Полный текст (285 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
كما اختُلِف في قوله، "إِنما الأعمال بالنيّات"؟ فتُشترَط النيّةُ للوضوء على الأوّل، دون الثاني؛ لأنّ انتفاء الكمال لا يقتضي انتفاءَ الصحّة والإِجزاء. والله أعلم.
ومنها قاعدته في الكفّارات والمقدَّرات
افتتَحها بأن قال: "اعلم أنّ المشرواعت كلّها مصالح، لا خلاف فيه، إِنما الخلاف في مفعولات الله . فعندنا، يجوز أن يَفعل اللهُ بعباده ما لا مصلحة لهم فيه. وعند المعتزلة، لا يجوز. وأجمعنا على أنّ الله سبحانه لا يوجِب على عباده، ولا يُشرِّع لهم فِعلًا، إِلاّ لهم فيه مصلحةٌ مخصوصةٌ، يتعلَّق بها وجوبُ شيءٍ، بحيث لا تحصل تلك المصلحة من كلّ نفلٍ أو مباحٍ".
قلتُ: هذا أوّلًا إِمّا تناقضٌ، أو سوء عبارةٍ؛ لأنّه أَوجَبَ برعاية المصلحةِ في المشروعاتِ جزءًا من مفعولات [الله]. فإِن أراد بالمشروعات "مفعولات خاصّةً، فهو سوء عبارةٍ. وإِلاّ، فهو تناقُضٌ؛ إِذ المشروعات دون مفعولات الله سبحانه. فيكون قد أتى الاعتزالَ من حيث أباه.
وتحقيق مرادِه أنّ ما اقتضاه اللهُ من خلقِه اقتضاءَ تكليفٍ، يَستلزم المصلحةَ لهم. وما اقتضاه اقتضاءَ تقديرٍ وتكوينٍ، كتقدير الآلام والمعاصي، لا يَستلزم المصلحةَ، كما سبق في الردِّ على المعتزلة في هذا الأصل، وهو رعاية الأصلح. ثمّ كان حاصلُ ما قرَّرَته القاعدةُ المذكورة أنّ مصلحة الإِيجاب الزائدة على مصلحة المباح والندب، إِمّا عاجلةٌ، أو آجلةٌ. لكنّ المصالح تختلف في ذواتها ومقدارها باختلاف الأحوال والأشخاص والأفعال. كاختلاف قَصر الصلاة وإِتمامها وجمعِها، باختلاف حالِ السفَر والحضَر؛
стр. 72
وسقوطِها عن المرأة ووجوبها، باختلاف حالِ الحيض والطهر شرعًا؛ والسفرِ وعدمِه للتاجر، باختلاف حال ظنِّ الربح وأمنِ الطريق، أو ظنِّ الخسرانِ وخوف اللصوص، عقلًا. وككون الفعل الواحد مصلحةً لزيدٍ، مفسدةً لعمروٍ، لاختلاف الأشخاص. وككون الأكلِ للجائع مصلحةً، والشرب له مفسدةً، لاختلاف الأفعال في ذواتها. وككون القدرِ اليسير نافعًا للشخص، دونَ الكثير من غذاءٍ أو دواءٍ، لاختلاف المقدار.
وإِذا ثبت ذلك، لم يجُز لنا الحكمُ بوجود المصلحة في الفعل، مع تَوَهُّم انعدامِها؛ لِما بَيَّنّا من لُزومِها في المشروعات. بل لابدّ من القطعِ بوجوبها. ولا يكفي جوازُ وجودِها، ولا ظنُّه؛ لمِا بيّنّا من وجوب زيادتها على مصلحة المباح والمندوب. بخِلاف القياسِ وخبرِ الواحدِ؛ حيث وَجَب العملُ بهما؛ لأنّ الدليل القطاع قام على أنّ العمل بهما مصلحةٌ؛ بخلاف ما نحن فيه.
[فروع قاعتدته في الكفّارات والمقدّرات]
ثمّ بَنى على ذلك أنّ الكفّارة لا تجب في قتلِ العَمدِ، ولا يمين الغموس، ولا على من انفَرد برؤية هلال رمضان، فرُدَّت شهادتُه، ثمّ أفطَر؛ لأنّا بيّنّا أنّ المصلحة تختلِف باختلاف الأحوالِ والأشخاص. والكفّارة في هذه المواضع مقدارٌ محدودٌ، لا يخلِف بزيادةٍ ولا نقصٍ. فنحن لا نَعلم أنّ إِيجابها في هذه المسائل مصلحةٌ أم لا؛ لجواز اختلاف المصلحة، بما ذكَرنا وبَيّنّا أنّ هذه المصلحة لا يكفي في وجودها الظنُّ، ولنسا بها قاطعين.
[الكلام على قاعدته في الكفّارات والمقدّرات]
قلتُ: الكلام على ما قَرَّرَه. وحاصِلُه أنّ المشروع لابدّ فيه من مصلحةٍ، وأنّ مصلحةَ الواجبِ زيادةٌ على مصلحة الندبِ؛ وأنّه لابدّ من القطع بوجودها، ولا يكفي فيه الظنُّ. وهو منازَعٌ في الجميع. أمّا أنّ المشروع لابدّ فيه من مصلحةٍ، فقد بيّنّا ضعفَه في القاعدة قبلَ هذه. وأمَا أنّ مصلحة الواجب يَلزَم أن تكون زائدةً على مصلحة الندب،
стр. 73
فممنوعٌ أيضًا؛ لأنّا إِذا نازعناه في أصل وجوبِ ثبوتِ المصلحة، فالنزاع في مقدارها أَولى.
ثمّ نقول: لِم لا يجوز أن يَتَعبّد سبحانه خلقَه بالأفعال المختلِفة لمصالح متساويةٍ؟ إِن مَنعتَه عقلًا، فقد سَبَق الكلامُ في قاعدة التحسين والتقبيح. وإِن مَنعتَه شرعًا، فأين دليله في الشرع؟ وظواهر السنّة الصحيحة المستفيضة، بل نصوصها، تدلُ على صحّة ذلك ووقوعه. كقولِه ﵇: "مَن فطر صائمًا، فله أجرُ صائمٍ؛ ومن جهّز غازيًا، أو خَلَفَه في أهله بخيرٍ، فقد غزا"؛ وقوله: "مَن سأل اللهَ الشهادةَ خالصًا من قلبه بَلَّغه اللهُ مراتب الشهداء، وإِن مات على فراشه". وقوله في غَزَاة تبوك: "إنّ بالمدينة ناسًا، ما هَبَطتم واديًا، ولا قَطَعتم منزلًا، إِلاّ كانوا معكم"؛ قالوا: "وهٌم بالمدينة؟ " قال: "وهُم بالمدينة؛ حَبسهم العذرُ، يعني بنيَّاتهم. وهذه مصالح متساويةٌ في ظاهر الأمر، مع تفاوت الأعمالِ؛ إِذ بين الصائم والمفطرِ، وبين الغازي والمجَهِّز، وبين النيّة والفِعل في لُحوقِ مَشاقّ العبادات، بونٌ بعيدٌ.
وأمّا أنّ المصلحة لابدّ من القطعِ بوجودها في الفعل، فضعيفٌ أيضًا. لأنّه لو لَزِم القطعُ بوجودها، للزم القطعُ بتعيينها، لكنّا نقول: تعيينُ المصلحةِ أولى بأن يُعتبَر القطعُ فيه من وجودها؛ لأنّه أهمّ وافيد وأشرح لصدر المكلَّف، لِما فيه من معرفةِ خصوصيّةِ العلّةِ. بخلاف الاكتفاءِ بمجرَّد الوجود؛ فإِنّ المصلحة قد تكون مجمَلَةً. فإذا لم يُعتبر القطعُ بتعيينها الأهمَّ، فأن لا يُعتَبر القطعُ بوجودِها أولى.
[الكلام على فروع قاعدته في الكفّارات والمقدّرات]
وإِذ بَطَلَت مقدّماتُ قاعدتِه، بطلَت دعواه في فروعها الثلاثة. ولنا في كلّ واحدةٍ منها قولان. والمختار فيهنّ وجوبُ الكفّارةِ؛ وهو الصحيح في المذهبِ، إِلاّ في يمين
стр. 74
الغموس؛ لأنّا بَيّنّا في القواعد أنّ الكفّارةَ متردِّدةٌ بين معنى العقوبة ومعنى الجُبران، وأنّ معنى العقوبة فيها أظهرُ؛ لقوله سبحانه، في كفّارة الصيد: ﴿ليذوث وبال أمره﴾؛ يعني القاتلَ عُوقِب بالغرم في ماله أو بُنيَته، لكونه أَتلَف مالًا لله، هو ممنوعٌ منه، بإِتلاف بدنِ الصيدِ. وأيضًا، فإِنّ الفقهاء قالوا: "التعزيز مشروعٌ في كلّ معصيةٍ لا حدّ فيها ولا كفّارةٌ، لئلاّ يخلو الفعلُ من عقوبةٍ". فدلّ على أنّ الكفّارة عقوبةٌ، كالحدّ والتعزيز.
ولا يَرِدُ على كون الكفّارةِ عقوبةً إِلاّ كفّارة قتلِ الخطأِ؛ إِذ لا إِثم يُعاقَب بها عليه ونحن نقول: إِنها عقوبةٌ على تفريطِه؛ إِذ لم يَثبَّت ليَظهَر له وَجهُ الخطأ، فيَجتَنِب أسبابَه. فإِنّ من رأى حيوانًا في ليلٍ، أو في حَمَرٍ، يمكنه أن يَتأنّى ليُحقِّق هو إِنسانٌ أو لا. فإِذا لم يُحقَّق ذلك، بل بادر ورَمَى، فقتَله، فإذا هو إِنسانٌ، ناسَبَ عقلًا وشرعًا أن يَتعلَّق بِفعله العقوبةُ على استعجالِه. وعلى هذا، فقِس في صُوَر الخطأ.
أو نقول: إِنّ كفّارة الخطأ تَثُبت من قبيل ربطِ الُحكمِ بالسبب؛ بثَنيها على عِظَمِ القتلِ والتغليط في أمرِه. وربطُ الأحكامِ بالأسباب على خلاف الأصل؛ لمَا قَرَّرناه في القواعد.
إِذا ثَبَتَ أنّ الراجح في الكفّارة معنى العقوبة، فلا شكّ في مناسَبةِ هذه الأفعال الثلاثة للعقوبة.
أمّا القتل عَمدًا، فظاهرٌ. ولهذا أُوجِبت العقوبةُ في النفس بالقَوَدِ، وفي المال بالديَة، لحقٍّ الآدمي. فكذلك، فالمالُ بالكفّارةِ، لحقِّ اللهِ سبحانه؛ إِذ قد بَيّنّا أنّ الحقّ في النفس مشترَكٌ لله سبحانه، وللعبج بالعَرض؛ وإِن كان في الأصل حقًّا لله لا غير، بمقتضى المالكيّة الثابتة بالخالقيّة؛ إِذ الأصل أنْ كلّ مَن خَلَق شيئًا وأَوجَده، مَلَكَه. ولا خالق للموجودات إِلاّ الله؛ فلا مالك لها إِلاّ هو سبحانه.
وأمّا يمين الغموس، وهي أن يحلِف كاذبًا عالمًا بكذبه، فلأنّه اجتَرَأن على الله وانتهك حُرمةً اسمِه العظيم. وفي ذلك نوعُ استخفافٍ واستهانةٍ. فالعقوبة فيه أنسبُ منها في
стр. 75
قتل النفس؛ لأنّه اجتِراءٌ على مُلكِ الله، وهذا اجتِراءٌ على عَظَمة اللهِ. ونحن نَرى أنّ المَلك، أو ذا القَدرِ والمنصبِ من المخلوقين، قد يعفو عن مِلسِ الأرضِ ذهبًا وعبيدًا وخيلًا وغير ذلك، ولا يُسامِح بكلمةٍ تَغُضُّ من قَدرِه ومنصبه. ولو لم تَغُضّ منه أيضًا، لم يُسامِح بها، لاقتضاء أنَفَة المنصبِ ذلك. فالله سبحانه أولى بهذه الغِيرة على عظمته. ولولا أنّ الله تعالى حليمٌ، لَمَا قَنعَ مِن صاحب يمين الغموس بكفّارةٍ، هي قَدرٌ نزِرٌ في نفسها وفي العقوبة بها. بل لو أهلَك الوجودَ جميعه بمثلِ ذلك، لكان قليلًا في جنبِ عظمته. لكنّه سبحانه يقول: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة﴾، إِلى قوله في آية أخرى: ﴿إنه كان حليما غفورا﴾. لكنّه أعدّ للحانث في الآخرة ما دَلَّ عليه قولُه تعالى، ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾، الآية، وما وَرَد في السنّة من الوعيد.
فأمّا قول الفقهاء، "لا يجب، لأنّ الذي أتى أعظم مِن أن يكون فيه كفّارةٌ" فهو بناءٌ منهم على أنّ الكفّارة تكفر الإِثمَ، أي تغطيه أو تزيله. فإِثم الغموس ونحوها لا يكفّر بشيءٍ. وهو غير مسَلَّمٍ. بل إِنما هي عقوبةٌ؛ والعقوبات شُرِعَت زواجرَ. وأوَلى ما زُجِر عنه حُرمةُ اللهِ سلحنه أن تُنتهَك في مُلكِه وعظمتِه.
ثمّ هذا القاتل والحانث، إِذا صارا إِلى الله، إِمّا أن تَتقدّم لهما توبةٌ؛ فقبولها واجبٌ عند المتعزلة، مِرجُو عندنا من كَرَمِ اللهِ؛ فيَسلَمان. أو لا تَتقدّم لهما توبةٌ؛ فقبولها واجبٌ عند المعتزلة، مَرجُو عندنا من كَرَمِ اللهِ؛ فِيسلَمان. أو لا تتقدّم لهما توبةٌ. فإِمّا أن يُخلَّدا في النار، كما تقوله المعتزلة؛ أو لا يخلّدا. فإِن خُلِّدا، فقد أَشبَها الكفّارَ، وسَقَطَت حرمتُهما. فإِيجاب الكفّارة عليهما في دار التكليف، مع مصيسرهما إِلى الخلود في النار، لا محذور فيه، لسقوط حُرمتِهما المبيَّن في المالِ. وإِن لم يخلَّدا، فعذابهما على القتلِ والحنثِ مُتَنَاهٍ. فلتكن الكفّارةُ الآن من جملة ذلك المتناهى تحصيلًا لفائدة ردعِه، بتعجيل بعض العقاب له، وزجرِ غيره. والله سبحانه لا يَظلمه. فهو يخفِّف عنه من عذاب الآخرة بقدرِ ما أُخِذ منه في الدنيا.
