شيء علمًا؛ لذلك قال أحد كبار فلكي العرب ألا وهو البتاني: إن معرفة النجوم تشبه معرفة الأشياء التي يجب على الإنسان أن يعرفها ويدركها كقوانين الذين وأوامره فعن طريقها يهتدي الإنسان إلى معرفة الأدلة التي تثبت وحدانية الله وعظمته وحكمته وقوته وكمال علمه، فلعلم الفلك عند المسلم قيمة علمية عظيمة.
لقد توقف حياة البدو الرحل الفلاحين منذ عصور بعيدة جدًا على السماء وأحوالها الطبيعية؛ لذلك اهتم القوم بعلم الفلك ومجاري الأفلاك، ولما جاء الإسلام وجدت صلة قوية بين عقائده وفرائضه وبين النجوم وسائر الأجرام السماوية وبخاصة عند قيام المسلم بفروضه اليومية، وقد نادى القرآن الكريم بوجوب النظر إلى السماء وفشعائر الإسلام الدينية والمحافظة عليها وعلى مواقيتها تحتم على المسلم العناية بمراقبة الشروق والغروب وما بينهما.
فالمؤذن في المسجد يجب أن يكون ملمًا بشيء من علم الفلك ليستطيع توقيت مواعيد الصلاة، ويجب أن يعرف استخدام آلة تحديد شروق الشمس وجريانها في كبد السماء ليحدد مواعيد تأدية فرائض الصلاة، كذلك يجب عليه أن يعرف طلوع الهلال وغيابه في شهر رمضان شهر الصوم، كما هو مطالب بمعرفة غياب الشمس وشروقها ليحدد المغرب والعشاء والسحور والإمساك والفجر والظهر والعصر. والمسلم مطالب أيضًا بمعرفة مواعيد الكسوف والخسوف فكل منهما يتطلب الفرائض الخاصة. والاتجاه إلى مكة عند الصلاة شرط لا بد منه لإقامة الصلاة فالاهتمام بالسماء وما يجري فيها أهم للمسلم من الطعام.
فلا عجب إذا رأينا المسلمين يقبلون على كل ما يتصل بالنجوم والأفلاك لذلك شجع الخلفاء هذا الاتجاه ودفعوا الشعب إليه حتى لم يمض زمن طويل إلا وأصبح الفلك علمًا تأتي دراسته والعناية به في مقدمة العلوم الأخرى؛ لذلك تخرج منهم المراقبون والمساحون والمحاسبون كما فعل العالم «هيبارش» من قبل. واستتبعت دراسة الفلك إقامة المراصد، ولعل أشهرها هو ذلك الذي شيده المأمون في بغداد أو دمشق، ولا ننسى تلك التي شيدها الخلفاء الفاطميون أمثال العزيز والحاكم في القاهرة وعضد الدولة فيما بعد في بغداد في حديقة قصره. والمرصد الذي شيده
стр. 107
السلجوقي في ملك شاه في نيسابور في شرق فارس، وكذلك هولاكو المغولي في «مراغة» غرب فارس، وأولوغ بك الأمير التتري في سمرقند.
ولعل هولاكو كان الوحيد من بين جميع هؤلاء الذي لم يكن مقتنعًا تمامًا بأهمية هذا العلم وفائدته، ففي هجومه على قلب الدول العربية استطاع حفيد جنكيز خان القضاء على صغار أمراء فارس كما قتل بحد السيف الأمراء الإسماعيليين وزعماء الحشاشين، ولم يكتف بذلك بل خرب بغداد وأشعل فيها النيران وأزال من الوجود العباسيين، إلا أن الحضارة العباسية الإسلامية أبهرت أنظار هذا البدائي حتى إنه قرر العمل على الأخذ بيد القائمين عليها، فاتخذ من الرياضي العبقري والفلكي الذائع الصيت ناصر الدين الطوسي (١٢٠١ - ١٢٧٤) -والذي كان في خدمة الأمير الإسماعيلي الذي قتله هولاكو- وزيرًا لماليته.
