Полный текст (285 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
والجواب عنه أنّ أدلّة مذهبِنا في القدر تقتضب محضَ التفويضِ والتسليمِ في أمور الدنيا والدين. لكنّ الشرع وَرَدَ بالحزم والاحتياط فيهما، وتعاطب الأسباب لهما؛ كقوله "اعمَلوا على مواقع القدر"؛ "اعمَلوا فكلُّ ميسر لما خُلق له"؛ "اعلم أنّ ما أَصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك"؛ وقوله في الناقة، "اعقِلها وتَوَكََل"؛ وظاهَرَ النبي ﵇ يومَ أُحدٍ بين دِرعين؛ ونحوه كثيرٌ. وذلك كلّه إِمّا تنبيهٌ مِن الشارعِ على أنّ حظّ العبدِ مِن هذا الباب إِنما هو الاكتساب؛ أو على أنّ الأسباب والأكساب لا تُلغَى في نظر الشرعِ في هذا الباب ولا غيره؛ أو لأنّه عَلِم أنّ الإِنسان خُلِق مِن ضَعفٍ، فلا تَثُبت نفسُه للتسليم المحض، لخفاء سرَِ القدرِ الذي لا يدرِكه إِلاّ أولوا الألباب، وظهورِ أمرِ الوسائل والأسباب. فأَمَرَ بالجزم والاحتياط، ليكونوا مِن أمرِهم على طمأنينةٍ بالنسبة إِلى قواهم؛ وقدر الله من وراء ذلك. ولهذا نَرى كثيرًا من الناس يَسلَم مّن حيث فَرط وكثيرًا منهم يَهلِك من حيث احتاط؛ حتى قال الشاعر:
قد يَهلك الإِنسانُ مِن بابِ أَمنِه ... ويَنجو بإِذن اللهِ مِن حيث يَحذَرُ
وقال آخر:
إِذا كان غيرُ اللهِ للمرء عُدّةً ... أَتَته الرزايا مِن وجوهِ الفَوائد.
فقد جَرَّت الحنفاءُ حَتْفَ حُذيفة ... وكان يراها عدة للشدائدِ
والحنفاء فرسُ حُذَيفة بن بدرٍ، كان للمضائق، ينجو عليها. فلمّا هَرَب مِن قيس ابن زهيرٍ، ونَزَل على جَفْر الهَباءةِ، اقَتص بنو عبسٍ أَثَرَ الحَنفاءِ، حت وَقعوا عليه، فقتلوه. وقال الله سبحانه: ﴿وعسى أن تكوهوا شيئًا وهو خير لكم﴾، الآية. وقال البحتريّ:
стр. 177
وربما كان مكروهُ الأمورِ إِلى ... محبوبها سببًا ما مِثله سببُ
وقد كان موسى ﵇ مِن أُولي العزمِ مِن الأنبياءِ. ولَمَّا قال الله: ﴿خذها ولا تخف﴾، لَفَّ كُمَّ مِدرَعَتِه على يده ليَتناولها بها؛ فقا له المَلِكُ: "أرأيتَ لو أَذِن اللهُ لِمَا تحذَر؛ أكانت كُمُّك تنفعك؟ "فقال: " لا؛ ولكني ضعيفٌ، ومِن ضَعفٍ خُلِقتُ".
فهذا السرِّ، شُرِع الاحتياطُ والحزمُ وتعاطي الأسبابِ؛ إِذ ليس كلّ أَحدٍ يَصبر قلبُه للتفويض؛ وإِنما يوجَد ذلك نادرًا. كإِبراهيم حين أُلقِي في النار، فعَرَ له جبريلُ في الهواء؛ فقا له: "ألك حاجةٌ؟ " فقال: "أمّا إِليك، فلا". فلا جرم اتَّخَذه اللهُ خليلًا.
ثمّ الناس بعد إِبراهيم على طبقاتٍ في التفويض والتوكُّل. فالذي يمنحه اللهُ عقلًا يَعكِسُ ما عليه الأكثرون؛ فيُفوِّض في أمور الدنيا غايةَ التفويضِ حتى لا يَهتَمّ لها أصلًا، اعتمادًا على أنّ ما قُدِّر منها واصلٌ؛ ويحتاط ويَدأَب في أمور الآخرة غايةَ الاحتياطِ والدأبِ، لا لاعتقاده أن اختياطه يزيده عمًا في عِلم الله، ولا أنّ تفريطه يُنقِصه عنه- إِذ قد وُجِد مَن عاش مؤمِنًا مجتهدًا إِلى آخر نفَسٍ، ثمّ مات كافرًا، كبرصيصا العابد، ومن عاش كافرًا إِلى آخر نفَسٍ، ثمّ آمَنَ، كاليهوديّ الذي عادَه رسولُ الله ﷺ ، والأعرابي الذي وَقَصته ناقُته عقيب إِسلامه، فقال النبيّ ﵇: "هذا مِنَّن عَمِل قليلًا وأُجِرَ كثيرًا"- بل لإِزالة اللائمة عن النفس؛ كما حُكِي عن عامر بن عبد قيسٍ أنّه قال: "لأُجهِدَنّ نفسى، فإِن سَلمَت، فذاك؛ وإِلاّ، فلا أَلومنّها على تقصيرٍ"، أو كلامًا هذا معناه. وكما قال الشاعر:
لأطلبنّ العُلى جَهدِي طِلابَ فتًى ... يَدوسُ بالعزم هامَ السبعةِ الشُهُبِ
فإِن أَنَلْ، فبسَعيي ما أَتَيتُ بِه ... بِدْعًا، وإِلاّ فقد أَعذَرتُ في الطَلَبِ
стр. 178
غير أنّ هذا الشاعر غَلا في قوله، "بسعيي"، إِلاّ أن يريد السببيّةَ. وأَوفَق مِن هذا لما نحن فيه قولُ الآخَر،
سأَطَّرِحُ التعلُّلَ والتَواني
ولا أُصغِى إِلى عَرِّ لَحاني
وأُطلِقُ في طِلابَتِها عناني
فإِن أَدرَكتُها فهي الأماني
وإِن فاتَت فذاك عذيرُ حالي
قوله، "ومِمَّا يحتجّون به أنّ الله قَبَض قبضةً، فقال: "هذه هي الجنّة، ولا أبالي"، وقَبَض أخرى، وقال: "هذه في النار، ولا أبالي؛ كأنهم يَرون أنّ ربهم يَصنَع ذلك كالمصارع بينهم المحارِب، تعالى اللهُ عمّا يَصِفونه". قلتُ: هذا الحديث، إِنّ صَحَّ، فهو حجّةٌ في الباب. وإِن لم يَصحّ، فقد صَحّ، فهو حجّةٌ في الباب. وإِن لم يَصحّ، فقد صَحّ غيره بمعناه مِن غير وجهٍ، كما سيأتي، إِن شاء الله. ووجه الحجّة منه أنّه إِذا سبق عِلمُه بإِيمان زيدٍ وكفرِ عمروٍ، صار خلافُ ما عَلِمَه فيهما محالًا، غير مقدورٍ، كما سبق تقريره، وما عَلِمه فيهم واجبًا منهم بتقديره ومُقتضَى علمِه السابق.
قوله، "وإِن كان الحديث حقًّا، فقد عِلِم اللهُ أهلَ الجنّةِ وأهلَ النارِ قبلَ القبضتين وقبلَ أن خَلَقَهم، فإِنما قَبَضَ أثرَ أهلِ الجنّةِ الذين في عِلمِه أنهم يَعلمون بما عَلِموا مُمَكَّنين غير مجبَرين؟ "قلنا: إِذا سَلَّمتَ أنه عَلِم أهلَ الجنّة والنار في الأزل، رَجَع النزاعُ معك إِلى أنّ خلاف معلومه مقدورٌ، أو غير مقدورٍ؟ وقد سبق الدليلُ على أنّه غير مقدورٍ؛ فصار مكلِّفًا لهم بالمحال؛ وما صَدَر منهم واجبُ الوقوع لغيره؛ فيَلزَم ما ذكرنا.
أمَا قولك، "أثر مّن كان في علمِه مطيعًا مَمكَّنًا غير مجبَرٍ". قلنا: لم لا يجوز أن
стр. 179
يكون عَلِمَ استواءَ حالتهم في الاختيار وعدمه، فرَجَّحَ خلقَ الأفعالِ فيهم، لما سبق تقريره؟ واحتمال هذا ممّا لا يمكن القطعُ بنفيه. وحينئذٍ، لا يمكنك القطعُ بصحّة ما ذَكَرتَ، وأنت في مقام الاستدلال. ونعود إِلى ما مَرَّ من النزاع.
قوله، "وكان يجب على ما روُوه أن تكون أعمال الناس هباءً منثورًا من حيث قد فُرِغ مِن الأمر". قلنا: قد مَرَّ الجوابُ عن هذا؛ وهو أنها متعبرَةٌ مِن حيث تَصرُّف اللهِ التكليفيّ الاستقلاليّ تحقيقًا لقدرتِه باطنًا.
ويُروَى في الآثار أنّه سبحانه أَوحَى إِلى داوود: "يا داوود؛ خَفني كما يُخَاف الأسدُ".
قال بعض العلماء: "معناه أنّ الله سبحانه، لاستقلاله بالتَصرُّف في خلقِه، لا يُبالى بما فَعَل فيهم من خيرٍ أو شر؛ كالأسد لا يُؤثِّر في سبعيَّتِه افتراسُ، كائنًا ما كان، عالمًا أو جاهلًا بقدرته الغالِبة باطنًا؛ لأنّه غالبٌ على أمرِه، بالِغٌ ما أَراد مِن خلقِه.
ثمّ يُقال لهم: لا يخلو إِمًا أن يكون اللهُ قادرًا على إِضلال الكافر، أو لا يكون، فإِن لم يكن قادرًا على ذلك، لَزم عجزُه عمّا قدر عليه المجرمون ونحوهم. فإِنّ الكفّار يقولون يوم القيامة: ﴿وما أضلنا إلا المجرمون﴾، ﴿فأضلونا السبيلا﴾؛ يعني سادتهم وكبراءهم. وفي هذا مِن القُبحِ والجرأةِ على الله، والاستخفافِ بقدرته، ما لا يَخفى على عاقلٍ. وإِن كان قادرًا عليه، فهو مقدورٌ له؛ وقد صَرَّح بأنّه خالقُ كلِّ مقدورٍ. فأمّا قولهم، "ما أَضَلَّنا إِلاّ المجرمون"، فقد سبق جوابه.
قوله، "وكيف يَصِحّ ذلك مع قوله، ﴿تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا﴾؛ وهو الذي حملهم عليه! " قلنا: يَصحّ ذلك
стр. 180
بالنظر إِلى تَصرُّفه الكونيّ التامّ فيهم؛ ويُنكر عليهم ويُقيِم الشناعات عليهم بالنظرِ إِلى تَصرُّفه التكليفيّ. ثمّ كيف [يُنكِرُ] عاقلٌ أنّه حَمَلَهم على ذلك بالقضاء والقدر، وهو يَبعَث إِلى النصارى عيسى مِن غير أن يحيي الموتى، ويُبرِئ الأكمهَ والأبرصَ، ويَنفخ في فُخّارٍ جمادٍ، فيطير، ويمشي على الماء، ويزجر الريح العاصف فيسكن، ويَضرِب برجله الأرضَ فتتفجّر عيونها وتظهر كنوزها، وعلى أي قبرٍ مَرَّ ضَرَبَه بعصاه، فقام صاحبُه يخبِره سالِفًا أو آنِفا، ويقول لهم مع ذلك كلّه: "أَرسَلني أبي"، و "كنت عند أبي"، و"أمشى إِلى أبي". وهل يَثبُت على هذا عقلٌ إِلاّ بعصمة الله! ولولا أنّ الله أَرسل محمّدًا ﷺ ، فكَشَف شبهةَ التثنية والتثليث، بما جاء به من التوحيد، لكان الناس كلّهم يَدعون لله ولدًا أو شريكًا، عن ذلك.