стр. 76
وأمّا المنفرد برؤية هلال رمضان، إِذا لم يَثبُت الصوم العامّ برؤيته، وفَعَلَ في ذلك اليوم ما يقتضى وجوبَ الكفّارة في غيره، فالعقوبة له مناسبةٌ؛ لأنّه انتَهك حُرمةَ اللهِ بمخالفته أمرَه قطعَا؛ إذ لا أعلى من مدرَك البصرِ؛ وقد شاهد الهلالَ؛ فثّبَتَ في حقّه قطعًا. والحنفيّة يقولون: "إِنما ثبت الشهرُ من وجهٍ؛ يعني بالنسبة إِليه دون غيره. فكان ذلك ثبوتًا ناقصًا. فكان شبهةً في درء الكفّارة لأنها حدُّ؛ والحدود تُدرأُ بالشبهات". وهذه قاعدةٌ عامّةٌ لهم في الأحكام؛ أعني تأثيرَ الوجودِ من وجهٍ دون وجهٍ في ضعفِ الموجود. وهي ها هنا تخيُّلٌ لا حقيقة له؛ لأنّ الشهر، كما ثبت بالنسبة إِليه، فكذلك وجوب الكفّارة إِنما هو عليه مختصّ به، لم يوجد على غيره بقوله سببًا.
ثّم نقول: منعُكم لوجوبِ الكفّارة عليه، إِمّا في الباطن، أعني فيما بنيه وبين الله تعالى؛ أو في ظاهرِ الحُكمِ، لوقوع الشبهةِ وكونه مظنّةً لغلظه. والأوّل لا سبيل إِليه؛ لأنّه متى ثبت في نفس الأمرِ أنّه وَطَأ في نهار رمضان، تعلَّق به مُقتضى الوطءِ باطنًا. وإِلاّ لزِم انقلابُ حقائقِ أحكام الشريعة؛ لأنّ الشبهات إِنما تُؤثِّر في ظواهر الأحكام؛ أمّا في الحقائق الثابتة عند الله سبحانه، فلا.
وأمّا الثاني، فلنفرِض الكلامَ فيمن أخَبر أنّه رأى الهلالَ، ولم يَتشكّك فيه، وأنّه وَطَأ في ذلك اليوم. فإِن أَلزَمتموه الكفّارةَ، حصل الوفاقُ. وغيره مِثله؛ لأنّا إِنما نوجبها على مِن ثبت عليه ذلك قطعًا. وإِن لم تُلزِموه الكفّارةَ، فالدليل عليه أنّه أقرّ بحقّ آدميِّ، أو مساوٍ لحقّ الآدميّ. وكل مّن أقرَ من أقَر بذلك، لَزِمه مقتضى إِقرارِه. أمّا أنّه أقّر بحقّ آدمي، فلأنّ مصرفَ الكفّارات الفقراءُ. ولأجلهم أَوجَبها اللهُ بأسبابها، كما أَوجَب الزكاةَ.
فإِن قيل: "هو حقّ آدميِّ ناقصٌ؛ لأنّه ليس مستقلًّا بالاستحقاق؛ فلا يصحّ قياسُه على الحقّ الكامل". قلنا: فهو إِمّا حقّ الله، أو حقّ الآدميّ، أو حقّهما؛ لأنّه من أحدهما. فإِن كان حقَّ الآدميِّ، فقد ثبت المطلوبُ. وإِن كان حقَّ اللهِ، فهو مساوٍ لحقّ الآدميّ في التأكّد، بل آكَدُ. بدليل قوله ﵇، "فدِين اللهِ أحقّ بالقضاء". وحُكم المتساويين مساوٍ. وإِن كان حقّهما جميعًا، فحقّ اثنين آكَدُ من حقّ واحدٍ. على
стр. 77
أنّ الحقّ في نفس الأمرِ لله، زجرًا عن انتهاك محارمِه، أو جبرًا لما قهر من عباداته، أو استصلاحًا لعباده. وإِنما الفقراء مصرفٌ له.
وأمّا أنّ كلّ مّن أقّر بحق، لَزِمَه مقتضى إِقراره، فللإجماع على ذلك من الأقارير بالأموال والحدود والأنساب وغيرها من الأحكام.
فثبت بما ذكرنا أنّ ما ذَكَرَه من قاعدة المقدَّررات واهيةٌ، وأنّ الكفّارة في المسائل الثلاث التي ذكرناه ثابتةٌ، وأنَه إِنما أُتِى من النزوع إِلى التحسين والتقبيح، وقد صرَّح بلفظه فيها، حيث قال: "كلّ ما حَكَمَ بوجوبه الشرعُ، لابدّ وأن يُحكَمَ بوجود المصلحة فيه قطعًا. ولا يجوز إِيجابُه مع تَوهُّم انعدامِه. لأنّ في ذلك إيجابَ ما يُتوهَّم فيه المضرّةُ والمفسدة؛ والاحترازُ عن الضرر الموهوم واجبٌ؛ وإِيجاب ذلك قبيحٌ". هذه عبارته. والله أعلم.
ومنها قاعدته في الأنكحة
وحاصل ما قرّرها به أنّ النكاح تَضمَّن، أو استَلزَم، معنًى تجِب إِقامتُه. لأنّه ثبت مع وجودِ المنافي. فلو لم يتضمّن ذلك المعنى، لم يجب مع وجود المنافي.
أمّا أنّه ثبت مع وجود المنافي، فلأنّ النكاح رِقُّ ومُلكٌ؛ لقوله ﵇، "النكاحُ رقُّ". ولئن نوقِشنا في عبارة "الملك والرقّ"، قلنا: هو إِثبات ولايةٍ على المرأة، واختصاصٌ بها، تُنافيه حرّيّتُها؛ لأنّ الحرّيّة تُنبِئ عن الخلوص لفظَا؛ وهي كذلك عقلًا وشرعًا، مِن حيث إنّ الله سبحانه خَلَقَ لإِقامة عباداته وتوحيده. ولن يتمكّن الإِنسان من ذلك إِلاّ إِذا اختصّ بنفسه، وانتفى عنه اختصاصُ الغيرِ به، ولأنّ الإِنسانيّة بأصلخا تقتضي الكرامةَ والاستقلالَ، فثُبوت الرقّ والملكِ والاختصاصِ يُنافي ذلك.
وأمّا أنّ ثبوته مع المنافى يقتضي أنّه تضَّمنَ، أو استَلزَم، معنًى تجب إِقامتُه، فلأنّه لو لم يكن كذلك، لَما كان إطلاقُه أولى من حظرِه.
قلتُ: هكذا قال في تقرير هذه المقدّمة. ولها تقريرٌ أقوى وأوضح من هذا. وهو أنّ الشيء مع منافيه لا يجتمعان عقلًا؛ وكذلك لا يجتمعان شرعًا، إِلاّ لمصلحةٍ راجحةٍ على مصلحة الندب، كما سبق تقريره له؛ وليس إِلاّ الواجب.
стр. 78
قال: "وأمّا المعنى الذي اشتَمَل عليه النكاحُ، [و] تجبُ إِقامتُه، فيكفينا إِثباتُه مجمَلًا؛ إِذ قد دلَّ عليه الدليلُ؛ لأنّ الشيء يُعرَف بذاته تارةً، وبدليله ولازِمه أُخرى. وإِن بيّنّاه، قلنا: ذلك المعنى هو التوالد والتناسل والسكن والازدواج والتوسّل به إِلى استدامة إِقامة التوحيد، باستبقاء النفس، بصيانتها عن الزنا وأسبابِ الهلاك، كما سبق. وذلك لأنّ الإبضاع لا يُباح بمطلق الإِباحة؛ فلابدّ من ضربِ حدِّ واختصاصٍ، يمنَع الغيرَ عن مشاركة الرجل في مائة؛ ليثق بأنّ الولدَ منه؛ فيقوم بتربيته والإِرضاع.
و[إِلاّ] اختّلّ أمرُ التناسلِ. ولو لم يكن له على المرأة ولايةٌ، تمنعها من الخروج والتبدُّ عليه، وتُلزِمُها المطاوَعةَ على الاستمتاع بها، لّما حصل السكنُ والازدواج".
ثمّ قال: "فإن قيل: "الإِنسان لا يأثم بترك النكاح؛ وذلك يَنقُض الوجوبَ"، قلنا: إِنما لا يأثم بالتركِ في كلّ زمانٍ؛ لأنّه واجبٌ موسًّعٌ، أو على الكفاية. على أنّ بعضهم قال: "لو تَرك النكاحَ جميع عمره، ومات من غير نكاحٍ، عوقب عليه في الآخرة".
هذا حاصل ما قَرّر به هذه القاعدةَ.
[فروع قاعدته في الأنكحة]
ثمّ بنى عليها فروعًا.
[الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلّي للنوافل]
منها أنّ الاشتغال بالنكاح أفضل من التخلّي لنوافل العبادة؛ لتضمُّنِه معنًى تجِب إِقامته، بخلاف النوافلِ. قلتُ: وهذا مذهبُ أحمد، خلافًا للشافعيّ.
[إِجبار لمولى عبده على النكاح]
ومنها أنّ المولى يملِك إِجبارَ عبدِه على النكاح، استبقاءً لمالِه، وهو العبد، وصيانةً له.
[إرسال الطلقات الثلاث جملةً]
ومنها إرسال الطلقات الثلاث جملةً حرامٌ وبدعةٌ؛ لأنّ ذلك قطعٌ للمصلحة التي تجب إِقامتها بالكلّيّة، احترازًا عن تفريقها، فإِنّه جائزٌ.
стр. 79
[فسخُ النكاحِ بالعيب]
ومنها أنّ النكاح لا يُفسَخ بالعيب. لأنّه ثَبَتَ مع وجود المنافي ضرورة إِقامة للمعنى الواجبِ. وما ثبت للضرورة تقدَّرَ بقدْرِها في خصوصيّة المعنى المقتضى له؛ فلا يَظهر أثرُه في غيره. وما يتضمّنه الفسخ، من زوال الضرر وإِقامة العدل، قد جُعِل له طريقٌ يَحصُل به، وهو الطلاق.
[الكلام على قاعدته في الأنكحة]
قلتُ: هذه القاعدة ليس نزوعهُا إِلى التصرُّف العقليّ كغيرها. لكنّه يُناقَش فيها تَفقُّهَا؛ فيقال: المعنى الذي ذكرتَ أنّ النكاح تضمَّنه، يجب عقلًا، أو طبعًا، أو شرعًا؟ إِن قلتَ: "عقلًا"، فقد أبطلنا قاعدةَ ذلك. وإِن قلتَ: "طبعًا"، فالطبيعيّات لا مدخَل لها في الشرعيّات. ولهذا، لم يُقدِّر بعض بعضُ العلماء المدّة التي يَلزمُ الزوج وطء الزوجةِ فيها اجتزاءً بداعي الطبع. وإِن قلتَ "شرعًا"، فأين دليله؟ وقوله ﵇: " تناكحوا، تناسلوا؛ ومَن رغب عن سنّتي، فليس منّي"، ونحوه، قد حُمِل على الندب، لا الوجوب.
بدليل قولِه: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾؛ ولو وَجَب، لما عُلِّق باستطابتهم له؛ وقوله تعالى: ﴿وأن تصبروا خير لكم﴾. وأيضًا، فإننّ العلماء قالوا: "الاقتصار على واحدةٍ أفضل". ولو كان واجبًا، لكان الإِكثارُ منه أفضل، ولوجبَت الأربعُ؛ لأنها غاية الواجب، كالصلاة الرباعيّة. وإِذا لم يجب النكاحُ، لم يجب المعنى الذي تضمَّنه؛ لأنّ ما لا يتمّ الواجبُ إِلاّ به واجبٌ. فإِذا لم يجب ما لا يتمّ غيرُه إِلاّ غيرُه إِلاّ به، عُلِم أنّ ذلك الغير ليس بواجبٍ.
وأمّا قوله، "ثبت النكاحُ مع وجود المنافي"، فله اتَجاهٌ. لكن لو عَكَس عاكسٌ، وقال: إِنما ثّبتَ مع وجود الملائم المناسب، وذلك لأنّ الله سبحانه خَلَق الزوجين الذَّكر والأُنثى على تفاوتٍ في الدين والعقل، كما صحّ به نقلُ الشرعِ، أنّ النساء ناقصاتُ عقلٍ ودينٍ؛ ولذلك كان شهادةُ امرأتين وإرثهما بشهادةِ رجلٍ وإرثِه. والدِّين والعقل
стр. 80
هما اللذان يحمِلان على صيانة النفوس عن الشهوات وملابسة المحظورات؛ وذلك أجدر أن يُبقِى النفسَ لإقمة التوحيد. وذلك لما سبق من أنّ العقل مشتقٌ من عقال البعير المانع له من النُدود والشرود عن مالكه. و "الدين" مشتقٌ من "دان يدين"، إِذا خَضع وذلَّ. ومنه "الدَّين"؛ لأنّ المديون يذِلّ لصاحبه. فالإنِسان يمتنعِ عمّا لا يحلّ بمقتضى العقلِ طاعةً لربّه بمقتضى الديِن. والمرأة لَمَّا نَقصَ حظُّها من هذين المعنيين الشريفين، ناسَبَ أن تثبت عليها ولايةُ الزوجِ، لمصلحته باستمتاعه بها، ولمصلحتها بحبسها عن الشرود والتسارع إِلى ما لا ينبغي.
ولهذا رأَينا النسوان في زمننا هذا قد استخرَجن بمكرِهنّ طريقةً يَتوصّلُ بها أكثرُهن إِلى الشرود عن قيدِ الأزواجِ. فإِذا أرادت المرأةُ تخرُج لقضاء وطرٍ ما إِلى بعض المواسم والفُرَج، كالقرافة بالقاهرة، وموسى والجواد ببغداد، وكان زوجُها فقيرًا [لا] يُطمَع في جانِنه، ادَّعَت عليه عند القاضي بكسوةٍ ونفقةٍ ماضيةٍ، وجَعَلَت دعواها عند من يَقبل قولَها، مع تمنِّيها في عدم الإنفاق عليها، استصحابًا للحال، وتمسّكًا بالأصل دونَ الظاهر، كالحنبليّ. فتحبسه على ذلك. ثمّ تذهب حيث شاءت. فإِذا عادت، أخرجَته. فإِذا كان هذا فعلُنّ مع رابطة الزوجيّة، فما الظنُّ لو خَلَون عنها! وحينئذٍ، لم يَثبُت النكاحُ إِلاّ مع الملائم المناسِب، بمقتضى الحكمة الشرعيّة.
وأمّا حديث "النحاك رقٌ"، فلا يثبت عند أهل النقل. وأمّا عدوله عن لفظ "الرق" إِلى "الاختصاص"، فغير مجدٍ؛ لأنّا بيّنّا أنهما جميعًا ما ثبتا. إِلاّ مع الملائم المناسِب.
