Полный текст (285 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وهو مِثلُ قوله: ﴿فزادهم الله مرضا﴾، ﴿فزادتهم رجسا إلى رجسهم﴾. وإِذا جاز أن يَتَسِّبب إِلى زيادة الضلالة، جاز أن يَفعل. إِذ لا فرق بين فاعل القبيح والمتسِّبب إِليه في استحقاق أصلحِ القُبحِ. وإِذا جاز أن يفعل زيادةَ الضلالِ، جاز أن يفعل أصل الضلال.
ومنها قوله سبحانه: ﴿واتقوا الله وأسمعوا والله لا يهدى القوم الفاسقين﴾. والاستدلال بها كما سبق.
ومنها قوله سبحانه، حكايةً عن المسيح: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾. جعل السببَ المصحِّح للتعذيب هو العبوديّة، ولم يعلِّل بمعصيةٍ ولا غيرها. فدَلّ ذلك على مذهب أهل الحقّ، مِن أن الله إِن يَرحم العاصي ويُعذِّب الطائعَ، بعلّةِ العبوديّة وكونِه مالكًا لا غير، فإِن انضَمّ إِلى ذلك صفُ طاعةٍ أو معصيةٍ، كان مؤكدًا، أو علّةً ثانيةً. وإِنّ لله سبحانه أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
سورة الأنعام
فمنها قوله سبحانه: ﴿ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾. وهو نصٌّ صريحٌ في أن الله سبحانه [ما] إِن يلبس على العبد أمرَه حتى يُضلّه. وقد وقع هذا تحقيقًا في المسيح؛ فإِنّه يقال إِنّ الروح الذي أُرسل إِلى مريم كان مَلَكًا؛ فحَمَلته؛ ثمّ ظهر رجلًا. فهذا ملَكٌ قد جعله اللهُ رجلًا. ويَدلّ على ذلك أخلاقُه وأفعاله؛ فإِنها كانت كأخلاق الملائكة وأفعالهم. وكقوله: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا﴾، الآية، فيما بعد؛ وقوله: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبئ إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته﴾، إِلى قوله: ﴿ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض﴾. فهذا صريحٌ
стр. 212
فى أنّه يَنصب لهم أشراكَ الضلال ليقعوا فيها. وإِن لم يكن هذا نصًّا فيما ذكرنا، فما ورد الشرعُ بنص في حكمٍ أصلًا.
ومنها قوله تعالى: ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنه أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا﴾. ولها نظائر في سورة الكهف وغيرها. وهي في معنى قوله: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾؛ وقد سبق.
ومنه قوله تعالى، عقيب قولهم: ﴿يا ليتنا نرد ولا نكذب﴾، ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون﴾. ومن المحال أنهم يعودون لما نُهوا عنه بعد معاينتهم النارَ ومشاهَدة أمور الآخرة، إلاّ بأن يُنسيهم ملك ويَضطرّهم إِلى الكفر والمعاصي؛ وهو إِضلالٌ لهم بالتسببِ أو المباشرةِ؛ وهو المطلوب. وقد سبق.
واعلم أنّا قد قدّمنا أنّ بعض المعتزلة غلا في وجوب رعاية الأصلح، حتى التزم أنّ دخول الكفّار النارَ أصلح لهم. قلتُ: ولا يتّجه في ذلك مصلحةٌ، إِلاّ أن يكون هذا القائل شذ عن أصحابه، وتخيل أنّ العالم يعود دورًا آخر إِلى دار التكليف؛ فيكون قد تأدّب بالنار، حتى إِذا كُلِّف ثانيًا أطاع. وهذه الآية ونحوها تردّه من وجهين:
أحدهما: أنها تضمَّنت أنهم يَسألون أن يُردوا، فلا يُجابون؛ بدليل قوله: ﴿ولو ردوا لعادوا﴾؛ فاقتضى امتناعَ العودِ، لامتناع الردِّ على ما هو مقتضَى "لو".
الثاني: أنّه، على تقدير الرد، أخبر أنهم يعودونه للكفر؛ فلا يَنفعهم التأديبُ.
ومنها قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾. وقد سبق الاستدلالُ بها في جواب الرسالة.
ومنها قوله تعالى: ﴿والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾.
стр. 213
ومنها: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتى فإذا هم مبلسون﴾؛ أي: آيسون متحسرون. وهذا معنى قوله: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾. قيل: "معناها: كلّما جَدَّوا معصيةً، جَدَّدنا لهم نعمةً". وهذا مكرٌ مِن الله بهم، كمكرِ الصائدِ بالصيد حتى يصيده. وهو إِصلالٌ بالخلقِ والتسبب؛ لأن خالق السببِ خالقُ المسبب؛ ولا خالق إِلاّ الله.
ومنها قوله تعالى: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا﴾.
قلتُ: كان النبيّ ﷺ يجالِس المستضعَفين مِن المؤمنين، كبلالٍ وعمّارٍ وصهيبٍ وسلمان. فازدَراهم الكفّارُ، وقالوا: "هؤلاء مَنَّ اللهُ عليهم مِن بيِننا! لو كان هذا الأمر حقًّا، لما خُص به هؤلاء". وكان ذلك فتنةً مِن الله لهم؛ كقول قومِ نوحٍ له: ﴿ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادى الرأى وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين﴾.
ومنها قوله تعالى: ﴿قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾. والاستدلال بها ها هنا أقوى منه بالتي في البقرة وآل عمران، بدلالة ما في سياقها.
ومنها قول إِبراهيم، حين رآى القمر بازغًا، ثمّ أَفَلَ: ﴿قال لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الظالمين﴾. وتأويله على "لئن لم يَلطُف لى حتى أهتدي"، لا دليل عليه. واللفظ وافٍ بمقصود أهل السنّة. وقال بعده: ﴿وحاجة قومه قال أتحاجونى في الله وقد هدان﴾؛ فَنَسَب الهدايةَ إِلى الله سبحانه.
ومنها قوله تعالى: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل﴾، إلى
стр. 214
قوله: ﴿واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده﴾، إِلى قوله: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتدى﴾.
ومنها قوله سبحانه: ﴿ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظًا وما أنت عليهم بوكيل﴾. ومشيئة الله سبحانه إِرادتُه، وتعلُّقها بالمرادات موجِبٌ لوقوعها، بشرط تأثير القدرة فيها؛ لئلاّ تتناقَض مقتضياتُ صفاته تعالى؛ وهو محالٌ، كما سبق. وبهذا يندفِع قولهم، "لو شاء مشيئة إِلجاءٍ"؛ فإِنّ على ما قررناه لا تكون مشيئتُه ِلاّ ملجِئةً موجبِةً.
ومنها قوله سبحانه: ﴿كذلك زينا لكل أمة عملهم﴾. أي حَسًّنّاه في نفوسِهم، ليعملوه. والميل إِلى ما زَيّنه اللهُ سبحانه واجِبٌ، كما قال: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين﴾. وعلى ذلك تُقَطَّع الأعناقُ. وسبب ذلك أنّ الله سبحانه خَلَقَ الطِباعَ، وعَلِم ما تميل إِليه ميلًا واجبًا؛ فخلَقَه لها. فصار ذلك بمثابة من يُقرب الحطبَ من النار، والحديدَ من المغناطيس. فإِنّه بالضرورة يؤثِّر فيه، مع زوال المانع. وعكسُ هذه الآية قولُه تعالى للمؤمنين: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾. الآية.
ومنها قوله تعالى: ﴿قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم إنها إذا جاءت لا يؤمنون﴾؛ على قراءة مَن كَسَرَ الهمزةَ، وهو أبو عمروٍ وأبو بكرٍ، عن عاصمٍ. فإِنّه قد أَخبر أنهم لا يؤمنون عند مجيء الآياتِ. ومعلومُ اللهِ واجبُ الوقوعِ، كما سبق غير موضعٍ.
стр. 215
ثمّ قال: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لو يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمون﴾. واختلف في هذه الجملة. فقيل: "مستأَنَفَةٌ إِخبارًا مِن اللهِ سبحانه أنّه يُقَلِّب قلوبهم عن إِدراك الحقِّ، فلا يتَّبعوه: كقوله ﵇، "يا مقلُّب القلوبِ، ثبِّتني على دينك" وتقليب القلوبِ يحتمل أن يكون حقيقةً، بأن تَتَلبَّس، أو يُختَم عليها، فلا يَدخلها نورُ العقل؛ أو مجازًا، بمعنى خلقِ داعي ما يشاء اللهُُ فيها، على ما سبق تقريره في أوّل البقرة وغيره." وقيل: "الجملة حاليّةٌ متّصِلةٌ بما قبلها"؛ أي "كيف يؤمنون، ونحن نُقَلِّب أفئدته عن الهدى". وقد سبق الجواب عن كونه مرتَّبًا على عدم الإِيمان به أوّل مرّةٍ.
ومنها قثوله سبحانه: ﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كان ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون﴾. وذلك [أنهم] سألوا النبيَّ ﵇ أن يُنزَّل لهم مَلَكَا يُصدِّقونه. فأخبر اللهُ سبحانه أنّه لو فَعَلَ ذلك، وأحيى لهم كَّل ميتٍ، ما آمنوا إِلاّ بمشيئة الله. ولكنّهم جاهلون في التزامهم الإِيمانَ، إِّا ظَهَرَت الآياتُ التي اقترحوها؛ لأنهم يَظنّون أنّ هدايتهم إِليهم. وليس كذلك؛ وإنما هي إلى الله. وهذا مِن أبلغِ ما يكون؛ لأنّ العاقل إِذا رأى الملَكَ وإِحياءَ الميّتِ يُضطرّ إِلى الإِيمان؛ ومع ذلك أخبر اللهُ أنهم لا يؤمنون لا يقال: "هذا مبالَغةٌ لا تُراد حقيقتُه"؛ لأنّا نقول: هو مبالَغةٌ بأمرٍ مقدورٍ لله. وقد خبر اللهٌ بنفيِ إيمانهم على تقدير وقوعِه في حالٍ؛ فلا مانع مِن حملِه على إِرادة حقيقتِه.
