Полный текст (285 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[مقدمة]
الحمد لله الذي لا حاكم في الوجود سواه، ولا هادي ولا مضلّ لمن أضلّه وهداه. قضى على إبليس بالضلالة فأغواه، وقدَّر على آدم المعصيةَ فعصاه. الحليم الذي لا يَعجَل على العصاة، العليم الذي أحاط بكلّ شيءٍ علمًا وأحصاه. امتحن الملائكة في حضرة الملكوت، فأوقع في المحنة منهم هاروت وماروت. وقدر على ذي النون فالتقمه الحوتُ، وابتلي داودَ بسؤاله فلم يمكنه السكوت. سبحانه هو الحيّ الذي لا يموت، القادر الذي مطلوبه لا يُعجِز ولا يفوت. أحمده على جميل آلائه، وأعوذ به من وَبيلِ بلائه، حمدَ من استسلم لقدَره وقضائه، وعلِم أنْ لا مضاء لحكمٍ قبل إمضائه في أرضه وسمائه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً مؤمن بالقدَر، موقنٍ أنّه إذا أراد أمرًا، غلب عليه وقهَر. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، سيّد البشر، وصفيّه المجتبى من ربيعة ومضر، صلى الله عليه وعلى آله السراة الغُرر، وأصحابه المؤثرين بجهادهم في الدين أحسن أثرٍ، وسلِّم تسليمًا وأكثر. أمّا بعد.
فإن الله سبحانه أحسنَ خَلْقَ الإنسان بما ركَّب فيه من العقل وعلَّمه من البيان. ثم كلَّفه بما وجّه من التكاليف إليه. وجعل عقلَه سببًا إلى فهم ذلك، وعونًا عليه. فوظيفةُ العقل في الوجود الإرشادُ، لا الحكم على الرب والعباد. وبه يُعرَف الحَسَنُ عُرفًا وشرعًا من القبيح، لا أنّه موجبٌ للتحسين والتقبيح.
لكنّ الله سبحانه أوهم بعضَ الخلق ذلك. وهو سبحانه القاضي بالنجاة والهلكة على كل ناجٍ وهالك. فأوّل من وقع في هذه الشُّبهة الملائكةُ الكرام - عليهم الصلاة والسلام - حيث قالوا، لَمَّا أخبرهم الله أنّه جاعلٌ في الأرض خليفةً: "ليخلق اللهُ ما شاء؛ فلن يخلق خلقًا أكرم عليه منَّا". كأنهم أخذوا ذلك من قربهم من الله، ودأبهم في الطاعة، وأنهم سكَّان السماء، فهم أشرف ممن يكون في الأرض. أو علموا أنّ الخليفة يُخلَق مِن الأرض، وهي جوهرٌ كثيفٌ، ففضّلوا عليه الجوهرَ اللطيفَ.
ثم وقع فيها إبليسُ - عليه اللعنة والتنكيس - حيث قال في اعتذاره عن معصية ربّ
стр. 2
العالمين: ﴿أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾. فإنّه نظر إلى لطافة النار وتصاعدها وإشراقها، وغفل عن طيشها وشرّها وإحراقها. ونظر إلى ثقل الطين وهبوطه وكثافته، وغفل عن ثباته عن الطيش ورزانته. فلا جرم، عاد كلٌّ منهما إلى طبيعته: إبليس إلى كِبره وافتتانه، وآدمُ إلى حِلمه وثباته. فصار إبليس شقيًّا لعينًا طريدًا، وآدم متدارَكًا بالرحمة سعيدًا.
ثم وقعت فيها الملائكةُ مَرَّةً ثانيةً: حيث عابوا على بتي آدم معاصيهم، ولم ينظروا في النفوس والشهوات الآخذة بنواصيهم. وقالوا: " ربنا لو كلَّفتنا بما كلَّفتهم، لَمَا عصيناك؛ ولكنّا بالطاعة قد أرضيناك". فركَّب الباري سبحانه فيهم الشهوات ساعةً من نهارٍ، فاستقاموا، وطلبوا الفرارَ. وقامت لبني آدم عندهم واضحاتُ الأعذار. فأخذوا في الدعاء لهم والاستغفار. إلَّا هاروت وماروت، أقدما على كِبْر الامتحان. فكانا ممَّن آنَ هلاكهُ، فحانَ.
ثم تتابع بنو آدم في التحسين والتقبيح. فما منهم إلا مَن هو للشيطان ذبيحٌ أو جريحٌ. فمنهم مَن عَبد الفَلك لارتفاعه وعمومه وإشراق دَراريّه ونجومه. ومنهم مَن عَبد الشمس وإشراق أنوارها. ومنهم مَن عَبد ما استَحسن، فأساء وما أحسنَ. فإذن، مدارُ كثيرٍ من الضلالات على الأصل المذكور منذ خُلِق آدمُ، وحتى يُنفخ في الصور.
وكان أشدّ الناس اعتمادًا عليه أهلُ الفلسفة والاعتزال؛ فتزلزلت قواعدهُم أعظم الزلزال. وغالبُ مذهبهم مبنيٌّ عليه، آي عند التحقيق إليه. وقد وضعتُ هذا الكتاب لأبيّن فيه فسادَ ذلك الأصل، وما بُني عليه من الأصول، وأنّ لا حاصل له ولا محصولٌ. وبتوفيق الله أتكلَّم وأقول، وبقوَّته أُجاولِ وأصول، وبفضله أرجو الوصولَ إلى مقام القبول، إنه هو البرّ الوَصول.
وفيه مسائل.
стр. 3
[أولًا: في العقل، وفي أصل التحسين والتقبيح]
الأُولى: في لفظ العقل
اعلم ضأنّ مادّة ع- ق- ل ترجع إلى معنى المنع والحبس. فمن ذلك عِقَال البعير، وهو الحبل الذي يُربَط به ساقُه إِلى ركبته لئلاّ يشرد. يُقال: "عَقَلْتُ البعيرَ، أَعْقِلُه عَقْلا"، إذا فعلتُ به ذلك. ثمّ سُمّي إِعطاءُ القاتل وأقاربه ديَة القتيل، ونفسُ الإِبل المدفوعة في الدنيا عقلًا، "، تسميةً بالمصدر المذكور، المجاورة والملابسة؛ لأنّ الإِبل تُعقَل بالعقال.
وذلك لأنّ القاتل كان يأتي بديَة القتيل، فيعقلها بفناء أوليائه ليسلّمها إِليهم. وكأنهم كانوا يفعلون ذلك ليكون القاتلُ في موقف سؤال القبولِ. ومن ذلك سُمّيت العَصًبةُ "عاقِلةً".
ومنه المعاقِل، وهو الحصون. واحدها مَععْقل؛ لأنّه يمنع العدو مِِن الوصول. وفي الحديث، "ليعقِلن هذا الدين من الحجاز مَعِل الأروية (يعني بقرة الوحش) من رأس الجبل (أي يتحصن به ويمتع فيه) ويعود الدين إِلى الحجاز كما بدأ منه".
ومنه اعتقال الرمحِ. وهو أن يجعله الفارسُ تحت فخذه، ويجر آخرَ وراءه على الأرض؛ لأنّه ذلك يمنعه من السقوط. و "اعتقل الشاة"، إِذا جَعل رجلَها بين رجِله وفخذِ ليحلبها و "فلانٌ معتقَلٌ"، أى محبوسٌ.
ومنه والعُقال (بضم العين، وتشديد القاف وتخفيفها)، اسمُ فرس كان للنبي ﵇. وهو أيضًا فرسٌ من فحول الجاهلية المشهورة، جاء في شعر حمزة بن عبد المطلب، ﵁:
стр. 4
ليس عندي إلاّ السلاح ووردٌ ... قارِح مِن بناتِ ذى العُقَّالِ
تقي دونه المنايا بنفسي ... وهو دوني يَلقى صدورَ العوالي
والعُقّال رداءٌ يكون في رجلِي الدابّة، فيَعقلها، أي يمنعها عن الحركة. وأُضيفَ إِليه هذا الفرسُ، إِمّا تفاؤلا له بالنشاط، على عادتهم في التفاؤل بالعكس؛ كقولهم للّديغ "سليمٌ" مفازةٌ، وللبرءِ "اندمالٌ". أو مبالغًة في شدّة جريِه ونشاطِه؛ كذلك كقولهم للغراب "أعور" لحدّة بصرِه، أتو دفعًا لعين السوء عنه.
ومنه في حديث الدجّال: "ثمّ يأتي الخضبُ فيُعَقِّل الكرمَ"، أي يخرُج العُقَّيلى (بضمّ العين، ونشديد القاف، مقصورًا) وهو الحصرم. قلتُ: لأنّه يمتنع بحموضته عن أن يؤكَل على صفته غالبَا.
ومن ذلك، العقلُ الذي في الإنسان الذي هو مناط التكليف. سُمِّى بمصدر "عَقلَ يَعْقِل عَقْلًا"، إِذا مَنع؛ لأنّه يمنع العاقلَ مِن فعلِ ما لا يليق. وإِلى هذا المعنى ترجع فروعُ هذه المادّة جميعها.
المسألة الثانية: في حقيقة العقل
وقد اختُلف فيها. فقيل: هو قوّةٌ غريزيّةٌ توجَد في الإِنسان مِن أوّلِ وجوده. ثمّ تتزايد بتزايد بدنه تَزايُدًا تدريجيًّا، حتى يبلغ سنَّ التكليف، فتكون قد بَلَغَت أوّلَ درجات كمالها. ثمّ تنتهي زيادتُها إلى سبعٍ وعشرين سنةً، كما رُوي عن أمير المؤمنين عليِّ رضى اللهُ عنه: " يحتلم الغلامُ لأربع عشة، وينتهي طولُه لإحدى وعشرين، وينتهي عقلُه لسبعٍ وعشرين. إِلاّ التجاريب، فإِنّه لا غاية لها". هذا في العقل الغريزي. أمّا التجربيّ، فلا يزال في زيادة ما دام العاقل حيًّا؛ كما قالى عليٌ.
وعند الحكماء، العقل جوهرٌ بسيطٌ. لأنهم أدخلوه في تقسيم الجهر، حيث قالوا: "الجوهر إمّا محلُّ، وهو الهيولي (يعني المادّة المهيّئة لقبول الصورة؛ ومِن لفظِ "التهيؤ"
стр. 5
اشتُقّ لفظُ "الهيلوي"، فكأنّه أعجميُ معرّبٌ)؛ أو حالٌ في المحلّ، وهو الصورة؛ أو مركّبٌ منهما، وهو الجسم؛ أو لا محلٌ ولا حالٌ ولا مركبٌ منهما، وهو إِمّا أن يتعلّق بالجسم تَعلُّق التدبير، وهو النفس، أو لا ينعلّق بها كذلك، وهو العقل".
وبعض الفلاسفة يزعم أنّ العقل مِن المجادات الغنيّة عن المحلّ والموضوع. فهو لا داخل البدن ولا خارجه، ولا متّصلٌ به ولا منفصلٌ عنه. وأعلم أنّ دعوى تجرُّده ممكنةٌ بناءً على أنّه روحانيُّ. أمّا عدم دخوله وخروجه واتّصاله وانفصاله، فهو غير معقولٍ؛ لأنّ النقيين لا يرتفعان.
وقال الأستاذ أبو إِسحق: "العقل معنًى يُتمكّن به مِن الاستدلال على ما وراء المحسوسات".
وقال قومٌ: "هو ما لا يخلو العاقلُ عنه عند التذكّر، ولا يشارِكه فيه مَن ليس بعاقلٍ".
وحُكي عن المعتزلة أنّه ما يُعرَف به حُسنُ الحَسَنِ وقُبحُ القبيحِ. وعن الجبّائي أنّه الداعي إِلى الحَسَنِ، الصادّ عن القبيح. وهو بناءٌ على أصلهم الذي نحن بصدد إِبطاله. والتعريفان قبله مَدخولان، لإِجمال الأوّل، وتعريف العقل في الثاني بنفسه.
وقال قومٌ: "هو ما يُعرَف به خَيرُ الخيرَين وشرُّ الشرَّين". وهو شديد الإِجمال أيضًا.
وقالت الخوارج: " العاقل مَن عقل عن الله أمرّه ونهيَه". وهو فاسدُ، لتعريفه بنفسه.
والذى وقَع عليه اختيار المحقِّقين أنّ العقل ضربٌ من العلوم الضروريّة. وهو العلم بوجوب الواجبات واستجالة المستحيلات وإمكان الممكنات. لأنّه لو لم يكن من قبيل العلوم، لصحّ انفكاكُ أحدهما عن الآخر وهو باطلٌ، لاستحالة وجود عاقلٍ لا يعلم شيئًا البتّة، أو عالمٍ بجميع الأشياء، فليس علمًا بالمحسوسات؛ لحصوله في البهائم والمجانين؛ وليسوا عقلاء. فهو إِذن مِن العلوم الكّليّة. ثمّ ليس من العلوم النظريّة؛ لأنها مشروطةٌ بالعقل
стр. 6
وتصرفُّه. فلو كانت هي العقل، لكان شرطًا لنفسه؛ وهو محالٌ. فتعيَّن أن يكون عبارةً عن علمٍ كلّى بديهي.
