقولون! ". وقال في الرسالة: "واعلم، أيها الأمير، ما أقول. إِنّ الله تعالى لم يَخفَ عليه بقضائه شيءٌ، ولم يَزدَهْ علمًا بالتجربة؛ بل هو عالمٌ بما هو كائن وما لم يَكُن. وكذلك قال: ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض﴾، ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن﴾، الآية. فبَيَّن لنا أنّه يخلق خلقًا مِن ملائكةٍ وجنِّ وإنسٍ، وأنّه سيَبتَليهم قبل أن يخلقهم. فعَلِمَ ما يَفعَلون، كما قَدَّرَ أقواتهم، وقَدَّرَ ثوابَ أهلِ الجنّةِ

стр. 139

وعقابَ أهلِ النارِ قبلَ ذلك. ولو شاء إِدخالَ العصاةِ النارَ، لَفَعَلَ. لكنّه سَهَّلَ سبيلَهم؛ ليكُون الحجّة البالغةَ له على خَلقِه. والعلم ليس بدافعٍ لهم إِلى معاصيه؛ لأنّ العلم غير العملِ. فتبارَك اللهُ أحسنُ الخالقِين" وقال في قولهم في الضلالِ والهُدى، وفي قوله، ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض﴾، و ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾: "إِنّ المراد بذلك إِطهارُ قُدرِته على ما يُريده، كما قال: ﴿إِن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء؛ ﴿ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم﴾؛ ﴿ولو نشاء لطمسنا على أعينهم﴾؛ ﴿ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذير﴾. وقال: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا﴾. حتى بَلَغَ من قوله تعالى أن قال: ﴿فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء﴾. فإِنما دَلَّ بذلك رسولَه على قدرتِه؛ فذلك غير الذي شاءه منهم. ولذلك قال في حجتهم يوم القيام رادًّا بذلك رسولَه على قدرتِه؛ فذلك غير الذي شاءه منهم. ولذلك قال في حجتهم يوم القيامة رادًّا لقَولهم: ﴿لو أن الله هدانى لكنت من المتقين﴾؛ رَدَّ ذلك بقوله، ﴿بلى قد جائتك آياتى فكذبت بها واستكبرت﴾. "وقال تعالى، بعدما حَكَى عنهم قولهم، ﴿لو شاء الرحمن ما عبدناهم﴾، تكذيبًا لهم: ﴿كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا﴾. فنَعُوذُ بالله مِمَّنْ

стр. 140

أَلحَقَ باللهِ الكذبَ، وجعَلوا القضاءَ والقدر معذِرةً. وكيف يَصحُّ ذلك، مع قوله، ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين﴾! وكيف يَصحُّ أن يقول: ﴿وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾! أي العقوبة التي أصابَتك إِنما هي مِن قِبَلِ نفسِك بعملِك. ولو شاء اللهُ تعالى أَخْذَهم بالعقوبة من دون معصيةٍ، لقدرَ على ذلك. لكنّه رؤوفٌ رحيمٌ. ولذلك أَرسَل موسى إِلى فرعون، وقد قال: ﴿ما علمت لكم من إله غيرى﴾؛ فقال: ﴿فقولا له قولا لينا﴾. وقال: ﴿اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى﴾. وقال: ﴿ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلم يذكرون﴾، فيتوبون. فلمّا لُّجوا في كفرِهم بعدَ كلّ ذلك، مِن الأمرِ والترغيب في طاعتِه، أَخَذَهم بما فَعَلوا". قال: "ثمّ انظر أيّها الأمير كيف صنيعه بمن أطاع؛ فقال: ﴿إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين﴾؛ ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا؛ ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل﴾. وقال موسى: ﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين﴾؛ وقال: ﴿فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾. فهذا صنيعه بأهل طاعته؛ وما قدّمناه صنيعه بأهل معاصيه عاجلًا. فإذا اتْبَعوا أهواءَهم، عاقَبَهم بما يَستحِقُّون".

