← Общие книги

Общие книги · id 148532

شمس الله تشرق على الغرب = فضل العرب على أوروبا

زيغريد هونكه

Полный текст (468 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

جانب أنفه، فمات الفارس، فقلنا له: قد مات. قال: نعم، كان يتعذب فسددت أنفه حتى يموت ويستريح». وضع اليد، طرد الشيطان، صلاة هذه كانت أحسن أدوية للشفاء كان يستخدمها الأطباء الأوربيون وهم في أزياء القسيسين والرهبان لشفاء المرضى من أمراضهم الجسدية. «هل أحد بينكم مريض، فإن كان الأمر كذلك فليستدع الإنسان عجائز الحيّ ليصلوا من أجله بعد أن يدهنوه باسم المسيح بالزيت، وصلاة الإيمان لا تكفي لشفاء المريض»، هكذا علم يعقوب الرسول، لكن يسوع نفسه طبيب الجسد والروح شفى حواريّيه والآخرين الذين أراد شفاءهم بوضع يده وطرد الشطان؛ لقد شفى مرضى الأعصاب والعقول والبرص والدوسنتاريا والنزيف الدائم والأمراض الأخرى. والمسيح لم يشف فقط من الأمراض بل منح تلاميذه بركة الله، لقد منحهم القوة للتغلب على الأرواح الشريرة فكانوا يطردونها، وشفوا بذلك مختلف الأمراض، لقد كلفهم شفاء المرضى وتطهيرهم من البرص والأورام، كما أحيوا الموتى وطردوا الشياطين. ولا يحتاج الحواريون لتنفيذ مشيئة السيد المسيح إلا إلى الإيمان الكامل، فالعقيدة هي سر الشفاء، فالذي يؤمن يساعد وتتحقق طلباته، هكذا تعلم الكنيسة، وقد عرفت جيدًا كيف تفرض نفسها وتدعي شفاء الجسد والروح. أليس الاعتماد على العقاقير الدنيوية كالأعشاب والجذور يضعف الاعتماد على الله وقوته؟ إن الشياطين والأرواح الشريرة هي التي تحاول إبعاد الإنسان عن الله والاعتماد عليه، تحاول إبعاد الإنسان عن خالقه، وقد نجحت الشياطين حقًا في إضلال الأغبياء وضعاف الإيمان فلجأوا إلى مثل هذه الأدوية وتلك العقاقير. «إن جميع الأدوية ومختلف أنواع العلاج نشأت أصلًا من وسائل الشعوذة والضلال» هكذا قال أحد آباء الكنيسة ألا وهو «تتيان» وقال أيضًا: «إن جميع هذه العقاقير الطبية بأنواعها المختلفة من صنع الوثنية وحضرتها في صيدلية الطبيعة»،

стр. 142

«وذلك لأنه عندما يشفى مريض بعقاقير مادية ويثق الإنسان في مثل هذه العقاقير ومفعولها وقدرتها على الشفاء فإن ثقة مثل هذا الإنسان في الله وقوته يجب أن تكون أعظم، فلماذا لا يعتمد على الله فقط؟ ولماذا لا يتجه إلى الله القوي العظيم؟ أو يفضل المريض أن يشفى كما يشفى الكلب عن طريق العشب، والوعل بواسطة الأفاعي، والخنزير بسرطان البحر، والأسد بالقردة؟ لماذا نقدس الأشياء الأرضية؟ ». والكنيسة ترى أن استخدام أدوية أخرى غير تلك التي تصفها هي أعني أدوية الروح، كذلك ترى أن احتراف الطب وإجراء عمليات جراحية، عمل مشين يتنافى ومكانة رجال الدين وكرامتهم. وقد استمرت هذه العقيدة سائدة عدة قرون بين الأطباء الدارسين، فقد كانوا عرضة لكثير من الإهانات واللعنات وبخاصة إذا كان الطبيب جراحًا حتى ولو فصد فصدًا لاستخراج الدم فإن الكنيسة لن تغفر له هذا العمل المشين، وفي شيء من الإيجاز لقد حرمت الكنيسة على رجال الدين مباشرة الجراحة، وتركت هذه العملية الجراحية لأناس يعتبرهم المجتمع من الطبقة الدنيا التي كان ينظر إليها باحتقار. وغالبًا ما كان الجراحون يتوارثون هذه المهنة عن آبائهم وأجدادهم، فهي مهنة وراثية ولو أنهم كانوا في نظر الشعب أطباء. ألم يكونوا هم الذي اختارهم الله للقيام بالعمليات الجراحية ويؤدون هذه المساعدات وتلك الخدمات؟ أما موقف الكنيسة منهم فمعروف فيهم ألا تثق فيهم ولا تعترف بهم، كما لا تعترف الكنيسة بالدواء الذي لا تقرره الكنيسة أو الأطباء الذين لا تعترف هي بهم. فالذي لا يخفف الآلام بل يزيدها أحيانًا إيلامًا يرتكب خطيئة كبرى مع المريض، فهؤلاء الأطباء الجهلاء الذين كانوا يقومون بالعمليات الجراحية عن طريق السكاكين الحادة والإبر كانوا موضع احتقار أسقف الإفرنج «جريجور فون تور» (٥٤٠ - ٥٩٤ م) فهو يقول: «ماذا يستطيع الأطباء أن يفعلوا بآلاتهم؟ إن مهنتهم تزيد الآلام ولا تخففها فهم يفتحون العين ويجرحونها ويقطعون فيها بآلاتهم المدببة، وأنهم

стр. 143

بذلك يقربون آلام الموت من المرضى دون دون أن يساعدوا المرضى ويمكنوهم من الرؤية، وما لم تتخذ سائر الوسائل وتراعى الترتيبات الضرورية فإن الرؤية ستختفي، لكن إلهنا لديه آلة من الصلب واحدة وهي إرادته ولديه مرهم واحد وهو قوته على الشفاء». ومن حسن الحظ أن هبت من إيطاليا القوطية الشرقية ريح جديدة حاولت مطاردة هذه الريح الراكدة الفاسدة المشحونة بالخرافات، ولعل مما ساعد على هذا البعث الجديد أن إيطاليا كانت في ذلك الوقت محتفظة بعدد من الأطباء الشعبيين ثم انضمت إليهم جماعة أخرى من أطباء الجرمان عن طريق اللونجبرديين فقوت ساعدهم وساند كل طبيب الآخر وعاونه على الحياة. ففي أيام «تيودوريش الأكبر» ومستشاره «كسيودور» ازدهرت المدارس القديمة وترعرعت وأمد كل من «أماليسفتنا» و «أثالاريش» المعاهد العلمية بكثير من المساعدات التي عاونتها على النهوض بمهمتها. ففي تلك اللحظة عندما لجأ في الشرق «بوستنيان» إلى العلوم اليونانية مأواه الأخير، أكاديمة أثينا، أسس «بنديك تفون نورسيا» في الجبال المطلة على نابولي البيت الأصلي للطائفة التي ينتمي إليها وهو الدير المعروف باسم «مونت كسينو»، وكان يعني المعجزات أكثر من عنايته بتخريج العلماء، لكن «كسيودور» رئيس وزراء ملك الغوط أجهد نفسه في سبيل تأسيس المجامع العلمية في روما وجنوب إيطاليا حرصًا منه على المحافظة على البقية الباقية من العلوم الروامنية الشعبية فأدخلها الأديرة الأوربية محافظة عليها من الضياع، وهي التي انحدرت إلينا من العالم القديم أولا، وتطويرًا للحياة العلمية في الأديرة ثانيًا. فمنهج الدراسة بالأديرة كان لا يعني بمادة الطب باختلاف الرياضيات والعلوم الطبيعة بالرغم من ضآلة هاتين المادتين أيضًا. والواقع أن الشعب الروماني لم يخلق من الطب علمًا، وما نجده في أوربا مصدره ترجمة ضعيفة فقيرة لبعض المخطوطات اليونانية والبيزنطية، هذا إلى جانب مجموعة من الوصفات الطبية وقليل منها المفيد النافع. أما هذا النوع الذي عرفته أوربا وفيه شيء من الفائدة فيرجع تاريخه إلى مائتين أو ثلثمائة سنة بعد ذلك، وقد أخذته أوربا عن العالم القديم وعن طريق

стр. 144

العرب الذين نهضوا بهذه المادة نهضة جبارة، في الوقت الذي كانت أوربا عاجزة لا عن قراءتها فقط بل عن فهمها أيضًا. أما الشيء المهم الوحيد الذي ابتدعه الرومان وفهمه رجال الأديرة فدائرة معارف «سسلزوس». وهكذا نجد مادة الطب في وضع أسوأ من أوضاع المواد الأخرى، فالطب كغيره لم يطلب في الأديرة لذاته بل لخدمة العقيدة؛ لذلك لم تتقدم دراسته أو تثمر الثمار المرجوة، وكان يكتفى علميًا بالنسخ والجمع. والظاهرة الغالبة في أوربا في ذلك العصر التقشف والبعد عن الحياة الأرضية والالتجاء إلى الكنيسة وتعاليمها واحتقار الحياة الدنيا، هذه هي الغايات التي كان يصبو إليها الأوربي حينذاك. والتاريخ يحدثنا أن القديس «نيلوس فون روسانو» وقد جاءه يومًا يهودي يدعى «دونولو» (٩١٠ - ١٠٠٥ م) كان قد درس الطب في جنوب إيطاليا على يد أطباء عرب عرضًا عليه خدمته وهو فخور بما حصله من علم في الطب احتقره القديس وطرده، وقال له: إن أحد اليهود ذكر: خير للإنسان أن يعتمد على الله لا على إنسان آخر؛ ولما كنت أعتمد على الله وعلى سيدنا يسوع المسيح فلست في حاجة إلى طبك. ثم نجد الواعظ الصليبي المشهور «برنرد فون كليرفو» (١٠٩٠ - ١١٥٣ م)، وقد كان معاصرًا للأمير العربي أسامة بن منقذ كثيرًا ما يشفي المرضى بشيء من الإعجاز إلا أنه حرم على رهبانه الذين كثيرًا ما تعرضوا لأمراض الأجواء غير المناسبة لهم حرَّ عليهم الاستعانة بالأطباء أو تناول الدواء، وقد علل هذا التحريم بقوله: ليس من المستحسن أن يشفوا أرواحهم فاستخدام الوسائل الأرضية يضرهم. ولم يكن هذا التحريم ركنًا من أركان الإيمان أو العبادات بل الإيمان العميق الذي غرسته الكنيسة فيهم؛ ثم مع توالي العصور وكثرة الحوار والمجادلات حوله أصبح أرسخ قدمًا من أي شيء آخر. إن المحافظة على صحة الجسد أمر بل وصية وصى

стр. 145

بها الله، وذلك لأن مرض الجسد يعوقه عن تأدية فروضه تحو الله، لكن أهم من العناية بالجسد إنقاذ الروح من الوقوع في الخطيئة، لذلك لا يجوز للمريض الذي يتلوى من الحمى أن يستعين بطبيب قبل إعلان التوبة إلى ربه، فقد تقرر عام ٨٩٥ م في المجمع الديني الذي عقد في «نانتيس»: «على القسيس عندما يبلغه أن أحد مسيحيي طائفته قد مرض أن يتوجه إلى المريض ويرشه بماء مقدس، ويصلي معه ثم يبعد سائر أعضاء الأسرة ويعترف المريض له ويرجوه أن يطهره دينيًا وأرضيًا من الخطايا، فبدون اعتراف لا علاج»، وهكذا أصبح هذه القرار ناموسًا يحترم وينفذ. وفي عام ١٢١٥ م نجد البابا «أينوسنس الثالث» في اجتماع عقد في قصر «لاتران» البابوي في روما يقرر وجوب احترام هذا الناموس والحرص على تنفيذ أوامره، كما يقرر منع علاج الشخص الذي يطرد من الكنيسة لأن مثل هذا المريض المطرود لم يعترف بعد، وسبب المرض خطيئة الروح، كما قال بذلك يسوع المسيح إذ ذكر مرة لمريض شفاه من المرض: انظر لقد شفيت فلا ترتكب خطيئة مرة أخرى حتى لا تصيبك مصيبة أخرى (إنجيل يوحنا الإصحاح ٥ آية ١٤). وقد فهم القديس «كريزوزتومس» من كلمات السيد المسيح أن مصدر المرض الخطيئة التي يرتكبها الإنسان فإذا اعترف المريض شفي من المرض، وذلك لأنه إذا ذهب السبب ضاع المسبب، وإذا رفض المريض الاعتراف، ورفض الطبيب المسيحي علاجه واضطر المريض إلى الالتجاء إلى طبيب آخر يهودي أو مسلم ليعالجه طرد المريض المسيحي من الكنيسة، وذلك لأنه بمسلكه هذا يهدد سلام روحه تهديدًا مباشرًا. ولكي نتبين مدى انزعاج الكنيسة عند وقوع مثل هذه الحالات يكفي أن نقرأ خطاب «برنارد فون كليرفو» حيث جاء فيه: «لقد جاء إليه راهب بعد أن ثار وترك الدير وشكا رئيسه بألفاظ قاسية، لأن هذا الرئيس تجرأ وقرر مساعدة طبية للمستبدين واللصوص والذين طردوا من الكنيسة المسيحية». نعم. هكذا كان الإفرنج، والمسلم يعجز عن إدراكه، فها هو ذا ابن رضوان الذي كان نقيب أطباء القاهرة في منتصف القرن الحادي عشر، والذي كانوا يلقبونه بلقب «تمساح الشيطان» ذكر مرة في صدى الحديث عن واجبات الطبيب «أن يكون مأمونًا