لكن ناصر الدين كان شديد الحرص على مواصلة أبحاثه العلمية إلى جانب وظيفته؛ لذلك فهو في حاجة إلى مرصد فكان هذا الاقتراح، إلى جانب المطالبة باعتماد المبلغ اللازم لإقامته مدعاة لإشارة الشك والريب في قلب هذا البدائي المتوحش؛ لأنه ما كان يجول بخاطره أن علم الفلك هذا يتطلب إقامة مرصد، وأن المرصد يكلفه هذا المبلغ من المال. فأجابه ناصر الدين أن فائدة هذا المشروع سيتبينها هولاكو من هذا المثال البسيط الذي سيقدمه له. فقد طلب من هولاكو أن يسمح له بصناعة حوض كبير من النحاس ويضع هذا الحوض على سطح القصر، وفي المساء لما اجتمع سائر الأعيان والوجوه حول الخان أمر ناصر الدين سرًا بدحرجة هذا الحوض فأحدث صوتًا مخيفًا أوقع الرعب في قلوب جميع الحضور عدا ناصر الدين وهولاكو وكاد الآخرون يموتون رعبًا وفزعًا. فقال ناصر الدين لهولاكو تأمل أن الذي يعلم الأشياء لا يخشى وقوعها وهذا من فوائد علم الفلك، فالذي يفهم هذا اعلم لا يخشى ما قد يقه لأنه يعرف الأسباب؛ فإذا وقعت واقعة تقبلها العالم هادئ النفس لأنه عالم بها ولا يجهلها؛ فاقتنع الخان بكلام وزير ماليته وسارع إلى إجابة طلبه فرصد له الأموال الطائلة لبناء المرصد وتأثيثه فلما تم المرصد فرح به الخان فرحًا عظيمًا وأهداه مبلغا كبيرا من المال يقدر بعشرين ألف دوكات، كما زود
стр. 108
المرصد بمكتبة تحتوي على أربعمائة ألف مجلد جمعها من مكتبات بغداد وسوريا والعراق، كما استدعى عددا كبيرا من علماء أسبانيا ودمشق وتفليس والموصل والمراغة ليعملوا تحت إشراف ناصر الدين ويضعوا الزيح الفلكية الجديدة بتكليف من الخان.
أخذ ناصر الدين يوجه اهتمامه إلى السماء ومتابعة سير النجوم والأفلاك ومختلف الكوكبات واستنفدت هذه المراقبة من عمره زهاء الثلاثين عامًا، وذلك لأن زحل يحتاج إلى زمن يقرب من هذا لإتمام دورته، لكن هذا الخان البدوي غير المستقر اعتبر هذا الزمن طويلا جدًا فأصدر أمرًا يقول فيه إن هذه التأملات وتلك الدراسات يجب أن تتم في زمن لا يتجاوز اثني عشر عامًا، وفعلا تم وضع جداول الخان في الزمن الذي حدده.
لقد حصل ناصر الدين الطوسي على مرصده، وكان معهدًا للأبحاث لا يوجد ما يضارعه، وأصبح مشهورًا شهرة عالمية في أجهزته وأبحاث علمائه.
مهر العرب في صناعة الآلات وتركيبها كما شاهدنا هذا من مثل أحمد بن موسى، وبذل العرب جهدًا مشكورًا في سبيل استخدام الماء والاستفادة منه، والماء كما نعلم هو سر الحياة وعليه تتوقف، ففيما يتصل بري الأراضي صنعوا أنواعًا مختلفة من الوسائل مثل: السواقي والطلمبات والروافع، كما نجحوا في تركيب مضخات تعمل بالنار.
والشيء غير المؤكد هو مدى محاولة العرب التغلب على الهواء والتحليق فيه، والواقع أننا نجد في حوالي عام ٨٨٠ م في أسبانيا الطبيب بن فرناس يبني أول طائرة من قماش ورياش، وقد نجح فعلا في التحليق بها مدة طويلة كما حاول القيام بعمليات انسيابية فسقط ولم يتحقق حلم «إيكاروس».
لكن هواية صناعة الآلات عند العرب ظلت محصورة تقريبًا في عمل آلات الرصد ومختلف الآلات الفلكية وما جاءهم عن اليونان لم يغنهم شيئًا لتحقيق أهدافهم التي كانوا يرومون تحقيقها، فقد أدخلوا على هذه الآلات الكثير من
стр. 109
الإصلاحات، كما اخترعوا جديدًا للرصد والقياس، وقد بلغوا بها حد الكمال وأخذتها عنهم أوربا وظلت تستخدمها حتى اخترع المنظار البعيد.
وحدث أن ابن ناصر الدين الذي كان رئيسًا لمرصد المراغة زار يوما ما هذا المرصد فاستولت عليه الدهشة من كثرة ما عاينه ورآه من آلات الرصد، ومن بينها آلة عبارة عن كرة مشتملة على خمسة أطواق لقراءة مواقع النجوم، وهذه الأطواق الخمسة مصنوعة من النحاس، وأول هذه الأطواق هو دائرة نصف النهار وكان مثبتًا في الأرض والثاني خط الاستواء والثالث سمت الشمس والرابع خطوط العرض والخامس الاعتدالان، وقد شاهد ابن ناصر الدين علاوة على ذلك دائرة لقياس السمت وتعيينه.
