Полный текст (285 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
مناطَ الرحمة. وقد سبق ذلك.
ومنها قوله تعالى: ﴿الله يجتبى إليه من يشاء﴾. ولم يُلِّل بطاعةٍ ولا معصيةٍ. وإِنما المعنى: إِذا تعلّقَت إِرادتُه باجتباء شخصٍ، وفقَه لِما ينبغي له من ذلك.
ومنها قوله تعالى: ﴿ومن يضلل الله فما له من ولى من بعده﴾، الآية.
ومنها قوله، ﴿ومن يضلل الله فما له من سبيل﴾.
ولم أجد في سورة الزخرف والدخان شيئًا من هذا الباب.
أما سورة الجاثية
ومنها قوله تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله﴾. وحَمْل "أَضَلَّهُ" على معنى "أصابه"، أو "وَجَدَه ضالًا" ونحوه من التأويلات، عدولٌ عن الظاهر، وفرارٌ من الزحف. ثمّ هو باطلٌ، بقوله: ﴿فمن يهديه من بعد الله﴾؛ إذ هو مقابل ﴿أضله﴾. وليس المراد "يُصيبه مهتديًا"، باتفاقٍ فتعيَّن أنّ "أضَلّه" على جهة "يهديه"، في إِضافة الفعل إِلى الله سبحانه.
ولم أجد في الأحقاف شيئًا من الباب.
سورة محمدٍ ﵇
فمنها قوله تعالى: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم﴾؛ إِلى قوله: ﴿والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم﴾؛ إِلى قوله، ﴿والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم﴾. كلّ ذلك ظاهره الضلال الذي هو نقيض الهُدى.
стр. 247
وحمَل الزمخشريُّ قوله: ﴿أضل أعمالهم﴾، على معنى: "جَعَلَها كالضالّةِ، بمَضيعَةٍ لا تُقبَل"؛ أو "على أنها ضَلَّت في كُفرهم، أي استُهلِكت، فلم يَظهَر لها أثرٌ"؛ يعني أعمالهم الحسَنةَ، مِن إِطعامِ وقرَي ضعيفٍ، وصِلةِ رَحمٍ؛ من قولهم، " ضلّ اللبنُ في الماء"، إِذا استهُلِك. وقوّاه ابنُ المنيِّر، لمقابَلَتِه بقولِه في المؤمنين، ﴿كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم﴾.
قلتُ: يعني أنّ معروف الكافر يُستهلَك في كفره، ومنكَرَ المؤمن يُستهلَك في إِيمانه.
ويزيده قوّةً قولُه تعالى: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا﴾؛ أي بلا شيءٍ؛ فلم يجدوا له جدوًى. كقوله: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾؛ وقوله: ﴿مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف﴾؛ ونظائر ذلك؛ وقوله في هذه السورة، عقب الآية الثالثة: ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم﴾.
ومنها قوله تعالى: ﴿أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم﴾.
سورة الفتح
فمنها قوله تعالى: ﴿ليدخل الله في رحمته من يشاء﴾.
وقوله: ﴿وألزمهم كلمة التقوى﴾.
سورة الحجرات
فمنها: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق
стр. 248
والعصيان﴾. وكذلك فَعَلَ عكسَ هذا الكفّار: زَيَّنَ في قلوبهم الكفرَ، وكَرَّهَ إِليهم الإِيمانَ.
ولم أجد في سورة ق شيئًا من الباب. وكذلك إِلى سورة النجم .
[سورة النجم]
فمنها قوله تعالى: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى﴾. وذلك ظاهرٌ في أنه خلَق الضحكَ والبكاء، كما خلق الإِماتةَ والإِحياء، والزوجين الذكر والأنثى.
سورة القمر
فمنها قوله تعالى: ﴿إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم﴾. يَحتَمِل نصبُها أن تكون حالًا مقدَّرةً متوقعةً، أي أنّ الفتنة كامنةٌ فيها حال إِرسالها؛ ثمّ ظهرَت بعد ذلك.
ويُحتمَل أنّه معفولٌ له؛ أي "أرسلناها لفتنهم"، أو"لنفتنهم بها". فعلى هذا، هي من حجج البا، كما سبق في قوله: ﴿فتنا بعضهم ببعض﴾، ﴿ليجعل ما يُلقى الشيطان فتنة للذيم في قلوبهم مرض﴾، ﴿لنفتنهم فيه ورزق خير وأبقى﴾. وهو إِضلالٌ تَسببِى؛ وقبحُه لازمٌ. وعندنا يعقبه الإِضلالُ الخَلقيُّ.
ومنها قوله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾. اتّفق القرّاءُ على نصبِ "كلّ" ها هنا؛ وإِن كان الرفعُ أبينَ؛ لأنّ الكلام عليه جملةٌ واحدةٌ، وعلى النصب جملتان والأوّل أخصّ. لكن، بتقدير الرفع، تكون "خَلَقناه" صفةً لشيءٍ تقديره "إِنّا كلّ شيء مخلوقٌ لنا بقدرٍ". فلا يدلّ على استيعاب الخلقِ للأشياء. وبتقدير النصب، يكون
стр. 249
"كلّ" مفعولًا مقدَّمًا، و "خلقناه" مفسّرٌ للناصب، تقديره "إِنّا خلقنا كلَّ شيء بقدرٍ". فيُفيد استيعابَ الخلقِ وعمومَه لكلّ شيءٍ، وأنّ كلّ شيء فهو مخلوقٌ لله سبحانه بقدره وقدرته. والمعنى على هذا دون الأوّل؛ لما رَوَى مسلمٌ والترمذي من حديث أبي هريرة، قال: "جاء مشركو قريش إِلى رسول الله ﷺ يخاصِمون في القدَر؛ فنزلت هذه الآية: ﴿يوم يسحبون في النار على وجودههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾.
وروى عبد الرزّاق، أنا داوود بن قيسٍ، قال: "سمعتُ محمّد بن كعبٍ القرظىّ يقول: "كنت أرأ هذه الآية، فلا أدرى من عُنِي بها، حتى سقَطتُ عليها ﴿إن المجرمين في ضلال وسعر﴾، إِلى قوله، ﴿كلمح بالبصر﴾. فإِذا هم المكذِّبون بالقدر".
ومنها قوله تعالى: ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر﴾. أي سبق العلمُ به. وقد بيّنّا وجوبَ مطابقِة العلمِ المعلومَ. ولا يمكن ذلك إِلاّ بخلق الأفعال.
ولم أجد شيئًا من حجج الباب إِلى سورة الحديد .
[سورة الحديد]
فمنها قوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها﴾، أي نخلقها والكفر والمعاصي أعظم المصائب.
سورة المجادلة
فمنها قوله تعالى: ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه﴾. فمعنى "كَتَب": "خَلَق"، أو "أَثَبت في قلوبهم الإِيمانَ بالإِلهام". و"أَيَّدَهُم": "قوَاهم على
стр. 250
وسواسِ الشيطان وإِضلالِه بروحٍ منه "؛ كقوله: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾.
وقد جاء في الآثار أنّ الأرواح متعدّدةٌ؛ فروحٌ عامةٌ في الناس بحسب الإِنسانيّة وروحٌ اختُصَّ بها المؤمنون على الكفّار، وروحٌ اختُصَّ بها الأولياءُ، وروحٌ اختُص بها الأنبياءُ، وروحٌ اختُصَّ بها المسيحُ ﷺ . فقوله، "بُروحٍ مِنْهُ"، تحتمِل أنّ الضمير للإِيمان؛ أي أيّدهم بروحٍ من الإِيمان، وهي روح الإِِيمان، ويحتمَل أنّ الضمير لله؛ أي أيّدهم بروحِ من فضله، أو من عصمته. فبواسطة ذلك الروح، يفعل فيهم الإِيمانَ؛ وبواسطة الروح الخبيث الشيطانىّ يخلق في الكافر الضلالَ؛ أو بواسطة الدواعي، كما سبق.
سورة الحشر
فمنها قوله تعالى: ﴿وقذف في قلوبهم الرعب﴾. وليست من حجج الباب. ولكن ذكرناها نظيرًا لخلقِ الكفرِ في القلب، لمن يُنكِر ذلك، أو يَستبعد تصوُّرَه. فنقول: خلقُ الكفرِ في القلبِ كقذف الرعبِ فيه؛ إِن كان بالمباشَرة، فالمباشرة؛ أو بالواسطة، فبالواسطة.
ومنها قوله سبحانه: ﴿ولا تجعل في قلوبنا للذين آمنوا﴾. وجعل الكفر في القلب كجعل الغل فيه.
ومنها قوله تعالى في صفة نفسه تعالى: ﴿الجبار﴾ روى عبد الرزّاق، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة، قال: "جَبَر خلقَه على ما أراد". وهذا التفسير، إِن ثبت، فهو على ما قرّرناه أوّلًا من التصرف الكونيّ. أمّا التصرف التكليفيّ، فلا جبر فيه. وقيل: "الجبُار: المصلِح للأمور"، مِن "جَبرتُ العظمَ"، أو الكسر"، إِذا أصلحتُه. وقيل: "الجبّار: "المصلِح للأمور"، مِن "جَبرتُ العظَ، أو الكسرَ"، إِذا أصلحتُه. وقيل: "هو العالى الذي لا يناله أحدٌ"، مِن قولهم، "نخلةٌ جبّارةٌ، إِذا طالت. فالله سبحانه لا تُدرِكه
стр. 251
الأفهامُ، ولا تحيط بكنهة الأوهامُ.
ولا شيء فيما بعد، إِلى سورة الصف .
[سورة الصفّ]
فمنها قوله تعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾. وهو كقوله: ﴿لا تزغ قلوبنا﴾، وما نَسَبَه مِن الزيغِ إِليهم، فهو باعتبار كسبِهم الواقع بخلقِه، مقارِنًا لإِرادتهم، كما سبق. ثمّ قال: ﴿والله لا يهدى القوم الفاسقين﴾؛ وبعدها، ﴿والله لا يهدى القوم الفاسقين﴾.
سورة الجمعة
فمنها قوله تعالى: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم﴾، إِلى قوله: ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾. وقد سبق نظيرُه.
ومنها قوله تعالى: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها﴾، الآية. وذلك مع علمِه أنهم لا يحملونها، أي لا يعملون بها. وهو مِن تكليف ما لا يطاق، كما سبق في قوله: ﴿أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾. ثمّ قال: ﴿والله لا يهدى القوم الظاملين﴾. هو ساقهم إِلى أن ظِلأموا؛ ثمّ نفَى هدايتِهم بظلمِهم. وما ذلك إِلاّ عملًا يتَصرُّفه الكونيّ، كما سبق.
ومنها قوله: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما﴾. ذَمَّهم على
стр. 252
ذلك، مع أنّه هو الذي ساق لهم سببَ الانفضاضِ، وهو العِير القادمة من الشام بالمسيرة، وخَلَقَ فيهم داعي الانفضاض إِليها. وكذلك فَعَلَ في الكافر والعاصي سواءً؛ قَيَّض له سببَ المعصيةِ، وخَلَق فيها داعيها؛ فلا جرم وقعت منه، وإِن هي إِلاّ فِتنَتُك. نسأل الله عصمةً منه تحول بيننا وبين ما يَكره.
سورة المنافقين
فمنها قوله سبحانه: ﴿سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدى القوم الفاسقين﴾. والاستدلال بها كما سبق. ولا أثر لسببيّة الفسق؛ لأنّه بقدره أيضًا.