стр. 146

ثقة على الأرواح والأموال لا يصف دواء قتالا ولا يعلمه، ولا دواء يسقط الأجنة. يعالج عدوه بنية صادقة كما يعالج حبيبه». أما المسلمون في القدس ودمشق فقد كانوا يجهلون تمامًا ما يجري في مستشفى الإفرنج، وكانوا لا يتصورون هذا النظام الذي فرضه فرسان طائفة اليوحنايين على ذلك المستشفى القائم في القدس، فقد اشترط أولئك اليوحنايون على الجرحى الذين يرسلون إلى المستشفة أن يعترفوا أولا ويذكروا كل ما صدر عنهم من أعمال سيئة، ومن ثم يتناولون لقمة من الخبز الذي يسمى «جسد المسيح»؛ وبعد كل هذه الإجراءات فقط يسمح بإجراء الإسعافات الأولية للجريح. أما في الوطن فقد كانت طائفة البنديكتيين هي التي تقوم بعلاج المرضى، وعن هؤلاء انتقلت هذه الوظيفة إلى سائر الأديرة الأوربية، وكان الراهب مطالبًا عند ممارسته هذه المهنة باتباع الحب المسيحي من حيث العناية بالنفس البشرية والعمل على تخفيف آلامها، لذلك أسست هذه الطائفة في مختلف الجهات أماكن الضيافة للرحالة والحجاج والأطفال غير الشرعيين واليتامى والشيوخ والفقراء والمرضى. أما البيوت المخصصة بالمرضى فلم تعرفها أوربا قبل نهاية القرن الثاني عشر الميلادي، وفقط بعد اتصال أوربا الصليبية بالشرق العربي حيث اقتبس المسيحيون نظم المستشفيات والملاجئ، ولو أن أوربا ظلت زمنًا طويلا تحارب الأطباء ولا تعينهم في المستشفيات اعتقادًا من المسيحيين بأن رسالة الكنيسة فيما يتعلق بالمرضى هي تخفيف الآلام لا الشفاء. ومن أوائل المستشفيات، حسب قول شاهد عيان، ومن أحسن المستشفيات الأوربية ذلك المستشفى المعروف في باريس باسم «أوتيل ديه» أي «فندق الله»، وهذا المستشفى كما تصفه المراجع التي وصلتنا كانت أرضه مرصوفة بالطوب المغطى بالقش وعليه يتزاحم المرضى. . . أقدام هؤلاء إلى جانب رءوس أولئك، والأطفال إلى جانب الشيوخ والنساء بجوار الرجال .. وأصحاب الأمراض المعدية مع غيرهم جنبًا إلى جنب، كما نجد نساء قد جاءهن المخاض وأطفالا من المغص يتلوون، ومصابين بالحمى يهذون، ومرضى السل يسعلون، وآخرين بالأمراض الجلدية

стр. 147

ينهشون. وإذا أضفنا إلى هذا قذارة المستشفى، وكثرة الهوام والحشرات، ونقص الضروريات، وشكوى المرضى ألم الجوع والعري، أدركنا السر الذي اضطر القائمين عليه إلى فتح أبوابه ليلًا نهارًا تمكينًا لأهل المريض ومعارفه من إطعامه هذا الطعام الذي أودى بحياة الكثيرين من نزلائه. أما تهوية المستشفى فقد كانت من الرداءة بحيث اضطرت الممرضين وغيرهم إلى وضع اسفنجة مبللة بالخل على أفواههم، وخاصة أن جثث الموتى كانت تظل في أماكنها أيامًا طويلة حتى تنقل. وكان المرضى هم الذين يقاسون من هذه الحالات أشد الأهوال وأنكرها، من رائحتها الكريهة التي تبعثها، وتجمع الذباب حولها.

стр. 148

مستشفيات وأطباء لم ير العالم نظيرهم والدي العزيز: إنك تسأل عما إذا كنت تحضر لي نقودًا عند زيارتك، والواقع أنني عندما أغادر المستشفى تصرف لي إدارته كسوة جديدة وتسلمني خمس قطع نقود ذهبية أنفق منها عقب خروجي من المستشفى مباشرة حتى لا أضطر إلى العمل وأنا في حاجة إلى الراحة للنقاهة. فأنت يا والدي لست في حاجة إلى بيع ماشية من مواشيك، والشيء الوحيد الذي أطلبه منك سرعة المبادرة، إذا ما أردت، زيارتي حيث أقيم الآن في قاعة ذوي العاهات إلى جانب حجرة العمليات، والوصول إليها سهل يسير، فعند دخولك من المدخل الرئيسي للمستشفى اتجه إلى القاعة الخارجية الواقعة جهة الجنوب وهي المصحة الشعبية التي نقلت إليها عقب سقوطي، وهناك يكشف على المريض مساعدو الأطباء وبرفقتهم الطلبة. أما المريض الذي لا يحتاج إلى علاج داخلي في المستشفى فيحصل على كشف بالدواء الذي يحتاج إليه، ويتناوله من صيدلية المستشفى. وبعد الكشف عليّ كتب اسم في سجل المستشفة وعرضت على كبير الأطباء، وقد حملني ممرض إلى قسم الرجال بعد أن أدخلني الحمام وألبسني ملابس نظيفة للمرضى. وعلى يشارك أيضًا تجد المكتبة والقاعة الكبرى للمحاضرات حيث يدرس كبير الأطباء للطلاب، وهذا المكان يقع خلفك. أما الطريق الواقع في جهة اليسار من فناء المستشفى فيؤدي إلى قسم النساء، لذلك يجب عليك أن تلتزم دائمًا ناحية اليمين مارًا بقسم الأمراض الباطنية، وقسم الجراحة. وعندما تسمع موسيقى أو غناء في قاعة من القاعات فانظر إلى داخلها إذ قد أكون في القاعة النهارية للاستجمام والترويح عن النفس حيث تجد كتبًا وموسيقى للتسلية.

стр. 149

ولما زارني صباح اليوم كبير الأطباء ومعه مساعدوه والممرضون وكشف، أملى عليَّ طبيب القسم شيئًا لم أفهمه، وقد شرح لي بعد ذلك أنني قد أغادر السرير غدًا وأترك المستشفى قريبًا. والواقع أنني لا أريد مغادرة المستشفى فكل شيء هنا في غاية النظافة والجمال، فالأسرة وثيرة وأغطيتها من القماش الدمشقي الأبيض وعليها أخرى هشة ناعمة كالقطيفة. وفي كل غرفة ماء جار وبها تدفئة تستخدم شتاء. أما وجبة الطعام فغالبًا ما تتكون من الطيور أو شواء الضأن لأولئك الذين تحتمل صحتهم مثل هذا. إن جاري قد تمارض نحو أسبوع طالبًا في إطالة البقاء بالمستشفى ليتمتع بلحم صدر الفراخ، إلا أن كبير الأطباء تبينه وأخرجه من المستشفى البارحة بعد أن تبين جودة صحته من أنه أكل رغيفًا وفرخة كاملة. إذن احضر يا والدي قبل أن تعد لي آخر دجاجة! فالحالة كما يصورها الخطاب نستطيع أن ننسبها إلى القرن العشرين الذي كثيرًا ما نشيد به. والواقع أن هذه الرسالة تصور مستشفى من المستشفيات الكثيرة التي كانت منتشرة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي قبل ألف عام من الهيمالايا إلى البرنات؛ ففي قرطبة نجد في منتصف القرن العاشر خمسين دمشقي. أما بغداد، وقد فاقت غيرها واشتهرت بمستشفياتها منذ عهد هارون الرشيد، فمواقع المستشفيات قد أحسن اختيارها صحيًا، كما زودت جميع غرفها ومحال الغسل بها بالمياه الجارية المأخوذة من نهر دجلة، وكان هذا شيئًا بدهيًا. فعندما شرع السلطان عضد الدولة في بناء مستشفى جديد كلف الطبيب المشهور الرازي اختيار أنسب مكان وأصحه، وأن عضد الدولة استشاره في الموضع الذي يجب أن يبنى فيه البيمارستان، وأن الرازي أمر بعض غلمانه أن تعلق في كل ناحية من جوانب بغداد شقة لحم؛ ثم اعتبر التي لم يتغير ولم يسهك فيها اللحم بسرعة فأشار بأن يبنى في تلك الناحية، وهو الموضع الذي بنى فيه البيمارستان. وفي القاهرة لما أراد صلاح الدين تحويل قصر من قصوره إلى المستشفى الناصري اختار من بينها القصر الذي لا تكثر في قاعاته جموع النمل.

стр. 150

وقد شيد أولئك الملوك الأخيار إلى جانب القصور التي زودوها بمختلف وسائل الأبهة والراحة كثيرًا من دور الخير والبر حيث توفرت فيها وسائل النوم والراحة أو الإقامة حتى لكبار رجال الدولة، كما أن المستشفيات كانت مزودة ببعض قاعات النوم والحمامات المفتوحة للجميع. ومن أشهر المستشفيات الإسلامية المستشفة الكبير المعروف باسم المنصوري أو دار الشفاء أو مارستان قلاوون، ولما تم بناؤه توجه السلطان في ركب عظيم، ولما بلغ البيمارستان استدعى قدحًا من الشراب فشربه وقال: «قد وقفت هذا على مثلي فمن دوني»، وأوقفه السلطان على الملك والمملوك، والكبير والصغير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، وجعل لمن يخرج منه من المرضى عند برئه كسوة، ومن مات جهزه وكفن ودفن. ورتب فيه الحكماء الطبائعية والكحالين والجرائحية والمجبرين لمعالجة الرمد والمرضى والمجروحين والمكسورين من الرجال والنساء ورتب الفراشين والفراشات والقومة لخدمة المرضى وإصلاح أماكنهم وتنظيفها وغسل ثيابهم وخدمتهم في الحمام، لكل مريض فرش كامل. ولم يحصر السلطان أثابه الله هذا المكان المبارك بعده في المرضى. بل جعله سبيلًا لكل من يصل إليه في سائر الأوقات من غني وفقير. ولم يقتصر أيضًا على من يقيم به من المرضى بل رتب لمن يطلب وهو في منزله ما يحتاج إليه من الأشربة والأغذية والأدوية. ويذكر القوم عن أطباء دمشق ضاحكين عن الأمير الفارسي وشهيته في الطعام. فقد زار مرة مستشفى نوري رائحة دجاجة محمرة، فقرر التمارض وأخذ يتردد على المستشفى عدة مرات ففحصه الطبيب المختص فلم يجد به أي أثر لمرض فاحتار الطبيب فسأله هذا الفارسي الجشع سؤالين كشفا للطبيب سر تمارضه إلا أن الطبيب المهذب لم يدع الفرصة تمر دون أن يشير إلى مريضه بالتوجه إلى قسم الأمراض الباطنة ووصف له طعامًا يتناوله مرتين يوميًا وهو عبارة عن فطائر محشوة بالعسل وبداخلها قلوب فراخ وفراخ سمينة وحلوى ومختلف أنواع الأطعمة الشهية اللذيذة، وبعد ثلاثة أيام تلاشت مقاومة المريض وساءت صحته فقال له الطبيب: «ثلاثة أيام كرم عربي؛ وقد انتهت فتوكل في رعاية الله وحفظه والسلام عليكم».