والدليل على هذا أنّ العرب، مع حِكمتهم ووفور أحلامهم إِلى زمنِ البعثة، لم يَزالوا يَتهافتوت على التَنَصُّرِ. وكان ذلك مشهورًا في غسّان وتَنُوخ وفِهرٍ وتغلب؛ وأحكامهم موجودةٌ في الإِسلام. ولَمَّا أراد عمر ضَربَ الجزيةِ على تغلب، أَنِفُوا منها، وأَذعنوا للزكاة. وخِيفَ من شكوتهم؛ فأُخِذَت الزكاةُ منهم ضعفب ما يؤخذ من المسلمين. فقال عمر: "ما رَأيتُ أجهل من هؤلاء؛ رَضوا المعنى، ونازعوا في الاسم". ونحن لا نعنى بأنّ الله حملهم عليه إِلاّ هذا، وهو خالق الدواعي الباطنة بتحريك الأسباب الظاهرة.
قوله، "وما معنى قوله، ﴿فما لهم لا يؤمنون﴾، وقد مَنَهم؟ " قلنا: معناه ما سبق غيرَ مرّةٍ.
قوله، "وكيف يقول: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾؟ وكان يجب أن يقول: "ما كان لهم أن يَعلموا بما قَضَيتُ عليهم". قلنا:
لأنّه محالٌ أن لا يَعلموا بما قَضَى عليهم، لوجوبه منهم. والحجّة لا تَقوم علهيم من حيث القضاء والقدر. إِنما تَقوم عليهم من حيث التكليف. فعاتَبَهم من حيث تَقُوم
стр. 181
الحجّة عليهم. وأمّا من حيث لا يَلزَمهم ظاهرًا، لم يعاتِبهم؛ لأنّه سرُّ انفَرَد به، وتَصرُّفٌ كوني لا يُشارَك فيه.
قوله، "وكيف يقول: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض﴾، وهو الذي حال بينهم وبين الطاعة! " قلنا: سبق جوابُه غير مرّةٍ.
قوله، "وإِذا كان الأمر مفروغًا منه، فكيف يقول: ﴿ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج﴾! وكيف ابتلى العبادَ، فعاقَبَهم على فِعلِهم! " قلنا: الأمر مفروغٌ منه مِن حيث التكوين، أو من حيث التكليف؟ الأوّل مُسَلَّمٌ؛ لكنّه لا يُنافي المعاتَبةَ والمعاقَبة على مخالَفة التكليف؛ لأنّا بَيّنّا أنّ التكليف والتكوين أمران متَفاضِلان متفاكّان مِن أحد الطرَفين، بالنسبة إِلى كلّ واحدٍ مِن الله والعبد. فالله سبحانه يُكَوِّن ما لا يُكَلَِفه، كالجمادات والبهائم. والعبد يُكلِّف ما لا يُكونَِه، كغُلامه. وأمّا بالنسبة إِلى الله والعبد، فهما متفاكّان مِن الطرفين. فالله يُكَوِّن ما لا يُكلَِف؛ والعيد يُكَلِّف ما لا يَكَون وإِذا كان التكوين والتكليف حقيقتين متفاكَّتين، فلا تَعَلُّق لإِحداهما بالأخرى؛ والفراغ من إِحدامهما لا يَستلزِم الفراغَ مِن الأخرى. هذا أمرٌ معقولٌ عند ذوي العقول.
بقَيِت شبهتُهم الفاسدة، "وإِنّ ذلك جَورٌ"؛ وقد سبق الجوابُ عنها بأنها قياسٌ فاسدٌ، للفرق بين أصله وفرعه، بما فيه كفايةٌ.
قوله، "وكيف يقول: ﴿إنا هدناه السبيل إِما شاكرا وإِما كفورا﴾! وكيف يقول: ﴿قدر فهدى﴾، ولم يقل: "فأَضَلّ"! "قلنا: كما سبق جوابه.
قوله، "وكيف يَصِحّ أنّه خَلَقهم للرحمة والعبادة، لقوله، ﴿فطرت الله التي فطر الناس
стр. 182
عليها﴾، وقوله: ﴿فطركم أول مرة﴾، وقوله: ﴿إلا من حرم ... ولذلك خلقهم﴾! فإِذا خلقهم لذلك، فكيف يَصحّ أنْ لا يجعل لهم سبيلًا، ويَقسرهم على السعادة والشقاء، على ما يَذكرون! " قلتُ: هذا السؤال فيه تخبيطٌ وتخليطٌ. وذلك لأنّ المفسِّرين اختَلَفوا في قوله تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾. فرَوى عبدُ الرزّاق، عن مَعمَرٍ، عن قتادة، أنّ معناه "للرحمة خَلَقَهم". وروَى ابن التيميّ، عن جعفرٍ، عن عِكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: "ولا يزالون مختلِفين، إِلاّ أهل رحمته، فإِنهم لا يختلِفون، ولذلك خَلَقَهم". وروى جعفر بن سليمان، عن عمرو بن عبيدٍ، عن الحَسَن، قال: "للاختلاف خَلَقَهم".
قلتُ: فانظر إِلى هذا الخبطِ. عمرو بن عبيدٍ، رئيس المعتزلة، وأشدّهم في الاعتزال، يَروى عن الحسن الذي ادَّعوه منهم، ونَسَبوا إِليه هذه الرسالة؛ يقثول: "إِنّه خَلَقَهم للاختلاف: . وإِذا كان للاختلاف خَلَقَهم للاختلاف". وإِذا كان للاختلاف خَلَقَهم، فالاختلاف ليس إِلاّ كُفرًا وإِيمانًا. فحينئذٍ، قد خَلَقَ الكافرَ للكفر، والمؤمنَ للإِيمان. وهذا هو الذي نقوله، والذي يليق بعقلِ الحَسَن، وما اشتُهر مِن مذهبه في السنّة. واتَّضح أنّ الرسالة موضوعةٌ عليه، منسوبةٌ إِليه.
وقال بعضُ المفسرين: "ولذلك"، أي للرحمة والاختلاف، "خَلَقَهم جميعًا" بين القولين. وهو حَسًنٌ جيدٌ مطابقٌ. غير أنّ الاختلاف واقعٌ بالنسبة إِلى المجموع بين المجموع، والرحمة واقِعةٌ بالنسبة إِلى المجموع لبعض المجموع، كما يقال: "خَلَقَ ذريّةَ آدم للجهاد"؛ وإِنما هو بالرجال؛ وهم بعض مجموعِ الذرّيّة. أو يكون بالنسبة إِلى الرحمة عامًّا مخصوصًا.
وأمّا توجيه القولين الأوّلين، فمَن قال: "للرحمة خَلَقَهم"، قال: "لأنها أقرب
стр. 183
المذكورَين؛ فجُعِلت الإِشارة إِليها"؛ واعتبار القربِ موجودٌ في لغة العرب، كما في تَنازُعِ العامِلَين. وتَعارَضَ هذا بمذهب الكوفيّين في إِعمال الأوّل. ومَن قال: "للاختلاف خَلَقَهم"، احتَجَّ بوجهين. أحدهما أنّ اللفظ بتقديره يَكُون على عمومِه؛ لمِا عُرِف مِن أنّ الاختلاف عام لجميع الناس؛ بخلاف الرحمة، لأنها لبعضهم قليلٍ منهم. الثاني أن اللفظ المُشار به، وهو قوله: "ولذلك"، مكتَنَفٌ بالخلاف قَبلَه وبَعدَه. أمّا قَبلَه، فقوله، ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين﴾. وأمّا بَعدَه، فقوله، ﴿وتمت كلمة ربك لأملان جهنهم من الجنة والناس أجمعين﴾. وهذا خلافٌ في المال، حيث كان فريقٌ محكومًا عليه بالتكفير. وهذان الوجهان أقوى من مناسَبة اعتبارِ القرب، مع كنها معارَضة بما ذَكَرَه. وأيضًا، فإِنّه سبحانه في سياق تخفيفِ هم النبي ﵇ اللاحق له بسبب اختلاف الناس عليه، فبَيَّن له أنّه خَلَقَهم للاختلاف؛ فلا يَستطيع أن يجمَعهم على مقالةٍ واحدةٍ، كما قال له، ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان نلفس أن تؤمن إلا بإذن الله﴾، الآية. وكقوله: ﴿وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت﴾، إِلى قوله: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين﴾.
وقد شَهِدَت هذه الآيةُ بجهلِ المعتزلة وأتباعهم؛ لأنّ الله سبحانه أخبر بأنّ المانع مِن جمعِ الناسِ على الهُدى هو كونه لم يُرِد ذلك؛ وسَمَّى مّن أَنكَر ذلك "جاهلًا". وهم يُنكِرونه، ويَقولون: "إِنما المانع لاجتماعهم على الهُدى إِرادةُ الضالّين منهم، وخَلْقُهم الضلالَ في أنفسهم". ولو لم يكن على المعتزلة إِلاّ هذه الحجّة، لكانت لهم قامِعةً، ولترّهاتهم قاطِعةً.
стр. 184
وإِذا اتّضَح أنّه للاختلاف، فقد جَعَل لهم السبيلَ إِلى ما خَلَقَهم له. فأمّا قَسرُهم على السعادة والشقاء، فذاك مِن حسث القدرة والإِدارة، لا من حيث الأمر والنهى.
وقد رَوى عبد الرزّاق، عن معمرٍ، عن قتادة، قال: "الجبّار جَبَرَ خَلقَه على ما شاء". قلتُ: يُريد مِن الجهة التي ذكرناها.
فإِن قيل: "هذا تصريحٌ بالجبر"، قلنا: هو من جهة التَصرُّفِ الكونيّ لازمٌ لأهل السنّة، لا يَنفَضُّون عنه، ولو استغاثوا بالجنّ والإِنس ومَن سِوى الله! وأمّا مِن جهة التَصرُّف الأمريّ التكليفيّ، فهم أهل عدلٍ وقسطٍ، يَقطَعون السارقَ، ويَرجمون الزاني، ويَقتُلون القاتلَ؛ وبالجملة يقيمون إِليه بَعدُ بما يَحتاج إِليه من المصالح. وقد بَيّنّا أنّه لا تَنافى بين التَصرُّفين، وأنّ الجَور غير لازمٍ، لقيام الفَرق بين الصورتين.
وأمّا قوله: ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها﴾، فرَوى عبد الرزّاق، عن معمرٍ، عن الحَسَن، أنّه كان يقول: "فطرةُ اللهِ الإسلامُ". وهو منافٍ لِما نَسَبَه السائلُ إِلى الحَسَن، مِن الاحتجاج بالفطرة. لأنّ مُراده "بالفطرة" أنّ الله تعالى فَطَرَ خلقَه عن الهُدى، أي أَلهَمهم إِيّاه، وجَعَله غريزةٌ لهم؛ ولكنّهم ضَلّوا أنفسَهم. وتفسير "الفطرةِ" بالإسلام يُنافي ذلك؛ لأنّ الناس ما دَخلوه إِلاّ بالسيف؛ فكيف يكون معلومًا بالضرورة والبديهة، مركوزًا في الجِبِلَّة والغريزةِ؟ وقد سبق تقرير المعتزلة أنّ مِن شرائع الإِسلام ما لا يُدرك للعقلِ حُسنُه ولا قُبحُه، فحيتاج إِلى توقيف الشرعِ. وحينئذٍ، يكون اللهُ سبحانه قد أَمَرَ نبيَّه بإِقامة الإِسلام؛ فساعَدَه ومَن تابَعه التوفيقُ، فأقاموه، وباعَدَ غيرَهم الخذلانُ عنه، فأضعوه وأناموه. فالأوّل بفضلِ اللهِ، والثاني بقدر الله، عن أن يُنسّب إِلى الجور، أو يُضاف إِليه الجور بعد الكوْر، وجلَّ أن يتطرق إِليه العجزُ، أو يَتَردَّى عنه رداءُ العظمةِ والعزّ.
قوله، "وكيف يَبتَلِي إِبليسَ بالسجود لآدم؛ فإِذا عَصَى، يقول: ﴿اهبط منها﴾،
стр. 185
ويجعله شيطانًا رجيمًا! كيف يقول: ﴿فما يكون لك أن تتكبر فيها﴾! وكيف يُحَذِّر آدمَ عدواتَه، لتقوم عليه الحجّةُ، إِن كان الأمرُ مفروغًا منه، كما يقولون! " قلتُ: قد سبق جوابُ مِثلِ هذا. وأمّا إِبليس، فقد بَيّنّا أنّ الله لعلّه عَلِم أنّه لو تَرَكَه واختيارَه، لعَصَى فرَجَّح جانبَ القسرِ الكونيّ الباطِن إِقامةً لرسمِ القدرة، وتنزُّهًا عن مشارِكٍ في الخلقِ. ويكون حاكمًا فيه وفي غيره بعلمِه في نفس الأمرِ. وهو الذي خَلَقَ فيه داعي الكبرِ والامتناعِ من السجود وسؤال النظرة إِلى يوم يُبعَثون؛ بدليل قوله: ﴿رب بما أغويتني﴾. ولا شكّ أنّ الأمر مفروغٌ منه في سر القدرة، غير مفروغٍ منه في ظاهر الصورة.