سورة التغابن
فمنها قوله تعالى: ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾. يَحتمِل هذا تقديرين: أحدهما: "خلَقَكم كافرين ومؤمنين"، أي على هذه الحال. وهى، على هذا التقدير، النزاعُ بينا وبين الخصم. فنحن نقول: "فمنك كافرٌ ومؤمنٌ يخلق اللهُ فيه الكفَر والإِيمانَ". وهم يقولون: "فمنكم كافرٌ، أي آتٍ بالكفر، ومؤمنٌ، أي آتٍ بالإِيمان بدليل قوله: ﴿والله بمات عملون بصير﴾، أضاف العملَ إِليهم". ومعنى الكلام عندهم أنّ الله يَفضَل على خلقِه بالإِيجاد؛ فكان يجب عليهم النظرُ الصحيح؛ ولكنّهم تفرّقوا؛ ففعل الكفَارُ في أنفسهم الكفرَ.
ثمّ أورد الزمخشريُّ على نفسه السؤالَ الذي قد يكون إِيراده فيما سبق من هذا الكتاب. وهو أنّ الله خَلَقَ هؤلاء، مع عِلمِه أنْ سيَكفُرون؛ وخَلْقُ القبيحِ وخَلقُ فاعلِه سِيانِ في القُبحِ. كواهب سيفٍ لقطعِ الطريق؛ فإِنّه وقاطعُ الطريقِ سِيَّانِ في استحقاق أصل القبحِ. وأجاب بأنّ الله سبحانه حكيمٌ. وجَهلُنا بالحكمةِ في خلقِهم لا يَقدًحُ في
стр. 253
حِكمتِه، ولا في كونِ ذلك حُسنًا؛ كجهلِنا بدواعي الحكمةِ في أكثرِ مخلوقاتهِ. هذا حاصل سؤالِه وجوابِه؛ وهو مشتركٌ. فإِنا نقول في خلقِه للكفر ما قاله هو في خَلقِه للكافر؛ خصوصًا على رأي أصحابه الذين التَزموا، على قاعدة رعاية الأصلح، أنّ النار أصلح للكافر.
ومنها قوله تعالى: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾. أضاف هدايةَ القلبِ إِليه جزاءً؛ فكذا ابتداءً. والمعنى: "مِن يُنعِم عليه بالإِيمان ابتداءً، يُتِمّ نعمتَه عليه بهداية القلب، بحسب علمه فيه وإِرادته به". فإِن قيل: "لا يلَزم من الإِيمان ابتداءً هدايةُ القلب دوامًا؛ لأنّا نَرى كثيرًا يؤمنون بدءًا، ويكفرون عند الخاتمة. وقد وَرَد الحديث ُ بذلك، حيث قال النبيّ ﷺ : "إِنّ مِن الناس مَن يولَد مؤمنًا ويعيش مؤمنًا ويموت مؤمنًا؛ ومنهم مَن يولَد كافرًا ويعيش كافرًا ويموت كافرًا؛ ومنهم يولًد مؤمنًا ويموت كافرًا؛ وعكسه؛ وأقسامًا أُخَر. قلنا: هذا السؤال مشتَرك الإِلزامِ. لأنّا أَشَرنا إِلى أنَ الاستثناء مضمَرٌ في الآية، تقديره: مَن يؤمن بالله، يَهد قلبَه، إِن شاء، وسبقت له العنايةُ.
سورة الطلاق
فمنها قوله تعالى: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾. قال الزمخشريُّ، فيما حَكاه عنه ابنُ المنَيِّر: "نُسَلِّمُ للقدرِ؛ وهو التوكُّل". ثمّ قال ابنُ المنيِّر: "أين القَدَري مِن التسليمِ للقدرِ! فهو يَعتقِد أنّ المقَدَّرّ أكثره لا يقعُ. فأكثر الكائناتِ تَتَبعُ إِرادةَ الخلقِ عندهم؛ وإِن وافَقَت إِرادةَ اللهِ، فليس لها أثرٌ في الإِيجادِ". ثمّ قال: "ما شاء اللهُ كان، وما لم يِشأ لم يَكُن؛ لا مُعقِّب لحُكمِه".
стр. 254
ومنها قوله تعالى: ﴿إن الله بالغ أمره﴾. ومن هذا، أَخَذ الناسُ قولهم، "إِذا أراد اللهُ شيئًا بَلَغَه". وهذا خبرٌ لا يطابِق مخبره إِلاّ إِذا اضطَرّ اللهُ خلقَه إِلى ما يريد منهم إِذ لو كانوا مختارين، وبأفعالهم مستقلّين، لجاز أن يخالِفوا معلومَه ومرادَه؛ فلا يكون بالغًا أمرَه؛ وهو محالٌ، لوجوب صدقِ إِخباره. وهذه الآية مِثل قوله: ﴿والله غالب على أمره﴾. وقد ثَبَتَ إِحداهما الأخرى، وأنّ الله بالغُ أمِره بالغلبة والاقتدار عليه.
ومنها قوله تعالى: ﴿قد جعل الله لكل شيء قدرا﴾. وعمومها حجّة في الباب، سواءٌ قلنا: "القدْر": "الزمن الذي قُدِّر فيه وقوعُ الشيء"، أو "كمّيّة الشى ومقداره".
لأنّ الآية تتناول بعمومها أفعالَ العباد؛ فتكون أزمتها وكميّاتها بجعلِ الله تعالى لها قدْرًا على علمه بوجودها وتأثيره بإِيجادها. وقد تناقش هذه الدلالة.
ومن سورة الملك
قوله تعالى: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق﴾. وجه دلالتها أنّه دَلّ على علمِه السرّ والجهر بخلقِه لهما؛ لأنّ العلم بالمخلوق مِن لوازم خلقِه. فدلّ سبحانه بوجود الملزوم، وهو الخلق، على وجودِ اللازم، وهو العلم. فأمّا ما سبق، من أنّ العبد لو خَلَق أفعالَ نفسه، لكان عالمًا، فهو استدلالٌ بانتفاء اللازم، وهو العلم، على انتفاء الملزوم، وهو الخلق. إِذا عُرف هذا، فالسرّ والجهر والقول من أفعال القلوب؛ وقد أثبت اللهُ سبحانه أنّه خالقها. وإِذا عُرف هذا، فالسرّ والجهر والقول من أفعال القلوب؛ وقد أثبت اللهُ سبحانه أنّه خالقها. وإِذا ثبت خلقُه لأفعال القلوب، أو بعضِها، ثَبَت خلقُه لأفعال القلوب، أو بعضِها، ثَبَت خلقُه لسائر الأفعال؛ إِذ لا فرق.
فأمّا قوله: ﴿من خلق﴾، فعند الزمخشريّ، هي منصوبةٌ "بيعَلَم". وعند غيره مرفوعةٌ على أنّها فاعل ﴿يعلم﴾؛ وهو أجود؛ إِذ التقدير "ألا يعلم الخالقُ ما خَلَق! " ولو كان كما قاله الزمخشريّ، لقال: "أَلا يَعلَمُ مَا خَلَقَ"؛ لأنّ المستدَل على خلقِه، وهو
стр. 255
السرّ والجهر، لا يفعل". فإِن قال: "المراد" "بمَنْ" الفاعلون، وإِذا عُلِم الفاعلُ، عُلِم فِعلُه" قلنا: بتقدير تسليمه، تَبطلُل قاعدةُ القدر؛ لأنّه أخبر أنّ معلومه مخلوقٌ له. فإِذا ثبت أنّ الفعل تابعٌ لفاعل في العلم، تَبِعَه أيضًا في الخلقِ، ولَزم القولُ بخلق الأفعال. ومعنى قوله تعالى: ﴿وهو اللطيف الخبير﴾، أنّ عِلمه سبحانه للطفِه يَتخلّل الأشياءَ، فلا يعزب عنه منها شيءٌ.
سورة ن
فمنها قوله تعالى: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾. وقد سبق نظيرها والاستدلال بها في الأعراف.
سورة الحاقة
فمنها قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون﴾. فالذي نبصره الجواهُر والأجسامُ وبعضُ الأعراض. ومِمَّا لا نبصِره بعضُ الأعراض، كالحركاتِ وسائرِ المعانى، والرياحُ والجنّ والشياطين والملائكة والنفوس والعقول والأرواح. فيجوز أن يكون مِن ذلك خلقُ اللهِ للأفعال. ومع جواز ذلك، كيف يَقطعون بأنها مخلوقةٌ للناس، اعتمادًا على مشاهدتهم صدورَها عنهم، كما سبق؟ وهذا إِنما فيه بطلانُ رأيهم، لا تصحيح رأينا. إِذ لا يلزَم من الجواز الوقوعُ.
سورة سائل سائلٌ
فمنها قوله تعالى: ﴿إِن الإنسان خلق هلووعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المضلين﴾؛ الآيات. فأخبر سبحانه أنّه خَلَق الإِنسانَ مطبوعًا على هذه الأخلاق والأحوال؛ وهي من المعاصي. وخالق الفاعلِ خالقُ هيئته التي خُلِق عليها. إِذ الحال وصفُ هيئةِ الفاعلِ أو المفعول. و ﴿هلوعا﴾ و ﴿جزوعا﴾ و ﴿منوعا﴾ منصوباتٌ على الحال.
стр. 256
فصار حاصل الجملة المطلوبة أنّ الله سبحانه خَلَق الإِنسانَ وخَلَق الشرورَ فيه، إِمَا بعينها، أو بخلقِ جملتِه المقتضيةِ لها. إِلاّ قومَا سَبقت لهم العنايةُ؛ فلم يخلق فيهم الشرَّ، وأبدَلهم منه خصالَ الخير المذكورة، مِن صلاةٍ وزكاةٍ وأمانةٍ وخوفٍ من الله سبحانه، وغير ذلك.
سورة نوح
فمنها قوله تعالى: ﴿ولا تزد الظالمين إلا ضلالا﴾. وإِذا زاد الظالمين ضلالًا، جاز أن يبتدئه فيهم، لمِا سبق تقريره. والخصم يَتَأوّل هذا ونحوَه على معنى "امنَعَ ألطافَك عنهم فلا يهتدون، أو فيستمّرون على ضلالهم". ومُقتضَى اللفظِ وسائر النصوص تأباه.
سورة الجن
فمنها قولهم، ﴿وأنا لا ندرى أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا﴾. فدلّ على أنّه سبحانه يريد بعباده الشرَّ. وعلى هذا سؤالان: أحدهما: أنّه محِكي عن الجنّ. الثانى: أنهم لم يُسمّوا مريدَ الشرِّ؛ حيث قالوا: ﴿أشر أريد بمن في الأرض﴾؛ ولم يقولوا: ﴿أراد بهم ربهم﴾، كما قالوا في الرشد. فدلّ على أنّ المريد مختلِفٌ. فجواب الأوّل أنّه، وإِن كان محكيًّا عن الجنّ، إِلاّ إِنّ الله حكاه عنهم في معرِض التقرير عليه؛ بدليل قوله للنبيّ ﵇: ﴿قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا﴾؛ ثمّ حَكَى أقوالهم إِلى آخرها. فكانت حجّة بتقرير الله عليها وعدم إِنكارها. وجواب الثاني أنهم حذفوا فاعلَ الشرِّ تأدبًا؛ كقول إِبراهيم: ﴿الذي خلقنى فهو يهدين﴾؛ ثمّ قال: ﴿وإذا مرضت﴾، ولم يقل: "أمرَضَني"، تأدّبًا. كذا ها هنا.
وليس في سورة المزل شيء من الباب.
стр. 257
أمّا سورة المدّثّر
فمنها قوله تعالى: ﴿وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا﴾. والاستدلال بها كما سبق غير موضعٍ.
ومنها قوله: ﴿كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء﴾. وقد سبق نظيرها والاستدلال به في البقرة.