стр. 141

وقال في الرسالة: "ولا يَصِحُّ عَمَلُ الخيرِ إِلاّ بمعونة الله. ولذلك قال لمحمّدٍ ﷺ : ﴿ولوا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا﴾؛ وقال يوسف: ﴿وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن﴾. فقد بيَّن وأمر ونهى، وجعل للعبد السبيل إلى عبادته، وأعانه بكلّ وجهٍ. ولو كان عملُ العبدِ يَقَعُ قسرًا، لم يَصِحّ ذلك". هذا آخِر ما حكاه من رسالة الحَسَن. [الجواب على الرسالة] قلتُ: وهذه الرسالة، وإِن كان الحَسَنُ قد رُمِى بالقدَر مرّةً، وهي تُشبِه فصاحته وبيانَه، إِلاّ أنّ المشهورَ عنه إِبطالُ القدرِ، والطعنُ على أهلِه، كما بَيّنّا أوّلًا. فإِن ثَبَتت هذه عنه، فلعلّه قالها أوّلًا، حين كان يقول بالقدر؛ ثمّ عاد بآخِره عن ذلك. وإِلاّ، فهي منحولة عليه. ويُشبه أنها لواصل بن عطاءٍ، أو عمرو بن عُبيدٍ، أو مَعبدٍ، أو غَيلان، ونحوهم من أركان الاعتزال. ولو صَحَّ أنّ الحَسًنَ خاطَب بهذه عبد الملك بن مروان، لفَعَلَ به كما فَعَلَ هشامٌ بغيلان: قَطَعَ يَدَيه ورِجلَيه، لغُلُوه في القدر، ودُعاءِ الناس إِليه. والحَسَن كان أشهر في الناس من عَلَمٍ؛ فلو صَحَّت هذه عنه، لما سَكَتَ عنه التابعونأن يعاتبوه عليها، أو يُنكِرون عليه ويُعارِضون ما قال. ولكنّ هذه مِن كلامِ رجلٍ خاملٍ مِن القدريّة، أو مَن ليست شهرتُه كشهرةٍ الحَسَن. فأَعرَضَ الناسُ، فيما عَلمنا، عن معارَضَتها لأمرٍ ما، مع أنّ الرسالة هائلةٌ في بابها، والجواب عنه مُتَعيَنٌ؛ إِذ قد تَضَمَّنَت كلَّ حججِ القدرية في المسألة، أو جُلَّها. وهي راجعةٌ إِلى شُبَهِهم السابقة؛ لكن تحتاج إِلى جوابٍ خاص بها يُطابِقُها، ويَتَضَّمن جوابُها تقرير قواعدَ يُحتاج إِليها في الباب، وتكون تذكِرةً لأولى الألبابِ. فنقول، وبالله التوفيق:

стр. 142

قولُ هذا القائلِ، "أَرَكْنا السلفَ الذين قاموا بأمرِ اللهِ، لم يُبطلوا حقًّا، ولا أَلَحقُوا بالربّ باطلًا، إِلاّ ما ألحَقَ بنفسه". قلنا: كذلك كانوا، ﵏. وهو الواجب عليهم وعلى غيرهم من المؤمنين. والقول بأنّ مع الله شركاءً خالقين ليس بحق حتى يكون خلافُه باطلًا. والربّ سبحانه أَلَحَقَ بنفسه خَلْقَ الأفعالِ، بقوله: ﴿خالق كل شئ﴾؛ ﴿خلقكم وما تعملون﴾. ولم يُضف إِلى عِباده خَلْقَ شئ؛ إِنما أَضاف إِليهم كَسبَ أعمالهم. ولو كانوا خالقيها، لكان قولُه، "جزاءً بما كانوا يخلقون"، أَبلغ في الحجّة عليهم؛ لأنّ الخلق أبلغ في استحقاق الجزاءِ من الكسب. وقد بِيَّنّا الفَرقَ بينهما. فما أَلحَقُوا بالله إِلاّ ما أَلَحَقَ بنفسه مِن ذلك. قوله، "ولا يحتَجُّون إِلاّ بما احتَجّ اللهّ به على خلقِه". قلنا: نعم؛ وكذلك يجب. وإِنما كانوا يحتَجُّون بكتاب الله وسنّة رسوله؛ وهما مملُوآن من إِثبات القضاء والقدر وخلقِ الأعمال. قال الله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾؛ وقال: ﴿من يضلل الله فلا هادى له﴾؛ ونحوها. وكان النبيّ ﷺ لا يحزَن على أمرٍ يفُوتُه؛ بل يقول: "لو قُدِّرَ، لكان". وسبق قولُ عمر للنصرانيّ، كَذّبتَ! إِنّ الله هو الهادى المُضِلّ، وهو الذي أَضَلُّك وأَوجَب لك النارَ". فهذا وأمثاله كان حجّة السلفِ في إِثباتِ القدر. فأمّا لومهم للعاصي، وذمّهم وعقوبتهم له، فذلك امتثالٌ لأمرِ الله فيه؛ إِذ جَعَل وقوعَ المعصيةِ على جَوارحِه دائرةً مع قَصدهِ وإِرادتِه وجودًا وعدمًا، عًلَمًا على وقوع ما قَدَّر عليه من العقوبة به. ولله التصرُّف في خلقِه بما يشاء. ومِن أصول أهلِ السنّة، الذين قام الدليلُ على أنهم هم الفرقة الناجية، إِن شاء الله، السكوتُ عن "كيف؟ " في صفاتِه، وهم "لِمَ؟ " في أفعالِه.

стр. 143

قوله، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾؛ ولم يَخلقهم لأمرِ، ثمّ حَالَ بينهم وبينه؛ لأنًه تعال ليس بظلامِ للعبيد". قلنا: أمَا قوله، "ما خَلَقْتُ الجْنًّ والإِنْسَ إِلاّ ليَعْبُدُونِ"، فهو حقٌ؛ لكنّ الكلام في تأويله. فنقول: لا يخلو إِمّا أن يكون معناه، "ما خَلَقتُم إِلاّ مُريدًا لوقوع العبادةِ منهم"، أو يكون معناه "ما خَلَقتُم إِلاّ لأُكَلِّفهم العبادةَ. والأوّل باطلٌ. لأنّه لو أراد منهم وقوعَ العبادةِ؛ وإِلاّ لم يُطابِق مرادُه ومعلومُه إِرادتَه وعلمَه؛ فيُفضِي إِلى انقلاب حقائقِ صفاته؛ لأنّ إِرادته لا تَتَعلّق بوقوع شيءٍ، إِلاّ وقد تَعَلَّق عِلمُه بذلك؛ إِذ متعَلَّق صفاته لا يَتَنافى، لما قَرَّرناه في أنّ ما تَعَلَّق عِلمُه بأنّه لا يكون غيرُ مقدورٍ. لكنّ العبادة لم تَقَع مِن جميع الجنّ والإِنس؛ فلا يكون المراد أنّه أراد وقوعَ العبادةِ منهم. فتعَيَّن أنّ معنى الآية إِلى "ما خَلَقتُهم إِلاّ لآمرَهم بالعبادة وأُكَلِّفهم بها". والأمر عندنا لا يَستَلزِم الإِدارةَ، ولا هي مِن شَرطِه. وإِذا كان خَلَقَهم للتكليف، لم يَلزم منه أنّه خَلَقَهم لإِرادة وقوعِ العبادةِ. وحينئذٍ، لا تَنَافى بين تكليفهم بالعبادة وصَرفِهم عنها، بناءً على ما سبق مِن مِن تكليف ما لا يُطاق. والقُبح فيه عقليُّ؛ وقد أَبطلناه. ولا يَلزَم مِن ذلك ظُلمُه لهم؛ وهو سبحانه ليس بظلاّمٍ للعبيد، كما وَصَفَ نفسَه. غير أنّه سبحانه ليس في مُلكِه لعباده وتصرُّفه فيهم، كعبادة في أملاكِهم وتصرُّفهم فيها؛ لأنّه سبحانه. فقول القائلِ، "يَقبُح مِن اللهِ أن يُكلِّفني شيئًا، ويَصرِفني عنه، كما يَقبُح مني أن أُكلف عبدي شيئًا، وأَصرِفه عنه"، قياسٌ فاسدٌ؛ لأنّ شرطَ القياسِ استواءُ الأصلِ والفرعِ في القوّة والصفات، وغير ذلك، إِلاّ من حيث الإُلحاق، وهو الذكورة والأنوثة. ولا شكّ أنَ مُلكَ اللهِ في عباده أقوى من مُلكِ عبادِه بعضهم لبعضٍ. فقياس الأقوى على الأضعفِ لا يَصحّ في مسائل الفروع؛ فما الظنُّ به في هذا الأصل الذي قد عَمَّ الأديانَ والمِللَ؛ فهَدَى اللهُ فيه مَن هَدى، وأضلَّ مَن أضلَّ.