وأمّا قوله: "إِن شَرَفَ الحرّيّة وخَلَقَ الآدمىِّ لإِقامة العبادات يقتضي الاستقلالَ وعدمَ الاعتراض". قلنا: هي مستقلةٌ بنفسها فيما يتعلَّق بإِقامة العبادات، لا اعتراض عليها في ذلك. ولهذا قلنا: إِنّ له الاستمتاع بها ما لم يَضربها، أو يَشغلها عن واجبٍ. فليس له اعتراضٌ عليها في صلاة الخَمس، وصوم الشهرِ، وحجّ الفرضِ، إِذا وُجِدَت شروطُه. وأمّا ولايته عليها فيما عدا ذلك، فهو بمقتضى عقدِ النكاح الواجب الوفاءُ به، بموجب
стр. 81
قوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾. وذلك لا يَغُضّ من منصب الإِنسانيّة، ولا الحرّيّة. كما أنها هي تتسلط عليه بحكم العقدِ؛ فتحبسه على مهرها ومؤونتها، ويمتنِع عن التزوُّج والتسرّي عليها، وإِخراجِها من دارها او بلدها بشرطها؛ عملًا بقوله ﵇: "المؤمنون على شروطِهم"، ونحوه. وليس ذلك قادحًا في شرفِ حرّيّته، ولا إِنسانيّته.
وأمّا قوله: "لو لم يتضمّن النكاحُ معنًى تجب إِقامتُه، لما كان إِطلاقه أولى من حظرِه"، فليس بلازمٍ؛ لجواز ترجُّحِ إِطلاقه تَجُّح ندبٍ واستحبابٍ، لا ترجُّحَ عزمٍ وإِيجابٍ.
وأمّا قوله: "إِنّ المعنى الذي تجب إِقامتُه عو التوالد والتناسل"، فهو ضعيفٌ؛ لأنّ ذلك لو وَجَب شرعًا، لوجبَت نيّتُه عند عقدِ النكاحِ، أو عندَ الوطءِ. ولا نعلم خلافًا بين المسلمين في أنّ للرجل أن يتزوّج ويطأَ، وإِن لم يخطُر بباله الولدُ. بل أبلغ من هذا أنّ النصوصَ صحَّت بجواز العزلِ لمنع الوالدِ؛ وأجاز العلماءُ شُربَ دواءٍ لقطع الحيضِ، مع إِفضائه إِلى منعِ الحمل. وإِنما الله سبحانه أجرى العادةَ، بأنّ هذا النوع الإِنسانيّ متّصل الوجودِ إِلى اليوم الموعود، بحُكمِ الدواعي الطبيعيّة الحيوانيّة، كسائر أنواع الحيوان من البهائم والطير والحشرات.
وأما الازدواج والسكن، فهو أيضًا حاصلٌ بفضل إِلهي. ولهذا امتنّ به عليهم، فقال: ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾، ونحوه. وذلك لِمَا يحصُل لكلِّ من الزوجين من اللذّة بالآخر. حتى لو أراد أحدُهما أن لا يحب صاحبَه، لغلبه قلبُه، ولم تطاوِعه نفسُه. فانجذاب قلبِ كلِّ منهما إِلى الآخر كانجذاب الحديد إِلى المغناطيس. وليس ذلك بكسب الإنسانِ، حتى يكون من معاني النكاح الواجبة. وإمّا استيفاء النفس، بصيانتها عن الهلاك، لاستدامة التوحيد، فدعواه من أضعف ما يكون. وقد تقرّر ضعفُها في نظير ذلك في الصوم. وذلك لأنّ الشهوات دائمةٌ ملازمةٌ؛ فلو كان المقتضي للوجوب ما ذكر، لوَجَبَ استدامةُ النكاحِ ما دامت الشهواتُ
стр. 82
المحذورُ منها الهلاكُ. وهو قد صرَّح بأنّه واجبٌ موسِّعٌ، لا يجب إِلاّ في آخر العمرِ، أو فرضُ كفايةٍ، يسقط عن البعض بفعلِ البعض. وقال الفقهاءُ الذين أوجَبوا النكاحَ: "يخرج عن عُهدة الواجب بالوطء في مكاحٍ مرّةً واحدةً".
قلتُ: فيظهر لي، والله أعلم، أنّ حكمة النكاحِ هو ارتداعُ المكلَّفِ بعدَه عن الزنا؛ لأنّه بالنكاح مرّةً يصير محصنًا. وقد عُلِم أنّ حُكمَ الشريعةِ في المحصَن؛ إِذا زنى، الرجمُ. فإذا زنى بعدَ الإِحصانِ، فهو يَتوقع أن تَقُومَ عليه البيّنةُ؛ أو يُحدِث اللهُ فيه داعيَ الاعترافِ، كما اعتَرف ما عزٌ والغامديّة، فرُجِما؛ أو يبقى غير نفسِ الأمرِ مباحَ الدمِ، غير محرَّمٍ شرعًا، بحيث لو قتَله قاتلٌ، لم يَستحق في الآخرة عن دمِه عِوَضًا. وهذه محذوراتٌ يأباها العاقلٌ يأباها العاقلُ المؤمِن لنفسه؛ فتكون رادعًا له.
وأمّا قوله، "ولو لم يختصَ الإِنسانُ بزوجتِه، لم يَثِق بأنّ الولد له؛ فيتقاعد عن تربيِته؛ فيضيع"؛ فهذا قد عَلَّل به العلماءُ. وعليه إِشكالٌ؛ وهو أنهم في الجاهليّة كان لهم نكاحُ الراياتِ. يَدخُل الجماعةُ على المرأة؛ كلَ منهم يَركز رايتَه على الباب. حتى إِذا فرغ، خرَج، ودَخَل غيرُه كذلك. ثمّ، إِن اختلّ له حُكمٌ. فنقول: لو قَدَّرا أنّ الشرع قرّر ذلك، لجاز قطعًا، مع عدم الاختصاص المذكور. وقد استقصيتُ بالجواب عنه هذا في الفوائد.
هذا هو الكلارم على مقدّمات القاعدةِ. فلنتكلم على الفروع.
[الكلام على فروع قاعدته في الأنكحة]
أمّا كون التشاغل بالنكاح، فيحصل من الفاعل بنوافل العبادات، فقد خالف فيه الشافعيُّ بناءً على أنّ الله تعالى مَدَحَ يحيى بن زكريّا بأنّه حصورٌ لا يأتي النساءَ. وما كان صفةَ مدحٍ، لا يكون ضدُّه أفضلَ. ولأنّ ذلك حظٌ محضٌ للنفس؛ والله تعالى إِنما
стр. 83
تعبّد خلقَه بتركِ حظوظِ أنفسهم؛ فيكون تركُه هو العبادة. وهذا أقوى من حيث النظر.
أمّا قصة يحيى، فالاستدلال بها مبنيٌ على الاحتجاج بشرعِ مَنْ قبلَنا. على أنّ الخصم يَدَّعي نَسخَه بنصوص السّنة في اقتضاء النكاح؛ فلا يبقى حجّةً، باتّفاقٍ.
ومأخذ المسألة، فيما ذكره الزَنجانىّ، أنّ النهي عن الفعلِ، هل هو أمرٌ بأحدِ أضدادِه، أم لا؟ مَن قال بالأوّل، أوجَب النكاحَ؛ لأنّه منهىٌ عن الزنا؛ فيكون مأمورًا بضدّه، وهو النكاح. ومن قال بالثاني، فمذهبه ظاهرٌ. وفي الاستدلال بهذا على وجوب النكاح نظرٌ؛ فإنّ بين الزنا والنكاح واسطة؛ وهي ترك الزنا بدون النكاح صبرًا واستعفافًا. وتركُ الشيء ضدٌّه؛ فقد امتَثَل بفعلِ ضدِّ المنهيِّ عنه. ولا يلزم منه وجوبُ النكاحِ.
والتحقيق أنّه إِذا خاف الزنا بترك النكاحِ، وَجَب؛ لأنّ ترك الزنا واجبٌ؛ وما لا يتمّ الواجبُ إِلاّ به، فهو واجبٌ. فوجوبه مبني على هذا الأصل. ولَمَّا عارَضَه خظُّ النفسِ، قال الخصمُ: "يُباح له أن يأمَن غائلةَ الزنا بالنكاح؛ أمّا الوجوب، فيحتاج إِلى دليلٍ. وإِنما يَتَمَحّض ما لا يتمّ الواجبُ إِلاّ به موجَبًا فيما إِذا خلا عن معارِضٍ؛ كمسحِ جزءٍ من الرأس، وإِمساك جزءٍ من الليل، واجتناب المباحِ المشتبه خشيةَ إِصابةِ المحظورِ.
وأمّا إِجبار السيدِ عبدَه على النكاح، فهو عندنا مختص بالصغير. أمّا الكبير، فلأنّه إِن وَجَب عليه النكاحُ لِحَق الشرعِ، فالشرعُ هو المجبِر، لا السيّد. وإِن لم يجب، فمصلحة النكاح مختصّةٌ بالعبد؛ ولا ولاية عليه في ذلك، كما لو تَرَكَ من الطعام والشراب ما لا يضرُّ بماليةِ السيّدِ من بدنِه، فليس له إِجباره على أكلِ اللحم السمين والحلوى الطيّبة. والكلام فيما إِذا لم يجب عليه النكاحُ بخوفِ الزنا، فلا يَرِدُ ما ذَكَره من أنّ لبه استبقاء نفسه بصيانته.
وأمّا إِرسال الطلقاتِ الثلاث، فلم يكن محرَّمًا؛ لقطعها المعنى الذي تجب إِقامته بالنكاح، متضمِّنٌ لمصالح بالجملة، سواءً كانت واجبةً أو لا. والله تعالى ناظرٌ لعباده، ومؤدبٌ لهم، ومرشِدٌ إِلى المصالح. فولاية النكاحِ إِذا ثبتت على المحلّ، كانت تلك المصالح مستمرّةً. واستيفاء الطلاقِ يُزيلها بالكلّيّة، بحيث يبعُد استدراكُها بعدَ زوجٍ
стр. 84
ثانٍ. ومصلحة الطلاق إِن عَرَضَت، حصلت بالطلقة الواحدة؛ لإفضائها إِلى البينونة بانقضاء العدّة واستباحة المرأةِ الزوجَ فإن احتيج إِلى استيفاءِ الثلاث، فليكن بالتدريج، في كل طُهرٍ طلقةٌ. كلُّ ذلك مراعاةٌ لمصلحتهما، خشيةَ أن يبدو له في إِمساكها. فإذا استبقى من الولاية عليها طرفًا، أمكنه ذلك. وربما كان بينهما ولدٌ، فاستدرَك تربيته. وربما تأدبت هي بالطلقة، أو هو؛ فانتَظم حالهما بعد المراجَعة. وإِذا لم يُبقِ من الولاية شيئًا، فات ذلك عليه، فتضرَّرَ. وقد بيّنّا أنّ الحقّ في النفوس لله. فله الحجرُ عليها، ودفعُ الضررِ التكليفيّ عنها. فهذا منزعٌ جيّدٌ.
وأمّا منعُه فسخَ النكاحِ بالعيب، فقد أبطلنا أصلَه الذي بناه عليه؛ وهو ثبوت النكاح مع المنافي. ومقتضى العدلِ الشرعي جوازُ الفسخِ بالعيب المُخلِّ بمقصود النكاح لكل من الزوجين؛ لأنّ النكاحُ في الحقيقةِ عقدُ معاوَضَةٍ؛ فجاز فسخُه بالعيبِ؛ كالبيع والإجارة. وما اختصّ به النكاحُ من سائر خَواصِّه لا يَقدح في هذا القياس؛ لأنّ تلك ثبتت لمقتضياتٍ أخرِ. ولأنّه قد جعل من جملة المعنى الذي تجب إِقامتُه بالنكاحِ التوالد والتناسل والسكن والازدواج؛ والعيبُ مخِلٌّ به لخصوص النفرِة.
وأمّا الطلاق، فهو، وإِن كان طريقًا إِلى التخلُّص، إِلاّ إِنّ فيه ضررًا على الزوج، لا يقتضيه دليلٌ. وهو إِلزامُه المهرَ، وإِسقاطُ ولايته عن المحلِّ، بحيث لا يمكنه استداركُها إِلاّ بعد زوجٍ أو عقدٍ. بخلاف الفسخِ؛ فإِنّه يرجع به عندنا على مَن غَرَّرَه مِن زوجةٍ، أو وليّ؛ وتبقى ولايتُه للفائدة المذكورة. ولأنّ الأحكام الشرعيّة كالأبدان الطبيعيّة، كلّما عَرَضَ لها عارِضٌ، اقتضى علاجًا خاصًّا. والعيب في النكاح عارِضٌ لحكمِه؛ فيقتضي علاجًا خاصًّا، غير المعهود بغيره. وليس إِلاّ الفسخ. ولا شكّ في اقتضاء العيبِ حُكمًا خاصًّا، ومناسبته للفسخ في حُكم العقلِ وعدلِ الشرعِ.
قوله، "المصلحة مع العيب، إِمّا في بقاء النكاح، فقد أبقيناه؛ أو في قَطعِه، فقد
стр. 85
جَعَلنا له طريقًا، وهو الطلاق". قلنا: ليست القسمة حاصرةً. إِذ لقائلٍ أن يقول: "المصلحةُ في قَطعِه أو رفعِه بسببٍ خاص، وهو الفسخ".
قلتُ: وقد حكة الزنجانيُّ عن الحنفيّة أن مَورِد عقدِ النكاح عندهم هو الرقية، لا المنفعة، استدلالًا بقوله ﵇: "النكاح رقٌّ". إِلاّ أنّه لا يُنتج البيعَ. فإِن ثبت هذا عنهم، جاز أن يَرجِع مأخذُ المسألةِ إِلى أنّ المعقود عليه الرقيَّة، أو منافع البضع؟ فعلى الأوّل، لا يَستحقّ الفسخَ؛ لأنّ الرقّيّة سليمةٌ لا نَقصَ فيها. وعلى الثاني، يَستحقّ؛ لاختلال المنافع بالنفرة الحاصلة عن العيب. والله أعلم.
ومنها قاعدته في الماليّة وأهليّة الأملاك
واضطَرَب كلامُه فيها. وكان حاصلُه أنّ المالك المتصرِّف شرعًا هو المختصّ بحالٍ، لكونه عليها، يتمكَّن من التصرُّف في الأموال بضربٍ من الاختصاص؛ لأنّه محتاجٌ إِلى استبقاءِ نفسهِ، لإقامة رسم التكليف في مُدّته. فلو لم يَثبُت له اختصاصٌ بالأموالأ، لَما كان أولى بها من غيره. والتكليف مشعرٌ بكونه على الحال التي يَتمكَّن بها من الاختصاص بالأموال؛ لأنّ التكليفَ يُشعِر بكونه واجبَ البقاسِ، لإِقامة رسمِه.
