Полный текст (285 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قلتُ: وفي معناه قولُ أبي تّمام:
قومٌ إِذا وَعدوا أو أوعدوا مَلؤوا ... صدقًا ذوائبَ ما قالوا بما فعلوا
والله أعلم.
وأمّا كونه أصلحَ للخلق، فبيّنّا بطلانَه. والقاطع في الباب قولُه تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾. فإِذا فرضنا مَن عَمِلَ شرًّا وخيرًا، فجزاؤه على الخير إِنما هو في الآخرة بالجنّة. فهو إِمّا بدخولها بعد جزائه على الشرّ بالنار؛ وهو المطلوب. أو بدخولها، ثم دخول النار؛ وهو خلاف الإِجماعِ وقولِه تعالى: ﴿وما هم منها بمخرجين﴾، ﴿فادخلوها خالدين﴾. وأمّا العمومات الدالّة على ما ذكروه، نحو ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾، ﴿وإن الفجار لفى جحيم﴾، ونحوه، فعامَُ مخصوصٌ بأدلّتنا؛ لأنّ صيغ العموم غير قاطعةٍ في الاستغراق؛ فاحتملت التخصيصَ.
[إِنكارهم الشفاعةَ]
ومنها إِنكار الشفاعة للعصاة، لما ذكروه من الإِغراء. وجوابه ما سبق، ونصوصُ الكتاب والسنّة، وإِجماعُ السلف على خلافهم. وتمسَّكوا من الكتاب بعُموماتٍ ضعيفةِ، نحو ﴿ولا تنفعها شفاعة﴾، ﴿فما لنا من شافعين﴾، ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾، ونحوها، مّما لو وفي بالدلالة، لكان معارَضًا بأقوى منه؛
стр. 37
نحو ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾، ﴿لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا﴾، قيل بالتوحيد، ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾، ﴿إلا بإذنه﴾، ونحو ذلك. فضلًا عن نصوص السنّة المتواترة المفَّصلة المجمَع على ثبوتها وصحّتها.
[قبول التوبة واجبٌ على الله عندهم]
ومنها أنّ قبول التوبة واجبٌ على الله عندهم، إِمّا لكونه أصلح- وقد أبطلنا رعايةَ الأصلح؛ ثمّ يلزمهم على ذلك إِيجابُ الشفاعة وأن لا يُدخِلَهم النارَ، لأنّه أصلحُ لهم- أو تصديقًا لخبره، حيث قال: ﴿وقابل التوب﴾، ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾، ونحوه. إِذ خلاف الخبرِ كذبٌ؛ وهو قبيحٌ. وقد أبطلنا قاعدةَ التقبيح العقلىّ. ثمّ يَلزمُهم عليه أن يغفر جميعَ الذنوب؛ لقوله، ﴿غافر الذنب﴾، ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾، أو لنحو قال القائل:
إِذا اعتذر الجاني محا العذرُ ذنبَه ... وكلّ فتًى لا يقبل العذرَ مذنبُ
وهذا عَجَبٌ! إِذ يخالِفون نصوصَ القرآن وتواتر السنّة، ويحتجّون بالشعر الركيك. ثمّ الكلام فيه في المخلوقين، لقوله، "وكلّ فتًى"؛ فقاسوا الله على خلقخ في وجوب قبول العذر، وهو قياسٌ ضعيفٌ في إِثبات أصلٍ عظيمٍ. ثمّ يلزمهم أن يَسقُط الذنبُ بالعذر فقط، ولا حاجة إِلى التوبة.
والقول عندنا أنّ قبول التوبة ليس بواجبٍ على الله، بل هو جائزٌ مِرجُوٌ من فضله
стр. 38
وكرمه. والإِخباراتُ الواردةُ بقبولها مقدرٌ فيها اشتراطُ المشيئة، أى يَقبل التوبةَ مّمن يشاء؛ كما قال: ﴿ادعوني استجب لكم﴾، ثمّ قيّده بقوله: ﴿بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء﴾. وقوله: ﴿ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها﴾، ثمّ قيّده بقوله: ﴿عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ فكذلك، هذا مقيَّدٌ تقديرًا، وإِن لم يُصرِّح به في موضعٍ آخر.
وعُهدَتُهم من المنقول قولُه تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء﴾، الآية؛ ولفظُ "على" للوجوب. وعندهم أنهم يخلّفون التوبةَ أفعالًا يَستوجبون بها القبولَ.
وعندنا، التوبةُ مخلوقةٌ لله، وقبولها تفضُّلٌ من الله. وقوله: ﴿إنما التوبة على الله﴾، مُنَزَّلٌ على وجوب وقوع الوعد بالقبول تصديقًا للخبر بأنّ وعده لا يُخلَف، أو أنّ معناه التوبة الواردة على رسل الله، أي على ألسِنة رسله؛ كقوله: ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾.
[إنكارهم الاستثناء في الإيمان]
ومنها إِنكارهم الاستثناءَ في الإِيمان، نحو "أنا مؤمنٌ، إِن شاء الله"، ظنًّا منهم أنّ شلك شكُّ. وغفلوا عن فائدته؛ وهي التبرّك بذِكر الله، إِن أُريدَ: "أنا مؤمنٌ في الحال". أو صرفُه إِلى كمال الإِيمان، إِذ لا يثصق كلُّ أحدٍ بكمال إِيمانه، والإِتيان بما أُخِذَ عليه فيه من الأقوال والأفعال. ولو عَلِمَ كمالَه، فهو يعتصم بالاستثناء من الخذلان لتاليه، فيُبتَلى بما يُنقِص إِيمانَه. أو صرفُه إِلى المالِ؛ إِذ ليس على ثقةٍ من الموت مؤمنًا.
стр. 39
ورأينا في أرض مصر قومًا يُقال لهم المرازقة، يَستثنون في كلّ خيرٍ. إِنّ أحدهم يقول: "هذا حصيرٌ، إِن شاء الله. هذا إِنسانٌ، أة زيدٌ، أو النار حارّةٌ، أو الماء باردٌ، إِن شاء الله". فهو في الغلوّ والإِفراط مقابل المعتزلة في التفريط.
والتحقيق في هذا أنّ كلّ قضيّة عُمِلَت يقينًا، وأجرى اللهُ عادتَه ببقائها وعدم تغيُّرها، لا يُشرَع فيها الاستثناءُ، لأنّه عَبثُ. وربما جَرّ إِلى السفسطة وإِنكار الحقائق؛ إِذ يقول الشخص: "هذا الجبل حجرٌ، إِن شاء الله"، خشية أن لا يكون شواءً، أو لبنيّةً، أو حلواء، أو مريسًا، أو قطنًا، أو تبنًا، أو لا شيء، بل خيالٌ في منامٍ. وذلك خروجٌ عن العقل.
[إِيجابهم إِرسالَ الرسلِ، وإِيجابُ الرافضةِ نصبَ الأئمة، على الله عقلًا]
ومنها أنّ إِرسال الرسل واجبٌ على الله عقلًا رعايةً للصلاح. وأوجبت الرافضةُ نَصبَ الإِمامِ على الله عقلًا. ووافقهم أبو الحسين البصريّ، على ما حُكِيَ فيه المحصّل. وحكاه ابن بَرهان عن غيره من المعتزلة. وهو قياسُ إِيجابهم إِرسالَ الرسل، لاستوائهما في رعاية المصالح. وقد أبطلنا أصلَ ذلك.
وحُكي عن الأصمّ أنّ العالَم إِذا تناصفوا بينهم، بحيث يُستغنى عن سياسة الإِمام، لم يجب نصبُه. وهو قولٌ صحيحٌ. والجمهور على أنّ نصبَ الإِمامِ من الله تَفضُّلٌ، وهو على الأمّة واجبٌ على الكفاية.
[قول أبي هاشم: "دفع الضرر عن النفس واجبٌ عقلًا، وعن الغير سمعًا "]
ومنها ما حُكي ابن بَرهان عن أبي هاشمٍ، أنّه يجب على العاقل بالعقل دفع الضرر عن نفسه، ولا يجب عن غيره إِلاّ بسمعٍ. قلتُ: الوجوب العقليّ باطلٌ، لما سبق. أمّا الحكم في هذا عند بعض العلماء، فإِنّ الإِنسان يلزمه الدفعُ مع القدرة عن حرمته إِذا أُريدت للزنا، لأنّ الدفع حقُّ الله، دون ماله، لأنّه حقّ نفسه. وفي نفسه قولان، بناءً أُريدت للزنا، لأنّ الدفع حقُّ الله، دون ماله، لأنّه حقّ نفسه. وفي نفسه قولان، بناءً
стр. 40
على أنّ المغلَّب فيها حقّ الله، لكونها مُلكَة، وهذا لا يُجَوِّز له التصرُّفَ بما يَوَدّ بها بغير إِذن شرعي؛ أو الإِنسان، لأنّه المختصّ بالألم فيها، والمستحِقّ لبذلها قصاصًا أودَية. وقد قرّرتُ هذا الأصل في الفوائد.
وأمّا دفعه عن غيره، فظاهر قوله ﵇، " انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، يقتضي وجوبَه. وفيه نصوصٌ غير ذلك. ويحتمل أن يخرج فيه القولان كالنفس، لقوله ﵇، "مَثَل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كالجسد الواحد"؛ وفي "الجسد الواحد" القولان.
[قولهم: "القبح محرَّمٌ إِما لنفسه، أو لكونه مفسدةً]
ومنها ما حكاه أيضًا عنهم أنهم قالوا "القبيح إِمّا محرَّمٌ لنفسه، كالكذبِ وكُفرِ النعمة، أو لكونه تركَ واجبٍ، كتَركِ العبادات، أو لكونه مفسدةً مخالِفةً للعقل، كالزنا ونحوه".
قلتُ: قد سبق الدليلُ على بطلان قّبح الكذب لنفسه. وقد وردَت الشريعةُ بمشروعيّته لمصالح راجحةٍ على مفسدته. ولو كان قبيحًا لنفسه، لما وردَت به. فرَوَت أمُّ كلثوم بنت عُقبة، قالت: "سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ليس بالكاذب مَن أصلحَ بين الناس، فقال خيرًا أو نَمَى خيرًا". رواه النسائيّ وأبو داوود والترمذيّ وصحّحه، وأخرجاه في الصحيحين؛ زاد مسلم: "لا يحلّ الكذبُ إِلاّ في ثلاثٍ: يحدِّث الرجلُ امرأتَه ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليُصلِح بين الناس". واللفظ في هذه الزيادة للترمذيّ من حديث أسماء بنت يزيد، وقال: "هو حَسنٌ غريبٌ".
стр. 41
قال بعض العلماء: "الكذب قد يكون واجبَا إِذا تضمّن واجبًا؛ كإِنقاذ وليّ أو مظلومٍ مِن قتلٍ أو ظُلمٍ. وقد يكون مندوبًا، كالإصلاح بين الناس. وقد يُباح، لاستصلاح الزوجة. وما عدا ذلك منه، فهو حرامٌ قبيحٌ شرعًا، للنصوص فيه".
[المعدوم شيءٌ، أو ليس بشيءٍ]
ومنها أنّ المعدوم ليس بشيءٍ عند الجمهور، وعندهم هو شيءٌ. حتى قال أبو هاشمٍ: "هو ذاتٌ ونفسٌ وجوهرٌ وعرَضٌ". لكن لم يقُم العرَضُ بالجوهر عنده أزلًا. وخالَفَه أبو يعقوب الشحّام، فأثبت ذلك. ومذهب جمهورهم أنّ المعدوم شيءٌ، وليس بذاتٍ؛ والقدرة القديمة إِنما تؤثّر في جعلِه شيئًا؛ إذ هو تحصيلُ الحاصل. وعلى رأي أبي هاشمٍ والشحّام، إِنما تؤثِّر في إِظهاره بعد الخفاء، لا في إِيجداه بعد العدم. أو لعلّهما من القائلين بالحال، وهو الواسطة بين الوجود والعدم، وهي الثبوت. إِذ الثبوت عندهم ليس وجودًا ولا عدمًا. والثابت لا موجود ولا معدوم لأنهم يقولون: "المعدوم، كطلوع الشمس غدًا مثلًا، متميّزٌ عن غيره قطعًا؛ وكلّ متميّزٍ ثابتٌ؛ فالمعدوم ثابتٌ". والقدح في المقدّمة الأولى بأنّه متميّزٌ في الذهبن، لا في الخارج؛ وهو غير مجدٍ، إِذ الكلام في الأحكام الخارجيّة. فعلى رأي القائلين بالحال، يكون تأثير القدرة في نقله عن الواسطة إِلى أحد الطرفين، وهو الوجود. والذي حملهم على هذه التمويهات كونُ العقل لا يُدرِك إِيجادَ شيء لا من شيءٍ. وهو هَرَبٌ من التحسين والتقبيح، أو مُشبِهٌ له. فمالت بهم نزعةٌ فلسفيّةٌ، فقالو بقِدم العالم.
[قولهم: "إِنّ البنية شرطٌ في الكلام "]
ومنها قولهم، إِنّ البنية شرطٌ في الكلام، قياسًا على الشاهد. فلا جرم نفوا أنّ الله متكلّمٌ بحرفٍ وصوتٍ، كما يقول بعضُ أهل السنّة. وقد سبق نفيُهم لكلام النفس الذي أثبته الأشعريّةُ. وإِنما قالوا: "القرآن كلام الله، بمعنى أنّه خلَقَه في جسمٍ ما، فأُضيفَ إِليه إِضافةَ خلقٍ وفعلٍ، لا إِضافة صفةٍ وقولٍ". وكذلك التزموا جوازَ أن يُشتقّ للشيء اسمٌ من معنًى قام بغيره. لأنّ عندهم الكلام قام بغير الله. واشتُقّ لله منه اسمُ
стр. 42
"متكلّم". وكذا قالوا: "انبعاث الأشعّة من الحدق، واتصالها بالمرئيّ، شرطٌ في الرؤية، قياسًا على الشاهد". فلا جرم منعوا جواز رؤية الله، لاستحالة اتّصال الأشعّة به. وهذا، إِن لم يكن من باب التحسين والتقبيح، فهو من باب قياس الغائب على الشاهد. وهو نازعٌ منزعَه، ومأخوذٌ منه؛ كأنهم قالوا: يقبُح في العقل إِثباتُ ما يخالف العقلَ". وهو خلاف ما اشترطوه من البنية، واتّصال الأشعّة غير معقولٍ.