سورة الإِنسان
فمنها قوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾. أي مشيئتكم تابعةٌ لمشيئته. فلا تشاؤون إِلاّ ما قد شاء. ثمّ أَلحمكَم مشيئتَه. ويحتجّ بها من قال: "إِنّ مَنت قال لزوجته: "أنتِ طالقٌ، إِن شاء الله"، يقع الطلاقُ". لأنّ مشيئة اللهِ لازمةٌ لمشيئة العبد، ووجود الملزوم يَدُلّ على وجود اللازم. وإِذا ثبت أنّ مشيئة العبد تابعةٌ لمشيئة العبد، ووجود الملزوم يَدُل على وجود اللازم. وإِذا ثبت أنّ مشيئة العبد تابعةٌ لمشيئة الربّ، فكذا قدرته تابعةٌ لقدرة الربّ؛ لأنّ الله سبحانه إِذا شاء أمرًا، أثّرت فيه قدرتُه؛ ثمّ جرى على قدرة العبد جريانَ كسب لا خلقٍ. لأنّ الخلق حصل بقدرة الربّ؛ فلا يبقى لقدرة العبد محل تؤثِّر فيه. وأيضًا، وجود الفعل عن قادرَين باطلٌ عند الخصم.
ومنها قوله سبحانه: ﴿يدخل من يشاء في رحمته﴾. والاستدلال به كما سبق.
ثمّ لم أجد شيئًا إِلى سورة التكوير .
[سورة التكوير]
فمنها: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾، عقب قوله: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم﴾. والاستدلال كما سبق في سورة "هَلْ أَتَىْ".
стр. 258
ثم إلى سورة المطفّفين
فمنها قوله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم كا كانوا يكسبون﴾. وقد سبق نظيره ووجه الاستدلال به أوّل البقرة.
ثمّ إِلى سورة البروج
فمنها قوله تعالى: ﴿فعال لما يريد﴾. ولها نظائر في القرآن، نحو: ﴿إن الله يفعل ما يريد﴾، ﴿يفعل ما يشاء﴾. والناس يَلهجون بالاحتجاج بها في هذا الباب. وهي حجّةٌ، إِلاّ أنها لا تُلزِم الخصمَ؛ لأنّه يُسَلِّم أنّ الله يفعل ما يريد؛ لكن عنده أنّ أفعال العباد غير مادةٍ له حتى يفعلها. وقد سبق الكلامُ معهم في أنّ الله مريدٌ لجميع الكائنات أم لا. وإِنما يكون حجّةً لو قال: "لا يكون إِلاّ ما يريد". والتحقيق في هذا أنّ الإِرادة لازمٌ للفعل؛ والفعل ملزومٌ للإشرادة. فمن يحتجّ على إِذبات القدر بقوله، ﴿فعال لما يريد﴾، يكون محتجًّا بوجود اللازم، وهو إِرادة الله سبحانه. لكنّ وجود اللازم لا يَدلّ على وجود الملزوم، ولا عدمه. وإِنما وجه استدلال أهلِ السنّة بالآية هو أنّ قوتّها وسياقها يقتضي أنّ الله أثبت لنفسه التصرُّف الكامل الاستقلالّى في الوجود؛ بمعنى: لا متصرِّف غيره، ولا فاعل سواه فاعلم ذلك.
ثمّ لم أجد شيئًا من الباب إِلى سورة والشمس.
[سورة الشمس]
فمنها قوله تعالى: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾. أي جَبَلَها عليه وأَشرَبها إِياه. وقد
стр. 259
ثم إِلى سورة الضحى
فمنها قوله تعالى: ﴿ووجدك ضالا فهدى﴾. فَنَسَب هُداه إِليه. أمّا قوله، "وَجَدَكَ ضَالًا"، فله وجهان جّيدان:
أحدهما: "وجَدك لا تعلم الهدى الذي جاءك، فعلّمك إِيّاه، وهداك به"؛ لقوله: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم﴾؛ وقوله: ﴿ما كنت تدرى ما الكتاب وولا الإيمان﴾، يعني الذي جاءك. وإِلاّ، فهو لم يكن قبل ضالًا عن الإِيمان المطلق. الوجه الثاني: "وجدك وقد انعقد لك سببُ الضلال، بإجماع قومِك عليه؛ فلو لم يهدك، لتابعتهم؛ فهداك عمّا كانوا عليه إِلى ما صِرتَ إِليه. فهو كقوله: ﴿وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾، ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كت تركن إليهم﴾.
ثم إلى سورة الفلق
فمنها قوله: ﴿قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق﴾. وإِنما أراد أن يعلّمه التعوّذَ مِن شرّ جميع الموجودات تعوّذًا عامًّا. فدلّ على أنّ سائر الموجودات، مِن ذاتٍ وحركةٍ وكاسبٍ وكسبٍ، خَلْقُه سبحانه. وقد ثبت في السنّة تعوّذُه ﵇ من شرّ كلّ شيءٍ. فأمّا قوله: ﴿أعوذ بك من همزات الشياطين﴾، و ﴿من شر السواس﴾، ونحو ذك ممّا خَصه بالاستعاذة منه، فلمُتضٍ للتخصيص؛ ولم يَذكُره بصفةٍ تقتضي العموم، كالخلق ها هنا. فكأنّه قال: "من شرّ مخلوقاته"، أو " الذي خلَقه".
وقرأ بعضُ القدريّةِ محرِّفًا للقرآن، فقرأ: "مِن شَر مَا خَلَقَ"، بتنوين "شر"، وجعلِ "ما" نافيةً. يعني: "ما يفعله المكلَّفون، من المعاصي والمآثم، وغيرُ المكلَّفين، مِن
стр. 260
الشرور، كلدغ الهوامّ وإِحراق النار؛ لأنّ الله لا يفعل ذلك كلّه عندهم؛ لأنذه شر، بناءً على رعاية الأصلح. وكفى بتحريفهم للقرآن على خلاف الإِجماع دليلًا على بطلان رأيهم.
هذا آخر ما أمكن استقراؤه من آيات الإِثبات.
﴿استدلال القدريّة مِن أي القرآن]
أمّا ما يحتجّ به القدريّة من أي الكتاب، فأكثر من أن يُحصى. وليس ذلك دالًا على صحّة رأيهم. وإِنما سببُه ما كنّا قدّمناه من تقرير تصرُف اللهِ في خلقِه التكوينيّ والتكليفيّ. وإِنما تقوم الحجّةُ عليهم ظاهرًا بالتصرُّف الثاني، وهو التكليفيّ. فلا جرم كان أكثر مخاطبتِه لهم وعنهم مبنيًا عليه، من ذم ومدحٍ وتقريعٍ وتوبيخٍ وشرطٍ وجزاءٍ، ونحو ذلك. فنحن إِن شرَعنا نستقرئ كل ما في القرآن مِما يحتجّون به من القرآن. ولا أرى أنّه يبقى بعدها مما يحتَجون من القرآن شيءٌ. والوجوه الكلّيّة التي احتجّوا بها من القرآن عشرةٌ.
الأول إِضافة الأفعال إِلى العباد. نحو: ﴿يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة﴾، ﴿يكتبون الكتاب بأيديهم﴾، ﴿يكتمون ما أنزلنا﴾، ﴿يكسبون﴾، ﴿يعلمون﴾، ﴿يفعلون﴾، ﴿جزاء بما كسبا﴾، ونحوه كثيرٌ جدًا.
الثانى مدحُ المطيعين على الطاعات، وذم العصاة على المعاصي، والوعد والوعيد عليهما. نحو: ﴿اليوم تجزى كل نفس بما كسبت﴾، ﴿اليوم تجزون ما كنتم
стр. 261
تعملون﴾، ﴿لتجزى كل نفس بما تسعى﴾، ﴿أولئك هم الوارثون﴾، ﴿أولئك هم الظالمون﴾، ونحو ذلك.
الثالث الآيات المنزِّهة لله سبحانه عن الظلم والتفاوت. نحو: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾، ﴿ولا يظلمون فتيلا﴾، ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾. وتعذيبهم على أفعالٍ خلقها فيهم ظلمٌ. وقوله: ﴿ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾، ﴿الذي أحسن كل شيء خلقه﴾. وأفعال العباد متفاوتةٌ قبيحةٌ؛ فليست أفعال الله.
الرابع توبيخ العصاة على المعاصي. نحو: ﴿كيف تكفرون بالله﴾، ﴿فما لهم لا يؤمنون﴾، ﴿وماذا عليهم لو آمنوا بالله﴾، ﴿ما منعك أن تسجد﴾، ﴿فما لهم عن التذكرة معرضين﴾. فكيف يوبّخهم على ما لم يفعلوا! أو كيف يمنعم عن الفعل، ثمّ يقول: "لِم لَم تفعولا"! ولو فعَل هذا واحدٌ من الناس، لأطبقوا على تسفيهه وتجهيله.
الخامس الآيات التي اقتضت تخييَرهم في الفعل وتركِه، بحسب مشيئتهم. نحو
стр. 262
﴿من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾، ﴿لمن شاء منكم أن يتقدم أن يتأخر﴾، ﴿فمن شاء ذكره﴾، ﴿فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا﴾، ﴿مآبا﴾، ﴿اعملوا ما شئتم﴾، ﴿اعملوا فسيرة الله عملكم﴾. وأنكَر على مت نَفَى المشيئةَ عن نفسه وأضافها إِلى الله، بقوله: ﴿لو شاء الله ما أشركنا﴾، الآية، كما سبق. وذلك يدلّ على أنهم مختارون مستقلّون بأفعالهم.
السادس الآيات التي أُمِروا فيها بالمسارعة إِلى الطاعات وامتثالها. نحو: ﴿سارعوا﴾، ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم﴾، ﴿أجيبوا داعى الله﴾، ﴿استجيبوا لله﴾، ﴿لربكم﴾، ﴿اركعوا واسجدوا﴾. وأمرُهم بذلك، مع أنّه ليس مِن فعلِهم، أو مع منعِهم منه، كمَن يقول للزمن: "قُمْ" ولمن رُمِي من رأس جبلٍ: "إِيّاك أن تقع! "
السابع الآيات التي أُمِروا فيها بالاستعانة بالله. نحو ﴿إياك نستعين﴾، ﴿فاستعذ بالله من الشيطان﴾، ﴿استعينوا بالله﴾، فإِذا كان اللهُ خالقَ الكفر والمعاصي،
стр. 263
﴿ربنا ظلمان أنفسنا﴾، ﴿إنى ظلمت نفسى﴾، ﴿فاغفر لى﴾، ﴿إنى كنت من الظالمين﴾.
التاسع اعتراف الكفّار والعصاة بأنّ كفرهم ومعاصيهم منهم. نحو: ﴿قالوا لم نك من الظالمين﴾.
التاسع اعتراف الكفّار والعصاة بأنّ كفرهم ومعاصيهم منهم. نحو: ﴿قالوا لم نك من المصلين﴾، ﴿فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ﴾، ونحو ذلك.
العاشر تندّمهم في الآخرة على تفريطهم في الدنيا، وطلب الرجوع. نحو: ﴿يا حسرتنا على ما فرطنا﴾، ﴿يا حسرتى على ما فرطت فى﴾، ﴿رب ارجعون﴾، ﴿فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين﴾، ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون﴾.
هذه كّلّياتُ ما استدلّوا به من القرآن.
[الجواب على استدلال القدريّة مِن أي القرآن]
والجواب عنه من حيث الإِجمال والتفصيل
أمّا الإِجمال، فمن وجهين: أحدهما: ما سبق تقريرُه مِن الفرق بين تصرُّف الله التكويني والتكليفيّ. فهذه الوجوه العشرة إِنما هي باعتبار تصرُّفه الثاني. الوجه الثاني: أنّ ما ذكرتموه معارَضٌ بالنصوص والظواهر التي استقرأناها، وإِذا وقع التعارضُ بين ما
стр. 264
ذكرتموه وذكرناه، وجب التوفيقُ بين القسمين. وليس إِلاّ بحملِه على ما ذكرنا من التصرُّفين، واعتقادِ عدل الله، والتسليمِ حُكم الله، كما قلنا في آيات الصفات، مع قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شئ﴾.