ثمّ أُورِدَ عليه سؤالٌ ضعيفٌ. وهو أنّ التكليف إِمّا أن يَدلّ على المالكيّة قبل أوانِ التكليف، أو وقتَ مجيئه؟ والأوّل باطل؛ إِذ لا تكليف قبل أوانه؛ فلا حاجة إِلى الاستبقاء للخروج عن دائرة التكليف. والنفى باطلٌ؛ لأنّ وقت مجيء التكليف يَخرُج عن العهدة بفعل المكلَّف به؛ فلا حاجة إِلى الاستبقاء. فحتاج هو لأجل هذا السؤال إِلى أن قال: "أنا ما جعلتُ ذاتَ التكليفِ دليلَ الماكليّة والاستبقاء، بل قلتُ: إِذا استجمع الإِنسانُ أمورًا يلازمها التكليفُ، يجب عليه الاستبقاءُ؛ لأنّ الإنسان كلّما كَمُل عقلُه، استجمع أمورًا لابدّ أن يُكلَّف معها، إِمّا في الحال، أو في الثاني".
قلتُ: فكلامه بهذا مع ما سبق متهافِتٌ في الظاهر. وإِن أَمكن تصحيحهُ، لكنّ عبارته لم تفِ بمقصوده؛ فأشعَر كلامُه بالاضطراب. والسؤال الذي أَورَدَ عليه فاسدٌ؛ لأنّ التكليف ليس بفعلٍ واحدٍ في حالٍ من التكليف، حتى يَفعله ويَستغنى عن
стр. 86
استبقاء نفسه. بل هي أفعالٌ من أحوالٍ وأنواعٍ في أزمانٍ متطاولةِ، لا يمكن إِقاعُها دفعةً واحدةً. فلا جرم احتاج إِلى استبقاء نفسه وإِلى المالكيّة لأجله.
[فروع قاعدته في الماليّة وأهليّة الأملاك]
ثمّ بَنى على هذه القاعدة مسائلَ.
[تصرفُّ العبدِ المأذون له]
منها أنّ العبد المأذون له في نوعٍ من التصرُّفات يَصير مأذونًا له في الأنواع كلّها؛ لأنّ بالإِذن ارتَفَع الحَجرُ وظَهَرَت مالكيّتُه بمقتضى التكليف. والمانع له إِنما كان تَعَلُّق حقِّ السيّد بخدمته. فاذا أسطقه في نوعٍ أو زمنٍ ما، سقطت في الأزمان كلّها.
[تصرُّف الصبيِّ المأذون له]
ومنها أنّ الصبيّ المأذون له إِذا تصرَّف، نفذ تصرُّفه؛ لأنّه على حالٍ، لكونه عليها يَتمكَّن من الاختصاصِ بالأموال والتصرُّفِ فيها.
قلتُ: تَبيَّن من كلامه هذا، ومما سبق، أنّ مرادَه بأنّ الإِنسان إِذا استجمعَ أمورًا يلازِمهاالتكليفُ، وَجَبَ الاستبقاءُ. لأنّه ما دام يَترقّى إِلى التكليف من حالٍ إِلى حالٍ بالتدريج، فهو متهيٌ للمُلك، ومتوقَّعٌ لوجوب استبقاء نفسه في الثاني؛ لأنّه جَعَل الصبىَ متّصفًا بالحال التي تصحُّ بها المالكيّة. فوجَبَ حملُ كلامِه على ما ذكرنا. لكنّ قصور عبارته عن مُراده أوقَع في كلامه الإِشعارَ بالاضطرابات.
[تجزُّؤ العتقِ]
ومنها أنّ العتق يَتَجزّأ؛ لأنّ المملوكيّة ليست وصفًا قائمًا بالمملوك. بل هو بحقّ الأصل متهيِّئٌ لمُلكِ الأشياء، قابلٌ له، غير قابلٍ لأن يملكه غيرُه. وإِطلاق اسمِ "المملوك" عليه تجوُّز شرعيُّ شرعي، معناه أنّ اختصاص غيره باستعماله والانتفاع به مانعٌ له من التصرُّف في نفسه. ثمّ ذلك المانع قد يَثبُت لشخصٍ واحدِ، وقد يَثبُت لشخصين، فأكثر، يشتركان في الاختصاص باستعماله. فإِذا قُدِّر زوالُ المانع من جهة أحدهما، لسببٍ،
стр. 87
مِن عتقٍ أو غيره، فوقوع ذلك السبب يبقتضى وقوعَ أثره؛ وهو زوال مانع العبد من استعمال مالكيّةٍ في نفسه من تلك الجهة. ولأنّه يقتضي زوالَ المانع من جهة الشريك، إِذ لا مقتضى لذلك عقلًا ولا شرعًا، فتعيَّنَت التجزئةُ.
[الكلام على قاعدته في الماليّة وأهليّة الأملاك]
قلتُ: قد نبّهتُ على اضطراب كلامه في هذه القاعدة من حيث اللفظ، إِن لم يكن من حيث المعنى. وما أَوقَعه في ذلك [إِلاّ] الإِغراق في التناسُبِ العقليّ. وذلك لأنّه رأى المالكيّةَ صفةً شريفةً. والتكليف جاء به كمالٌ؛ فتناسَب إِضافتها إِليه، على ما قرّرَه. والتحقيق في الباب أن يقال: إِنّ الله سبحانه لَمَّا خَلَق العبادَ، لمِا أراد منهم من العبادةِ والتكليفِ، وجعَلهم محتاجين إِلى ما تقوم به أبدانهم، وتبقى به نفوسُهم، خَلَق لهم أشياءً، برسمِ ذلك، متعاًا لهم- كما امتنّ اللهُ سبحانه عليهم بذلك في قوله: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾، ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه﴾ - ثمّ ابتلاءً، بتَمكُّن كلّ منهم من الانتفاعِ بجزسٍ ممَّا خَلَقَ له من المتاع، إِلاّ بضربٍ من الاختصاص. وإِلاّ، كان انتفاعه به بدون غيره ترجيحًا من غير مرجِّحٍ. ورَبَطَ الشرعُ ذلك الاختصاصَ بضفاتٍ شريفةٍ مناسِبةٍ. وهي، بالاستقراسِ، الحياةُ والإِنسانيّةُ والحرّيّةُ، وهي عدم الولاية عليه لغيره، ـ بحيث يختصّ بمنافعه دونه. فالمُلك دائرٌ مع هذه الصفات وجودًا وعدمًا. والحكمة في إِثبات المُلكِ إِقامةُ الأبدان إِلى أوانِ التكليف وانقطاعه. فيشترك في ذلك المكلَّفُ وغيره، وليدًا، أو فطيمًا، أو حملًا؛ لأنهم جميعًا يحتاجون إِلى إقامة أبدانهم. والجماد والميّت لا يَملكان، لانتفاء الحياة التي هي شرطُ الإِنسانيّةِ والاتصافِ بالحريّيّة. فانتفت فيه الصفاتُ الثلاث. والبهيمة لا تَملك، لانتفاء الإِنسانيّةِ. والعبد لا يَملك، لانتفاء الحرّيّة. والتكليف الذي ذَكَرّه إِنما هو شرطُ الاستقلالِ بالتصرُّف، لا لاستحقاق المالكيّة.
بقى الكلام في الجنين قبل أن يُنفَخ فيه الروحُ. فيقال: إِن قلتم: "يملِك"، فالحياة منتفيةٌ فيه؛ وقد شرطتموها للمُلك. وإِن قلتم: "لا يملِك"، فبتقدير أن يموت أبوه قبل
стр. 88
نفخِ الروحِ فيه، يجب انتقالُ التركة بموته إِلى بقيّة الورثة دون الجنين. فكيف وقفتم له الميراثَ وهو بحالٍ لا يملك، ثمّ ورّثتموه بشرط الولادة؟ فالجواب إِنّه يملك. والحياة، وإِن لم تُوجَد فيه حالًا، فهو صائرٌ إِليها بحُكم العادةِ المطّرِدة، أو الغالبة، مالًا؛ فهو حيُّ بالقوّة. فقامت هذه القوّةُ مقامَ الفعل لغلبتها واطّراد العادة بها. بخلاف الميّتِ. فإِنّ العادة لم تطّرد بعَوده حيًّا فهذا كلامٌ واضحٌ في المُلك، لا غبار عليه.
[الكلام على فروع قاعدته في الماليّة وأهليّة الأملاك]
أمّا الفروع التي ذكرها، فالأوّل منها ممنوعٌ، وضعفُه أظهر من أن يُظَهر. فقوله: "بالإِذن ارتفع الحجرُ". قلنا: مطلقًا، أو بالنسبة إِلى ما أُذِن له فيه؟ الأوّل ممنوعٌ؛ ولا دليل عليه. والثاني مسلَّمٌ.
قوله، "إِذا رضي السّيدُ بإِسقاط حقّه من خدمة العبدِ في زمانٍ، سقط في جميع الأزمان"، تحكُّمٌ لا رابط فيه، ولا ضابط يحويه. وإِنما هو كمن يقول: "إِذا جاز أكلُ المَيتةِ في وقتِ الضرورة، جاز في جميع الأوقات. وإِذا فُك بالحجر عن العبد بحضور العدوِّ البلدَ، واحتاج الناسُ إِلى دفعِه، على رأي الشافعيَ، انفكّ عنه في جميع الأوقات". ولو صحَّ ذلك، للَزِم منه بطلانُ جميعِ عمومات الشرعِ؛ لأنها مخصوصةٌ بصورٍ معروفةٍ عند العلماء. وتعلُّقُ حقِّ السيدِ بخدمة العبد في عموم الأوقات كعمومات الشرع المتعلِّقة بأفعال المكلَّفين. فلو استفاد العبدُ، بإِذن السيّدِ له في نوعٍ خاص، رَفعَ الحجرِ عنه في كلّ نوعٍ، لاستفاد المكلَّفون، بتخصيص صورةٍ مِن كلّ عام، تخصيصَ جميعِ صُورِه. وذلك محالٌ. وإِنما عَدلُ الشرعِ والعقلِ أن يختصّ تصرُّفه بما بما أُذِن له فيه دون غيره، كسائر التخصيصات.
وأمّا الصبي، فإِن كان مميِّزًا، ففيه خلافٌ بين العلماء. فإِن أُجيز، فكالعبد؛ يختصّ تصرُّفُه بما أُذِن له فيه. وإِن لم يجز، فالفرق بينه وبين العبد التكليفُ وعدمه. وإِن لم يكن مميِّزًا، لم يجز تصرُّفه؛ مظِنَّة التفريط.
وأمّا تجزُّؤ العتِق، فصحيحٌ. لكنّ مأخذه أنّ الإِنسان في أصل الفطرة حرّ بالإِضافة
стр. 89
إِلى المخلوقين. فالحرّية أصلٌ فيه، لحكمة الاستقلال بطاعة الله وعبادته التي خُلِق لأجلها؛ والرقّ طارئٌ عليها. فإِذا وُجِد مقتضة الحرّيّةِ في بعضِ العبدِ، ظهر حكمُ الأصل فيه؛ وهو الحرّيّة. ثمّ استولى عندنا على باقيه، فيما إِذا كان المعتِقُ لبعصه موسًرا، وتَضمَّن نصيبَ شريكه. وعندهم، يَستسعى العبدِ، ظهر حكمُ الأصل فيه؛ وهوالحرّيّة. ثمّ استولى عندنا على باقيه، فيما إِذا كان المعتقُ لبعضه موسرًا، وتَضمَّن نصيبَ شريكه. وعندهم، يَستسعى العبدُ في قيمةٍ باقيةِ، إِن لم يكن المعتِقُ موسرًا. كلّ ذلك لاجتذاب الحرّيّة العبدَ إِليها؛ لأنها الأصل؛ وللأصول قوّةٌ. وصار كالأجير مستحقّ المنفعة مدّةَ الإِجارةِ؛ فإِذا انقَضَت. وأيضًا، الذي قَرّره في تجَزُّؤ العتقِ، لا نحن نمنعه، ولا هو ينافي ما قلناه؛ بل هما من وادٍ واحدٍ.
ومِمَّا يدلّ على ضعفِ ما ذكره في أصل القاعدة أنّ التكليف لو كان مَناطًا للمُلك، أو غايةً للحال التي يُستحَقّ بها المُلكُ، على ما فسّرنا به كلامَه من التدريج، لوَجَب أن تتفاوت أملاكُ الناسِ باستجماعها استَحّوا المُلكَ. فيكون مُلكُ الوليدِ أقوى من مُلكِ الجنين، والفطيم أقوى من الوليد، والمراهق أقوى من الوليد، والبالغ أقوى من المراهق. ولا قائل بذلك.
ومنها قاعدته في الأملاك
وحاصل ما قرّرها به أنّ الأملاك في الأصل لله سبحانه؛ لأنّه مُوجِدها؛ ومُوجِد الشيءِ ومخترعه أحقُّ بملكيّته من غيره. وإِنما شُرِعَت للناس استصلاحًا لهم، ليَتوصّلوا بها إِلى التوحيد وإِقامة العبادات. فالمقصود منها الانتفاعُ المستبقى للنفوس. وهذا يقتضى أنّ [فى] كلّ موضعٍ كان المقصود أكثر حصولًا، كان المُلكُ أولى بالثبوت.
[فروع قاعدته في الأملاك]
ثمّ بنى على ذلك فروعًا
[استيلاء الكفّارِ على أموال المسلمين في دار الحرب]
منها أنّ الكفّار إِذا استولوا على أموال المسلمين وأحرزوها بدار الحرب، مَلَكوها؛ لأنهم أَوصَلُ إِلى المقصود منها؛ لاستيلائهم عليها، وتملُّكهِم من الانتفاع بها. بخلافِ المسلمين؛ فإِنهم لا يَتهيّأ لهم بها انتفاعٌ إِلاّ على تَقَدُّم الحال والزمان.
стр. 90
[قسمة الغنائمِ في دار الحرب]
ومنها أنّ قسمة الغنائم في دار الحرب لا تجوز؛ لأنّ الدارَ دارُ الكفّار؛ فيَقدرِون على استردادِها غالبًا. فهم أَوصَلُ إِلى الانتفاع بها. بخلافِ جزئيّات الغنائم، كالطعام والعلف للغزاة؛ فإِنه مُلكُ الغِزا، لتَعجُّل انتفاعِهم به. قال: "ولا يلزم على هذا الغاضبُ؛ لأنّا لا نُسلِّم أنّه أوصلُ إِلى الانتفاع بالمغصوب من المالك، لاستوائهما في الدار؛ ويرجح المالكُ بالملكيّة؛ فيمكنه الاستردادُ غالبًا، إِمّا بنفسه، أو بالمرافعة إِلى الإمام".
[تغيير الغاصب في المال المغصوب]
ومنها أنّ الغاصب إِذا طَحَنَ الحنطةَ، أو خَبَزها، أو ذَبَح الشاةَ وطَبَخها، أو أدخل الساحةَ في بنائه، انقطع حقُّ المالِك من ذلك؛ لصيرورة الغاصب أوصَلَ إِلى الانتفاع منه به.