وأُورِد على هذا الاستدلال أنّ التغاير لا يقتضي جوازَ الانفكاك؛ بدليل [أنّ] الجوهر والعرَض، والعلّة والمعلول، متلازمان ولا ينفكّان. ولئن سُلِّم أنّ التغاير يقتضي الانفكاكَ، لكنّ العقل قد ينفكُّ عن العلم. كالنائم واليقظان الذي لا يَستحضر شيئًا من وجوب الواجبات واستحالة المستحيلات؛ فِإنّ العقل فيهما موجودٌ، والعلم مفقودٌ.
فدلّ ذلك على أنّ العقل غريزةٌ تلزمها هذه العلومُ عند سلامة الحواسّ. كما قال المحاسبيّ: "إِنّه غريرزةٌ طبيعيةٌ يتوصّل بها إلى المعرفة، لا أنّه نفس تلك العلوم".
قلتُ: وهذا سؤالٌ قويٌ لا جواب عنه. وممّا يؤكِّده أنّ العقل إِذا فسد، تَسبَّب الأطبّاءُ إِلى إِصلاحه بالعلاج. فمن ذلك دليلان. أحدهما أنّ موضوع علم الطب إِنما هو الأجسام الطبيعيّة وما اشتملَت عليه من الطبيعيات؛ والعلوم ليست منها. وربما قوّى هذا قولُ الفلاسفة، "إنّه جوهرٌ"؛ لأنّ سلطان الطب على الجواهر أغلبُ منه على الأعراض. الثاني أنّ فساد العلوم إِنم هو بسيانها وذهابها عن القوّة الحافظة، بحيث يتعذّر على العالم استحضارُها. والأطبّاء لا سلطان لهم على تذكير علمٍ منسي، أو ردّ علمٍ ذاهب. وإِنما سلطانهم على القُوى والغرائز، بالتسبّب إِلى إِصلاحها إِذا فسدت فدلّ على أنّ العقل غريزةٌ يحصل بها العلم؛ لا نفس العلم، بل لازمٌ له.
فإِن قال: اللازم يصحّ وجوُده بدون المازوم. فلو كان العقل غريزةً، لازمًا للعلم، لا نفس العلم، لصحّ وجود العقل بدون علمٍ، فكان يوجد عاقلُ لا يعلم شيئًا أصلًا. وهو باطلٌ؛ لأنّ عاقلًا لا يخلو من علمٍ ضروريِّ.
فالجواب بالتزام ذلك. فإِنّ المجنونَ عقلُه قائمٌ به لم يفارقه. وإِنما عليه ما عَرَضَ له من العلّة، فاختفى أثرُه، وهو باقٍ لم يفارِق. إِذ لو فارق، لم يَعُد. وهذا كما يَبطُل تأثيرُ المغناطيش إِذا لُطخ بالثوم، وقوّته الجاذبة باقيةٌ؛ لكن بطل تأثيرُها لغلبةِ المانع والمعارِض.
وكما يَبطُل تأثيرُ الروحِ بالسُكات العارض، والروح باقٍ في البدن لم يفارِق. ولهذا
стр. 7
بعض الناس يظنّ أنّه مات، فيأخذ في جهازه إلى القبر. وإِنما يكون مسكَتًا. فربما زال سكاتُه، فتحرُك في اللحد قبل أن يُطَمّ، فيُرَدّ إلى أهله حيًا. وربما طُمّ بالتراب، فيموت خنقًا وغمًّا. ولهذا ذكَر الفقهاءُ أنّ ميتًا لو نُبش، فوُجِد قد مَزّق أكفانه وهو ميّتٌ، وجبت ديتُه على دافنيه. لأنّه، بتمزق أكفانِه، علِمنا أنّه دُفن حيًّا وأنّه كان مُسكَتًا. فكان موته بعد ذلك خطأً من دافنيه. قال بن عقيلٍ في الفصول، فيما أظنُّ بَعدَ طولِ عهدٍ: "هذه الواقعة وقعت في عصرنا، فتفتيتُ فيها بذلك". ولهذا قالوا أيضًا: يُتيقّن موتُه، إِن شٌكّ فيه، بانخساف صدغيه وميل أنفه وانفصال كفّيه واسترخاء رجليه؛ لأنّ الروح تَربط بعض الأعضاء ببعض، فبانفصالها يٌعلم زوالُه.
وأيضًا، فإِنّ مادّة ج- ن- ن ترجع إِلى معنى السِّتر، لا إِلى معنى الزوال والمفارَقة. عُلِم ذلك باستقراء موارِدها. فالجنون استتارُ لعقل، لا زوال العقل. فاعلم ذلك.
وقد سلك القاضي أبو بكرٍ وإِمام الحرمين في بيان أنّ العقل علمٌ ضروريٌ طريقًا آخر نحوًا من الأوّل. وهو أنّ العقل موجودٌ؛ إذ لا أثر للمعدوم. فهو إِمّا قديمٌ- وهو باطلٌ؛ إذ القديم لا يَحلّ المحدَثَ- أو حادثٌ. وهو إمّا جوهرٌ، أو عرضٌ. والأوّل باطلٌ؛ لأنّ الجوهر لا يقوم بالجوهر. والعرضُ ليس بكون ولا كونٍ؛ لأنّ العقل يوجد بدونها، وينتفى معها. فهو من قبيل العلوم. وليس نظريًا، لما سبق؛ ولا كلَّ ضروري، لأنّ بعض الضروريّات تحصل للمجانين. لكنّ إمام الحرمين يقول: "العقل والعلم جميعًا يُعلَمان بالتقسيم هكذا، لا بالتحديد، لقصور العبارة عن الوفاء بماهيّتهما". وقد خولف في ذلك. ١
стр. 8
المسألة الثالثة: في مكان العقل
وقد اختلف في ذلك حكماءُ الطبيعةُ وعلماءُ الإسلام. فقال بعضهم: "هو في الرأس، ومحلّه الدماغُ. وقال آخرون: "هو في البدن ومحّله القلبُ". والقولان منقولان عن أحمد والشافعيّ.
احتجّ الأوّلون من وجوهٍ.
أحدها: أنّ العقل إذا فسد، أو عَرَضت، له آفةٌ، بادر الحكماءُ إِلى علاج الدماغ دون القلب. وإِنما يُوضع الدواءُ يمقتضى الحكمة في موضع الداء. فدلّ على أنّ العقل في الرأس. واعتٌرِض على هذا بما لا حاصل له. وهو أنّ الصدر. فمّ يرى الدواءُ إِلى القلب بواسطة الأعضاء. وهذا ضعيفٌ؛ إذ يمكن ثبوتُ الدواء على الصدر بربطٍ أو إِلصاقٍ ونحوه. ولو صحّ أنّ العقل في القلب، لما أَعجَز الحكماءَ مداواتُه في محلّه.
الثاني: قد تبيّن، ما سَبَقَ، أنّ العقل قوةٌ مدرِكةٌ. ومحلُّ القوى المدرِكةِ كلّها الرأسُ: الظاهرِة منها، كالسمع والبصر والشمّ والذوق واللمس، وإِن اشتَرَك في اللمس جميعُ البدن؛ والباطنة، كالمخيِّلة والذاكرة والمفكرة والوهم والحسّ المشترك. فنظام الحكمة في الوجود أن تكون تلك القوّة بين تلك القوى.
الثالث: أنّ الرأس أشرف ما في الإِنسان وأعلاه. والعقل نور، إمّا بحقيقته، أو بأثره.
وشأن الأنوار أن تكون في الأماكن العالية، لتُشرِف على ما يستنير بها؛ كالشمس والقمر والنجوم بالنسبة إِلى الأرض، وعيني الإِنسان بالنسبة إلى سائر بدنه. وكذلك السُرُج والقناديل، جُعِلت مستعلية. فكذلك العقل، في قياسِ الحكمة ومقتضاها واستقراسِ آثارها، يُقتضَى أن يكون في أعلى الإِنسان، وهو رأسه.
الرابع: أنّ الدماغ لو فُقِد العقلُ. ولو قدّنا بقاءَ الإِنسان بعد فَقد قلبه حيًا، لم يَفقد العقلَ؛ لأنّه يَعقل بما في رأسه من العقل. وهذا وجهٌ ضعيفٌ؛ لأنّه دعوى محلّ النزاع. ثمّ هو معارَضٌ بِمثله سواء.
واحتجّ الآخرون بوجوهٍ.
стр. 9
أحدهما: أنّ العقل أنفَسُ ما في الإِنسان. والقلب أوثقُ محلِّ فيه. ولذلك جُعِل في الصدر، لما دونه من الوقايات. فاقتضت الحكمةُ جعلَ الأنفسِ في المكان الأوثقِ، كما تُوضع الجواهرُ النفسية في الأماكن الحريزة. وعورِض هذا بأنّ الرأس أوثقُ وأحرزُ، لما دونه مِن عظمِ القحف ونحوِه من الجواهر الصلبة.
الثاني: أنّ القلب أوّل ما يتكوّن من الإّنسان. فكان أولى بمحلّيّة العقل؛ لأنّ أوّليّة تكوين القلب دليلُ شرفِه والعناية الربّانيّة به. ففي جَعْل العقل فيه جَمعٌ بين شريفين نفيسين في محل واحدٍ. فيكون ذكل أعون على صلاح البدن، كاجتماع السلطان والوزير في المدينة. وأُجيبَ عنه بأنا لا نُسلِّم أنّ القلب أوّلُ متكوّنٍ من الإِنسان. بل للحكماء في ذلك ثلاثةُ أقوالٍ. أحدها ما ذكرتم. الثاني أنّه الدماغ؛ لأنّه مَجمعُ الحواسِّ الشريفة السابقِ ذكرُها. الثالث أنّه العُصعص؛ وهو موافقٌ لصحيح السنّة، وهو قولُه ﵇: "كلّ جسد ابن آدم يَبلى، إِلاّ عَجْب الذَنَبِ، ومنه تُبتدأ إِعادتُه".
فيكون أوّلُ القلب أوّل مكوَّنٍ منه؛ لكن لا يلزم من ذلك كونُه أشرفَ ما في الإِنسان؛ إِذ ربما سبقت أواخرُ الأشياء أوائلها شرفًا وفضلًا. وفي المعنى قولُ الشاعر:
لا تَقعُدن عن المكارم والعُلى ... فلربما سبق الأخيرُ الأوّلا
وقولُ الآخر:
افخرْ بآخِرِ مَن بُليتَ بحبّهِ ... لا فخر في حبّ الحبيب الأوّلِ
أوَليس قد ساد النبيُّ محمدٌ ... كل الأنام وكان آخِرَ مرسَلِ
سَلَّمنا أنّ أوّليّته تدلّ على شرفه، لكن لا نُسَلِّم أنّ ذلك يقتضي كونَ العقل فيه.
قولهم "ذلك أعونُ على صلاح البدن"، معارَضٌ بعكسه؛ وهو أنهما إِذا افتَرقا، فكان أحدهما في الرأس والآخر في البدن، كان أجدو بالصلاح. كما تُجعَل الشجعانُ
стр. 10
الأكفّاء في ميمنة العسكر وميسرته وقلبه؛ ولو اجتمعوا في موضعٍ واحدٍ، لانكسر من الجهة الأخرى. وكما تُفرَّق الحكّامُ والولاةُ في البلدان لإِصلاحها. واستعانة السلطان بالوزير لا تتوقّف على كونه معه بالمدينة؛ إِذ قد يُستعان برأيه على بُعد المسافة.
الثالث: وهو من أدلّة المشرِّعين، قوله تعالى: ﴿لَهٌمْ قُلُوب لا يَفقهُونَ بِهَا﴾، ﴿يَعْقِلُون بها﴾؛ ﴿إِنَ في ذَلِك لَذِكْرَى لِمن كانَ لهُ قَلْبٌ﴾؛ ﴿فإنها لا تعْمى الأبْصار ولَكن تَعْمَى القُلُوبُ التي في الصدُور﴾؛ ونحوه من الآي التي يُضاف فيها العقلُ أو أثره كله، وإِذا فسدت فسد الجسدُ كله؛ ألا وهي القلب". والجسد يفسد بفساد العقل؛ فدلّ على أنّه في القلب.
والجواب عن هذا جملةً وتفصيلًا:
أمّا الأوّل، فإنّ العقل والقلب، مع اختلاف مكانهما من الإِنسان، يتعاونان على صلاح البدن والنفس؛ إِذ نسبةُ العقل إِلى القلب نسبةُ ضوء الشمس ونحوها إلى العين. وكما لا إِدراك للبصر بدون واسطة الضوء، فلا إِدراك للقلب ولا اهتداء بدون العقل. إِذ نور العقل مشرِقٌ على القلب؛ فيه يهتدي ويدرِك ما يحتاج إِليه. فلمّا كان بينهما هذا التعاضد، كانا كالشيء الواحد المركب من جزأين. فصحّ أن يُتجوّز بأحدهما عن الآخر ويُضاف أحدُهما إِلى الآخر، على مذهب العرب في تجوُّزها عن الشيء بغيره، مِن لازمٍ، أو علّةٍ، أو سببٍ، أو مجاوِرٍ، أو مقارِنٍ، ونحو ذلك.