стр. 151

أما مستشفى نوري هذا فقد أسسه الرجل الإنساني الذي كان يعني بشئون رعيته ألا وهو السلطان نور الدين زنكي (١١٤٦ - ١١٧٤)، وقد شيده من فدية حصل عليها لإفراجه عن ملك من ملوك الإفرنج كان قد أسره وسجنه. ومن هنا كانت ترسل الأدوية إلى المنصور قلاوون القائد المصري الشاب عندما أصيب بالقرب من دمشق في مرارته. وبعد شفائه امتطى المنصور صهوة جواده وتوجه إلى المستشفى؛ ومنذ ذلك الوقت طاردته فكرة «واحة السلام» بينما كان يخوض غمار المعارك؛ إنه يذكر القاعة ذات الهواء العليل في المستشفى، ويذكر الأسرة البيضاء ذات الفراش الوثير. فنذر الله أنه -متى اعتلى عرش الحكيم- سيشيد للمرضى مستشفى كهذا. فلما جاءته السلطنة وفّى بوعده ونذره، وأنفق على بناء المستشفى مالًا كثيرًا وشيده في الشارع الممتد بين برجي القاهرة. هذا هو المستشفى المنصوري، وإنه حقًا قصر عظيم مؤثث أحسن تأثيث، وكان أحدث وأكمل مستشفى على سطح الكرة الأرضية. وليس فقط الخلفاء والسلاطين أو الأثرياء هم الذين شيدو المستشفيات بل كذلك الأطباء مثل: سنان بن ثابت وثابت بن سنان الابن والحفيد للفلكي العظيم ثابت بن قرة، لقد أسس هؤلاء المستشفيات والمصحات ودور الإسعاف المتنقلة، كذلك شيدوا مستشفيات الأسرى. ففي عام ٩٢٣ م أسس الوزير ابن الفرات في بغداد من ماله الخاص مستشفى لموظفيه حيث يعالجهم الأطباء مجانًا. وفي ميافارقين صارع الموت ابنه الحاكم فوعد والدها الطبيب المعالج أنه إذا شفاها قد له وزنها ذهبًا. والطبيب هو زاهد العلماء، وقد استطاع شفاء الفتاة إلا أنه اعتذر عن قبول الذهب ورجا الحاكم أن يشيد بالمال مستشفى، فاستجاب والد الفتاة وهو ناصر الدين وشيد المستشفى وأوقف عليه المال الكثير والأراضي الواسعة للإنفاق عليه. وكان المرضى يعالجون فيه مجانًا سواء كانوا أغنياء أم فقراء، كما كانوا لا يدفعون شيئًا نظير إقامتهم في المستشفى، وحتى العلاج كان يصرف لهم مجانًا، وعلاوة على ذلك يتناول المرضى الملابس والنقود للإنفاق على الخصوصيات لمدة شهر بعد ترك المستشفى.

стр. 152

فمن أين كان يدفع جميع هذا؟ الواقع أن الإنفاق على مثل هذه المؤسسات العظيمة كان يتطلب إيرادًا منتظمًا ثابتًا ودقيقًا، فالمستشفى المنصوري مثلًا كان يحتاج سنويًا إلى مليون درهم، وكان هذا المبلغ يؤخذ من إيرادات أملاك الدولة التي يرصد دخلها للمستشفى عند الشرع في بنائه. أما إدارة الأملاك فكانت في يد أناس مشهود لهم بالأمانة والكفاية تستطيع الدولة أن تعتمد عليهم وتراقبهم، كما أن إدارة المستشفى كانت غالبًا في يد أمير. أما السلطان فكان حريصًا على الإلمام بكل ما يجري في المستشفى عن طريق التفتيش أو الاستجواب. وتعرض مستشفى بدر غلام المعتضد لضائقة مالية فكتب والد ثابت بن سنان رسالة إلى أبي الحسن علي بن عيسى يشكو إليه هذه الحالة ويعرفه ما يحلق المرضى من ضرر: قال ثابت بن سنان: وكانت النفقة على البيمارستان الذي لبدر العضدي بالمخرم من ارتفاع وقف سجاح أم المتوكل على الله، وكان الوقف في يد أبي الصقر وهب بن محمد الكاذاني، وكان قسط من ارتفاع هذا الوقف يصرف إلى بني هاشم، وقسط إلى نفقة البيمارستان، وكان أبو الصقر يروج على بني هاشم ما لهم ويؤخر ما يصرف إلى نفقة البيمارستان ويضيقه، فكتب والدي إلى أبي الحسن علي بن عيسى يشكو إليه هذه الحال ويعرفه ما يلحق المرضى من الضرر بذلك وقصور ما يقدم لهم من الفحم والمؤن والدثار وغير ذلك عن مقدار حاجتهم، فوقع على ظهر رقعته إلى أبي الصقر توقيعًا نسخته أنت أكرمك الله تقف على ما ذكره، وهو غليظ جدًا، والكلام فيه معك خاصة فيما يقع منك يلزمك وما أحسبك تسلم من الإثم فيه، وقد حكيت عني في الهاشميين قولا لست أذكره وكيف تصرفت الأحوال في زيادة المال أو نقصانه ووفوره أو قصوره، ولا بد من تعديل الحال فيه بين أن تأخذ منه وتعجل للبيمارستان قسطًا، بل هو أحق بالتقديم على غيره لضعف من يلجأ إليه وعظيم النفع به، فعرفني أكرمك الله ما النكتة في قصور المال ونقصانه في تخلف

стр. 153

نفقة البيمارستان هذه الشهور المتتابعة وفي هذا الوقت خاصة من الشتاء واشتداد البرد، فاحتل بكل حيلة لما يطلق لهم ويعجل حتى يدفأ من في البيمارستان من المرضى والممرورين بالدثار والكسوة والفحم، ويقام لهم القوت ويتصل لهم العلاج والخدمة، وأجبني بما يكون منك في ذلك وأنفذ لي عملا يدلني على حجتك واعن بأمر البيمارستان فضل عناية إن شاء الله تعالى. ومن إيراد هذه الأراضي كانت تدفع كذلك مرتبات الموظفين كما أن مدير المستشفى كان مكلفًا بإعداد سجل لجميع المصاريف اليومية ومنه نتبين ميزانية المستشفى ومرتبات الأطباء وغيرهم وأثمان الأدوية والأجهزة الطبية. وكان كبير الأطباء هو المسئول عن سائر أطباء المستشفى، وهو يختار عادة من بين زملائه الأطباء حسب مواهبه وكفايته وقدرته. وقبل أن يختار الرازي مثلا رئيسًا للأطباء أثبت أولا تفوقه على مئات من الأطباء المتخصصين في مختلف الأمراض، وكان عدد أطباء المستشفى الذي يديره يبلغ أربعة وعشرين طبيبًا منهم الجرائحيون والكحالون والطبائعيون والمجبريون، وكان كل طبيب يشرف على قسم خاص، كما كانوا يتناوبون الخدمة. وقد كتب ابن أبي أصيبعة الطبيب الشاعر، والذي درس الطب في بلده دمشق كثيرًا، تقريرًا لطبيب عيون قد يصلح أن يكون من إنتاج العصر الذي نعيش فيه: «أبو المجد بن أبي الحكم هو أفضل الدولة أبو المجد بن أبي الحكم عبيد الله بن المظفر بن عبد الله الباهلي من الحكماء المشهورين والعلماء المذكورين والأفاضل في الصناعة الطبية والأماثل في علم الهندسة والنحوم، وكان يعرف الموسيقى ويلعب بالعود ويجيد الغناء والإيقاع والزمر وسائر الآلات، وعمل أرغنًا وبلغ في إتقانه وكان اشتغاله على والده وعلى غيره بصناعة الطب وتميز في علمها وعملها وصار من الأكابر من أهلها، وكان في دولة السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي ﵀. وكان يرى له ويحترمه ويعرف مقدار علمه وفضله، ولما أنشأ الملك العادل نور الدين البيمارستان الكبير جعل أمر الطب إليه وأطلق له جامكية (مرتبًا) وجراية وكان يتردد إليه ويعالج المرضى فيه».

стр. 154

وحدثني شمس الدين أبو الفضل بن أبي الكحال المعروف بالمطواع ﵀ أنه شاهده في البيمارستان، وأن أبا المجد بن أبي الحكم كان يدور على المرضى به، ويتفقد أحوالهم ويعتبر أمورهم وبين يديه المشارفون والقوام لخدمة المرضى فكان جميع ما يكتبه لكل مريض من المداواة والتدبير لا يؤخر عنه ولا يتوانى في ذلك. قال: وكان بعد فراغه من ذلك وطلوعه إلى القلعة وافتقاده المرضى من أعيان الدولة يأتي ويجلس في الإيوان الكبير للبيمارستان وجميعه مفروش ويحضر كتب الاشتغال. وكان نور الدين ﵀ قد وقف على هذا البيمارستان جملة كبيرة من الكتب الطبية وكانت في الخورستانين (المدخلين) اللذين في صدر الإيوان، فكان جماعة من الأطباء والمشتغلين يأتون إليه ويقعدون بين يديه ثم تجري مباحث طبية، ويقرئ التلاميذ، ولا يزال معهم في اشتغال ومباحثة ونظر في الكتب مقدار ثلاث ساعات ثم يركب إلى داره. . . أما المستشفيات الكبرى فقد كانت في نفس الوقت هي المدارس العليا للطب فالمواد التي علمها أبقراط وجالينوس وكبار العلماء العرب كان يتلقنها الأطباء الناشئون في المحاضرات العامة تحت عقود المساجد وفي المدارس الطبية الخاصة التي كان يديرها الأطباء، وكذلك في المستشفيات والعيادات، وبينما كان يكتفى في الأديرة الأوربية ومدارسها بتحصيل العلوم في الكتب إذ بنا هنا في العالم العربي نجد العلوم يقوم بتدريسها علماء عمليون يمارسون الطب بخلاف الحال عند المسيحيين الذين كانوا يلوون ألسنتهم بنظريات جامدة جافة ويتجنبون بطريقة صوفية لمس الكائن الحي. ففي المستشفيات العربية وحول الأسرة البيضاء كان الطبيب يطبق النظري على العملي، كما كان يستطيع فحص الجسد وتشريحه وفهمه وتقريبه إلى الأذهان. وابن أبي أصيبعة يحدثنا في طبقاته في عهد دراساته في دمشق، وكيف كان الطلبة يرافقون الأستاذ عند زيارته للمرضى، وكيف كانوا يدرسون عميلًا مختلف الحالات عندما يفحصها الأستاذ ويشخص المرض ويصف العلاج، بل كثيرًا ما كانوا يسمعون المناقشة التي تدور بين رئيس الأطباء وزميل له مشهور، فكانت زيارة

стр. 155

الطلاب للمستشفى ذات فائدة مزدوجة: الدرس أولا ونظام المستشفى ثانيًا. هكذا كان يتكون الأطباء العرب، ومثل هذا النظام لم يعرفه العالم من قبل اللهم إلا في العصر الحديث فقط. وقد بلغ من حرص الدولة الإسلامية على المصلحة العامة أنها لم تكن تسمح لطبيب بمزاولة ما تخصص فيه من طب إلا بعد أن يؤدي امتحانًا نظريًا وعمليًا وتمنحه الدولة إجازة ينص فيها على مادة تخصصه. ولم يكن هذا التشريع مقصورًا على شرق العالم الإسلامي بل كان له نظيره في الأندلس. ويذكر المؤرخون أن تاريخ تشريع الحصول على مثل هذه الشهادة يرجع إلى عام ٩٣١ م عندما علم الخليفة المقتدر أن طبيبًا بغداديًا ارتكب خطأ تسبب عنه موت المريض، لذلك أصدر الخليفة أمرًا بإجراء امتحان لسائر الأطباء الذين يزاولون هذه المهنة، ولم يستثن من هذا الامتحان إلا الأطباء الذين يعملون في مستشفيات الدولة، لذلك أمر بتكوين مجلس للأطباء وعين سنان بن ثابت رئيسًا له. ولمعرفة مدى انتشار مهنة الطب وقتذاك يكفي أن نذكر أن عدد أطباء بغداد الذين كانوا يعملون خارج الحكومة بلغ نحو تسعمائة طبيب ... في الوقت الذي لم يكن فيه في كل حوض نهر الرين طبيب واحد. وبعد قرنين من وفاة الطبيب سنان أي في القرن الثاني عشر كان كبير أطباء بغداد هو «ابن التلميذ» المتوفى عام ١١٦٤ م. ومن النوادر التي كانت تقع في الامتحانات في ذلك الوقت ما ذكره ابن أبي أصيبعة في طبقاته عند حديثه عن أمين الدولة «ابن التلميذ» الذي كان قد قلده الخليفة رياسة الطب ببغداد، أنه لما اجتمع إليه سائر الأطباء ليرى ما عند كل منهم من هذه الصناعة كان من جملة من حضره شيخ له هيبة ووقار وعنده سكينة، فأكرمه أمين الدولة، وكانت لذلك الشيخ دربة ما بالمعالجة، ولم يكن عنده من علم صناعة الطب إلا التظاهر بها، فلما انتهى الأمر إليه قال له أمين الدولة: ما السبب في كون الشيخ لم يشارك الجماعة فيما يبحثون فيه حتى نعلم ما عنده من هذه الصناعة؟ فقال: يا سيدنا وهل شيء مما تكلموا فيه إلا وأنا أعلمه، وقد سبق إلى فهمي أضعاف ذلك مرات كثيرة. فقال له أمين الدولة: فعلى من كنت قد قرأت هذه الصناعة؟ فقال الشيخ: يا سيدنا إذا صار الإنسان إلى هذا السن ما يبقى ما يليق به إلا أن يسأل: كم له من التلاميذ، ومن هو المتميز فيهم؟ وأما المشايخ الذين قرأت