قوله، "والله سبحانه لم يَخْفَ عليه بقضائه شيءٌ، ولم يَزدَدْ علمًا بالتجربة؛ بل هو عالمٌ بما كان وما لم يكن"، إِلى آخِر كلامِه. قلنا: هذا اعترافٌ بما نقول.
قوله، "والعلم ليس بدافعٍ لهم إِلى معاصيه؛ لأنّ العلم غير العمل؛ فتبارَكَ اللهُ أحسن الخالقين". قلنا: لا نُسَلَّم أنّ العلم ليس بدافعِ لهم إِلى المعاصي. لِمَا بَيّنّا من أنّ العلم إِذا تَعَلَّق بعدم الطاعة، صارت غيرَ مقدورةٍ، والتكليف بها محالًا، وصارت المعاصي منهم واجبةً لغيرها، كما سبق تقريرُه. وليس ذلك إِلاّ بتقدير الله سبحانه؛ وبه احتَجَّ آدمُ على موسى.
وأيضًا، لو تُرِكوا على اختيارهم في نفس الأمر، مع تَعَلُّقِ عِلمِ الله بصدور المعاصي منهم في الأزل، لكانوا عند وجودهم إِمّا أن لا يجوز عُدُولهم إِلى الطاعات؛ فتكون المعاصي منهم واجبةَ الوقوع، وهو المطلوب؛ أو يجوز؛ فيَلزَم انقلابُ العلمِ الأزلىّ جهلًا لعدم مطابَقته للواقع.
فإِن قيل: "لا يجوز عدولهم إِلى الطاعات؛ والعلم الأزلىّ لم يَتَعلَّق بعدم الجواز؛ إِنما
стр. 186
تَعَلَّق بعدم الوقوع. وإِنما يَتَحقَّق عدمُ مطابَقةِ العلم في الواقع بتقدير وقوع الطاعات منهم؛ ولكنّها لم تقع"؛ قلنا: حاصل ما ذكرتم أنها لم تقع منهم، مع جواز أن تقع وحينئذٍ، صارت الطاعاتُ منهم مِن المحالات العاديّة، والمعاصى مِن الواجبات العاديّة. ويحصُل المقصودُ؛ إِذ لا فرق في حقيقة الوجوب والاستحالة بين أن يكون بالذات أو بالعدة. وإِنما الفرق بينهما في أمرٍ خارجٍ عن حقيقة الوجوب والاستحالة؛ وهو أنّ المحال لذاته يَلزَم مِن فرضِ وقوعِه محالٌ لذاته؛ والمحال عادةً لا يَلزَم مِن فرضِ وقوعه محالٌ لذاته. وهذا أمرٌ وراء حقيقة المحالأ. فحينئذٍ، تَعَلُّقُ عِلمِ اللهِ سبحانه بوجود المعاصي منهم استَلزَمَ أن تكون الطاعاتُ محالًا منهم في العادة؛ فتكون المعاصى واجبةً منهم في العادة. وليس ذلك إِلاّ بانضمام تأثير القدرة إِلى تَعَلُّقِ العلم؛ إِذ العالم نفسه لا تأثير له في المعلومات. والله أعلم.
قوله، في قوله تعالى: ﴿ولو شاء ربك لامن من في الأرض﴾؛ ﴿ولوشاء الله لجمعهم على الهدى﴾، "إِنّ المرادَ بذلك إِظهار قدرته على ما يريد، كقوله: ﴿لإن نشأ نخسف بهم الأرض﴾، ﴿ولو نشاء لمسخناهم﴾، ﴿ولو شئنا لبعثنا في كل قريةٍ نذيرا﴾؛ إنما دَلّ رسوله بذلك على قدرته؛ وذلك غير الذي شاءه منهم". قلتُ: يريد بهذا أنّ قوله، ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾، ونحوه من آيات المشيئة في هذا الباب، إِنما المراد به بيان أنّه قادرٌ على جمعهِم على الهُدى؛ لأنّه مَنَعَهم من الهُدى.
واعلم أنّ هذا تأويلٌ ساقطٌ. أمّا أوّلاً، فلأنّه ﵇ وغيره من المؤمنين لم يكونوا في شكِّ من قدرةالله على كلّ شيء. وقد صَرَّح اللهُ سبحانه لهم بذلك بما هو صريحٌ في إفادته؛ فقال في غير موضعٍ من القرآن: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾. فأيّ حاجةٍ كانت لهم إِلى تعريفهم قدرتَه بألفاظٍ محتمَلةٍ؟ فإِن قيل: "النصوصيّة على هذا المقدور
стр. 187
المعيَّن، وهو هداية الكفّار وجمعُهم على الهُدى؛ وذلك أقوى من استفادته من عموم ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾؛ قلنا: فكان يجب أن يَنُصّ لهم بصريحٍ لا يحتمِل غيرَ ذلك. ونحن سنبيِّن أنّ اللفط مجملٌ في معنييه، أو أنّه فيما نَدَعيه أظهر. ثمّ إِنّا قد بَيّنّا قَبلُ أنّ قوله: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة﴾، ﴿لآمن من في الأرض﴾، ونحوه، في سياقٍ لا يحتمِل ما ذكرتموه. إِنما هو للتخفيف عن قلبِ النبي ﵇، بأنّ الله تعالى قَدَّر الخلافَ، مِن كُفرٍ وإِيمانٍ، وقَضى به. ثمّ نقول: إِذا كان المرادُ بيانَ قدرته على هدايتهم، فهلاّ هداهم، لأنّ ذلك أصلح لهم، وأنتم توجِبون عليه رعايةَ الأصلحِ لخلقِه! وحينئذٍ، أحدُ الأمرين لازمٌ لكم مِن الآية: إِمّا كونه مَنَعَهم الهُدى ومَنَحَهم الضلالَ، وهو يُبطِل أصلَكم في القدر؛ أو تَركُه رعايةَ الأصلحِ لهم، وهو يَنقُض رأيَكم في رعاية المصالح. وإِن كان لكم مِن هذا الإِشكال مَخلَصٌ، فانفُذوا، ولا تَنفُذون إِلاّ بسلطانٍ.
أمّا مقتضَى قوله، ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض﴾، في اللغة، فهو امتناعُ الإِيمان لامتناعِ مشيئةِ اللهِ له. فدَلَّت هذه الآيةُ على أنَ مَن لا يشاء اللهُ إِيمانَه لا يؤمِن. ودَلَّت بمفهومِها ومنطوقِ قوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يؤد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا﴾، على أنّ مَن شاء إِيمانَه آمَنَ. وقد جمَع بين الأمرين في قوله: ﴿من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا﴾. وحينئذٍ، قد دار الضلالُ والهُدى مع مشيئته وجودًا وعدمًا. فذاك إِمّا أن يقتضي أنها مع القدرةِ مؤثرةٌ في وجود الضلال، أو غير مؤثِّرةٍ، أو موثرةٌ مع قدرة الآدمي وإرادته. والأوّل تسليمٌ لقولنا. والثاني يُبطل استدلالكم المتقدِّم على أنّ العبد موجِدٌ لأفعاله، تَدُورُ بها مع قصدِه وإِرادتِه وجودًا وعدمًا؛ وهو ما زَعمتُموه ضروريًا. والثالث يقتضي وقوعَ المقدورِ بين قادرَين؛ وأنتم لا تقولون به.
стр. 188
قوله، "إِنّ الله تعالى رَدَّ قولَ الكافرِ يوم القيامة، ﴿لو أن الله هدانى لكنت من المتقين﴾ بقوله: ﴿بلى قد جائتك آياتى فكذبت بها﴾، الآية. فلو قامعذرُه بأنّ الله لم يهدِه، لم يُكَذِّبه".قلنا: التكذب وَقَعَ لدعواه أنّ الله لم يَهدِه؛ ولا شكّ أنّه كَذِبٌ باعتبار أحدِ معنَيى "الهُدى" اللَذين قَرَّرناهما قَبلُ، وهو الإِرشاد إِلى طريق الحقِّ. فإِنّ الله أَرشَده إِلى ذلك بالرسل والكتب وإِظهار المعجزات؛ فوَقَعَ تكذيبُه بهذا الاعتبار. وإِنما وَقَعَ منه التقصيرُ مستنِدًا إِلى القضاء والتقدير مِن العزيز القدير. أمّا "الهُدى" بالمعنى الآخرَ الذي يَصحَب الإِنسانَ فيه خفيرُ التوفيق، فلم يحصل له، ولا هو واجِبٌ على أحد المجملّن. ولعلّه الذي أراده الكافر نَفَى الهُدى نفيًا مجمَلًا؛ فخَرَج التكذيبُ له على أحد المجملَين. ولعلّه الذي أراده الكافرُ؛ لأنّه لم يرَ الرسلَ والكتبَ تَهدِي. وأمّا المجمل الآخَر، فلم يكن يَعترِف به.
قوله، "ولَمَّا قالوا: ﴿لو شاء الرحمن ما عبدناهم﴾، أكذَبهم اللهُ، فقال: ﴿كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا﴾؛ فنعوذ بالله مِمَّن أَلحَقَ الكذبَ بالله". قلتُ: الوارد في القرآن مِن هذا الباب فيما أَستحضِر ثلاثُ آياتٍ: في الأنعام: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيءكذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا﴾؛ وفي النحل: ﴿وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم﴾؛ وفي الزخرف: ﴿وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون﴾.
وليس تكذيبهم في هذه الآيات لكونهم أَضافوا إِشركاهم إِلى مشيئة الله، أو امتناعَهم إِلى امتناع مشيئة الله ضدّه، وهو الإِيمان واتوحيد؛ لأنّه لو كَذَّبهم لأجل ذلك، لاقتَضَى
стр. 189
أنْ لا تَعَلُّق لمشيئته بضلال الضالّين. لكنّ ذلك يُناقِض قوله: ﴿من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على ضراط مستقيم﴾؛ والتناقُض في القرآن محالٌ باتفاقٍ. فَثَبَت أنّ تكذيبهم لأجلِ أمرٍ وراء ذلك؛ وهو أنهم قالوا ذلك على جهةِ التهَكّم، أو العنَت، أو المدافَعَةِ. كأنهم قالوا: "أنت، يا محمّدٌ، تَزعُم أن ربَّك هو الذي يُضِلّ مَن يشاء ويَهدى مَن يشاء؛ فإِذن نحن بمشيئته أَشرَكنا؛ ولو شاء لَما أَشركنا. وإِذا كان إِشراكُنا بمشيئته وإِرادته، فأنت في دعائنا إِلى غيره متكلَّفٌ؛ لأنّ الله يَرضَى منّا بما يوافِق إِرادته". فدَخَلَت عليهم شبهةُ القدريّة في أنّ الطاعة موافَقة الإِرادة؛ فأَكذَبهم اللهُ سبحانه في إِخراجهم هذا الكلام في صورة التفويض والتسليم واعتقاد نفوذِ مشيئة الله وإِرادته فيهم، وإِنما هم مجادِلون معانِدون، يُلزِمونك على مقتضَى إِخبارك ما يَظُنون به إِفحامَك. وهذا كما في قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه﴾؛ معناه أنهم لَمَّا أُمِروا بالصدقة، قالوا للمؤمنين: "أنتم تُزعمون أنّ الله هو الرازّق، وأنّ مَن شاء اللهُ أطعَمَه؛ ومَن لا، فلا فأىّ حاجةٍ إِلى أمرِنا بالإِنفاق"، إِلزامًا لهم على ما يَعتَقِدون. فلا شكّ أنّ الله لو شاء، ما أشركوا. ولكن أَكذّبهم في زعمِهم التفويضَ إِليه، كما أكذَبهم حين قالوا: "إِنّك رسول الله". ولم يَكذُبهم في هذا القول؛ لأنّه حقٌّ؛ وإِنما أكذبهم في أنهم يَعتقِدون صحّة ذلك القول؛ فهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. وباعتبار تَصرُّفه التكليفىّ، ومخالَفتِهم خطابَه الأمريّ، فإِنّه أَمرَهم بالتوحيد، فخالَفوه وأشرَكوا. قال بعض المفسَِرين: "وقد يُذَمُّ الإِنسانُ على العنت والعناد، وإِن كان حقًّا؛ كقولهم، "أنزِلْ علينا كتابًا"، و "فَجِّر لنا ينبوعًا"، ونحوه مّما حُكِي عنهم في سورة بني إِسرائيل وغيرها، ذمَّهم اللهُ عليه، لا لكونه سؤالًا معجِزًا على جهة الاسترشاد، بل لكونه سؤالَ تعجيزٍ وعنادٍ. ولَمّضا قالت الخوارجُ لعليِّ: "لا حُكم إِلاّ لله"، قال: "كلمة حقِّ
стр. 190
أُريد بها باطلٌ".