وأمّا الثانى، فقوله، ﴿لا يفقهونَ﴾، و ﴿لا يعقلون بِهَا﴾، أي لا يَتلقّون بقلوبهم عن العقل ما يفقه ويعقله من خطابه المرشد لهم إِلى السعادة؛ لأنّ العقل هو آلة الفقه والفهم، لا القلب. وذلك لأنّا قد بيّنّا أنّ العقل هو آلة الفقه والفهم، لا القلب. وذلك لأنّا قد بيّنّا أنّ اهتداء القلب بما يُشرِق ويفيض عليه من نور
стр. 11
العقل. وقلوب الكفّار مطبوعٌ عليها، كما أخبر اللهُ عنهم. والقلب جوهرٌ مجوَّفٌ، كالعين والأذن؛ فإِذا خُتِم عليه، حال الختمُ والطبعُ بين داخله ونور العقل، فلا يتبصَّر؛ كما تحولُ الغشاوةُ، أو العمى، ونحوه من أعراض العين، بين القوّة الباصرة ونور الشمس ونحوها؛ فلا تُبصِر. فإِذا فهم العقلُ معنى الخطاب،
[ألقى] بنورِه إِلى القلب؛ فإِن صادفه منشرحًا، أضاء بنوره وامتدى، وإِن صادفه مختومًا عليه، بقي النورُ يموج من خارجٍ، والقلب مظلمٌ من داخله، فضلّ وغوى.
وكذا الكلام في قوله، ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب﴾، وقوله ﴿لذكرى لمن كان له قلب﴾، أي منشرح، غير مطبوع عليه، يتلقى عن عقله ما يُلقى إليه من نور الهداية. بخلاف من له قلب مختومٌ عليه، فإِنّ ذاك كم لا قلب له، لعدم انتفاعه بلقبه، على مذهب العرب وغيرهم في الإِخبار بنفي الشيء لانتفاء فائدته؛ كقولهم "لا علم إِلاّ ما نفَعَ"، و"لا سلطان إِلاّ مَن عدَل"، ونحوه وعلى هذا يُحمل ما رُوِي عن عليُّ ﵁: "إِنّ العقل في القلب": أي هدايته وأثره في القلب.
وأمّا الحديث، فمعناه ما ذكرنا أيضَا؛ لأنّ صلاحَ بصلاح القلب إِذا تلَقّى نور الهداية عن العقل، وفسادَه بفساده إِذا أبى نورَ الهداية عن العقل، لانطماسه والختم عليه. أو يكون المراد النيّة والقصد اللذين محلّهما القلبٌ؛ فإِذا صَلَحا، ظهر الصلاحُ على الجسد ظاهرًا وباطنًا؛ وإذا فسدا، كان بالعكس. فيكون الحديث نازعًا منزع قوله ﵇: "الأعمال بالنيّات". ويُستأنَس على هذا التأويل، مع ظهوره بأنّ الحديثين- أعني حديثَ "الأعمال بالنيّات، وحديثَ "إِنّ في الجسد مضغةً، ألا وهي القلب"- هما من الأحديث الأربعة التي هي مدار الإسلام ومبانيه. والثالث "من حُسنِ إِسلامِ المرء تركُه ما لا يعنيه". والرابع "كلّ عملٍ ليس عليه أمرُنا، فهو ردٌ". وفي الختم والطبع على القلب كلامٌ سيأتي -إن شاء الله- في موضعه.
стр. 12
والذي نختاره أنّ محلّ العقل الدماغ؛ لأنّ أدلّته أقوى وأسلمُ من المعارِض. وقد حُكِي عن الحَسَن وعطاءٍ أنّ الله سبحانه بعث العقلَ والحياء والسخاء إِلى آدم ليختار أحدَهما. فقال للعقل: "أين تكون أنت؟ " قال: "في الرأس". وقال للحياء: "أين تكون أنت؟ " قال: "في العين". وقال للسخاء: "وأنت؟ " قال: "في القلب". فقال للعقل: "قد اخترتُك". فقالا: "لو اخترتَ غيره، ما صحبناه".
وعلى هذه الحكاية إِشكالٌ. وهو أن يُقال: كيف كان آدم عاقلًا قبل العقل، حتى اختار العقلَ؟ وجوابه أنّه اختاره بالإلهام، كما تختار البهائمُ الأصلحَ لها، ولا عقلَ لها. ولعلّ آدم إنما اختار العقلَ لعلوّ همّته لاختياره أعلى العاقل، فهو موافقٌ لقوله ﵇، "إِنّ الله يحبّ معالي الأمور ويكره سفسافها". والله أعلم.
المسألة الرابعة: في فعلِ العقل وأثره
وهو الإِرشاد والهداية إِلى الصواب، إِذ خلا عن معارضٍ، من غلبةِ هوًى، أو فسادٍ في مزاجه، ونحو ذلك. والدليل عليه ما تواترت به، آي القرآن، من قوله تعالى، ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾، ﴿لأولى الألباب﴾. ولو لم يكن العقل هاديًا ومرشِدًا إِلى الصواب والحقّ، لما كان لتخصيص العقلاء بهذا الخطاب معنًى، ولما كان بينهم وبين البهائم فَرقٌ، ولما قامت حجة الله على ابن آدم. لأنّه بالعقل يَفهم خطابَ التكليف، فتتحقّق منه الطاعةُ والمعية، فيَحقّ له الثوابُ، وعليه العقابُ. ولهذا، رُفِع القلم التكليفيّ عن الصبيّ والمجنون والبهائم.
وقد سبق بيانٌ كيفية إرشاده. وهو أنّ نورَه يفيض على القلب من الدماغ. فمَن أراد اللهُ إِرشادَه. جمع بين نور عقله وبصرِ قلبه بلا حائلٍ، ثمّ أيّدَهما بنورِ
стр. 13
التوفيق، كتأييد بصر الرأس والهواء الذي يجول فيه الشعاعُ بضوء الشمس. ومن أراد إِضلاله، حال بين نور عقله وقلبه، بأن خَتَم على سمععه وقلبه وجعل على بصره غشاوةً. فمن يهديه من بعد الله؟ رّبنا لا تُزغ قلوبنا بعد إِذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمةً، إنّك أنت الوهّاب.
المسألة الخامسة: في تحقيق القول في التحسين والتقبيح
[مفهوم التحسين والتقبيح]
أعلم أنّ الأصوليّين تناقلوا هذه المسألة بهذه الترجمة خلَفًا عن سلَفٍ. وهي ترجمةٌ مجملةٌ لا تفيد حقيقة المقصود. ثمّ لَما شرعوا في تلخيص محلّ النزاع فيها، لم يَعْرُ تلخيصُهم لها عن إِجمالٍ وإبهامٍ. وأنا أذكُرُ معنى عبارتهم في ذلك، ثمّ أُعقب ذلك بما يقع عليه الاختيارُ من كلام العلماء الأخيار. فأقول، والله المستعان:
قال ابن بَرهان في كتاب الاعتصام: "مذهب أهل الحقّ من جميع أصحابنا أنّ الحَسَن والقبيح يُعرفان بالشرع. فلا حَسَن إِلا ما حَسَّنه الشرعُ، ولا قبيح إِلا ما قبّحه الشرعُ. وخالفَنا في ذلك جميعُ المعتزلة والخوارج والروافض والكرّاميّة والبراهمة والتناسخيّة والثنويّة (زاد غيرُه: "واليهود والنصارى")، وقالوا: "بالعقل يُعرَف حُسنُ الأشياء وقبحُها". والشرع إِذ وَرَد بتحسينٍ أو تقبيحٍ، فهو مخبِرٌ عن حُكم العقلِ بذلك، وأمَرَنا الاحترازَ عمّا قبّحَه".
ثمّ ذَكَر عن المعتزلة تقسيمًا سنذكره، إِن شاء اللهُ. ثمّ ذكر عباراتٍ للمعتزلة في تعريف الحسن والقبيح. فقال بعضهم: "الحسن هو الفعل العاري عن وجوه القبح". وقيل: "ما لا يستحقّ فاعلُه الذمَّ". قال: "وهما باطلان، بأفعال البهائم والمجانين".
стр. 14
قلتُ: لأّن أفعالهما لا توصف بحُسنٍ ولا قُبحٍ، فهي عريّةٌ عن وجوه القبح. وكذلك هما لا يستحقّان مدحًا ولا ذمًّا.
وقال الجبّائيّ: "الحَسَنُ ما للقادر عليه فعلُه". قلتُ: وهو دوري؛ لأنّا لا نعلم أنّ له فِعلَه حتى نعلم حُسنَه. فلو عرّفنا كونَه حَسَنًا بأنّه عرى عن وجوه القبح وعدمِ استحقاق فاعلِه الذمَّ، كان دورًا. وإِذا عُرِف الكلام على الحَسَن تعريفًا وتزييفًا، فالكلام على القبيح على وزانه في ذلك عكسًا.
ومذهبنا: الحَسَنُ ما وَرَد به الشرعُ اقتضاءً لفعله وإِثناءً على فاعل؛ فيتناول الواجبَ والمندوبَ. [والقبيحُ ما وَرَد به الشرعُ] اقتضاء لتركه وذمَّا لفِاعله؛ فيتناول الحرامَ والمكروهَ.
فإِن قيل: "المباح من أحكام الشرع؛ ولو تتناوله هذه القِسمةُ". فالجواب من وجوهٍ. أحدها: أنّ المباح لوقوع التخيير فيه صار كأفعال البهائم، لا حَسَنٌ ولا قبيحٌ، ولا مدحٌ فيه ولا ذمٌ. ولهذا، قالت المعتزلة: "إِنّه ليس من أحكام التكليف؛ إِذ التكليف يقتضي المشقّة، ولا مشقّة مع التخيير".
الثاني: قال ابن برهان: "المباح أيضًا إِ ن الشارع في إطلاق الثناء على فاعله. فتتناوله القسمةُ المذكورة". قلتُ: هذا إِنما يتحقق على رأى الكعبيىّ في قوله، "كلّ مباحٍ تَركُ حرامٍ؛ وتركُ الحرامِ واجبٌ". لكنّ هذا يوجب أنّه من قِسم الواجب، وأنْ لا مباح. بل يقال: إِنّ فعل المباحِ يَستلزم تركَ الحرامِ، فيتوجّه الثناءُ إِلى فاعلِه من هذه الحيثيّة. وبالجملة، في هذا الوجه شيءٌ.
الثالث: أنّ الإِسفرائينيّ لهذا الإِشكال قال: "الحَسَن هو المأذونُ فيه شرعًا"؛ فيتناول المباحَ. فلنا أن نُفسِّر الاقتضاءَ المذكور في قسمتنا بالإِذن. أو نقول: الاقتضاء يتضمّن
стр. 15
الإِذن. على أنّ على تعريف الإِسفرائينيّ مناقشةً. وهو أنّ المباح لا قبيحٌ ولا حَسَنٌ. والنزاع في أنّه حكمٌ شرعيٌ أولا لفظي، كما بانَ في أصول الفقه.
ثمّ قال ابن بَرهان في موضعٍ آخر: "مذهب أصحابنا أن وجوب الواجبات يُعرَف بالشرع. فقبل ووردِ الشرع، لا وجوب أصلًا.
وقال جماعةٌ من المتكلمين والفقهاء: كلّ حَسَنٍ، فوجوبه بالعقل. ثمّ منها ما يجب لنفسه؛ كردّ المغصوب، وإغاثة المطلوب. ومنها ما يجب لغيره؛ كالنظر، يجب لتحصيل العلم. ومنها ما يجب لكونه تركًا لقبيحٍ. قلت: هذا مِن قبيل ما يجب لغيره. فينحصر الواجبُ فيما يجب لنفسه أو لغيره.
وقال الآمدىّ: "الحاكم هو الله. ولا حاكم سواه. ويتفرّع عليه أنّ العقل لا يُحسِّن، ولا يُقبح، ولا يوجَب شكرًا لمنعمٍ، وأنّه لا حُكم قبل ورود الشرع. فهذه ثلاث مسائل.
الأوُلى: ذهبت المعتزلة والكرامية والخوارج والبراهمة والثويّة إِلى أنّ الأفعال منقسمةٌ ذواتها إِلى حَسَنةٍ وقبيحةٍ. وذهب أصحابنا وأكثر العقلاء إِلى نفي ذلك.
قلتُ: فظاهر عبارة ابن بَرهان في حكايته عنهم، كلُ حَسَنٍ، فوجوبه بالعقل"، وقولِ الآمديّ، "الحاكم هو الله، ولا حاكم سواه"، أنّ مذهب القائلين بالتحسين والتقبيح أنّ العقل موجِبٌ وحاكمٌ. وبذلك صرّحَ بعضُ الأصوليّين.
فأمّا الإِمام فخر الدين أبو عبد الله الرازيّ، في المحصل والنهاية والمحصول وغيره من كتبه، وأتباعه، كالأُرمَويَّين، في الحاصل والتحصيل، فإِنهم سلكوا في تلخيص محلّ النزاع وحكاية مذهب الخصم طريقًا معناه أنّ الحُسن والقبح يُطلقان، ويُراد بهما
стр. 16
تارةً ما لا يلائم الطبعَ وينافِره، كالحلاوة والمرارة والفرح والحزن واللذّة والألم، وتارةً كونُ الشيء صفةَ كمالٍ أو نقصٍ، كالعالم والجهل والشجاعة والجبن والقدرة والعجز ونحو ذلك. وهما بهذين المعنَيين عقليّان، أي يُعرفان بالعقل. وفي هذا الإِطلاق نظرٌ أو تجوّزٌ. فإنهما بالمعنى الأوّل إِنما يُعرَفان بالطبع والحسّ والوجدان؛ والأمرُ قريبٌ. "وتارةً يُراد بهما كونُ الفعل موجِبًا للثواب والعقاب والمدح والذمّ، وهما بهذا المعنى شرعيّان عندنا، خلافًا للمعتزلة". هذه عبارته في المحصّل.