[حكموا بقبح الآلام في العالم إِلاّ لغرضٍ صحيحٍ]
ومنها أنهم حكموا بقبح الآلام في العالم إِلاّ لغرضٍ صحيحٍ، كتحقيقِ عقابٍ وزجرٍ، كالقصاص، أو التزامِ ثوابٍ في مقابلتها، أو دفعِ ما هو أعظم بلاء منها. وعندنا، لا يقبُح من الله شيءٌ، حتى إِيلام البريء والطفل والدابّة، لأنّه ماِكٌ متصرفٌ تامّ التصرُّفِ.
ويَفسُد مذهبُهم بأن يقال: الألم قبيحٌ لذاته، أو لغيره؟ إِن كان لذاته، فكيف انقلب في الصور التي استثنيتموها حَسًنًا؟ والأحكام الذاتيّة لا تقبل التغيُّر ما دامت الذاتُ باقيةً. وإن كان لغيره. فذلك الغيرُ إِمّا لازمٌ له، لا ينفكّ عنه؛ فيصير كالقبيح لذاته، ويعود الكلامُ فيه. وإِن لم يكن لازمًا، فبتقدير انفكاكه، يزول قبحُ الألمِ؛ فيجوز، أو لا يُمنَع فعلُه مطلقًا. وأنتم أثبتُّم قبحه، فيما عدا الصور المستثناة، مطلقًا. وأيضًا، الأعراض التي جوّزتم الألمَ لأجلها في الصور المستثناة يَقدِر اللهُ صبحانه على تحصيلها بدون الإِيلام؛ فتصير واسطةً مستغنًى عنها، وهو عبثٌ قبيحٌ. فإِذن، لا وجه لاستثنائكم تلك الصور. فيلزمكم تقبيحُ الإِيلام مطلقًا، أو تحسينُه مطلقًا.
[الأنبياء أفضل أم الملائكةُ ؟ ]
ومنها أنّ الأنبياء، عند الجمهور، أفضل من الملائكة. وعند المعتزلة والفلاسفة الملائكةُ أفضل. وفي الملّة ستّة أقوالٍ، ذكرتُها في تفسير قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾. ومن مآخذ الفلاسفة فيها أنّ الملَك روحانيُّ نورانيُّ شفافٌ خفيفٌ، وأنّه مجاوِرٌ للحضرة الملكوتّية، بخلاف النبيّ وسائر البشر. وهو من باب التحسين
стр. 43
والتقبيح، أو ما يشبهه.
وقد ذهب بعضُ المشرّعين إِلى ما ذهبوا إِليه. ومأخذهم نقلةُّ، لقوله تعالى: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون﴾. وفي مثل هذا السياق، إِنما يؤخرَّ الأشرفُ، كقولك، "لا يأبى الوزيُر خدمتي، ولا السلطانُ"، وقوله، ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك﴾.
واحتجّ ابنُ حزمٍ الظاهريّ على ذلك بقوله تعالى في بني آدم: ﴿وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾؛ وأجمعنا على تفضيلهم على مَن عدا الملائكة؛ فلم يبق إلاّ الملائكةُ. قلتُ: هذا إِنما يفيد أنّ بني آدم ليسوا أفضلَ من الملائكة. فإِذا انضمّ إِلى دلالة الآية قولُه سبحانه، فيما حُكي عنه في صحيح السنّة، "من ذكرني في نفسه، ذكرتُه في نفسي؛ ومن ذكرني في ملأٍ، ذكرته في ملأٍ خيرٍ منه"، يعني الملائكةَ، كمُلَن الدلالةُ، وثُبتَ المدَّعَى، وهو أنّ الملائكة أشرفُ من بني آدم.
[إِنكارهم كرامات الأولياء]
ومنها أنهم أنكروا كرامات الأولياء؛ لأنها إِنما تكون بخرق العادات، فتَبطُل خصائصُ الأنبياء ومعجزاتُهم، ويقع اللبسُ بين النبيّ والوليّ. والحقُّ ثبوتُ الكرامات. نعم، هل يجوز بلوغُ الكرامة حدَّ المعجِز في خرق العادة؟ على قولين. فإِن لم يُجز، ظهرَ الفرقُ بينهما، بقصور الكرامة عن المعجِز ضرورةً. وإِن جاز، فالفرق يَظهر من وجوهٍ.
أحدها: أنّ المعجِز مقرونٌ بالتحدّي، وهو طلبُ النبي المعارَضةَ تعجيزًا للناس؛ بخلاف الكرامة. فإن تحدَّى صاحبُ الكرامة بها مدّعيًا للنبوّة، لزم قطعًا أن يُعجِّزه اللهُ عن إِظهارها، أو يقيّض له معارِضًا يُبطلِها، صيانةً لخواصّ النبوّة عن الإِبطال. على أنّ عادة َ
стр. 44
الله سبحانه جرت أنّه لا يُكرِم بخوارق العادات إِلاّ متأدّبًا مراقبًا خائفًا من المكر والاستدراج، لا أحمق يعدو طورَه، ويتجاوز حدَّه. فصار امتناعُ ذلك من المعلومات العاديّة، كانقلاب الجبال ذهبًا، والبحار عسلًا.
الثانى: أنّ النبيّ مأمورٌ بإظهار المعجزة. ويجوز افتخاره بها. بخلاف الولّى فيهما.
الثالث: أنّ المعجِز أمانٌ للنبيّ من المكر والاستدراج بخلاف كرامة الوليّ؛ فإِنّه يجوز أن يكون مخادَعًا مستدرَجًا.
[إِنكارهم السحرَ]
ومنها أنهم أنكروا أنّ السحرَ حقيقةٌ، وإِنما هو تخييلٌ وتمويهٌ؛ إِذ لو كان له حقيقةٌ لالتبس بالمعجزات، لأنّه يخرق العاداتِ، فتَبطُل النبوّاتُ؛ ولَما جاز تسليطُه على الأنبياء؛ لأنهم معصومون.
والجواب: إِنّ التباسه بالنبوّات يرتفع بأنّ السحر تجوز معارضَتُه؛ بخلاف المعجِز. فإِن قيل: "قد يوَجد في السحرة مبرزٌ لا يعارَض سحرُه"؛ فالجواب أنّ صيانة النبوّاتِ لازمٌ شرعًا. فيلزم إِمّا سلبُه القدرةَ على السحر، أو تقييضُ المعارِض، كالمتحدّي بالكرامة. وأمّا عصمة الأنبياء، فهي لمن شاء الله منهم، وفيما يختصّ بتبليغ الوحي عن الله، لا مطلقًا. إِذ قد سِلَّط الكفّارَ على قتل الأنبياء وأذاهم؛ فكُسرت رباعيّةُ النبيّ ﵇ يوم أُحدٍ، وأدمى وجهُه، وسلَّط إِبليسَ على أيّوب ومالِه وولدِه. فتسليط السحر عليهم كتسليط سائر الآفات.
وقد صرَّح بثبوته الكتابُ والسنّة في قوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين﴾ الآية. فجعله متلوًا، ومعلَّمًا، ومنزَّلًا، ومفرِّقًا بين المرء وزوجه، ومكفِّرًا بتعلُّمه. وذلك فيما لا حقيقة له محالٌ. وسُحر النبيُّ ﵇ وعائشةُ وغيرهما. وأَوجب الشافعيُّ وأحمدُ في القتل به القَوَدَ. وإِثباته بما لا حقيقة له محالٌ على مثلهما. وما شُنِّع به عليهما في ذلك، من أنه خلاف لإِجماع، ليس بشيءٍ؛ لأنّ مقدورات الله سبحانه لا تتناهى؛ ففي مقدوره ترتيبُ القتل عند فعل السحر؛ لأنّه يَنقُض الطباعَ، ترتيبُ القتل عند فعل السحر؛ لأنّه يَنقُض الطباعَ،
стр. 45
ويغيِّر الأوضاعَ؛ فيكون قتلًا بغير محّدٍ. وفيه خلافٌ مشهورٌ بنيهما وبين العمل وغيره. فأين خلاف الإجماع؟
[إِنكارهم الجنَّ والشياطينَ]
ومنها إِنكارهم الجنَّ والشياطينَ، مع تصريح النصوص بهم، وإِجماع الأمّة على ثبوتهم، بناءً على أصلين. أحدهما فلسفىِّ، وهو أنّ عنصر النار وحده لا يمكن أن يوجَد منه جسمٌ؛ لأنّه بسيطٌ؛ فلا يوجَد منه بمفرده مركَّبٌ.
والجواب له: يجوز أن يخلق اللهُ الحياة والإِدراكَ في البسائط؛ فلا ضرورة إِلى التركيب. على أنّا نقول: ما تعنون بالبسيط؟ إِن عنيتم ما استوت أجزاؤه في الحدّ والحقيقة، فقد نمنعه، وندَّعي تركُّبَ الشيطان من النار وعناصرَ أخَر يعلَمُها الله. لكن لغلبة الناريّةِ عليه، قيل: "خُلِق من نارٍ"، واقتُصر على عنصرِها في مادّته.
الأصل الثاني أنّ عندهم، مع صجّةِ الحاسمّة، ومقابلةِ المرئيِّ، وارتفاعِ الحجُب والموانع، وحصولِ الشرائط، يستحيل تخلُّفُ الرؤية. فلو كان للجنّ أو الشيطان حقيقةٌ، لكان إِذا حضر عندنا، رأيناه. وبهذا احتّجوا على عدم جواز رؤية الله سبحانه؛ وإِلاّ لرأيناه الآن، إِذ هو سبحانه لا يحجُبه شيءٌ. وبالغوا في التشنيع؛ حتى قالوا: "لو جاز تخلُّفُ الرؤية مع ما ذكرناه، لجاز أن يكون بحضرتنا فيَلةٌ وجواميس، بل جبالٌ، ونحن لا نراها. والعقل يأبى ذلك، ويُقبح دعواه".
وذلك منهم فاسدٌ. أمّا أوّلًا، فلقوله تعالى: ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون﴾. فأثبت أنّ في الموجودات ما لا يّرى، كالهواء؛ فجاز أنّ الشيطانَ مثله. وقد ذكر العلماء أنّه في الملائكة. وإِن وصلنا معهم إِلى هذا، ناظرناهم في إِثبات النبوّة، بل في أصل التوحيد؛ لأنّ ما ذكروه قادحٌ فيهما. فإنّ الأمّة أجمعت، روايةً وقبولًا، على أنّه ﵇ أخبر أنّ شيطانًا تَفَلَّتَ عليه ليقطع صلاته، وأنّه لولا دعوة
стр. 46
سليمان، ﴿رب هب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى﴾، لربطته إِلى بعض سواري المسجد، حتى يصبح ولدان المدينة يلعبون به. وإِنّه ﵇ اجتمع بجنّ نصيبين، وآمنوا به، وقرأ عليهم القرآن، ثمّ ولّوا إِلى قومهم منذِرين. ولهم سورةٌ مستقلّةٌ في القرآن.
فإِذن، الأمر دائرٌ بين صِدق الرسول، أو صِدق المعتزلة. فيكون الرسولُ قد وضَع القرآنَ وأخبر بما لا كان. وذلك عين الزندقة والكفران. نعوذ بالله من الخذلان.
وقد ذكر ابن حزمٍ الظاهريّ، في كتاب تقريب المنطق، أنّ الهواء ونحوه مّما لا يُرى لم يَحمل العرّضَ، فلذلك لم يُرَ. وعدمُ حملِ العرضِ لا يَستلزِم نفيَ التركيبِ.
وأمّا ثانيًا، فلأنهم إِنما أحالوا تخلُّف الرؤيةِ عن حصول شرائطها وارتفاع موانعها؛ فمن أين لهم ذلك في رؤية الشيطان؟ فلعلّه تخلَّف شرطٌ، أو وُجِد مانعٌ، ككونه في غاية اللطافة، أو غير حاملٍ للعَرض، أو غير ذلك؛ بخلاف ما يشنِّعون به من الفيلة ونحوها.
قلتُ: هذا هو المشهور عن المعتزلة في كتب الأصوليّين الناقلين عنهم. أمّا القاضي عبد الجبار، في طبقات المعتزلة، فإِنّه أثبت الشيطانَ ووسوسته؛ ووجَّهها بأنّه، للطافته ولطف بُنيِته، يتمكّن مّما لا يتمكن منه بعضنا من بعضٍ. وفرّق بين شياطين الإِنس والجنّ، بأنّ شياطين الجنّ لا يمكنهم الدعاءُ إِلى المعصية جهرًا، بل خفيةً بالوسوسة، بخلاف الآخرين. فلعلّ النافيَ للشياطين بعضُ المعتزلة. فيصحّ الثقلان.
стр. 47
[غايةُ الأجَلِ والرزقُ]
ومنها أنّ غاية أجَل الحيوانِ، عندنا، هي الوقت الذي تفارِقُه فيه الحياةُ قتلًا، أو حتفَ أنفه. وعندهم، هي الوقت الذي يموت فيه حتفَ أنفه. فالقاتل له قبل ذلك قاطعٌ لأجَله؛ حتى لو لم يقتله، لبقي حيًّا، استصحابًا لحال حياته. وعندنا، ما ندري ما كان يكون منه؛ فلعلّ الله سبحانه يهلكه بسببٍ آخر ويُعدِمه.