стр. 216
ومنها قوله تعالى: ﴿أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس﴾، إِلى قولهن ﴿وكذلك زين للكافرين﴾، على أنّ ضلاله بقدر اللهِ.
ومنها قوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء﴾.
روى عبد الرزّاق، عن سفيان الثوريّ، عن عمرو بن قيسٍ، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي جعفرٍ، قال: سُئل رسولُ الله ﷺ عن هذه الآية، كيف يَشرَح صدرَه؟ قال: "نورٌ يُقذَف فيه فينَشرِح ويَنفسِخ". قالوا "فهل لذلك مِن أمرَةٍ يُعرَف بها؟ " "نعم الإِنابة إِلى دار الخلود، والتجافى عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت".
ورَوى أيضًا عن مَعْمرٍ، عن عطاء الخرسانيّ والكلبيّ، في قوله: ﴿يجعل صدره ضيقا حرجا﴾. قالا: "ليس للخير فيه مَنفَذٌ".
﴿كأنما يصعد في السماء﴾. قلتُ: أي يجد لقبول الإِيمان مشقّةً وتَكَلُّفًا، كما يجد الذي يَصَّعَّد في السماء؛ أي يريد الصعودَ، ولا يمكنه.
ثمّ قال: ﴿كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون﴾. و "الرجس" اللعنة والعذاب. وقيل: الكفر. وقيل: الشيطانُ، يُسّلَّط عليه، فيُفضِلّه.
ومنها قوله تعالى: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم﴾، إِلى قوله: ﴿ولوشاء الله ما فعلوه﴾، وقبلها: ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه﴾. والاستدلال بمِثل هذا سبق.
ومنها قوله: ﴿ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدى القوم الظالمين﴾. وسبق مثلُها والكلام عليه.
стр. 217
ومنها قوله سبحانه: ﴿قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين﴾. قلتُ: هذه أقوى حجّةٍ في الباب. لأنّ الله سبحانه جمَع فيها بين طرفي المسألةِ. فأثبَتَ الحجّةَ البالغة له على الخلقِ، باعتبار تَصرُّفِه التكليفىّ فيهم. فكأنّه قال: "لي الحجّة البالغة عليكم؛ وأنا قَدَّرتُ الضلالَ عليكم. وغاية ما في الباب أنّكم لا تَفهَمون حقيقةَ هذا. لكنّ تَصرُّفى فيكم لا يَتَوقَّف على فهمِكم؛ لأني فعّالٌ لما أُريد، ولست بظلامٍ للعبيد".
ونظير هذه الآية في إِثبات الصفات ونفي التشبيه قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شئ﴾، فهذا تنزيهٌ، ﴿وهو السميع البصير﴾، وهذا إِثباتٌ. وغاية ما في الباب أنّه لا يُدرَك سميعٌ بصيرٌ إِلاّ جسمٌ؛ لكنّ الله سبحانه في ذاته وصفاته بخلاف المساهَدات. وكذلك في أفعاله. والله أعلم.
ومنها قوله تعالى: ﴿قل إننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم﴾، الآية. نَسَبَ الهدايةَ إِليه. فإِن قيل. "فإِنها واجبةٌ على الله؛ بخلاف الإِضلال؛ فإِنّه قبيحٌ"، قلنا: على تقير تسليم ذلك، فإِنّ تقدير أسباب الضلال قبيحٌ أيضًا؛ وقد سَلَّمتم أنّه يَفعَلها.
سورة الأعراف
فمنها قوله تعالى، حكايةً عن إِبليس، قال: ﴿قال فبما أغويتنى﴾. فنَسَب الإِغواءَ إِلى اللهِ؛ وأقَّره عليه مع قوله له: ﴿قال ما منعك ألا تسجد إذا أمرتك قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طرين﴾. فإِبليس عَلِم أنّه عوقِب بكَسبِه، وفَهِم أنّ الله قَدِّر ذلك عليه وأقَّره اللهُ على ذلك، فلم يُنكِره عليه. ثّم الإِغواء المنسوب إِلى الله سبحانه إِمّا أن يكون بخلقِ الغوايةِ في القلب، فيحصل المقصود؛ أو بالتسبُّبِ إِليها، وهو قبيحٌ عندكم، يُنافي اللطفَ ورعايةَ الأصلحِ الواجب عليه. ولا يَصِحّ حملُ "أَغْوَيْتّنِي" على معنى
стр. 218
"أَصَبتَني غاويًا"، من "أحببنُ الرجلَ وأبخلتُه"؛ لأنّه احتمالٌ مرجوحٌ جدًا، ظاهرُ الفسادِ؛ لأنّ إِبليس أراد المقابَلةَ؛ أي "اجْعَلْ إِنظارَك لي في مقابِل إِغوائك لي" ولو كان الإِغواءُ بالمعنى المذكور، لما صَحَّ ذلك؛ لأنّه كان يقال له: "أنا ما أغويتُك لأخلف عليك إِغواءَك بإِنظارِك؛ بل أنت أغويتَ نفسَك. فماذا أخلف عليك؟ بل أَهلِكُك، وأُرِيح الناسَ منك".
ومنها قوله تعالى: ﴿فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة﴾. ومعناه حَقت عليهم الضلالةُ بقَدَر اللهِ؛ كما قال: ﴿ولكن حق القول منى لأملأن جهنم﴾. وأمّا تعليله ذلك بقوله: ﴿إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله﴾، فتلك العلّة مع معلولها مَقدورةٌ مقضيّةٌ لله. فهو الذي قَدَّر الضلالَة جاريةً على سببِها؛ فهما مقدوران هل؛ كما أنّه خَلَقَ سائرَ المضارِّ والمنافعِ مع أسبابها.
ومنها قوله سبحانه: ﴿وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كان لنهتدى لولا أن هدانا الله﴾. وإِذا كانت الهدائةُ مع فِعلِه وإِرادته سبحانه وجودًا وعدمًا، فكذلك الضلالة، كما سبق.
ومنها قوله شعيبٍ لقومه: ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها﴾، يعني لملّتهِم، ﴿إلا أن يشاء الله ربنا﴾؛ فدَلَّ على أنّ الرِدّة عن الإِيمان بمشيئة الله مع قدرته، لما سبق مِن [أنّ] الإِرادة لا تِستقِلّ بالإِيجاد.
ومنها قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا في قرية من نبى إلأا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء﴾، إِلى قوله: ﴿فأهذناهم بغتة وهم لا يشعرون﴾. فإِنّ هذا، وما سبق في الأنعام، مِن قوله:
стр. 219
﴿فتحنا عليهم أبواب كل شئ﴾، تفصيلٌ لقوله: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾. وهذا إِما إِضلالٌ حقيقىٌّ، أو تَسبٌ إِليه. وكلاهما قبيحٌ عندهم؛ فكان الواجب انتفاؤه، لأنّه أصلح.
ومنها قوله تعالى: ﴿أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون﴾. والاستدلال لمِثلِه سبق. وبعده، ﴾ كذلك يطيع الله على قلوب الكافرين﴾.
ومنها قوله موسى: ﴿إن هي لأفتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء﴾. فأقرَّه اللهُ على ذلك. وقد سبق أنّه قال له: "أنت حكيم الحكماءِ"، حيث اعتَرَف بالقدر، وأنّ لا خالق إِلاّ الله.
ومنها قوله: ﴿إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم﴾. وهذا اضطرارٌ سَبَي؛ فليَجُر الاضطرارَ الخَلقيَّ، لاستوائهما في الاضطرار. ومَن زعَم أنّ هذا ليس باضطرارٍ، فهو كمن أَلَقى حطبًا في النار؛ فاحتَرَق؛ ثمّ قال: "ما أحرَقتُه". ولا فرق بينهما، إِلاّ إِرادة الإِنسان الاختياريّة؛ وهي مسخَّرةٌ لله سبحانه، مصَرَّفةٌ فيما يريد.
ومنها قوله سبحانه: ﴿وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم﴾، إِلى قوله: ﴿أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين﴾. ووجه الاستدلال بها أنّه أَخَذ ميثاقَهم، ثمّ أنساهم إِياّه؛ فهم اليوم يَفعلون ما كان منهم غير ذاكِرين للميثاق؛ بل أكثرهم منكِرٌ له. ولعلّهم لو ذَكَروه، لَوَفُوا به. فهُم الآن غافلون عنه، بل جاهلون به قطعًا. ثمّ يوم القيامة يُذكرهم إِيّاه؛ ثمّ يُعاقِبهم. وهذا تكليف ما لا يطاق قطعًا. فليكن خلقُ الأفعالِ
стр. 220
والتعذيبُ عليها كذلك؛ ولا فرق.
ومنها قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد﴾. تقديره، والله أعلم، "ولكنّا لم نَشأ أن نَرفَعه بها؛ فأخلد ﴿إلأى الأرض واتبع هواه﴾. فصار إِخلادُه واتّباعُه هواه مرتَّبًا على عدم مشيئة الله. فهو من باب الاكتفاء بالمسَّبب عن السبب لرفعِه. وكذلك كلّ سببٍ اعتَلَّ اللهُ به على خلقِه هو مقدورٌ له.