وقال في المحصول: "النزاع في كون الفعل متعَلِّقُ الذمِّ عاجلًا والعقابِ آجلًا".
قلتُ: ولفظ "التعلف"- أَعَني كونَ الذِّم متعلِّقًا بالفعل، أو الفعل متعلَّقّا للذمِّ- لا يدلّ على أنّ العقل موجبٌ لذلك. وفي عبارة المحصّل صرَّح بلفظ "الوجوب"؛ فظاهرُه ظاهرُ كلامِ الأوّلين قبله، في أنّه فهم أنّ مذهب المعتزلة أنّ العقل موِبٌ.
وناقشه القرافي على عبارة المحصول في شرحه له، بأن قال: "النزاع في كون الفعل متعلَّقًا للذمّ أو العقاب"، مُشعرٌ بأن ترتب الذمِّ والعقاب على الفعل متنازعٌ فيه.
وليس كذلك عندنا ولا عندهم؛ إذ يجوز أن يُحرِّم الله تعالى ويوجِب، ولا يُعَجِّل ذمًّا أصلًا، بل يحصل المقصود بالوعيد من غير ذم. ويجوز أن يُكلف، ولا يؤجِّل العقابَ، بل يُعجِّله عقيب الذنب؛ كما أهلك كثيرًا من المجرمين عقيبَ ذنوبهم. لكنّ الله سبحانه قدّر بإِرادته تعجيلَ الذمِّ وتأخير العقابِ. وغيره ممكنُ عند الفريقين. وإِنما النزاع في كون الفعل متلَّق المؤاخَذة الشرعيةِ كيف كانت، ذمًّا أو غيره، عاجلةً أو آجلةً، هل يستقلُّ العقلُ بذلك أم لا؟ "
قلتُ: هذا كلامٌ جيدٌ لا غبار عليه. هذا الذي حضَر مِن حكاية كلامهم. وظاهر أكثره أنّ العقل موجبٌ ومحرِّمٌ على جهة الاستقلال، لاستقلال الحُسنِ والقبحِ بترتب الأحكامِ، لارتباطها بها عقلًا. والذى يدل قطعًا أنهم فهموا أنّ الفضلاء المعتبرين
стр. 17
منهم يستدلّون بقوله تعالى، ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾، ونظائرها من الآي. ولو كان العقل موجبًا أو حاكمًا، لأوجب العقابَ قبل البعثة؛ وهو خلاف النصّ.
والتحقيق في ذلك أنّ مذهب المعتزلة أنّ الفعل إنِ اشتمل على مصلحةٍ خالصةٍ أو راجحةٍ، اقتضى العقلُ أنّ الله سبحانه طلبَه. وإِن اشتمل على مفسدةٍ خالصةٍ أو راجحةٍ، اقتضى العقلُ أنّ الله سبحانه طَلَب تركَه. وإِن تكافأت مصلحةُ الفعل ومفسدتُه، أو عَرى عنهما أصلًا، كان مباحًا؛ وليس حكمًا شرعيًا عندهم، لثبوته قبل ورود الشرع. وأنّ العقلَ أدرَك أنّ الله سبحانه يجب له لحكمته البالغة أن لا يَدَع مصلحةً في وقتٍ ما إِلاّ أوجبها وأثاب عليهما، ولا يدع مفسدةً في قوتٍ ما إِلاّ حرَّمها وعاقب عليها، تحقيقًا لكونه حكيمًا؛ وإلاّ لفاتت الحكمةُ في جانب الربوبية؛ وهو خلاف الإِجماع على كمال حكمته تعالى. فعندهم، إِدراك العقل، لما ذكرناه، مِن قبيل الواجبات للعفل، لا من قبيل الجائزات، كما نقول نحن. بل عندهم، كما وَجَب في العقل أنّ الله سبحانه متّصفٌ بصفات الكمال من العلم والقدرة والإِدارة، فكذلك وَجّب في العقل أنّ الله سبحانه يوجِب المصالح ويثيب عليها، ويحرِّم المفاسدَ ويعاقِب عليها.
فتَلخّص من هذا كلّه أنّ إِيجابَ الله للمصالح وإِثابته عليها، وتحريمه للمفاسد وعقابَه عليها، جَزَم به العقلُ عندهم جزمًا. وعندنا إِنما جوزه تجويزًا. وليس مرادهم أنّ الأوصاف مستقلة بالأحكام، ولا أنّ العقلَ موجبٌ ومحرمٌ.
هذا حاصل ما قرّره القرافي ﵀ في شرح المحصول. وهو الحقّ الذي لا يجوز عنه العدولُ. ولم أَرَ هذا التحقيقَ لغيره. وأنت إذا قابلت بين هذا التقرير وبين ظاهرات عبارات الأصوليّين، وجدتهم قد أحالوا المعنى ونقلوا عن المعتزلة ما لا ينبغي لعاقلٍ ولا يتسنّى.
وإِذ ثبت من مذهبم ربطُ المدح والذمّ والثواب والعقاب بالمصالح والمفاسد، وأنّ العقل اقتضى ذلك وأدركه جزمًا، فقد قالوا: "إِنّ الحُسنَ والقبح منه ما يدركه العقلُ ضرورةً، كحُسنِ العدل والصدق النافع، وإِنقاذ الغرقى، وتخليص الهلكى، ونحوه،
стр. 18
وكقبح الظلم، والكذب، وإِهلاك البريء، والتقاعد عن تخليص المُشفِي على الهلاك مع القدرة عليه، ونحوه.
"ومنه ما يدرِكه نظرًا، كحُسن الصدق الضارّ، وقبحِ الكذبِ النافع، لتعارُض المصلحة والمفسدة فيه؛ فيُنظر في أيّهما أرجح، بخلاف الأوّل، فإِنّه ضروري لتمحضِ مصلحتِه.
"ومنه ما لا سبيل للعقل إِلى إِدراكه بدون التوقيف، كحُسن العبادات، كالصلاة والزكاة، وقُبح المحرَّمات النافعة، كالخمر ونحوها، وكتقدير نصات الزكوات وأُروش الجنايات، وإِيجاب صوم آخِر يومٍ من رمضان، وتحريم صوم الذي بعده، وتحريم صوم الأيّام الخمسة، ومشروعيّته في غيرها من الأوقات، وتحريم الصلاة في الأوقات الخمسة والأماكن السبعة، ومشروعيّتها في غيرها من الأزمنة والأمكنة. وذلك هو حظّ النبوّات، وفائدة إِرسال الرسل، هو وغيره من فوائد البِعثة على ما بيّنه العلماءُ".
وحاصل ذلك أنّ العقل إنِ أَدرَك كونَ الفعلِ مصلَحةً أو مفسدةً جَزم بارتباط الثواب أو العقاب بها ابتداءً. وإن لم يُدرِك ذلك، تَوقف في جزمه على تعريف الشرع له بكونه مصلحةً أو مفسدةً.
[مآخذ الخلاف في مسألة التحسين والتقبيح]
[المأخذان الكيّان]
وإِذ قد تلخَّص محل النزاع، فنذكر مآخذ الخلاف، وهو من وجهين.
أحدهما: أنّ الحُسن عندهم صفةٌ قامت بالفعل، أَوجبَت كونَه حَسنًا، والقبحَ صفةٌ قامت به أَوجبَت كونه قبيحًا، حملًا للأفعال على الأجسام. فإِن الحُسن والقبح إنما هو نسبةٌ وإِضافةٌ حاصلةٌ بين الفعلِ واقتضاءِ الشرعِ إِيجاد والكفَّ عنه. فإِذا قال الشرعُ: "صلِّ! "، قلنا: الصلاة حَسنةٌ: "لا تزن! " قلنا: الزنا قبيحٌ. وعلى هذا فقِسْ.
وما ذكروه، مِن أنّ الحُسن والقبح صفتان للفعل، باطلٌ, لأنّ الصفات أعراضٌ؛
стр. 19
والفعلُ عَرضٌ؛ والعرضُ لا يقوم بالعرض. لأنّ العرض لا يقوم بنفسه؛ وإنما يقوم بالجوهر؛ فكيف يقوم به غيرُه! وأيضًا، لو قام العرضُ بالعرض، لانقلب العرضُ جوهرًا. إِذ لا معنى لقيام العرض بالمحلّ إِلاّ كونه في حيّازه. والعرض لا حيّز له؛ إِلا أن ينقلب جوهرًا. لكنّه محالٌ.
فأمّا ما يشكِّكون به على هذا- مِن أن السرعة والبطء عَرضان، ويقومان بالحركة؛ والحركة عرضٌ؛ وذلك عرضٌ قد قام بعرض؛ ومنه قولنا، "سوادٌ حالكٌ"، و "لونٌ كثيفٌ ورقيقٌ"؛ فالَحلَك والكثافة والرقّة أعراضٌ قامت باللون؛ وهو عرضٌ- فليس بشيءٍ لأنّ هذه الأعراض كلّها إِنما قامت بالجواهر بواسطة الأعراض. فحاصل الأمر أنّ الأعراض لا تقوم إِلاّ بالجواهر؛ نعم، تارةً بلا واسطةٍ، كالحركة، وتارةً بواسطةٍ، كالسرعة قامت بالجوهر بواسطة الحركة. وإذا ثبت هذا، فقياس الأفعال على الأجسام في قياس الحُسن والقبح بها لا يصح، لصحة قيام الأعراض بالأجسام والجواهر، دون الأعراض.
المأخذ الثاني: أنّ الشرع وَرَد عندهم مقرّرًا لحكمِ العقل ومؤكدًا له. وعندنا، وَرَد الشرعُ كاسمع شارعًا للأحكام ابتداءً. وتحقيق ذلك أنّ العقل احتيج إليه قبل الشرعِ لتقرير مقدّماته، كالتوحيد، وجواز البعثة، والنظر في المعجِز كالنائب للشرع في ذلك. كما إِذا ملَك السلطانُ مدينةً، بَعث نائبه بين يديه ليزيّنها لدخوله، ويُقيم له الإقامات، ويهييء له المساكنَ؛ حتى إذا دخلها السلطانُ، انعزل النائبُ، وصار الحكمُ له. كذلك العقلُ، إِذا قَرّر مقدّمات النبوّةِ تَثبَّت وانعزَل وصار مأمورًا بامتثال ما يصدر عنها.
ولهذا، أجمع أهلُ الملّة على أنّ النبيّ الصادق إِذا أخبر خبرًا لا يدركه العقلُ، وجب الإيمانُ به وتلقّيه بالقبول. وتلك خصيصة الإِيمان بالغيب، اتى مَدَح اللهُ بها المؤمنين.
وقد وافق المعتزلة على هذا في تقسيمهم للحَسَنِ إِلى ما يدرِكه العقلُ ابتداءً، وإِلى ما لا يدركه إِلاّ بتوفيق الشرع. ولهذا، لَمَّا قلّدوا عقولَهم في إِنكار عذاب القبر، وسؤال منكَرٍ ونكيرٍ، ووزنِ الأعمال، وقعوا في عقال الضلال؛ لأنهم عدلوا عن قول المعصوم،
стр. 20
إِلى تقليد المتّهم الموصوم؛ إِذ العقل يعرض له الأغلاطُ، فينزلّ عن سواء الصراط.
فإِن قيل: "لو اتُهم العقلُ بعد النبوّة في نظره، لاتُهم في ذلك قبلَها في تقرير مقدّماتها؛ فلم يكن به وثوقٌ. ثمّ تزلزلت قواعدُ النبوّات، وكان أهلُها بانين على الماء، أو على متن الهباء".
قلنا: قبلَ النبوّة، لم يكن له معارِضٌ يرجُح عليه. وبعدها، هي أقوى منه. ولا يلزم مِن اتهامِ الشاهدِ مع من يخالفه اتهامه إِذ كان وحده لا مخالف له. وهذا من أصعب أسئلتهم. وجوابه ما ذكرنا. فحاصل هذا المأخذ أنّ الشرع مؤكدٌ عندهم، وعندنا مؤسسٌ. والقاعدة المتّفق عليها أنّه إِذا تعارض التأكيدُ والتأسيسُ، كان التأكيدُ أولى، لأنّه أكثر فائدةً.
وممّا يشبه هذا المأخذَ اختلافُ الأصوليّين فيما إِذا وَرَد حديثان، أحدهما مخالفٌ للأصل، ناقلٌ عن حُكمه، والآخر موافقٌ له مقررٌ لحُكمه. فقال قومٌ: "يُقدَّم المقرِّرُ؛ لأنهما دليلان يعضد أحدُهما الآخر". وقال آخرون: "يُقدَّم الناقلُ؛ لأنّه أفاد فائدة زائدة".
ومن فروع هذا الأصل النزاعُ في تقديم بيِّنةِ الداخل والخارج؛ لأنّ بيّنة الداخل كالحديث المقرّر للأصل؛ لأنها مقوّيةٌ لدلالة اليد. وبيّنة الخارج كالحديث الناقل عن حكم الأصل.