والرزق عندنا ما انتفع به الحيوانُ في إِقامة بدنه، سواءٌ تناوَلَه بسببٍ مباحٍ أو حرَّمٍ. وعندهم لا رزق إِلاّ الحلال؛ والحرام ليس مِن رِزق الله. وهما من شنيع قولهم. ومِن حُججهم في الرزق، أنّ الله سبحانه مدَحَ المنفقين من الرزق بقوله: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾؛ وذمَّ مَن أَنفَق مِن الحرام، بدليل النصِّ والإِجماعِ. فلا يكون الرزقُ حرامًا، ولا الحرامُ رزقًا.
وجوابه أنّ ذمَّ المنفِقِ من الحرام إِنما هو على كسب الحرام، لا على الإِنفاق منه؛ إِذ الإِنفاق، من حيث هو متضمِّنٌ للسماح في ذات الله بما يعزُّ على النفس، ممدوحٌ لا نزاع فيه. ثمّ لنا قولُه تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾؛ فيتناول العقلاءَ بالحقيقة الوضعيّة. وأيضًا، لو لم يكن الحرامُ رزقَا، لكان مَن عاش طولَ عمره على الحرام غير آكلٍ من رزقِ الله. وهو باطلٌ. وأيضًا، قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم﴾؛ والخطاب للكفّار الذين كانت معيشتهم من النهاب والغارات؛ وذلك حرامٌ قطعًا.
[إِنكارهم عذابَ القبر]
ومنها المشهور بين علماء أهل السنّة في تصانيفهم ومحاوراتهم، أنّ المعتزلة يُنكرون عذابَ القبر، ومُنكَرًا ونكيرًا المَلكين السائلين للميّت في قبره، وأنهم حملوا المنكرَ على
стр. 48
تلَجلُجِ العاصي عند الجواب، والنكيرَ على تقريع الملَكين للكافر. كذا ذكر ابنُ بَرهان في الاعتصام.
والذى ذكره القاضي عبد الجبّار في طبقات المعتزلة إِنكارُ هذا النقلِ عنهم. قال: "وإِنما أنكره أوّلًا ضرار بن عمروٍ، وكان من أصحاب واصلٍ؛ فظنّ الناسُ أنّ المعتزلة أنكروه. وإِنما المعتزلة رجلان: أحدهما يجوِّز ذلك، كما وردت به الأخبارُ. والثاني، وهم أكثرُ شيوخنا، يقطعون بذلك، لظهور الأخبار؛ وإِنما يُنكِرون قولَ طائفةٍ من الجهلة، "إِنهم يعذَّبون وهم موتى لا حياة فيهم"، لأنّ دليل العقل يأبى ذلك".
قلتُ: ذكر الشهرستانيُّ في النبوّات أنّ هذا الذي أنكروه هو قول صالحٍ والصالحيّ منهم، ومال إِليه الكرّاميّةُ. ويُحكى مِثلُه عن ابن جريرٍ الطبريّ. قال: "وزعم بعضُ أهل المقالات أنّ الآلام تجتمع في أجساد الموتى وتتضاعف. حتى إِذا حُشِروا، أحسّوها دُفعة واحدةً، كالسكران والمغشيّ عليه لو [جُرحَ] بالسكّين، فلا يحسّ بالألم حتى يُفيق". قال الشهرستانيّ: "وأّما ضرارٌ وبشر المريسيّ ويحيى بن كاملٍ وباقي المعتزلة، فنفوا عذابّ القبر ورد الأرواح إِلى الأجساد. وعليه معظم معتزلة عصرنا".
[إنكارهم أنّ الجنّة والنار مخلوقتان الآن]
ومنها أنهم أنكروا أنّ الجنّة والنار مخلوقتان الآن؛ بل ستخلفان؛ لأنّ خلقَهما قبل الحاجة إِليهما عبثٌ؛ وهو قبيحٌ. وعندنا هما موجودتان، رأهما النبيّ ﷺ ، وصرَح بوجودهما الكتابُ والسنّةُ. والعبث فيهما ممنوعٌ؛ بل فيه ترغيبٌ وترهيبٌ.
هذا ما تيسّر إِثباتُه من فروع التحسين والتقبيح في أصول الدين.
стр. 49
[ثالثًا: فروع التحسين والتقبيح في أصول الفقه]
وأمّا فروعه في أصول الفقه،
[عندهم أنّ شكر المنعم واجبٌ عقلًا]
فمنها أنّ شُكر المنعم لا يجب عقلًا، عندنا. وعندهم، يجب. أمّا وجوبه شرعًا، فمتّفَقٌ عليه.
[حكم الأفعال الاختياريّة قبل ورود الشرع]
ومنها أنّ أفعال العقلاء لا حُكم لها قبل ورود الشرع، عندنا. وعندهم، الأفعال الاختياريّة، إِمّا حَسَنٌ بالعقل، أو قبيحٌ، أو ما لم يَنصّ فيه العقلُ بحُسنٍ ولا بقبحٍ.
والأوّل واجبٌ، أو مندوبٌ، أو مباحٌ. والثانى حرامٌ، أو مكروهٌ. والثالث، هل هو واجبٌ، أو مباحٌ، أو على الوقف؟ هم فيه ثلاث فِرَقٍ. أمّا الأفعال الاضطراريّة، كالتنفّس ونحوه، فحَسَنةٌ، قولًا واحدًا.
[تكليف ما لا يُطاق]
ومنها مسألة تكليف ما لا يُطاق. وبعضهم يترجمها بالتكليف بالمحال؛ وله يُستعمَل، لأنّه أخصّ. ويُحتاج إِلى تحقيق الكلام فيها، لأنّ لها فروعًا متعدّدةً؛ فهي أصلٌ لها. وإِن كانت فرعًا للتحسين والتقبيح، فهي أصلٌ وَسَطٌ، كالأفرُع المتوسّطة، كالحيوان بين الجسم النامى والإِنسان.
فنقول: اعلم أنّ المعلوم إِما ممكنٌ، أو واجبٌ، أو ممتنعٌ. فالممكن ما استوت نسبتهُ إِلى الوجود والعدم؛ فيَحتاج في وجوده إِلى مرجِّحٍ ومخصِّصٍ. والواجب ما ترجَّح وجودُه على عدمه. والممتنع ما ترجَّح عدمُه على وجوده. ثمّ كلّ واحدٍ من الواجب والممتنع، إِمّا أن يكون وجوبُه أو امتناعُه لذاته، أو لغيره. فالواجب لذاته ما لم يقف وجودُه على سببٍ خارجٍ عن ذاته؛ كسائر الموجودات حالً وجودها. والممتنع لذاته، كالجمع بين الضدّين. والممتنع لغير نحوُ كلِّ ما عَلِم اللهُ سبحانه أنّه لا يوجَد؛ كإِيمان مَن عَلم أنّه يموت كافرًا، وهو المثال المشهور في هذا الباب.
فإِذا، المحال ضربان: محالٌ لذاته، ولغيره. وقد اختُلِف فيهما. فأجاز التكليفَ بهما
стр. 50
قومٌ، ومنَعه آخرون. وأجاز قومٌ التكليفَ بالثاني دون الأوّل. وحُكي عن أبي إِسحق أنّ التكليف نوعان: تكليف طلَبٍ واقتضاءٍ، وهو فيما لا يُطاق محالٌ وخروجٌ عن الحكمة؛ وتكليف تسخيرٍ وتعجيزٍ، يعني نحو قوله: ﴿كونوا قردة﴾، ﴿كونوا حجارة أو حديدا﴾؛ فهو جائزٌ عقلًا. قلتُ: وقوله داخلٌ في الأقوال المذكورة؛ وإِنما حكيناه لما فيه من التفصيل.
وذكر [أبو الحَسن] الأشعريّ وأكثرُ أصحابه على جواز تكليف المحال وجوهًا. أحدها أنّ أفعال العباد مخلوقةٌ لله، كما سيأتى مذهبُه فيه. وهم مكلَّفون بإيقاعها، كالصلاة وسائر العبادات؛ وذلك تحصيلُ الحاصل؛ وهو محالٌ.
الثاني أنّ القدرةَ الحادثةَ مع المقدور؛ وهو مكلَّلفٌ به قبلَ إِيقاعه؛ ولا معنى لتكليف المحال إِلاّ التكليف بما لا قدرة للمكلَّلف عليه. قلتُ: المعتزلة يمنعون المقدّمتين الأوُليين من هاتين الحجّتين.
الثالث: عند معتزلة بغداد أنّ الختم والطبع مانعان من الإِيمان، مع أنّ المطبوع على قلبِه مأمورٌ به. وهو تكليفٌ مع عدم القدرة. قلتُ: إِن صحّ هذا عن معتزلة بغداد، فجمهور المعتزلة على أنّ الطبع والختم تسميةُ العبدِ مطبوعًا ومختومًا على قلبه؛ وهو لا يمنع الإِيمانَ عندهم. ومن أدلّة السمع، قولُه تعالى: ﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾. ولولا جوازه، لما استعاذوا منه؛ إِذ الاستعاذة من المحال محالٌ. والخصم يتأوّل الآية على ما فيه كلفةٌ ومشقّةٌ. ثمّ هي معارَضةٌ بقوله تعالى في صدر هذه الآية بعينها، وفي غير موضعٍ من القرآن: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾.
стр. 51
قلتُ: هذه حججٌ ذكرناها ليعرفها الناظرُ وما يتوجّه عليها. ونحن نذكر المختارَ في تقرير المسألة ومآخذِها، ونذكُر دليلَ القولين الأوّلين من الأقوال الثلاثة، فبها يُعلم دليلُ القول الثالث، لأنّه داخلٌ فيهما، مركَّبٌ منهما.
فنقول: احتجّ مَن مَنَع التكليفَ بالمحال لذاته، بأنّ التكليفَ طلبٌ؛ والطلب يستدعي تصوُّرَ المطلوبِ في نفس الطالب؛ لكنّ المحال لذاته لا تصور له في النفس؛ فلا يكون مطلوبًا؛ فلا يكون مكلَّفًا به. وأُورد عليه أنّ المحال لذاته، لو لم يصحّ تصوُّره في النفس، لما صحَّ الحكمُ عليه بالاستحالة في قولنا مثلًا، طالجمع بين الضدّين مستحيلٌ"؛ لأنّ الحكم عليه تصديقٌ؛ والتصديق فرع التطوُّر لطرفيه، الحكم والمحكوم عليه.
والجواب أنّ الحكم يكون تارةً بالإِيجاب، وتارةً بالسلب. والحكم الممتنع على المحال إِنما هو الأوّل، وهو الحكم بوجوبه، أو وجوده، أو إِمكانه، أو ما يستلزم شيئًا من ذلك؛ كقولنا، "الجمع بين الضدّين واجبٌ، أو موجودٌ، أو ممكنٌ، أو غير ممتنعٍ". أمّا الثاني، وهو الحكم السلبيّ، فليس ممتنعًا عليه؛ كقولنا، "الجمع بين الضدّين غير موجودٍ، أو غير ممكنٍ، أو هو محالٌ"؛ لأنّه في تقدير السلب. وقولنا، "المحال لا تصور له، أو غير متصوَّرٍ في النفس"، من هذا الباب. فإِنّ ماهيّةَ الجمعِ المطلقةَ متصوَّرةٌ ممكنةً؛ وسلبُها عن المحال لا يقتضي وجودَه ولا تصوُّرَه، ولا يستلزم محالًا.
واحتَجّ مَن أجاز التكليفَ بالمحال لذاته أيضًا بما سبق مِن حُجَج الأشعريّ عقلًا وسمعًا -وقد عُرِف ما عليها- وبما سبق أيضًا من قوله تعالى: ﴿أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن﴾، ونحوه. فإنهم كُلِّفوا بتصديق الرسل في أنهم لا يؤمنون؛ وهو تكليفٌ بالجمع بين الضدّين.
والخصم مَنع ذلك، وقال "إِنما كُلِّفوا بالإِيمان بما أَخبر به الرسلُ من الإِيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. أمّا أنهم كُلِّفوا بالإِيمان بأنهم لا يؤمنون، فلا".
وفي هذا المنع نظرٌ؛ لأنهّ أمّةَ كلِّ نبيِّ مكلَّفةٌ بالإِيمان بكلّ ما جاء به نبيُّها. حتى إِنّ
стр. 52
التكذيب بحرفٍ منه كالتكذيب بجميعه. ومّما جاء به الرسولُ أنهم لا يؤمنون؛ وهم مأمورون بالإِيمان به. هذا تقرير الدليل التفصيليّ من الطرفين.
أمّا المأخذ الإِجماليّ المختصَر، فهو أنّ الغرَض من التكليف تحصيلُ الفعلِ المكلَّف به، أو جَعلُ عدمِه أمارةً على العقاب، ووجوده أمارةً على الثواب. فمَن قال بالأوّل، مَنَع التكليفَ بالمحال لذاته؛ لأنّ تحصيلَه ملزومٌ لتصوُّر وجودِه. وإِذا انتفى اللازمُ، استحال وجودُ الملزومِ، وقَبُحَ طلبُه؛ لأنّ السيّد لو قال لعبده: "اجمَعْ بين الحركة والسكون! " أو "بين قيامِك وقعودِك في وقتٍ واحدٍ! " لكان له أن يقول "كلَّفني ما أقدِرُ عليه، حتى أُطيعك. أمّا هذا، فليس داخلًا تحت مقدوري"
ومَن قال بالثاني، أجاز التكليفَ بالمحال. إِذ لا يمتنع من الله سبحانه أن يجعل عدمَه أمارةً على ذمِّ المكلَّف ةعقابه، كما جعل وجودَ التكاليف الممكنة أمارةً على مدحه وثوابه، وإِن كانت عندنا واجبةَ الوقوع بفعل الله تعالى. وأكثر ما يقال على هذا: "إنّه جوَّز على المكلَّف أن يعاقَب من غير عصيانٍ". لكنّ هذا يندفِع بأنّ لله سبحانه أن يًحكُم بعلمه في خلقه. فيَجُوز أن يَجعل ذلك أمارةً على عقابِ مَن عَلِمَ منه أنّه يَستحِقُّ العقابَ، لسوءِ اعتقادٍ، أو نِيّةٍ، أو خُبث سريرةٍ وطويةٍ، أو مجرّد إِرادةٍ لذلك. وقد دلّ على هذا قولُه ﵇ في أطفال الكفار، "الله أعلم بما كانوا عاملين". فإنّه تصريحٌ بالحُكم عليهم بسابقِ العلم فيهم. فكذا ها هنا، وأَولى.