стр. 156

عليهم فقد ماتوا من زمن طويل؛ فقال له أمين الدولة: يا شيخ هذا شيء قد جرت العادة به ولا يضر ذكره، ومع هذا فما علينا، أخبرني أي شيء قد قرأنه من الكتب الطبية؟ وكان قصد أمين الدولة أن يتحقق مما عنده، فقال: سبحان الله العظيم .. صرنا إلى ما يسأل عنه الصبيان، وأي شيء قد قرأته من الكتب .. يا سيدنا لمثلي ما يقال إلا أي شيء صنفته في صناعة الطب، وكم لك فيها من الكتب والمقالات؟ ولا بد أنني أعرفك بنفسي. ثم إنه نهض إلى أمين الدولة ودنا منه وقعد وقال له فيما بينهما: يا سيدي أعلم أنني قد شخت وأنا أوسم بهذه الصناعة، وما عندي منها إلا معرفة اصطلاحات مشهورة في المداواة، وعمري كله أتكسب بها، وعندي عائلة، فسألتك بالله يا سيدي مش حالي ولا تفضحني بين هؤلاء الجماعة. فقال له أمين الدولة: على شريطة، وهي أنك لا تهجم على مريض بما لا تعلمه ولا تشير بفصد ولا بدواء مسهل إلا لما قرب من الأمراض، فقال الشيخ هذا مذهبي منذ كنت ما تعديت السكنجبين والجلاب. ثم إن أمين الدولة قال معلنًا والجماعة تسمع يا شيخ أعذرنا فإننا ما كنا نعرفك، والآن قد عرفناك استمر فيما أنت فيه فإن أحدًا ما يعارضك. ثم إنه عاد بعد ذلك فيما هو فيه من الجماعة، وقال لبعضهم: على من قرأت هذه الصناعة، وشرع في امتحانه فقال له يا سيدنا إنني من تلامذة هذا الشيخ الذي قد عرفته وعليه كنت قد قرأت صناعة الطب، ففطن أمين الدولة بما أراد من التعريض بقوله وتبسم ثم امتحنه بعد ذلك. وحرصًا على تنفيذ اللائحة الطبية فيما يتعلق بالامتحانات وتخصص الأطباء وضع امتحان في الجراحة لجراح جاء فيه؛ هل درس هذا الجراح تشريح وجراحة «بولوس فون إيجينا» و «على بن العباس»؟ وهل يلم هذا الجراح بجبر العظام والالتواء ومعالجة الحصوة واللوز وإزالة سحابة العين وفتح الخراجات؟ وهل هو ملم بالبتر أو فتح الجمجمة (تربنة)؟ وكان إذا نجح طالب الطب في الامتحان يمنح إجازة تجيز له مهنة الطب وتخصص الجراحة الصغيرة، وهي تنص بعد البسملة على منح الطالب حق ممارسة مادة تخصصه حتى شفاء المريض كما تذكر حقه في فصد العرق وإزالة البواسير وخلع الأسنان وخياطة الجروح وختان الرضع. . كذلك تحتم

стр. 157

عليه وجوب استشارة رؤسائه ومعلميه ذوي الخبرة والمعرفة. أما مجالس الأطباء التي كانت تعقد لمدارسة الحالات الصعبة المعقدة فقد كانت ضمانًا آخر لتجنب الوقوع في الأخطاء الفنية وضمانًا لدقة وصحة تشخيص المرض والعلاج. وأكبر المستشارين من بين الأطباء سنًا هو الذي يرأس المجلس ويتول أصغرهم سنًا تسجيل المحضر. وعند إجراء العمليات الجراحية الكبر يساعد الطبيب زميله كما هو الحال اليوم في أوربا، فنجد أحد الأطباء يقوم بعملية التحذير وذلك بواسطة قطعة من الإسفنج مبللة بالحشيش أو زهرة البسلة ومن ثم يضعها أمام أنف المريض لتخديره ثم هناك طبيب ثان يراقب نبض المريض وثالث يجري العملية وبكل عناية ودقة وحذر عندما يستخدم المبضع، فالجرح يجب ألا يكون كبيرًا جدًا أو عميقًا جدًا. أما المساعد فعليه أن يحجز الجلد بجرافة صغيرة دقيقة. وإذا ما فرغ الجراح من اتخاذ جميع هذه الاستعدادات يأخذ في إجراء العملية وليكن بخفة ليخلص الخراج من النسيج المحيط به، كما على الجراح ألا يتلف وعاء أو يفصل عصبًا. فإذا أصاب عرقًا فعليه أن يربطه بعناية ودقة حتى لا يغطي ويغمر الدم موضع العملية فيعوقه من إجراء العملية بدقة وعناية. فإذا كشف الجراح على الخراج ليتحسسه فليتأكد أنه لا توجد بقايا صغيرة بالجسم، ومن ثم يستبعد جميع البقايا بدقة، وإذا ما أخرج الخراج وانتزعه فليسرعن ويرجع الجلد إلى موضعه الأعلى. أما الزيادة فليستأصلها، وبعد ذلك تُجرى عملية الخياطة بأعصاب قطة. هكذا كان يعلم علي بن العباس. ويذهب علي بن العباس بعيدًا ويقرر أن الطب قد لا يفيد في حالة السرطان فهو يطالب الجراح بانتزاعه من العضو المطب، وذلك بإزالة كل ما حول السرطان حتى لا تتبق جذور المرض في الجسم، ثم بعد العملية يجب وضع قطعة من القماش مبللة بالنبيذ لتجنب حدوث تلويث ولالتئام الجرح. لذلك تجب مراعاة العناية الكاملة عند إجراء مثل هذه العملية فالعناية لا تقصر

стр. 158

على العضو المريض بل تمتد إلى سائر أجزاء الجسم، والطبيب مطالب عند الكشف على المريض أن يوجه إليه السؤال تلو السؤال، وعلى الطبيب أن يسأله عن الآلام التي تؤلمه وكيف يعيش وما هي عاداته وما هي الأمراض التي أصيب بها من قبل وما هي الأمراض الموجودة في الأسرة؟ كل هذه المسائل يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار. أسئلة لا تنقطع توحي إلى الإنسان كما لو أنها حديثة بنت اليوم يوجهها الطبيب إلى المريض وهو يكشف عليه كسفًا دقيقًا. على الطبيب أن يتفرس في وجهه ولون وحالة الجلد والشعر وعمق التنفس، وهكذا يكون لنفسه صورة من المريض وحالته وطبيعته، ومتى فرغ الطبيب من ذلك يشرع في دراسة حالته العقلية فيوجه إليه مختلف الأسئلة ليتأكد من أن إجابته معقولة وليست مشوهة مضطربة. وكذلك على الطبيب أن يأمر المريض بأن يأتي أفعالا بعينها ليتأكد من قواه العقلية ومد طاعته وإلى أي حد سينفذ المريض بأن يأتي أفعالا بعينها ليتأكد من قواه العقلية ومد طاعته وإل أي حد سينفذ المريض نصائح الطبيب وأوامره. وبعد ذلك يحاول الطبيب أن يعرف اتجاهاته الخلقية، وما هي الأشياء التي تثيره وتؤلمه أو تفرحه وتسعده. ثم يطلب إلى الطبيب أن يهمس إلى المريض عن بعد لمعرفة حالة السمع، والنظر إلى الأجسام عن قرب أو بعد لاختبار قوة الأبصار، كما يفحص لسان المريض وقوته الجسدية، وذلك بأن يقدم له أثقالًا مختلفة يحملها ويأمره أن يقبض على أشياء بعينها وبقوة. ويجب على الطبيب أن يراقب حركات المريض وسكناته ويتأكد من حالة قلبه، وذلك عن طريق النبض، ولكي يتبين حالة عضله يأمره بالاستلقاء على الأرض باسطًا ذراعيه وساقيه. أما الكشف على الكبد والكلى فيتم عن طريق اللمس والبول والبراز. ومما يثير الإعجاب حقًا ما توصل إليه العرب عن طريق النبض وتحليل البول، فقد كانوا يعتمدون على هذا التحليل متى توافرت له شروط خاصة. وقد توصلوا عن طريقه إلى أشياء خافية كثيرة. ومن أشهر الأطباء الذين نبهوا في هذا ابن قرة، حتى إن أبا الحسن السري -أحد

стр. 159

شعراء سيف الدولة بن حمدان- مدحه بقصيدة لما شفاه من التهاب في الجيب بالقلب، جاء فيها: هل للعليل سوى ابن قرة شاف ..... بعد الإله وهل له من كاف أحيا لنا رسم الفلاسفة الذي ..... أودى وأوضح رسم طب عاف فكأنه عيسى بن مريم ناطقًا .... يهب الحياة بأيسر الألطاف مثلت له قارورتي فرأى بها .... ما اكتن بين حوانحي وشغافي يبدو له الداء الخفي كما بدا .... للعين رضراض الغدير الصافي ومبالغة في الدقة والعناية، نجد ابن سينا ينصح ويقول: يجب ألا نعتمد كل الاعتماد على النتائج؛ وذلك لأن ما نصل إليه من فحص البول يجب أن يتم بشروط خاصة؛ فالبول يجب أن يكون أول بول الصباح، ويجب ألا يمضي زمن طويل بين الحصول عليه وفحصه. وإبان الليل يجب على المريض ألا يشرب كثيرًا من الماء أو يأكل شيئًا له لون خاص مثل الزعفران أو الرمان، ويجب على المريض ألا يتحرك كثيرًا أو يقوم بأعمال كثيرة غير تلك العادية التي يأتي بها كل يوم، مثل الصوم أو الاستيقاظ متأخرًا أو إجهاد الجسم إجهادًا فوق العادة، وذلك لأن هذه الأعمال تسبب الجوع، فينتج عنه هيجان البول. كما أن الاضطجاع الجنسي يعكر البول، وكذلك القيء. أما النتائج التي يحصل عليها الإنسان عن طريق تحليل البول فتتوقف على اللون والقوام والوضوح أو عدمه والرواسب والكمية والرائحة والرغوة وأقل فرق بين هذا البول والبول الطبيعي، كما أن أقل تغيير في حالته تستدعي الانتباه والاهتمام وتؤخذ بعين الاعتبار، ويجب أن تسجل جميع الملاحظات. وقد درجت المستشفيات العربية على استخدام نظام التسجيل والعناية به والاعتماد عليه، سواء فيما يختص بالفحص أو التشخيص أو العوارض المختلفة، كذلك التعليمات المتعددة وآثارها وتطور الحالة العامة، وبالاختصار. كنا نجد في المستشفيات تسجيلًا للمرض وحالاته يكاد يكون تاريخًا له.

стр. 160

فمن هذه التسجيلات التي تؤرخ المريض والمرض في المستشفيات الكبرى ببغداد ومدينة الري الواقعة في قلل الجبال في الربع الأول من القرن العاشر تم وضع مؤلف قيم في الطب، وقد ظل مئات السنين مستخدمًا كمرجع طبي دراسي لأطباء أوربا. فهو سجل للتجارب العملية، والتي يجب على الأطباء مراعاتها وعلى الطلبة دراستها، وقد وضع هذه المجموعة أكبر طبيب في العصور الوسطى وأحد عظماء أطباء العالم والإنسانية في مختلف العصور.

стр. 161

أحد نوابغ الطب العالميين في مختلف العصور قبل ستة قرون امتلكت كلية الطب بباريس أصغر مكتبة في العالم. وكانت محتوياتها كتابًا واحدًا، وهذا الكتاب لمؤلف عربي. لقد كان مؤلفًا قيمًا جدًا حتى إن صاحب الجلالة ملك جميع المسيحيين لويس الحادي عشر أراد مرة استعارته فدفع تأمينًا اثني عشر ماركًا فضة ومائة ريال ذهبًا، وكان غرضه من استعارته تمكين أطبائه الخصوصيين من الحصول على نسخة منه للرجوع إليها إذا ما طرأ على صحة صاحب الجلالة طارئ ما. فهذا الكتاب الذي كان يكون مكتبة كلية طب جامعة باريس يومًا ما عبارة عن موسوعة لسائر المعارف والعلوم الطبية منذ العصور اليونانية القديمة حتى عام ٩٢٥ م، ولم تضف القرون الأربعة التي مضت على كتابته شيئًا يذكر في عالم الطب، فكان هذا الكتاب الطبي العظيم جدًا والذي وضعه عالم عربي لا تدانيه جميع هذه الرسائل التافهة التي كانت تملأ مختلف المكتبات التي عرفتها الأديرة المسيحية الأوربية. وكان الباريسيون يقدرون حقًا قيمة هذا الكتاب الذي تتكون منه مكتبتهم الطبية، حتى إنهم أقاموا لمؤلفه نصبًا تذكريًا في المدرج الأكبر لكلية الطب، واليوم ما زال طلاب مدرسة الطب يشاهدون يوميًا صورته وصورة عربي آخر عندما يجتمعون في قاعة المحاضرات الكبرى في شارع «سان جرمان ده بريه»، وقد أطلقت أوربا على مؤلفنا العربي الرازي واسمه الكامل- أبو بكر محمد بن زكريا- لفظ «رازيس».