стр. 144

ويُوَضّح صحّةَ ما ذكَرناه أنّ أحدنا ليس له أن يَقتُل عبدَه بغير إِذنٍ شرعى، ولا يَقطع منه عضوًا؛ حتى قال بعضُ العلماء: "لو مَثَّل بعبدِه، مِثلَ أن جَبَّ ذَكَره، أو عضوًا غيره، أو حَرَقَ منه شيئًا بالنر، أنّه يُعتَق عليه بذلك؛ لأنّ الله سبحانه إِنما مَلَّكَه إِيّاه بشرطِ الإِحسانِ إِليه؛ فإِذا انتَفَى الإِحسانُ، انتَفَى شرطُ التمليكِ، فعاد إِلى مُلكِ الله الخالص، وهو الحرَّية". والله سبحانه له أن يُهلِك الثقَلين وسائَر العالمِ في لحظةٍ واحدةٍ، وإِن كانوا طائعين لا يَعصونه طرفةَ عينٍ. فإن ادَّعى مدعٍ أنّ ذلك قبيحٌ، فهو تقبيحٌ عقلىُّ باطل. ويوَضح ذلك أنّ كلّ صانعٍ، إِذا اتقَن صنعتَه، كالنساج للثوب، والفَخَّار للجِرار، ونحوها، له بعد ذلك أن يُهلِكها، لا اعتراض عليه في ذلك لغيره. وإِنما امتَنَع ذلك شرعًا؛ لكونه تضييع مال، لحكمةٍ قررناها غير ها هنا. وكذلك يَقبُح مِن أحدِنا أن يمكن عبدَه مِن أَمَته يزني بها، أو عبدَه مِن عبدِه يقتله. ولا خلاف أنّ الله سبحانه أَمكَن عبيدهَ مِن قتلِ بعضهم بعضًا، وزنا بعضهم ببعضٍ. إِذ لو شاء، لحال بينهم؛ لأنّه قادرٌ على ذلك. ولا نزاع أنّ هذا قبيحٌ مِن العبدِ، غيرُ قبيحٍ من اللهِ سبحانه. فإِذا جاز أن يَقبُح منّا مِثلُ ذلك، ولا يَقبُح من الله، فلِمَ لا يجوز مِثلُه في مسألة القدر؟ فهذا التقرير ها هنا كافٍ. وله مَزيد يبين فيما بعد، إِن شاء الله تعالى. وحاصل الأمرِ بيننا وبين المعتزلة أنهم هم مُستدلُون على نفي القدرِ وقُبحِ إِثباتِه بالقياس الفاسد المذكور، ليس لهم من جهةِ العقلِ سواء، وعليه مَدار شبههِم، ونحن قادِحون في قياسِهم، مانِعون لصحتّه بالفرق المذكور الذي قرّرناه بين الأصل والفرع. فيَحتاجون إِلى حجّةٍ غيره يُثبتون بها دَعواهم. ونحن مانِعون؛ والمانع مُستريحٌ. وإِنما قلنا: "إِنهم هم المستدلّون"؛ لأنّ دَعوانا نحن في إِثبات القدر على وَفق الأصل عقلًا وشرعًا. أمّا عقلًا، فلأنّه سبحانه ثَبَتَ أنّه خالق العالم وموجدُ، بالدليل العقلىّ؛ والعالمُ ما سوى اللهِ سبحانه؛ وأفعال العبادِ داخلةٌ في ذلك. ولِما قرّرناه من تمام مُلكِ اللهِ سبحانه، واقتضاءِ العقلِ تصَرُّف المالكِ كما يُريد. وأمّا شرعًا، فلِما ثَبَت في