قلتُ: تقرير هذا المأخذ ينبني على أصلين. أحدهما أنّ الغرض من التكليف تحصيلُ الفعلِ، ليترتّب العقابُ على تركه، أو جعله أمارةً على الجزاء؟ الثانى أنّ الأعمال أماراتٌ على الجزاءِ معرفاتٌ، أو عللٌ موجِباتٌ؟ والأصلان مختلَفٌ فيهما بيننا وبين المعتزلة. فكل بَنى فرعَه على أصله.
أمّا النزاع في جواز التكليف بالمحال لغيره، فمأخذه أنّ ما عَلِمَ اللهُ تعالى أنّه لا يكون، هل هو مقدورٌ له، أم لا؟ ذهب عبّاد بن سليمان إِلى أنّه غير مقدورٍ. وخالَفَه
стр. 53
غيرُه، نظرًا إِلى أنّه ممكنٌ لذاته، وكلّ ممكن لذاته مقدوٌ. والرجحان يَظهر في مذهب عبّادٍ. لأنّ صفات ذات الله سبحانه أزليّةٌ يستحيل انقلابها وتغيّرُها؛ فلو تعلّقَت قدرةُ الله سبحانه بإِيجاد ما تعلّق علمُه بأنْ لا يوجَد، لتّنازَع فيه الصفتان. فإِن تّم مقتضَى القدرِة من إِيجاده، لزم انقلابُ العلمِ جهلَا. وإِن تّم مقتضَى العلم من أنّه لا يوجَد، لزم انقلابُ القدرة عجزًا. وإِن تّم مقتضاهما جميعًا، لزم الجمعُ بين الضدّين؛ بأن يوجَد ذلك الشيء، ولا يوجَد. والكلُّ محالٌ. فأمّا نَظَرُ الخصمِ إِلى أنّه ممكنٌ لذاته، فغير مُجدٍ عليه؛ لأنّ إِمكانَه لذاته انتسَخ بصيرورته ممتنعًا لغيره.
فإِن قيل: "عِلمُ اللهِ في الأزل، إِن لم يتعلَّق بكون هذا الشئ ممكنًا لذاته، لزم خَلقُ بعضِ الأشياءِ عن تعلُّق علمِ الله بها أزلًا؛ وهو محالٌ. وإِن تعلَّق بذلك، استحال انقلابُه بعد ذلك ممتنعًا". قلنا: المستحيلُ إ~نما هو انقلابُ الممكنِ لذاته ممتنعًا لذاته. أمّا انقلابه ممتنعًا لغيره، فلا، جَعلًا له من ذوات الجهتين. وكذلك تعلُّق عِلم الله تعالى به في الأزل ممكنًا لذاته، ممتنعًا لغيره؛ وهو تعلُّق عِلمِهبأنّه لا يوجَد؛ وذلك غير مستحيلٍ.
وهذه المسألة من صُوَرِ الواسطة بين الطرفين. لأنّ المعلوم إِمّا واجبٌ مطلقًا، فيوجَد؛ أو ممتنعٌ مطلقًا، فلا يوجَد؛ أو ممكنٌ لذاته، واجبٌ لغيره، فهو واسطةٌ بين الطرفين، فَوَقَع النزاعُ فيه. فاعلم ذلك.
[القدرة مع الفعل أو قبلَه ؟ ]
وإِذ تقرَّرت مسألةُ تكليف المحال، فمن فروعها أنّ القدرةَ عندنا مع الفعل، وعندهم قبلَه. لأنّ الكافرَ كُفرِه مأمورٌ بالإِيمنا، والمحدِثَ حال حدثِه مأمورٌ بالصلاة. فلو لم يكن حينئذ قادرًا على ذلك، لزم تكليفُ ما لا يطاق؛ وقد سبق أنّ الأشعريّ جعل هذا الفرعَ مقدّمةً في الحجّة الثانية على إِثبات الأصل.
[وقت العبادة مُضيِّقٌ أو مُوسَّع ؟ ]
ومنها أنّ وقتَ العبادة إِمّا بقَدر فِعِلها، وهو المُضيَّق؛ " أو أكبر، وهو المُوسَّع؛ أو أقلّ، كإِيجاب أربع ركعاتٍ في زمنٍ لا يَسَعُ إِلا ركعتين، وهو غير جائزٍ إِلاّ على تكليف المحال.
стр. 54
[الفعل الواحد لا يكون مأمورًا به منهيًا عنه]
ومنها أنّ الفعل الواحد لا يكون مأمورًا به، منهيًّا عنه من جهةٍ واحدةٍ، إِلاّ على تكليف المحال. أمّا من جهتين، فلا يمتنع؛ كالصلاة في الدار المغصوبة، على قولٍ.
[تكليف الصبيّ والمجنون]
ومنها تكليف الصبيّ والمجنون، لا يجوز إِلاّ على تكليف المحال. ويكون تكليفُهما أمارةً على ما يريد الله بهما، لسابقِ علمِه فيهما. ومَن صحّح خطابَ المعدوم، على ما سيأتي تفسيرُه، فخطاب هذين أولى.
قد أوقَع الحنيفّةُ طلاقَ المكرَهِ، مع أنّه غيرُ مختارٍ، جَعلًا للتلفّظ به أمارةً على وقوعه، مِن باب ربط الحكم بالسبب. وصحّح بعضُ الشافعيّة حجَّ المجنون؛ وهو قياسّ تصحيحِ حجِّ الصبيِّ إِذا حُجَّ بهما.
[تكليف المُلجأ]
ومنها أنّ المكَره إِذا بَلَغَ حدَّ الإلجاء- وهو أن يجب منه الفعلُ، ولا يتمكّن من الامتناع منه- لا يجوز تكليفُه إِلاّ على تكليف المحال. واختُلِف فيه إِذا لم يبلُغ حدَّ الإِلجاءِ. لا يجوز تكليفُه إِلاّ على تكليف المحال. واختُلِف فيه إِذا لم يبلُغ حدَّ الإلجاءِ, أمّا المخطئ والساهي والناسي، فقد لحقهم بعضُ التكليف في بعض الصور. والأَولى أنّ التكليف إِنما يَلحقهم من باب ربطِ الحكم بالسبب؛ لأنّ العقوبات والآثام موضوعةٌ عمّن لم يَتعمّد المعاصي. وأمّا الغرامات واستدراكات البعبادات ونحوها، فسلبيّ، كما قلنا؛ لأنه من باب العدل، لا من باب التكليف.
[تكليف الحائض بالصوم]
ومنها أنّ الحائض مكلّفةٌ بالصوم، بتقدير الطهي. كالمحدِث مكلَّفٌ بالصلاة، بتقدير الوضوء. والكافر مخاطَبٌ بأداء الفروع، بشرطِ الإسلام. والمعدوم مخاطَبٌ، بتقدير الوجود. أمّا تكليفها بالصوم شرعًا حالَ الحيض، فهو خارجٌ على تكليف المحال.
[التكليف بفعلٍ عَلِمَ الآمرُ انتفاءَ شرطِ وقوعه]
ومنها أنّ التكليف بِفعلٍ عَلِمَ الآمر انتفاءَ شرطِ وقوعه دون المأمور، ممتنعٌ عندهم. إِذ هو تكليفٌ بالمحال. وصورة المسألة ما إِذا أَمَرَه بصوم رمضان، وهو يعلم موتَه في شعبان؛ أو حيض المرأة المأمورة به؛ أو نفاسها طولَ رمضان.
стр. 55
والحقُّ صحّةُ هذا التكليف، وأنّه ليس من تكليف المحال في شيءٍ. لأنّه تكليفٌ مفيدٌ ظاهرًا؛ بأن يَعزم المكلَّف على الامتثال، فُيثابُ؛ أو لا يَعزِم، فيُعاقبُ. ويَنقطع هذا التكليفُ عنه بموته، كانقطاع سائرِ التكاليف المتكرِّرة التي فَعَلَ بعضهَا، كالصلوات ونحوها. والخلاف في هذا الفرع يُشبِه الخلافَ معهم في نسخِ الفعلِ قبل وقته.
[تأخير البيان عن وقت الحاجة]
ومنها أنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو وقت العمل، لا يجوز إِجماعًا، إِلاّ على تكليف المحال. ولعلّ امتناعَه عند المعتزلة بناءٌ على التحسين والتقبيح، وعند من لا يقول به لمدرَكٍ آخر.
[بقاء التكليف مع زوال العقل]
ومنها أنّ بقاء التكليف، مع زوال العقل، يخرج على تكليف المحال. وهو كتكليف الصبيّ والمجنون ابتداءً.
فهذا ما حضر من فروع تكليف المحال. والنزاع في هذه الصور كلّها في جوازه عقلًا. أمّا وقوعه سمعًا، فلم نعلمه في الشريعة. وترَّدد فيه قول الأشعريِّ، واختلف فيه أصحابُه. ووقوعُه في مسألة خلقِ الأفعالِ لازمٌ على رأيه فيه، كما سبق. ويأتي إِن شاء الله تعالى.
فإِن قيل: "لو كان جائزًا، لوقع، ولو في صورةٍ متّفقٍ عليها". قلنا: هذا الطريق إِنما يفيد في مسائل الفروع الظنِّيّة. أمّا العقليّات فلا يفيد فيها؛ إِذ الوقوع ليس من لوزام الجواز. وكثيرٌ من الجائزات لم تَقَع؛ كالمعلومات العاديّة؛ نحو انقلاب الجبل ذاهبًا، والبحر عسلًا، والأرض خبزًا، علامةً ونحوها. فإِنها جائزةٌ في أنفسها؛ ولكنّ العادة جرت بأنها لا تقع. ولهذا، إِذا انخرقَت العاداتُ يومَ القيامة، صارت الأرض خبزةً، كما صحّت به السنّة.
ثمّ عُدنا إِلى فروع الأصل الأكبر، وهو التحسين والتقبيح.
[تكليف المعدوم]
ومنها تكليف المعدوم، بمعنى قيام طلبِ الفعل بذات الله تعالى من المعدوم، بتقدير
стр. 56
وجوده. وهذا مبنيُّ على إِثبات كلام النفس؛ وأنّ التكليف بمعنى الطلب. ومَن زعَم أنّ كلام الله حروفٌ وأصواتٌ قديمةٌ، جعَلَها متوجّهةً إِلى المعدوم بتقدير وجوده أيضًا. والمعتزلة أنكَروا الكلامَ بالمعنيين. وأيضًا، زعموا أنّ كلام مَن لا يَسمَع ولا يَعقِل، بل هو عدمٌ محضٌ، قبيحٌ عقلًا.
[إِبطال اليهودِ النسخَ]
ومنها أنّ اليهود مِمَّا تمسّكوا به في إِبطال النسخ أنّ الحُكمَ المنسوخ إِمّا مِن حَسَنٍ، فنسخُه قبيحٌ؛ أو قبيحٍ، فابتداء شرعِه أقبح. وجوابه أنّه مبنيُّ على التحسين والتقبيح؛ وهُم مِن القائلين به. وقد أبطلناه. والمعتمَد عندنا في ذلك أنّ مصالحَ الخلقِ تختلف باختلاف الأوقات. فيجوز لذلك نسخُ الأحكام رعايةً لمصالحهم تفضُّلًا من الله تعالى؛ كما يفعل الطبيبُ بالمريض، حيث يأمره اليومَ بغذاءٍ يمنعه منه غدًا، لاختلاف مصلحة بدنه بذلك. والشراعُ طبيبُ الأديانِ.
[مَنعُ جمهور المعتزلة مِن نسخِ الحكمِ قبل دخول وقته]
ومنها أنّ جمهور المعتزلة مَنعوا من نسخِ الحكم قبل دخول وقته. كما لو قال: "صُوموا رمضان"، أو "حُجُّوا هذا العام"؛ ثمّ قال: "في شعبان"، و"قبل يوم عرفة، لا تفعلوا"، بناءً على أنّ ذلك عَبَثُ. إِذ لا يحصل مقصودُ العبادةِ. وهو قبيحٌ. وهي فردٌ من أفراد التكليف بفعلٍ يعلمُ الآمرُ انتفاء شرطِه، كما سبق. إِذ إِرادةُ اللهِ سبحانه إِيقاعَ الفعلِ شَرطٌ فيه. وبالنسخ، زال تعلّقُ الإِرادةِ به، أو تَبَيّنّا أنها لم تتعلّق به. ولعلّ هذا مأخذ الخلاف. وهو أنّ الإِرادة شرطٌ في الأمر عندهم؛ فإِذا تعلّقَت بالمأمور، لا يزول تعلُّقُها حتى يقع. وعندنا، ليست شرطًا فيه.
[نسخُ وجوبِ معرفة الله وشكر المنعم وتحريم الكفر والظلم]
ومنها أنّ أصحابا والمعتزلة اختلفوا في تصوُّر نسخِ وجوب معرفة الله وشكر المنعم، وتحريم الكفر والظلم ونحوه، بناءً على الخلاف في التحسين والتقبيح. فمَنَعه المعتزلةُ بناءً على أصلهم.
هذا ما تيسّر إِثباتُه من فروع التحسين والتقبيح في أصول الفقه.