قوله، "وجعلوا القضاء والقدر معذرةً. وكيف يَصِحّ ذلك، مع قوله: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين﴾! "قلتُ: إِن أَراد أنّ أهل السنّة يجعلون القدَر عذرًا في استباحة مُواقعة المحظورات، أو إِسقاط الحدود الشرعيّة عن فاعِلها، وتأثيمهم إِيّاه، فهذا محالٌ عليهم. بل العاصى هو نفسه يُقدِدم عليها، وهو يُلزِم نفسَه، وبعلمه فعَلها، يظلم نفسه، ويَستغفِر ربَّه. وإِن أراد أنهم يجعلونه عذرًا في دفعِ لائمة المخلوقِين وتوبيخهم عنهم، بمعنى أنّ ذلك واجب الوقوع منهم بالتقدير الأزليّ، وأنّ القوّة البشريّة لا تستطيع الخروجَ عن مقدور القدرة الإِلهيّة، فهو حقُّ. وبذلك احتًج آدمُ على موسى، فصَوب النبيّ ﵇ احتجاجه؛ ولم يَكُن لموسى ولا لغيره تقريعُ عاصٍ وتوبيخُه ما لم يكن ذلك حدًّا مشروعًا. وبهذا جَعَلَ النبيّ ﷺ موسى محجوجًا.
فإِنّ الله سبحانه عَدلٌ لا يَظلِم أحدًا. فإِذا رَتَّب على جناية العاصي حدًّا، عاجلًا أو آجلًا، كان ذلك مسقِطًا لحُكمِ المعصية بالنسبة إِلى الآدميّين، حتى يَعود العاصي بعد معصيته كحالِه قبلَها. والجميع عِبادُ الله؛ فليس لأحدٍ منهم أن يؤذِي أحدًا بتوبيخٍ ولا تقريعٍ. ولهذا، لَمَّا رُجِمَت الغامِدّةُ، سبها خالدٌ، فنهاه النبيّ ﵇. ولَمَّا جيء بشارب خمرٍ ليُجلَد، فلَعَنَه بعضُهم، فنهاه النبيّ ﵇، وقال: "إِذا زَنَت أَمَةُ أحدِكم، فليَجلِدها ولا يُثرب"، أي لا يَلومها ويوبِّخها. وهذا جَرَى على قاعدة العدل، والفرق بين تَصرُّف اللهِ التكليفيّ، وتَصرُّفه الكونّى. فباعتبار الأوّلِ، رَتب الحدودَ على المعاصي، وباعتبار الثاني، مَنَع من توبيخ العاصي، جمعًا بين عدلِ اللهِ وقدرته ونفوذ مشيئته وإِرادته.
стр. 191
وأمّا قوله: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين﴾ "، ونظائرها، فأمْرها واضحٌ باعتبار تَصرُّف الله في خلقِه، كونًا باطنًا، وتكليفًا ظاهرًا.
قوله، وكيف يَصحّ أن يقال: ﴿وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾، أي العقوبة التي أصابتك إِنما هي مِن قِبلِ نفسِك بعملِك. ولو شاء اللهُ أخْذَهم بالعقوبة من غير معصيةٍ، لقَدرِ على ذلك؛ لكنّه رؤوف رحيمٌ"؛ إِلى آخِر كلامه في هذا المعنى. قلتُ: قد سبق نحوُ هذا البحث، أو هو بعينه. وقبل هذه الآية، ﴿قل كل من عند الله﴾، يعني الحسنات والسيئات. وقال الله تعالى: ﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات﴾، ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾. وإِن كان في الاستدلال ببعض هذا نظرٌ، لكن، بالجملةِ، الحَسنة والسيئّة مِن عندِ اللهِ، أي بخلقه وتقديره.
وأمّا قوله: ﴿فمن نفسك﴾، فمعناه "سَبَب السيئّةِ من نفسك"؛ وهو الكسب الصادر على وِفقِ قصدِك بتقدير الله ومشيئته. لكنّ تصرُّف التكليفِ مقصورٌ على مراعاة الاكتساب. وتقدير الله لها، مضافًا إِلى تَصرُّف التكوين، فليس من هذا الباب.
قوله، "لو شاء الله، عاقبهم من غير معصيةِ" قلنا: نعم. ولو فَعَل، لكان عادلًا في ذلك حقيقةً معقولةً. لا نقول ذلك بَغتىً، ولا جمودًا على التفويض التقليدىّ؛ بل هو معقولٌ واقعٌ. أمّا أنّه معقولٌ، فلِما قرَّرنا قبُ مِن أنّه خَلَقَ النفوسَ، وعَلِم ما يَصدُر منها من خيرٍ وشر. فلو عاقب بعضَها بدون صدورِ ذنبٍ منها، وقلنا بتحسين العقل وتقبيحه، كما تقولون لأمكننا، بقول الله تعالى: ﴿ولا يظلم ... أحدا﴾؛ وعقابه لهذا بدون ذنبٍ ظلمٌ؛ وهو منّزهٌ عنه. فدَلَّ على أنّه عِلِم مِن جِبِلَّته وطبيعةِ نفسِه
стр. 192
الشرَّ، فأهلَكَه، أو عاقَبَه، لدفعِ شرَّه. ونَزَّلنا علمَه سبحانه المحقَّق منزلِةَ صدورِ المعصيةِ مِن ذلك الشرّير بالفعل، كما اتّفق العقلاُء على قتلِ الحيّة، حتى الصغير الذي لا يؤذِي، لخُبثِ نفسِه وشرِّ طبيعتِه.
وقد قال ابن قتيبة في قوله تعالى: ﴿وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالأجرة ممن هو منها في شك﴾، الآية: "إِنّ عِلم اللهِ على ضربين: خاصُّ به لا يُظهِر عليه غيرَه؛ فهذا، لعدل الله، لا يُحتَجّ به على خلقِه. والضرب الثاني مشترَكٌ بينه وبين خلقِه، وهو الذي تقوم به الحجّة الظاهرة عليهم. فقوله، ﴿إلا لنعلم﴾، يعني العلمَ المشترَك الذي تقوم به الحجّةُ عليهم وإِلاّ، فقد عَلِم اللهُ تعالى قبلَ خلقِهم مَن يؤمِن ممّن لا يؤمِن". هذا معنى كلامه.
وقد صَرح الله سبحانه بنحو هذا فيما صَحَّت به عنه السنّةُ، حيث قال: "إِنّ مِن عبادي مَن لا يُصلِحه إِلاّ الفقر. ولو أغنيتُه، لأفسَدَه الغنى. وإِنّ مِن عبادي مَن لا يُصلِحه إِلاّ الغنى. ولو أفقرتُه، لأفسَدَه الفقرُ". وذَكَر مِثلَ ذلك في المرض والصحّة. ثمّ قال: "إِنى أدَبِّر عبادي بعلمي فيهم؛ أني عليمٌ خبيرٌ".
وأمّا أنّه واقعٌ، فلأنّ الله سبحانه أَذِنَ للخضر في قتلِ الغلامِ، لعلمهِ أنّه إِن عاش، أرهَق أبويه طغيانًا وكفرًا. وقال النبيّ ﷺ : "إِنّ الغلام طُبِع كافرًا؛ ولو عاش، لأرهَق أبويه طغيانًا وكفرًا"، غَضِب، وقال: "وما يدريك؟ إِنّ الله خَلَقَ للجنّة والنار خلقًا وهم في أصلاب آبائهم. "قالت: "أرأَيتَ مَن لم يَبلُغ الحُلُمَ؟ " قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين". وهذا حُكمٌ فيهم بالعلم. وقد ورد أنّه بالآخرة تُؤجَّج لهم نارٌ يُمتحَنون بها.
стр. 193
ومِن باب الحُكمِ بالعلم، ما قاله بعضُ أصحابنا في الساحر يُقتل، قال: "لأنّه صار له قدرةٌ على أذى الناس في أموالهم وأنفسهم وحريمهم؛ والشهوات تحمله على ذلك؛ فصار كالكلب العقور، يُقتَل لتَهَيُّئه لأذى الناسِ". وهو توجيهٌ حَسنٌ.
فأمّا خلقُه الأفعالَ فيهم، ثمّ يعاقبهم، فلِما قرّرناه مِن أنّه علِمَ استحقاقَهم لذلك لو تَرَكَهم باختارهم. فلمّا استوى حالُ الاضطرارِ والاختيارِ، غَلَّب الأوّلَ، محافَظةً على رسمِ القدرةِ وكمالِ التصرُّف.
قوله، "لكنّه رؤوفٌ رحيمٌ". قلنا: رأفته ورحمته لا تنافى تصرُّفه في خلقِه التصرُّفَ الكونيّ الاستقلاليّ. أمّا التصرُّف التكليفيّ، فلم يعاقَب فيه أحدٌ، إِلاّ بحجّةٍ بالغةٍ.
ومّما يوضِّح إِثباتَ التصريفين المذكورين، وعليهما مدارُ مناظَرَتنا للقدريّة، هو أنّ بين الله سبحانه وبين عباده قدْرًا مشتركًا، وهو الوجود؛ إِذ كل موجودٌ. وقد قَسَّمَ المتكلّمون الموجودَ إِلى قديمٍ ومحدثٍ. وله سبحانه خاصّةٌ ليست لبعاده، وهي الإِلهيّة. فباعتبارِ القدْرِ المشترَك، وهو الوجود، ثَبَتَ التَصرُّف المشتَركُ، وهو التصرّف الخطابيّ التكليفيّ؛ كقوله سبحانه، ﴿أقيموا الصلاة﴾، ﴿ولا تقربوا الزنى﴾؛ وقولِ أحدِنا لعبده، "قُمْ! " و"لا تخرُج! " وباعتبار خاصّة الإِلهيّة، اختصّ الله سبحانه بالتَصرُّف الإِيجادي الكونيّ؛ وقد فُهِم هذا مّما قرّرنا قبلُ.
وقد بقي في الرسالة كلماتٌ، الجواب عنها معلومٌ مّما قرّرنا في جواب ما سبق منها. ومّن حقّق ما ذكرناه في جواب هذه الرسالة، راح عنه الباطلُ، وحلّ بوادٍ مِن الحقِّ غيرِ ما حلٍ.
стр. 194
[سادسًا: الأدلّة النقليّة على القدر]
[آيُ إِثباتِ القدرِ مِن القرآن]
واعلم أني كنتُ ملكتُ ببغداد كتابًا نظيفًا من تصنيف القاضي الشريف ابن أبي موسى الهاشمىّ، يَشتمل على آيات القدر مِن الطرَفين، على ترتيب السور، والكلامِ عليها بما عَلِمه. واتّفق أنّ الكتاب فُقِد، ولم أَقضِ منه الوطرَ؛ فبقى ذلك في نفسي. فلمّا أَلَّفتُ هذا الكتابَ، رأيتُ استقرياءَ أي القدر مِن القرآن على نهجِ ذلك الكتاب، ثمّ إِتباعَها بالأخبار الصحيحة في الباب؛ ليكون الكتاب جامعًا لمباحث المسألة المعقولة، وحججِها المنقولة. فأقول، وبالله العصمة والتوفيق:
سورة الفاتحة
قوله تعالى، ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾. أي نَستعينُك على عِبادتك. وهو معنى قوله: "لا حول ولا قوّة إِلاّ بالله"؛ أي لا قّوة لنا على طاعتك إِلاّ بتوفيقك. ولو كان العبد مستقِلًا بخلقِ فعلِه، لم يكن له حاجةٌ إِلى الاستعانة بربّه.