فهذان مأخذان كليّان للمسألة
[المآخذ الجزئيّة]
أمّا الأدلّة الجزئيّة، فلنذكر منها وجوهًا.
أحدها: لو اقتضى العقلُ قُبحَ شيء من الأفعال، لكان قبحه لمّا من الله، أو من العبد.
والأول باطلٌ؛ إِذ لا يقبُح من الله شيء، بإتفاقٍ. وإِن نوزع فيه، فبرهانه في موضعه. والثاني أيضًا باطلٌ؛ لأنّ فِعل العبد إِمّا اضطراري أو اتفاقي؛ ولا قُبح في واحد منهما. وبيان انحصاره في الاضطرار والاتفاق أنّ فِعل العبد إِن صدر منه عند خلقِ الله سبحانه داعى الفعل فيه، صار وقوعُه واجبًا بالضرورة؛ فكان اضطراريًّا. وإِن صدر عند استواء داعي الفعل والترك، وجاز الترجيحُ من غير مُرجِّحٍ، كان ذلك بالاتّفاق؛ فكان اتّفاقيًّا.
стр. 21
أو نقول في تقريره: إِن فِعل العبدِ للشىس أو تركه لابدّ فيه مِن خلقِ الله سبحانه داعيَةً فيه. فإِن ترجَّح داعي الفعل، صار واجبًا اضطراريًّا. وإِن ترجَّح داعي الترك، صار واجبًا، والفعلُ ممتنعًا. وإِن استوى داعيهما، وجاز الترجيحُ بلا مرجِّحٍ، كان الفعل اتفاقيًا. وإِن لم يجُز، كان ممتنعًا، لامتناع الترجيح بلا مرجِّحٍ. وإِذا دار فعلُ المكلَّفِ، بين أن يكون واجبًا أو ممتنعًا أو اتّفاقيًا، فلا قُبح في شيء من ذلك.
ويَرِد على هذه الحجّة أمران.
أحدهما: أن يمنعوا توقًّف فِعل العبد على خَلقِ الرب. فقد حَكى ابن بَرهان عن بعضهم أنّ العبد خالقٌ على الحقيقة كالربِّ. وقال بعضهم: "الخالق على الحقيقة هو العبد، والله خالقٌ على جهة المجاز". وحينئذٍ، يكون القبح من العبد لاستقلاله بالخلق. وهو مطلوبهم.
الأمر الثاني: أن يقال: سَلَّمنا أنّ فِعل العبد متوقّفٌ على خلق الله الداعي. لكن لا نٌسَلِّم أنّ خلق الداعي مستقلٌ بوجوب وجود الفعل إِنما حصل من جهة العبد. فيكون القبيحُ منه من هذه الجهة. ويحصل المطلوبُ. وهذا سؤالٌ قوىٌ على هذه الحجّة. غير أنّه يقتضي وقوعَ المقدور بين قادرين؛ وهم لا يقولون به.
الوجه الثاني من صور النزاع: تكليفُ ما لا يطاق. فنقول: لو كان قبيحًا، لما فَعًله الله سبحانه؛ وقد فًعًله؛ فلا يكون قبيحً. وبيان أنّه فَعَله أنّه كلَّف الكفارَ الذين عَلِم أنهم يمونون كفّارًا بالإِيمان بالرسل وما جاءهم. ومن جملة ما جاءهم أنّ أولئك لا يؤمنون؛ كقوله: ﴿وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾، وقول موسى: ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الآليم قال قد أجيبت دعوتكما﴾ وقوله لمحمّد ﵇: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جائتهم كل آية﴾، ﴿كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم
стр. 22
لا يؤمنون﴾، وقوله في أبى لهب: ﴿سيصلى نارا ذات لهب﴾، مع أنهم مكلَّفون إِلى وقت موتهم بالإِيمان بما جاءت به الرسلُ. فقد كُلِّفوا بأنهم يؤمنون بأنهم لا يؤمنون. وهو تكليفٌ بالجمع بين الضدّين.
ولا اعتراض على هذه الحجّة إِلاّ بأن يقل: لا نُسَلِّم أنّ تكليفهم باقٍ إِلى الموت. بل انقطع تكليفُهم لَمّا وَرَد النصُّ بعدم إيمانهم: فصاروا عند ذلك كأنهم موتى، أو في النار. لكنّ القول بارتفاع التكليف، مع صحّة العقل والبلوغ، في دار التكليف، ضعيفٌ.
الوجه الثالث: أنّ الكذب من صور النزاع. فول كان قبيحًا، لكان قبحه إِما لذاته، أو لغيره. والأوّل باطلٌ؛ وإِلاّ لما كان لمصلحةٍ رجحةٍ، كتخليص مظلومٍ أو نبي أو ولي مِن الظلم أو القتل، [أثرٌ]؛ لأنّ الأحكام الذاتيّة لا تتغيّر بالأمور العارضة. لكنّه قد جاز، بل وَجَب، باتفاق. وأما الثاني، فذلك الخبر إِن كان تعلُّق خطابِ الشرع به بالمنع منه، فهو الذي نقوله. وإِن كان غير ذلك، فبيِّنوه.
الوجه الربع: أنّ الحُسن والقبح إِمّا عدميان، فلا يتعلّق بهما حُكمٌ؛ أو ثُبوتيّان، فهو باطلٌ، لقيامهما بالمعدومات. كقولنا للصلاة والقتل قبل دخولهما في الوجود "حَسَنٌ" و "قبيحٌ". وأيضًا، كلّ ما فعِلُه واجبٌ، فالترك عدميِّ قد اتّصف بالصفة الثبوتيّة؛ وهو محالٌ.
ولا يّرِدُ على هذا وصفُ الأشياءِ قبل وجودها بالإِمكان والامتناع والوجوب؛ لأنّ هذه نسبٌ وإِضافاتٌ عدميةٌ. فمعنى "الممكن" أنّه غير واجبٍ ولا ممتنعٍ. وكذلك الآخَران.
[أدلّة المعتزلة على التحسين والتقبيح]
وأمّا عمدتهم في ذلك، فهو من وجوهٍ.
أحدها: أنّ قُبح بعضِ الأشياء وحُسنها ثابتٌ بالضرورة قبل ورود الشرع، وعند مَن لا يقول بالشرع، كالبراهة ونحوهم مِن منكِري النبوّات؛ كقبح الجور والفجور،
стр. 23
وحُسن العدل والبرِّ، وكذلك سائر المعروفات والمنكَرات، حُسنُها وقبحها معلومٌ للعقلاء بالضرورة. ولو تَوقَّف على ورود الشرع، لما عُرِف قبله، ولا من ينكرِه. بل البراهمة من جملة حججهم في إِبطال النبوّات أن قالوا: "الفعل إِن دلّ العقلُ على حُسنه أثبتناه، أو على قبحه، أثبتناه؛ وإِن لم يدلّ على حُسنه ولا قبحه، فَعَلنا منه ما اضطررنا إِليه، وتَرَكنا ما لا ضرورة إِليه احتياطًا. وحينئذ نستغني عن النبوّات". فكيف يقال: إِنّ ما يُحتَج به على إِبطال النبوّات لا يُعرَف إِلا بها؟ هذا خُلفٌ.
والجواب: أنّا لا ننكر أنّ في الأفعال ما يُعلَم حُسنُه وقبحُه قبل الشرع، ولمن لا يقول بالشرع. لكنّ ذلك الحُسن والقبح إِنما هو بأحد المعنيين الأوّليين من أوجه الحُسن والقبح التي يُطلَق عليهما، كما سبق. وهما الميل والنفرة الطبيعيّان، أو صفة الكمال والنقص. فإِنّ المعروف والبرّ تميل إِليهما الطباعُ؛ وهما لفاعلهما صفتا كمالٍ. وضدّهما المنكَرُ والفجور، تنفر عنهما الطباعُ؛ وهما لفاعلهما صفتا نقصٍ. ولهذا يُمدح الإِنسانُ بأن يقال: "عادلٌ بار، فاعلٌ للمعروف، صادقٌ"؛ ويُذمّ بأضداد ذلك، فيقال: "جائزٌ فاجرٌ، فاعلٌ للمنكَر، كذابٌ".
وقد يُستحسن الفعلُ لدفعِ الأذى عن النفس؛ كإِنقاذ الغريق وإِعطاء المسكين، لدفع تأذّى النفس برقِّتها عليه. أو لاتّفاق العالَم أو أهلِ العلم على أنّه من المصالح الخاصّة أو العامّة، لا ينتظم أمرُ الناس إِلاّ به، كنفي الظلم والكذب. وهو راجعٌ إِلى ما ذكرنا أوّلاً.
وإِذا ثبت هذا، فليس النزاع فيه؛ إِنما النزاع في ربط الذمِّ والمدح والجزاء على الأفعال بحصول المفاسد والمصالح منها جزمًا في العقل. وما ذكر تموه ليس نظيرَه.
ثم ما ذكرتموه من استقباح البراهمة ونحوهم لبعض الأفعال قبل الشرع معارَضٌ بما كانت العرب في الجاهلية على كثرتهم وكمال عقولهم وحكمتهم، على ما دلّ عليه سيرتُهم ومحاوراتُهم نزمًا ونثرًا، تستحسِنه وتفتخر به، من إراقة الدماء، ونهب الأموال، وسبي العيال، وقهر الخصوم، وغير ذلك. فإن قلتم: "ذلك حَسًنٌ"، يلزم التناقضُ. وإن قلتم: "قبيحٌ"، فكيف يَتفق على حُسنه الجم الغفير من العقلاء؟ فإن
стр. 24
قيل: "ذلك قبيحٌ، وإِنما استحسنوه لجهلهم، ولذلك سُمُّوه جاهليّةٌ"، قلنا: ليس كذلك؛ وإِنما سُمُّوه جاهليةً بجهلهم بالشرائع. وذلك دليلٌ على ما نقوله من أنّ حَسَن الأفعالِ وقبيحَها بالمعنى المتنازَع فيه إِنما يعرفان بالشرع لا غير.
الوجه الثاني: إِنّ من استوى عنده الصدق والكذب من كلِّ وجهٍ، إِلاّ من جهة كونهما كذبًا وصدقًا، فإِنّه يُرجح الصدقَ. ولولا اختصاصه بصفةٍ كان لأجلها حَسَنًا، لما رجَّحه. وكذلك الملِلك العظيم يجد مسكينًا وحده في برّيّةٍ مشرفًا على الهلاك، فيميل إلى إنقاذه وليس ذلك إِلاّ لُحسن الإِنقاذ لا غير. إِذ الملك غنيِّ عن مكافأة المكسين، والفَرَضُ أنْ ليس هناك مَن يتشوّق إِلى ثنائه عليه بذلك.
والجواب أنّ ترجيح الصدق وإِنقاذ المسكين، إِن فرَضنا تساوى فعلهما وترِكهما من كلّ وجهٍ، بحيث لا يُتّبَع فيهما عُرف ولا إِلفٌن ولا يُدفَع بهما تألّمُ نفسٍ ولا نفرةُ طبعٍ، لم يُسلُّم أنَه يُرجح واحدًا منهما. وإِنما يَرجح أحدُهما لما سبق من اطّراد عُرفٍ، أو إِلفٍ، أو دفع ألمٍ أو رِقّةٍ. لأنّ العاقل إِذا رأى غيره هي شدّةٍ، جوَّز أن يكون هو فيها، ثم فرَض لحوقَها به. فيلحقه لذلك رقّةٌ وألمٌ، أو رقةٌ، أو ألمٌ، فيبادر إِلى إنقاذه دفعًا لذلك عنه.
الوجه الثالث: لو كان حُسنُ الأشياء وقبحُها إِنما يثبت بالشرع، ما قَبُح من الله شيءٌ. ولو كان كذلك، لجاز أن يُظهر المعجزاتِ على أيدي الكاذبين. وفي ذلك سَد بابِ معرفة النبوّات، لالتباس الصادق بالكاذب. ولجاز أن يأمر الله سبحانه خلقَه بكلّ قبيحٍ، كالكفر والجور والظلم والكذب، وينهاهم عن كلّ حَسَنٍ، كالإِيمان والعدل والصدق. وذلك محالٌ.
والجواب أنّه لا يقبح من الله شيءٌ. وإِلاّ لكان خلقُه لكلّ مفسدةٍ في العالم، وخلقُه للكفّار للنار، وخلقُه لإِبليس سببًا لإِضلال الخلق، وخلقه للطباع المائلة والشهوات المستميلة حتى تجذب المعاصي فيما بين ذلك، قبيحًا. وقد اتّفقنا على عدم قُبحِ ذلك كلّه. وأمّا جواز فعلِه ما ذكرتموه من المستقبًحات، فثابتٌ. ولو فعل ذلك كلّه، لم يكن قبيحًا؛ كالأشياء التي ذكرناها واتّفقنا على عدم قبحها. لأنّ ما ادّعيتم قبحه وما سلّمتهم عدمَ قبحه قبيحٌ بالإِضافة إِلى نظر العقل. فإِما أن تقولوا بالقبح في الجميع؛ فيلزمكم أنّ
стр. 25
الله فَعَل قبائحَ كثيرةً؛ وأنتم لا تقولون به. وإِمّا أن تقولوا بعدم القبح في الجميع؛ فلا يلزم من جواز ما ذكرتموه محذورٌ.