стр. 57
[رابعًا: فروع التحسين والتقبيح في الفروع الفقهيّة]
وأمّا فروعه في الفقه، فكثيرةٌ بالضرورة؛ لأنّه إِذا كثُرت فروعُه الأصوليّة، مع كونها قواعدَ كلّيّاتٍ، ففروعه الفقهيّة، مع أنها جزئياتٌ لتلك الكلّيّات، أَولى. وأكثر المذاهب نزوعًا إِلى قاعدةِ التحسين والتقبيح في الفروع مذهبُ أهل الرأي من الكوفيّين. وسببُ ذلك، فيما قيلَ، قلّةُ محصولهم من النصوص. فكانوا يجتهدون في إِصابة الحقّ بالقياس؛ فيجذبهم العقلُ إِلى ما ألفَهُ محصولهم من النصوص. فكانوا يجتهدون في إِصابة الحقّ بالقياس؛ فيجذبهم العقلُ إِلى ما ألفهُ واعتاده وطُبِع عليه من الأمور الملائمة والمناسبات المقبولة.
ولا أعني، بنزوعِ مذهبهم إِلى قاعدة التحسين والتقبيح، أنهم يقولون بها ويُفَرعون عليها. بل هي نازعةٌ إِليها لضربٍ من الشبهِ، أو الإِغراق في طَلَب المناسَبة، أو التحقيق. فيجاوزون الحدَّ في ذلك؛ وهو معنى ما سَبَق. ولا شكّ أنّنا نحن وغيرنا من المذاهب، وإِن قلنا باعتبار المصالح والمناسَبات، لكنّها مناسباٌ شهد لها الشرعُ، ودلّ عليها الدليلُ. فأمّا مجاوَزة الحدِّ في اعتبار المناسبات إِلى أن يُعتبر منها ما لا شاهد له، أو لا دليل عليه، بل قد يخالِف النصوصَ، فليس ذلك من باب اعتبار المصالح.
[النية في الوضوء]
فمِن ذلك، أنّ النيّة شرطٌ في الوضوء، عندنا. وعندهم، هي سنّةٌ لا تجب. فذكر الزنجاتيّ في مآخذ الأحكام للخلاف مأخذًا. وهو أنّ الماءِ عند أبي حنيفة مطهَّرٌ بطبعه، كما أنّه مُروٍ بطبعه؛ فلا يحتاج إِلى النيّة. فجَعَلَه من قبيل العادات. وهو عندنا من قبيل العبادات المفتقرة إِلى النيّة المميَّزة لها من العادات. وهذا مأخذٌ نازِغٌ إِلى الطبيعيّات، فضلًا عن العقليّات. والمشهور في هذه المسألة مأخذان.
أحدهما: أنّ اشتراط النيّة في الوضوء زيتدةٌ على النصّ. والزيادة على النصّ نَسخٌ؛ فتحتاج إِلى دليلٍ. وجوابه: لا نُسلَّم أنّ اشتراطَ النيّة زيادةٌ على النص؛ بل النصّ دال على النيّة. إِذ معقوله ﴿إِذا قمتم إلى الصلاة﴾، لأجلها؛ كقولك، "إِذا صادفتَ
стр. 58
الأميرَ، فترجّل"، أي له؛ و"إِذا بَرزتَ إِلى خصمك، فتأهّب"، أي له. سَلَّمناه؛ لكن لا نُسَلِّم أنّ الزيادةَ على النصّ نَسخٌ، لما تقرّر في أصول الفقه.
المأخذ الثاني: أنّ الوضوء عبادةٌ، أم لا؟ أو أنها مترددةٌ بين العبادات والعادات؟ فأيّهما يُغلَّب فيها؟ وبأيّهما يُلحَق؟ وظاهر كلامه في هدايتهم أنّه من ذوات الوجهين. فمن حيث هو مفتاحٌ للصلاة، يَصحّ بدون النيّة؛ ومن حيث هو قُربَةٌ، لا يَصحّ بدونها. فلهذا، سُنَّت له النيّةُ، ليَحصُل كونُه مفتاحًا وقُربًة.
والصواب أنها عبادةٌ؛ لقوله ﵇: "الوضوء شطر الإيِيمان"؛ والإِيمان عبادةٌ. ولأنّ معنى العبادة، وهو الانقياد والذل، حاصلٌ في الوضوء. إِذ لولا استشعار ذلِّ العبوديّة بين يدي عزّة الربوبيّة لَما انقاد أحدٌ للصلاة، فضلًا عن الوضوء.
[رؤية الهلال في الصحو]
ومنها قولهم، "لا يُقبَل في رؤية الهلال في الصحو إِلاّ خبرٌ يُحَصِّل العلمَ". وهو بناءٌ على قاعدتهم في أنّ خبر الواحد فيما نعمُّ به البلوى غيرُ مقبولٍ. لأنّ عموم البلوى يقتضي تَوفُّرَ الداوعي على النقل؛ فعَدَمه مستفيضًا يَدلُّ على ضعف الخبر. وهذا تصرُّفٌ عقلي، مع العلم بأنّ أحكام الشريعة مبنيّةٌ على غلَباتِ الظنونِ. ولو صحّ ما ذكروه، لكان أولى ما اعتُبرت الاستفاضةُ في حقوق الآدميين. وقد قيل في الأموال والنفوس والحدود ما لم يَبلُغ الاستفاضة، كأربعةٍ في الزنا، واثنين في القصاص والمال، ورجلٍ وامرأتين وشاهدٍ ويمينٍ، عند الجمهور.
[صحة إِسلامِ الصبيّ]
ومنها ما حكاه الزنجاتيّ عنهم في كتاب تخريج الفروع على الأصول، من أنّ الصبيّ يَصح إِسلامُه؛ لأنّ حُسن الإِسلام وقبح الكفر معلومٌ بالعقل.
[صحة شهادةِ الكفّارِ بعضهم على بعضٍ]
وتصح شهادةِ الكفّارِ بعضهم على بعضٍ لأنّ قُبحَ الكذبِ عقليِّ؛ فلا يُقدِم عليه
стр. 59
العاقلُ. ولو قَبُحَ هذا، لجازت شهادتُهم مطلقًا، حتى على المسلمين.
[حكاية مسائل ذكرها العالميّ الحنفيّ نازعةٌ إِلى التحسين والتقبيح]
وقد ذكر العالميّ الحنفيّ في قواعده مسائلَ نازعةً هذا المنزع، وقرّر مآخذها. وأنا أذكر بعضَها، وأُبيّن ضعفَ تلك المآخذ، وأنها نازعةٌ إِلى مناسباتٍ عقليةٍ لا تسلَم من مُبطلٍ.
[لزوم النفلِ بالشُروع]
فمنها أنّه ذكر مسألةَ لزومِ النفل بالشُروع. وقرّرها بما حاصله أنّ الله سبحانه إنما خلق خلقَه للعبادة؛ لقوله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، أى يوحّدوني ويأتون بالعبادة على وجهها. وذلك يقتضي وجوبَ جِنسِ العبادات، على جنس المكلَّفين، في جنس الأوقات؛ وأنّ المكلَّف يَستغرِق وقته بالعبادة. لكنّ الله سبحانه لَطَفَ بهم؛ فعَين لبعص عباداته أوقاتًا تُفعَل فيها، ووكَّل بعضَها إِلى اختيار المكلِّفين، توفيرًا لأكثر أوقاتهم عليهم، لئلاّ تتعطّل معايشُهم. فإِذا عين العبدُ وقتًا للعبادة بالنذر أو الشُروع، دلّ على فراغه لها. فعَمل الدليلُ الأصليُّ عملَه؛ فلَزِمَت بالشروع. قلتُ أنا: فكأنهم نَزّلوه بذلك منزلةَ المقر المؤاخَذ بإِقراره.
[نقاش كلامه في لزوم النفلِ بالشروع]
قلتُ: هذا منزعٌ لا بأس به؛ إِلاّ أنّه مناقَشٌ عليه في مواضع.
أحدها: قوله، "الآية اقتضت وجوبَ جنس العبادات، في جنس الأوقات"، فيه نظرٌ؛ لأنّ لفظ "العبادة" فيها مطلَقٌ، والوقت غير مذكورٍ فيها صريحًا؛ وإنما دلَّ عليه الفعلُ لزومًا. وهو أيضًا مطلقٌ، والمطلق لا عموم له.
الموضع الثاني: أنّ "العبادة" هنا عند بعض المفسّرين التوحيدُ؛ لأنّه المطلوب الأهمّ. ولهذا اتّفقنا على أنّ مَن مات موحِّدًا، كان له حُكم المسلمين، وإِن لم يأتِ بعبادةٍ فرعيةٍ
стр. 60
أصلًا. ولأنّ الآية مكتَنَفةٌ بذكرِ الكفّار والمشركين؛ فدلّ على أنّ العبادة المذكورة ما يُناقض ذلك، وهو الإِيمان والتوحيد. أما قبلّها، فقولُه بعد ذِكِرِ قوم نوحٍ وموسى وغيرهم، ﴿ولا تجعلوا مع الله إلها آخر﴾، ما بعدها إِلى الآية المذكورة. وأمّا بعدها، فقولُه، ﴿فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون﴾. وعلى هذا التقدير، لا تتناول الآيةُ محلَّ النزاعِ. واعلم أنّ هذا، وإِن كان له اتجاهٌ، إِلاّ إِنّ لفظ "العبادة" نصٌ في مجلولها؛ فحَملُه على التوحيد وفروعه أَولى.
الموضع الثالث: قولُه، "عيَّنَ اللهُ سبحانه للعبادات أوقاتًا لُطفًا بهم ورِفقًا". فيًقال له: إِنّ الله سبحانه كريمٌ. والكريم إِذا وَهَب شيئًا، لا يَعود فيه. وعلى رأيك، قد وَهَب لهم بعضَ الزمنِ لمعاشهم والسعي في مصالحهم؛ ثمّ عاد فيه، حيثُ أَوجَب النفلَ بالشروع.
فإِن قيل: "إِنما يَقيُح الرجوعُ في الهِبة، إِذا كانت مطلقةً. وعندي، وإِنما وَهَب لهم بعضَ الزمن بشرط استغراق حاجاتهم إِليه لمعاشهم. والتَلَبُّس بالنفل دلّ على عدم ذلك الاستغراق. فانتفى شرطُ الهبة في ذلك الزمان؛ فعاد إِلى مستحِقِّه. ثمّ ما ذكرتموه لازمٌ في النَذر؛ وهو محلُّ وفاقٍ".
فالجواب أنّ ما ذكرتموه من الشرط محلُّ النزاع. وقد اتَّفقنا على الهبة؛ والأصل فيها الإطلاق. ثمّ الهبة بشرطٍ لا تصحُّ فيما بيننا. فكيف يفعلها اللهُ سبحانه، وهو أكرم الأكرمين، وأحكم الحكماء! وشأن الحكيم أن لا يَفعل فِعلًا إِلاّ محض الصحّة.
ولو سَلَّمنا أنها بشرطٍ، كما ذكرتم، لكن مع ذلك التكرُّم يأتي الرجوع. ألا ترى أنّ النبيّ ﷺ اشترى من جابرٍ بعيرًا، ووفّاه ثمنَه، ثّم قال: "هو لك والدنانير"؛ مع أنّه كان له الرجوع فيها، لأنّه بَدَّلها بشرطِ حصول عِوَضٍ؛ ولم يحصل. وكذلك مع أنّه كان له الرجوع فيها، لأنّه بَدَّلها بشرطِ حصول عِوَضٍ؛ ولم يحصل. وكذلك ما ثَبتَ مِن حديث الكِفل مع المرأة التي راودَها عن نفسها بستّين أو مئة دينارٍ، ثمّ ارتدع عن المعصية، وتَرَك لها المالَ. وحُكي عن كثيرٍ من الناس أنّه اشترى شيئًا
стр. 61
وقَبَض ثمنَه، ثمّ رَدَّ ما قَبَض، ولم يَستردّ الثمنَ. فإِذا كان هذا شعارًا بين عَبيد الله، فالله أَولى به.
وأمّا النذر، فهو عهدٌ قوليٌ بين العبد وربه، وَرَدَ النصُّ بوفائه؛ بخلاف ما نحن فيه.
وإطالتنا في هذا المقام إِنما هو مقابَلَةٌ لتحسينه العقليّ بتحسينٍ مِثلِه، وكَيلًا له بصاعِه. وإِلاّ، فنحن يكفينا في الجوارب ما صحَّ من رواية عائشة، أنّ النبيّ ﷺ أَكَل عندها من حَيسٍ أُهدِي لها، بعدما أَخبَر أنّه أَصبح صائمًا. رواه مسلمٌ وأبو داوود والنسائيّ والترمذيّ. ولا يصحّ حَملُه على أنّه من خصائصه؛ لأنها محصورةٌ، والأصل عدمُه. ولو صحّ ما ذكرتم، لكان النبيّ ﵇ أَولى باستعماله، وأعلم بمأخذه. وبقوله تعالى، ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾.
قلتُ: لكن علمتُ مِن حالِ ثقةٍ لا اتّهمُه، بحيث حَصل لى العلمُ بصدقه، أنّه إِذا شَرَعَ في صوم التطّوع، ثمّ أبطَله، حصل له نكدٌ، وصار له ذلك عادةً مطرِدةً، حتى ظَنَّ بها أنّ الحقًّ عند الله لزومُ النفلِ بالشروع. لكنّ هذا ممكنٌ حملُه على أنّه تأديبٌ إِلهيِّ خاص لبعض مَن له به عنايةٌ، حتى بلزومِ ما لا يَلزمُ ما لا يَلزم. وتأديب أصحابِ العنايات خارجٌ عن قياس الشرعيّات. ويدلّ على هذا التأويل أنّه لم يكن كذلك قبل، ثمّ صار كذلك. ولو كان ذلك لأنّ الحقَّ عند الله لزومُ النفل بالشروع، لم يختلف بزمانٍ دون زمانٍ. والله أعلم.