ومنها قوله تعالى: ﴿من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ولقد ذرأنا لجهنم﴾، الآية.
ومنها قوله تعالى: ﴿والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾. وقد سبق تفصيلُ هذا الاستدراج في قوله، ﴿وما أرسلنا في قرية من نبى إلا أخذنا أهلها بلبأساء﴾، الآية. وهو إِضلالٌ بالتسُّبب.
ومنها قوله تعالى: ﴿من يضلل الله فلا هادى له ويذرهم في طغيانهم يعمهون﴾.
سورة الأنفال وبراءة
ومنها قوله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾. نَفَى اللهُ سبحانه رَميَ نبيِّه ﵇ بقوله، ﴿ما رميت﴾، وأثبت بقوله: ﴿إذا رميت﴾. فقال العلماء: "الرميُ لابدّ فيه من قبضٍ وإِرسالٍ، وهما مِن فِعلِ النبيّ ﵇؛ وتبليغٍ وإِصابةٍ، وهما مِن فِعلِ اللهِ سبحانه". فعلى هذا القياس، تكون الأفعالُ منسوبةٌ إِلى العبد بالكسب، وإلى الربّ بالخلقِ. أو يقال: "مبادئ الأفعالِ بعزمِ العبدِ وكسبِه؛ وغاياتها بخلقِ الله ومعونتِه. وفي صدرِ الآية: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم﴾؛ وهو قاطعٌ في الباب.
ومنها قوله سبحانه: ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾. يعني: بخلقِ
стр. 221
الدواعي إِلى ما يريد، والصوارفِ عمنّا لا يريد. قال ابن عبّاسٍ: "يحول بين الكافر واطعته، والمؤمن ومعصيته". وقال مجاهدٌ: "يحول بينه وبين قلبِه حتى لا يَعقِل، ولا يَدرى ما يَفعل". وقيل: "يحول بين المؤمن واعتقاد الكفرِ، وبين الكافر وبين الإِيمان".
ومِن بَراءة: ﴿زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدى القوم الكافرين﴾. وقد سبق مثلُهما، والاستدلال به.
ومنها قوله تعالى: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾. "ثَبطهُم": "حَلَّ عزائمَهم عن الجهاد، وزَيَّن لهم التَخلُّفَ". وقيل: "أي بلسان القدرةِ الكونّية". فهذا قاطعٌ في أنّ التكليف والتكوين لا يَتناقضان من الله سبحانه؛ لأنّه قال لهم بلسان التكليف: "جاهِدوا، وانهضوا مع رسول الله في سبيل الله"؛ وقال لهم بلسان التكوين والقدر: " ﴿اقعدوا مع القاعدين﴾. فكذلك يجوز أن يقول للعبد: "لا تَزنِ"، ثمّ يخلق في الزنا؛ أو: "صَلِّ"، ثمّ يثبطَه عن الصلاة.
ومنها قوله تعالى: ﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه﴾. أي جَعَل اللهُ النفاقَ في قلوبهم. وذلك إِضلالٌ لهم، أو زيادة إِضلالٍ.
ومنها قوله تعالى: ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع﴾. وفي التي بعدها بآياتٍ: ﴿وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون﴾. ﴿ولا يفقهون﴾. وقد سبق معنى "الطبع".
стр. 222
ومنها قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾.
أخبر اللهُ سبحانه أنّه يُضِلّ مَن بيَّن له، فلم يَتقِ. وذلك هو هداه لهم -أعني البيانَ- وهو الهُدى المجرَّد.
فأمّا قوله: ﴿وإِذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم﴾؛ فيُحتمل أنّه دعاءٌ عليهم بصرفِ قلوبهم عن الاهتداء، وما في قلوب المؤمنين مِن الانشراح للآيات. ويحتمَل أنّه إِخبارٌ من الله سبحانه أنّه صَرَفَ قلوبهم ومَنَعَها عن تَلقِّي الحقِّ. وعلى التقديرين، فهي حجّةٌ؛ لأنّ دعاء الله واقعٌ، وخبره صادقٌ.
سورة يونس ﵇
قوله سبحانه: ﴿وكذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون﴾. وسبق نظيرها في الأنعام.
ومنها قوله تعالى: ﴿والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾. فأخبر أنّ دعاءه عامُّ للناس، وهدايته خاصّةٌ بمن يشاء. وقد سبق أنّ مطابَقة مقدورِه لمعلومِه واجبٌ.
ومنها قوله تعالى: ﴿كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون﴾. وهذا يؤكِّد ما ذكرناه، مِن وجوبِ مطابَقة مقدورِه معلومَه. لأنّ كلمت لمّا حَقَّت بعدم إِيمانهم، وَجَب أن يحُول بينهم وبين الإِيمان، لئلا يؤمنوا؛ فيُخالِف الخبرَ الخبرُ، والعلمَ متعَلَّقُه.
ومنها قوله سبحانه: ﴿قل هل من شركائكم من يهدى إلى الحق قل الله يهدى للحق أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدى إلى أن يهدى﴾. أي لا يُرشِد إِلاّ أن يُرشِده اللهُ
стр. 223
إِرشادًا كاملًا، بحيث يَصِحّ منه أن يُرشِد الناسَ، وإِن حُمِل "الهُدى" في هذه الآية على الإِرشاد المجرَّد، لم يكن حجّةً في الباب.
ومنها قوله تعالى: ﴿أفأنت تسمع الصم﴾، ﴿أفأنت تهدى العمى﴾. أي أنهم صمٌّ عمىٌ. فهو مِثلُ قوله: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصاره غشاوة﴾. ومنها قوله تعالى: ﴿كذلك نطبع على قلوب المعتدين﴾.
ومنها قول موسى: ﴿وقال موسى ربن إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضوا عن سبيلك ربنا أطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾. قال الله سبحانه: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾. والسّدُّ على القلب في معنى الختمِ عليه، ومنعِه مِن أن يَستنير بضياء العقل.
ومنها قوله تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جائتهم كل آية حتى يروا العذاب الآليم﴾. والاستدلال بها كالاستدلال بنظيرها في أوائل السورة.
ومنها قوله سبحانه: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين﴾. وقد سبقت، ونظيرتها من سورة الأنعام وهودٍ. ثمّ قال: ﴿وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون﴾. وقد سبقت نظيرتها في الأنعام في قوله: ﴿يجعل .. الرجس﴾.
стр. 224
سورة هودٍ ﵇
فمنها قوله تعالى: ﴿ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون﴾. يحتمَل أنّ يُجعَل من أدلّة الباب على معنى أنّ الله سبحانه لَمَّا خَتَم على سمعِهم وبصرِهم، صاروا لا يستطيعون سمًعا ولا يبصرون. وحقيقته أنّه أغفَلَهم عن التدبير والنظر؛ فصاروا كمن لا يَسمَع ولا يُبصِر؛ لأنّ سمعهم وبصرهم لم يَنفعهم؛ فصار كالمعدوم المتَعَذِّر. ويحتمل أن يجعل ذلك مَثلًا محضًا؛ أي لبُغضِهم القرآنَ والإِيمان، لا يستطيعون سمعَه وإِبصار مَن يدعوهم إِليه؛ كما يقال: "ما أستطيع أرى فلانًَا، ولا أسمع كلامَه. ولهذا قال بَعدُ: ﴿مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا﴾.
ومنها قوله سبحانه: ﴿وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾. وقد مَرَّ الاستدلالُ به في تكليف ما لا يطاق، وغيره.
ومنها قوله تعالى: ﴿ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها﴾. أي قاهرٌ لها، فلا تَتصرَّف إِلاّ بما يُصرِّفها فيه ويخلق فيه دواعيه. يَدلُّ على أنها في سياق قول هودٍ لقومه، ﴿فكيدونى جميعا ثم لا تنظرون أني توكلت على الله ربى وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها﴾؛ أي لا تفعلون بى إِلاّ ما يقدَّره اللهُ على أيديكم. وحينئذٍ، يكون الفعل في الحقيقة منه، لا منكم. وأنا راضٍ بما يكون من ربى .
ومنها قوله سبحانه: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين﴾، الآيتين. وقد سبق الاستدلال بهما.
стр. 225
سورة يوسف ﵇
فمنها قوله تعالى: ﴿والله غالبٌ على أمره﴾. وهو معنى قوله: ﴿إن الله بالغ أمره﴾. ومعنى ذلك أنّه أراد شيئًا، كان. وقد بيّنّا أنّ مراده ومقدوره لابّد وأن يطابِق معلومَه السابق، لئلا يَتناقض مقتضَى صفاته الذاتيّة. وذلك يقتضي ما قلناه من [أنّ] تقدير الأفعال وخلقه أطبق معلومه.
ومنها قوله تعالى: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء﴾. وإِنما صَرَف ذلك عنه بإِظهار البرهان وخلقِ دواعي التركِ.
وقد أخبرني بعضُ مَن أثقِ به عن بعض مَن يَثِق به أنّه قال: "تعلَّقتُ امرأةً. فلم أَزَل بها، حتى حصّلتُها في البيت. وقَعَدتُ منها مقعدَ الرجلِ مِن إمرأته، وتلقاءَ وجهي رآةٌ لأهلي. فعَرَضَ لي أن نَظَرتُ إِلى المرآة؛ فإِذا صورتي صورة خنزيرٍ "قال: "فتركتُ ما أنا فيه، ووقعتُ مغشيًا علىّ. فلم استيقظ إِلاّ والمرأة قد ذَهَبت، وقد صار أهلي حولي، وكانوا غُيبًا".