стр. 162

وقد ولد الرازي في مدينة الري بخراسان الواقعة شرقًا قليلا من طهران الحالية، وكان ذلك في منتصف القرن التاسع الميلادي عندما استطاع حفيد شارلمان تقسيم دولة الكارولينجيين. أما سكان جبال خراسان فقد كانوا شقر الشعور حتى إن العرب أطلقوا عليهم لفظ «ثعالب الري الحمر». وكان الرازي أشقر اللون عظيم الجسم. ولما كان طفلا لم يظهر شيئًا من النبوغ، وقد غنى وعزف على العود إلا أنه لم يمتز على زملائه واهتم مثلهم بالدراسات الفلسفية واللغوية والرياضية ولم تظهر عليه معالم النبوغ التي توحي بأنه سيصبح شخصية ممتازة في المجتمع الإسلامي اللهم إلا في الموسيقى فقد أبدى نوعًا من التفوق. وكان يكتسب قوته اليومي بمختلف المهن والوسائل، وهكذا ظل على هذا المنوال حتى بلغ الثلاثين من عمره، وكان ناقمًا على حياة البطالة التي يحياها، وكان متعطشًا إلى عمل يشغله كل وقته فترك مهنة الصيرفة ومسقط رأسه وتوجه إلى بغداد شأنه في ذلك شأن كثيرين ممن سبقوه معتقدًا أن الدهر الذي كشر له حيث هو قد يبتسم له في بغداد كما ابتسم لسابقيه. وما كاد يصل إلى عاصمة العباسيين حتى أقبل بحماس على دراسة الطب فبدأ أولا بأخذ اللغات اليونانية والفارسية والهندية ومبادئ الطلب على حنين بن إسحق الذي كان رئيس مترجمي أبناء موسى وكثيرين من الخلفاء. وبعد إتقانه هذه المواد وإلمامه بها الإلمام الكافي عاد إلى الري كمدير لمستشفاها، لكنه لم يقنع بهذا، وبعد قليل من الزمن تقدم ليشغل وظيفة كبير أطباء المستشفى الكبير بالعاصمة التي تجاوز سكانها المليون ونصف المليون نسمة. وقد تقدم لشغل هذا المنصب نحو مائة طبيب إلا أن الاختيار وقع عليه، ومن حسن طالعه أن أصبح كذلك الطبيب الخاص للخليفة ففتحت له أبواب القصر وأصبح مرموقًا من الجميع. وهكذا أخذ نجمه يسطع وشهرته تنتشر لا كطبيب فحسب بل كأستاذ أيضًا فقصده الطلاب من مختلف أنحاء الدولة، ومنهم نفر من الأطباء الذي سمعوا عن شهرته العلمية وتجاربه الطبية آملين الاغتراف من بحر علمه الزاخر، فكانوا يرافقونه

стр. 163

عند القيام بجولته اليومية في المستشفى، فكانت محاضراته وعياداته تغص بطلاب المعرفة وعشاق العلم من تلاميذه وتلاميذ تلاميذه وآخرون. إن مثل هذا الإقبال على عالم لم يحدث من قبل، فقد كان الأستاذ الرازي أكبر مرجع في الحالات العسيرة التي يصعب الفصل فيها تشخيصًا وعلاجًا وهو الأمل الأخير لمن يقاسون أشد الآلام، حتى قصده المرضى وغيرهم من مختلف نواحي البلاد سعيًا وراء الشفاء والمعرفة. هكذا يتحدث القوم عنه حتى بعد وفاته بقرنين فابن أبي أصيبعة يذكر: «ومما حكي عنه من بدائع وصفه استدلاله قال القاضي أبو علي المحسن بن علي بن أبي جهم التنوخي في كتاب الفرج بعد الشدة: حدثني محمد بن علي بن الخلال البصري أبو الحسن أحد أمناء القضاء، قال: حدثني بعض أهل الطب الثقات أن غلامًا من بغداد قدم الري وهو ينفث الدم، وكان لحقه ذلك في طريقه، فاستدعى أبا بكر الرازي الطبيب المشهور بالحذق صاحب الكتب المصنفة فأراه ما ينفث ووصف ما يجد، فأخذ الرازي مجسته ورأى قارورته واستوصف حاله منذ بدأ ذلك به، فلم يقم له دليل على سل ولا قرحة ولم يعرف العلة فاستنظر الرجل ليتفكر في الأمر، فقامت على العليل القيامة وقال: هذا يأس لي من الحياة لحذق المتطبب وجهله بالعلة، فازداد ما به، وولد الفكر للرازي أن عاد إليه فسأله عن المياه التي شربها في طريقه فأخبره أنه قد شرب من مستنقعات وصهاريج، فقام في نفس أبي بكر محمد بن زكريا الرازي المتطبب الرأي بحدة الخاطر وجودة الذكاء أن علقة كانت في الماء فحصلت في معدته، وأن ذلك النفث للدم من فعلها. فقال له: إذا كان في غد جئتك فعالجتك ولم أنصرف أو تبرأ ولكن بشرط أن تأمر غلمانك أن يطيعوني فيك بما آمرهم به فقال: نعم، وانصرف الرازي فجمع له ملء مركنين كبيرين من طحلب أخضر فأحضرهما من غد معه وأراه إياهما وقال له ابلع جميع ما في هذين المركنين، فبلع الرجل شيئًا يسيرًا ثم وقف فقال: ابلع. فقال: لا أستطيع، فقال للغلمان: خذوه فأنيموه على قفاه ففعلوا به ذلك وطرحوه على قفاه وفتحوا فاه وأقبل الرازي يدس الطحلب في حلقه ويكبسه كبسًا شديدًا ويطالبه ببلعه شاء أم

стр. 164

أبى ويتهدده بالضرب إلى أن بلعه كارهًا أحد المركنين بأسره والرجل يستغيث فلا ينفعه مع الرازي شيء إلى أن قال: الساعة أقذف، فزاد الرازي فيما يكبسه في حلقه فذرعه القيء فقذف، وتأمل الرازي قذفه فإذا فيه علقة، وإذا هي لما وصل إليها الطحلب قرمت إليه بالطبع وتركت موضعها والتفت على الطحلب. فلما قذف الرجل خرجت مع الطحلب ونهض الرجل معافى». إن كفاية الرازي الطبية لا تعدلها كفاية طبيب آخر منذ عهد جالينوس، فقد كان الرازي لا يمل العمل ولا يعرف الكلل في سبيل اكتساب المعرفة والتوسع في معلوماته الطبية ليس فقط حول أسرة المرضى الذين كانوا دائمًا يحظون برعايته بل بالاطلاع وإجراء الأبحاث الكيماوية إذا ما آوى مرضاه إلى مضاجعهم، ولم يقف أمر عند هذا بل كثيرًا ما قام بالأسفار البعيدة وراء البحث والاطلاع فكان على اتصال دائم بفطاحل علماء عصره، كما اشتهر بحثِّه طلابه على التحلي بجميل الأخلاق وكريم الصفات فمهنة الطب شريفة لا يرعاها إلا الطبيب الشريف؛ لذلك كثيرًا ما حذره تلاميذه كتابيًا وشفويًا من أعمال النصب والاحتيال، وهكذا أصبح الغلام الذي كان يحاول التكسب عن طريق الموسيقى والصيرفة طبيبًا عالميًا مشهورًا موضع عطف الأمراء وتقديرهم. كان الرازي حبيب الشعب وصديقه ومعبود الفقراء والمحتاجين، فقد كان يعالجهم بدون أجر ويعاونهم على الشفاء من ماله الخاص بينما يقنع هو بالقليل اليسير. لقد توفي عام ٩٢٥ م فقيرًا معدمًا فكرمه الحاتمي أوصله إلى ما يقرب من التسول، وحسد زملائه وحقدهم عليه ودسهم له دينيًا وسياسيًا أقصاه من مختلف الأعمال والوظائف التي كان يعيش منها سواء في بغداد أو الري. لذلك حنت عليه أخته خديجة بعد أن عضته الفاقة وأصبح من المتعذر عليه إيجاد قوته اليومي وآوته إلى بيتها. وهكذا نجد الرازي وقد غربت شمس حياته بمضي الأيام الأخيرة في بؤس وشقاء بينما خلف وراءه أيامًا كلها سعادة وهناء. الرازي الذي ساعد الآلاف فقد بصره وأصبح ضريرًا بسبب السياط الذي ألهب بها ظهره حاكم خراسان المستبد المنصور بن إسحق، لأنه قام ببعض التجارب الكيماوية ولم ينته فيها إلى نتيجة. ولا شك في أن هذا السياط هي التي أدت إلى فقدانه بصره.

стр. 165

ومما هو جدير بالذكر أن كحالا زار الرازي لفحص عينيه فسأله الرازي عن عدد جلد العين فتلعثم الكحال ولم يحر جوابًا، فقال الرازي: إن الذي يجهل هذا يجب ألا يستخدم مبضعه في عيني، وبالرغم من كل المحاولات التي بذلت لإقناعه بإجراء العملية لصالح بصره رفض الرازي وقال: «لقد رأيت كثيرًا من العالم حتى سئمته». وهكذا نجد الرازي وقد سبقت عقليته وروحه وأبصرت عيناه الميتتان ما قدر له ودونه على الورق: لعمري ما أدري وقد آذن البلى .... بعاجل ترحال إلى أن ترحالي. وأين محل الروح بعد خروجها .... من الهيكل المنحل والجسد البالي إن الحصاد الذي جنته الإنسانية من حياة الرازي الغنية بالكفاح والجهاد في سبيل الطب وتقدمه عظيم جدًا، فأخته خديجة تذكر أنه ترك أكثر من مائتين وثلاثين مؤلفًا ورسالة، وهذه المؤلفات لا تعالج الطب أو الكيمياء فقط بل تناولت كذلك الدين والفلسفة والفلك والطبيعة والرياضيات، فهناك رسالة عنوانها: بسبب أن المغنطيس يجذب الحديد، وأخرى عن الفراغ، وكتاب هيئة العالم غرضه أن يبين أن الأرض كروية وأنها في وسط الفلك وذو قطبين يدور عليها، وأن الشمس أعظم من الأرض والقمر أصغر منهما، وما يتبع ذلك من هذا المعنى. ومن مؤلفاته كتاب في العلم الإلهي على رأي أفلاطون وقصيدة في العلم الإلهي. وكتاب الخمسين في أصول الدين. ويؤثر عن الرازي أنه كان يعتقد أن مجلسًا من خمسة عناصر إلهية يدير العالم، وهذا يعارض تعاليم الإسلام، كما وضع كتابًا يدعو إلى شيء من الحرية الدينية ويفصل بين الأخلاق والدين ويدعو إلى حياة جريئة لا يهددها الوعد أو الوعيد في العالم الآخر، وذلك لأن العقل والمعرفة يثبتان عدم وجود الحياة الأخرى بعد الموت. كذلك خلف لنا الرازي كتبًا في الطبيخ وبعض القصائد الغزلية. وإلى جانب هذه الأكداس المكدسة من المخطوطات يوجد صندوق مزدحم بلفائف