[قاعدته في الزكاة]
ومنها أنّه قرّر قاعدةَ الزكوات بما حاصله أنّ الزكاة إِنما شُرِعت تحصيلًا لرياضة النفس، وصونًا لها عن الطغيان الموجِب للعقاب. وذلك لأنّ المال سببٌ للطغيان؛ لقوله تعالى: ﴿إن الإنسان ليطغى أن راه استغنى﴾. فلما كان المال سببَ الطغيان، اقتضت العنايةُ شَرعَ ما يَمنع منه، وهو رياضة النفس بإِخراج بعض المال.
стр. 62
قال: "ولم تجب الزكاةُ إِلاّ لهذا المعنى؛ لأنّ الزكاة في ذاتها محضُ مَفسدةٍ وضررٍ، لكونها تنتقيصَا للمال الذي هو قِوام الحياة. فلابدّ في مقابلته من مصلحةٍ ونفعٍ. وليس ذلك النفعُ عائدًا إِلى غير المزكِّي؛ إِذ نَفعُ زيدٍ لا يَدفع ضررَ عمروٍ. فتَعيّن أنّه إِليه. ثمّ ليس هو في الدنيا؛ لعدم جواز الرجوع بما دَفع من الزكاة، أو بِبَذلِه على ما أَخذه. فتَعيّن أنّه في الآخرة. ثمّ ليس هو تحصيل الثواب؛ لأنّ تحصيلَ المنافعِ ليس واجبًا، وحصول النفع لا يَجبُر وقوعَ الضررِ، ولا يخرِجه عن كونه ضررًا. فتَعيّن أنّ النفع الذي التزم ضرر الزكاة لأجله هو دفعُ ضررِ العقاب في الآخرة. وذلك إِنما يحصُل بتحصيل ارتياضِ النفس بأداء الزكاة في الدنيا، وتخَلُّصِها من مَعرَّة الطغيان".
ثمّ قال: "فإن قيل: " الزكاة واجبةٌ على الأنبياء والأولياء ونحوهم، ممَّنْ لا عقاب عليه "، قلنا: سَبَبُ العقابِ يصح منهم، وهو الطغيان بالمال ومنعُ الزكاةٍ. لكنّ الله عَصمهم من ذلك، ولَطَف لهم. والعقابُ مُعتَبرٌ بسببه، ولا بوقوعه".
قلتُ: هذا حاصلُ ما قرَّرته هذه القاعدة. وهو تصرُّفٌ عقلي، وضرب من التحسين والمناسَبة.
[فروع قاعدته في الزكاة]
ثمّ بَنى عليها فروعًا.
[وجوب الزكاة على الصبيّ والمجنون]
منها: أن الزكاة لا تجب على الصبي والمجنون. إذ لا رياضة ولا طغيان ولا عقاب في حقهما فلا تقع الزكاة منهما دافعة للعقاب وصارت ضررا محضا.
[من مات وعليه زكاة]
ومنها: أنّ مَن ماتَ، وعليه زكاةٌ، لا تُؤخَذ مِن تَرِكتِه؛ لامتناع حصول الارتياض ووقع العقاب في حقِّه. كذا قال.
[وجوب الزكاة على المديون]
ومنها: أنّ الزكاة لا تجب على المديون؛ لحصول الارتياض في حقِّه بدونها؛ إِذ هو مقهورٌ بالدَينِ، ممتنِعٌ من الطغيان. فخَلَن الزكاةُ في حقِّه عن معناها الذي شُرِعت له.
стр. 63
[وجوب الزكاة في مال الضمار]
ومنها: لا تاجب الزكاةُ في مال الضمار؛ كالضلال، والمدفون الضائع، ونحوه. إِذ ليس سببًا للطغيان.
[وجوب الزكاة في الحليّ]
ومنها: أنّ الزكاة تجب في الحليّ؛ لأنّ حاجة التحلّي به لا تمنع كونَه سببًا للطغيان. فتجب الزكاة تحصيلًا لمعنى الارتياض.
قال: "وعلى هذا تخرج مسائلُ الزكاة".
[الكلام على قاعدته في الزكاة]
قلتُ: مأخذ النزاعِ بيننا وبينهم في الزكاة أنها عبادةٌ مُعلَّلةٌ بما ذَكَر من الارتياض، أو أنها مؤونةٌ ماليةٌ وَجَبت للفقراء بقرابة الإسلام؟ وهذا الثاني أرجح. فلا جرم قلنا: تجب الزكاةُ في مال الصبيّ والمجنون؛ لأنهما، وإِن لم يكونا من أهلِ العبادات، فمالُهما محتملٌ للمواساة؛ كنفقة الأقارب. والوجوب على الوليِّ، لا عليهما. وتُؤخَذ من تركة الميّت، لأنها وَجَبَت بوجودِ سببها وشرطها، ونفقة الأقارب، وإِن سَقَطَت بمضةّ المدّةِ. إِلاّ إِن الزكاة ليست مجرَّدةً من معنى العبادة؛ ولهذا وَجبت فيها النيّةُ. أو تقول: غرامته ماليةٌ، كنفقةِ الزوجات، وهي لا تسقُط بمضيّ الزمان.
وأمّا سقوطها عن المديون، فليس لما ذكروه؛ بل لأنّ المواساة تَسبق عليه، ولا يحتملها حالُه؛ ولأنّ نفقةَ الأقارب إِنما تجب فيما فضل عن الضرورات. وإِذا أسقطناها عن مال الضمار؛ فلأنّه أشبَهَ الموجودّ؛ لثبوت المُلكِ. ولا تجب في الحليّ؛ لأنّه مصروفٌ عن وجهِ النَماء. فلا تتعلَّق به المواساةُ؛ ولا يُعلَّل بالطغيان.
والتحقيق في الزكاة أنّ لله سبحانه في إِيجابها حِكمتين. إِحداهما في مصدرها، وهو الغنيّ، ابتلاءً له بالطاعة، وامتحانًا بالسماح بما يحبُّه في طاعته. والثانية: في موردها، وهي إِغناءُ الفقراءِ ونفعُهم. ولهذا قيل: "الفقراءُ عالة الأغنياءِ". وقيل: "فَرَضَ
стр. 64
اللهُ سبحانه للفقراء في مال الأغنياء كفايَتهم. لكنّ بعض الأغنياء مَنَع ما يُستحَق عليه، وبعضهم أخذَ منها ما لا يَستحِقُّه، فضاق على الفقراء".
والحِكمتان ملحوظتان من الزكاة. أمّا معنى العبادة، فللاتّفاق على اشتراط النيّة فيها، واقترانها بالصلاة في الأمر بهما. وأمّا معنى المواساة، فلإجرائها ظاهرًا إِذا أُخذَت قهرًا من الممتنع. ولقوله تعالى، ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾، الآية؛ جعَلَهم مصرفًا لها. ولهذا تَردَّدَت بين حقِّ الخالِق والمخلوق في بعض الأحكام. هذا فصلُ الخطابِ في المسألة.
ثمّ غَلَّب أبو حَنيفة فيها جانب العبادةِ. وغلّب غيرُه معن المؤونة الماليّة والمواساة. أمّا ما قرّره العالميّ من معنى الطغيان والرياضة، وأنّ المصلحة المقابلة لمفسدة الزكاة إِنما هي دَفعُ ضَرَرِ العقابِ لا غير، فضعيفٌ مخالِفٌ لصحيحِ النقلِ وصريحِ العقلِ.
أمّا صحيح النقل، فقولُه تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم﴾؛ وقوله، ﴿وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون﴾. فَوَعَدَ على الزكاة بالأجرِ الكريم والمضاعَفَة. وجَعَل ذلك جابِرًا لضررِ الزكاة.
وأمّا المعقول، فلأنّ الواحد منّا يُكلَّفُ عبدَه تكليفًا. ثمّ تارةً يَتَوعَّدُه على تَركِه، وتارةً يَعدُه على فِعلِه، وتارةً يجمَعُها له. وكذا الأمر في الزكاة؛ فإِنّ الوعد والوعيد فيما يتعلَّق بفعل الزكاةِ وتَرِكها كثيرً. وحينئذٍ، لا يَتعيّن دَفعُ العقابِ مرغوبًا في الزكاة، ليَخرُجَ منه الصبيُّ والمجنون. وقد يجرز أن تكون فائدةُ الزكاةِ دنيويّةً؛ وهي دفعُ المعرَّة عن الأغنياء بفاقة الفقراء؛ وهم بنو أبٍ واحدٍ وأمِّ واحدةٍ؛ فتُعَيِّرهم بذلك الملائكةُ والجنُّ. وتحقيقُ قولِهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾، فلطفُ اللهِ سبحانه بدَفعِ تلك المعرّةِ عنهم. فتتناول هذه المصلحةُ الصبيَّ والمجنونَ. فقولُه، "لَم تجب إِلاّ لمعنى الارتياضِ"، تحَكُّمٌ. وقد تكون المصلحةُ ما يخلفه اللهُ عليه بالبركةِ مِن حيث لا يَعلمُ؛ حيث انقادَ للزكاةِ وسَلَّم.
стр. 65
وفي الحديث: "ما نَقَصَت صدقةٌ من مالٍ، بل تزداد". كما جاء فيه: "ما خالَطَت الصدقةُ مالًا إِلاّ أهلَكَته"؛ يعني خالَطَته بمنعِها، فيصير حقُّ الفقراءِ مختلِطًا بمالِ مَن وَجَبَت عليه الزكاةُ.
وقوله، "ليس النفعُ تحصيلَ الثوابِ؛ لأنّ تحصيلَه غير واجبٍ"، ممنوعٌ. بل هو واجبٌ عقلًا. والنفع والمصلحة تارةً يكونان بجلب خيرِ، وتارةً بدفع شرًّ. بدليل قوله ﵇: "ما من داعٍ يدعو، إِلاّ استُجيبَ له؛ فأُعطِيَ ما قال، أو ادُّخِر له في الآخرة، أو دُفِعَ عنه الشرّ مِثلُه". فجَعَلَ دَفعَ الشرِّ عِوضًا عن الخير المطلوب.
وبان بهذا أنّ قوله، "حصول النفعِ لا يَجبُر وقوعَ الضررِ" غيرُ صحيحِ. وإِذا نُوزِع في مقدّمات قاعدتِه، لم تَثبُت، ولا فروعُها.
وقولُه في الفرع الثاني: "إِنّ العقاب ممتنِعٌ في حقّ مَن مات، وعليه زكاةُ ظاهرةٌ"، غير صحيحٍ.
قلتُ: وممّا يتّجهُ تفريعُه على المأخذين تعلُّق الزكاةِ بالذمّةِ أو العينِ. إِن غلَّبنا فيها معنى العبادةِ، تعلَّقت بالذمّة، كالصلاة. وإِن غلَّبنا معنى المواساةِ، تعلَّقَت بالمال؛ لأنّه محلُّها.
ومنها إِذا تلفَ المالُ بعدَ الوجوب، وقبلَ إِمكان الأداءِ. إِن غُلب معنى الارتياض، سَقَطَت لزوال سببِه؛ كما لو مات المزَكِّي. وإِن غُلِّبت المواساةُ، لم تَسقُط، وانتّقّلّت عن المال بعد تَلَفِه إِلى الذمّة؛ لوجوبها قبلَ ذلك. بخلاف سقوطها عن المديونِ، وفى مال الضمار؛ لأنّ الوجوبَ هناك لم يَسبق.
فأمّا ضمّ أحدِ النقدّين إِلى الآخر في تكميل النِصاب، وإِخراجه القيمة في الزكاة، وجواز إِخراجها عن المصر، فيستوي فيهنّ المأخذان؛ لقيام سبب الارتياض والمواساة فيهنّ. ولهذا كان مذهب أصحابنا في الأخريين مرجوحًا.
ومن ذلك زكاة الفطر، يُعتبَر لوجوبها النصابُ الزكويّ، عنده. فلا تجب بدونه، نظرًا
стр. 66
إِلى معنى الارتياض، وقد وُجِد سببُه. وعندنا تجبُ على مَن مَلَكَ قُوتَ يومِ العيد وليلته، وفَضُلَ بعدَه ما يؤدَّى؛ لأنّ ذلك محتمِلٌ لهذه المواساة.
ومِن قواعده قاعدةُ الصيام
وحاصل ما قرَّرها به أنّ الصيام لابدّ وأن يكون إِيجابُه لمصلحةٍ. إِذ لا يجوز أن يكلَّفنا الشرعُ بفعلٍ لا مصلحة فيه. ثمّ المصلحة ليست نفسَ الصيام؛ لأنّه مفسَدةٌ في نفسه؛ إِذ هو ماتناعٌ عن المباحات. فتعيَّن أنّه متضمِّنٌ للمصلحة، مشتمِلٌ عليها. وتلك المصلحة إِنما هي صيانة النفسِ المفضيةِ إِلى حفظِت وبقائها، المقضى إِلى دوامِ توحيد الله ومعرفته المقصودَين له سبحانه، لإِقامة رّسمِ عبادِته، ولدفع العقاب عن المكلَّف في الآخرة؛ لأنّ النفسَ، لما طُبعَت عليه من الشهوات، لو خَلَت من روابطِ يصونها عن الانهماك فيها، استَغرَقَت فيها حتى هَلكَت؛ كما هو مشاهدٌ من أحوال العامّةِ. فيفوت بذلك نقاؤُها؛ فيفوت التوحيدُ والمعرفةُ المطلوبان؛ ويَقَعُ المكلَّف في ورطة العقابِ. ثمّ قال: "لا يقال: "إِنّ مصلحةَ الصومِ التوسُّلُ به إِلى الثواب في الآخرة"؛ لمَا سَبَقَ (يعنى في قاعدة الزكاة) مِن أنّ جَلبَ الفعِ غيرُ واجبٍ؛ فهو إِنما يكون بفعلٍ يُخيَّر فيه ترغيبًا. وإِنما الواجب دفعُ الضررِ؛ وهو إِنما يكونُ بما أُلزِمَه المكلَّفُ، ليدفع بفعله العقابَ عن نفسه".