[الكلام على قاعتدته في الأملاك]
قلتُ: هذه قاعدةٌ عن التحقيق قاعِدةٌ. أمّا أوّلًا، فلا نُسلِّم أنّ الأملاك شُرِعت استصلاحًا للعباد فقط، بل وللامتحان لهم بالتصرُّف فيها؛ بدليل قوله تعالى: ﴿ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾، وقول موسى لقومه ذلك بعينه، وقول النبيّ ﵇، "إِنّ الدنيا حلوةٌ خَضِرةٌ؛ وإِنّ الله مستخلفكم فيها، فناظرٌ كيف تعملون". ولهذا، جاء في الأثر، "يجمع اللهُ سبحانه الذهبَ والفضّةَ يوم القيامة جبلين. ثمّ يقول: هذا مالُنا عاد إِلينا؛ سِعِد به قومٌ، وشَقِى آخرون".
وإِذا ثبت ذلك، لم يَلزم أن يكون مقصودُ المالِ الانتفاعَ به، بل والتكليف بحُسنِ
стр. 91
التصرُّفِ فيه على ما أمر به الشرعُ. وحينئذٍ، تنهم القاعدةُ المذكورة؛ لأنّ كلّ مَن فرضناه أوصَلَ إِلى الانتفاع بمالٍ، قلنا: هل انتفاعه به يكون مشروعًا، أم لا؟ فإِن كان مشروعًا، مَلَكَ. وإِلاّ، فلا. وأمّا ثانيًا، فلا نُسلِّم أنّ من كان أوصَلَ إِلى النفع كان أولى بثبوت المُلكِ، لما ذكرناه. فالقاعدة ممنوعةٌ بمقدّمتيها.
[الكلام على فروع قاعدته في الأملاك]
وأمّا فروعها، فنقول: قواعد مذهبِنا تقتضي أنّ الكفّار لا يملكون أموالَ المسلمينبالاستيلاء عليها. وهو مقتضى العدل؛ لأنّه سببٌ محرّم؛ والأسباب المحرّمة لا تُفيد الملكَ؛ لأنّ المحرَّم شرعًا كالمعدوم؛ والمعدوم نفيٌ صرفٌ؛ فلا يُفيد شيئًا.
ونصَّ أحمدُ أنهم يملكونها، لكنّ مأخذه غير ما ذكرتم. وهو أنّ المسلمين أُصيبوا بأموالهم في سبيل الله؛ فكان أجرُهم فيها على الله. فلا يجمع لهم بين العِوَض والمعوّض؛ كما لو وقفوها على الكفّار، أو تصدّقوا بها عليهم. فصار كأنها انتقَلت إِلى الله؛ ثمّ مَلًّكَها اللهُ الكفّارَ بذلك السببِ المحرّم، زيادةً في إِطغائهم وعذابهم وإِقامة الحجّة عليهم. وهذا مأخوذٌ من رأي عمر ﵁؛ حيث أراد أبو بكرٍ أن يأخذ ديَة قتلى المسلمين من أهل الردّة؛ فقال له عمر: "لا ديَة لهم؛ لأنهم بَذلوا أنفسهم في سبيل الله؛ فأجرُهم على الله".
وذكر الزنجانىّ أنّ المسألة مبنيّةٌ على تكليف الكفّار بفروع الإِسلام، فعند الحنفيّة، لا يُكلَّفون بها؛ فلا يَثبُت تحريمُ أموالنا في حقِّهم؛ فلا يملِكونها. وعلى هذا يَقوى ما قرّره أبو الخطّاب. فكيون نَصُّ أحمدَ في هذا الفرع على خلاف أصلِه.
وأمّا قسمة الغنيمةِ في دار الحرب، فهو عندنا مخيَّرٌ بينه وبين تأخيره إِلى دار الإِسلام. قوله، "الكفّار في دارهم أوصلُ إِلى الانتفاع". قلنا: بماذا؟ بما في أيديهم
стр. 92
وإِحرازِهم؟ الأوّل مُسلَّمٌ. لكن ليس الكلام فيه؛ إِذ لا يُسمّى "غنيمةَ". إِنما الغنيمة ما أُخِذ منهم قهرًا بالقتال، وصار في قبض المسلمين. وحينئذٍ، المسلمون أوصلُ إِلى الانتفاع به من الكفّار. فجازت فسمتُه كسائر أملاكهم.
قوله، "الدار للكفّار؛ فيقدرون على الاسترداد والانتفاع". قلنا: هذا تعليلُ جبانٍ. فإِنّ المؤثّر في الغنيمة إِنما هو السيف، لا قُرب الدار وبُعدها. ويَلزَمهم على هذا أن لا يُجيزوا قسمةَ المسلمين أموال أنفسهم التي جازوا بها من دار الإِسلام في دار الحرب؛ لأنها دار الكفّار؛ فكما يَقدِرون على استنفاذ أموالهم، يَقدِرون على أخذِ أموال المسلمين. ولا قائل به. ثمّ يَلزَمهم بمقتضى الفقهِ أن يُفَصِّلوا، فيقولوا: "إِن كان جيش الإِمامِ قويًّا مستظهِرًا على عدوّة في غالب الظنِّ، جازت القسمةُ. وإِلاّ، فلا"؛ كما قلنا: لا يَستعين بالكفّار إِلاّ إِذا كان جيشُه يكافئ عدوَّه ومَن أعانه منهم؛ وإِن لا، فلا.
وأمّا صَوَر الغصبِ، فممنوعةٌ عندنا؛ بل يرجع بعين ماله حيث أمكنه. ولا نُسلِّم أن الغاصب يَصير بما ذَكَرَ أَولى من المغصوب منه؛ إِذ لو صار بذلك أولى، لصار بمجرّد الغصبِ وصيرورةِ المغصوب في يده. وكلُّ ما اعتَذََرَ به عن مجرّد الغضبِ لازمٌ له، في طحنِ الدقيق، وخَبزِه، وذبحِ الشاة، وطبخِها، والبناءِ على الساحة، ومحوها؛ لأنّ علّتهم موجودةٌ في الموضعين. وما أوقعهم في هذا الأصل الضعيف إِلاّ ظنُّهم أنّ الأملاك شُرِعت لمجرّد استصلاح العباد. ثمّ رَجّحوا قرب المصلحة على بُعدِها؛ وهذا ضربٌ من رعاية الأصلح الذي أبطلناه.
ومنها قاعدته في وصف الفعل بأنّه ضربٌ أو قبيحٌ
فقال: "ليس كونُ الفعل متعِبًا، أو شاقًا مؤلمًا، هو المقتضى لكونه ضررًا، أو قبيحًا، إِذ لو كان كذلك، لَمَا ورد الشرعُ بالأفعال الشاقّة على الطِباع؛ لأنّ جهة القُبحِ إِذن فيها قائمةٌ، وهي كراهة الطبعِ ونفرة النفسِ. والعقل ينفي القبحَ والضررَ. فورود الشرعِ به منافٍ للعقل. وهو تناقُضٌ في الحجج. فإِذن، الجهة المقبِّحة الموجِبة لكون الفعلِ ضررًا قبيحًا هو وقوعُ الفعلِ على غير وجهِ الاستحقاق، أو خلوُّه عن نفعٍ، أو دفعِ ضررٍ. فإِيلام الجانى حَسَنٌ عند العقلاء قبلَ ورودِ السمعِ. وكذلك ما تعلًّق به من الإِيلام حصولُ
стр. 93
نفعٍ، أو دفعُ ضررٍ؛ كالفصد والحجامة. فحاصل الأمر أنّ كلّ فعلٍ وَقَع مُستحَقًا، أو حصَّل نفعًا، أو دَفَع ضررًا، فهو حَسَنٌ. وإِلاّ، فلا".
قال: "ولهذا قلنا: يَبطُل قولُ من ينفي الزكاةَ عن الصبيّ، والحرّيّةَ عن الذميّ بعد الإِسلام، والقتلَ عن شريك الأب. ونقول: إِيجابُ هذه الأشياءِ أضرارٌ بنفسها؛ فلا تُشرع لقبحِها". قال: "لأنّا نقول لهم: لابدّ من نفي ما قلنا من وجوهِ الحُسن والمصحلة ليَصير الفعلُ إِضرارًا أو قبيحًا".
[الكلام على قاعدته في وصف الفعل بأنّه ضررٌ أو قبيحٌ]
قلتُ: أمّا تقريره لقاعدة الإِيلام، فقد سبق القولُ فيها مع لمعتزلة؛ وإِنهم يُقبِّحون الإِيلامَ إِذا تعلَّقَت به مصلحةٌ. وهذا نسجٌ على ذلك المنوال. إِلاّ إِنّ الحقّ أنّ تقريره هنا صوابٌ. لأنّ كلامه في الإِيلام، من حيث هو مشروعٌ يَترتب عليه الأحكامُ، لا من حيث هو مقدورٌ لله سبحانه. فتقريره صحيحٌ. لكن قد تَرتَّب عليه أنّه ناقَضَ ما قَدّمه في أنّ الصبيّ لا تجب عليه الزكاةُ؛ فإِنّ كلامه هنا يقتضي وجوبها.
وأمّا سقوط الجزيةِ عمّن أسلَمَ، أو مات كافرًا، فهو مذهب أبي حنيفة؛ خلافًا للشافعيّ؛ فقد خالف مذهبه أيضًا. ومأخذ الخلاف أنّ الجزية شُرِعَت عقوبةً وصَغارًا على الكفر، وبَدَلًا عن نُصَرةِ المسلمين؛ إِذ لا عقوبة على ميّتٍ أو مسلمٍ. وفي الحديث، "ليس على مسلمٍ جزيةٌ". ولأنّ المسلم قد بَذَل النصرةَ بنفسه، فسقطَت عنه في ماله على ذلك الوجهِ. والكافر الميّت سَقَطَ عنه تكليفُ الشرعِ، وصار إِلى عذاب الآخرة. ومن قال بالثاني، قال: "قد استَوفى المعوَّضَ، وهو العصمة والسكنى؛ فلم تسقط بالموت والإِسلام، كالأجرة ودَين الآدميّ".
والمأخذ الأوّل هو ظاهر الآية، حيث قال الله سبحانه: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾، إِلى قوله: ﴿من الذين أوتوا الكتاب حت يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾؛ فصرّح
стр. 94
بالصَغَار. وأشار إِلى العقوبة على تركِ الإِسلام بقوله: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله .. ولا يحرمون ... ولا يدينون دين الحق﴾. واقترانُ الفعلِ بالوصف المناسب يفيد التعليلَ به، لقوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾، "واقطعوا السارق"، "واجلدوا الزاني". ولأنّ الجزية بَدَلٌ عن القتل؛ وهو عقوبةٌ على الكفر؛ وبَدَلُ العقوبةِ عقوبةٌ.
وأمّا القول بأنّ الجزية عِوَضٌ عن العصمة أو السكنى، فيه ضعفٌ من جهة أنّا نَعلَم أنّ مقصودَ الشارعِ وانصراف همتّه بالكلّيّة إِنما هي إِلى تحصيل الإِيمان والزجر عن الكفر، لا إِلى المعاش والتجارة. ولا شكُ أن المعاوَضَة ضربٌ من التجارة؛ والشرعُ وَرَدَ زاجرًا، لا تاجرًا. والذي يحقِّقُ هذا أنّ النبيّ ﷺ كان يتألّف الواحدَ من الكفّار على الإِسلام بالمال العظيم. كالذي أعطاه غَنَمًا بين جبلين، فأسلم هو وقومُه، وقال: "يا قوم! أسلِموا! فإِنّ محمّدًا يُعطي عطاءَ مَن لا يخشى الفاقة". ومه هذا، يَبعُد جدًا أنّه تَمَاكَسَ ذمّيًّا أَسلَمَ على أجرة دارٍ سنةً، مع أنّ همّة أهل الذمّة دنيئةٌُ؛ فربما رغب أحدُهم في الإِسلام طمعًا أن تسقُط عنه الجزيةُ للعام الماضي. فإشذا لم تسقُط عنه، امتنع غيرُه من الإِسلام، لفَواتِ ما يُرغَب فيه. وبهذا التقرير، يَتّجه أن يقال: تسقُط عمّن أسلَم منهم، دون من مات كافرًا- وهو مذهب أحمد ﵀ لأنّ الكافر أهلٌ للعقوبة. وأصلُ العقوبة أن تكون في بدنه القتل. ثمّ انتقَلت إِلى ماله، بعقدِ الذّمةِ؛ ومالُه باقٍ؛ وقد استُحقّت فيه.
وأمّا شريك الأب في القتل، فيجب القصاصُ عليه. وهو قول مالكٍ والشافعيّ وأحمد؛ لأنّ المقتضى للقصاص قائمٌ في حقّهما. ولهذا أوجبَه مالكٌ على الأب إِذا ذَبَح ولدَه، ونحوه من الأفعال التي لا تحتمِل التأديبَ؛ بخلاف ما لو حَذَفَه بسيفٍ ونحوه، لاحتماله ذلك. وإِنما قلنا: "إِن المقتضى قائمٌ"، لأنّ مقتضى القصاص هو القتل العمد
стр. 95
العدوان؛ وهو موجودٌ منهما؛ فاقتضى وجوبَ القصاص عليهما. وإِنما تخلَّف الحكمُ عن مقتضيه في حقّ الأب، لمانعٍ مختصِّ به؛ وهو قوله ﵇: "لا يُقتَل والدٌ بولده". ومن حيث الحكمة، إِنّ الأب كان سببَ وجودِ الولد، فلا يناسِبُ أن يكون الودُ سببَ عدمه. وهذا قلنا: إِذا مَلَك أباه، عتق عليه؛ لأنّ الرقّ عَدَنٌ حُكميُّ، والجزية وجودٌ حُكميُّ. فوَجب في الحكمة أن يُكافئ والدَه على إِيجاده له حقيقةً بالولادة، بإِيجاده لأبيه حُكمًا بالإعتاق.
وقد أُورِدَ على هذه الحكمة ما إِذا زنى بابنته؛ فإِنّه يُرجَم. فهي إِذن سببُ إِعدامه، مع أنّه سبب إِيجادها. فمن أراد تصحيحَ حكمِ نفيِ القصاصِ عن الأب، قال: "لا يكون الابنُ سببَ إِعدامِه، لحقِّ نفسه؛ فيَخرُج رجمُه بزناه بابنته؛ لأنّ ذلك الحقَّ الله. ولهذا، لو قَتَلها، لم يُقتَل بها؛ لأنّ القصاص حقُّها، أو حقّ وَرَثتِها". وقد يُمنَع هذا أيضًا بناءً على أنّ المانع من القصاص اختصَّ بالأب؛ بقي الأجنبيُّ في وجوب القصاص على أصل المقتضى له.
ومَن أقط القصاصَ عنه، أَلحقه بشريك المخطئ؛ بجامعِ أنّ كلاُّ منهما قصاصٌ منتَفضٌ في الحُكم، أى وَجَب على أحد القاتلَين، دون الآخر؛ فصار شُبهةَ تَدرأُ الحدَّ.