واعترض أبو الهذيل وعلى هذا بأن قال: "لو فَهِمتَ العربُ من آيات الإِثبات التي استقرأتموها ما فَهمتم، لاحتجّوا على النبيّ ﵇ بها، وقالوا: "كيف تأمرنا بالإِيمان، وقد حِيل بيننا وبوينه؟ وتنهانا عن الكفر، وقد خلقه اللهُ فينا، واضطرّنا إِليه؟ " وكان يكون ذلك من أقوى القوادح في نبوّته؛ لظهور تناقُضِ ما جاء به، مِن أمرِه بالإِيمان وإِخباره بمنعهم منه. فلمّا لم يحتجّوا عليه بذلك، دلّ على أنّ المراد من تلك الآيات غير ما فهمتم".
والجواب على هذا من ووجوهٍ.
أحدها: أنّه باطلٌ بقوله تعالى: ﴿سيوق الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ فها هم قد احتجّوا عليه بما كر، وأكذَبهم اللهُ، كما سبق تقريره. ولم يَكُ ذلك قادحًا في النبوّة.
الوجه الثاني: بتقدير أنهم ما احتجّوا بذلك، فإِنهم صُرِفوا عن الاحتجاج به، لكونه قادحًا في النبوّة؛ كما صُرفوا عن معارضة القرآن عند المعتزلة، بناءً على الصَرفة عندهم.
الوجه الثالث: أنّ العرب لم يكونوا في التشكّك كأبي الهذيل؛ فلم ينتهوا لذلك.
ويَرِد على هذين الوجهين أنّ الصرفة عامّةٌ للكفارِ فمَن بعدهم، حتى لا يتسطيع أحدٌ [أن] يعارِض القرآنَ. فلو عارضَه الآن معارِضٌ، لقدح في النبوّة. والذي صُرِف عنه الكفارُ من الاحتجاج بآيات القدر، قد احتججتم أنتم به. فيجب أن يكون قادحًا في النبوةّ؛ وهو خلاف الإِجماع. وكذلك قولهم، "إِنّ الكفّار لم يكونوا كأبي الهذيل"، يقتضي أنّ سؤال أبي الهذيل قادحٌ في النبوّة؛ وليس كذلك. والأجود في الجواب الأوّل.
стр. 265
وأمّا التفصيل، فإِنّ الجواب عن أكثر ما ذكروه في الوجوه العشرة قد سبق في جواب رسالة الحَسَن. ونحن نستقرئ الوجوه المذكورة إِقامةً لرسم الجواب فنقول:
أمّا الأوّل، فإِضافة الأفعال فيه [إِلى] العباد من حيث الكسب، لا الخلق. وقد سبق دعوى أبي الحسين الضرورةَ بهذا الطريق على أنّ أفعال العباد خلقٌ لهم جوابها.
فإِن قيل: "العبد إِمّا أن يكون مستبِدًا بإِدخال فِعله في الوجود، أو لا. فإِن كان، فهو تسليم الدعوى للمعتزلة. وإِن لم يكن، كان مضطرًّا؛ لأنّ الله سبحانه إِن خلقه فيه، وجب وقوعُه؛ وإِن لم يخلقه، امتنع وقوعُه. وحينئذٍ، يظهر أنّ الكسب اسمٌ لا مُسمى له".
والجواب من وجهين: أحدهما: أنّه لازمٌ عليهم أيضًا، كما سبق. وبيانه ها هنا أنّ ما علِم اللهُ أنّه يوجَد، وجب وقوعُه؛ وما علم أنّه لا يوجَد، امتنع وقوعُه. فالعبد مكلَّفٌ إِمّا بواجبٍ، أو ممتنعٍ. والأوّل اضطرارٌ، والثاني تكليفٌ بالمحال. فإِن قالوا: "لا نُسَلَّم أنّه يجب وقوعُه لمجرّد علمِ الله بوقوعه، بل بشرط تأثير قدرة العبد فيه"، قلنا: فنحن نقول أيضًا إِنّه لا يجب بمجرّد علمِ الله بوقوعه، بل بشرط إِجرائه على أدوات العبد موافقًا لعزمه وإِرادته؛ وهو الكسب الذي نعنيه. واستوى القولان. وغاية ما يَلزم من قولنا تكليفُ المحالِ؛ وهو لازمٌ عليكم؛ وقد بيّنّا جوازَه.
الثاني: أنّ نفيَ حقيقة الكسبِ، مع أنّ الله أضافه إِليهم في غير موضعٍ، ولم يُضِف الخلقَ إِليهم في موضعٍ واحدٍ، بُهتٌ ومكابَرةٌ. فثبت أنّ الكسب حقيقةٌ في نفس الأمر.
وَهبْ أنّا أخطأنا معرفة تلك الحقيقة؛ لكنّ ذلك غير قادحٍ ثى ثبوتها. وحينئذٍ، ينصرف جميعُ ما ذكرتموه إِليها.
هذا هو الجواب عن الثاني والرابع والسادس والثامن وما بعده.
وأمّا الثالث، فقد بيّنّا أنّ لا اتَجاه للظلم على الله سبحانه مع إِثبات التصرُّف الكونيّ. وأمّا التفاوت والقبح، فهو في أكساب العباد، وكسبُ العبدِ يجوز أن يؤثِّر
стр. 266
قبحًا في الفعل، وإِن لم يؤثِّر في وجود ذاته. وليس ذلك المرادَ من الآية. إِنما المرادُ الأعيان؛ بدليل ما قبل الآية وبعدها؛ وهو قوله تعالى: ﴿الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت﴾، إلى قوله: ﴿ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير﴾. فدلّ على أنّ المراد بالخلق المذكورِ الأعيانُ المحسوسة، وأنّه لا تفاوُت فيها فيما تقتضيه الحكمةُ؛ بل خُلِقُ كلُّ شيء منها طبقَ الحكمةِ التي خُلِق لها.
وأمّا الخامس، فالآيات الواردة بالتخيير بين الفعل والترك، إمِّا محمولةٌ على التعجيز؛ أي "اعملوا ما استطعتم، فلا خروج لكم عن مقتضى إِرادتي وقهرِ قدرتي"، كقوله: ﴿يا معشر الجن .. إن استطعتم أن تنفذوا .. فانفذوا﴾. أو على التخيير الصوريّ باعتبار التصرُّف التكليفيّ. على أنّ قوله: ﴿من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾، هو في التهديد؛ نحو: ﴿اعملوا ما شئتم﴾.
وأمّا السابع، ففائدة الاستعانة الإِعانةُ واللطف لدفعِ الخذلان الموجِب للشقاوة. على أنّ الأمر مفروغٌ منه. فمَن سبقت له السعادة بالإِعانة، وُفق للاستعانة، وخُلِق فيه داعيها؛ ومَن لا، فلا.
وبعد هذا كلّه، فلا تَنْسَ ما قررّناه مِن حُكم الله سبحانه في الخلق بعلمه. فأَحسبُ أنّه سرّ القدرونكتته.
[حجّةٌ على إِثبات نبوّة محمدِ ﷺ ؛ وهي نكتةٌ أجنبيةٌ عن الباب]
وإِذ قد انتهى الكلامُ بنا إِلى ها هنا، فلنردف أي الكتاب بأحاديث السنّة في الباب، بعد ذِكرِ نكتةٍ نورِدها استطرادًا، ليست من الباب في شيءٍ، لكنّها مستفادةٌ مما ذكرنا مِن أي القدرِ بطريق الاستدلال. وهي أنّا قد أَورَدنا الآياتِ المختلفة ظاهرًا فيما يتعلَّق بالقدر. فنقول: وُرود هذه الآيات المتعارِضة ظاهرًا في ذلك حجّةٌ قويّةٌ على إِثبات نبوّةِ محمدٍ ﷺ على منكِريها.
стр. 267
وتقرير الحجّة المذكورة هو أنّه لو لم يكن نبيًا حقًّا ورسولًا صِدقًا، لما جاءت هذه النصوصُ المتعارِضة على لسانه في كتابه. لكنّها وَرَدَت على لسانه؛ فيكون نبيًّا حقًّا.
بيانُ الشرطيّةِ هو أنّه ﵇ لم يَشك أحدٌ مِن منكرِي نبوّتِه في فضيلته وحِكمته. ولولا ذلك، ما تَقرر له هذا الناموسُ الدائم عندهم. وأيضًا، من أَنصَف ونظر في سيرته، وآدابه، وتأدبه أمّتَه، وأصول شريعته، وفروعها، عَلم قطعًا أنّه كان على غايةٍ مِن الحكمة والسياسة.
وإِذا ثبت ذلك، فنقول: صدور هذا التعارُض العظيم مِن مِثل ذلك الحكيم، إِن لم يكن من عند الله سبحانه، تَلَقَّاه تَلَقيًا وأَخَذَه عنه توقيفًا، محالٌ في العادة. وذلك لأنّا رأينا الحكماءَ الذين لم يُقرروا مِثلَ شريعةِ محمّدٍ ولا مِثلَ ناموسِه، كبقراط وآرسطو وجالينوس وأضرابهم، يُصنِّف أحدُهم الكتبَ العظيمة الحج، التي أصغرها حجمًا أكبر مِن حجمِ المصحف الكريم، فيَحتَرِز مِن التعارُض فيها؛ فلا يأتي منه بموضعٍ واحدٍ. بل هذه أجلافُ العرب يُنشِئ أحدُهم الخطبةَ، أو الرسالة، أو القصيدة الطويلة، فيُنقِّحها حتى لا تَناقُض فيها في موضع واحد. فما الظنّ بحكيمٍ يؤسس شريعةً وناموسًا يَبقى على مرور الأيّام، يأتى بكتابٍ لطيف الحجم، فيه هذا التعارص العظيم ظاهرًا؛ مع أنّه عند خصومع صنّفه في مدّة عمرِه ستين سنةً! فإِنّ العادةُ تُحِيل، مع حكمة المصنف ولُطِف التصنيف وطولِ زمنه وعِظم المقصودِ منه، أن يَترك فيه مِثل هذا التعارُضَ، أو يخفى عنه مكانُه، لظهوره، وحينئذٍ، يَدل بضرورة العادة أنّه إِنما جاء به من عند الله، وفوَّض أمرَه إِلى الله.
وهذه حجَةٌ قويةٌ مستندها العلمُ الضروريّ العاديّ. ولا أعَلَم يَردُ عليها إِلاّ سؤالٌ واحدٌ؛ وهو أن يقال: "لعلّه وَضَع هذا التعارضَ في كتابه، ليُحتج له به، كما قررتموه، ويوهمَ الناسَ أنّ هذا لو كان مِن عندي، لما كان فيه هذا المتشابِه والمختِلف. فيُنبِّههم ذلك على أنّه مِن عند الله، وإِن لم يكن كذلك؛ كما يوهم الساحرُ بسحره أنّه معجِزٌ؛ وليس كذلك".