قلتُ فكما يَصرِف عن بعض خلقِه الفحشاء بهذه الدواعي والبراهين. وليس ذلك واجبًا عليه، كذلك يوقِع بعضَهم فيها بخلقِ دواعيها وتركِ ما يَردَع عنها. وليس ذلك مستقبحًا منه. والله أعلم.
ومنها قوله، حكايةً عن يوسف: ﴿وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إلين﴾، إِلى قوله: ﴿فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن﴾. فصَرح يوسفُ بأنّ الله سبحانه إِن لم يَصرف عنه كيدَهن، وقَعَ فيه. لا يقال: "الآية حجّةٌ عليكم، لأنّه قال: "إِن لا تَصرِف عني، أَصبُ"؛ فَنسَبَ الصُبوَّ إِلى نفسه؛ وهو مرادنا"؛ لأنّا نقول: إِنما نَسَبَ الصُبوَّ إِلى نفسه مِن حيث هو كسبٌ له، على ما سبق في تفسير الكسبِ. ونحن لا ننكرِ ذلك. لا أنّه ادعاه خلقًأ؛ إِذا لو كان خلقًا له باختياره، لما كان لِصَرفِ اللهِ وعدمه فيه تأثيرٌ. وما يَدعونه من إِعانه الله ولطفِه تموويهٌ راجعٌ إِلى حقيقة ما نقوله نحن.
стр. 226
سورة الرعد
فمنها قوله سبحانه: ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾.
وهو، لكونه في سياق الشرط، عامٌ في كل في كل سوءٍ جَرَى على العبد من خارج نفسه، أو من فِعلِه. وقد أخبر اللهُ أنّ ما أراد مِن ذلك لا مرد له؛ فدّل على أنّه بتقديره. إِذ لو لم يكن بتقديره، لجاز أن يريده، فلا يكون؛ فيكون ما أراده من ذلك مرد، فيخالِفُ الخبرُ الخبرَ.
ومنها قوله سبحانه: ﴿قل الله خالق كل شئ﴾. ونظيرها في سورة الزمر. وهو عامٌّ في الأعيان والأفعال. لكنّ الاعتراض عليه بأنّه عامٌّ مخصوصٌ بذات الله سبحانه وصفاته، عند المثبِتين لها. والعامّ دلالتُه على جميع الأفراد ظنّيّةٌ، لا قاطعةٌ. فإِذا خُصّ، ازدادَت دلالته ضعفًا؛ لوقوع الخلاف في بقائه حجّةً أم لا، وفي بقائه حقيقةً أو مجازًا. وبتقدير بقائه حجّةً، يجوز تخصيصُ محلِّ النزاع منه بدليلٍ. فنحن نخُص أفعالَ العبادِ مِن هذا العموم بأدلّتنا السابقة. فيبقى المخلوقُ لله سبحانه، ما عدا ذاته وصفاته وأفعال خلقه.
والجواب أنّ العامّ حجّةٌ بالجملة، وسواءٌ كانت دلالته قاطعةً أو ظنّيّةً. وهو حجةٌ بعد التخصيص. وتخصيص محل النزاع من بدليلٍ جائزٌ. لكنّ أدلّتكم السابقة قد أَجَبنا عنها بما مرَّ؛ وأكثرها لازمٌ عليكم.
ومنها قوله سبحانه: ﴿قل إن الله يضل من يشاء ويهدى إليه من أناب﴾. وقد سبق لها نظائر. فإِن قيل: "رَتَّب الهُدى على الإِنابة؛ فدَلّ على أنّه لا يُضِلّ ويَهدي ابتداءً، بل مكافأةً على الطاعة والمعصية"، قلنا: هذا سؤالٌ سبق، وجوابه. وهو إِن ثبت ما ذكرتم، فالضلال والهداية وشبِهها الذي ترتَّبا عليه مخلوقاتٌ لله سبحانه. ويخصّ
стр. 227
هذا المكان ونحوه بأنّ المراد "يهدي إِليه مّن عَلِم أنّه لو تَرَكَه واختيارَه، لكان مُنيبًا"، وقد سبق تقريره. ثمّ نقول: إِن رَتَّب الهدايةَ على الإِنابة، فقد رتّب الاستدلالَ على المشيئة المجرّدة؛ وهو المطلوب.
ومنها قوله سبحانه: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا﴾. وقد سبق نظيرها في سورة يونس وهودٍ ﵉.
ومنها قوله سبحانه: ﴿بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد﴾. فهذه الجملة كلّها نصوص المقصودِ. إِذ تضمّنَن تزيينَ المكر لهم؛ والمزيِّنُ لهم إِمّا الله، وإِمّا الشيطان، بتقديرِ اللهِ كما سبق. وأنهم صَدُّوا عن السبيل؛ والكلام في الصَدِّ كالتزيين. وأنّ مَن يُضللِه اللهُ فما له من هادٍ، كما سبق في الأعراف، ويأتي في الكهف، إِن شاء الله تعالى.
ومنها قوله سبحانه: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾. هذه مِن شُبَه المسألةِ؛ وليست قاطعةٌ فيها. لأنّ جنس ما يمحوه ويُثبِته ليس مبنيًا فيها؛ لجواز أنّه يمحو ما يشاء ويُثبت مِن الأرزاق والآجال، أو القرآن نسخًا وحكامًا لكن قد رُوىَ في تأويلها آثارٌ عن السلف، تدلّ على المقصود. فروى عبد الرزّاق، عن الثوريّ، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾، قال: "إلاّ الشقاء والسعادة والحياة والموت". قلتُ: يعني أنّ هذه الأشياء معلومةٌ عنده، سبق بها علمُه، ونفذَت فيها مشيئتُه، فلا تتغيّر.
ورَوى عن عن معمر بن سليمان، عن أبيه، قال: سُئل ابن عبّاسٍ عن "أمّ الكتاب"،
стр. 228
فقال: قال كعبٌ: "خَلَق اللهُ الخلقَ، وعَلِم ما هم عاملون. ثمّ قال لعلمِه: "كُنْ"، فكان كتابًا". قلتُ: يعني قال لمعلومه فيهم: "كُنْ"؛ لأنّ علمه سبحانه لا يَقبَل تأثيرًا وإِرادةً وقدرةً؛ لأنّه سُمّي المعلوم "عِلمًا" تجوُّزًا.
ورَوى عبد الرزّاق، عن مَعْمرٍ، عن قتادة، عن الحَسَن، قال: "مَن كَذّب بالقدر، فقد كذّب القرآنَ". وهذا يدلّ على أنّ تلك الرسالة منحولةٌ على الحَسن.
ومنها قوله سبحانه: ﴿والله يحكم لا معقب لحكمه﴾. وقد بيّنّا أنّ تَعَلُّق علمِ اللهِ في الأزل بوقوع المعاصي يَستلزم الحكمَ بها، بمعنى القضاء والتقدير؛ لئلاّ يخالِف العلمُ المعلومَ؛ فلا يكون لذلك الحكم عقّبٌ، أي ناقضٌ. ويلزم من ذلك أنّه مقدِّرُ الأفعالِ وموجِدها. والله أعلم.
سورة إِبراهيم ﵇
فمنها قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدى من يشاء وهو العزيز الحكيم﴾. قد ذكر في آخر السورة: ﴿ويضل الله الظالمين﴾. فللخصم أن يقول: "قوله، يُضلُ مَن﴾ يشاءُ"، عام؛ وقوله، "يُضِلُّ اللهَ الظالمينَ"، خاصٌّ؛ بتقدَّم. وحينئذٍ، ما أضل إِلاّ ظالمًا". لكن قد سبق الجواب عن هذا مستوفىً.
ومنها قوله: ﴿وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا﴾. وإِذا كان هو الذي هَدى الرسلَ، جاز أن يكون هو الذي أضلّ الكفّارَ. وقد دَلّ على وقوعِه النصوصُ. فإِنّ العبد هو هادي نفسِه عند الخصم، كما أنّه مضلّها وهذه الآية ونحوها ترِد عليه.
стр. 229
ومنها قوله تعالى، حكايةٌ عن الضعفاء والمستكبرين: ﴿إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم معنون عنا من عذاب الله من شيء قالو لو هدانا الله لهديناكم﴾. وأقرّهم اللهُ على هذا، ولم يُنكِر عليهمم كما أنكَر على القائل: ﴿لو أن الله هدانى لكنت من المتقين﴾. لأنّ هذا أراد نفيَ الإِرشادِ المجرَّد؛ فكذبّه اللهُ بقوله: ﴿بلى قد جاءتك آياتى﴾؛ وأولئك أرادوا الهدى الكامل المصاحَب بالتوفيق؛ فلم يُكذَّبهم. وتَبيّن بهذا أنّ قول الشيطان لهم بعدَ هذا، ﴿فلا تلومونى ولوموا أنفسكم﴾. معناه "على كسبِكم"، على ما سبق تفسيرُه، أو "على أنّكم لو تُرِكتم مختارين، لعَصيتم"، كما سبق.
ومنها قوله تعالى: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾. وليس يعد هذا بصريحٍ غى إِثبات القدر.