وهو ضعيفٌ. إِذ الفرق بنيهما أنّ المانع من القصاص في حقّ الأب منشأٌ كالأبوة- أي كونه أبًا؛ لما ذكر من الحكمة المناسِبة- والمانع في حقّ المخطئ إِنما هو من جهة فِعله؛ وهو الخطأ. فسرى حكمُ الخطأ من فِعله إِلى فِعل شريكه لاتّحاد محلً الفعلين. فلم يتمحّض العَمد في حقّ الشريك؛ ولم يكن منشأُ المانعِ كونَ المخطئ أجنبيًّا مثلًا، ليختصّ به. ولو كان، لشاركه الآخرُ أيضًا فيما إِذا كان كذلك. فحاصل هذا الفرق أنّ المانع في حقّ الأب راجعٌ إِلى ذاته، فاختصَ به؛ وفي حقّ المخطئ راجعٌ إِلى فِعله، فسرى إِلى فعلِ شريكه.
وأمّا قولهم، "ينقض القصاص شبهةٌ تَدرأُ الحدَّ". قلنا: ليس ذلك مطلقًا. إِنما
стр. 96
تدرأ الأحدَّ شبهةٌ متمكّنةٌ تصلح لدَرئه. وهي كذلك في شريك المخطئ، لكونها في الفعل المشتَرك بينهما؛ بخلافها في شريك الأب، فإِنها المختصّة بالفاعلة، الذي هو الأب، دونَ شريكه؛ وذلك لا يقتضي التعدّي إِلى ذاته، ولا إِلى فِعله. أو نقول: شَرطُ وجوبِ القَوَدٍ العمدُ وهو موجودٌ في شريك الأب؛ بخلاف شريك المخطئ.
هذا ما تيسّر إِيرداُه من فروع الأصل المذكور، وما ناسَبَه وقارَنَه ونَزع إِليه على ما بَيّنّا وجهَه. وفي ذلك كثرةٌ لمن أراد الإطلاعَ عليه.
стр. 97
[خامسًا: مسألتا القدر وخلقِ الأفعال]
ولنَشرَع الآن في مسألةِ القدَر، وفي مسألة خَلقِ الأفعال، نقلًا ودليلًا من المعقول والمنقول. فنقول، وبالله الاعتصام والتوفيق:
اعلم أنّ هذه المسألة، أعني مسألةَ القدّر، هي سرُّ من أسرار اللهِ سبحانه، لا سبيل لبشرٍ إِلى الاطّلاع على كُنهِه وحقيقته، إِلاّ إِن شاء اللهُ. ولو كان لبشرٍ إِلى الوقوف على كنهِها سبيلٌ، لكان َأَولى الناسِ بذلك الأنبياءُ. وقد سَأل عنها موسى وعيسى وعُزيزٌ؛ فكان جوابهم، "إِنما أنتم عِبادي، وهذا سرُّ من أسراري؛ وأنا لا أُسأل عمّا أَفعل". فأَمسك موسى وعيسى، وعاوَد عَزيزٌ فيها؛ فأُغلِظ له القولُ، ومُحِيَ من ديوانِ النبوّةِ؛ فهو لا يُعَدّ فيهم. وأمّا نبيّنا محمدٌ ﷺ ، فاكتفى عن السؤال عنها بما عَلَّمه اللهُ سبحانه ممّا يَقتضِي الإِمساكَ. وقال الصِّدِّيق: "العجزُ عن دَركِ الإِدراكِ إِدراكٌ". وقال أمير المؤمنين عليُّ رضى الله عنه: "كلّما زاد عقلُ المرء، زاد إِيمانُه بالقدَر". وكفاك بأمير المؤمنين عقلًا وفهمًا؛ ثمّ هو قد أَلقى السلامَ في هذا المقامِ.
وإِنما غرَضنا وغرَضُ غيرِنا بالكلام فيها دَفعُ شُبهِ الخصومِ، المفضيَةِ إِلى الاعتقادِ الموصوم والعقد المقصود؛ لأنها شُبهةٌ شيطانيّةٌ، أصلها مُتَلقَّى مِن إِبليس، كما سبق في مناظرته. فهي تُزلزِل الاعتقادَ، وتَحِيدُ بالإِنسان عن نهجِ الرشادِ. فإِذا تَبيّن بطلانها، رَجَع الشخصُ إِلى ما جاء به الشرعُ، مِن الإِيمان والتسليم، بقلبٍ من الشُبُهات نقيّ سليمٍ. مثالُ ذلك مَلِكٌ مُتحَصنٌ بحِصنٍ، أو قَلعةٍ، وفيها نخرٌ يَخاف إن يُفتَق من قِبَلِه. فقلبُه مشغولٌ من جِهتِه. فإِذا سَده، وأَمِنَ غائلتَه، اجتَمَع همُّه وزوال غمُّه.
فلهذا، كلّ من وَقَفنا على كلامه في هذه المسألة من القَدّريّة، إِنما نجيبهم بالمدافَعات والإِلزامات، بأن نُبين أنّ الاشكال الذي يُورِدُونه لازمٌ عليهم، ولا نأتي في توجيه حقيقةِ المسألةِ بما يمثل إِليه العقلُ مِثلَه إِلى شُبَه الخصومِ. حتى إِنّ أبا عبد الله
стр. 98
الرازيّ، مع تَبَحُّرِه في الكلام، ومعرفتِه بطُرٌقِ الاستدلال والإلزام، لَمَّا أورَد شُبهاتِ أب الحسين الآتي، إِن شاء اللهُ، ذِكُها، وأجاب عنها، قال بعد ذلك: "فإِن قيل: " فما الحيلة؟ " قيل: الحيلةُ تَركُ الحيلةِ، والرجوعُ إِلى قوله تعالى: ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون﴾. وكلامه هذا مقتضبٌ مّما سبق، من قول الصِّدِّيقِ، "العجز عن دركِ الإِدراكِ إِدراكٌ".
[بيان معنى "الكسب" و"الخلق "]
وعند هذا، يُحتاجُ، قبلَ الشُروعِ في خاصيّة المسألة، إِلى بيانِ معنى "الكسب" و "الخَلْق"؛ لأنّ مدارَ المسألةِ عليهما؛ إِذ أفعال العبادِ عندنا صادرةٌ؛ أعني خَلقَ البارئِ، وكسبَ العبدِ. فنقول: "الخَلق" يُستعملَ بمعاني:
منها الإِبداعوالاختراع، وهو إِيجاد الشئ بعد أن لم يَكن؛ كقوله سبحانه: ﴿خلق السموات والأرض﴾، ﴿وخلق كل شئ﴾، ﴿خالق كل شئ﴾. وهذا خاصٌ بالله، يستحيل من غيره.
ومنها الكذبُ والافتِراء والاختِلاق؛ نحو: ﴿إن هذا إلا خلق الأولين﴾، بسكون اللام؛ و ﴿إن هذا إلا اختلاق﴾. وهذا على الله مستحيلٌ.
ومنها التصوير، وهو جعل المادّة على شكلٍ وصورةٍ ما، نحو: ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير﴾، ﴿فتبارك الله أحسن الخهالقين﴾، أى المصوِّرين.
وتقديرُ الشيء بالشيء، أي جَعلُه على قَدْرِه. ومنه سُمِّي الحذّاءُ "خالِقًا"، لأنّه يُقَدِّر
стр. 99
الحذاءَ بالخشبة التي تُسمِّيها الأساكفةُ "قالبًا".
والقصدّ إِلى الشيء، فيما قيل؛ نحو:
ولأنت تفري ما خلقتَ وبعض القوم يخلُق ثمّ لا يفرى
أى تُحكِم ما قصدتَ إِليه من أمورك. وأصله من قولك، "خَلَقتُ الأديمَ"، إِذا قَدَّرته وهَيأتَه لما تُريد من قميضٍ، أو وعاءٍ، ونحوه، ثمّ تُقطّعه على حسب ذلك. فنقول: إِنّك إِذا قَدَّرتَ في نفسك شيئًا، فَعَلتَه في الخارج مطابِقًات لذلك التقدير الذهنيَ؛ فهو بصفة إِحكام تصوُّراتِه الذهنيّة وأفعالِه الخارجيّة ونظائرهما.
وهو، بهذه المعاني الثلاثة، جائزٌ من الله ومِن خَلقِه. ثمّ اختُلِف في أنّ الخلق حقيقةٌ في المعنى الأوّل، مجازٌ في غيره، يحتاج في حملِه عليه إِلى قرينةٍ؛ أو أنّه حقيقةٌ في كلّ واحدٍ من المعاني المذكورة بالاشتراك. والأوّل رأي الأشعريِّ. والثاني رأي القاضي أبى بكر من أصجابه. والأوّل أَولى؛ لتبادُرِه إِلى الذهنِ عند الإِطلاق؛ ولأنّه يُعارِض الاشتراكَ والمجازَ، وهو أَولى.
ثمّ اخَتَلفت في حقيقته عباراتُ الأئمّة؛ فقال بعضُهم: "الخلق هو فِعل فاعلٍ". وهو ضعيفٌ؛ لأنّه يقتضي أن يكون كلُّ فعلٍ خَلقًا؛ وليس كذلك. بل الخلق أَخَصُّ من الفعل؛ فكلَ خَلقٍ فِفعلٌ، وليس كلّ فعلِ خَلقًا. فأفعال الله سبحانه تُسمّى "خلقًا"، بمعنى أنها إِحداثٌ وإِبداعٌ واختراعٌ، وتُصير المعدومَ موجودًا، وبالعكس. وذلك حقيقة الخلقِ في الاختيار.
وأفعال العبادِ لا تُسمَّى "خلقًا"، إِلا أن يُرادَ به الكسبُ، على ما يأتى بيانُه، إِن شاء الله تعالى. ولهذا، أَخبر اللهُ سبحانه عن نفهس، ووصفها بالخلق، في غير موضعٍ. ولم يَصِف به خلقَه؛ بل يقول: ﴿بما كانوا يفعلون﴾، ﴿يعملون﴾، ﴿يكسبون﴾،
стр. 100
﴿يقترفون﴾؛ ولم يقل قط: "بما كانوا يِخلقون". وأمّا قوله: ﴿وتخلقون إفكا﴾، فهو من معنى الكذب. وقوله، ﴿أحسن الخالقين﴾، هو من معنى التصوير، كما سبق فيهما.
وأمّا "الكسب"، فهو، في عُرفِ اللغة، تحصيلُ الشيء مباشَرةً. ولذلك سُميَت جوارحُ الطيرِ وسباعُ الوحشِ "كواسب". قال لبيدٌ: "غُبسٌ كَواسِب ما يُمَنُّ طعامُها"؛ يعني الذئبَ، لا مِنّة عليها في طعامها؛ لأنها تَكسبه بأنفسها. ولهذا لم يوصف االهُ سبحانه والاكتساب، لأنه سبحانه فَعالٌ بلا مباشَرة. كما قال ذو النون، في وصفِه تعالى، "موجودٌ بلا مزاجٍ، فعالٌ بلا علاجٍ". فأمّا إِطلاق "الكسب" على ما لا مباشرة فيه، كقولهم، "كسَب مالى"، بمعنى "ربح"، فهو تنزيلٌ للمال منزلةَ كاسبٍ مباشرٍ مجازًا، مع أنّه عُرفٌ عامي.
ثمّ لهم في حقيقة الكسبِ عباراتٌ. قال القاضي: "هو ما وُجِدت عليه قدرةٌ حادثةٌ". وفيه إِجمالٌ وفسادٌ؛ إِذ هو مُشعرٌ باستقلال القدرة الحادثة بالإِيجاد؛ وليس هعو المرادَ. بل يريد وصفَ الحادثِ بأنّه كسبُ العبدِ. وحينئذٍ، يَصير تعريفُ الكسب بالكسب؛ وهو دورٌ. وقيل: "هو المقدور عليه بالقدرة الحادثة". وهو قريبٌ ممّا قبله. وقيل: "هو المتعلُق بالقادر عليه، لا على جهة الحدوث". وهو أقربها.
وأصحّ ما قيل فيه: "إِنّ الكسب أثرُ القدرةِ القديمة في محلِّ القدرةِ الحادثة". وذلك أنّ الله سبحانه هو يخترع الأفعالَ ويوجِدها على أدوات العبدِ وجوارحه، مطابقةً لعزمِه وإِرادته واختياره. وجوارحُه، مطابِقةً لعزمِه وإِرادته واختياره. وجوارحُه هي محلُّ قدرتِه الحادثة.
فهو، في التقريب والتصوير، كما يُحرِّك أحدًنا، أو الريحُ، شجرةً أو نباتًا. فالحركة، في رأيِ العينِ، قائمةٌ بالشجرة. ومادّتها، في الحقيقة، مِن ذلك المحرِّك. غير أنّ حركة العبدِ، في أفعالِه المقدورة فيه، مطابِقةٌ لقصدهِ واختيارِه. بخلاف الشجرة؛ إِذ ليس لا قصدٌ ولا اختيارٌ. فبالأوّل، انفصل مذهبُنا من مذهب القدريّة. وبهذا الأخير، تميَّزَ عن
стр. 101
مذهب الحبريّة.
ثمّ لهم في الفرق بين الخلق والكسب عباراتٌ. فقيل: "الخللق ما وَقع بقدرة الخالق على وجهٍ لا يَتَفرّد به". وقيل: "الخلق ما تَعلَّقَت به قدرةُ القادرِ عليه من جميع الوجوه؛ والكسب إِنما تَتعلَّق به قدرةُ القادرِ عليه بوجهٍ ما". وقيل: "الخلق يُصيِّر العدمَ وجودًا من غير تغيُّرِ الفاعلِ بفعلِه وتركِه؛ والكسب مقدورٌ، إِذا وَقَعَ، اتَّصَف القادرُ عليه بفعلِه وتركِه؛ ككونه عاصيًا، أو مطيعًا، أو متحرِّكًا، أو ساكنًا". قلتُ: هذا ينزِع إِلى قول من يزعم أنّ ذات الفعل واقعةٌ بقدرة الله، وكونه طاعةً ومعصيةً يَقع بقدرة العبدِ. وسيأتي، إِن شاء الله، قريبًا.
فحينئذٍ، ها هنا ثلاثة أسماءٍ: "الخلق"، وهو مختصُّ بالله سبحانه؛ و "الكسب"، وهو مختصّ بالعبد؛ و "الفعل"، وهو مشترَكٌ، نحو ﴿فعال لما يريد﴾؛ ﴿بما كانوا يفعلون﴾.
أمّا نقل المذاهب في المسألة
فقال الأشعريّ: "لا تأثير لقدرة العبدِ على مقدوره أصلّا؛ بل القدرة والمقدور واقعان بقدرة الله". قلتُ: فحقيقة مذهبِه أنّ الأفعال مقدورةٌ مخلوقةٌ لله سبحانه، بواسطة خَلقِ القدرة علهيا. فالعبد يتلقّى أفعالَه عن قدرتِه؛ وقدرتُه تتلقّاها عن قدرة البارئ سبحانه. والأفعال تمرُّ على قدرة العبد مرورَ جوازٍ، لا مرورَ تأثُّرٍ.