ثمّ نقول: إِنّ جواز ما ذكرتموه وغيره لا يستلزم وقوعَه. ونحن نجزم ضرورةً بعدم وقوعه، وأنّ الله لم يُظهر المعجِزَ إِلاّ على يد صادقٍ، وأنّه لم يأمر بقبيحٍ أصلًا. لأن القبيح عندنا ما نهى عنه ومَنَع منه. فلو كان آمرًا به، لكان جامعًا بين الأمر بالشيء والنهي عنه بعينه؛ وهو تناقُضٌ. وإِذا كان علمُنا بأنّ ما أَلزمتمونا جوازَه من القبائح لم يقع ضروريَّا، فلا تأثير لمجرّد احتمال الجواز المذكور في العلم الضروريّ. وصار ذلك من باب احتمال انقلاب العلوم العاديّة؛ كانقلاب الجبال ذهبًا، والبحار عسلًا. فإنّه محتمَلٌ جائزٌ عقلًا في كلّ لحظةٍ وكلّ نفسٍ؛ بمعنى أنّه لو قُدِّر، لم يلزممنه محالٌ لذاته، مع أنّا نعلم قطعًا أنّه لم يقع؛ ولم يقدح جوازُ ذلك في قطعِنا بعدمه.
وأيضًا، لو قدّرنا إِظهار المعجز على يد الكاذب، قدّرنا في قبالته ما يَدفع محذوره، بأن نقول: إِن كان الله تعالى قَصَد بذلك إضلالَ تلك المعجزات فُرجةً للناس يتفرّجون فيها ويتنزهون بها، كما يتفرّجون في سائر الأشباء المتضادّة، كالحيوانات الحَسنة والقبحية، والأشجار الطبّية الرائحة والطعم والخبيثة، وكما يتفرّجون الآن في شعبذة المشعبذين وسحر السحرة. أو يُقدِّر اتفاقُنا على تجوّز تكليف ما لا يطاق؛ فلا يلزم من ذلك المحال. وبالجملة، لو قدّرنا ما ذكرتموه، قدّرنا انقلاب حقائق ما نحن فيه الآن على وجهٍ يدفع محذورَه. فأمّا أنّكم تُلزِمونا تقديرَ بقائنا على حالنا الآن، فهذا ليس بإنصاف منكم. وأنتم إِنما تنازِعون على ثبوت العدل والإنِصاف بزعمكم؛ ولذلك وَسَمتم بإنصاف منكم. وأنتم إِنما تنازِعون على ثبوت العدل والإِنصاف بزعمكم؛ ولذلك وَسَمتم أنفسَكم بأهل العدل.
الوجه الرابع: لو لم يُعرَف الحُسنُ والقبح إِلاّ بالشرع، للزم منه إِفحامُ الرسلِ، بأن يُقال لهم: "لا ننظر في معجزكم، حتى يجب علينا النظرُ، حتى يَثُبت شرعُكم. ولا يَثبُت شرعُكم حتى ننظر في المعجز". وذلك دورٌ ممتنعٌ؛ وسيأتي هذا وجوابُه.
الوجه الخامس: لو لم يكن الحُسن والقبح معلومين عقلًا، لما عرفناهما عند ورود
стр. 26
الشرع؛ لأنّ إنّه التصديق مسبوقٌ بالتصوّر.
والجواب إِنّه إِلزامٌُ لنا على أصلهم في أنّ ماهيّة الحُشن وَرَد مؤكدًا لحكم العقلِ في ذلك. وقد سبق منعُه. ونحن إِنما نستفيد الحكم بحُسن الشيء وقبحه من أمرِ الشرعِ ونهيه. وقبل الشرع، لا يستحيل منّا تصورُ ماهيتهما بهذا المعنى، بأن نقول: لو جاء شرعٌ، أو قدّرنا ورود شرعن لكان الحَسَن والقبيح ما أمَر به ونهى عنه.
الوجه السادس: لو لم يكونا عقليّين، لم يجُز إِسنادُ الأحكام إِلى المصالح. وحينئذٍ، ينسدّ بابُ القياس في الشرع بتحسينها، وكذا المفاسدُ.
والنزاع معكم إِنما هو فيما سبق. وهو كونُ العقل بذاته أدرك المصالحَ والمفاسدَ، ثمّ جَزَم وأوجَب في حُكم الله سبحانه رّبْط الجزاءِ بها ثوابًا وعقابًا وذلك غير ما نحن فيه.
الوجه السابع: لو كان حُسن الأفعال لورودِ الأمر بها، لم تكن أفعالُ الله سبحانه حَسنةً، لاستحالة توجُّه الأمر إِليه من غيره. ولو كان قبحُ الفعل للنهي عنه، لاقتضى نهيُ التنزيه قبحَ المنهيّ عنه.
والجواب أنّ الحَسّن عندنا ما عَلِمَ فاعلُه أنّه غير ممنوعٍ منه. فيتناول أفعالَ الله سبحانه؛ إِذ لا مانع. والمقتضي للقبح هو نهيٌ مخصوصٌ، وهو نهي التحريم، لا مطلق النهي. وأمّا قولنا في بعض المواضع، "الحَسَن ما أذن فيه الشرعُ، والقبيح ما مَنَع منه"، فإِنما نريد بذلك الحَسَنَ من أفعالنا؛ وهو حَسَنٌ خاص. أمّا إِذا أردنا به ما يعم الحَسَنَ منّا ومن الله سبحانه، عرفناه بما ذكرنا. والله أعلم.
[إبطال التحسين والتقبيح]
والمعتمد في إِبطال التحسين والتقبيح أنّ رعاية مصالح الخلق غير واجبةٍ على الله. ويلزم من ذلك بطلانُ التحسينوالتقبيح.
أمّا الأوّل، فلأنّ خلق اللهِ سبحانه للعالم في وقته الذي خلَقه فيه، دون ما قبله وعده، إِمّا مصلحةٌ لهم، أو مفسدةٌ، أو مصلحةٌ لبعضهم دون بعضٍ. فإن كان مصلحةً، فقد فوّتها فيما قبل خلْقِ العالمِ بدهورٍ وأزمنةٍ لا تتناهى. وإن كان مفسدةً،
стр. 27
فقد أَوجدها، مع قدرته على الاستمرار على نفيها. وإن كان الثالث، فالكلام في كلّ واحدٍ من القسمين كالكلام على الجميع؛ إِذ قد كان يمكنه أن لا يوجد مِن العالم إِلاّ مَن له في الوجود مصلحةٌ.
فإّن قيل: "لعلّه علم أنّه ليس في وجوده قبل وقته المعيّن مصلحةٌ، فأَخَّره إِلى ذلك الوقت نَظَرًا لهم في ذلك مصلحةً، فلم يُرِد إِيصالَها إِليهم لكونه لا يراعي مصالحهم التزامًا". فإِن قيل "لا يليق ذلك بكرَمه"، قلنا: "هذا رجوعٌ إِلى التحسين والتقبيح؛ ونزاعنا فيه".
ثمّ نقول: هب أنّه أّخَّر خلقَ العالم إِلى وقته المعيّن لمصلحتهم. فبَعد خلقِه، اشتمل العالمُ على مفاسد، أم لا؟ إِن اشتمل على مفاسد، فإِمّا أن يكون سبحانه عالمًا بها قبل خلقها؛ فقد كان يجب على قاعدتكم أن لا يخلقها رعايةً للمصلحة. أو لا يكون عالمًا بها؛ لكنّه ليس مذهبًا لكم. لأنّا اتّفقنا على أنّه عالمٌ بالأشياء في الأزل؛ وإِنما اختلفنا في أنّه عالمٌ لذاته، أو بمعنًى زائدٍ هو علمٌ؛ وهو أمرٌ وراء ما نحن فيه. وهذا معنى قول الشافعي ﵁: "إِذا سَلَّم القدريّة العلمَ، خُصِموا في جميع هذه المسائل". وبتقدير أنّه إِنما يعلم الأشياء بعد وقوعها، على رأي بعضهم، وإِن كان فاسدًا، لكنّه قادرٌ على رفعها بعد وجودها وقطعِ استدامتها؛ ولم يفعل.
وأيضًا، فمن مصلحة الكفّار والعصاة أن كان يعصمهم مِن أسباب العذاب. إِذ هو قادرٌ على ذلك. وحيث لم يعصمهم، فهلاّ عفا عنهم! إِذ العفو أصلح لهم. وحيث عاقبهم، فلِمَ خلَّدهم في النار؟ وإخراجهم منها، ولو بعد حينٍ، أصلح لهم. وقد اضطرّ التزامُ رعاية الأصلح بعضَ المعتزلة حتى التزموا أنّ خلودَ الكفّار في النار أصلحُ لهم.
وأمّا الثاني، وهو أنّ بطلان رعاية المصالح يلزم منه بطلانُ التحسين والتقبيح، فلأنّا قد بيّنّا أنّ معنى التحسين والتقبيح هو جزم العقل بوجوب ارتباط الأحكام بالمصالح والمفاسد. وحيث بطلت رعايةُ الأصلح أو المصالح، لم يجب في العقل أن يربط اللهُ أحكامَه بالمصالح والمفاسد. بل يجوز ذلك ونقيضه؛ وهو المطلوب. وحيث كثُر من الله
стр. 28
سبحانه رعايةُ مصالح خلقه، فإِنما كان ذلك تفضُلًا منه، لا وجوبًا عليه. وممّا يحقّق ذلك أنّه سبحانه امتَّن عليهم بأنّه راعى مصالحهم؛ كقوله: ﴿ألم نجعل الارض مهادا﴾، إِلى قوله، ﴿وجنات ألفافا﴾، وقوله ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾، ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه﴾؛ ونحوه كثيرٌ في القرآن. ولو كان واجبًا عليه، لما صحّ امتنانُه به؛ كما لا يصحّ أن يمتنّ أحدنُا على غريمه بأداء دَينٍ عليه، أو بأداء العبادات الواجبة بالنذر، وبأصل الشرع.
ومما يُبطِل قاعدةَ الأصلح الصورةُ التي فرضها الأشعري، وسأل عنها الجبّائيَّ، حيث قال له: "ما تقول في ثلاثة أخوة، أحدهم برٌ تقيٌ، والآخر فاجرٌ شقيٌ، والآخر مات قبل التكليف؟ "فقال الجبائيّ: " الأوّل في الدرجات، والثاني في الدركات، والآخر من أهل السلامة". قال له الأشعريّ: "فلو قال الصبي: "ياربّ، ارفعني إِلى درجات أخي التقيّ! " ما يكون جوابه؟ " قال: "يقال له: " إِنّك لم تعمل كعمله، فلم تصل إِلى محلّه". قال: "فإن قال: " يارب، إِنّك لم تبقني إِلى وقت التكليف؛ ولو أبقيتني، عملتُ". قال الجبّائيُّ: "يقال له: " لو أبقيتك، لكنتَ كأخيك الفاجر؛ فراعيتُ مصلحتَك بموتك قبل ذلك". قال الأشعريُّ: "فإِن قال الفاجر: "ياربَ، فهلاّ راعيتُ مصلحتي كما راعيت مصلحةَ أخي الصغير، فأمتّني صغيرًا، وسلّمتني من هذا العذاب! " فانقطع الجبّائيّ عن الجواب.
وقد ذكر العلماءُ مناظرةً جرت لإِبليس مع الله سبحانه في هذا الباب. وهو أنّه لَمّا عصى، فأَبلَس، قال: "يارب، إِني أُقرّ وأعترف أنّك ربى، لك الأمرُ والحكمُ. لكن في نفسي شيء أسأل عنه. فإنّك، يارب، علمتَ أنّ غاية وجودي إِلى اللعنة والإِبلاس. فلِمَ أوجدتني، وقد كان استمرارُ عدمي أصلحَ لي؟ وحيث أوجدتني، فلمَ ابتليتني، وقد كانت العافية، أصلحَ لى؟ وحيث ابتليتني، فهلاّ ابتَليتني، فهلاّ ابتَليتني بدون ما ابتُلِيتُ به من
стр. 29
الطرد والإِبلاس، كما ابتَليت آدم، ثمّ تداركتَه؟ وكيف أمرتني بالسجود، مع علمك أني لا أسجد؟ وتركُ الأمر كان أصلحَ لي. وحيث أمرتني، فعصيتُ، كيف سلطتَني على آدم؟ ولو عصمته مني، كان أصلحَ له ولي. وحيث سّلطتّني عليه، فكيف أنظَرتَني وسلطتَني على عقبه؟ وقد كان إِلاكي قبل ذلك أصلحَ لهم ولي. وحيث أنظرتَني وسلّطتّني عليهم، فكيف جعلتني أراهم ولا يروني، ولا لقبيلي من الشياطين؟ ولو جعلتَهم يرونا، كان أصلحَ لهم؛ لأنّه كان أجدرَ أن يحترزوا منّا.
وكان ذلك من إِبليس بمشهد الملائكة. فلم يُحيروا عن ذلك جوابًا. فأجابه الله سبحانه عن سؤاله، وقال: "إِنّ كلامك ينقض آخرُه أوله؛ لأنّك أولًا سَلَّمت أني ربّك، لي الأمر والحكم. ثمّ تسألني سؤالَ مجادلٍ. أنا لا أُسأل عمّا أفعلُ وهم يُسألون". وسنورد، إِن شاء الله سبحانه، نصوصَ الكتاب والسنّة في مسألة القدَر، ونبيّن وجهَ دلالاتها، وجوابَ ما يرِد عليها من الإِشكال، آخرَ هذا التصنيف، ولها وضعناه، إِن شاء الله تعالى.