سورة الحجر
فمنها قوله سبحانه: ﴿كذلك نسلكه في قارب المجرمين﴾. اختُلِف في الضمير "نَسْلُكُهُ". فقيل: هو ضمر "الذِكر" في ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾. وهو الظاهر، بدليل قوله في الشعراء: ﴿كذلك سلكناه﴾؛ فهو ضميره؛ لأنّ السياق له، وهو قريبٌ منه جدًّا. ومعنى الآية على هذا: "إنّا سلكنا القرآنَ في قلوب الكفّار كما سلكناه في قلوب المؤمنين، لتقوم الحجّةُ عليهم في كفرِهم وتكذيبهم". ومعنى "سَلْكِه في قلوبهم"، إِسماُعهم إِيَاه، حتى وصلَت معانيه بواسطة ألفاظه إِلى قلوبهم". قلتُ: لكنّه منَعَهم فهمَه وقبولَه بالأكنّةِ التي جعلها، والختمِ والطبعِ على قلوبهم.
стр. 230
وقيل: الضمير للكفر والشِرك. رَوَى عبد الرزّاق، عن الثوريّ، عن حميدٍ، عن الحَسن، في قوله: ﴿كذلك سلكناه في قلوب المجرمين﴾، قال: "الشرك".ورَوَى عن مَعْمَرٍ، عن قتادة، قال: "إِذا كَذّبوا، سَلَكَ اللهُ في قلوبهم أن لا يؤمنوا به". قال بعض ُ المقسِّرسن: "معناه: كما سَلَكَ الكفرَ والتكذيبَ في قلوب الأوّلين، يسلُكه في قلوب هؤلاء؛ فلا يؤمنون به، [أى] بمحمّدٍ، أو بالقرآن، أو بهما؛ وهما متلازِمان".
ومها قوله تعالى، حكايةً عن إِبليس، ﴿رب ما أغويتنى﴾. وقد سبق وجه الاستدلال بها في سورة الأعراف.
سورة النحل
فمنها قوله تعالى: ﴿وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين﴾. وقد سبق نظيرها ووجه الاستدلال به.
ومنها قوله تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة﴾. والمراد "بالهدى" ها هنا الهدى التامّ، وهو الإِرشاد المصاحَب بالتوفيق؛ لأنّ الإرشاد المجرّد حَصلَ للجميع، وبه قامت الحجّةُ على الخلقِ. و ﴿حقت عليه الضلالة﴾، يعني مِن الله بقضائه وقدره، كما سبق.
ومنها قوله تعالى: ﴿إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدى من يضل﴾. على قراءة من بَنَى "يُهْدَى"، لما لم لم يُسَمَّ فاعلُه. و "يُهدَى مِن الخلقِ مَن أضلّه اللهُ"؛ أو "من يُضِلّه اللهُ لا يُهدَى".
стр. 231
ومنها قوله سبحانه: ﴿إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون﴾. والاستدلال بها يَتوقّف على ثبوتِ إِدارة الله لجميع الكائنات وقد سبق الكلام فيه. فإِذا ثبت، قلنا: الكفر مادٌ لله؛ وكلّ مرادٍ لله، فإِنما يوجَد بتكوينه؛ فالكفر يوجَد بتكوينه.
ومنها قوله تعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾. والإِيمان والهدى أكبر النعمِ؛ فهما من الله؛ بمعنى أنّه خلقَهما فيهم عقبَ الإِرشاد إِليهما والتوفيق لهما. وعند الخصم، إِنّ الإِنسان يَهدى نفسَه ويُضلّها؛ ولولا ذلك، لما قامت عليه الحجَةُ. قلتُ: وإِذا كان النعمُ منه سبحانه، فكذا النقم؛ والضرل أعظمها.
ومنها قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لجعلكم أما واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدى من يشاؤ ولتسألن عما كنتم تعملون﴾. وقد سبق لها نظائر.
ومنها قوله تعالى، ﴿إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله﴾. فدل على أن الهداية وسلْبَها منه سبحانه.
ومنها قوله تعالى: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون. قلتُ: والله هو الذي أغفلهم؛ بدليل قوله: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذركنا﴾. وقد سبقت الآية ونظائرها أوّل البقرة.
ومنها قوله، في حقِّ إِبراهيم: ﴿اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم﴾. وقد سبق قولُ إِبراهيم: ﴿لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الظالمين﴾.
стр. 232
سورة بني إِسرائيل، على صالحيهم السلام
فمنها قوله تعالى، ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾. كَثُر النزاعُ في هذه الآية. فقرأ بعضُ القراءِ "أَمَّرَ"، بالتشديد من الإِمرَة والتأمير، وهي الولاية؛ وَليناهم أمرَها، ففسقوا". لأنّ الولاية سببٌ قوَّى الفسقَ؛ لأجل القدرةِ التي تُصِّح مقتضى الشهوات.
وقرأ بعضُهم "آمَرْنا"، بالمدّ والتخفيف، و " آمَرْنا"، بغير مَدّ، بمعنى "كثَّرنا أهلَها، ففسقوا". والكثرة، مع الطِباع الرديئة، سببٌ للفسق أيضًا. ولذلك كانت الإِمامة واجبةً على الأمّة للصلاح، والعدلِ بين الناس، ودفعِ الظلم. رَوى عبد الرزّاق، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة، قال: "أَمَرنا مُترِفيها: أكثر".
وقرأ بعضُهم "أَمَرنا"، مِن الأمر الذي هو ضدّ النهىِ. وحقيقة اللفظ، "قلنا لهم: افسُقوُا". إِّلاّ إِنها غير مرادةٍ قطعًا؛ لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾. فلابد من حملِها على المجاز فقال الزمخشريّ: "معناه إِنّ الله أنعمَ عليهم ليَشكُروا؛ فجعلوا النعمةَ سببَ البطرِ". وقال غيره: "أَمَرناهم بالطاعة، فخالفوا؛ ففسقوا بالمخالَفة؛ فحقَّ عليهم القولُ بذلك".
وهي على هذين الوجهين حجّةٌ في الباب، تقريرها ما سبق، مِن أنّ فِسقَهم كان معلومًا لله. فأمرُهم بالطاعة، مع العِلمِ لمخالفتهم، اضطرارٌ لهم إِلى الفسق بجهة التسبُّب. ولنا أن نحمل الأمرَ هنا على الأمر الكونيّ؛ أي أمَرناهم بسان التكوين، ففسقوا، لبتلُغ عليهم حجّتٌنا، وتَنفُذ فيهم مشيئتنُا، كما سبق في قوله تعالى: ﴿ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين﴾. وهذا أوضح التأويلات على رأىِ مثبِتى القدر.
стр. 233
ومنها قوله سبحانه: ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا﴾. وهي ونظائرها في معنى الختم والطبع؛ وقد سبق أول البقرة.
ومنها قوله تعالى: ﴿إن عبادى ليس لك عليهم سلطان﴾. ونظيرها في سورة الحجر ووجه دلالتها أنّه سبحانه جَعَلَ لنفسه عباد اختصّ بهم، وأَصفاهم إِليه، وعَصَمهم من الشيطان قبل خلقهم. وآخَرين غاوِين أبعَدَهم وأبغضهم؛ ولو تُرِكوا واختيارهم في أفعالهم، مع ظهور آيات الله وقَوارِع معجزاته، لهدوا أنفسهم. فما كانوا غاوين ضالّين إِلاّ بقضائه وقدره .. وقد سبقت هذه الطريقة.
ومنها قوله سبحانه: ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا﴾. و "تثبيته" هو خلقُ الثباتِ فيه بواسطة خلقِ داعيه فيه. فمَن لا يُثبِّته اللهُ، يرتدّ عن دينه. وقد سبق أنّه لا فرق بين فِعلِ القبيح، وبين تركِ منعِه مِن القادر على ذلك. فإِذا جاز تركُ العصمةِ مِن الكفر، جاز خلقُ الكفرِ. والله أعلم.
ومنها قوله تعالى: ﴿ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه﴾. وقد سبق لها نظائر.
سورة الكهف
فمنها قوله تعالى: ﴿وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم﴾. أي ثّبتناهم على الهدى لئلاّ يضلّوا كما ضلّ قومُهم.
ومنها قوله: ﴿من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا﴾. وهي كنظائرها من النصوص القواطع في الباب.
стр. 234
ومنها قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشئ أني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾، إِلى قوله، ﴿وقل عسى أن يهدين ربى لأقرب من هشا رشدا﴾. فأخبر أنّ بدون مشيئته لا يتمّ أمرٌ؛ وقد دلّ عليه سببُ الآيةِ وأمرُ النبيِّ ﵇ أن تُتَرَجَّى الهدايةُ مِن الله سبحانه.
ومنها قوله تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه﴾. ومعنى "أغفلنا": "صَرَفنا قلبَه عن ذكرنا"؛ كقوله: ﴿صرف لله قلوبهم﴾، ﴿وأضله الله على علم﴾. وحمَل الزمخشريُّ ﴿أغفلنا﴾ على معنى "جعلناه غافلًا عن الذِكر بالخُذلانِ"، أو "وَجدناه غافلًا؛ كقولك "أَحمَدتُه، وأَبخَلتُه، وأَجبَنتُه"، أي وَجَدتُه كذلك؛ أو مِن "أَغَفَلَ إِبلَه"، إِذا لم يجعل لها سِمةً تُعرَف بها. كأنّه سبحانه لم يَسِمْ قلبَه بالذِكِر، ولم يجعله مِمَّن كُتِب في قلوبهم الإِيمانُ". قلتُ: والأولّ والآخِر تسليمٌ لما نقوله. والثاني خلاف الظاهرِ. ثمّ هو غير منافٍ؛ لجواز أن تجده غافلًا، لكونه خَلَق فيه الغفلةَ.