وقال القاضي: "ذاتُ الفعلِ واقعةٌ بقدرة الله تعالى؛ وكونُه طاعةً ومعصيةً، بقدرِة العبد". قلتُ: فذاتُ الفعلِ، نحو كونه حركةً أو سكونًا، وصفتُه، نحو كونه زِنًا أو صلاةً. وذلك توسّطٌ منه بين المذهبين؛ لأنّه قام الدليلُ عنده على أنّ الأفعال مخلوقةٌ لله؛ ثمّ رآه ممدوحًا ومذمومًا ومنهيًّا ومأمورًا ومعاتبًا وموبَّخًا. فاحتاج أن يجعل لذلك مستندًا؛ وهو صفة الفعلٍ، كما ذكر.
стр. 102
وقال الأستاذ أبو إِسحق: "إِنّ ذات الفعل يقع بالقدرتين". قلتُ: هو بناءٌ على وقوع الفعل بين القدرين. لكن إِن عنى "بوقوعه بالقدرتين"، أنّ صدورَه عن القدرة الحادثة صدورُ الشئ عن محلِّه، فهو كقول الأشعريّ. وإِن عنى أنّ صدورُ الشئ عن مؤثِّره، فهو ضربٌ من الاعتزال؛ لأنّ النزاع معهم إِنما هو في تثير القدرة الحادثة في الفعل أصلًا؛ فنفيناه نحن، وأثبتوه هم. فإِذا جَعَل فيها تأثيرًا في الفعل مع غيرها، فقد أَخَذ قسطًا وحظًّا من الاعتزال.
وقال إِمام الحرمين: "الله سبحانه يُوجِد للعبدِ القدرةَ والإِدارةَ. ثمّ هما يوجِبان وجودَ المقدور". وهو قولُ الفلاسفة، وأبي الحسين من المعتزلة. وهو في التحقيق راجعٌ إِلى الأوّل؛ لأنّ موجِدَ الموجِبِ موجِدٌ.
أمّا جمهور المعتزلة فقالوا: "العبد موجِدٌ لأفعاله، لا على نعتِ الإِيجابِ، بل على صفةِ الاختيارِ". وغلا بعضهم، حتى صار إِلى أنّ العبد خالِقٌ على الحقيقة، كالربّ. وتغالى بعضُ متأخّريهم، حتى صار إِلى أنّ لا خلق على الحقيقة إِلاّ العبد؛ أمّا الربّ سبحانه، فهو خالقٌ مجازًا.
قلتُ: فإِذن، أهل السنّة والمعتزلة في هذا على طرفي نقيض؛ لأنّ هؤلاء يقولون: "لا خالق للأفعال حقيقةً إِلاّ الله؛ والعبد خالقٌ مجازًا؛ وهؤلاء يعكسون، كما ذكرنا.
[مقدمّات المسألة]
واعلم أنّ هذه المسألة مبنيّة على مسائل، هي مقدّماتٌ لها.
منها: التكليف بالمحال، وهي مسألة تكليفِ ما لا يُطاق؛ وقد سبق القولُ فيها.
ومنها: عدم تأثير القدرة الحادثة في المقدور، عندنا. وعندهم في مؤثرةٌ، كما سبقت الإِشارة إِليه آنفًا.
ومنها: أنّ القدرة قبل الفعلِ، عندهم؛ فالعبد قادرٌ على أفعاله قبل وقوعها. وعندنا، القدرة يخلقها اللهُ عند الفعل، فيجري عليها. والتحقيق على ما ذكره بعضُ مشايخنا أنّ القدرَة المصحَّحة للتكليف قبل الفعلِ؛ والقدرةَ المصحِّحة للفعل معه. إِلاّ أنّ النزاع
стр. 103
مع المعتزلة إِنما هو في الثانية، دون الأّولى.
ومنها: أنّ البارئ سبحانه مُريدٌ لجميع الكائنات، عندنا. وعندهم المعاصي ليست مُرادةً له. أمّا أنّه سبحانه خالقٌ لها، بدليل قوله: ﴿خالق كل شئ﴾. وخالق الشيء مُريدٌ لوجوده؛ إِذ الخلق بدون الإِدارة محالٌ؛ لأنّ التخصيص بالأزمان والمقادير من لوازم الخلق؛ والتخصيص إِنما يكون بالإِدارة. والخصم يَمنع أنّ الله خالقٌ للمعاصي؛ ويخُص الآيةَ بما سوى المعاصي، كما سيأتي الكلامُ عليها، إِن شاء الله. وأيضًا، لو لم يكن مريدًا لها، ثمّ وقعَت بإِرادة غيره، لكان ذلك الغيرُ أقدرَ وأكملَ إِدارةً منه؛ فيكون أولى بالإِلهيّة؛ وهو محالٌ.
احتجّوا بوجوهٍ. أحدها: أنّه أَمَرَ الكافر بالإِيمان؛ والأمر يدلّ على الإِدارة. الثاني: الطاعةُ موافَقَةُ الإِدارةِ؛ فلو أرادَ اللهُ كُفرَ الكافرِ ومعصيةَ العاصي، لكان مطيعًا لله بذلك. الثالث: أنّ الرضا بقضائه تعالى واجبٌ؛ والكفر والمعصية لا يجوز الرضا بهما؛ فلا يكونان بقضا الله سبحانه.
والجواب عن الأوّل أنّه مبنيّ على أنّ الإِدارة شرطٌ في الأمر؛ وهو ممنوعٌ. بل لا تَلازمُ بين الأمر والإِدارة؛ فيَتَفاكّان. فيصحُّ أن يُريد ما لا يَأمر به، وأن يَأمر بما لا يُريد. وعن الثاني، بأنّ الطاعة موافَقَة الأمرِ، لا الإِدارة، لغةً وعقلًا وشرعًا. إِذ لو قال السيّدُ لعبده: "افعل! " وهو لا يريده أن يَفعل، فلَم يَفعَل، لجاز له لومُه وعقابُه، وإِن كان وافَقَ إِرادتَه. وعن الثالب، أنّ الواجب الرضا بالقضاء؛ والكفر والمعصية مَقتضِيّان؛ فهما أَثَران للقضاء، لا نفس القضاء.
فهذه جملةٌ من مقدّمات المسألة ومَبانيها، فيها النزاعُ.
[الكلام الساذج التقريبيّ في المسألة]
والكلام الساذج التقريبيّ في المسألة هو أنّ النزاع إِنما نشأ فيها لِمَا بيّنّا غيرَ موضعٍ، من أنّ غالب مسائل الخلاف إِنما وَقَعَ الخلافُ فيها من حيث كانت واسطةً بين الطرَفين؛ وكلّ واسطةٍ بين طرفين يتَّجِه النزاعُ فيها لضربها بالنسبة إِلى كلِّ من الطرفين. وهذه المسألة من ذلك.
стр. 104
وبيانه أنّ الأفعال إِمّا اختياريّةٌ محضةٌ، وهي الأفعال المضافة إِلى الله سبحانه؛ أو قسريّةٌ محضةٌ، وهي الأفعال المضافة إِلى الجمادات، كحركة الحجرِ الذي يُدَحرَج على الأرض، أو يُدَهدَه من رأسِ الجبل، وكحركات الأفلاك بكواكبها عندنا، ونحو ذلك فهذان طرفان.
والأفعال المضافة إِلى الآدميّ ونحوه تُشبه القسمَ الأوّل في الاختيار المحضر من جهة المشاهَدةِ والحسِّ. فإِنّا نشاهدِ الإِنسانَ يمشي ويأكل ويَضرب ويفعل أفعالَه دائرةً مع اختياره وجودًا وعدمًا.
وتُشبِه القسمَ الثاني في القسرِ والجبرِ من جهة الدليل العقليّ. وتلخيصُه أنّا نَرى الإَنسانَ يَفعل أفعالَا هي جائزة الوجودِ وكلّ جائزٍ، فلا يوجَد إِلاّ لمرجِّحٍ. وذلك المرجَِح إِن كان من العبد، فهو جائزٌ أيضًا، يحتاج إِلى مرجِّحٍ. فإِن توقَّف المرجّحُ الثاني على المرجِّح الأوّل، لَزم الدورُ. وإِن لم يتوقَّف عليه، فإِن استَلزَم مرجِّحاتٍ لا تَتناهى، لزم التسلسلُ. وهما محالان. وإِن وَقَف عند مرجِّحٍ لا يَتَوقَّف على غيره، فهو من الله تعالى، ولابدّ. وعند وجودِ ذلك المرجِّح، إِمّا أن لا يجب الفعلُ، فَيبقى على جاوزه؛ ويَلزَم منه محالان. أحدهما: أنّ وجود المرجَِح الأوّل كععدمه. الثاني: توقُّف هذا الجائز على مرجَِحٍ، ويعود الكلامُ، فيَتَسلسل. أو يجب الفعلُ عقيب المرجَِحِ؛ فيكون الفعلُ مضافًا إِلى الله سبحانه بواسطة المرجِّح. ولا فرق في صحّة إِضافة الفعل إِلى الفاعل بين أن يكون بواسطةٍ، أو بغير واسطةٍ.
وقد سَّم أبو الحسين البصريّ أنّ فِعل العبدِ متوقفٌ على الداعي من الله سبحانه، وأنّ الفعل عقيب خلقِ الداعي واجبٌ. وهذا تسليمٌ للمدَّعي، وتركُ الاعتزالِ بالكلّيّة. ولهذا، أتُّهِم أنّه في نُصرتِه للاعتزال، بعد تسليم هاتين المقدّمتين، على تَقيةٍ من المعتزلة.
ومّما يَازم جميع المعتزلة أنّا قد بيّنّا أنّ ما تَعلَّق علمُ الله بأنّه لا يوجَد يَخرُج عن المقدوريّة. وإِيمان مَن مات كافرًا كذلك؛ مع أنّه مكلفٌ به؛ فهو تكليفُ محالٍ. وإِذا كان تكليفُ المحالِ في جانب ما عُلِم امنناعُ وجودِه، جاز في طرَف ما عُلِم وجوبُ وجوده، وهي المعصية التي يخلقها، ويَنهى عنها. وأيضًا، الفعل إِمّا أن يَتعلَّق علمُ الله بوجوده، فيجب؛ أو بعدمه، فيَمتنِع. والتكليف بهما محالٌ؛ ويعود الكلامُ.
стр. 105
وحاصل الأمرِ أنّ أفعال الله سبحانه كذاته وصفاته. فكما أنّ لا تُشبِه الذوات، وصفاته لا تُشبِه الصفات، فإِذا قال قائلٌ: "ذاته جسمٌ، أو عِلمُه عَرَضٌ؛ لأنّا ما وَجَدنا ذاتًا ولا صفةً إِلاّ كذلك"، قلنا له: أخطأتَ! ذاتُ الله لا تُقاس بالذوات، وصفاته ولا تُقاس بالصفات، فكذلك إِذا قال: "أفعال الله علاجيّةٌ، أو مباشرةٌ، أو معلَّلةٌ، أو من الواجب أنّه إِذا فَعلَل شيئًا، لا يلوم عليه، أو إِذا خَلَق في عبدِ فعلًا، لا يَنسِب ذم ذلك الفعل إِليه". نقول له: أخطأت! أفعال الله لا تُقاس بالأفعال.
فإن قال: "يَلزَم من مخالَفة أفعالِه أفعالَ غيره في ذلك التجويرُ"، قلنا: فلَيلزم من إِثبات ذاتِه مخالِفةً لذواتنا، وإِن لم نَعلم حقيقتَها وكُنهَها، كذلك نُثِبتُ عدلَه مخالفًا للعدل فيما بيننا، وإِن لم نَعلم وجهًه. ألا تَرى أنّ الخِضر عبدٌ من عباد الله، اختُصَّ على موسى بمسائل من مكنون غيب الله، طاش لها موسى، ولم يَصبر لها، حتى كان منه ما قصَّه علينا القرآنُ، ثمّ، لَمَّا ظهرَت له حكمةُ ذلك، خَضَع لعلمِ اللهِ، وبكى على مفارَقة الخضر؛ إِذ لم يَزدَد من عِلمِه. فإِذا كان مخلوقٌ تخفَى عنه حكمةُ مخلوقٍ، حتى يَظنَها ظلمًا وجورًا وعبثًا، فما الظنُّ بالمخلوق بالإضافة إِلى حكمة الله! فمن الجائز أنّ الناس إِذا صاروا إِلى الله، بيَّن لهم بالضرورة أنّ حُكمَه في مسألة القدَر، على رأي أهل السنّة، حِكمةٌ وعدلٌ؛ ويبدو للقدريّة من الله ما لم يكونوا يحتسبون، ويتبيًّن لهم أنّ عقولهم كانت عن دِركِ الحكمةِ في ذلك معقولةً، وألبابهم في ساحةِ حضرةِ العلمِ إِلى خارج الباب منقولةٌ. وسيأتي تقريرُ ذلك وبيانَه على وجهٍ جليِّ.
فهذا القدر من التوجيه الساذج يكفي مَن نَوَّرَ اللهُ بصيرتَه واستَمسَك بعُصُمِ الكتاب والسنّ الآتي ذِكرُ نصوصهم، إِن شاء الله، ورَغِب بدينه وعقلِه عن تكلُّف سماعِ الشُّبَهِ الشيطانيّة وأجوبتها. أمّا من أحبّ الوقوفَ على ذلك وكيفيّةِ إِبطال شُبَه الخصوم، فيَظهر له ذلك بإِيراد شُبَه المعتزلة وأجوبتها مناقَضةً وإِلزامًا. وأنا أذكرها معقِّبًا كلَّ شُبهةٍ بجوانبها؛ لأنّه أسهل على الناظر، كما فَعلتُ في شُبَههم في التحسين والتقبيح وأجوبتها. فأقول، وبالله التوفيق:
стр. 106
[الوجوه العقليّة التي أوردها أبو الحسين البصريّ المعتزليّ]
إِنّا لما استَدللنا على أنّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله بدللِ المرجِّح واجبٌ؛ فثَبَت أنّ فِعلَ العبد مخلوقٌ لله، وقد سبق تقريره غير موضعٍ- اعترضوا عليه بما أَمكَن.
ثمّ قال أبو الحسين وأصحابُه: "هذا الاستدلال فاسدُ الاعتبارِ؛ لأنّه في مقابَلة ما عُلِم صحّتُه بضرورة العقلِ. وبيانه من وجوهٍ.