وحيث انتهى الكلامُ على التحسين والتقبيح، وهو الأصل الصعب الفاسد الذي تفرّع عنه كثيرٌ من الضلالات من أوّل العالم إِلى آخره، كما ذكرناه في الخطبة، فلنردفه بذكر جملةٍ من فروعه في أصول الدين والفقه وفروعه. وإِنما نذكر منها ما تيسّر وحضر. إِذ لو التزمنا الحصَر، لزمنا الحصرُ.
стр. 30
[ثانيًا: فروع التحسين والتقبيح في أصول الدين]
[وجوب النظر عقليِّ عند المعتزلة]
أمّا فروعه في أصول الدين، فمنها أنّ وجوب النظر فيما لا يُعرَف إِلاّ بالنظر- كإثبيات الصانع، وحدوث العالَم، وجواز بعثة الرسل، ودلالتة المعجز على صدقهم، ونحو ذلك- سمعيِّ عندنا، أي إِنما عُرِف بالسمع؛ كقوله: ﴿انظروا﴾، ﴿أفلا ينظرون﴾، ونحوها من الآي، وهو كثيرٌ. عقلي عند المعتزلة، أي لا يُعرَف إِلاّ بالعقل.
لنا، لو وَجب قبل الشرع، لترتّب عليه الثوابُ والعقابُ، لأنهما من آثار الوجوب ولواحقه. وهو منفيٌّ بقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾، ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾، ونحوه من الآيات.
احتجّوا بأنّه لو لم يُعرَف إِلاّ بالشرع، لزم إِفحامُ الرسل؛ بأن يقال للنبيّ: "لا أنظر في معجزك، حتى يجب عليّ النظرُ بالشرع؛ ولا يَثبُت الشرعُ حتى أنظر؛ فيصير حاصلُه: لا أنظر حتى أنظر. وهو دورٌ ممتنعٌ".
وأُجيبَ بأنّه لازمٌ عليكم؛ لأنّ وجوب النظر عندكم، وإن كان عقليًّا، لكنّه ليس ضروريًّا. بل هو نظريِّ، لتوقفه على مقدّماتٍ نظريّةٍ. وهي أعلم بوجوب معرفة الله؛ وبأنّ للنظر طريقٌ إِليها؛ وأنّ لا طريق إليها سواه؛ وأنّ ما لا يتمّ الواجبُ إِلاّ به واجبٌ. وحينئذٍ، للمخاطب أن يقول: "لا أنظر حتى أعرف وجوبَ النظر؛ ولا أعرف وجوبَ النظر حتى أنظر". فيؤول إِلى الدور الممتنع.
وطريق حلّه أنّ وجوب النظر ليس متوقّفًا على العلمن بوجوبه، بل على إِمكان العلم بوجوبه؛ وهو حاصلٌ كاف في الوجوب. وعند من يرى أنّ دلالة المعجِز على صدق المدّعي النبوّةَ ذاتي، يَسهُل الأمرُ؛ إِذ يحصل العلمُ بصدقه ضرورةً.
стр. 31
[إِنكارهم كلامَ النفس]
ومنها أنهم أنكروا كلامَ النفس الذي أثبته الأشعريّةُ بناءً منهم على أنّ فائدةَ الكلام أمرُ الخلقِ ونهيُهم، وهو سبحانه مستغنٍ عنه بأن يخلق فيهم علومًا ضروريّةً بما يستدعيه منهم من فِعلٍ أو كفً. وإِذا كان مستغنيًا عن الكلام بذلك، فإثباتُه مع الاستغناء عنه عبثٌ، وهو قبيحٌ عقلًا.
[قولهم: "يقبح من الله ما يقبح منّا "]
ومنها قولهم، "إِنَ الله سبحانه يَقبُح منه ما يَقبُح منّا" حتى قالوا: "إنّ العبد موجِدٌ لأفعاله مستقلُّ بها خالقٌ لها، وإِلاّ لكان عقابه عليها ظلمًا؛ وهو قبيحٌ عقلًا". ولهذه مزيد بيان في آخر الكتاب، إن شاء الله تعالى.
[إيجابهم رعاية مصالح الخلق على الله]
ومنها أنهم قالوا: "يجب على الله رعايةُ مصالحِ خَلقِه واللطفُ والثوابُ لهم". والبغداديّون منهم خاصًّة يوجبون العقابَ، ويوجبون الأصلحَ في الدنيا. هذا نقل المحصّل. وقال ابن بَرهان: "اتّفقت المعتزلةُ على وجوب صلاح العباد على الله سبحانه؛ إِلاّ إنّ البغداديّين منهم قالوا: يجب ذلك في الدنيا والآخرة. والبصريّون قالوا: يجب عليه حفظُ خصالهم الدينيّة دون النيويّة". وقد سبق بطلانُ هذه القاعد عليهم، وبيانُ ما التزموه فيها من الأمر الشنيع. وعندنا، لا يجب على الله سبحانه شيءٌ، بل هو الموجب لما شاء، وإِنّ ما أوَلى من خيرٍ، ففَضلٌ؛ وما ابتَلى به من شر، فعَدلٌ.
[أفعال الله معلّلةٌ بالأغراض عندهم؛ إِذ فِعلٌ بلا غرضٍ قبيحٌ عقلًا. فلذلك قالوا: "علّة حُسنِ تكليف العباد تعريضُهم لاستحقاق النِعَم والثواب؛ إِذ
стр. 32
استحقاقه بسبب من المستحِق أولى وأحسن وأكمل من التفضّل به على ما هو مدركُ لنا بالضرورة. ثمّ بنوا على ذلك استحقاق الثواب على العمل. واعلم أنّ هذه المسألة كبيرةٌ، ولنا عليهم كلامٌ في موضعين.
أحدهما: إنّ قول القائل، "أفعال الله تعالى معلّلةٌ بالأغراض"، إِن أراد بذلك أغراضًا، إِن أراد بذلك أغراضًا تفيده كمالًا ليس له- كما في حقّنا، حيث يعمل أحدُنا سريرًا لينام عليه، أو يقاتل أعداءَه ليملك أرضَهم ويرأس عليهم، ونحو ذلك -فهذا ممتنعٌ في حقّ الله. إِذ كماله ذاتى أزليُّ سرمديّ. وإِن أراد أغراضًا هي حِكَمٌ، الأفعالُ مقتضياتٌ وغاياتٌ لها، كتصرف الملوكِ في ممالكهم، فهذا لا وجه لمنعه؛ والقرآن مملوءٌ بالتصريح به، كقوله: ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين﴾، إِلى قوله: ﴿لعلموا﴾، وقوله: ﴿جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا﴾، ﴿وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته﴾، ﴿ألم نجعل الأرض مهادا﴾، ونحوه كثيرٌ. وبالجملة، ما فَعَل اللهُ سبحانه ولا يَفعلُ فِعلًا إِلاّ لحكمةٍ مِن مُقتض وغايةٍ، لقوله تعالى: ﴿أفحسبتن أنما خلقناكم عبثا﴾، إِلى قوله: ﴿فتعالى الله الملك الحق﴾، أي عن العبث وما يُنسَب إِليه من الشرك.
ومّما يُحقق أنّ أفعاله معلًّلةٌ بالتفسير المذكور أنها لو لم تكن كذلك، لزم منه إِفحامُ الرسلِ؛ لأن يقال للرسول: "معجِزُك هذا الذي أُثبِتَّ به لم يخلقه اللهُ لأجل تصديقك، بل خَلَقه لا لعلّةٍ ولا لغرضٍ، وإِنما ظهر على وَفق دعوالك اتّفاقًا". فتعليل الأفعالِ لازمٌ لصحّة الاحتجاج بالمعجِز. وإِذا لزم خَلقُ المعجِزِ لأجل التصديق، جاز تعليلُ غيرِه من الأفعال؛ إِذ لا قائل بالفرق.
الموضع الثانى: قولهم، "استحقاقُ الثواب بالعمل"، كلامٌ فيه إجمالٌ. وقد ورد في الكتاب والسنّة ما يدلّ على نفيه وإِثباته؛ فلابدّ من تحقيق وجهِ الجمع بين ذلك.
стр. 33
أمّا ما ورد في الكتاب مّما يدلّ على إثباته، فقوله تعالى: ﴿جزاء بما كانوا يعملون﴾، ونحوها؛ وهي كثيرةٌ. وهذه الباء تقتضي في عُرف الاستعمالِ المقابَلة والعِوَضيّة، نحو "بِعتُك هذا بهذا".
وأمّا ما في السنّة من ذلك، فما رَوى ابنُ عمر عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "إنما مَثَلُكم ومَثَلُ اليهودِ والنصارى، كرجلٍ استعمل عُمّالًا، فقال: "من يعمل لى نصفِ النهار على قيراطٍ قيراطٍ؟ " فعملت اليهودُ على قيراطِ قيراطٍ. فقال: "من يعمل لى من نصف النهار إِلى العصر على قيراطٍ قيراطٍ؟ " فعملت النصارى على قيراطٍ قيراطٍ. ثمّ أنتم تعملون من صلاة العصر إِلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين: فغضبَت اليهودُ والنصارى وقالوا: "نحن أكثرُ عَمَلًا وأقلُّ عطاءً". فقال: "هل ظلمتُكم من حقّكم شيئًا؟ " قالوا: "لا". قال: "فإنّه فَضلى، أُوتيه من أشاء". رواه البخاريّ والترمذيّ وصحّحه. فوجهُ دلالته أنّه شَبَّه العبادَ في طاعتهم بالأُجَراء في أعمالهم، وقال: "هل ظلمتُكم من حقّكم شيئًا؟ ؟ سمّاه "حقًّا لهم"؛ ودلّ على أنّه لو نَقَصَهم مّما استعملهم عليه شيئًا، ظَلَمَهم.
وأمّا ما وَرَد في الكتاب مّما يدلّ على نفيه، فقوله تعالى: ﴿فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم﴾، إِلى قوله: ﴿ولادخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله﴾. وقوله: ﴿لكن الذين اتقول ربهم لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله﴾ أي تفضُّلًا من عنده، لا يجب عليه. هذا من عرف اللغة في قول القائل، "أعطيُته كذا وكذا من عندي". وكذا قوله تعالى: ﴿رحمة من عندنا وذكرى للعابدين﴾، ﴿لأولى الألباب﴾.
стр. 34
أمّا السنّة، فما صَحَّ من قوله ﵇، "لَنْ يُدخل أحدًا عَمَلُه الجنّةَ". قالوا: "ولا أنت يا رسول الله؟ " قال: "ولا أنا، إِلاّ أن يغمدني اللهُ برحمةٍ منه وفَضلٍ.
وروى الحارثُ الأشعريّ أنّ النبي ﷺ قال: "إِنّ الله أمَر يحيى بن زكريّا بخمس كلمات، ليعمل بها ويأمَر بني إسرائيل أن يعملوا بها؛ فجمَعَ الناسَ في بيت المقدس، فامتلأ المسجدُ، وقعدوا على الشُّرَف. فقال: "إِنّ الله أمرني بخمس كلماتٍ أن أعمال بهنّ، وآمَرَكم أن تعملوا بهنّ. أوّلهن أن تعبدوا اللهَ ولا تشركوا به شيئًا، وإِنّ مَثَل مَن أشرك بالله كمَثَل رجلٍ اشترى عبدًا من خالص ماله بذهبٍ أو ورقٍ، فقال: "هذه داري، وهذا عَمَلي؛ فاعملْ، وأدِّ إِليَّ". فكان يعمل ويؤدِّى إِلى غير سيّده؛ فأيّكم يرضى أن يكون كذلك؟ " الحديث، رواه النسائيّ والترمذيّ وصحّحه.
ووجهُ دلالته أنّه شبَّه الناسَ في المثال بالعبيد؛ وهم كذلك عبيد الله حقيقةً. والعبد وأعمالُه، سواءٌ كانت خَلقًا له كما تقول المعتزلةُ، أو كسبًا كما نقوله نحن، مُلكٌ لسيّده. فبماذا يستحقّون عليه الجزاء؟ وإِنما يجازيهم على طاعتهم تفضُّلًا، بدليل قوله سبحانه: ﴿ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله﴾. وكعبد أحدنا إِذا صاد صيدًا، أو وَجَد لقطةً، فجاء بها إِلى سيّده، فقال له: "اذهب، فكُلها، وانتفع بها"، تفضّلًا من السيّد بملكه على عبده، لا استحقاقًا للعبد على سيّده. ودلالة هذا الحديث على نفي استحقاقهم للثواب أقوى من دلالة حديث ابن عمر على إِثباته؛ لأنّه شبَّه فيه العبيدَ حقيقةً بالأُجراء، تقريبًا إِلى الأفهام بضرب المثال، وليسوا أجراء قطعًا، بل هم عبيدٌ مملوكون. وملكُ الله فيهم أقوى وأكملُ من مُلك أحدنا لعبده.