стр. 166

التعليقات، وأخرجت السيدة بطاقة قرأها عبد الله بن سوادة فإذا هي تعرض للحمى المتقطعة التي تعود المريض ربما كل ستة أيام وأحيانًا كل يومين أو أربعة أو كل يوم، وهذه الحالات الثلاث تصحبها قشعريرة ببرودة ويعتاد المريض كثرة التبول فأبدى رأيه وقال: «إن هذه هي عوارض الحمى المتقطعة أو تكون خراجًا في الكلى. وبعد مدة يظهر قيح في بول المريض، لذلك أخبرته أن الحمى لا تعود ثانية، وهكذا كان، والذي عاقني في أول الأمر هو صعوبة تشخيص المرض والتأكد من أن سبب المرض هو وجود خراج في الكلى؛ لذلك رأيت بادئ ذي بدء أن هذه الحمى المتقطعة نشأت عن طريق الالتهاب، وهذا عليل معقول ومقبول، وعلاوة على ذلك فالمريض لم يشك أمامي من الصعوبة التي يلقاها في الحقوين عند القيام، كما لو أن ثقلًا معلقًا فيهما، وقد فاتني أن أسأله عن هذه الحالة. وكثرة التبول عللتها حسبما أعتقد بسبب وجود الخراج في الكلى، فلو كنت أعلم أن والد المريض كان عنده ضعف في المثانة وكان يقاسي من هذا المرض كثيرًا وأن ابنه يعاني من نفس المرض في أيامه العادية عندما كان معافى، فواجبنا أن نعني به عناية خاصة إن شاء الله. وعندما بال المريض القيح مع البول أمرت له باستخدام مدر للبول حتى تخلص البول من القيح، وبعد ذلك وضفت له خلات الألومنيوم وبخورًا و. . .». وهنا تنتهي الورقة، ومن ثم أمسكت خديجة بورقة أخرى: «أبو بكر بن هلال يشكو آلامًا في المعدة» و «محمد بن عيسى مصاب بالتهاب في مفاصل الحقوين» فلا فائدة من الكشف عليه أو علاجه. وظل الصندوق مقفلا زمنًا طويلًا ثم حضر ابن العميد وزير السلطان إلى الري، ومن ثم توجه إلى المنزل الذي توفي فيه هذا الطبيب الشهير، فسلم خديجة مبلغًا كبيرًا من المال وأخذ الصندوق بما فيه وجمع أطباء المدينة وتلاميذ الرازي وكلفهم بالاطلاع على هذه الأوراق ومراجعتها وتنظيمها بحيث يتكون منها كتاب يصلح للنشر. وقد تحققت هذه الرغبة، وكان هذا السفر هو الموسوعة التي عرفت فيما بعد باسم كتاب الحاوي أو الجامع الكبير أو الجامع الخاص بصناعة الطب، وهو يعرف في أوربا باسم «كونتيننس» وهو موسوعة تقع في نحو ثلاثين مجلدًا

стр. 167

تعالج الموضوعات الطبية المختلفة من عهد أبقراط حتى عصر جمعه، فما أعظم هذه المعلومات وأقيمها التي كان يعرفها الرازي! لقد اطلع على جميع ما وقع في يده من كتب الطب واستشهد في الحاوي بمختارات من المراجع اليونانية والهليّنية والهندية والفارسية والسريانية والعربية، مع الدقة في ذكر المراجع عند الحديث عن كل مرض من الأمراض التي عالجها أو اهتم بها، وإلى جانب ذلك كان يذكر رأيه الخاص وتجاربه ليجعل من موسوعته كتابًا أقرب إلى الكمال ليتوج به حياته، إلا أن العمى الذي أصابه والموت الذي اختطفه حالا دون تحقيق هذه الأمنية. أما تلاميذه فقد تناولوا هذا السفر العظيم وتقاسموه بينهم لإعداده للنشر، لذلك ظهرت فيه بعض الخلافات نظرًا لتعدد المؤلفين، فنحن نجد فيه اختلافًا في العرض والتأليف واختلافًا في المنطق عن سائر مؤلفات الرازي الأخرى. وهناك كتابان آخران للرازي وجدا شهرة أكبر وأعظم من الحاوي، كما ترجما إلى مختلف اللغات، وهما يعالجان الطب بطريقة منتظمة، كما يتحدثان عن مختلف الأمراض التي تنتاب الإنسان من رأسه حتى أخمص قدمه وأعراض هذه الأمراض وتطورها وعلاجها في المستشفى وطبها. وقد أهدى المؤلف الكتاب الذي عرف باسم المنصوري إلى حاك خراسان وهو يعرف في اللاتينية باسم أي «كتاب الطب المنصوري» أو «الكتاب المنصوري»، وللرازي أيضًا كتاب الأقطاب وكتاب الشفاء في ساعة، وقد وضع الأخير استجابة لرغبة الوزير ابن القاسم بن عبد الله، وذلك عقب مناقشة دارت حول المدة التي يجب أن يعالج فيها المرض فقال بعض الأطباء الحاضرين: إن علاج المرض يحتاج إلى الزمن الذي احتاجه للظهور. فقال الرازي عن هذا الاجتماع: لقد قالوا هذا حتى يسمحوا لأنفسهم بزيارة المريض مرات عديدة ليحصلوا على أكبر مبلغ ممكن، فاندهش الوزير عندما سمع مني أن بعض الأمراض قد يشفى في ساعة، ورجاني أن أكتب له في هذا كتابًا، وها هو الكتاب. ومن كتب الرازي الكثيرة الانتشار كتابه الخاص بأولئك الذين لا يتيسر لهم

стр. 168

استدعاء الطبيب، وهو أول معجم طبي للاستعمال في البيت، وهو يصف الأمراض المختلفة بدقة فائقة كما يصف علاجها بواسطة مواد متوفرة في كل مكان وبأدوية موجودة في كل مطبخ وكل بيت. أما مؤلفه الخاص بعلاج مرض بعينه فله شهرة عظيمة، وهذا هو الكتاب المعروف باسم «كتاب الجدري والحصبة»، فقد فقح الرازي بهذا الكتاب حقلا جديدًا لم يطرقه أحد من قبل، والرازي في كتابه هذا يفحص الحالة في طبيعتها، كما يستطيع إصدار حجه غير مقيد بآراء الآخرين التي أصبحت وكأنها قوانين يجب احترامها والأخذ بها. أما الرازي فهو يصدر رأيه اعتمادًا على تجاربه الخاصة والنتائج التي انتهى إليها. إن مثل هذا المنهج في البحث وهو الاعتماد على تشخيص المرض كما هو حسب وضعه وأثره في المريض مستخدمًا وسائله الطبية الخاصة جديد في عالم الطب. ويجب أن نذكر هنا كتابًا صغيرًا وضعه الرازي وهو يعتبر حجة في مادته، وقد طبع في أوربا في الفترة الممتدة بين عامي ١٤٩٨ - ١٨٦٦ م أربعين مرة، وإلى هذا المؤلف ترجع هذه البحوث الخاصة بالنقرس والحصوة وأمراض المثانة والكلى وأمراض الأطفال. كذلك يهتم الرازي بحالة الطقس ومختلف مواقع الأقاليم من حيث الحرارة والرطوبة والريح والحالة الصحية للمساكن وتزويدها بالحمامات كما كان يهتم بتنقية هواء المساكن عن طريق البخور لطرد الروائح الكريهة وتهوية غرف المرضى، كما يحرص على وجود الحرارة المعتدلة والمياه الصالحة للشرب والغسل والاستحمام. إن جميع الأشياء التي كان يعنى بها هذا الطبيب العربي والتي تبين مدى المستوى الذي بلغته العناية الصحية في العالم الإسلامي كانت جميع هذه الوسائل وتلك الاتجاهات قذى في عيون رجال الكنيسة وخطيئة كبرى، ولذلك كانت الكنيسة قبل الحروب الصليبية لا تحار هذه الاتجاهات فقط بل كانت تعدّ الألعاب الرياضية ومختلف أنواع النشاط الجسماني من كبرى الخطايا وتتعارض مع البكارة.

стр. 169

ويذكر عن الرازي أنه كثيرًا ما استخدم الممرضين وغيرهم لنقل المرضى إلى أصح الأماكن؛ لأنه يعتبر الهواء العليل من أحسن الأدوية وهو لديه لا يقل عن أهمية عن العقاقير النباتية التي كان يفضلها الرازي على سواها، وكان المريض يتناولها كما هي في حالتها الطبيعية. وإن لم تفد هذه العقاقير المريض استعانة عنها بالكيماويات، لذلك وضع كتابًا وأكثر في إعداد الطعام والأغذية الحمية. كما كان كثيرًا ما ينصح باستخدام طرق خاصة لإعداد الطعام الصحي المفيد فمثلا قبل طهي البقول الجافة يجب سكب الماء الذي استخدم لتطريتها حتى لا يتسبب هذا الماء في إحداث الغازات عند تناولها. وهو يقدم كذلك إرشادات أخرى للطهي وحفظ الهليون والباذنجان والبصل والخيار والفلفل الأسباني في الخل، كما يقدم الرازي أحسن النصائح لعمل المربات وبخاصة تلك المصنوعة من البرتقال والقراصيا والورد والمشمش وغيرها. وفي الحالات التي يمكن فيها شفاء المرض عن طريق الأطعمة ينصح الرازي الطبيب المعالج ألا يستخدم العقاقير، وإذا كان من الممكن استخدام الأدوية البسيطة فليتجنب المركبة. أما إذا كان الدواء المطلوب جديدًا فتجب تجربته في الحيوانات قبل استعماله لمعرفة أثره ومفعوله الكيماوي في أعضاء جسم الإنسان. وفيما يتصل بالزئبق فالرازي يعتقد أنه غاز ضار كثيرًا، ولو أنه استخدم خطأ بسبب آلامًا مبرحة في أسفل البطن والأمعاء إلا أنه بعد ذلك لا يترك أثرًا في الجسم الذي يعود إلى حالته الطبيعية كما كان من قبل، وبخاصة إذا باشر المريض شيئًا من الحركات الرياضية، ويذكر الرازي أنه استخدمه مع شخص كان في منزله وانتهى إلى النتائج التي ذكرها، وقد تبين الرازي أن هذا الشخص كان يتلوى ويتقلب هنا وهناك كما تصطك أسنانه ويضغط بيديه على جسمه. أما الزئبق الحلو وبخاصة الزئبق المصعد ففي غاية الخطورة وهما من السموم الحادة كما يسببان آلامًا قوية في أسفل البطن وكذلك كثيرًا من المغص والبراز المختلط بالدم. أما بخار الزئبق أو الزئبق المصعد فقد يسبب أيضًا شلل الأطفال. إن الرازي لم يكن في طليعة الأطباء فقط بل كان من أوائل الكيميائيين أيضًا،

стр. 170

لقد كان العالم المتواضع الذي عالج الكيمياء علاجًا علميًا حقيقيًا، وقضى على هذه الخرافات التي كان يتصور الأقدمون أنها جوهر الكيمياء السحري، أعني أن وظيفة الكيمياء هي استخراج الذهب لا أكثر ولا أقل، ومن ثم أخذ الرازي ينظر إليها على أنها علم يعني قبل كل شيء بالتجارب والتحاليل لا الشعوذة، وكان الرازي أول كيميائي استخدم هذا العلم في خدمة الطب. وقد شاع بين الشعب أن هذا العالم الفاضل توصل إلى حجر الحكماء، وذلك لأن الرازي قد غمر شعبه بهباته وعطاياه وكرمه الحاتمي، واعتقد القوم أن هذا الثراء لا بد أن يكون مصدره حجر الحكماء الذي اهتدى إليه الرازي والذي بواسطته يستطيع أن يحول سائر المعادن إلى ذهب. واتسع الخيال أمام الشعب حتى تصور أن الرازي يطهي طعامه في آنية ذهبية، وأن أواني المطبخ من الذهب الخالص. والرازي الطبيب المخلص الوفي لطبه، والذي اعتقد أن الطب خلق لدعم الفضيلة والأخلاق الفاضلة، وحرص الحرص كله على الدعاية للخلق الكريم والفضيلة وبخاصة بين الأطباء، لذلك لم تمض على وفاته ستة أعوام حتى أدخل نظام الامتحان في مهنة الطب، وكان هذا الامتحان نظريًا وعمليًا. وإلى الرازي يرجع الفضل في محاربة الدخلاء والمشعوذين بين الأطباء وبذلك فرض العناية على تدريس الطب وتخريج الأطباء. ألم يهتم الرازي -منذ أول عهده بالطب- بتثقيف طلابه وحثهم على وجوب العناية بتشخيص الأمراض، وهذا التشخيص الذي دفع اليونان منذ القدم إلى الاهتمام بتحليل البول؟ لقد هاجم الرازي الدخلاء على مهنة الطب وكان عنيفًا في هجومه فجاء بالحجج العلمية والنفسية التي تدحض بطلان دعوى أولئك المشعوذين، فقد كانوا يدعون أنهم عن طريق فحص بول المريض يستطيعون معرفة ماضي المريض وحاضره ومستقبله. وقد بلغ من خبث هؤلاء المشعوذين أنهم يرسلون من يتلصصون على المرضى وعلى أخبارهم وأحوالهم ويحيطون أولئك الأدعياء بجميع تلك