стр. 268
والجواب أنّ ما ذكرتموه، وإِن كان لقائلٍ أن يقوله في مقام المدافَعةِ والعناد، إِلاّ إِنّه باطلٌ في مستقَرّ العادات. وذلك لأنّ مِن القضايا الضروريّة عند العقلاء ترجيحُ أعظمِ المصلحتين، ودفعُ أعظمِ المفسدتين؛ حتى قال القائل:
إِنّ اللبيبَ إِذا أَلمَّ بجسمِهِ .. مَرَضَان مختلِفان دَاوَى الأَخطرا
ومَن حَصّل مصلحةً مرجوحةً، مع تفويت مصلحةٍ راجحةٍ جدًا، أو دَفَعَ مفسدةٍ يسيرةً، والتَزَم أشد منها، عُد عند العقلاء سفيهًا، يحكمون عليه بذلك بديهةً. ونحن قد بيّنّا حكمةَ محمدٍ ﵇ ومعرفته بأحكام السياسة. ووافق الخصمُ على ذلك وحينئذٍ، لو تَعَمّد هذا التعارضَ والاختلافَ في كتابه، لكان مفوّتًا لمصلحةٍ راجحةٍ مقطوعةٍ، لأجل مصلحةٍ مرجوحةٍ مظنونةٍ، وملتزمًا لمفسدةٍ راجحةٍ مقطوعةٍ، لدفعِ مفسدةٍ مرجوحةٍ مظنونةٍ. وحينئذٍ، يكون مِن قبيلِ السفهاء؛ وقد فرضناه مِن أفضل الحكماء؛ هذا خلفٌ.
وبيان ذلك أنّ هذا التعارُض، مع ظهوره، ومبادرة الأذهان إِليه، مُنفرٌ لمن حوله عنه، موجِبٌ لسوء الظنّ به. وذلك مِما يَعكس مقصودَه، ويُفرّق عنه جنودَه. فلو تعمّده لأجل تنُّههم على الحجّة المذكورة، لكان عادلًا عن الراجح إِلى المرجوح، كما ذكرنا. لأنّ الحجّة المذكورة إِنما يتنبّه لها أذكياءُ الناس وفضلاؤهم؛ والتعارضَ المذكور يَنفُر عنه جميعُهم، أوأكثرُهم. فقد تبين بما ذكرناه ضعفُ السؤال وقوّةُ ما ذكرناه من الاستدلال.
стр. 269
[أحاديث القدَر]
ولنرجع إِلى ما هو مقصودٌ من إِيراد ما تيسَّر من أحاديث القدر؛ إِذا استيعابها لا نستطيعه؛ إِذ قد صنّف العلماءُ فيه تصانيف مستقلّةً، ككتاب القدر، لأبي داوود السجستانيّ، وغيره. فنقول، وبالله التوفيق:
[١] أخبرنا أبو بكرٍ بن أحمد بن أبي بكرٍ الباجسريّ القلانسيّ وأحمد بن عكبر، قالا: أنا عبد الصمد بن أبي الجيش المقرِئ، قال: أنا أبو الفرج بن الجوزىّ، قال: أنا ابن الحصين، قال: حدّثني أبى، قال: حدُّنا [أبو] عبد الرحمن الحُبُلِى يقول: سمعتُ عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قدرَ اللهُ ﵎ المقاديرَ قبل أن يخلُق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ". ورواه الترمذي وصححه؛ وهو في الصحيحن. ولفظ مسلمٍ: طكتب اللهُ مقاديرَ الخلائق"، الحديث؛ وزاد: "وعرشُه على الماء".
وروى الترمذيّ من حديث عبد الله بن عمرو أيضًا، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إِنّ الله خَلَقَ خلقَ في ظُلمةٍ؛ فألقى عليهم من نوره فمن أصابه مِن ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضَل؛ فلذلك أقول: جَف القلمُ على عِلم الله". قال الترمذى: "حديثٌ حسنٌ".
[٢] وبالإِسناد الأوّل، ثنا أحمد، ثنا يحيى بن سعيدٍ، ثنا سفيان، قال: حدّثني سعيد بن سنان، ثنا وهب بن خالدٍ، عن ابن الديلَمي قال: "لقيتُ أبي بن كعبٍ، فقلتُ: "يا أبا المنذر. إِنّه قد وَقَع في قلبي شيء من هذا القدَر؛ فحدثني بشيءٍ، لعلّه
стр. 270
يَذهب من قلبي ".قال: "لو أنّ الله عذب أهلَ سماواته وأهل أرضه، لعذبهم، وهو غير ظالمٍ لهم. ولو رحمهم، كانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم. ولو أنفقتَ مِثلَ جبلِ أُحدٍ ذهبًا في سبيل الله، ما قَبلَه منك حتى تؤمِن بالقدر، وتعلم أنّ ما أصابك ما كان ليخطئك، وما اخطأك لم يكن ليصيبك. وو مُت على غير ذلك، لدخلتَ النارَ". قال: "فأتيتُ حذيفةَ، فقال لى مِثلَ ذلك. وأتيتُ ابن مسعودٍ، فقال لي مثل ذلك. وأتيت زيدَ بن ثابت، فحدّثني عن النبي ﷺ مثل ذلك".
[٣] وأخبرنا أبو بكرٍ الباجسري، قال: أنا عبد الصمد، قال: أنا أبو علي الحَسن بن المبارك الزبيدي، وأبو نصرٍ الحسين بن أحمد بن حسنون النرسي، قالا: أنا أبو الوقت عبد الأوّل السجريّ، أنا أبو الحسن الداووديّ، أنا أبو عبد الله السرخسي، أنا الفرَبري، أنا البخارة، قال: ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، قال: حفظنا من عمروٍ، عن طاووسٍ، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ : "احتَجّ آدمُ وموسى: فقال موسى: "يا آدم؛ أنت أبونا، خيبتَنا وأخرجتنا من الجنّة". فقال له آدم: "يا موسى؛ اصطفاك اللهُ بكلامه، وخطّ بك التوراة بيده؛ أتلومنى على أمرٍ قدّرَه الله على قبل أن يخلُقنى بأربعين سنةً؟ " فحج آدمُ موسى". قالها ثلاثًا. وأخرجه مسلمٌ، عن محمد بن حاتمٍ، عن سفيان.
ورواه الترمذي وصحّحه. ولفظه: "قال موسى: "يا آدم؛ أنت الذي خلقك اللهُ بيده، ونفخَ فيك من روحه؛ أغويتَ الناسَ، وأخرجتَهم من الجنَة". فقال آدم: "وأنت موسى الذي اصطفاك الله؛ أتلومني على عملٍ كتَبَه اللهُ على قبل أن يخلُق السماوات والأرض؟ " قال: "فحَج آدمُ موسى".
ولفظ الترمذيّ أولى اللفظين؛ لأنّ علم اللهِ تعالى تَعلًّق بمعصية آدم في الأزل؛ فلا معنى لتقدير مدّته بأربعين سنةً قبل خلقِه. ولوم موسى لآدم، واعتذار آدم لموسى يُحقق ما قرّرناه قبل، من تصرُّف الله الكونيّ والتكليفيّ؛ لأنّ تقدير المعصية على آدم كان
стр. 271
باعتبار التصرُّف الأوّل، وعقوبته بالتصرُّف الثاني.
ولما رَمَى الرواةُ الإثباتُ بالروايات المسنَدات المتقَنات بهذا الحديث بين أكتاف القدريّة، أخذوا يَنقَضُّون عنه ويَتَخلصون منه. أما أولًا، فبكونه خبر واحدٍ لا يفيد العلمَ. وسيأتى جواب ذلك، وقد سبق شيء منه. وأمّا ثانيًأ، فبتحريف لفظه؛ فإِنّ الرواة اتّفقوا على أنَ "آدم" مرفوعٌ على أنّه فاعلُ "حاج"؛ و "موسى" منصوبٌ تقديرًا؛ لأنّه مقصورٌ، على أنه مفعول "محجوج". فعكَس القدريّةُ، وجعلوا موسى الفاعلَ؛ يريدون ليطفئون نور الله بأفواههم.
[٤] وبالإِسناد الأوّل، قال: حدّثنا أحمد بن حنبل، ثنا محمّد بن جعفرٍ، نا شُعبة، عن منصورٍ، عن ربعي ن حراشٍ، عن علي، عن النبي ﷺ قال: "لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمِن بأربعٍ: حتى يشهد أن لا إِله إِلاّ الله؛ وأني رسول الله، بعثني بالحقّ؛ وحتى يؤمِن بالبعث بعد الموت؛ وحتى يؤمِن بالقدر" ورواه ابن ماجه والترمذيّ.
قلتُ: وفي قصة جبريل لما جاء يسأل النبي ﷺ عن معالم الدين، قال: "ما الإِيمان؟ " قال: "أن تؤمِن بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر، وتؤمِن بالقدر خيره وشرّه". قال: "صدقتَ". روى القصّة مسلمٌ وأبو داوود وابن ماجه والنسائيّ والترمذيّ، وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ".
[٥] وبإِسناد البخاريّ، قال: ثنا عثمان، قال: جررٌ، عن منصورٍ، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عليِّ، قل كنّا في جنازةٍ في بقيع الغَرقَد؛ فأتى النبيّ ﷺ ؛ فقعد رجلٌ: "يا رول الله. أفَلا نتّكِل على كتابنا، ونَدَ العملَ؟ فمَن كان منّا مِن أهل السعادة، فسيصير إِلى عملِ أهل السعادة؛ ومن كان منّا من أهل الشقاوة،
стр. 272
فسيصير إِلى عملِ الشقاوة": "إِمّا أهل السعادة، فسيُيسَّرون لعملِ السعادة. وأمَا أهل الشقاوة، فييسَّرون لعمل الشقاوة". ثمّ قرأ: ﴿فأما من أعطى واتقى﴾، الآية. ورواه مسلمٌ وأبو داوود وابن ماجه والترمذيّ، وصحّحه.
[٦] وبإِسناد مسنَد أحمد، قال: حدّثنا محمّد بن جعفرٍ، قال حدّثنا شُعبة، عن يزيد الرُشك، قال: سمعت مُطرقًا يحدِّث عن عمران بن الحصين، عن النبيّ ﷺ ، أنّه سُئل: "أيُعرَف أهلُ النارِ مِن أهل الجنّة؟ " فقال: "نعم". قال: "فلِم يَعمل العاملون؟ " قال: "يَعمَل كلُّ لمِا خُلِق له (أو: "لِمَا يُسِّر له") " وأخرجاه في الصحيحين.
[٧] وبه، قال أحمد، ثنا صفوان بن عيسى، قال: أنا عَزرَة بن ثابتٍ، عن يحيى ابن عُقيلٍ، عن يحيى بن يَعمَرَ، عن أبي الأَسود الدُّؤلي، قال: غَدَوتُ على عمران بن حصينٍ يومًا من الأيَام، فقال لي: يا أبو الأسود. إِنّ رجلًا من جُهَينة، أو مُزَينة، أتى النبيّ ﷺ ، فقال: "يا رسول الله. أرأيتَ ما يعمل الناسُ اليوم، ويَكدحون فيه؛ شيءٌ قُضِىَ عليهم، أو مَضَى عليهم في قدَرٍ سبق، أو فيما يُستقبَلون ممّا أتاهم به نبيُّهم؛ فاتَّخذَت عليهم به الحجّةُ: . قال: "بل شيءٌ قضِى عليهم، ومضى عليهم". قال: "فلِم يَعملون إِذن، يا رسول الله؟ " قال: "مَن كان الله خلَقه لواحدةٍ من المنزلتين، يُهيِّئه لعملها. وتصديق ذلك في كتاب الله ﵎، "ونَفْسٍ وما سَواهًا فَأَلْهَمهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا". وأخرجه مسلمٌ.
وهذا والذي قبله قضيُةٌ واحدةٌ، لكنّ أحد طرفيها أبسط من الآخر.
وروى ابنُ عمرو، قال: قال عمر: "يا رسول الله. أرأيتَ ما نَعمَلُ فيه، أمرٌ مبتَدعٌ، أو مُبتَدأ، أو فيما قد فُرِغَ منه؟ " قال: "فيما قد فُرِغ منه، يا ابنَ الخطّاب. وكلُّ ميسرٌ لما خُلِق له. أمّا مَن كان مِن أهل السعادة، فإِنّه يَعمَل للسعادة. وأمّا مِن كان مِن أهل
стр. 273
الشقاء، فإِنّه يَعمَل للشقاء". رواه الترمذي وصحّحه.