"الأوّل: أنّ كلّ عاقلٍ يَعلم بالضرورة منه ومِن غيرِه أنّ أفعاله تابعةٌ لدواعيه وقصوده وجودًا وعدمً. فيَتناول الطعامَ والشرابَ، إِذا احتاج إِليهما، ولم يمنعه منهما مانعٌ. ويَتركهما إِذا لم يحتج إِليهما، أو كانا مضرَّين له. وكذلك يَنغمِس في الماء في الصيف للتبّرد، ويجتنبه في الشتاء للمضرّة؛ وبالعكس في اصطلاء النار. وإِذا كان الموجِد للشيء هو الذي يَحدث منه الفعلُ موافِقًا لدواعيه، وثَبَتَ أنّ العقلاء تَقرَّر في بداية عقولهم أنّ العبد كذلك، علِمنا أنَ عِلمَهم بأنهم هم الذين يُحدثِون أفعالهم علمٌ ضروريٌّ.
"الثاني: أنّ العقلاء بالضرورة يَعلمون حُسنَ ذمّش المسيءِ ومَدحِ المحسِنِ، ويُبادِرون إِلى ذلك ببدائههم. حتى إِنّ الصبيّ، أو المراهق، إِذا أعطيتًه كِسرةً، مَدَحَك؛ وإِذا ضربته بحجرٍ آلمه، بادر إِلى ذمِّ الرامي له ببديهته، دون الحجر أو غيره. ولولا علمه بالضرورة أنّ الرامى هو الفاعل، لما استحسَن ذلك، ولا بادر إِليه. كما إِنّه هو وغيره من العقلاء لا يَذمّون القصيرَ لقِصره، ولا الأسود لسواده؛ لأنّ ذلك ليس فِعلًا له.
"الثالث: أنّ الواحد منّا يجد من نفسه وغيره أنّه إِذا طَلَب من غيره فعلًَا، أنّه يَطلُبه منه طلبَ عالِمٍ أنّه الذي يوجِد ذلك الفعلَ ويُحدثِه؛ ولذلك يَتلطّف له بكلّ ممكنٍ، ويَتوصّل إِليه بكلّ وسيلةٍ، من تواضعٍ ومدحٍ وترغيبٍ وترهيبٍ وتوبيخٍ ومعاتبةٍ على التَرك، ويتعجَب منه، ويُعَجٍَب منه، ويُعَجِّب منه غيره، ويَستظرفه. ونجد من أنفسنا الفرقَ الضروريَّ بين أمرِ الشخص بالقيام والقعود، وبين أمرِه بإِيجاد السماء والكواكب، أو حيوانٍ، أو إِنسانٍ مِثله. ولولا أنّ العلم لضروريّ حاصلٌ بأنّ العبد هو الموجِد بأفعاله
стр. 107
الاختياريّة، [لَما وجَدنا ذلك]. فكلّ حجةٍ تذكرونها في خلاف ذلك، إِمّا أن لا تكون قادحة فيما ذكرناه؛ فقد حَصَل مقصودُنا، لسلامة ما ذكرناه مِن قادحٍ. أو تكون قادحةً؛ فلا تَستحقّ الجوابَ؛ لأنّ القادح في الضروريّات معلومُ البطلانِ بالضرورة؛ فلا يَستحقّ الجوابَ".
والجواب أنّ ما ذكره مستدرَكٌ ضعيفٌ. أمّا كونه مستدرَكًا، فإنّ قولَه، "ما ذكرتكوه من الحجج على أنّ العبد ليس موجِدًا لأفعاله، إِمّا أن يكون قادحًا فيما ذكرناه من العلم الضروريّ، أو لا يكون"، لا معنى له؛ لأنّ المعلوم بالضرورة لا يَقدَح فيه شيءٌ. لأنّ القدح في الدليل ونحوه هو تضعيفه وتوهينه؛ والضروريّات لا يَلحَقها ذلك. وهو قد أَثبت القدحَ فيما ذكره منه على أحد التقديرية، وذكر أنّ حَكمه أنّه لا يَستحِقّ الجوابَ. وقد كان سبيله أن يَعكس، فيقول: "ما ذكرتموه، إِمّا أن لا يَستحِقّ جوابًا، فقد كُفِينا مؤونَته؛ أو يَستحِق جوابًا، لكنّه على كلّ حالٍ لا يقوى على دفعِ الضرورات".
فذلك أسدُّ ممّا ذَكَره.
وأمّا كونه ضعيفًا، فلوجهين.
أحدهما: أنّ العلم الضروريّ لا يَتنازع فيه العقلاءُ. وهذه مسألة قد وَقَع النزاعُ فيها مِن أوّل العالَمِ، وإِلى آخره. ولم يزل الناسُ قبل أبي الحسين إِمًا قائلٌ بأنّ العبد موجِدٌ لأفعاله، أو منكرٌ لذلك على جهة الجبر، أو على جهة التوسُّط. فالناس فيها ثلاث فِرَقٍ: قدريّةٌ ومجبرةٌ ومتوسّطةٌ. فكيف تصحّ نسبةُ هؤلاء كلّهم إِلى إِنكار الضرورات! وإِنما المعلوم بالضرورة أنّ أفعال العبد دائرةٌ مع قصدِه وإِرادته التامّةوجودًا وعدمًا. أمّا كونه هو المؤثِّر فيها، فلا؛ وهو محلّ النزاع.
الوجه الثاني: أنّ كلّ عاقلٍ، فهو يَعلم من نفسه بالضرورة أنّ إِرادته لشيءٍ لا تتوقّف على إِرادة له أخرى. بل سواءٌ أراد تلك الإِدارة، أو لم يُرِدها، فإنها تحصلُ له؛ ويَعلم أنّ تلك الإدارة متى حصلَت له جازمةٌ، وَجَبَ بعدها حصولُ المرادِ. وإِذا كان العلم الضروريُّ بصحّة هاتين المقدّمتين حاصلًا، عُلِم بالضرورة أنّ لا إِرادة منه ولا فِعل؛ بل الإِرادة حاصلةٌ به بِفعل الله سبحانه، وهى المسمّى"بالداعي المرجِّح لأحدِ طرفي الممكِن". والفعل واقعٌ بِفعل الله، بواسطة تلك الإِرادة. فقد انعكس ما قاله؛ وصار
стр. 108
بطلانُ ما ادّعى صحتَه ضرورةً ضروريًّا.
أمّا الأوّل، فوجود أفعال العبد مطابِقةً لداعيتِه وقصدِه دائرةً معه وجودًا أو عدمًا، لا يدلّ على أنّه هو المؤثِّر فيها، الموجد لها؛ لجواز أنّ الله سبحانه أوجَدها مطابِقة لقصوده، دائرةً معها، بواسطة خلقِه الإِدارةَ له، كما بيّنّا قبل.
وأنّا الوجهين الآخرين، فكلّ ما ذَكَر فيهما، مِن ذمَّ العقلاِ للمسيء، ومدحهم للمحسن، وطلبهم للأمر، وتلطّفهم لمن طَلأبوا ذلك منه، إِلى سائر ما ذكره، فإِنّه راجعٌ [إِلى] كسبه الذي أجراه اللهُ سبحانه مطابِقًا لقصدِه، بواسطة إِادته. فلِمَ قلتَ: "إِنّه ليس كذلك"؟
قوله، "لأنهم يفعلون ذلك فِعلَ عالِمٍ بأنّه الذي يُوِد ذلك الفعلَ". قلنا: الكلام على هذا من وجهين. أحدهما: لا نُسلِّم أنهم يعملون ذلك؛ بل يعتقدونه، لَمَّا رأوا الفعلَ جاريًا على أدواته، بحسب قصوده وإِرادته. والاعتقاد يُصيب ويخطئ [فتبقى] حاجةٌ إِلى أن نُبيِّن أنّ اعتقادهم ذلك صوابٌ.
الوجه الثاني: أنّ نقول: "احتجاجُك في هذا بمَن مِن العقلاءِ؟ والرعاع؟ أو بأهل النظر والإطّلاع؟ إِن كان احتجاجُك باعتقاد القسم الأوّل، فلا عبرة بهم ولا باعتقادهم. ثمّ هم معارَضون بأضعافم من أهل الإِثبات، يقولون في كلّ أمرٍ واقعٍ: "هذا فِعلُ اللهِ، وهذا مقدورٌ عليه". وكذلك قال النبي ﷺ لأنَس، "لا تَقُل لشيءٍكان: "ليته لم يكن"؛ ولا لشئ لم يكن: "ليته كان"؛ ولكن قُل: "قَدَّر اللهُ، وما شاء فَعل". وإِن كان احتجاجُك بالقسم الثاني، فالمنازع لك منهم أكثُر من المتاِبِع. فهذا جوابه عن دعوى العلم الضروريّ بأنّ الهبد موجدٌ لأفعاله.
ثمّ قال أبو الحسين: وإِن سلَّمنا أنّ ما ذكرتموه يَنفي كونَ العبدِ موجِدًا، لكنّ عندنا ما يقتضي نقيضَ ذلك من وجوهٍ عقليّةٍ وسمعيةٍ. أمّا العقليّة، فثلاثةٌ.
стр. 109
"أحدها: وقوع أفعالِنا بحسب دواعينا، وانتفاؤها بحسب كراهتنا". وقرّره بنحو ما قرّرتُ به الوجه الأوّلَ من الثلاثة الضروريّة. وجوابُه بما سبق فيه.
"الثاني: أنّ الأنبياء اتّفقوا على أنّ الله سبحانه أمَرَ عبادَه بأشياءٍ، ونهاهم عن أشياءٍ.
والأمرُ بالفعل يَتضمَّن الإِخبارَ بقدرة المأمور عليه. حتى لو عجز عنه لمرضٍ، أو غيره من الأسباب، لعُدَّ الآمِر له سفيهًا؛ إِذ يأمره، مع علمِه أنّه لا يَقدر على الامتثال. ولو صحّ ذبك، بصحّ أن يَبعث اللهُ رسولًا إِلى الجمادات، يُبلَّغها ما أُرسِل به؛ ثمّ يخلق فيها الحياةَ، ويعاقِبها لكونها لم تمتِثل, وذلك معلوم الفسادِ بالبديهة".
والجواب: لا شكّ أنّ الأنبياء اتّفقوا على ما ذَكرَ. لكنّ قولَه: "الأمر بالفعل يَتضمَّن الإِخبارَ بقدرة المأمور عليه"، كلامٌ مجمَلٌ. فنقول: إِن ّعنَيت أنّ قدرته مؤثِّرةٌ في وجود الفعل، فهذا محلُّ النزاع. وأيضًا، إِن عنيتَ بأنّ الأمر يَتضمَّن قدرةَ المأمورِ هو الله"، فهو ممنوعٌ؛ لأنّه راجعٌ إِلى أنّ ذلك قبيحٌ عقلًا؛ لأنّه تكليف ما لا يطاق. ونحن فقد أَبطلنا الأصلَ الأوّل، وأثَبتنا الثانى، بما فيه كفايةٌ. وأمّا ما أَلزمَه على ذلك، من تكليف الجمادات، ثمّ عقابها على تَركِ الامتثالِ، فالكلام عليه من وجوهٍ.
أحدها: أنّ وقوع ذلك جائزٌ عقلًا؛ إِذ لا يَلزَم منه محالٌ لذاته، وإِنما اللازم منه قبحُه عقلًا، وسَفَهُ فاعِله. لكنّ هذا بناءٌ على التحسين والتقبيح العقليَّين؛ وهو باطلٌ. وقد قدّمنا أنّ عندنا لا يَقبُح من الله شيء كان ما عسى أن يكون. وقد سبق تقريرُه في الوجه الثالث من أدلّتهم في الحسن والقبح.
الثاني: سلَّمنا أنّ ذلك يَلزم منه محالٌ لذاته. لكن قد قرَّرنا جوازَ التكليف بالمحال؛ ويعود الكلامُ إِليه.
стр. 110
الثالث: أنّ الفَرق بين تكليف الحيِّ العافل، الواقعِةُ أكسابُه باختيارِه بحسبِ إِرادته دائرةً معها وجودًا وعدمًا، وبين تكليف جمادٍ لا يَتَّصف بشيءٍ من ذلك أصلًا، حاصلٌ بالضرورة، ظاهرٌ ظهورًا لا يَتردَّد فيه عاقلٌ؛ لأنّ الأوّل يَصِحّ منه كسبُ المأمورات والمنهيّات والتلذّذُ بها، سواءٌ كانت تلك الأكسابُ خلقًا له، أو لم تكن. والحجر الأصمّ لا يصحّ منه ذلك، ولا يجد له لذّةً بالضرورة. لا يَلزَم من صحّة تكليفِ الأوّل تكليفُ الثاني؛ لأنّ الأوّل أكمل؛ ولو لم يكن إِلاّ بالصورة. ولا يلزم من تكليف الأكمل تكليفُ ما هو دونه.
الوجه الثالث: قال: "لو كان الله سبحانه هـ الخالق لأفعال العباد، للزم فيه محذوراتٌ.
"منها سدُّ باب الاستدلال على وجود الصانع. وذلك لأنّه لا طريق إِلى إِثبات الصانع إِلاّ القياس؛ لأن يُقال: "العالَم محدَثٌ؛ فيحتاج إِلى المحدِث"، قياسًا على أفعالنا المحتاجَة إِلينا. فمَن مَنَع حُكمَ الأصلِ في هذا القياس، وحَكَمَ بأنّ العباد غيرُ موجِدين لأفعالهم، لم يمكنه الاستدلالُ به على وجود الصانع.
والجواب: لا نُسلم أنّ هذا المحذور لازمٌ للقول بأنّ الله خالقُ أفعال العباد. قوله: "لا طريق إِلى إِثبات الصانع إِلاّ القياس المذكور". قلنا: لا نُسَلِّم حصرَ طريقِ ذلك في هذا القياس؛ بل ولا أنّ العالَم محدَثٌ؛ لأنّه مؤلَّفٌ؛ وكلّ مؤلَّفٍ محدَثٌ؛ وكل محدَثٍ، فالعقلِ لذاته يَدلّ على أنّ له محدِثًا. فذلك المحدِث، إِن كان محدَثًا أيضًا، لَزم الدورُ والتسلسلُ الباطلان. وإِن كان قديمًا، فهو المطلوب. ولا واسطة بين المحدَث والقديم.
قوله: "مَن مَنَع حُكمَ الأصلِ في القياس المذكور، انسدَّ عليه بابُ إِثباتِ الصانع".
قلنا: "مَن مَنع حُكمَ الأصلِ"؛ بمعنى أنّ لا كسبَ للعبدِ، أو بمعنى أنّ لا إِيجاد للعبد؟ الأوّل مُسلَّمٌ؛ لأنّ الأصل حينئذٍ يخلو عن العلّة في الحقيقة والصورة. والثاني ممنوعٌ؛ لأنّا، وإِن نَفَينا إِيجادَ العبد لأفعاله، لكنّا أَثبتنا كسبَه لها، بمعنى صدورها عن قدرة الله سبحانه خلقًا على أدوات العبد، دائرةً مع إِرادته كسبًا. وحينئذٍ، يمكننا أن نجعل الجامعَ
следующие страницы →