هذا حاصلُ ما أجاب به، وقرَّر به قاعدةَ الصيام. وهو تصرُّفٌ عقليُّ نازِعٌ إِلى التحسين والتقبيح، كما سنبينّه.
[فروع قاعدته في الصيام]
ثمّ بَنى على ذلك أنّ من صام رمضان، بمطلق النيّةِ، أو بنيّةٍ من الليل، أو بنيّة مِن النهار، صحّ صومُه؛ فقد حَصَلَت مصلحةُ الصوم. قال: "وهذا يقتضي أن لا تُشتَرطُ النيّةُ للصوم أصلًا. لكن إِنما اشتَرَطنا أصلَ النيّة (يعني كونَ الصوم عبادةً) تمييزًا له من العادات ونحوها".
стр. 67
[الكلام على قاعدته في الصيام]
قلتُ: الكلام على ما قرَّره أوّلَ قولِه، "لا يجوز أن يكلّفنا الشرعُ بفعلٍ لا مصلحة فيه". إِن أرادَ: "لا يجوز عقلًا"، فهذا تقبيحٌ عقليُّ، وقولٌ بلزومِ رعاية المصالح لله تعالى؛ وقد أبطلناه. وإِن أراد: "لا يجوز شرعًا"، فمن أين استفاده مِن الشرع؟
ولو لَزِمَ أنّ الشرعَ لا يكلِّفنا إِلاّ بما فيه مصلحةٌ، لكن تلك المصلحة يلزَم أن تكون بيِّنةً ظاهرةً لنا، أم لا؟ فإِن لَزِم ذلك، بَطَلَت فائدةُ التعبُّداتِ في الشرع؛ إِذ فائدتها امتحانُ المكلَّفين بالانقياد لفعلِ ما لا يعلمون حكمتَه، تحصيلًا لمعنى الإِيمان بالغيبِ ونحوِه. ومتى ظَهَرَ وجهُ المصلحة في الفعل للمكلَّف، زال ذلك المعنى، ولم يَبق عنده فرقُ بين إقامة العبادة، وبين سفره في تجاراته ومعايشه؛ لاشتراك الأمرين في المصلحة الظاهرة له. وإِن لم يَلزم كونُ المصلحة ظاهرةً للمكلَّفين، فمِن أين لك أنّ مصلحةَ الضوم ما ذَكَرتَ؟ فإِن قلتَ: "بالاستدلال"، قلنا: وخصمُك يُبيِّن غيرَ المصلحة التي ادّعيتها بالاستدلال؛ فما المرجِّح لدعواك؟ فإِن قال: "صحّة استدلالي، دون استدلالِ خصمي"، قلنا: هو دعوى؛ فهاتوا برهانَكم إِن كنتم صادقين.
قوله، "ومصلحة الصوم ما اشتَمَل عليه من صيانة النفس المفضي إِلى بقائها، لاستدامة التوحيد، لدفعِ العقاب عن المكلِّف".
قلنا: أمّا أوّلًا، فهذا إِشارةٌ إِلى ما سَبَقَ من لزوم رعايةِ المصلحة، وتعليل أحكام الله. إِذ عَلَّلتَ إِيجابَ التوحيدِ بدفعِ العقاب. وهما أصلان منازَعٌ فيهما.
وأمّا ثانيًا، فإِنّه لو كانت مصلحة الصوم وحكمتُه صيانةَ النفسِ، كما ذكرتَ، لكان يجب صيامُ الدهر، أو أكثرِه؛ لأنّ الإِنسان، لغلبة شهواته وملازمتها لذاته على الدوام، يَحتاج إِلى ما يصونه عنها على الدوام؛ لأنّ دوام المقتضِى يقتضي دوامَ الحُكمِ. ولم يوجِب الشرعُ عليهم إِلاّ شهرًا في السنة؛ فما عسى أن يُحَلِّل صيامُ ذلك الشهر من صيانة النفس في باقي العام؟ بل نحن نشاهد الناسَ في رمضان يُصَيِّرون ليلَهم نهارَهم. ثمّ يفعلون فيه من قضاء الشهوات أكثرَ مِمَّا يقضونه في نهارٍ غيره؛ لأنهم، لتوقُّعِ المنعِ منها بمجيء النهار، يَعُدُّون الليلَ فرصةً ينتهزونها، وخُلسةً يغتنمونها، خصوصًا
стр. 68
فيما شاهدناه بمدينة القاهرة. وما مَثَلُ مَن جَعَلَ صومَ شهرٍ مِن سنةٍ صائنًا للنفوس عن الشهوات، إِلاّ مَثَلُ من أراد إشباعَ الأسد بِبقّة، أو إِرواءَ الجملِ بمَذقةٍ. ونحن نشاهد أنّ كثيرًا من المنقطعين للرياضة يصوم الدهرَ، ويواصل في بعضه، ثمّ تكون غايتُه أن يَعجَز عن ضبط نفسه؛ فتجمح به، فتَصرعُه صرعاتٍ أقبح من صرعات العوامّ الذين لا رياضة لهم، بل لا يصومون رمضان أصلَا. والحكمة تقتضي أن يكون الفِعلُ صالحًا لِما قَصَدتَه من الحكمة والمصلحة. وإِلاّ، كان كمن ادَّعى أنّ الله سبحانه خَلَق الثعالبَ والضباعَ لإِهلاك النمورِ والسباعِ، وخَلَق الحمامَ في الدُورِ لحراسة الطيور من العُقبانِ والصقورِ، وخلَق الذُبّانَ لإِهلاكِ كلِّ حيّةٍ وثعبانٍ! وذلك مِمَّا تجب صيانةُ العامّةِ، فضلًا عن الحكماء، عنه.
وأمّا ثالثًا، فما ذكرتَه معارضٌ بأنّ مصلحةَ الصوم حصولُ الثواب في الآخرة، أو تصفيةُ النفس لإِدراك المعارف؟ فإِنّ للجوع أثرًا في الفهم والإِدراك. ولهذا قيل: البِطنة تُذِبُ الفِطنةَ؛ والجوع يورِث العلمَ الدقيقَ، أو إِذاقةَ الإِنسان ألمَ الجوعِ، ليَسمح للمساكين، ولا يبخل.
ومِثل هذا، حُكي أنّ معلِّمًا لأنوشِروان ضَربه ذات يومٍ ضربًا وجيعًا بغير ذنبٍ؛ وذلك عندما بَرَع فيما أراد من العلم، وأراد الخروج من عند المعلِّم. فحقد عليه أنوشروان. فلمّا وليَ الملكَ، أحضر المعلِّمَ، فقال: "لمِ ضربتني ذلك اليوم، ولم يكن لي ذنبٌ؟ " فقال له: "ظننتُ أنّك ستَلي الأمرَ بعد أبيك، لما رأيتُ من نجابتك. فأرَدت أن أُذيقَك مرارة الظلم، لئلاّ تظلم أحدًا". فقال أنوشروان: "تحسينًا لِما قصدَه المعلِّمُ.
وقد ذُكِر للصوم فوائدُ غير هذه. فجاز أن تكون مصلحةُ الصوم جميعَ تلك الفوائد.
وجاز أن يكون بعضها غير التي عَنيتَها أنت من الصيانة. وجاز أن يكون ما عنيتَه. فما ذكرتَه إِنما يصحُّ على تقديرٍ من ثلاث تقادير. وهو مرجوحٌ مغلوبٌ؛ فلا يُعوَّل عليه. لأنّ المرجوح في الشرعيّات كالمعدوم.
أمّا قوله، "لا يجوز أن تكون مصلحةُ الصوم حصولَ الثواب، بل دفع العقاب"، ففيه نظرٌ؛ لوجهين:
أحدهما أنّ النصوص تُقارِب التواترَ في الوعد بالثواب على الصيام؛ وهي أكثرُ من
стр. 69
نصوص الوعيد على تركِه. بل لا أعرِفُ نصَّا في ذلك إَلاّ قولَه ﵇، "مَن تَرَك يومًا مِن رمضان، لم يَقضِ عند صومُ الدهرِ على ما فيه".
الثاني: أنّ حقيقة الوجوب عند الأصوليّين مركَّبةٌ من أمرين: مَطلُوبِيَّة الفعلِ، والمنع من التِركِ. فباعتبار المطلوبيّة، يترتَّب الثوابُ. وباعتبار المنعِ، يترتَّب العقابُ. وصحّ في الحديث: "ما تقرَّب إِليّ عبدي بشيء مثل أداء ما افترضتُ عليه". والإخبار بالقُرَبِ كنايةٌ عن الوعد بالثواب، لأنّ بينهما رابطًا سببيًّا.
وإِذا ثَبتَ أنّ حصولَ الثواب مصلحةٌ في الصوم، فإِن عُورِض بها ما ادّعيتَه من دفعِ العقاب، وقفت. وإِن ادُّعِيَ أنّ مصلحة الصوم هي مجموع الأمرين، حصولِ الثواب ودفعِ العقاب، لم يصحّ حصرُك للمصلحة في أحدهما.
ثمّ قد سَبَق في قاعدة الزكاة، جوابًا له عن هذا بعينِه، أنّ العبادات أضرارٌ عاجلةٌ لتحصيل منافع آجلةِ. والنفع تارةً يكون بتحصيل خيرٍ، وتارةً بدفعِ شرِّ.
قولُه، "لا يجوز أن يُجبر الإنِسانُ على تحصيل نفعه، كما لا يُجَبر على عقدِ الإِجارة لتحصيل الأجرة. ويَجوز أن يُجبَر عليها لينتفي عنه الأجرةُ التي استغلّها واستحقّها". قلنا: هذا قياس تصرُّفِ اللهِ سبحانه على تصرُّق غيره. وهو غير صحيحٍ. فإِنّا نقول: المجبِر، إِن كان هو الله سبحانه، جاز أن يُجبِر على الأمرين. وإِن كان غيره، لم يجُز على الأمرين. فإِنّ الواحد منّا ليس له إِجبارُ الأجنبيّ منه على جلبِ نفعهِ، ولا على دفعِ ضررِه. إِلاّ أن يكون تحت حجرِه؛ فيصير كتصرُّفِ اللهِ في خَلقِه يملكهما.
أمّا المؤجِّر، حيث أجبرناه على عقد الإِجارة، فإِنّا لم نجبره من حيث أنّ ذلك دفعُ ضررٍ عنه؛ بل من حيث هو حقُّ عليه، وَجَبَ وفاؤُه؛ كما يُجبَر البائعُ على تسليم المبيع. ثم يقول المجبِرُ في ذلك: "هو الشرع؛ وهو من تصرُّف اللهِ سبحانه". وقد بيّنّا أنّ له إِجبارَ خلقِه على الأمرين.
стр. 70
قلتُ: فحيث يَطلب مقدّمات قاعدتِه، لم تصحّ له الدعوى في فروعها؛ وهو صحّة صومِ الفرضِ بنيّةٍ من النهار، أو بمطلَق النيةِ. وهذه الصورة أسهل؛ لأنّ قرينة رمضان تعيّن المطلقة بما وَجَب في الشرع.
وقوله، "إِنّ الصوم يكون عادةً وعبادةً؛ فوجب أصل النيّةِ للتمييز"، كلامٌ صحيحٌ. لكنّه يَلزمهم في اشتراط النيّة للوضوء؛ ولم يقولوا به هناك. ونحن اشترطناها بغير هذا التقرير، كما سبق. وقرّر الزنجاتيُّ مذهبَهم في هذه المسألة بغير هذا التقرير، وإِن قَرُبَ منه في حالٍ ما. وذلك أنّ الصوم عبادةٌ قُصِدَ بها إِلحاقُ المشقةٍ بالمكلَّف. ومشقّة الصوم إِنما تَلحَق غالبًا بعد مضي جزءٍ صالحٍ من النهار؛ لأنّ الإِنسان يُصبِح شعبانَ ريّان؛ فإِذا تعالى النهارُ، انهضم الطعامُ، وتراقت الأبرخةُ من المعدة إِلى الفم؛ فحصلَت مشقّةُ الجوع والعطش. فحينئذٍ، يتحقّق وجودُ مقصودِ العبادة، وهو المشقّة. فاعتُبرت قبل الزوال، لا ليلًا. ةوهذا، على ما فيه، أصلح من الأوّل.
ومعتمَدنا في اشتارط النيّة قبل طلوع الفجر أنّ الصوم عبادةٌ محضةٌ؛ فاشتُرطَت لها النيّةُ تمييزًا لها من العادة والتداوى، كما سبق. وشأن الشرطِ أن يعُمَّ أجزاءَ المشروط؛ كما قلنا في نيّة الوضوء: يجب تقدُّمُها على أوّل واجبات الصلاة. فأمّا الاكتفاء بسوم الماء ... السنة، مع أنّه شرطٌ لوجوب الزكاة فيها، فخارجٌ عن قاعدة الشروط، لعارض طلب الاحتياط للفقراء.
فأمّا قوله ﵇، "لا صيام لمن لم يُبيِّت الصيامَ من الليل"، وفي لفظٍ، "مَن لم يُبيِّت الصيامَ من اليل، فلا صيام له"، فهو من أدلّتنا في المسألة. لكنّه متردِّد الدلالةِ، من جهة أن"؛
стр. 71
كما اختُلِف في قوله، "إِنما الأعمال بالنيّات"؟ فتُشترَط النيّةُ للوضوء على الأوّل، دون الثاني؛ لأنّ انتفاء الكمال لا يقتضي انتفاءَ الصحّة والإِجزاء. والله أعلم.
ومنها قاعدته في الكفّارات والمقدَّرات
افتتَحها بأن قال: "اعلم أنّ المشرواعت كلّها مصالح، لا خلاف فيه، إِنما الخلاف في مفعولات الله . فعندنا، يجوز أن يَفعل اللهُ بعباده ما لا مصلحة لهم فيه. وعند المعتزلة، لا يجوز. وأجمعنا على أنّ الله سبحانه لا يوجِب على عباده، ولا يُشرِّع لهم فِعلًا، إِلاّ لهم فيه مصلحةٌ مخصوصةٌ، يتعلَّق بها وجوبُ شيءٍ، بحيث لا تحصل تلك المصلحة من كلّ نفلٍ أو مباحٍ".