فأمّا قوله: ﴿واتبع هواه﴾؛ ولم يقل: "فاتّبع"؛ لأنّ المرادَ اجتَمَع له الأمران: إِغفالنا له بالخلق، واتّباعه هواه بالكسب. ولم تَرِد الأخبارُ بأنّ الإِغفال سببُ اتّباعِ الهوى، وإِن كان في نفس الأمر كذلك.
ومنها قوله سبحانه: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله﴾. وتقديره "ما شاء الله كان"، كما هو مستفيضٌ على ألسنة الناس.
ومنها قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا﴾. ثمّ أكّد ذلك بقوله: ﴿وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا﴾. وهذا جرمٌ منه بأنهم لا يهتدون في المستقبل. ولولا أنّه المانع لهم، لما وثق حتى جزَم بهذا الجزم. فإِن قيل: "وثوقه مستنِدٌ إِلى العلم"، قلنا: فقد بَيّنّا أنّ المقدور منهم يجب مطابَقتُه للعلم. وإِلاّ، جاز أن لا يُطابِق؛ فينقلب العلمُ جهلًا.
стр. 235
سورة مريم عليها وعلى ابنها السلام
فمنها قوله تعالى، حكايةً عن المسيح: ﴿وجعلنى مباركا أين ما كنت﴾، إِلى قوله، ﴿ولم يجعلنى جبارا شقيا﴾. فدلّ على أنّ كلّ مَن كان جبّارًا شقيًّا، فإِنّ الله جَعَلَه كذلك وهذا ممّا لا يحتمِل تأويلًا. إِلاّ إِن يقال: "خذَلَه، فتَجبَّر"؛ وهو جُعلِ بالتسبُّب؛ فلا فرق.
ومنها قوله تعالى: ﴿ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا﴾. وهو إِضلالٌ بالتسبّب.
سورة طه لم نعدّ فيها من أدلّة الإِثبات شيئًا. وكذلك سورة الأنبياء.
سورة الحج
فمنها قوله تعالى: ﴿وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدى من يريد﴾. وقد سبق نظيرها.
ومنها قوله تعالى: ﴿وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد﴾. فبَنَى الفعلَ لما لم يُسمِّ فاعلَه. فدَلّ على أنّ الفعل للهداية فيهم غيرهم. وليس إِلاّ الله سبحانه. فالضلال كذلك؛ لأنهما سواءٌ عند الخصم.
ومنها قوله سبحانه: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فنفسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته﴾. ثمّ قال: ﴿ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم﴾. وكان إِلقاء الشيطان أنّه شَبه صوتّه بصوت رسول الله، وهو يَتلُو سورةَ النجم. حتى وصل إِلى قوله، ﴿ومناة الثالثة الأخرى﴾، أَلقى الشيطانُ، "تلك الغرانيقُ العُلَى إِنّ شفاعتهم لتُرتَجى". فافَتتنت قريشٌ بذلك، وقالوا:
стр. 236
"اعتَرَف محمَدٌ بفضلِ آلهتنا، وذَكَرها بخير. فارتَدّ بعضُ مَن كان أسلم، وامتنع مَن كان عَزَم على الإِسلام منهم. فأخبر اللهُ سبحانه أنّه قَدر ذلك ليفتتنوا؛ فهذا إِضلالٌ مِن اللهِ لهم قطعًا.
ومنها قوله: ﴿وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم﴾. فخَصّ بهدايته الخاصّة المؤمنين. ثمّ قال: ﴿ولا يزال الذين كفروا في مرية منه﴾؛ أخبر بدوام ضلالهم في المستقبل. ولا سبيل إِلى مطابَقة الخبر إِلاّ بإِضلالهم، بحُكم القضاء والقدر.
سورة المؤمنون
فمنها قوله تعالى: ﴿قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا﴾، يعني التي كَتَبتَ علينا في سابقِ علمِك، ﴿وكنا قوما ضالين﴾، بتقديرك علينا والاستدلال بها سبق غير موضعٍ.
سورة النور
فمنها قوله تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكى من يشاء﴾. وهي معنى قوله: ﴿يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء﴾، وقوله: ﴿ولوا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾.
ومنها قوله تعالى: ﴿ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾. وهي كقوله: ﴿من يُضلل الله فلا هاددى له﴾؛ لأنّ المراد "بالنور" هنا الإِيمان.
ومنها قوله تعالى: ﴿والله يهدى من يشاء إِلى صراط مستقيم﴾. وسبق نظيرها ووالاستدلال به.
стр. 237
سورة الفرقان
فمنها قوله تعالى: ﴿وخلق كل شيء فقده تقدير﴾. والاستدلال بعمومها؛ وهو أقوى من عموم قوله، ﴿قل الله خالق كل شئ﴾؛ لأنّ الفعل أقول مِن اسمِ الفاعل. وقد سبق الاعتراض عليه والجوةاب عنه في الرعد.
سورة الشعراء
فمنها قول إِبراهيم: ﴿الذي خلقنى فهو يهدين﴾. وقد سبق قوله: ﴿وقد هدان﴾، ﴿لئن لم يهدنى لأكونن من القوم الضالين﴾، في الأنعام.
ومنها قوله: ﴿كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم﴾. وقد سبق الكلام على نظيرها في سورة الحجر.
سورة النمل
فمنها قوله تعالى: ﴿إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون﴾. وقد سبق لها نظائر.
ومنها قوله تعالى: ﴿وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون﴾. فالله سبحانه هو الذي زين للشيطان أنْ زَيِّنْ لهم أعمالهم، وزَيِّنْ الهم أنْ تابِعوا الشيطانَ؛ بدليل قوله: ﴿وأجلب علهيم بخيلك
стр. 238
وَرَجلِكَ﴾، وقوله: ﴿أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين﴾. فكان الله سبحانه هو الذي زَيَّنَ للجميع أعمالهم؛ بدليل قوله: ﴿زينا لهم أعمالهم﴾. لكنّ تزيينَ اللهِ سبحانه بالقضاء والقدر وخلقِ الدواعي، وتزيينَ الشيطانِ بالوسوسة والإِغواء.
ومنها قول صالحِ لقومه: ﴿بل أنتم قوم تفتنون﴾. فلم يُسَمِّ الفاعلَ. فالفاعل لعم إِمّا الله، كقوله: ﴿زينا لهم أعمالهم﴾، وقول موسى، ﴿إن هي إلا فتنتك﴾؛ أو الشيطان، بقضاء الله، لما سبق آنفًا. وعلى التقديرين، ففتنتهم مضافةٌ إِلى الله سبحانه.
سورة القصص
فمنها قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو أعلم بالمهتدين﴾.
ومنها قوله سبحانه: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة﴾، إِلبى قوله: ﴿وله الحكم وإليه ترجعون﴾. وجهُ دلالتها أنه نَفَى الخيِرةَ نفيًا عامًا؛ فيتناول نفىَ خيرتهم في أفعالهم. فدلّ على أنَ العبد غير مختارٍ عملًا؛ بمقتضى قوله: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار﴾. ثمّ أكدّ ذلك بقوله، ﴿وله الحكم﴾؛ أي جميع الحكمِ؛ أي جميع الحكمِ؛ فلا حُكم إِلاّ له سبحانه. ولو كان العبد موجًدا لأفعاله، لكان حاكمًا على نفسه؛ فلا يكون الحُكم كلّه لله؛ وهو خلاف النصِّ. وأيضًا، كما أنّ عبدَ أحدِنا لا يَتصرَّف إِلاّ بإِذنه التكليفيّ الخطابيّ؛ كذلك عبد الله لا يتصرَّف إِلاّ بأمره الكونيّ القدَريّ.
стр. 239
سورة العنكبوت
فمنها قوله تعالى: ﴿ويعذب من يشاء ويرحم من يشاء﴾. جعل مناطَ العذابِ والرحمةِ مشيئتَه لا غير. نعم، جَعَل الطاعةَ والمعصيةَ سببًا تعلَّقت به مشيئةُ إِقامةٍ للعدل الظاهر، لنفورِ عقولِ الجهّال، كالقدريّة ونحوهم، مِن عدلِه الباطن. وهو ما أشرنا إِليه مِن تصرُّفِه الكونيّ.
ومنها قوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾. فهدايته إِيّاهم إِلى سُبُلِه، وإِن كانت مُرتَّبةً على جهادهم فيه، لكنّ جهادهم فهي من جملة سُبُله. فوجب أن يكون هو الهادي لهم إِلى السبب والمسبَّب وعند الخصم، إِنّ العبد هَدَى نفسَه في الجهاد إِلى الله؛ فكافأه اللهُ على ذلك بأن هداه سُبُلَه. وإِذا ثبت ذلك في طُرُق الهدى، فطرق الضلال مِثله.
سورة الروم
فمنها قوله تعالى: ﴿فمن يهدى من أضل الله﴾. وقد سبق نظيرُها في غير موضعٍ.
ومنها قوله تعالى: ﴿كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون﴾. وقد سبق نظيرها.
سورة لقمان
فمنها قوله تعالى: ﴿وما تدرى نفس ماذا تكسب غدًا﴾. نّبّه اللهُ سبحانه بذلك [على] الحجّة المشهورة في هذه المسألة. وهي: لو كان العبدُ خالقًا لأفعاله،
стр. 240
لكان عالمًا بتفاصيلها وبلوازمه، مِن زمانها ومكانها؛ واللازم باطلٌ؛ فالملزوم كذلك وعليها اعتراضاتٌ، ولها جوابٌ؛ مذكورٌ ذلك في كتبهم.