قلتُ: وحاصل هذه الأحاديث أنّ الله سبحانه جعل في علمه الأزلي استحقاقَ الثواب والعقاب جاريًا على أعمل البرَ والفجور جريانَ السبباتِ على أسبابها؛ والسبب معرفٌ لا يؤثَّر. وهذا يؤكد ما قررَناه مِن قبلِ مِن حُكمِ اللهِ في خلقِه بعلمِه في نفس الأمر.
[٨] وبالإِسناد، قال أحمد: ثنا هاشم بن القاسم، قال: ثنا ليثُ، قال: حدّثني، قال: حدّثني أبو قَبيلٍ المعافِريّ، عن شُفي الأصبَحي، عن عبد الله بن عمروٍ، قال: خرج علينا رسولُ الله ﷺ ، وفي يده كتابات. فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان؟ " قلنا: "لا إِلاّ أن تخبرنا، يا رسول الله" فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتابٌ مِن ربّ العالمين ﵎؛ فيه أسماءُ أهلِ الجنةِ وأسماءُ آبائهم وقبائلهم. ثمّ أُجمِلَ على آخِرهم، لا يَزداد فيهم ولا يُنقص منهم أبدا. ثم قال للذي في يساره: "هذا كتاب أهلِ النار، بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم. ثمّ أُجمِلَ على آخرهم، لا يزاد فيهم ولا يُنقَص منهم أبدًا". فقال أصحابُ رسولِ الله صلة الله عليه وسلم: "فلأيّ شيءٍ نَعمَل، إِن كان هذا أمرًا قد فُرِغ منه؟ " قال رسُول الله ﷺ : "سَددوا وقاربوا. فإِنّ صاحب الجنّة يُختَم له بعمل الجنّة، وإِن عَمِلَ أى عملٍ. وإِنّ صاحب النارُ يُختَم له بعمل النار، وإِن عَمِلَ أى عملِ". ثمّ قال بيده، فقبضَها. ثمّ قال: "فَرَغَ ربُّكم من العباد". ثمّ قال باليمنى، فنبذ بها، فقال: "فريقٌ في الجنّة"، ونبذ باليسرى، وقال: "فريقٌ في السعير". وأخرجه النسائيّ والترمذيّ، وقال: "حَسنٌ صحيحً غريبٌ".
[٩] وبه، قال أحمد، ثنا الحسن بن سَوارٍ، ثنا ليثُ بن سعدٍ، عن معاوية، عن راشد ابن سعدٍ، عن عبد الرحمن بن قتادة، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إِنّ الله خَلَقَ آدم، ثمّ أَخذ الخلقَ من ظهرِه؛ فقال: "هؤلاء في الجنّة، ولا أُبالي؛ وهؤلاء في النار، ولا أُبالي". فقال قائلٌ: "يا رسول الله. فعلى ما نعمل؟ " قال: "على مَواقع
стр. 274
القدرِ".
قلتُ: معناه ما سبق، أن مَن قُدِّر عليه شيءٌ، وقَع عليه لا محالة.
[١٠] وبه، قال أحمد، ثنا عبد الرزّاق، عن علقَمة بن مَرثَدٍ، عن المغيرة بن عبد الله اليَشكُتريّ، عن المعرور بن سُوَسدٍ، عن عبد الله، قال: قالت أمُّ حبيبة: "اللهم متِّعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية". فقال النبيّ ﷺ : " قد سألت اللهَ لآجالٍ مضروبةٍ، وأرزاقٍ مقسومةٍ، وآثارٍ مبلوغةٍ، لا يُعجل منها شيءٌ قبل حِلِّه، ولا يؤخَّر منها شيءٌ بعد حِله. ولو سألتِ اللهَ أن يُعافيك من عذابٍ في النار، وعذابٍ في القبر، كان خيرًا لك". رواه مسلمٌ.
وهذا أصحّ مِمّا رواه الترمذيّ من حديث سلمان، عن النبيّ ﷺ ، "لا يَرُدّ القضاءَ إِلا الدعاءُ، ولا يَزيد في العمر إِلا البرُّ". وقال: "حٍنٌ غريبٌ مِن حديث سلمان".
فتقدَّم حديثُ أمّ حبيبة عليه. فإِن صح حديثُ سلمان، حُمل على مجاز سهولة العيش وطيبته، ونحوه. فإِنّه يُسمّى "زيادةً في العمر" مجازًا.
ولمسلمٍ، من حديث جابر بن عبد الله، قال: جاء سُراقَة بن مالك بن جُعشُمٍ، فقال: "يا رسول الله: بين لنا دينَنا، كأنّا خُلقنا الآن. فيمَ العملُ اليوم؟ فيما جفَّت به الأقلامُ وجَرَت به المقاديرُ، أم فيما نَستقبِل؟ " فقال: "بل فيما جفّت به الأقلام وجَرت به المقاديرُ". فقال: "فيم العمل، يا رسول الله؟ ". فقال: "كل عاملٍ ميسَّرٌ لعمَلِه".
[١١] وبالإِسناد، إِلى عبد الله بن أحمد، قال: حدّثنا مصعبٌ الزُبيريّ، قال: حدّثني مالكٌ، عز زيد عن أبي أُنيسَة، أنّ عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب، أخبره عن مُسلِم بن يَسار الجُهَني، أنّ عمر بن الخطّاب سُئل عن هذه الآية: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾. فقال عمر: "سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
стр. 275
سئل عنها، فقال: "إِنّ الله خَلَقَ آدمَ، ثمّ مسح ظهرَه بيمينه، فاستَخرَج منه ذُرّيّته؛ فقال: "خلقتُ هؤلاء للجنّة، وبعملِ أهلِ الجنّة يَعملون". ثمّ مسح ظهرَه، فاستَخرَج منه ذرّيّة؛ فقال: "خلقتُ هؤلاء للنار، وبعملِ أهل النار يَعملون". فقال رجلٌ: "يا رسول الله. ففيمَ العمل؟ " فقال: "إِنّ الله إِذا خَلَقَ العبدَ للجنّة، استعمله بعملِ أهل الجنّة؛ [حتى يموتَ على عملٍ من أعمال أهل الجنّة، فيُدخِلَه به الجنّةَ وإِذا خَلَقَ العبدَ للنار، استعمله بعملِ أهل النار] حتى يموت على عملٍ من أعمال أهل النار، فيُدخلَه به النارَ".
والمراد من هذا الحديث أنّه يختُم له بأحد العملين، فيُلحِقه بأهله؛ لا أنّه يَستعمِله طولَ عمره بعملٍ واحدٍ حتى يموت عليه. بدليل حديث أبي سعيدٍ، عن النبيّ ﷺ ، قال: "الا إِنّ بنى آدم خُلقِوا على طبقاتٍ شتّى. فمنهم مَن يُولَد مؤمنًا، ويحيى مؤمنًا، ويموت مؤمنًا. ومنهم من يولَد كافرًا، ويحيى كافرًا، ويحيى كافرًا، ويموت كافرًا. ومنهم من يولَد مؤمنًا، ويحيى مؤمنًا، ويموت كافرًا. ومنهم من يُولَد كافرًا، ويحيى كافرًا، ويموت مؤمنًا" رواه ابن ماجه والنسائيّ والترمذيّ، وقال: "حديثٌ حسنٌ".
وروى أنسٌ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أراد الله بعبدٍ خيرًا، استَعمله". فقيل: "كيف يستعمله؟ " قال: "يوفَقه لعملٍ صالحٍ قبل الموت". رواه الترمذيّ وصحّحه.
وفي الصحيحين، من حديث سهل بن سعدٍ: "إِنّ الرجل ليَعمل بعملِ أهل الجنّة فيما يَرى الناسُ، وهو من أهل النار. ويَعمل بعملِ أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنّة. وإِنما الأعمال بالخواتيم".
[١٢] وبالإِسناد، إِلى عبد الله بن أحمد، قال: حدّثني أبو بكر بن أبي شَيبَة، قال: حدّثنا أبو داوود الحَفَريّ، عن سفيان، عن أبي إِسحق، عن مَطَر بن عُكامِسٍ، قال: قال
стр. 276
رسول الله ﷺ : "إِذا قضى اللهُ منيّةَ عبدٍ بأرضٍ، جَعَلَ له إِليها حاجةً. ورواه الترمذيّ، قال: "حسنٌ غريبٌ". لكن صحّح مِثله مِن حديث أبي عزّة، واسمه يَسار بن عبدٍ؛ وله صُحبةٌ.
وروى حمّاد بن سلمة، عن ثابتٍ البنانيّ، أنّ أبا الدرداء ذهب مع سلمان يخطب عليه امرأةً من بني ليثٍ. فقال أهلها: "أمّا سلمان، فلا نزوّجه؛ ولكنّا نزوّجك". فتزوّجها أبو الدرداء. ثمّ جاء إِلى سلمان، فقال له: "قد كان شيءٌ؛ وأنا أستحي أن أذكره لك" ثمّ أخبره الخبرَ. فقال سلمان: "أنا أحقّ أن أستحيي منك أن أخطبها، وقد كان الله قضاها لك".
وعن عبد الواحد بن سُلَيمٍ، قال: قدِمتُ مكةَ، فلقيتُ عطاء بن أبي ريَاحٍ، فقلتُ له: "يا أبا محمّدٍ. إِنّ أهل البصرةِ يقولون في القدر". قال: "يا بُنىّ. أتقرأ القرآن؟ " قلتُ: "نعم". قال: "فاقرأ الزخرفَ. قال: "فقرأتُ: ﴿حم والكتاب المبين﴾، إِلى قوله: ﴿وإنه في أم الكتاب﴾. فقال: "أتدرى ما أمُّ الكتابِ؟ " قلتُ: "الله ورسوله أعلم". قال: "فإِنّه كتابٌ كَتَبَه اللهُ قبل أن يخلُق السماءَ، وقبل أن يخلقُ الأرضَ؛ فيه إِنّ فرعون من أهل النار؛ وفيه: تبت يدا أبي لهب وتب". قال عطاءٌ: "فلقيتُ الوليدَ ابن عبادة بن الصامت، صاحب رسولِ الله ﷺ ؛ فسألتُه: "ما كان وصيّة أبيك عند الموت؟ " قال: "دعانى، فقال: "يا بُنيّ، اتَّقِ اللهَ. واعلم أنّك لن تتقي اللهَ حتى تؤمِن بالله، وتؤمِن بالقدر كلّه خيره وشرّه. فإِن مُت على غير هذا، دخَلتَ النارَ. إِني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنّ أوّلَ ما خَلَقَ اللهُ القلمَ؛ فقال: "كتبْ". قال: "وما أكتبُ؟ " قال: "اكتبْ القدرَ، ما كان وما هو كائنٌ إِلى الأبد". رواه الترمذَي، وقال: "حسنٌ غريبٌ" وقد تضمّن هذا الحديث قولَ النبي، ووصيّة الصحابيّ، وتفسير التابعيّ.
стр. 277
وعن أنسٍ، قال: كان رسول الله ﷺ يُكثر أن يقول: "يا مُقَلِّبِ القلوبِ، ثِّبت قلبي على دينك". فقلتُ: "يا رسول الله. آمنَّا بك، وبما جئتَ به. فهل تخافُ علينا؟ " قال: "نعم. إِنّ القلوب بين أُصبعين من أصابعِ الله، يُقَلَّبها كيف شاء". رواه الترمذيّ، وقال: "حديثٌ شريفٌ".