стр. 145

الكتاب والسنّة، مّما يدٌلّ على ما قُلناه، ممّا يأتي استقراؤه. فهم إِذا خالَفوا هذا الأصلَ في أفعال العباد، وَجَب عليهم في حُكمِ النظرِ بيانُ مستَنَدِ المخالَفةِ. فكانوا مستدلِّين بالقياس المذكور، وقد مَنَعناه. فإِن أَتَوْا بحجّةٍ صحيحةٍ غيره تلزمنا، لمانعناهم. وإِلاّ، فنحن على وَفق الأصلِ عقلَا وشرعًا. فهذه طريقةٌ جيّدةٌ في مناظرتهم. قوله، "ولم يكن في السلف أحدٌ يُنكِر ذلك ولا يجادِل فيه؛ لأنهم كانوا على أمرٍ واحدِ متَّسقٍ". قلتُ: قوله ذلك إشارةٌ إِلى ما سبق من قولِه: "لم يُبطلوا حقََّا، ولا ألحَقُوا بالرب إِلاّ ما ألحَقَ بنفسه، ولا احتجّوا إِلاّ بما احتج اللهُ على خلقِه"؛ وقد بَيّتّا صحّةَ ذلك منهم، وأنهم كانوا مثبِتين للقدر. فإن أراد به هذا- وليس مرادَه- فصحيحٌ أنَه لم يُنكِره أحدٌ مِن السلفِ. وإِن أراد أنهم لم يكونوا يُنكرون الاعتزالَ والقولَ بنفيِ خلقِ الأفعالِ، فهو كذِبٌ عليهم، بما سيأتي من نصوص السنّة يجادِل فيه"، فخطأٌ صُراحٌ. وهو ممّا يَدُلَ على أنّ الرسالة ليست من كلام الحَسن. فإِنّه لم يكن يخفى عليه غالبًا، مع تَبَحرِه في علم الرواية، ما رَواه أبو هريرة. قال: فَرَج علينا رسُول الله ﷺ ونحن نَتَنازَع في القدر. فغَضِب، حتى احمَرَّ وجهُه، حتى كأنما فُقيء في وَجنتيه الرمّانُ. فقال: "أبهذا أُمِرتم! أم بهذا أُرسِلتُ إِليكم! إِنما هَلَكَ مَن كان قبلَكم حين تَنَازَعوا في هذا الأمر. عَزَمتُ عليكم أن لا تَتَنازَعوا فيه". وهذا الحديث، وإِن كان الترمذيّ قد غَربَّه، وقال: "لا نَعرِفه إِلاّ مِن حديث صالحٍ المُرِّيّ، وله غراب يَنفَرد بها"، لكن قد رَوى مسلمَ في صحيحه نحوَه من حديث عمرو بن العاص. ومِثلُ هذه قضيّةٌ تَشتهِر، ولم تَقَع إِلاّ بَعدَ نِزاعٍ طويلِ، حتى اجتَمَعوا لها ليَستخرِجوا صوابها؛ فكيف يَصحُّ أن يُقال: "إِنهم لم يجادلِوا فيه"؟
следующие страницы →