سورة السجدة
فمنها قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفسٍ هداها ولكن حق القول منى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾. والاستدلال بها من حيث المشيئة والعلم، كما سبق.
سورة الأحزاب
فمنها قوله تعالى: ﴿والله يقول الحق وهو يهدى السبيل﴾.
ومنها قوله سبحانه: ﴿وكان أمر الله معقولًا﴾. أي مأمور الله محترم الوقوعِ؛ كقولنا، "ما شاء اللهُ كان". وقد تُنُوزِع في أنّ الأمر بمعنى المأمور، لأنّه مجازٌ، والأصل الحقيقة. وظاهر الآية عند الإَنصاف ما ذكرناه. ومَن يُثبِت لله سبحانه كلامًا ذا صيغةٍ. يحتجّ بهذه على أنّه مخلوقٌ، حملًا للأمر على الصيغة. وهو تيةٌ عن المراد بالآية؛ بدليل قوله بعد: ﴿وكان أمر الله قدر مقدورًا﴾. فإِنّه ظاهرٌ، إِن لم يكن نصًّا فيما ذكرنا.
ومنها قوله تعالى، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقول الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم﴾. وهي، بالنظر إِليها لا غير، مشترَكة الدلالةِ؛ لاحتمال أنّ المراد: "يخلق أعمالَكم فيكم صالحةً"، أو "يَلطف لكم حتى تخلوقها صالحةَ". لكنّ النصوص
стр. 241
السابقة، قوله: ﴿خالق كل شئ﴾، ﴿وخلق كل شيء﴾، ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾، يُبيِّن أنّ المراد بالتقدير الأوّل.
سورة سبأ خاليةٌ مِمَّا نريد.
سورة الملائكة
فمنها قوله سبحانه: ﴿هل من خالق غير الله﴾. وهو استفهامٌ بمعنى النفيِ؛ تقديره: "ليس مِن خالقٍ"، أو "لا خالق، إِلاّ الله"؛ نَفَى جنسَ الخالق سواه. وأفعال العباد مخلوقةٌ، باتفاقٍ؛ وإِنما النزاع في خالفها مَن هو فيجب أن يكون هو الله الذي أخبر أن لا خالق سواه.
سورة يس
فمنها قوله تعالى: ﴿لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون﴾. أي سبق في علمِ الله، وحقَّت كلمتُه؛ أي تَكَلَّمَ كلمةً حقًّا أنهم لا يؤمنون. ووجه دلالتها سبق.
روى عبدُ الرزّاق، قال: أنا مَعْمَرٌ، عن منصورٍ، أنّ ابن مسعودٍ قال لأصحابه: نِعم القوم أنتم، لولا آيةٌ في ياسين: ﴿لقد سبق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون﴾؛ وكان يقرأها كذلك.
ومنها قوله تعالى: ﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا﴾. هي كنايةٌ عن موانع القدرة لهم من الهداية. كأنّ القدرةَ تمنعهم عن ذلك منعَ الغُلِّ صاحبَه عن الانطلاق والاستقلال.
وروى عبد الرزّاق، قال: أنا مَعمَرٌ، عن قتادة: ﴿فهم مقمحوم﴾، قال: "مَغلُولون".
стр. 242
وفي قوله: ﴿وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا﴾، قال: "ضلالةً".
قلتُ: ثمّ قوله تعالى: ﴿فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾، كقوله، ﴿وعلى أبصارهم غشاوة﴾، وكقوله، ﴿صم بكم عمى فهم لا يعقلون﴾.
ومنها قوله تعالى: ﴿وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾. هي ونظيرتها في أوّل البقرة من حجج الباب؛ وتقريرها ما سبق.
ومنها قوله تعالى: ﴿لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين﴾. والمراد "بالحىّ" هنا المؤمن، لمقابلته بالكافر. أي "كان حي القلب، يَفهم ما يوعَظ به ويَنظُر ويَتَدّبر". شَبَّه الإِيمانَ بالحياة. ثمّ الحياةُ مخوقةٌ لله سبحانه؛ فكذا الإِيمان في الجملة. ولأهل السنّة في أنّ الإِيمان مخلوقٌ أم لا كلامٌ وتفصيلٌ.
سورة الصافات
فمنها قوله تعالى، حكايةّ عن الكفّار: ﴿فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون﴾. والاستدلال به كما سبق.
ومنها قوله تعالى في شجرة الزقّوم: ﴿إنا جلعناها فتنة للظالمين﴾. وهي الشجرة الملعونة في القرآن، المذكورة في سورة سبح.
رُوى عن عبد الرزّاق، قال: أنا مَعمَرٌ، عن قنادة، في قوله: ﴿فتنة للظالمين﴾؛ قال: "زادتهم تكذيبًا حين أخبرهم أنّ في النار شجرةً؛ فقالوا: "يخبركم أنّ في النار شجرةً؛
стр. 243
والنار تُحرِق الشجرَ". فأخبرهم أنّ غذاءها من النار". ووجه دلالتها أنّه أخبرهم بما لا تحتمله عقولُهم، ولم يبرهِن لهم عليه، مع علمِه بأنهم لا يؤمنون. فبالضرورة افتتنوا؛ وكانت فتنتَه سبحانه، كما قال موسى: ﴿إن هي إلا فتنتك﴾.
ومنها قوله تعالى، حكايةً عن إِبراهيم، إذ قال لقومه: ﴿قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون﴾. وهي عمدة أهلِ الإِثبات. والنزاع بينهم وبين القدريّة مبني على أنّ "ما" في الآيتين موصولةٌ، أو مصدريّة؟ فعند القدريّة، هي موصولةٌ؛ تقديره: "أتعبدون الذي تنحتون، والله خلقكم والذي تعملون! " يعني الجواهرَ التي تُصوِّرونها، من خشبٍ أو حجرٍ وغير ذلك؛ فلا دليل فيها على خلق الأعمال. وعند المُثبِتة، هي مصدرّيةٌ؛ تقديره: "أتعبدون نحتَكم، والله خَلَقَكم وعملَكم؟ " وذلك أنهم لم يعبدوا الجواهر المجرّدة؛ وإِلاّ لما خَصُّوا بعضَ الجواهر دون بعضٍ. وإِنما عبدوها لِمَا قام بها من الصور والأشكال؛ وهي آثار عملِهم؛ فصاروا كأنهم عبدوا عملهم؛ وهو مخلوقٌ لهم. فاتّجه الإِلزامُ والحجّة؛ وهو أنّكم عبدتم عملَكم المخلوق؛ فكيف يَعبد مخلوقٌ خلوقٌا! ولو كان المرادُ الجواهرَ، لمَا اتَجهَت الحجَةُ عليهم؛ لأنهم كانوا يعلمون أنها غير مخلوقةٍ لهم؛ فكان لهم أن يقولوا: "لم نعبد ما عمِلنا".
ومنها قوله تعالى: ﴿ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الجحيم﴾. روي عبد الرزّاق، قال: أنا إِسرائيلُ، عن سِمَاك بن حَربٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، في قولهن ﴿ما أنتم عليه بفاتنين إلا من هو صال الحجيم﴾. قال: "لا تَفتنون إِلاّ مَن هو صالى الجحيَم". قال: "وأنا عمرُ بن ذرً، قال: "سمعتُ عمر بن عبد العزيز يقول: "لو شاء الله أن لا يُعصى، لم يخلق إِبليسَ. وقد بيّن ذلك في آيةٍ من كتابه، عقلها مَن عقلها، وجهلها مَن جهلها، ﴿فإنكم وما تعبدون ما أنتم عليه بقاتنين إلا من هو صال الجحيم﴾.
ولم أجد في سورة ث شيئًا.
стр. 244
سورة الزمر
فمنها قوله تعالى: ﴿أولئك الذيم هداهم الله﴾. والاستدلال بها كما سبق.
ومنها قوله: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾، الآية. والاستدلال بها كلمة في قوله، ﴿يشرح صدره للإسلام﴾.
ومنها قوله تعالى: ﴿ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذى انتقام﴾. وهي كالتي قبلها.
ومنها قوله تعالى: ﴿ثم إذا خولناه نعمةً منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة﴾. أي النعمة التي خوّلناه إِيّاها فتنةٌ. وهو من باب الاستدراج.
ومنها قوله تعالى: ﴿الله خالق كل شئ﴾. وقد سبق نظيرُها في الرعد والفرقان وغيرها.
ومنها قوله تعالى، حكايةً عن الكفّار: ﴿قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين﴾. وقد سبق نظيرها. والله أعلم.
آل حاميم
سورة المؤمن
فمنها قوله تعالى: ﴿وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار﴾.
стр. 245
ومنها قوله تعالى: ﴿إن الله لا يهدى من هوو مسرف كذاب﴾. بيَّن أنّه المنفرد بالهداية؛ يمنعها من شاء، ويمنحها من شاء.
ومنها قوله تعالى: ﴿ومن يضلل الله فما له من هاد﴾.
ومنها قوله تعالى: ﴿كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب﴾.
ومنها قوله تعالى: ﴿كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾
ومنها قوله تعالى: ﴿وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل﴾.
ومنها قوله تعالى: ﴿ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو﴾. ونظيرها في الأنعام والاستدلال بعمومها، كما سبق.
ومنها قوله تعالى: ﴿كذلك يضل الله الكافرين﴾.
سورة فصلت
فمنها قوله تعالى: ﴿وقيضنا لهم قرباء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول﴾، الآية.