ولمسلمٍ معناه، من حديث عبد الله بن عمرو؛ وقال: "بين أصابع الرحمن، كقلبٍ واحد". وقال: "صرف قلوبَنا إِلى طاعتك"
ومعنى هذا الحديث أنّ الله يصرِّف القلوبَ بقدرته كما يصرِّف الرجلُ العصا أو نحوها بين أصابعه. وهذا هو الذي نعنيه "بخلق الأفعال"؛ وهو أنّ الله سبحانه إِذا أراد من العبد طاعةً أو معصيةً، صرَّف قلبه إِليها، وقيّض له أسبابها ودواعيها؛ فوقَعت منه لا محالة.
وعن ابن عبّاسٍ، قال: كنتُ خلفَ النبي ﷺ يومًا. فقال: "يا غلام. إِني أعلَّمك كلماتٍ: احفظ اللهَ يحفظك. احفظ اللهَ تجده تُجاهَك. إِذا سألتَ، فاسأل اللهَ. وإِذا استعَنتَ، فاستعِن باللهِ. واعلم أنّ الأمّة لو اجتمعَت على أن ينفعوك بشيءٍ، لم ينفعوك إِلاّ بشيءٍ قد كتبَه اللهُ لك. ولو اجتمعوا على أن يضرّوك، لم يضرّوك إِلاّ بشيءٍ، كتبه اللهُ عليك. رُفعَت الأقلامُ، وجَفَّت الصحفُ". صحّحه الترمذيّ.
وعن ابن مسعودٍ، قال: حدّثنا رسولُ الله ﷺ ، وهو الصادِقُ المصدَّق: "إِنَ أحدَكم يُجمَع خَلقُه في بطنِ أمِّه أربعين يومًا. ثمّ يكون عَلَقَة مثلَ ذلك. ثمّ يكون مُضغةً مثلَ ذلك. ثمّ يُرسِل اللهُ إِليه الملَكَ، فينَفُخ فيه الروحَ. ويؤمر بأربعٍ: يكَتبِ رزِقه وأجلِه وعملِه وشقيٌّ أو سعيدٌ. فوالذي لا إِله غيره، إِنّ أحدَكم ليَعمل بعملِ أهل الجنّة، حتى ما يكون بينها وبينه إِلاّ ذراعٌ؛ ثمّ يَسبِق عليه الكتابُ؛ فيُختم له بعمل أهل النار، فيدخلّها. وإِنّ أحدَكم ليعمل بعملِ أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إِلاّ ذراعٌ؛ ثمّ يَسبِق عليه الكتابُ؛ فيُختم له بعمل أهل الجنّة، فيدخلها". أخرجها في الصحيحين؛
стр. 278
ورواه أبو داوود وابن ماجه والترمذيّ، وصحّحه. وفي الصحيحين معناه من حديث أنسٍ.
وقد سبق ذِكرُ نهي النبيّ ﵇ عن النزاع في القدر. وعليه حمَل بعضُ العلماءِ قولَه ﵇، "المراء في القرآن كفرٌ". وسبق في سورة القمر، ذِكرُ مخاصمة قريشٍ في القدر، وما نزل في ذلك، وآثارٌ عن السلف.
وعن ابن عباسٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : "صنفان من أمّتي ليس لهما في الإِسلام نصيبٌ: المرجئة والقدريّة". رواه الترمذيّ، وقال: "غريبٌ". وقد رُوي عن ابن عبّاسٍ من غير وجهٍ. ورواه ابن ماجه.
وعن ابن عمر، عن النبيّ ﷺ ، قال: "يكون في أمتّي خَسفٌ ومَسخٌ (أو: "قَذفٌ")؛ وذلك في المكذِّبين بالقدر". رواه ابن ماجه والترمذيّ، وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ".
وروى أبو داود في سننه من حديث ابن عمر، عن النبيّ ﷺ ، أنّه قال: "القدريّة مجوسُ هذه الأمّة. إِن مَرِضُوا، فلا تَعُودوهم. وإِن ماتوا، فلا تَشهَدوهم".
قال الخطّابيّ: "إِنما جعلهم مجوسًا لمضاهاة مذهبهم مذهبَ المجوس في قولهم بالأصلين، النور والظلمة. يزعمون أنّ الخبر مِن فِعلِ النور، والشر مِن فعلِ الظلمة. فصاروا ثنويّةً. وكذلك القدريّة؛ يضيفون الخيرَ إِلى الله، والشر إِلى غيره؛ والله تعالى هو خالق الخير والشر".
стр. 279
قلتُ: ولَمَّا ورد هذا الحديث ونظائره في القدريّة، تَنَصَّلوا من هذا اللقب، وقالوا: "لسنا نحن القدريّة؛ بل خصمونا هم القدريّة؛ لأنهم يُثبِتون القدرَ، ونحن ننفيه. فإِضافة اللقب المذكور إِلى المثبِتين، لَمّا اشتُقّ منه، أولى من إَضافته إِلى مَن ينفيه".
وذلك فرارٌ منهم عن لزوم هذا اللقب لهم. ولات حين مناصٍ! فإِنّ النبيّ ﷺ شبّههم بالمجوس. وإِنما يصحّ ذلك فيهم، لا في المثبِتين للقدر، لأنهم موحدون ذاتًا وفعلًا.
وهذا ما تيسّر إِيراده من أحاديث القدر؛ وفيها كثرةٌ تُجاوِز حد الإِحصاء. وقد صحّ عن النبيّ ﵇ أنّه قال في وصيّةٍ لبعض أصحابه: "لا تَقُل لشيءٍ لم يكن: "ليته كان"؛ ولا لشيء كان: "ليته لم يكن"؛ ولكن قُل: "قَدَّر اللهُ، وما شاء فَعَلَ". ولَمَّا جاءه الملَكُ بصورة عائشة في خرِقَة حريرٍ، قال: "إِن يكن من عند الله، يُمضِه". وقال: "اشفَعُوا، تؤجَروا؛ وليَقضِ اللهُ على لسان نبيّه ما شاء" ولَمَّا قيل له: "سَعَِر لنا"، قال: "إِنّ الله هو المُسَعِّر القابض الباسط". وقال علي ﵇: "كلّما كَمُل عقلُ المراد، ازداد إِيمانُه بالقدر". وعن سعد بن أبي وقّاصٍ، قال: رسولُ الله ﷺ : "مِن سعادةِ ابن آدم رِضَاه بما قَضى اللهُ له. ومن شقاوة ابن آدم تَركُه استخارةَ الله. ومن شقاوةِ ابن آدم سَخَطُه بما قَضَى اللهُ".
وحديث صلاة الاستخارة مشهورٌ؛ وهو يتضمَّن الإِيمانَ بالقدر؛ وفيه: "اللهمّ إِني أستخيرُك بعلمِك، وأستقدِرُك بقدرِتك، وأسألُك من فضلِك العظيم؛ فإِنّك تقدِرُ، ولا أَقدِرُ؛ وتَعَلم، ولا أَعلَم؛ وأنت عَلاّمُ الغيوبِ"وهو صريحٌ في نفي القدرة الحادثة. وهو حديثٌ شريفٌ صحيحٌ.
ومَن استقرأ سِيرَ الأنبياءِ والملوك وغيرهم، ووقف على قضاياهم ووقائعهم، عَلِم بالضرورة أنّ لا خالق ولا متصرِّف في الوجود إِلاّ الله. وإِنما أُتِي هؤلاء القومُ مِن قصورِ
стр. 280
علِمهم، واعتمادهم على مجرّد عقلهم، مع تسليمهم وتقريرهم أنّ مِن أحكام الشرع ما لا يُعلَم إِلاّ بتوقيف الشارع. وهذا تناقُضٌ. فهلا جعلوا هذا الأصلَ مِن التوقيفيّات، ووافقوا نصوصَ الكتاب والسنّة وإِجماعَ سلفِ الأمّة وخلَفِها! .
ولقد أخبرني الشقةُ عن بعض رؤساء الحنفيّة ببغداد، أنّه قال: "إِني لأخرُج من بيتي قدريًّا؛ ثمّ أعود إِليه سنّيًّا". فقيل له: "كيف ذلك؟ " قال: "أخرج على أني أفعل كذا وكذا، وأذهب إِلى كذا وكذا، وأرى أني متمكنٌ من ذلك قادرٌ. فيذهب النهار، ولم يتيسر لي من ذلك شيءٌ. فأرجع، وأنا أقول: لو قُدِّر، لكان".
قلتُ: فهذه أحاديث وآثارٌ، إِن لم تكن متواترةً تواترًا حقيقيًّا، فهي متواترةٌ تواترًا معنويًّا؛ كسخاء حاتمٍ، وشجاعة عليّ. وإِن لم تكن كذلك، فهي مستفيضةٌ، تلقّتها الأمّةُ بالقبول على تعاقب الأعصارِ، في سائر الأمصار، لم يُنقَل عن أحدٍ منهم لها إِنكارٌ. فإِذن، مستَند صحّتها إِمّا التواتر لمعلوم، أو الإِجماع المعصوم. فلينظر أمره لنفسه، وليُخلِص اعتقادًا يَلقَى فائدتَه في رمسِه، ولينظر أيهما أحقّ بالاتّباع: رسول الله ﷺ ، والخلفاء الراشدون، والصحابة، والتابعون، وأئمّة الشرع الصالحون، والفضلاء المحقِّقون؛ أم واصل بن عطاءٍ، وعمرو بن عُبَيدٍ، وأبو الهذيل العلاّف، والشحّام، والإِسكافيّ، والجبّائي الذي يقول: "يُسمى اللهُ "مُحْبِلًا"؛ لأنّه لا يحبِل النساءَ إِلاّ هو"، و "لا يسمّى "حنانًا"؛ لأنّه مشتقٌ من الحنين"؛ وغير ذلك من مقالاتهم البائرة، المبنيّة على أصولهم الهائرة.
[مآخذ مسألة القدر]
وحيث انتهينا في مسأَلة القدَر إِلى هذا المقام بعد طويلٍ من الكلام، فلننبّه على مآخذها باختصارٍ؛ وهي ثلاثةٌ:
أحدها: أنهم ينكِرون تصرُّفَ الله التكوينيّ في أفعال خلقِه؛ ونحن نثبته. وقد سبق تقديره.
стр. 281
الثاني: أنّ العدل عندهم ما حَسُن في العقل، والجور ما قَبُح فيه، بناءً على التحسين والتقبيح، وأنّه يحسُن ويقبُح من الله ما حَسُن وقَبُح منًا. وعندنا، العدل ما ورد الشرعُ بإِثباته؛ والجور ما ورد بنفيه. وحظّ العقلِ عندنا فَهم الخطابِ، لا التحكم على رب الأربابِ.
الثالث: أنّ الطاعة عندهم موافَقة الإِرادةِ، بناء على أنّ الإِرادة شرطٌ في كون الصيغة أمرًا. وعندنا، الطاعة موافَقة الأمرِ. وهو راجحٌ إِلى المأخذ الأوّل.
وحكى الإِمامُ فخر الدين في شرح الأسماء الحسنى أنّ القاضي عبد الجبّار الهَمَذانيّ رئيس المعتزلة دخل على الأستاذ أبي إِسحق الإسفرائينيّ، وهو في دار الصاحب بن عبّادٍ. فقال القاضي، معرِّضًا بالأستاذ: "سبحان مِن تَنزَّه عن الفحشاء! " فقال أبو إِسحق: "سبحان مَن لا يَجري في مُلكِه إِلا ما يشاءُ! "
قلتُ: أشار عبد الجبّار إِلى قوله تعالى: ﴿إِن الله لا يأمر بالفحشاء﴾. وعنده، الإِرادة شرطٌ في الأمر؛ فلا جرم لزِم على رأيه أنّ الله يُنَزَّه على الفحشاء أمرًا وإِرادةً. وأشار أبو إِسحق إِلى قوله، ﴿فعال لما يريد﴾، ونظائِرها، على ما قرّرناه في سورة البروج. فقد جَمع هذان الرئيسان عُمدةَ الطائفتين في كلمتيهما. إِلاّ إِنّ كلمة عبد الجبار جُبَارٌ، وعلى شفا جُرفٍ هَارٍ؛ لأنّه مُنازعٌ في أنّ الإِرادة شرطٌ للأمر، وفي أنّ الله إِذا نهى عمّا يريد وقوعَه، أو أمَر بما لا يريد وقوعَه، جائزٌ؛ سبحانه وتعالى عمّا يقولون علوًّا كبيرًا. وقد سبق تقريرُ ذلك.