فإِن قيل: "قد ذكرنا في الرسالة المذكورة أنّ عَملَ الخير لا يصحّ إِلاّ بمعونة الله؛ لكن لا يَلزم مِن ذلك أنّ الله هو الخالق للفعلِ"، قلنا: قد سبق أنّ لا نعني "بخلق الله للطاعات" إِلاّ خلقَ دواعيها وإِزالة موانعِ وقوعها، حتى تَحدُث عقيب ذلك. وهذا بعنيه موجودٌ في المعاصي. فإِنّ الله سبحانه هو يخلق دواعيها، باتّفاقٍ- وإِلاّ لزم التسلسلُ- ويُهيِّء أسبابَها، كالشهوات المستميلة، والنفوس المائلة، وصرفِ العوائقِ دونها. فتَحدُث المعاصي عقيب ذلك. فإِذا سَلَّمتم هذا، فقد حَصَل الاتّفاقُ في المعنى، وبقي النزاعُ في اللفظ. فأنتم تُسمُّون ذلك "إِعانةً"، ونحن نُسمِّيه "خلقًا". وإِن لم تُسَلِّموا ما ذكرناه مِن المقدّمات، فالدليل عليه واضحٌ؛ وقد سبق.
стр. 195
فإن قيل: "لا نُسلَّم أنّ ما ذكرتموه، مِن خلقِ الداعي ونحوه، هو خلقُ المعصيةِ؛ بل خلقُها هو قوله، "كُنْ"، فيكون، كما يكون غيرُها مِن الأعيان والأفعال". قلنا: هو يُكَون المعاصي كذلك، لكن مرتَّبةً بحكم عادته في خلقِه، على الأسباب المذكورةٍ. فإِن نازعتم في قوله لها، "كنْ"، قلنا: ليس فراركم من ذلك إِلاّ من لزوم القبحِ عقلًا؛ وهو باطلٌ، كما سبق. ثمّ هو لازمٌ عليكم، بخلقِ الشيطانِ والنفوس والشهوات، وتركِ منعِ العصاةِ مواقَعةَ المحظوراتِ. وحينئذٍ، لا فائدة في منعِكم قبيحًا واحدًا يَلزَمكم مِن جنسِه قبائح.
ومنها قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾. هو طريق الحقِّ. ووجه الدلالة أنهم سألوا الهدايةَ منه. فلو لم تكن إِليه، لما سألوها؛ إِذ هم مستقِلّون بها، على زعمِ الخصم فإِن قيل: "ظاهر الآية محالٌ؛ لأنهم طَلَبوا الهدايةَ منه؛ وطالب الشيء لا يكون ذلك الشيء حاصلًا له؛ وإِلاّ لكان طلبُه له، مع حصوله له، تحصيلًا للحاصل؛ وهو محالٌ"؛ قلنا: فلابدّ للطلب من فائدةٍ، فإِن كان لحقيقة الهداية، حصل مقصودُ الدليل. وإِن كان للاستمرار على الهداية، أو لزيادة الهداية، حصل أيضًا. لأنّ الاستمرار على الشيء والازدياد منه فعلٌ، ولابدَّ. فإِمّا أن يكون مِن العباد، كما زعمتم؛ فهو محالٌ، لبطلان فائدة السؤال؛ أو من الله سبحانه؛ فهو المطلوب.
قوله، ﴿أنعمت عليهم﴾. يعني بالهداية. فأضافوها إِليه؛ فاقتُضِيَ استقلالُه بها. وهو خلاف قول الخصم، "إِنّ العبد يهدى نفسَه ويُضِلّها".
سورة البقرة
فمنها قوله: ﴿أولئك على هدى من ربهم﴾. "مِن" لابتداء الغاية؛ أي "منشأُ الهدى وابتداؤه هو ربّهم؛ فهو صادرٌ عنه، وحاصلٌ منه". وليست للتبغيض؛ لاستحالته على الربّ سبحانه. ولا للجنس؛ إِذ ضابطُ الجنسيّةِ أن يكون ما بعدَها أعمَّ مّما قبلها وجنسًا
стр. 196
له؛ نحو "ثوبِ من خزٍّ"، و "خاتمٍ مِن حديد"، و "بابٍ مِن خشبٍ". وليس بين العبيد والربّ اتّصالٌ بعمومٍ ولا خصوصٍ. وبهذا ضَعُفَ قولُ مَن زعمن أنّ "مِن" في قوله: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾، جنسيّةٌ؛ لأنّ الأوثان ليست أعمّ مِن الرجس، ولا جنسًا له. بل هي لابتداء الغاية، كهذه التي نحن فيها؛ أي "الرجس الحاصل، أو الناشئ، مِن الأوثان". وإِذا ثبت أنّ الرب سبحانه مبدأُ الهدى، فما ذلك إِلاّ لأنّه خالقه وموجِده.
ومنها يقوله سبحانه: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة﴾. ونظريها في النحل، ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم﴾، وفي الجاثية، ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصر غشاوة فمن يهديه من بعد الله﴾. قلتُ: "الختم" و "الطبع" و"الرَّين"، في قوله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾، أي "غطّى عليها"، هي عندنا أعراضٌ يخلقها اللهُ في قلوب الأشقياء، يمنَعهم بها من الإِيمان، بالإِعراض والصرفِ عن النظر في آياته وتدُّبر علاماته. ومن هذا الباب، "الأكِنّة"، في قوله: ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه﴾.
أمّا المعتزلة والقدريَة، فزعمَ أنّ الختم والطبع مجرَّد تسميةِ الله العبدَ "كافرًا" و "ضالًا" و "مختومًا، أو مطبوعًا، على قلبه". وهو فاسدٌ، لوجهين. أحدها أنّ الله سبحانه ذكر ذلك في معرضِ التَّضرُف فيهم بما يَصرِفهم عن الإيمان؛ ومجرَّد التسميةِ لا تُؤثر في ذلك. الثاني أنّا نحن قادرون على تسميةِ الكافر "كافرًا"، ولسنا قادرين على الختم والطبع على قلبه؛ دَلَّ ذلك على تغايرهما. وأيضًا، لو صحّ ما ذكروه، لكان أقبح
стр. 197
القبيحِ؛ لأنّه يَذمّهم على مجرَّد تسميتِه لهم بذلك؛ وورود الختمِ والطبعِ في سياق الذمّ ظاهرٌ.
وقال بعضهم: " هي سماتٌ وعلاماتٌ يجعلها اللهُ على قلوب الكفّار". وهو باطلٌ؛ لأنّ شأن السِّمة والعلامة أن تَدُلّ على الشيء، لا أنها تمنعه وتَصرِفه عمّا ينبغي له. والله سبحانه ذكرها في معرض ذلكّ بدليل قوله، ﴿أكنة أن يفقهوه﴾؛ أي "يمنعهم مِن أن يفقهوه"، أو "لئلا يَفقهوه".
وقال بعضهم: "الختم والطبع عقوبةٌ من الله، يجازي بها أهلَ المعاصي. وهي إنما تُضادّ الإخلاصَ، لا الإِيمان؛ فيصِحّ اجتماعُه معها" وهو باطلٌ؛ لأنّ الله سبحانه لم يَذكُرها إِلاّ في حقّ الكفّارِ. ولعلّهم أَخَذوا ذلك من نحو قوله تعالى: ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم﴾؛ أي "بسبب كفرهم"؛ فدلّ على أنها عقوبةٌ على المعصية. لكنّا قد بيّنّا بطلانَ العقوبةِ على الذنب بذنبٍ مثله، أو بما يُفضي إِلى مثله، فيما سبق، بيانًا شافيًا. والباء في الآية، وإِن كانت ظاهرةً في السببيّة، إِلاّ إِنها مُؤولةٌ عند العلماء على الحاليّة؛ أي "طَبع اللهُ على قلوبهم متلبِّسين بكفرِهم"، أي حالَ كفرهم". ويفيد ذلك تَقَيُّدَ الطبع بحال كفرهم، ولا طبْع عليها حال إِيمانهم.
والتحقيق في الباب أنّ "الختم" و"الطبع" و"الوَسمَ" متقاربةٌ في المعنى، وهي الاستيثاق على الجسم المجوَّف بالسدّ ونحوه، لئلاّ يَدخله شيءٌ؛ كختم الكيسِ والإِناءِ ونحوه. فالختم على القلب يحتمل أنّه حقيقةٌ، بأن يَكون، كما قيل، شكلًا صنوبريًا مجوّفًا، يَعقل الأشياءَ بانطباعها فيه، كانطباع الأِشياء المحسوسة في الحواسّ، كالمبصَرت في جليديّة العين، ونحوها، إِن قلنا إِنّ العقل في القلب؛ أو بواسطة فيضِ نورِه عليه من الدماغ، على ما مّر في ذلك. فيمنع اللهُ سبحانه دخولَ المعقولاتِ وانطباعَها فيه بشيءٍ محسوسٍ يُغطّيه. كما قيل، "إِنّ للقلب غَيايَة القمر، إِذا تَغًشَّته بشيءٍ ما سمع، وإِذا تجلَّت عنه ذكر". و"الغيايَة"، بعينٍ معجَمةٍ، ويائين آخر الحروفِ: السحابة. وقال مجاهدٌ: "القلب كالكفّ، يُقبَض منه بكلّ ذنْبٍ أصبعٌ، ثمّ يُطبَع".
стр. 198
قلتُ: الأحاديث الصحيحة دلّت على أنه حقيقةٌ. فروى أبوهريرة، عن رسول الله ﷺ ، أنّه قال: "إِنّ العبد إِذا أَخطَأَ خطيئةً نُكِتَت في قلبه نُكنةٌ سوداء. فإِذا هو نَزَعَ واستغفَر وتابَ، سُقِل قَلبُه. وإِن عادَ، زيدَ فيها، حتى تُغلِق قلبَه. وهو الران الذي ذَكَرَ اللهُ؛ ﴿كلا بل ران على قلوبهم﴾، الآية". رواه ابن ماجه والنسائىّ، وصحّحه الترمذىّ.
وفي حديث حُذَيفَة، "إنّ الأمانى نَزَلَت في جَذرِ قلوبِ الرجالِ"؛ إِلى قوله، ثمّ حَدثنا، يعني النبيّ ﷺ ، عن رَفع الأمانةِ، فقال: "يَنام الرجلُ النَومَةَ، فتُقبًضُ الأمانةُ مِن قلبِه؛ فيَظلّ أَثَرُها مِثلَ المجلِ كحمرٍ دَحرَجتَه على رِجلك، فَنفِطَت؛ فتراه مُنتبِرًا". حديثٌ صحيحٌ متّفقٌ عليه.
وفي بعض الأحاديث، يَصِفُ القلبَ أنّه إِذا اكتَسَبَ الخطايا، [صار] مَنكُوسًا كالكُوز، مُجخيًا مُربادًّا، لا يَعرِفُ مَعروفًا ولا يُنكِر مُنكرًا. وكّل هذه صفات الأجسام المجوَّفة.
ويُحتمَل أن يكون الختم والطبع مجازًا عن خلقِ اللهِ سبحانه داعي الكفرِ في القلب، أو عدم خلقِ داعي الإِيمان فيه. فيكون امتناعُ قيامِ الإِيمان بالقلب لعدم خلقِ داعيه فيه، أو لقيام ضدِّه به، وهو الكفر، كامتناع قيامه به لوجود ما يُغطّيه، فيمنعه من الانطباع فيه لو كان مجوَّفًا.
وربما رجح هذا الوجهُ بدليل السمع والبصر المقارِنين للقلب في الآية. فإِنّ الختم والغشاوة عليهما غير محسوسين، بل معقولان، كما ذكرنا وهو معنى قوله تعالى: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾.
والمقصود على الاحتمالين حاصلٌ، وهو أنّ "الختم" و "الطبع" و "الأكنة" و"الغشاوة"
стр. 199
و "الأخذ"، في قوله: ﴿قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم﴾، موانع تمنع مَن قامت به من الإِيمان بإِرادة الله وتقديره وخلقه.
واعلم أنّ ها هنا تنبيهًا ليس مِن مُهمّات ما نحن فيه؛ لكنّه متعلِّقٌ بالآيات المذكورة. وهو أنّ آية النحل شَرَكَت بين القلوب والسمع والإِبصار في الطبع؛ وهو وبمعنى الختم وآية الجاثية خَصَّت الغشاوةَ بالبصر. وآية البقرة هذه هو فيها متردِّدٌ بين أنّه مختومٌ عليه، أو عليه غشاوةٌ. والأوّل أظهَرُ لفظًا. وبدليل باقي الآيات، واختلاف ألفاظِ هذه الآي في الحائل دون القلب والسمع، يقوي الاحتمال الثاني، وأنّ ذلك مجازٌ.