سورة الشورى
فمنها قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته﴾. ففيها دليلان: أحدهما: تأثيرُ مشيئته في الاختلاف. والثاني: جعلُها
стр. 246
مناطَ الرحمة. وقد سبق ذلك.
ومنها قوله تعالى: ﴿الله يجتبى إليه من يشاء﴾. ولم يُلِّل بطاعةٍ ولا معصيةٍ. وإِنما المعنى: إِذا تعلّقَت إِرادتُه باجتباء شخصٍ، وفقَه لِما ينبغي له من ذلك.
ومنها قوله تعالى: ﴿ومن يضلل الله فما له من ولى من بعده﴾، الآية.
ومنها قوله، ﴿ومن يضلل الله فما له من سبيل﴾.
ولم أجد في سورة الزخرف والدخان شيئًا من هذا الباب.
أما سورة الجاثية
ومنها قوله تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله﴾. وحَمْل "أَضَلَّهُ" على معنى "أصابه"، أو "وَجَدَه ضالًا" ونحوه من التأويلات، عدولٌ عن الظاهر، وفرارٌ من الزحف. ثمّ هو باطلٌ، بقوله: ﴿فمن يهديه من بعد الله﴾؛ إذ هو مقابل ﴿أضله﴾. وليس المراد "يُصيبه مهتديًا"، باتفاقٍ فتعيَّن أنّ "أضَلّه" على جهة "يهديه"، في إِضافة الفعل إِلى الله سبحانه.
ولم أجد في الأحقاف شيئًا من الباب.
سورة محمدٍ ﵇
فمنها قوله تعالى: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم﴾؛ إِلى قوله: ﴿والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم﴾؛ إِلى قوله، ﴿والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم﴾. كلّ ذلك ظاهره الضلال الذي هو نقيض الهُدى.
стр. 247
وحمَل الزمخشريُّ قوله: ﴿أضل أعمالهم﴾، على معنى: "جَعَلَها كالضالّةِ، بمَضيعَةٍ لا تُقبَل"؛ أو "على أنها ضَلَّت في كُفرهم، أي استُهلِكت، فلم يَظهَر لها أثرٌ"؛ يعني أعمالهم الحسَنةَ، مِن إِطعامِ وقرَي ضعيفٍ، وصِلةِ رَحمٍ؛ من قولهم، " ضلّ اللبنُ في الماء"، إِذا استهُلِك. وقوّاه ابنُ المنيِّر، لمقابَلَتِه بقولِه في المؤمنين، ﴿كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم﴾.
قلتُ: يعني أنّ معروف الكافر يُستهلَك في كفره، ومنكَرَ المؤمن يُستهلَك في إِيمانه.
ويزيده قوّةً قولُه تعالى: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا﴾؛ أي بلا شيءٍ؛ فلم يجدوا له جدوًى. كقوله: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾؛ وقوله: ﴿مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف﴾؛ ونظائر ذلك؛ وقوله في هذه السورة، عقب الآية الثالثة: ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم﴾.
ومنها قوله تعالى: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم﴾.
سورة الفتح
فمنها قوله تعالى: ﴿ليدخل الله في رحمته من يشاء﴾.
وقوله: ﴿وألزمهم كلمة التقوى﴾.
سورة الحجرات
فمنها: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق
стр. 248
والعصيان﴾. وكذلك فَعَلَ عكسَ هذا الكفّار: زَيَّنَ في قلوبهم الكفرَ، وكَرَّهَ إِليهم الإِيمانَ.
ولم أجد في سورة ق شيئًا من الباب. وكذلك إِلى سورة النجم .
[سورة النجم]
فمنها قوله تعالى: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى﴾. وذلك ظاهرٌ في أنه خلَق الضحكَ والبكاء، كما خلق الإِماتةَ والإِحياء، والزوجين الذكر والأنثى.
سورة القمر
فمنها قوله تعالى: ﴿إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم﴾. يَحتَمِل نصبُها أن تكون حالًا مقدَّرةً متوقعةً، أي أنّ الفتنة كامنةٌ فيها حال إِرسالها؛ ثمّ ظهرَت بعد ذلك.
ويُحتمَل أنّه معفولٌ له؛ أي "أرسلناها لفتنهم"، أو"لنفتنهم بها". فعلى هذا، هي من حجج البا، كما سبق في قوله: ﴿فتنا بعضهم ببعض﴾، ﴿ليجعل ما يُلقى الشيطان فتنة للذيم في قلوبهم مرض﴾، ﴿لنفتنهم فيه ورزق خير وأبقى﴾. وهو إِضلالٌ تَسببِى؛ وقبحُه لازمٌ. وعندنا يعقبه الإِضلالُ الخَلقيُّ.
ومنها قوله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾. اتّفق القرّاءُ على نصبِ "كلّ" ها هنا؛ وإِن كان الرفعُ أبينَ؛ لأنّ الكلام عليه جملةٌ واحدةٌ، وعلى النصب جملتان والأوّل أخصّ. لكن، بتقدير الرفع، تكون "خَلَقناه" صفةً لشيءٍ تقديره "إِنّا كلّ شيء مخلوقٌ لنا بقدرٍ". فلا يدلّ على استيعاب الخلقِ للأشياء. وبتقدير النصب، يكون
стр. 249
"كلّ" مفعولًا مقدَّمًا، و "خلقناه" مفسّرٌ للناصب، تقديره "إِنّا خلقنا كلَّ شيء بقدرٍ". فيُفيد استيعابَ الخلقِ وعمومَه لكلّ شيءٍ، وأنّ كلّ شيء فهو مخلوقٌ لله سبحانه بقدره وقدرته. والمعنى على هذا دون الأوّل؛ لما رَوَى مسلمٌ والترمذي من حديث أبي هريرة، قال: "جاء مشركو قريش إِلى رسول الله ﷺ يخاصِمون في القدَر؛ فنزلت هذه الآية: ﴿يوم يسحبون في النار على وجودههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾.
وروى عبد الرزّاق، أنا داوود بن قيسٍ، قال: "سمعتُ محمّد بن كعبٍ القرظىّ يقول: "كنت أرأ هذه الآية، فلا أدرى من عُنِي بها، حتى سقَطتُ عليها ﴿إن المجرمين في ضلال وسعر﴾، إِلى قوله، ﴿كلمح بالبصر﴾. فإِذا هم المكذِّبون بالقدر".
ومنها قوله تعالى: ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر﴾. أي سبق العلمُ به. وقد بيّنّا وجوبَ مطابقِة العلمِ المعلومَ. ولا يمكن ذلك إِلاّ بخلق الأفعال.
ولم أجد شيئًا من حجج الباب إِلى سورة الحديد .
[سورة الحديد]
فمنها قوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾، أي نخلقها والكفر والمعاصي أعظم المصائب.
سورة المجادلة
فمنها قوله تعالى: ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه﴾. فمعنى "كَتَب": "خَلَق"، أو "أَثَبت في قلوبهم الإِيمانَ بالإِلهام". و"أَيَّدَهُم": "قوَاهم على
стр. 250
وسواسِ الشيطان وإِضلالِه بروحٍ منه "؛ كقوله: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾.
وقد جاء في الآثار أنّ الأرواح متعدّدةٌ؛ فروحٌ عامةٌ في الناس بحسب الإِنسانيّة وروحٌ اختُصَّ بها المؤمنون على الكفّار، وروحٌ اختُصَّ بها الأولياءُ، وروحٌ اختُص بها الأنبياءُ، وروحٌ اختُصَّ بها المسيحُ ﷺ . فقوله، "بُروحٍ مِنْهُ"، تحتمِل أنّ الضمير للإِيمان؛ أي أيّدهم بروحٍ من الإِيمان، وهي روح الإِِيمان، ويحتمَل أنّ الضمير لله؛ أي أيّدهم بروحِ من فضله، أو من عصمته. فبواسطة ذلك الروح، يفعل فيهم الإِيمانَ؛ وبواسطة الروح الخبيث الشيطانىّ يخلق في الكافر الضلالَ؛ أو بواسطة الدواعي، كما سبق.
سورة الحشر
فمنها قوله تعالى: ﴿وقذف في قلوبهم الرعب﴾. وليست من حجج الباب. ولكن ذكرناها نظيرًا لخلقِ الكفرِ في القلب، لمن يُنكِر ذلك، أو يَستبعد تصوُّرَه. فنقول: خلقُ الكفرِ في القلبِ كقذف الرعبِ فيه؛ إِن كان بالمباشَرة، فالمباشرة؛ أو بالواسطة، فبالواسطة.
ومنها قوله سبحانه: ﴿ولا تجعل في قلوبنا للذين آمنوا﴾. وجعل الكفر في القلب كجعل الغل فيه.
ومنها قوله تعالى في صفة نفسه تعالى: ﴿الجبار﴾ روى عبد الرزّاق، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة، قال: "جَبَر خلقَه على ما أراد". وهذا التفسير، إِن ثبت، فهو على ما قرّرناه أوّلًا من التصرف الكونيّ. أمّا التصرف التكليفيّ، فلا جبر فيه. وقيل: "الجبُار: المصلِح للأمور"، مِن "جَبرتُ العظمَ"، أو الكسر"، إِذا أصلحتُه. وقيل: "الجبّار: "المصلِح للأمور"، مِن "جَبرتُ العظَ، أو الكسرَ"، إِذا أصلحتُه. وقيل: "هو العالى الذي لا يناله أحدٌ"، مِن قولهم، "نخلةٌ جبّارةٌ، إِذا طالت. فالله سبحانه لا تُدرِكه
следующие страницы →