стр. 171

الأخبار فيستغلونها لابتزاز أموال أولئك المرضى، فكان المشعوذ مثلا يزور المريض ولا يوجه إليه أسئلة ما فيثق فيه المريض ويدرك أن تشخيص هذا الشخص الدعي لمرضه أغناه عن توجيه الأسئلة إليه. ويذكر الرازي متندرًا أنه عندما أخذ يمارس مهنة الطب قرر ألا يوجه أسئلة لمريض إلا بعد أن يتسلم بوله ويدرسه، وكان هذا المسلك مدعاة إلى التقدير والإعجاب. ولما أدرك القوم أنني أخذت أكثر من الأسئلة تضاءلت ثقتهم في معرفتي وقالوا لي علانية اعتقدنا أنك عندما تشاهد البول تخبرنا عن كل شيء حدث لنا أو يحدث. أما الآن فقد انقلبت الآية؛ وعبثًا حاول الرازي إقناع القوم أن ما يتطلبونه منه لا يمت إلى مهنة الطب بصلة، وواضح أن المشعوذين هم الذين أدخلوا في روعهم أن الطبيب يجب أن يتبين كل شيء من البول ولا حاجة إلى جميع هذه الاستجوابات. وإذا كان الطبيب يتعرف إلى كثير من خصائص المرض من عوارضه، ويعرف خصائص لا يذكرها له المريض، فإن ما يصرح به المريض أهم وأدق وبخاصة إذا ما علم القوم أن هذا المريض صاحب البول قضى ليلة البارحة مع امرأة عجوز أو نام على جانبه الأيمن وكذا ساعة بالليل وهلّم جرًا من هذه السخافات ... ويعتقد القوم خطأ أن مثل الطبيب مثل الساحر يجب أن يتم الشفاء على يده في اللحظة والثانية؛ لأن الأثر الملحوظ المفاجئ هو الذي يترك أثرًا في نفس القوم، وقليلون هم الذين يقدرون مجهود الطبيب؛ إن الناس كثيرًا ما يتحدثون عن شفاء كشفاء المعجزات إلا أنهم ينسون أو يخفون الإخفاق الذي قد يقع بسبب عدم تحقيق هذا الإعجاز. فهذا النطاسي البارع كان كذلك إنسانًا عظيمًا وكان كذلك طبيبًا إنسانيًا، وبالرغم من حرص العالم القديم على أن يكون الطبيب لا طبيبًا فحسب بل على جانب عظيم من الخلق الكريم، فإن الطبيب الشاب كان لا بد من أن يقسم قسم أبقراط وكان يؤدي هذا القسم أمام الإله «بولون» الإله الطبيب، وأمام «إسكلبيوس» و «هيجيايا» و «باناكيا» وجميع الآلهة والآلهات. ويقسم الطبيب كذلك بأن يكون نافعًا مفيدًا وحفيظًا على الأيمان والأخلاق في كل بيت يدخله به

стр. 172

مريض كما، لا يقسم بمساعدة المريض الميئوس منه. وعلى النقيض كان من واجب الطبيب عدم مساعدة المريض الذي لا يرجى شفاؤه، فالطب كما جاء في رسالة أبقراط هو الفن الذي يشفي المريض تمامًا من مرضه وتخفيف وطأة آلام الأوجاع القاسية والابتعاد عن أولئك الذين لا يرجى شفاؤهم، وذلك بسبب استفحال المرض فيهم وإزمانه. ففن الطب لا يجدي معهم. ثم جاء الإسلام بتعاليمه الإنسانية الرفيعة فاستنكر المسلمون هذا النوع من المعاملة الذي ظل قرونًا طويلة دستورًا للطب والأطباء في كثير من بلاد أوربا والشرق الأدنى، ونادى مسلم بوجوب تغيير تلك الأوضاع وبأن أول واجب على الطبيب هو العناية بالمريض حتى الذي لا يرجى شفاؤه، وهذا المسلم هو الرازي، فقد تبين أن رسالة الطبيب الحقيقية تكمن في أن على الطبيب أن يقنع مرضاه بأن حالتهم في تحسن، وأن يمنحهم الأمل في الشفاء، ولو كان غير واثق من نتيجة علاجه، فكما أن الجسد يخضع لتأثير الروح كذلك الطبيب يجب عليه أن يدخل أمل الشفاء إلى ذلك الجسد المريض مطاردًا الموت وباعثًا الحياة. ومن الجدير بالذكر أن أحد أبناء «كيزر برج» ألا وهو «جيلر» نادى مرة قائلًا: إن الطبيب الذي يعلم أن المريض قريب من الموت، ولا يخبر المريض بهذا ثم يحاول شفاءه ويدخل إلى نفسه أمل الشفاء إن مثل هذا الطبيب يحول دون شرعة انتقال المريض إلى خالقه. أما المسلم فعلى نقيض المسيحي يقول على الطبيب أن يفهم المريض أن مرضه قابل للشفاء وأن شفاء المريض غير ميئوس منه. هكذا يقول مواطن الرازي ألا وهو ابن سينا، إن المريض الذي يعالجه الطبيب نفسيًا وإن المريض الذي لا يرجى شفاؤه لأنه مريض مرضًا عقليًا مثله في رأي الرازي يجب أن يعامل معاملة كلها إنسانية، ولم يكن هذا مذهب الرازي فقط أو ابن سينا فقط بل الأوربيين، وإن ظلت أوربا قرونًا طويلة غير مدركة لقيمة المبادئ الإسلامية السامية. ففي أوربا نجد الشعب يجني ثمار البذور التي غرسها اليونان وغذّتها المسيحية ولا شك في أنها كانت من أبشع الغلات. فالمريض المصاب بمرض مزمن غير قابل للشفاء وبخاصة المريض

стр. 173

بعقله كان المجتمع الأوربي المسيحي ينظر إليه طيلة العصور الوسطى وحتى أواخر القرن الثامن عشر على أن هذه المصيبة إنما هي عقوبة إلهية ابتلاه الله بها تكفيرًا عن خطيئة ارتكبها المريض قبل أن يمرض، أو أن هذا المريض أصبح جسدًا للشيطان. لكن أوربا لم تهمل هذا النوع من المرض بل قررت طرد الأرواح الشريرة التي تستولي على المرضى، والمريض بعقله إن كان ذكرًا يجب عليه أن يرتدي ثوبًا مرقعًا ملونًا وبيده جرس ومطرقة، يعلن بهما المريض عن نفسه ويخبر كل طفل بذلك في جميع الحارات التي يجتازها، وهنا يتحول المريض إلى شخص للسخرية. لكن من الذي يقرر أكان المريض مؤذيًا أم مسالمًا؟ حتى عام ١٤٩٨ نقرأ أن مجلس فرنكفورت لجأ إلى دير القديس «أنشتات» راجيًا إرسال راهب لفحص مريض مصاب في قواه العقلية، وبه مس من الجن، وهذا المريض يدعى «يعقوب جويش» ورجا المجلس أيضًا الدير أن ينقل هذا المريض إلى الدير والعمل على طرد هذه الروح النجسة. أما الحالات المستعصية من الأمراض العقلية، والتي يتعذر فيها طرد الشياطين، فإن مثل هؤلاء المرضى يغلون بالسلاسل ويلقى بهم في السجون أو يحجزون في بيوت المجانين أو برج المعتوهين. أما في ميناء همبورج فكانوا يوضعون في صندوق المجانين، وهناك يسلم هؤلاء المرضى إلى أناس غلاظ القلوب ينهالون عليهم ضربًا ولكزًا ولكمًا، ويعرف هؤلاء الجلادون باسم «عبيد المجانين» وهم يسومون أولئك المرضى سوء العذاب حتى تفارق الروح الجسد، وهدف هذا التعذيب هو طرد الشيطان من الجسد! ويحدثنا التاريخ أن شخصًا من سكان فرنكفروت اتهم عام ١٤٥١ بالجنون؛ لأنه لعن القربان المقدس وعوقب كما لو أنه مالك لقواه العقلية. وفي عام ١٤٩٠ اتهم شخص بالجنون وهو يدعى «كونتس فوجل»، كما أصيب أيضًا بالبرص؛ لأنه عاب في الذات الإلهية. أما المريض بالأمراض العصبية عند اليونان فكان يسلم لأهله وهم يحولون دون ما قد يرتكبه من أضرار، كما أن أسرته هي التي توفر له أسباب الراحة.

стр. 174

لكن إذا انتقلنا إلى البلاد العربية وجدنا الحال غير الحال فالمريض يوضع في مستشفى خاص بالأمراض العصبية وتحت إشراف السلطان، الذي كان يزورهم أسبوعيًا ويتولى الأطباء العناية بهم ورعايتهم بخلاف الحال في أوربا فقد ظلت حتى القرن التاسع عشر تعاملهم معاملة المجرمين، وأسبانيا فقط هي التي احتفظت بالتراث العربي فكان تضع مثل هؤلاء المرضى في مستشفيات تعرف باسم «الأبرياء». أما إنجلترا فلم تقبل على الأخذ بمذهب العرب في معاملة هؤلاء المرضى إلا عام ١٧٥١. وفي أواخر القرن الثامن عشر نجح الطبيب الفرنسي «بينيل» في فرنسا في إخراج هؤلاء المرضى المكبلين في الأغلال من الدير ووضعهم تحت الرعاية الطبية. وليس فقط مرضى الأمراض العصبية هم الذين ابتلوا بهذه المعاملة الوحشية القاسية بل شاركهم فيها مرضى آخرون وهم أولئك الذين لا يستطيع الإنسان معرفة أسباب أمراضهم، حيث نسبت جميعها إلى الشياطين؛ لذلك كانت وسائل التخلص من هذه الأرواح النجسة الضرب والتعذيب؛ وظل الحال كذلك حتى القرن التاسع عشر إذ نجد الطبيب الشاعر «يوسنينوس كرنر»، أحد أبناء قرية «فينزبرج» وهو الصديق الحميم لشاعر ألمانيا الخالد «جوتة»، ومع هذا الطبيب الشاعر بعض أساتذة جامعة ميونخ أمثال: «شوبرت» و «بادر» و «فون رينجسيس»، وكذلك أستاذ جامعة توبنجن وهو «إشيماير» وأستاذ جامعة «ليبزج» المسمى «هينروت» يجددون الكتابة في موضوع حلول الأرواح الشريرة في الناس، ويعتقدون كذلك أن الإصابة بها تأتي بسبب الخطايا التي يرتكبها بعض الناس. أما الشفاء منها فلا يتم إلا بطرد الشياطين؛ وذلك عن طريق الصلاة والابتهال والتوجه إلى القديسين. فهذا التزاوج الجديد بين الطب والديانة المسيحية نادى به عام ١٨٢٤ م أستاذ جامعة «ليبزج» المسمى «فينديشمان» فقد قال كلماته المشهورة: «إن المرض يحل بالنفس التي ينصرف صاحبها إلى الملذات والشهوات فتتهيج الروح وتثور. أما الطبيب الذي يجهل طرد الأرواح الشريرة فهو لا يدرك العلاج الصحيح لمثل هذه الحالات، لذلك فالقوم في حاجة إلى علاج مسيحي». وهناك مثل عربي معناه أن الذي يشغل نفسه بجمع اللآلئ يجب أن يحرص على

стр. 175

عدم إتلافها، كذلك الإنسان الذي يتصدى لعلاج الأجسام البشرية وهي أكرم وأشرف ما خلق على هذه الأرض، فهذا المعالج يجب أن يكون على جانب عظيم من الحذر كما عليه أن يبذل كل ما في وسعه من عناية. وفي شخصية الرازي تتجلى جميع هذه الصفات وتلك المثل التي يتصف بها الطبيب العربي. إنه الطبيب الذي لا يجاري. كان يدرك رسالة الطبيب ويدرك مسئوليته تجاه الإنسانية كطبيب. إنه نصير المحتاجين، وعون الضعفاء والمعوزين، والأستاذ الأمين الذي يجب أن يوكل إليه تخريج أجيال الأطباء لأنه قادر على تحمل الأمانة. والرازي أيضًا مؤلف الموسوعات والطبيب الخبير بمختلف أنواع الأمراض التي درسها السابقون وتوسع هو فيها بحثًا ودرسًا ونقدًا، كما كان الطبيب العلمي الماهر، والباحث الكيميائي المستقل، وصاحب التجارب العملية، كما كان العالم المرتب الأفكار المنتظم في أعماله، وبذلك أدخل على الطب النظام والوضوح والتنسيق.