وقال بعض الفضلاء: "القلوب والأسماع مجوَّفةٌ. فالختم بها أشبَه. والأبصار بارزةٌ والإِدراك بظاهرها. فكان الغشاء بها أليَق". وهذا بناءٌ على أنّ ذلك حقيقةٌ، أو بيانٌ لمناسبة الاستعارة.
ومنها قوله تعالى: ﴿فى قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا﴾. "المرض" إِمّا الشكّ أو الضلال عن الهداية. وقد أخبر أنّه زادهم إِيّاه، مضافًا إِلى ما في قلوبهم منه. وهو كقوله: ﴿فزادتهم رجسا إِلى رجسهم﴾. وإِذا جاز أن تكون الزيادةُ منه، جاز أن يكون الأصل منه. وجميع ذلك إِنما خو بخلقِ الدواعي وإِقامة الشبهات والصوارف. وقد أَجَبنا عن قولهم، "إِنما الزيادة منه عقوبةٌ على أصل المرض الذي في قلوبهم".
ومنها قوله سبحانه: ﴿الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾. و ﴿يمدهم﴾، أي "يملى لهم". ﴿فى طغيانهم﴾، أي غُلُوِّهم في الكفر. ﴿يعمهون﴾: يَتردّدون في الضلالة ويَتَحيّرون. والعمه في القلب كالعمى في البصر. فيقال للخصم: إِمّا أن يكون الله قادرًا على إِنقاذهم من الحيرة، بكشف شبهتهم واللبس عنهم، أو لا.
فإِن كان قادرًا، فلِم لم يفعل، وهو من المصالح الواجبة عليه؟ فكما جاز أن لا يُنقذهم منها، جاز أن يُوقِعهم فيها ابتداءً؛ إِذ كلا لأمرين قبيحٌ شاهدًا. فإِذا جاز أحدهما في
стр. 200
حقّه، وجب أن يجوز الآخرُ؛ إِذ حُكم المثلين واحدٌ. وقد سبق هذا البحثُ. وإِن لم يكن قادرًا على إِنقاذهم منها، لزم أن يكون عاجزًا عمّا فعلوه هم بأنفسهم، وساعد عليه الشيطانُ؛ فيكونون أقدر منه. وحينئذ، لا يُؤمَن أن يكون الشياطين وبعض الكفّار قد اتّفقوا على أن غَلَبُوا على ملكوت السماوات والأرض، فصاروا آلهةً، أو على الأرض فقط، وعَزَلوا البارئَ عن الإِلهيّة فيها، تعالى الله عن ذلك.
ومنها قوله: ﴿فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين﴾. والخصم زعم أنّ الإِنسان يهدي نفسَه ويُضِلّها؛ فما بالهم لم يكونوا مهتدين؟ وإِنما ذلك عندنا لأنّ الله لم يَهدهم الهُدى المصاحَب بخَفير التوفيق. أمّا الإِرشاد المجرَّد، فقد حصل.
ومنها قوله: ﴿ذهب الله بنورهم﴾. وليس الضمير راجعًا إِلى الممثًَّل به، وهو المستوقِد للنار. بل إِمّا إِلى صاحب المَثَل، وهم المنافقون، ذهب اللهُ بهدايتهم؛ أو إِليهم وإِلى المستوقِد على جهة المزج والاستخدام، كما قرّرناه في التفسير. وإِذا جاز أن يَذهب بهدايتهم، فما المانع من أن يأتي بضلالتهم؟ وهذا على تقدير أنّ ذهابه بنورهم، وهو الهُدى والإِيمان، في الدنيا. أمّا إِن أُريد به في الآخرة، فلا تكون هذه الآية ممّا نحن فيه.
ومنها قوله: ﴿وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾. ثمّ قال الله تعالى: ﴿يضل به كثيرا ويهدى به كثير﴾. فصرّح بإِضافة الإِضلال والهدى إِليه. والجواب عن قولهم، "إِنما أضلّهم بعد فِسقِهم، بدليل باقى الآية"، قد سبق. وكان سبب الآية [أنّ] الكّفارُ: "الله أَجَلّ مِن أن يَذكُر هذه الحشرات الخسيسة؛ وإِنما هذا من كلام محمّدٍ. فأنزل الله سبحانه: ﴿إِن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها﴾.
стр. 201
ووجه إِضلالهم وهداية غيرهم أنّ الله سبحانه أَلهمهم الشبهةَ المذكورة بسبب الأمثال المضروبة، وضَلّوا، وعَضَم منها الآخَرين، فلم يَضِلّوا، فاهتدوا؛ إِذ لا واسطة بين الضلال والهدى.
ومنها قوله: ﴿إنى جاعل في الأرض خليفة﴾. ووجه الاستدلال بها ما سبق، من [أنّ] الله تعالى خلق آدم ليكون خليفةً في الأرض على الوجه الذي أهبط به إِليها، وهو المعصية. فقد تعلَّق علمُه بها قبل خلقِه. وخلاف ما تَعلَّق علِمه، قد بيّنّا أنّه غير مقدورٍ. فما تعلَّق به علمُه يكون واجب الوقوع. وبذلك احتَجّ آدمُ على موسى.
ومنها قوله: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى﴾، الآية، إِلى قوله: ﴿قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا﴾. وجه الاستدلال؛ ثم وَبَخَهم بقوله: ﴿ألم أقل لكم أني أعلم غيب السموات والأرض﴾. فكذلك، يجوز أن يَضطَرّ العبدَ إِلى فِعلِ ما يَذمّه ويُوبِّخه عليه. ولا فرق بينهما في الحقيقة؛ إِلاّ أن يقال: "إِنّ فِعل اللهِ سبحانه مع الملائكة يَحسُن فِعلُه في الشاهد؛ بخلاف فِعله مع العبد، على زعكم" لكنّ جوابه من وجهين. أحدهما منعُ جوازِ السؤال تعجيزًا في الشاهد. لأنّه عنتٌ؛ والعقل والشرع يُقبحانه. فقد جاء في الحديث، "إِياكم وأعلُوطات المسائل"؛ وهي المسائل الصعبة. ولذلك، كلّ عاقلٍ، إِذا سُئل سؤالَ امتحانٍ، يجِد في نفسه لذلك؛ لإِشعار السؤال باستجهال السائلِ له واستقصائه عن معرفته. إِلاّ إِنّه قد يقال: "إِنّ سؤال التعجيز في مِثل قضيّة الملائكة يجوز، بل يحسُن، بل ربّمما وَجَب قياس قولِ المعتزلة في رعاية الأصلح؛ لأنّه خَرَج مخرجَ التأديبِ لهم عن تعاطي الإِنكار فيما لا عِلم لهم به". الوجه الثاني أنّ الفرق المذكور اجعٌ إِلى التحسين والتقبيح وقياس الغائب على الشاهد؛ وهما
стр. 202
أصلان باطلان.
ومنها قوله تعالى: ﴿اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس﴾. وجه الاستدلال بها أنّه عَلم أنّ إِبليس لا يَسجُد؛ بدليل قوله، ﴿أعلم غيب السموات والأرض﴾. وقال بعض المفسّرين: "إِنّ الإِشارة بقوله: ﴿إنى أعلم مات لا تعلمون﴾، إِلى امتناع إبليس من السجود. فأراد أن يُبيِّن سرَّة المكنون فيه؛ لأنهم كادوا يَفتنون في إِبليس لكثرةعبادته. وقد ثبت أنّ خلاف معلومه محالٌ؛ فمعلومه واجبٌ. فتركُ إِبليس للسجود واجبٌ؛ وقد كَلَّفه به. وتمام الاستدلال ظاهرٌ؛ وقد سبق. وكذلك الاستدلال بكلّ تكليفٍ عَلِمً اللهُ مِن المكلُّف خلافَه؛ وهو كثيرٌ. فلنكتفِ بذِكرِ قاعدته ها هنا، ولا نعيده حيث تكرّر، إِلاّ يسيرًا.
ومنها قوله تعالى: ﴿بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون﴾. و"اللعن" هنا راجعٌ إِلى معنى الختم والطبع. ونظيرها في سورة النساء: ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا﴾. وقد سبق الكلامُ في معنى قوله، "بكفرهم".
ومنها قوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾، على الصحيح في تأويله. وإِنّ المرادَ "أُشربوا في قلوبهم حُبَّ العِجل". ووجه دلالته أنّه حذَف الفاعلَ في قوله: ﴿واشربوا﴾، وبناه لمّا لم يُسمَِ فاعلَه. ولو كان الفاعل "هُمْ"، لقال: "وشَرِبُوا"، كما قال قَبلَه: ﴿قالوا سمعنا وعصينا﴾. فلمّا قطعه عن نظائره، وما عطَف عليه في تسمية
стр. 203
الفاعل، دَلَّ على أنّ الفاعل غيرهم. وليس إِلاّ أنّه سبحانه أَشَربَ قلوبَهم حُبَّ العِجلِ، أي أَلهمها إِيّاه حتى شَرِبَته وتَشَرَّبته وتغلغَل فيها تغلغُلَ الماء في الشجرة، ونحوه. وقد سبق قول موسى، "ربّ أنت أضللتَ قومى".
ومنها قوله تعالى: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه﴾. وجه دلالتها أنّه امتَحَن الناسَ بتحويل القِبلة، ليَعلَم المتابعَ مِن المنازِعِ، مع عِلمِه بأنّ منهم مَن يُنازِع ولا يُتابِع. وتمام الاستدلالِ بها كما سبق في سجود إِبليس وغيره. وقوله، ﴿إلا لنعلم﴾؛ يعني العلمَ المشتَرك بنيه وبين الخلق، كما سبق.
ومنها قوله تعالى: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك﴾. وما ذاك إِلاّ لأنّه مَنَعَهم عن اتِّباعِه بخلق الدواعي وإِقامة الصوارف. وإِلاّ، فلا خلاف في أنّه قادرٌ على أن يَلطُف لهم ويُزيل عنهم الشبه، حتى يَعلموا صحّتها، فيتابعوها. فما صار المنعُ إِلاّ من قِبله. ومِن بابه، قوله تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون﴾، ﴿ولو أننا نزلنا إِليهم الملائكة﴾، إِلى قوله: ﴿كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله﴾.
ومنها قوله تعالى: ﴿زين للذين كفروا الحياة الدنيا﴾. وذلك إِعانةٌ لهم على الكفر والطغيان، وإِمدادٌ لهم فيه. وقد كان الأصلح لهم أن يُزَهِّدهم فيها كما زَهَِد فيها أولياءَه. وإِذا جاز أن يُعينَهم على الكفر، جاز أن خلقه فيهم. وقد صرّح اللهُ تعالى بقوله: ﴿كذلك زينا لكل أمة عملهم﴾.
ومنها قوله تعالى: ﴿فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من
стр. 204
يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ﴾. ودلالتها من وجهين:
أحدهما: قوله: ﴿فهدى الله الذين آمنوا﴾؛ خَصَّهم بالهداية. وتلك الهداية إِمّا الإِرشاد المجرَّد، أو الإِرشاد المقيَّد بصحبة التوفيق. والأوّل باطلٌ؛ لأنّه لم يُختَصّ به المؤمنون. بل الله سبحانه أَرشد الفريقين إِلى طريق الحقّ، بدليل قوله: ﴿وهديناه النجدين﴾، ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾. فتعَّن أنّ الهدى الذي اختُصّ به المؤمنون هو الهدى المصاحِب للتوفيق إِلى غاية التحقيق؛ وذلك بخلق دواعى الاتّباع، ونفي دواعي الامتناعِ.
الوجه الثاني: قوله، ﴿والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم﴾. والهدى فيما هو المذكور في الوجه قبله؛ وقد خصّ به من يشاء. وقد صرّح اللهُ سبحانه بالدعاء عامًّا والهداية خاصًّا في قوله: ﴿والله يدعو إِلة دار السلام ويهدى من يشاء إلى صراط مستقيم﴾.