وقد رأَينا في الآثار أنّ الله سبحانه يقول لأهل الجنّة: "ادخلوها برحمتي، واقتسموها بأعمالكم"؛ وهو تفضّلٌ منه أيضًا، لما سبق. وكلّ ما دلّ أو أشعَر في الشرع بوجوب الثواب على الله سبحانه، فإِنما ذلك بمعنى أنّه التزم على نفسه الجزاءَ
стр. 35
تفضُّلًا؛ لقوله: ﴿وعدا علينا إنا كنا فاعلين﴾، وتصديقًا لخبرٍ، حيث قال: " لا يُخِلف اللهُ وعدَه". وكما يلتزم أحدُنا مكأفاةَ صاحبِه على إِحسانٍ أو فِعلِ جميلٍ. وفي التنزيل: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾.
[مسألة الوعيد]
ومنها أنّ وعيد أهل الكبائر غير منقطعٍ عندهم ما لم يتوبوا، وأنّ العفو من الله عمّن مات مُصِرًّا على المعصية محالٌ؛ لما يأثرون، "لا تنظروا إِلى صغر الذنب، ولكن انظروا على مَن اجترأتم". ولأنّ العفو عن مِثل هذا إِغراءٌ للعصاة بالمعصية، وهو قبيحٌ عقلًا، إِذ شأن الملِك أن يوقِع الرهبةَ ولا يخرق الناموسَ. ولأنّ ذلك أصلحُ للخلقِ ليرتدعوا. وهو عند أهل السنّة في مشيئة الله، لقوله: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.
وجواب المعتزلة: أمّا ما أثروه، فلا يثبت إِلاّ عن بعض التابعين. وأمّا إِغراء العصاة، فباطلٌ بالتوبة؛ فإِنّ قبولها واجبٌ عندهم مع حصول الإِغراء به. إِذ إِقدام العاصي على المعصية إتّكالًا على التوبة، كإقدامه اتّكالًا على العفو. وأمّا اعتبار خرقِ الناموس، فهو تحسينٌ عقليَُ باطلٌ. ثمّ قبحه معارَضٌ بحُسن العفو. وتَركُ الوعيدِ مَكرُمةٌ عند العقلاء؛ لقول الشاعر:
وإِني وإِن أَوعدتُه أو وَعَدتُه .... لمخلِفُ إِيعادي ومنجِزُ موعدي
وهذا البيت احتجّ به أبو عمرو بن العلاء على عمرو بن عبيدٍ. فيقال: إِنّ عمرو بن عبيدٍ قال لأبي عمرو: "إِنّ الله يتعالى عن الخلف. والشاعر قد يقول الشئ وخلافه؛ فهلاّ قلتَ ما قال الشاعر:
إِنّ أبا ثابتٍ لمجتمِع الـ ... ـرأي شريف الإِباء والبيتِ
لا يخلف الوعدَ والعيدَ ولا ... يثبت مِن ثأره على فَوتِ"
стр. 36
قلتُ: وفي معناه قولُ أبي تّمام:
قومٌ إِذا وَعدوا أو أوعدوا مَلؤوا ... صدقًا ذوائبَ ما قالوا بما فعلوا
والله أعلم.
وأمّا كونه أصلحَ للخلق، فبيّنّا بطلانَه. والقاطع في الباب قولُه تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾. فإِذا فرضنا مَن عَمِلَ شرًّا وخيرًا، فجزاؤه على الخير إِنما هو في الآخرة بالجنّة. فهو إِمّا بدخولها بعد جزائه على الشرّ بالنار؛ وهو المطلوب. أو بدخولها، ثم دخول النار؛ وهو خلاف الإِجماعِ وقولِه تعالى: ﴿وما هم منها بمخرجين﴾، ﴿فادخلوها خالدين﴾. وأمّا العمومات الدالّة على ما ذكروه، نحو ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾، ﴿وإن الفجار لفى جحيم﴾، ونحوه، فعامَُ مخصوصٌ بأدلّتنا؛ لأنّ صيغ العموم غير قاطعةٍ في الاستغراق؛ فاحتملت التخصيصَ.
[إِنكارهم الشفاعةَ]
ومنها إِنكار الشفاعة للعصاة، لما ذكروه من الإِغراء. وجوابه ما سبق، ونصوصُ الكتاب والسنّة، وإِجماعُ السلف على خلافهم. وتمسَّكوا من الكتاب بعُموماتٍ ضعيفةِ، نحو ﴿ولا تنفعها شفاعة﴾، ﴿فما لنا من شافعين﴾، ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾، ونحوها، مّما لو وفي بالدلالة، لكان معارَضًا بأقوى منه؛
стр. 37
نحو ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾، ﴿لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا﴾، قيل بالتوحيد، ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾، ﴿إلا بإذنه﴾، ونحو ذلك. فضلًا عن نصوص السنّة المتواترة المفَّصلة المجمَع على ثبوتها وصحّتها.
[قبول التوبة واجبٌ على الله عندهم]
ومنها أنّ قبول التوبة واجبٌ على الله عندهم، إِمّا لكونه أصلح- وقد أبطلنا رعايةَ الأصلح؛ ثمّ يلزمهم على ذلك إِيجابُ الشفاعة وأن لا يُدخِلَهم النارَ، لأنّه أصلحُ لهم- أو تصديقًا لخبره، حيث قال: ﴿وقابل التوب﴾، ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾، ونحوه. إِذ خلاف الخبرِ كذبٌ؛ وهو قبيحٌ. وقد أبطلنا قاعدةَ التقبيح العقلىّ. ثمّ يَلزمُهم عليه أن يغفر جميعَ الذنوب؛ لقوله، ﴿غافر الذنب﴾، ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾، أو لنحو قال القائل:
إِذا اعتذر الجاني محا العذرُ ذنبَه ... وكلّ فتًى لا يقبل العذرَ مذنبُ
وهذا عَجَبٌ! إِذ يخالِفون نصوصَ القرآن وتواتر السنّة، ويحتجّون بالشعر الركيك. ثمّ الكلام فيه في المخلوقين، لقوله، "وكلّ فتًى"؛ فقاسوا الله على خلقخ في وجوب قبول العذر، وهو قياسٌ ضعيفٌ في إِثبات أصلٍ عظيمٍ. ثمّ يلزمهم أن يَسقُط الذنبُ بالعذر فقط، ولا حاجة إِلى التوبة.
والقول عندنا أنّ قبول التوبة ليس بواجبٍ على الله، بل هو جائزٌ مِرجُوٌ من فضله
стр. 38
وكرمه. والإِخباراتُ الواردةُ بقبولها مقدرٌ فيها اشتراطُ المشيئة، أى يَقبل التوبةَ مّمن يشاء؛ كما قال: ﴿ادعوني استجب لكم﴾، ثمّ قيّده بقوله: ﴿بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء﴾. وقوله: ﴿ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها﴾، ثمّ قيّده بقوله: ﴿عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ فكذلك، هذا مقيَّدٌ تقديرًا، وإِن لم يُصرِّح به في موضعٍ آخر.
وعُهدَتُهم من المنقول قولُه تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء﴾، الآية؛ ولفظُ "على" للوجوب. وعندهم أنهم يخلّفون التوبةَ أفعالًا يَستوجبون بها القبولَ.
وعندنا، التوبةُ مخلوقةٌ لله، وقبولها تفضُّلٌ من الله. وقوله: ﴿إنما التوبة على الله﴾، مُنَزَّلٌ على وجوب وقوع الوعد بالقبول تصديقًا للخبر بأنّ وعده لا يُخلَف، أو أنّ معناه التوبة الواردة على رسل الله، أي على ألسِنة رسله؛ كقوله: ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾.
[إنكارهم الاستثناء في الإيمان]
ومنها إِنكارهم الاستثناءَ في الإِيمان، نحو "أنا مؤمنٌ، إِن شاء الله"، ظنًّا منهم أنّ شلك شكُّ. وغفلوا عن فائدته؛ وهي التبرّك بذِكر الله، إِن أُريدَ: "أنا مؤمنٌ في الحال". أو صرفُه إِلى كمال الإِيمان، إِذ لا يثصق كلُّ أحدٍ بكمال إِيمانه، والإِتيان بما أُخِذَ عليه فيه من الأقوال والأفعال. ولو عَلِمَ كمالَه، فهو يعتصم بالاستثناء من الخذلان لتاليه، فيُبتَلى بما يُنقِص إِيمانَه. أو صرفُه إِلى المالِ؛ إِذ ليس على ثقةٍ من الموت مؤمنًا.
стр. 39
ورأينا في أرض مصر قومًا يُقال لهم المرازقة، يَستثنون في كلّ خيرٍ. إِنّ أحدهم يقول: "هذا حصيرٌ، إِن شاء الله. هذا إِنسانٌ، أة زيدٌ، أو النار حارّةٌ، أو الماء باردٌ، إِن شاء الله". فهو في الغلوّ والإِفراط مقابل المعتزلة في التفريط.
والتحقيق في هذا أنّ كلّ قضيّة عُمِلَت يقينًا، وأجرى اللهُ عادتَه ببقائها وعدم تغيُّرها، لا يُشرَع فيها الاستثناءُ، لأنّه عَبثُ. وربما جَرّ إِلى السفسطة وإِنكار الحقائق؛ إِذ يقول الشخص: "هذا الجبل حجرٌ، إِن شاء الله"، خشية أن لا يكون شواءً، أو لبنيّةً، أو حلواء، أو مريسًا، أو قطنًا، أو تبنًا، أو لا شيء، بل خيالٌ في منامٍ. وذلك خروجٌ عن العقل.
[إِيجابهم إِرسالَ الرسلِ، وإِيجابُ الرافضةِ نصبَ الأئمة، على الله عقلًا]
ومنها أنّ إِرسال الرسل واجبٌ على الله عقلًا رعايةً للصلاح. وأوجبت الرافضةُ نَصبَ الإِمامِ على الله عقلًا. ووافقهم أبو الحسين البصريّ، على ما حُكِيَ فيه المحصّل. وحكاه ابن بَرهان عن غيره من المعتزلة. وهو قياسُ إِيجابهم إِرسالَ الرسل، لاستوائهما في رعاية المصالح. وقد أبطلنا أصلَ ذلك.
وحُكي عن الأصمّ أنّ العالَم إِذا تناصفوا بينهم، بحيث يُستغنى عن سياسة الإِمام، لم يجب نصبُه. وهو قولٌ صحيحٌ. والجمهور على أنّ نصبَ الإِمامِ من الله تَفضُّلٌ، وهو على الأمّة واجبٌ على الكفاية.
[قول أبي هاشم: "دفع الضرر عن النفس واجبٌ عقلًا، وعن الغير سمعًا "]
ومنها ما حُكي ابن بَرهان عن أبي هاشمٍ، أنّه يجب على العاقل بالعقل دفع الضرر عن نفسه، ولا يجب عن غيره إِلاّ بسمعٍ. قلتُ: الوجوب العقليّ باطلٌ، لما سبق. أمّا الحكم في هذا عند بعض العلماء، فإِنّ الإِنسان يلزمه الدفعُ مع القدرة عن حرمته إِذا أُريدت للزنا، لأنّ الدفع حقُّ الله، دون ماله، لأنّه حقّ نفسه. وفي نفسه قولان، بناءً أُريدت للزنا، لأنّ الدفع حقُّ الله، دون ماله، لأنّه حقّ نفسه. وفي نفسه قولان، بناءً
стр. 40
على أنّ المغلَّب فيها حقّ الله، لكونها مُلكَة، وهذا لا يُجَوِّز له التصرُّفَ بما يَوَدّ بها بغير إِذن شرعي؛ أو الإِنسان، لأنّه المختصّ بالألم فيها، والمستحِقّ لبذلها قصاصًا أودَية. وقد قرّرتُ هذا الأصل في الفوائد.
وأمّا دفعه عن غيره، فظاهر قوله ﵇، " انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، يقتضي وجوبَه. وفيه نصوصٌ غير ذلك. ويحتمل أن يخرج فيه القولان كالنفس، لقوله ﵇، "مَثَل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كالجسد الواحد"؛ وفي "الجسد الواحد" القولان.
[قولهم: "القبح محرَّمٌ إِما لنفسه، أو لكونه مفسدةً]
ومنها ما حكاه أيضًا عنهم أنهم قالوا "القبيح إِمّا محرَّمٌ لنفسه، كالكذبِ وكُفرِ النعمة، أو لكونه تركَ واجبٍ، كتَركِ العبادات، أو لكونه مفسدةً مخالِفةً للعقل، كالزنا ونحوه".
قلتُ: قد سبق الدليلُ على بطلان قّبح الكذب لنفسه. وقد وردَت الشريعةُ بمشروعيّته لمصالح راجحةٍ على مفسدته. ولو كان قبيحًا لنفسه، لما وردَت به. فرَوَت أمُّ كلثوم بنت عُقبة، قالت: "سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ليس بالكاذب مَن أصلحَ بين الناس، فقال خيرًا أو نَمَى خيرًا". رواه النسائيّ وأبو داوود والترمذيّ وصحّحه، وأخرجاه في الصحيحين؛ زاد مسلم: "لا يحلّ الكذبُ إِلاّ في ثلاثٍ: يحدِّث الرجلُ امرأتَه ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليُصلِح بين الناس". واللفظ في هذه الزيادة للترمذيّ من حديث أسماء بنت يزيد، وقال: "هو حَسنٌ غريبٌ".
следующие страницы →