قلتُ: هذا أوّلًا إِمّا تناقضٌ، أو سوء عبارةٍ؛ لأنّه أَوجَبَ برعاية المصلحةِ في المشروعاتِ جزءًا من مفعولات [الله]. فإِن أراد بالمشروعات "مفعولات خاصّةً، فهو سوء عبارةٍ. وإِلاّ، فهو تناقُضٌ؛ إِذ المشروعات دون مفعولات الله سبحانه. فيكون قد أتى الاعتزالَ من حيث أباه.
وتحقيق مرادِه أنّ ما اقتضاه اللهُ من خلقِه اقتضاءَ تكليفٍ، يَستلزم المصلحةَ لهم. وما اقتضاه اقتضاءَ تقديرٍ وتكوينٍ، كتقدير الآلام والمعاصي، لا يَستلزم المصلحةَ، كما سبق في الردِّ على المعتزلة في هذا الأصل، وهو رعاية الأصلح. ثمّ كان حاصلُ ما قرَّرَته القاعدةُ المذكورة أنّ مصلحة الإِيجاب الزائدة على مصلحة المباح والندب، إِمّا عاجلةٌ، أو آجلةٌ. لكنّ المصالح تختلف في ذواتها ومقدارها باختلاف الأحوال والأشخاص والأفعال. كاختلاف قَصر الصلاة وإِتمامها وجمعِها، باختلاف حالِ السفَر والحضَر؛
стр. 72
وسقوطِها عن المرأة ووجوبها، باختلاف حالِ الحيض والطهر شرعًا؛ والسفرِ وعدمِه للتاجر، باختلاف حال ظنِّ الربح وأمنِ الطريق، أو ظنِّ الخسرانِ وخوف اللصوص، عقلًا. وككون الفعل الواحد مصلحةً لزيدٍ، مفسدةً لعمروٍ، لاختلاف الأشخاص. وككون الأكلِ للجائع مصلحةً، والشرب له مفسدةً، لاختلاف الأفعال في ذواتها. وككون القدرِ اليسير نافعًا للشخص، دونَ الكثير من غذاءٍ أو دواءٍ، لاختلاف المقدار.
وإِذا ثبت ذلك، لم يجُز لنا الحكمُ بوجود المصلحة في الفعل، مع تَوَهُّم انعدامِها؛ لِما بَيَّنّا من لُزومِها في المشروعات. بل لابدّ من القطعِ بوجوبها. ولا يكفي جوازُ وجودِها، ولا ظنُّه؛ لمِا بيّنّا من وجوب زيادتها على مصلحة المباح والمندوب. بخِلاف القياسِ وخبرِ الواحدِ؛ حيث وَجَب العملُ بهما؛ لأنّ الدليل القطاع قام على أنّ العمل بهما مصلحةٌ؛ بخلاف ما نحن فيه.
[فروع قاعتدته في الكفّارات والمقدّرات]
ثمّ بَنى على ذلك أنّ الكفّارة لا تجب في قتلِ العَمدِ، ولا يمين الغموس، ولا على من انفَرد برؤية هلال رمضان، فرُدَّت شهادتُه، ثمّ أفطَر؛ لأنّا بيّنّا أنّ المصلحة تختلِف باختلاف الأحوالِ والأشخاص. والكفّارة في هذه المواضع مقدارٌ محدودٌ، لا يخلِف بزيادةٍ ولا نقصٍ. فنحن لا نَعلم أنّ إِيجابها في هذه المسائل مصلحةٌ أم لا؛ لجواز اختلاف المصلحة، بما ذكَرنا وبَيّنّا أنّ هذه المصلحة لا يكفي في وجودها الظنُّ، ولنسا بها قاطعين.
[الكلام على قاعدته في الكفّارات والمقدّرات]
قلتُ: الكلام على ما قَرَّرَه. وحاصِلُه أنّ المشروع لابدّ فيه من مصلحةٍ، وأنّ مصلحةَ الواجبِ زيادةٌ على مصلحة الندبِ؛ وأنّه لابدّ من القطع بوجودها، ولا يكفي فيه الظنُّ. وهو منازَعٌ في الجميع. أمّا أنّ المشروع لابدّ فيه من مصلحةٍ، فقد بيّنّا ضعفَه في القاعدة قبلَ هذه. وأمَا أنّ مصلحة الواجب يَلزَم أن تكون زائدةً على مصلحة الندب،
стр. 73
فممنوعٌ أيضًا؛ لأنّا إِذا نازعناه في أصل وجوبِ ثبوتِ المصلحة، فالنزاع في مقدارها أَولى.
ثمّ نقول: لِم لا يجوز أن يَتَعبّد سبحانه خلقَه بالأفعال المختلِفة لمصالح متساويةٍ؟ إِن مَنعتَه عقلًا، فقد سَبَق الكلامُ في قاعدة التحسين والتقبيح. وإِن مَنعتَه شرعًا، فأين دليله في الشرع؟ وظواهر السنّة الصحيحة المستفيضة، بل نصوصها، تدلُ على صحّة ذلك ووقوعه. كقولِه ﵇: "مَن فطر صائمًا، فله أجرُ صائمٍ؛ ومن جهّز غازيًا، أو خَلَفَه في أهله بخيرٍ، فقد غزا"؛ وقوله: "مَن سأل اللهَ الشهادةَ خالصًا من قلبه بَلَّغه اللهُ مراتب الشهداء، وإِن مات على فراشه". وقوله في غَزَاة تبوك: "إنّ بالمدينة ناسًا، ما هَبَطتم واديًا، ولا قَطَعتم منزلًا، إِلاّ كانوا معكم"؛ قالوا: "وهٌم بالمدينة؟ " قال: "وهُم بالمدينة؛ حَبسهم العذرُ، يعني بنيَّاتهم. وهذه مصالح متساويةٌ في ظاهر الأمر، مع تفاوت الأعمالِ؛ إِذ بين الصائم والمفطرِ، وبين الغازي والمجَهِّز، وبين النيّة والفِعل في لُحوقِ مَشاقّ العبادات، بونٌ بعيدٌ.
وأمّا أنّ المصلحة لابدّ من القطعِ بوجودها في الفعل، فضعيفٌ أيضًا. لأنّه لو لَزِم القطعُ بوجودها، للزم القطعُ بتعيينها، لكنّا نقول: تعيينُ المصلحةِ أولى بأن يُعتبَر القطعُ فيه من وجودها؛ لأنّه أهمّ وافيد وأشرح لصدر المكلَّف، لِما فيه من معرفةِ خصوصيّةِ العلّةِ. بخلاف الاكتفاءِ بمجرَّد الوجود؛ فإِنّ المصلحة قد تكون مجمَلَةً. فإذا لم يُعتبر القطعُ بتعيينها الأهمَّ، فأن لا يُعتَبر القطعُ بوجودِها أولى.
[الكلام على فروع قاعدته في الكفّارات والمقدّرات]
وإِذ بَطَلَت مقدّماتُ قاعدتِه، بطلَت دعواه في فروعها الثلاثة. ولنا في كلّ واحدةٍ منها قولان. والمختار فيهنّ وجوبُ الكفّارةِ؛ وهو الصحيح في المذهبِ، إِلاّ في يمين
стр. 74
الغموس؛ لأنّا بَيّنّا في القواعد أنّ الكفّارةَ متردِّدةٌ بين معنى العقوبة ومعنى الجُبران، وأنّ معنى العقوبة فيها أظهرُ؛ لقوله سبحانه، في كفّارة الصيد: ﴿ليذوث وبال أمره﴾؛ يعني القاتلَ عُوقِب بالغرم في ماله أو بُنيَته، لكونه أَتلَف مالًا لله، هو ممنوعٌ منه، بإِتلاف بدنِ الصيدِ. وأيضًا، فإِنّ الفقهاء قالوا: "التعزيز مشروعٌ في كلّ معصيةٍ لا حدّ فيها ولا كفّارةٌ، لئلاّ يخلو الفعلُ من عقوبةٍ". فدلّ على أنّ الكفّارة عقوبةٌ، كالحدّ والتعزيز.
ولا يَرِدُ على كون الكفّارةِ عقوبةً إِلاّ كفّارة قتلِ الخطأِ؛ إِذ لا إِثم يُعاقَب بها عليه ونحن نقول: إِنها عقوبةٌ على تفريطِه؛ إِذ لم يَثبَّت ليَظهَر له وَجهُ الخطأ، فيَجتَنِب أسبابَه. فإِنّ من رأى حيوانًا في ليلٍ، أو في حَمَرٍ، يمكنه أن يَتأنّى ليُحقِّق هو إِنسانٌ أو لا. فإِذا لم يُحقَّق ذلك، بل بادر ورَمَى، فقتَله، فإذا هو إِنسانٌ، ناسَبَ عقلًا وشرعًا أن يَتعلَّق بِفعله العقوبةُ على استعجالِه. وعلى هذا، فقِس في صُوَر الخطأ.
أو نقول: إِنّ كفّارة الخطأ تَثُبت من قبيل ربطِ الُحكمِ بالسبب؛ بثَنيها على عِظَمِ القتلِ والتغليط في أمرِه. وربطُ الأحكامِ بالأسباب على خلاف الأصل؛ لمَا قَرَّرناه في القواعد.
إِذا ثَبَتَ أنّ الراجح في الكفّارة معنى العقوبة، فلا شكّ في مناسَبةِ هذه الأفعال الثلاثة للعقوبة.
أمّا القتل عَمدًا، فظاهرٌ. ولهذا أُوجِبت العقوبةُ في النفس بالقَوَدِ، وفي المال بالديَة، لحقٍّ الآدمي. فكذلك، فالمالُ بالكفّارةِ، لحقِّ اللهِ سبحانه؛ إِذ قد بَيّنّا أنّ الحقّ في النفس مشترَكٌ لله سبحانه، وللعبج بالعَرض؛ وإِن كان في الأصل حقًّا لله لا غير، بمقتضى المالكيّة الثابتة بالخالقيّة؛ إِذ الأصل أنْ كلّ مَن خَلَق شيئًا وأَوجَده، مَلَكَه. ولا خالق للموجودات إِلاّ الله؛ فلا مالك لها إِلاّ هو سبحانه.
وأمّا يمين الغموس، وهي أن يحلِف كاذبًا عالمًا بكذبه، فلأنّه اجتَرَأن على الله وانتهك حُرمةً اسمِه العظيم. وفي ذلك نوعُ استخفافٍ واستهانةٍ. فالعقوبة فيه أنسبُ منها في
стр. 75
قتل النفس؛ لأنّه اجتِراءٌ على مُلكِ الله، وهذا اجتِراءٌ على عَظَمة اللهِ. ونحن نَرى أنّ المَلك، أو ذا القَدرِ والمنصبِ من المخلوقين، قد يعفو عن مِلسِ الأرضِ ذهبًا وعبيدًا وخيلًا وغير ذلك، ولا يُسامِح بكلمةٍ تَغُضُّ من قَدرِه ومنصبه. ولو لم تَغُضّ منه أيضًا، لم يُسامِح بها، لاقتضاء أنَفَة المنصبِ ذلك. فالله سبحانه أولى بهذه الغِيرة على عظمته. ولولا أنّ الله تعالى حليمٌ، لَمَا قَنعَ مِن صاحب يمين الغموس بكفّارةٍ، هي قَدرٌ نزِرٌ في نفسها وفي العقوبة بها. بل لو أهلَك الوجودَ جميعه بمثلِ ذلك، لكان قليلًا في جنبِ عظمته. لكنّه سبحانه يقول: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة﴾، إِلى قوله في آية أخرى: ﴿إنه كان حليما غفورا﴾. لكنّه أعدّ للحانث في الآخرة ما دَلَّ عليه قولُه تعالى، ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾، الآية، وما وَرَد في السنّة من الوعيد.
فأمّا قول الفقهاء، "لا يجب، لأنّ الذي أتى أعظم مِن أن يكون فيه كفّارةٌ" فهو بناءٌ منهم على أنّ الكفّارة تكفر الإِثمَ، أي تغطيه أو تزيله. فإِثم الغموس ونحوها لا يكفّر بشيءٍ. وهو غير مسَلَّمٍ. بل إِنما هي عقوبةٌ؛ والعقوبات شُرِعَت زواجرَ. وأوَلى ما زُجِر عنه حُرمةُ اللهِ سلحنه أن تُنتهَك في مُلكِه وعظمتِه.
ثمّ هذا القاتل والحانث، إِذا صارا إِلى الله، إِمّا أن تَتقدّم لهما توبةٌ؛ فقبولها واجبٌ عند المتعزلة، مِرجُو عندنا من كَرَمِ اللهِ؛ فيَسلَمان. أو لا تَتقدّم لهما توبةٌ؛ فقبولها واجبٌ عند المعتزلة، مَرجُو عندنا من كَرَمِ اللهِ؛ فِيسلَمان. أو لا تتقدّم لهما توبةٌ. فإِمّا أن يُخلَّدا في النار، كما تقوله المعتزلة؛ أو لا يخلّدا. فإِن خُلِّدا، فقد أَشبَها الكفّارَ، وسَقَطَت حرمتُهما. فإِيجاب الكفّارة عليهما في دار التكليف، مع مصيسرهما إِلى الخلود في النار، لا محذور فيه، لسقوط حُرمتِهما المبيَّن في المالِ. وإِن لم يخلَّدا، فعذابهما على القتلِ والحنثِ مُتَنَاهٍ. فلتكن الكفّارةُ الآن من جملة ذلك المتناهى تحصيلًا لفائدة ردعِه، بتعجيل بعض العقاب له، وزجرِ غيره. والله سبحانه لا يَظلمه. فهو يخفِّف عنه من عذاب الآخرة بقدرِ ما أُخِذ منه في الدنيا.
следующие страницы →