ومنها قوله تعالى: ﴿لو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم﴾، إلى قوله: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾. تقدير الآيةِ ونظائرِها: "لو شاء الله أن لا يفعلوا، أو أن لا يقتتلوا، لما اقتَتَلوا". فقد أقرّهم سبحانه على الاقتتال مع قدرته على رفعِه عنهم وصرفِهم عنه؛ وعلّل بأنّه يفعل ما يريد. والقبح فيها لازمٌ على المعتزلة؛ حيث لم يراعِ مصلحةَ المقتتلين بصرفِهم عن الاقتتال؛ ولا مصلحة فيه بحال ذلك عليها.
قال ابن المنير: "ومن عادة الزمخشريّ في تفسيره أن يُؤول أي الإِثبات على ما يوافِق رأيَه في الاعتزال. لكن أَعرضَ عن الكلام على المشيئة ها هنا، لاعتيِاصِه عليه. وهو دليلٌ على فساد مذهبِه". قلتُ: والذي ذكر الزمخشريّ في الكشّاف أن قال: "لو شاء
стр. 205
الله مشيئةَ إِلجاء ما اقتتلوا". وهذا تأويلٌ منه للآية. إِلاّ إِنّه تأويلٌ فاسدٌ. لأنّ مشيئته لا تكون إِلاّ ملجِئةً.
ومنها قوله تعالى: ﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾. وهي دلالة على جواز تكليف ما لا يطاق، ومحل النزاع منه. وعورَض بأول الآية، ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾. فالآية يُستدل بها من الطريقين. وقد سبق الاستدلال بها والكلام عليه في مسألة تكليف المحال.
سورة آل عمران
فمنها قوله تعالى: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إِذ هديتنا﴾. أخبر اللهُ سبحانه أنّ هذا قول الراسخين في العلم، مادحًا لهم بذلك. وقد نَسَبوا إِليه إِزاغةَ القلوب وهدايَتهم وإِقرارُ اللهِ سبحانه على الكلام كقوله إيّاه. ولو كان كما زعمه المعتزلةُ، لذمّهم على ذلك وأَنكَر عليهم، وقال: "أنا لا أُزيغ قلب أحدٍ، ولا أَهدي أحدًا؛ بل الناس يَفعلون ذلك بأنفسهم"؛ لأنّ ذلك كان أصلح لقائله؛ إِذ هو إِرشادٌ إِلى قول الحقّ، وهو واجبٌ على الله عند المعتزلة.
وأيضًا، فإنّ هذا تركٌ لبيانٍ عند الحاجة إِليه قطعًا؛ وقد سبق اتّفاقُهم على أنّه لا يجوز. فحيث سمّى اللهُ سبحانه قائلَ هذه المقالة "راسخًا" في العلم"، دَلّ على أنّ مخالِفه راسخٌ في الجهل. وهم يَتَأوّلون الآيةَ على معنى "لا تبلِنا ببلايا تِزِيغ فيها قلبوُنا، ولا تمنعنا أَلطافَك". وهو تحريفٌ، ثمّ لا يَنفعهم؛ لأنّه سبحانه حينئذٍ يكون مضطرًّا لهم إشلى الزيغ بالبلايا ومعِ الألطفاِ.
ومنها قوله تعالى: ﴿زين للناس حب الشهوات﴾، الآية. فالمزيِّن لها إِمّا الله سبحانه، بدليل قوله: ﴿كذلك زينا لكل أمة عملهم﴾؛ أو الشيطان، بدليل قوله تعالى:
стр. 206
﴿وزين لهم الشيطان أعمالهم﴾؛ فيكون ذلك تزيينًا من الله بواسطة الشيطان؛ وهو من جملة الأسباب التي تُخلَق الأفعالُ عندها. وإِذا كان الله هو الذي يُزيِّن حبَّ الشهوات، فالمعاصي واقعةٌ حبّها ضرورةً؛ ولقوله ﵇، "حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئةٍ".
ومنها قوله تعالى: ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن اتبع دينكم قل إن الهدى هدى الله﴾. ونظيرها في البقرة: ﴿قل إن هدى الله هو الهدى﴾. فظاهر الآيتين حجّةٌ في الباب؛ إِذ تقديره أنّ الهدى الكامل الذي يَتعقّبه الاهتداءُ هو هُدى اللهِ الذي يُصاحِبه التوفيقُ. ويحتمل أنّ المراد بهما أنّ الدين الحقّ الصحيح هو دين اللهِ الذي هدى اللهُ إِليه. وهو الأظهر؛ لورود الآيتين في سياق محاولة أهل الكتاب متابَعة المسلمين لهم على دينهم.
ومنها قوله تعالى: ﴿قل لو كنتم في بيوتكم لبر الدين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾. ونظيرها قوله: ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا﴾، وقوله قَبلُ: ﴿لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم﴾، "وقوله: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾. كلّ هذه الآيات من بابٍ واحدٍ. والاستدلال بالآية الأَولى أظهرُ. ووجهه أنهم لو كانوا مستقلّين بإِيجاد أفعالهم، لاستقلّوا ببروزهم إِلى مضاجعهم؛ لأّنه مِن أفعالهم. ولو استقلّوا به، لأمكنهم فعلُه وتركُه على جهة الاختيار. ولو صحّ ذلك، لما استَلزَم كَتْبُ اللهِ القتلَ عليهم خروجَهم إِلى مضاجعهم؛ لجواز أن يَكتبه هو، ويأبْوه هم. فلمّا استَلزَم كتبُ القتلِ عليهم بروزَهم له، دلّ على أنهم مضطرّون إِليه، لا مختارون. وإِذا ثبت اضطرارُهم في هذا
стр. 207
الفعل، ثبت في كلّ فعلٍ؛ إِذ لا قائل بالفرق.
ومنها قوله سبحانه، ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده﴾. ودلالتها من وجهين:
أحدهما: أنّ عدوّ الإِنسان ضربان: إِنسانٌ من جنسه، وشيطانٌ من غير جنسه. وقد ثبت بالآية أنّ انتصاره على عدوّه مِن جنسه دائرٌ مع نصرِ الله، أو خذلانه له، وجودًا وعدمًا. فكذلك انتصاره على عدوّه مِن غير جنسه، وهو الشيطان، كذلك. ولا نعني، بنصر الله وخذلانه، إِلاّ خلقَ داعي مخالَفةِ الشيطانِ، أو خلق داعي موافقته. وقد سبق أنّ الفعل يجب عقيب الدَّاعي، وأنّ الله سبحانه خلَق [الفعلَ] له بواسطة الداعي.
الثاني: أنّ الانتصار على العدوّ في الشاهد ليس إِلاّ بالأمور المحسوسة المشاهَدة، وهي الكَرّ بالخيل والرِكاب، والطعن والضرب بالسلاح. ولو كان ذلك مستقلًا بالمقصود، لَمَا كان المؤثر هو نصر اللهِ، دلّ على أنّه سبحانه هو خالق النصر وأسبابه التي هي الكرّ والفرّ والطعن والضرب ونحوها. وفي هذا الوجه نظرٌ.
ومنها قوله تعالى: ﴿يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة﴾. وجه الاستدلال بها أنّ مسارعتهم في الكفر، لو كانت خلقًا لهم، لما أثُرت إِرادة اللهِ في ذلك. دَلّ على أنّ مسارعتهم ليست خلقًا لهم. ثمّ إنّ الإِرادة إِنما تأثيرها في تخصيص الأفعالِ في زمانٍ ومكانٍ ونوعِ وقدْرٍ، لا في نفس الإِيجاد، وإِنما المؤثّر في الإِيجاد القدرةُ. فدَلّ على أن إِرادة اللهِ وقدرته أثرتا في نفي حظهم في الآخرة؛ وما ذلك إِلاّ بخلق الكفرِ فيهم. والله أعلم.
سورة النساء
فمنها قوله تعالى: ﴿وإِن تصبهم حسنة يقواو هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولو هذه من عندك قل كل من عند الله﴾. أي كلّ واحدةٍ من السّيئة والحسنة من
стр. 208
عند الله. فظاهر الآيةِ حجّةٌ في الباب. لأنّ "سَيئة" فَيْعِلَةٌ، مِن "ساء يَسُوء"، وهي من سياق الشرط؛ فيَقتضي العمومَ، ويَتناول كلّ ما ساء؛ فيَدخل فيه الكفرُ والمعاصي. وكذلك الحسنة تتناول الإِيمانَ وسائرَ الطاعات. وقد أخبر الله سبحانه أنّ ذلك كلّه من عنده، أي بإِرادته وقضائه وقدرته. لكن قد قيل إنّ المراد "بالسيّئة" الجَدبُ والغَلاءٌ. وقيل: القتل والهزيمة؛ والحسنة ضدّ ذلك. وهو مقتضَى سببِ الآية وسياقها، وإِن كان خلافَ ظاهرِها وعمومِ لفظِها. فعلى هذا، ليست من حجج الباب. وقد سيق بعض الكلام فيها. ووجه الجمع بينها وبين قوله: ﴿وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾. وبالغ في إِنكارِ ذلك عليهم، حيث قال: ﴿فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا﴾.
ومنها قوله تعالى: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين والله بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا﴾. وفيها على المكلوب ثلاثة أدلةٍ. أحدها:
قوله، ﴿والله أركسهم﴾؛ وهم قومٌ آمنوا، لمّ رجعوا عن الجهاد مع رسول الله. فاختَلَف الصحابةُ؛ فقال بعضُهم: "هم منافقون"؛ وقال بعضهم: "ليسوا منافقين". فنزلت الآية، وأخبر اللهُ أنّه هو أركسهم؛ أي "رَدَّهم". ومنه سُمى الرَجيعُ" رِكسَا".
الثاني: قوله: ﴿أتريدون أن تهدوا من أضل الله﴾. نسب سبحانه الإضلالَ إِليه، كما نَسَب الهدى إِليه في غير موضعٍ. وحاول الزمخشريّ الخلاصَ من هذه بأن قال: ﴿من أضل الله﴾، أي "جَعَلَه من جملَة الضُلاّل، وحَكَمَ عليه بذلك"، أو "خَذَلَه حتى ضَل". وهيهات لات حين مناص! أمّا حملُها على الحكم بالضلال، فخلاف
стр. 209
موضوعِ اللفظِ. ثمّ هو مجملٌ. فنحن نقول: "حَكَمَ" بمعنى "قَضَى وقَدَّر"؛ وهو يقول: بمعنى "أَبانَ وأَظَهرَ"؛ وهو نحوٌ من قولهم "الطبع والختم بالتسمية". وأمّا جعلُه ضالًا، أو خذلانه حتى ضَلَّ، فهو تَسليمٌ لما نقول. إِذ جعله ضالًا إِنما هو بخلقِ الضلالِ فيه وخذلانِه، حتى ضل من أسباب خلقِ الضلالِ، كما أنّ التوفيق من أسباب خلقِ الهدى.
الثالث: ﴿ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا﴾؛ أي إِلى الهدى. والفرق بين هذا والذي قبله أنّ ذاك خاصٌّ، أو في معناه، وهذا عامٌ، لأنّه في سياق الشرط.
ومنها قوله سبحانه: ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا﴾. وهي كالتي قبلها.
ومنها قوله تعالى، ﴿وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا﴾. فَنَسَب الطبعَ عليها إِليه. وقد سبق الكلامُ على معنى ﴿بكفرهم﴾.
ومنها قوله سبحانه: ﴿إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريق إلا طريق جهنم﴾. فأخبر اللهُ سبحانه بأنّه يهديهم إِلى طريقِ النار، ولا يَهديهم إِلى طريق الجنّة. وإِن لم يكن هذا إِضلالًا، فليس في الوجود إِضلالٌ أصلًا. وقد بيّنّا أنّ كونَ ذلك مرتَّبًا على كفرِهم وظلمِهم لا يَنفي ما نقول بيانًا شافيًا. والله أعلم.
سورة المائدة
فمنها قوله تعالى: ﴿فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾. فَنسَب الإِغراءَ بينهم إِليه. ولا تأثير لكونِه مرتَّبًا على نسيانهم لكوِنه مرتَّبًا على نسيانهم حظًّا منه، لما سبق.
стр. 210
ومنها قوله تعالى: ﴿ومن يرد الله فتنته فلن الملك له من الله شيئًا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم﴾. ومن المعلوم أنّ إِرادة الله سبحانه فتنتَهم وعدمَ تطهيرِ قلوبهم قبل وجودهم. فلا يَصحّ للهصم أن يقول: "إِنهم لَمَّا كَفَروا، أ ﴿اد بهم ذلك عقوبةً لهم". فإِن قيل: "أراده جاريًا على كفرهم عقوبةً"، قلنا: فهذا هو المراد.