стр. 282
[خاتمة: في أنّ المعتزلة هل يكفرون بمقالتهم هذه، أم لا ؟ ]
ولنختم الكتابَ بذكرِ فائدةٍ مهمّةٍ؛ وهي أنّ المعتزلة هل يَكفرون بمقالتهم هذه، أم لا؟
والجواب أنّ ظاهر الأحاديث يقضي بكفرهم، كما سبق. أمّا قاعدة العقل والشريعة العامّة في المعتزلة وغيرهم، أنّ مَن أراد بمقالته خيرًا، مِن تنزيه الله سبحانه عمّا لا يليق به في اعتقاده بحسب اجتهاده، أنّه لا يُكَفَّر، ولا يُفَسَّق. بل إِن خالَف الدليلَ في نفس الأمر، كان مخطئًا. ثمّ إِن لم يكن مأجورًا، لم يكن مأزورًا. وبذلك بشرط أن لا يخالِف قاطعًا من قواطع الشريعة، أو ظاهرًا جليًّا لا معارِض له. والأصل في ذلك قوله ﵇، "إِنما الأعمال بالنيّات". والاعتقادات من أعمال القلوب؛ فيُعتَبر فيها المقاصدُ والنيات.
وليست هذه المسألة وأشباهها من القواطع، وإِنما هي من الاعتقادات. وفرقٌ بين القطع والاعتقاد. ومن زعم أنّ هذه، ومسألة الحرفِ والصوتِ وأشباها، ممّا يُفرَّغ على الوحدانيّة والنبوّة وتجاذُبِية الشبَه والأدلّةِ، مِن القطعيّات، فقد وَهمِ. كيف، والشُّبَه فيها قد أعمت النظائرَ، وعمّت الباديَ والحاضرَ! والله سبحانه لم يُكلِّف عبادَه القطعَ بما لم يجعل لهم إِلى القطع به سبيلًا؛ إِذ ذلك تكليفٌ بالمحال، والثابت عند مَن أثبته جوازُه، ولا وقوعه. وذلك بخلاف إِثباتِ الصانعِ، ووحدانيّته، وقِدمِه، وجواز البعثة، وثبوت النبوّات؛ فإِنّ الأدلّة عليها قواطعُ. والتشكيكات على ذلك كالتشكيكات على العاديّات، كما سبق؛ فلا يؤُثر ولا يُسمَع.
وتحقيق هذا أنّ أحكام الشريعة إِمّا قطعيٌ، قام عليه دليلٌ قاطعٌ؛ أوظنّي، لم يقم عليه إِلاّ دليلٌ ظني؛ أو واسطةٌ بينهما، وهو ما قام عليه دليلٌ ارتَفع عن الظّنّي، ولم يَلحق بالقطعّي. فالأوّل كما ذكرناه من وجود الصانع، وقِدمه، ووحدانيّته، وإِثبات النبوّات. والثاني كالفروع العمَليّات، كمسائل الطهارات، والعبادات، والمعاملات، وما استندت إِليه من مسائل أصول الفقه الخاصّة به. وهذا القسم متفاوِتٌ في مراتب الظنون. فأدلّة أصول الفقه أعلى رتبةً من أدلّة الفقه. ثمّ كل منها يتفاوت في ذلك
стр. 283
بحسب مواد المآخذ.
وأمّا الواسطة، فكمسائل العقائد التي وَقَع النزاعُ فيها بين الأمّة مِن العلم المسمَّى بأصول الدين فإِن أدلّته لَمَّا تردَّدَت بين القطع والظنِّ، تردد هو بين القطعيّ والظنيّ بالضرورة؛ فوقع النزاعُ فيه، وعظُم الخلافُ. وقد بيّنّا أنّ كلّ واسطةٍ وقَعت بين طرفين أَخَذت شبَهًا منهما؛ فجاذباها بحُكمِ الشَّبهِ بينهما. فالفقهاء ونحوها يُلحِقونها بالقسم الأوّل القطعيّ. ومَن أنعَم فيها، رآها بالقسم الثاني الظنيّ أشبه، وإِلحاقها به أولى، وإِن ارتفعت عنه شيئًا. ويُعنى "بالدليل القاطع" ما لم يُعارِضه ما يَقدح في النفس احتمالُ خلافه احتمالًا معتَبرًا؛ و "غير القاطع" يقابله.
فعلى هذا، القسم الأوّل قاطعٌ؛ لأنّه لم يُعارَِضه إِلاّ شُبه منكِري الصانعِ ووحدانيّته، ومنكِري النبوّات. وهي كالشُّبه الواردة على العاديّات؛ كاحتمال انقلاب الجبال ذهبًا، والبحر خمرًا ولبنًا؛ وليس ذلك معتَبرًا.
والقسم الثاني من الفروعيّات غير قاطعٍ؛ لأنّ المعارِض قد يكون مِثلَه وأقوى منه؛ كأدلّة المذاهب وغيرها في الفقه.
والقسم الثالث الذي نحن فيه هو بغير القاطع أشبهُ. مثاله في مسألة القدَر أنّا قد بيّنّا تعارُض آى الكتاب فيه ظاهرًا بما استقرأناه منها. وأدلّة العقل فيه أشد تعارضًا. والعقول إِلى ما في جانب المعتزلة منها أميَل؛ والنفوس لها أَقبَل. حتى قد بيّنّا أنّ تحارير المتكلّمين، إِذا انحصروا فيها، لجؤوا إِلى قوله تعالى: ﴿لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون﴾؛ وتُسمّيها أهلُ السنّة "آية الدبّوس". وإِن كان ذلك في نفسِ الأمرِ حقًّا، كما بيّنّاه، إِلاّ إِنّ مسألةً يكون فيها مِثلُ هذه الشُّبهِ الباهرِة نقلًا وعقلًا لا يليق بعاقلٍ أن يجعلها مِن القطعيّات. وعلى هذا القياس مسألة الحرف والصوت؛ فإِنّ النظر فيها متردِّدٌ جدًّا؛ ولا نصُّ قاطعٌ فيها. أمّا مسألة الجهة، فهي إِلى القطعيّات أقربُ؛ بل
стр. 284
هي عند التحقيق قطعيّةٌ. وأمّا مسألة عذاب القبر والشفاعة، ونحوها مِن أحكام الآخرة، فهي قطعياتٌ لا شكُ فيها؛ لأنّ النصّ فيها قاطعٌ خالٍ عن معارِضٍ معتبَرٍ. وما يُعارِض به المنكِرون شُبهٌ عقليّةٌ تَضعُف عن الاحتمال الوارد على العلوم العاديّة.
وإِذا عرفتَ بما ذكرناه من القاعدة القطعيَّ مِن غيره، صار المتنازِعون في المسائل غير القطعيّة في المثال كشاعرين استَفرغًا وُسعَهما في مدحِ مِلكٍ؛ لكن قصّر أحدُهما، وبرّز الآخرُ. فكلاهما يَستحقّ الجائزةَ في قضيّة العقل والشرع. أمّا العقل، فظاهرٌ؛ وليس هذا اعتمادًا منّا على التحسين العقليّ المتنازَع فيه. إِنما هو اعتمادٌ على التحسين المتّفَق عليه، كما سبق في موضعه. وأمّا في الشرع، فالقاعدة الإِسلاميّة العظيمة التي انبنى عليها معظمُ أعمالِ القلوب والجوارح، وهي قوله ﵇، "الأعمال بالنيّات"؛ مَن سأل اللهَ الشهادةَ خالصًا مِن قلبه، بَلَّغَه اللهُ منازلَ الشهداءِ، وإِن مات على فراشه"؛ إِنّ بالمدينة قومًا ما قَطَعتم واديًا إِلاّ كانوا معكم، حَبَسَهم العُذرُ"؛ وقوله لمعن بن يزيد، "لك ما أَخذتَ يا معنُ؛ ولك ما نَوَيتَ يا يزيدُ".
فكلّ هذا وأمثاله قصورٌ عن الكمال، أكملَهَ اللهُ بالنيّة. فكذلك، المخالِف في هذه المسألة، غايتُه أن يُقَصِّر عن إِدراك الصواب في نفس الأمر؛ لكنّه يَلحَق رتبةَ المجتهدين بالنيّة الصالحة. فهو كمَن مات على فراشه ناويًا للجهاد.
ومِن الحجج القاطعة في الاعتذار لهؤلاء المخالِفين ما ثبت في السنّة، مِن أنّ رجلًا كان قبلكم قال لأولاده: "إِذا مُتُّ فاحرِقوني، ثمّ اذرُوني في اليَمّ، لعلّي أُعجِز اللهَ (وفي لفظٍ: "أُضِلّ اللهَ")، فإِنّه إِن يَقدِر عَلَىّ، عذَّبَني عذابًا لا يُعذِّبه أَحدًا". وكان الرجل نباشَ القبور. فلمّا مات، فعلوا ذلك به. فأعاده الله، ثمّ أَوقَفهَ بين يديه؛ فقال: "ما حَمَلَك على ما صنعتَ؟ " قال: "مخافتك يارب". قال: "فإِني قد غفرتُ لك".
стр. 285
فهذا الرجل قد أنكَر القدرةَ بالكلّيّة؛ فعذرَة اللهُ لجهله، ورحِمه بإِيمانه. ومَن تأوَّل هذا الحديثَ على غير ما ذكرناه مِن جهلِ الرجلِ بقدرة الله عليه، فقد راغَم ظاهرَ السنّةِ وليس ذلك بصعبٍ. فإِنّ العلماء قالوا: مَن مات في مُهلة النظرِ قبل أن يَعرف اللهَ، فهو مِت أهل السلامة". فمَن عرَف اللهَ، وخفي عليه بعضُ صفاته، أَولى بذلك.
وإِذا ثبت تجاوزُ اللهِ عمّن أنكَر قدرتَه جهلًا، فتجاوُزُه عمّن أنكَر أثرًا مِن آثار قدرته جهلًا، أو لتعارُض الأدلّة، أولى. وإِذا ثبت أنّ الشاعرَين المذكورين يستحقّان الجائزةَ عقلًا وشرعًا، فالتفاوت يظهر بين المقصِّر والمبرز في أنّ للممدوح أن يُفضِّل أحدَهما على الآخر بحسب ما بنيهما من الفضيلة. فكذلك هؤلاء المختلِفون في هذه المسائل؛ يكون المخطئ منهم سالمًا، أو يتفاوتون في الثواب بحسب تفاوتهم في إِدراك الصواب. وعلى الله توكُّلي، وإِليه مآبٌ.
ولا يَلزم على هذا خطأُ اليهودِ والنصارى، مع أنهم مجتهدون، فينبغي أن يُعذَروا. لأنّ القرآن صرّح بأنهم معانِدون مُراغِمون. حتى لو ثبت أنهم لم يراغموا، لعذرناهم كغيرهم. وأيضًا، فالذي نازعوا فيه قطعي، لا مّما نحن فيه.
وهذا آخر ما تَيَسَّر إِيرادُه من هذا الكتاب. نسأل الله سبحانه أن يجعله خالصًا لوجهه، وأن ينفع به كثيرًا من خلقِه، ويوفّقنا في القول والعمل للإِصابة، ويعفو عن زللنا في السَمعِ والإجابَةِ.