стр. 176

قيود الماضي إن اضطراب الهضم الذي قاسى منه الخليفة المنصور زمنًا طويلًا، والصداع الدائم الذي أصاب بعد ذلك بعشرين عامًا الخليفة هارون الرشيد دفعا إلى التفكير في إيجاد وسيلة للشفاء، لذلك خرجت أفراس البريد مرتين من قصر الخليفة ببغداد وقطعت نحو خمسمائة كيلو متر متجهة إلى أسافل دجلة ثم انحرفت شرقًا مخترقة البادية إلى جنديسابور بالقرب من الخليج العربي لإحضار مدير مدرسة الطب الساسانية القديمة، وكان من الأطباء ذوي الشهرة البعيدة، فأسرة بختيشوع كانت من الأسر العريقة في الدراسات الطبية حيث مارس أفرادها أجيالا وأجيالا هذه المهنة كما تولوا تباعًا تطبيب الخلفاء. ومن هؤلاء الأطباء وصلت المعرفة اليونانية التي كانت سائدة ومنتشرة في جنديسابور، ولم يقتصر الأمر على الطب اليوناني فنحن نجد الطب الهندي يشق طريقه إلى دار الخلافة أيضًا وذلك على يد الطبيب الهندي «منكاه» ومواطنه «صالح بن بهلة» الذي أعاد الحياة إلى عم الخليفة هارون الرشيد بعد أن اعتقد القوم أنه فارقها. ودخلت قصر الخليفة من هذين العالمين كتب الطب الهندية كذلك فنافست غيرها، ومع مرور الزمن أخذت تؤدي رسالتها. وبعد قرن من الزمن نجد العرب يلمون بسائر أنواع المعارف من يونانية وهندية وسريانية وفارسية، ولما نزح الرازي لأول مرة عام ٨٨٠ م إلى بغداد وجد الطريق سهلا معبدًا أمامه، فمختلف المراجع الطبية القديمة قد نقلت إلى العربية ونقحت واستكملت، هذا مع الإشارة إلى المجهودات العظيمة التي بذلها العلماء العرب في الطب وقتذاك وبخاصة أمثال: الكندي والكناني ويحيى بن ماسويه وأفراد أسرتي

стр. 177

ثابت بن قرة وحنين بن إسحق. وهكذا نجد الطب العربي يخطو خطوات هامة بعد أن اجتاز مرحلة البدء، فقد ظهر الرازي وجعل الطب علمًا عربيًا مستقلًا قائمًا بذاته، كذلك الحال مع الرازي والطب العربي، فكلاهما نهضا بالطب نهضة أبعد وأعمق مما كان عليه من قبل، فقد أخذ الطب اليوناني تجارب وعلوم الشرق القديم ومصر، ومن ثم استقل وشق طريقه إلى الحياة. وأبقراط هو الذي اعترف له العالم بفضله فلقبه بلقب «أبي الطب»، وإن كان الطب اليوناني في عصره لم يكن على الأعتاب بل كان قد خطا خطوات واسعة في سبيل التقدم، كما أن أبقراط لم يكن هو أول من ابتدع الطب في اليونان بل كان حلقة في سلسلة طويلة، إلا أن المعرفة التي تحلى بها أبقراط لم يكتسبها عن معاصريه لأنهم لم يأتوا بجديد. أما الرسائل التي ظهرت فيما بعد في الإسكندرية حاملة اسم أبقراط فلم تشتمل إلا على معلومات قديمة إلا أنها تهتم بالحديث عن الصلة بين الطبيب والمريض. وكما رأينا العرب يتبرمون من المشعوذين والدخلاء كذلك الحال عن اليونان، وقد سبق إلى ذلك أبقراط فانبري مهاجمًا أولئك الأدعياء، وأخذ يتحدث عن الطبيب المثالي، الطبيب الحر لا الكاهن من بين رجال الدين الخاضعين لمؤثرات أخرى دينية. أما المبادئ الإنسانية التي نادى بها أبقراط فهي إنسانية عامة تربط بين جميع الأطباء وفي مختلف الشعوب والأمصار، كما تجعل منهم وحدة قوية. ونحن نجد أبقراط من ناحية أخرى مثالا يتحذى به وإليه تنسب طريقة معالجته الخاصة للأمراض ومعاملة المريض. وهذه الطريقة تعارض الوسيلتين اللتين كانتا مستخدمتين وسائدتين في تاريخ الطب القديم، وباستخدام الطريقة المدرسية أصبحتا قويتين وعارضتا مدرسة «أسكلبيادن» في «كنيدوس» و «كوس» التي كان يمثلها أبقراط. فحكيم «كوس» استفاد بأهم خصائص الطبيعة اليونانية الخيالية الفلسفية التي تصبغ ما يشاهده اليوناني بلونها، فهذه الطبيعة إن أفادت في الرياضيات والطبيعيات فهي ضارة بالطب القائم على التجارب كما هو الحال مع الفلاسفة

стр. 178

الطبيعيين ومعهم كثيرون من الأطباء اليونانيين. أما أبقراط فكان يعتقد أن هذا ليس هو الطريق السوي للطب، وذلك لأنه طريق محفوف بالمخاطر، فالوسيلة الوحيدة لتحقيق هدف الطبيب هو طريق التجارب والاختبارات والعمل، وبخاصة دراسة المريض وهو على سرير المرض. أما سائر الطرق الأخرى فجامدة تسير على وتيرة واحدة فلسفية وتنظر للأمراض وكأنها وقد صبت في قالب واحد لا تحوير فيه ولا تغيير، والواقع أن كل مرض يحتاج إلى عناية خاصة ودراسة خاصة؛ لأن المرض يكون حالة مستقلة متصلة بالبيئة والزمان والمكان. وهكذا نجد أبقراط ينساق وراء شيطانه ويؤمن بنظرية «أمبيدوكليس» الخاصة بالعناصر الأربعة الأولية، ففي كل إنسان معافى سليم أربعة أنواع من العصير الرئيسي: الدم والمخاط والمرارة الصفراء والمرارة السوداء وخواصها المختلفة بالرغم من امتزاجها مع عناصر أخرى. فالمرض هو اضطراب في نسب الامتزاج، فهذا الاعتراف بالحرص على تشكيل العالم وفهمه على هيئة صور أثبت أبقراط تقديره للفلسفة اليونانية كما ترك الباب مفتوحًا أمام الخيال والأفكار المتأخرة. ولم تترك فكرة تصور الكون على هيئة صور الفرصة لمن ينتظرها، إذ من بين التلاميذ وتلاميذ التلاميذ من عمل على خنق نظرية التطبيق والتجربة؛ وذلك بسبب انتشار نظرية عناصر العصير الأربعة، ومع الفلاسفة العظام أمثال: أفلاطون وأرسطو انتصرت نظرية الاستنتاج على التجربة واستنباط الحقائق الطبية من المستشفى، وبذلك أصبح الطب يدرس وينظر إليه على أنه علم وليس مجرد تجارب تكتسب من المستشفى، وهكذا نجد الطب إلى طريق وعر خطأ بسبب آراء أولئك الفلاسفة الأقدمين، ومما يؤسف له حقًا أن الطب ظل يسير في هذا الطريق قرونًا عديدة. ولما جاء جالينوس (١٣٠ - ٢٠١ م) حقق الهدف السامي للطب عن طريق علمي صحيح ومنطق رياضي سليم، وأقام حول علم الطب سياجًا متينًا، واستخدم جميع الطرق الهندسية بحيث استطاع الاستفادة من كل مجهودات الماضي، فخطا بالطب خطوات علمية موفقة وخرج به من حيزه اليوناني الضيق إلى المحيط العالمي الواسع.

стр. 179

فهذا البناء الخالد للطب والذي شيدته العلوم القديمة ترك أثرًا في الأجيال المتعاقبة لا يقل أهمية عن أثر علم الفلك القديم وعلم الماجسطي لبطليموس. فقد قام على نظريات فلسفية متأرجحة عوضًا عن أن يقوم على أثاث ثابت من الخبرة العلمية التي تعتمد على التجارب والمستشفيات. فمن هو الشخص الذي لم يتأثر بهذه العقلية الإيحائية؟ ومن هو الشخص الذي أصابه ضرر من دراسات وأعمال جالينوس الذي كان يؤمن أن مثل هذه المحاولات من حقه ولو أنها كثيرًا ما شابها الخيال؟ لذلك نجد القرون العديدة تحني هاماتها احترامًا لجالينوس وتقديرًا. ولم يدم الحال قطّ على هذه الوتيرة فقد أخذت أعمال وفضائل جالينوس تختفي وتتضاءل تدريجيًا، وذلك عندما أخذ الطبيب الحديث يتحرر من التأملات، ومن ثم أخذت تظهر العلوم المتحررة غير المتأثرة بمؤثرات خارجية، وذلك في أوائل القرن السابع عشر بسبب اكتشاف الدورة الدموية الكبرى على يد الإنجليزي «هارفي». والواقع أن فكرة الدورة الدموية لم تخطر على بال جالينوس. أما نظرياته الهوائية فقد شرحها كما فحصها في الكبد بمساعدة التدفئة الدخيلة حيث يتحول الطعام إلى دم، يسيل جزء منه في الأوردة ويسير في اتجاه مستقيم إلى جميع الأعضاء والأجهزة إلا أن جزءًا منه يجري في الوريد القلبي ومن ثم الوريد الأجوف الصاعد إلى الجيب الأيمن للقلب. وهنا نجد الحرارة الدخيلة تسبب غليان الهواء وتنقيته، حيث نجد البقايا عبارة عن هباب يتخلص منه عن طريق أوردة الرئتين والرئة والزفير. ومن الجيب الأيمن للقلب يجري جزء من الدم النقي في شرايين الرئة إلى الرئة لتغذيتها. أما البقية الباقية فتتسرب عن طريق المسام الموجودة في الحائط الفاصل للقلب إلى القلب اليسار، حيث يختلط مع هواء الشهيق الذي يجري في أوردة الرئتين، ويتحول هذا الخليط بواسطة الحرارة الدخيلة إلى مصدر الحياة، ويجري في سائر شرايين الجسد. هذا هو رأي جالينوس في القلب من حيث علم الأحياء، وظل هذا الرأي سائدًا حتى جاء «وليم هارفي» عام ١٦١٦ م وقضى على أخطاء جالينوس وآرائه الخاصة

стр. 180

بالقلب. أما «هارفي» فقد ظهر ونادى بآرائه الجديدة هذه بعد أن مضى نحو ثلاثة وستين عامًا على مجيء الإسباني «ميخائيل ثروت» عام ١٥٥٣ م، وتحدث للمرة الأولى عن دورة دموية وهي المعروفة باسم الدورة الصغرى أو دورة الرئة. وبعده بفترة قليلة جاء الإيطاليان «كولومبو» و «كيسلبينو» وأدخلا بعض التصحيحات على آراء جالينوس. وهكذا كان الوضع في تاريخ الطب حتى عام ١٩٢٤ م. ففي ذلك العام (١٩٢٤ م) تقدم شاب مصري إلى كلية الطب بجامعة «فريبورج» بإقليم «بريسجاو» برسالة في غاية الأهمية وفي اللغة الألمانية. ولا شك في أنه إذا ثبتت صحة النتائج التي انتهى إليها هذا الطبيب، فإن الفصل الخاص بالتاريخ العلمي لهذا الموضوع الطبي يجب أن يكتب من جديد. وفي ألمانيا نفر قليل من المستشرقين الذين يهتمون بالمخطوطات المحفوظة بمكتبة الدولة، ويقوم هؤلاء الأساتذة بفحصها ويقابلون بين ما يذكره الدكتور التطاوي وما جاء في هذه المخطوطات، وبعد دراسة فاحصة قرر أولئك المستشرقون أن الطبيب المصري على حق فيما ذهب إليه، وقد ثبت أن طبيبًا عربيًا عاش في القرن الثالث عشر الميلادي، وأن هذا الطبيب العربي أدرك مدى الخطأ الذي تردى فيه جالينوس. فالطبيب ابن النفيس هو أول من فكر في موضوع الدورة الدموية، وكان ذلك قبل «هارفي» بنحو أربعة قرون أو ثلاثة قرون قبل «ثروت». وقد بلغ ابن النفيس مكانة ممتازة بين أطباء عصره حتى إنه لما توفي رثاه أحد شعراء عصره بقوله: «إنه فريد عصره»، وإن العالم لم ير مثيلا له منذ عهد ابن سينا. ابن أبي أصيبعة (١٢٠١ - ١٢٧٠) الطبيب ومؤرخ الطب العربي، هو ابن طبيب عيون وحفيد مدير مستشفى العيون في دمشق. وقد ذكر لنا سير نحو ثلثمائة وتسعين طبيبًا من أشهر أطباء العرب، لكن ما هو السبب الذي دفعه إلى تجاهل هذا الطبيب الشهير جدًا والذي بلغ في عالم الطب منزلة قد لا يدانيه فيها أحد؟ ! إن هذا سر غامض حقًا، فابن النفيس كان معاصرًا لابن أبي أصيبعة ومواطنًا له، بل كان زميلا له في مدرسة الطب وفي نفس المستشفى الذي عمل فيه الاثنان. لقد ولد كلاهما في دمشق وفيها ترعرعا، وعندما ولد ابن النفيس عام ١٢١٠ م كان ابن أبي
следующие страницы →