وتأوّلها الزمخشريّ على معنى "مِن يُرِد اللهُ تَرْكَه مفتونًا، فلن تستطيع له مِن لُطفِ اللهِ شيئًا يَرُدّ به عن فتنتِه؛ ولم يُرِد تطهيرَ قلوبهم لعلمِه أنّ ذلك لا يَنفع". قلتُ: أمّا الأوّل، فهو على بُعدِه عن الظاهر، له نوع اتّجاهٍ. وأمّا الثانى، فهو كقولهم في المثل، "اضرِبْه على ذنبِه عشرةً، وعلى عُذرِه عشرين! " لأنّ الله سبحانه لو قَدّر أنّه أراد أن يُطهِّر قلوبهم من الكفر والشكّ، فإِمّا أن يكون ذلك مع إِرادةِ أنّه يَنفَع فيهم، أو لا. والأوّل مستلزِمٌ للنفع؛ أنّه سبحانه فعّالٌ لما يريد؛ وإِلاّ لزم نفوذُ إِرادتهم وإِرادة الشيطان فيهم، دون إِرادة البارئ سبحانه. والثاني يوجب الجمعَ بين الضدّين. وهو أنّه أراد التطهيرَ، ولم يُرِده؛ وهو محالٌ. فتبيَّن أنّ الآية قاطعةٌ في مذهب أهل الحقّ.
ومنها قوله تعالى في اليهود والنصارى: ﴿ومن يتولهم منكم فإِنه منهم إِن الله لا يهدى القوم الظالمين﴾. فنَسَب نفىَ الهدى إِليه، فدَلّ على أنّه هو الفاعل له ولضدّه. ولا تأثير لترتُّب نفي الهداية لهم على ظلمِهم لنا سبق. ولعّله يريد الظالمين في علمِه؛ فيكون نفيُ الهدايةِ ابتداءَ الأمرِ، بناءً على ظلمٍ أو غيره.
ومنها قوله تعالى: ﴿فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبوه﴾، إِلى قوله: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾. ونظائرها في القرآن، مِن اختصاصه سبحانه بفضلِه مَن يشاء. فدلّ على أنّه لا علّة للهداية والضلال إِلاّ مشيئة الله وقدرته.
ومنها قوله سبحانه: ﴿وليزيدن كثيرًا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا﴾.
стр. 211
وهو مِثلُ قوله: ﴿فزادهم الله مرضا﴾، ﴿فزادتهم رجسا إلى رجسهم﴾. وإِذا جاز أن يَتَسِّبب إِلى زيادة الضلالة، جاز أن يَفعل. إِذ لا فرق بين فاعل القبيح والمتسِّبب إِليه في استحقاق أصلحِ القُبحِ. وإِذا جاز أن يفعل زيادةَ الضلالِ، جاز أن يفعل أصل الضلال.
ومنها قوله سبحانه: ﴿واتقوا الله وأسمعوا والله لا يهدى القوم الفاسقين﴾. والاستدلال بها كما سبق.
ومنها قوله سبحانه، حكايةً عن المسيح: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾. جعل السببَ المصحِّح للتعذيب هو العبوديّة، ولم يعلِّل بمعصيةٍ ولا غيرها. فدَلّ ذلك على مذهب أهل الحقّ، مِن أن الله إِن يَرحم العاصي ويُعذِّب الطائعَ، بعلّةِ العبوديّة وكونِه مالكًا لا غير، فإِن انضَمّ إِلى ذلك صفُ طاعةٍ أو معصيةٍ، كان مؤكدًا، أو علّةً ثانيةً. وإِنّ لله سبحانه أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
سورة الأنعام
فمنها قوله سبحانه: ﴿ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾. وهو نصٌّ صريحٌ في أن الله سبحانه [ما] إِن يلبس على العبد أمرَه حتى يُضلّه. وقد وقع هذا تحقيقًا في المسيح؛ فإِنّه يقال إِنّ الروح الذي أُرسل إِلى مريم كان مَلَكًا؛ فحَمَلته؛ ثمّ ظهر رجلًا. فهذا ملَكٌ قد جعله اللهُ رجلًا. ويَدلّ على ذلك أخلاقُه وأفعاله؛ فإِنها كانت كأخلاق الملائكة وأفعالهم. وكقوله: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا﴾، الآية، فيما بعد؛ وقوله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبئ إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾، إِلى قوله: ﴿ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض﴾. فهذا صريحٌ
стр. 212
فى أنّه يَنصب لهم أشراكَ الضلال ليقعوا فيها. وإِن لم يكن هذا نصًّا فيما ذكرنا، فما ورد الشرعُ بنص في حكمٍ أصلًا.
ومنها قوله تعالى: ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنه أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا﴾. ولها نظائر في سورة الكهف وغيرها. وهي في معنى قوله: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾؛ وقد سبق.
ومنه قوله تعالى، عقيب قولهم: ﴿يا ليتنا نرد ولا نكذب﴾، ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون﴾. ومن المحال أنهم يعودون لما نُهوا عنه بعد معاينتهم النارَ ومشاهَدة أمور الآخرة، إلاّ بأن يُنسيهم ملك ويَضطرّهم إِلى الكفر والمعاصي؛ وهو إِضلالٌ لهم بالتسببِ أو المباشرةِ؛ وهو المطلوب. وقد سبق.
واعلم أنّا قد قدّمنا أنّ بعض المعتزلة غلا في وجوب رعاية الأصلح، حتى التزم أنّ دخول الكفّار النارَ أصلح لهم. قلتُ: ولا يتّجه في ذلك مصلحةٌ، إِلاّ أن يكون هذا القائل شذ عن أصحابه، وتخيل أنّ العالم يعود دورًا آخر إِلى دار التكليف؛ فيكون قد تأدّب بالنار، حتى إِذا كُلِّف ثانيًا أطاع. وهذه الآية ونحوها تردّه من وجهين:
أحدهما: أنها تضمَّنت أنهم يَسألون أن يُردوا، فلا يُجابون؛ بدليل قوله: ﴿ولو ردوا لعادوا﴾؛ فاقتضى امتناعَ العودِ، لامتناع الردِّ على ما هو مقتضَى "لو".
الثاني: أنّه، على تقدير الرد، أخبر أنهم يعودونه للكفر؛ فلا يَنفعهم التأديبُ.
ومنها قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾. وقد سبق الاستدلالُ بها في جواب الرسالة.
ومنها قوله تعالى: ﴿والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾.
стр. 213
ومنها: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتى فإذا هم مبلسون﴾؛ أي: آيسون متحسرون. وهذا معنى قوله: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾. قيل: "معناها: كلّما جَدَّوا معصيةً، جَدَّدنا لهم نعمةً". وهذا مكرٌ مِن الله بهم، كمكرِ الصائدِ بالصيد حتى يصيده. وهو إِصلالٌ بالخلقِ والتسبب؛ لأن خالق السببِ خالقُ المسبب؛ ولا خالق إِلاّ الله.
ومنها قوله تعالى: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا﴾.
قلتُ: كان النبيّ ﷺ يجالِس المستضعَفين مِن المؤمنين، كبلالٍ وعمّارٍ وصهيبٍ وسلمان. فازدَراهم الكفّارُ، وقالوا: "هؤلاء مَنَّ اللهُ عليهم مِن بيِننا! لو كان هذا الأمر حقًّا، لما خُص به هؤلاء". وكان ذلك فتنةً مِن الله لهم؛ كقول قومِ نوحٍ له: ﴿ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين﴾.
ومنها قوله تعالى: ﴿قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾. والاستدلال بها ها هنا أقوى منه بالتي في البقرة وآل عمران، بدلالة ما في سياقها.
ومنها قول إِبراهيم، حين رآى القمر بازغًا، ثمّ أَفَلَ: ﴿قال لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الظالمين﴾. وتأويله على "لئن لم يَلطُف لى حتى أهتدي"، لا دليل عليه. واللفظ وافٍ بمقصود أهل السنّة. وقال بعده: ﴿وحاجة قومه قال أتحاجونى في الله وقد هدان﴾؛ فَنَسَب الهدايةَ إِلى الله سبحانه.
ومنها قوله تعالى: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل﴾، إلى
стр. 214
قوله: ﴿واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده﴾، إِلى قوله: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتدى﴾.
ومنها قوله سبحانه: ﴿ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظًا وما أنت عليهم بوكيل﴾. ومشيئة الله سبحانه إِرادتُه، وتعلُّقها بالمرادات موجِبٌ لوقوعها، بشرط تأثير القدرة فيها؛ لئلاّ تتناقَض مقتضياتُ صفاته تعالى؛ وهو محالٌ، كما سبق. وبهذا يندفِع قولهم، "لو شاء مشيئة إِلجاءٍ"؛ فإِنّ على ما قررناه لا تكون مشيئتُه ِلاّ ملجِئةً موجبِةً.
ومنها قوله سبحانه: ﴿كذلك زينا لكل أمة عملهم﴾. أي حَسًّنّاه في نفوسِهم، ليعملوه. والميل إِلى ما زَيّنه اللهُ سبحانه واجِبٌ، كما قال: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين﴾. وعلى ذلك تُقَطَّع الأعناقُ. وسبب ذلك أنّ الله سبحانه خَلَقَ الطِباعَ، وعَلِم ما تميل إِليه ميلًا واجبًا؛ فخلَقَه لها. فصار ذلك بمثابة من يُقرب الحطبَ من النار، والحديدَ من المغناطيس. فإِنّه بالضرورة يؤثِّر فيه، مع زوال المانع. وعكسُ هذه الآية قولُه تعالى للمؤمنين: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾. الآية.
ومنها قوله تعالى: ﴿قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم إنها إذا جاءت لا يؤمنون﴾؛ على قراءة مَن كَسَرَ الهمزةَ، وهو أبو عمروٍ وأبو بكرٍ، عن عاصمٍ. فإِنّه قد أَخبر أنهم لا يؤمنون عند مجيء الآياتِ. ومعلومُ اللهِ واجبُ الوقوعِ، كما سبق غير موضعٍ.
стр. 215
ثمّ قال: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لو يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمون﴾. واختلف في هذه الجملة. فقيل: "مستأَنَفَةٌ إِخبارًا مِن اللهِ سبحانه أنّه يُقَلِّب قلوبهم عن إِدراك الحقِّ، فلا يتَّبعوه: كقوله ﵇، "يا مقلُّب القلوبِ، ثبِّتني على دينك" وتقليب القلوبِ يحتمل أن يكون حقيقةً، بأن تَتَلبَّس، أو يُختَم عليها، فلا يَدخلها نورُ العقل؛ أو مجازًا، بمعنى خلقِ داعي ما يشاء اللهُُ فيها، على ما سبق تقريره في أوّل البقرة وغيره." وقيل: "الجملة حاليّةٌ متّصِلةٌ بما قبلها"؛ أي "كيف يؤمنون، ونحن نُقَلِّب أفئدته عن الهدى". وقد سبق الجواب عن كونه مرتَّبًا على عدم الإِيمان به أوّل مرّةٍ.
ومنها قثوله سبحانه: ﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كان ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون﴾. وذلك [أنهم] سألوا النبيَّ ﵇ أن يُنزَّل لهم مَلَكَا يُصدِّقونه. فأخبر اللهُ سبحانه أنّه لو فَعَلَ ذلك، وأحيى لهم كَّل ميتٍ، ما آمنوا إِلاّ بمشيئة الله. ولكنّهم جاهلون في التزامهم الإِيمانَ، إِّا ظَهَرَت الآياتُ التي اقترحوها؛ لأنهم يَظنّون أنّ هدايتهم إِليهم. وليس كذلك؛ وإنما هي إلى الله. وهذا مِن أبلغِ ما يكون؛ لأنّ العاقل إِذا رأى الملَكَ وإِحياءَ الميّتِ يُضطرّ إِلى الإِيمان؛ ومع ذلك أخبر اللهُ أنهم لا يؤمنون لا يقال: "هذا مبالَغةٌ لا تُراد حقيقتُه"؛ لأنّا نقول: هو مبالَغةٌ بأمرٍ مقدورٍ لله. وقد خبر اللهٌ بنفيِ إيمانهم على تقدير وقوعِه في حالٍ؛ فلا مانع مِن حملِه على إِرادة حقيقتِه.
следующие страницы →