ومع مرور الزمن أخذت هذه الحلقات في الكبر وهي المستخدمة في هذه الكرة ذات الحلقات الخمس النحاسية، وقد صنعها العرب كما وصفها بطليموس إلا أن المقاييس العربية كانت أدق وأضبط، وقد بلغ قُطر الحلقة النحاسية ثلاثة أمتار ونصف المتر أو أكبر.
وللإنسان أن يتساءل الآن: كيف استطاع العرب صناعة مثل هذه الحلقات العظيمة وهي تحتاج ولا شك إلى شيء كثير من الدقة والإتقان، فهل كان لدى العرب أجهزة تحول الدائرة إلى كرات، أعني آلات خراطة وصناعة مثل هذه الحلقات النحاسية الثقيلة والتي كان يبلغ قطر الواحدة منها نحو خمسة أمتار، وصنعها ابن قرقة حوالي عام ١١٠٠ في القاهرة، وتطلبت الاستعانة بوسائل أخرى تشبه ولا شك آلات الخراطة الحديثة المستخدمة اليوم في أوربا والتي توجد بها رقائق من الصلب قوية تدور وتقطع الحلقات.
ولما انتهى ابن قرقة من إعداد حلقته الكبرى في القاهرة اعترض عليه السلطان قائلًا: لو صنعت حلقة أصغر من هذه لوفرت على نفسك جهدا كبيرا، فأجابه ابن قرقة: لو استطعت أن أصنع حلقة طرفها عند الهرم والآخر يصل إلى الجانب الآخر من النيل لصنعتها، إذ كلما زادت الآلات حجمًا كانت النتائج التي يصل إليها الباحث أدق إذ ما أصغر آلاتنا إذا ما قيست بعظم الكون.
стр. 110
ولم ينجح العرب في صناعة الآلة ذات الحلقات والبلوغ بها فنيا مرتبة الكمال فقط، بل أضافوا إليها ثلاث حلقات يستطيعون بواسطتها عمل مقاييس الأفق فاستخدموا «الحداد» وهو الذراع المتحركة للقراءة تجنبًا لعدم الدقة التي قد يقع فيها الباحث من جراء الاقتصار على استخدام الجهاز المعروف باسم ذات الحلقات.
وزيادة في الرغبة في الحصول على قياس دقيق جدًا اخترع العرب آلات جديدة أخرى تقوم على نظريات جديدة وملاحظات جديدة وتجارب جديدة، وهذا الجهاز هو المعرف باسم السمت المربع وقد كان موجودا في مرصد «مراغه» وهو من أحسن وأدق الآلات وقد ركبه جابر بن أفلح، وهذا الجهاز هو الخطوة الأولى التي مهدت لظهور الجهاز الحديث المستخدم في قياس المساحات المعروف باسم «ثيودوليت». وفي عام ١٤٥٠ تمكن الألماني «يوحنا مللر» أحد أبناء «كونيجزبرج» بإقليم «فرنكين السفلى»، والذي كان يطلق على نفسه «رجيومونتانوس» من تقليد جهاز جابر، وصنع جهازًا يشبهه تمامًا وأقامه في مدينة «نورنبرج».
وفي نفس الوقت الذي كان فيه ناصر الدين الطوسي في شرق الدولة الإسلامية يعمل في مرصد المراغة ويراقب النجوم، كان يعيش ملك مسيحي في مدينة «بورجوس» في شمال إسبانيا، وكان هذا الملك قد اقتنع تمامًا بمقدرة المسلمين العلمية وتفوقهم، ولم يتردد في الاستفادة من هذه العبقرية الإسلامية. فهذا الملك المسيحي الذي كان يقدر المسلمين وعبقريتهم العلمية، المسلمين الذين كانوا أعداءه، هو الملك ألفونس العاشر ملك قسطيليا وقد عرفه التاريخ تحت اسم الحكيم ولو أنه لم يشتهر بكياسة سياسته أو إلمامه بأطراف المعرفة أو الثقافة. وكل ما كان يمتاز به هو تقديره للثقافة الإسلامية وتبجيلها، وقد أولع بها حتى إنه أحبها حبًا أفلاطونيًا ولعل الناحية العلمية الإسلامية التي استولت على لبه بصفة خاصة هي نبوغ المسلمين في علم الفلك، هذا العلم الذي يكشف عن مقدرات البشر، والذي ينتقل بالإنسان من الأرض إلى السماء وفي الوقت الذي يكسب فيه الإنسان السماء يخسر الأرض، لذلك شغف هذا الملك جدًا بعلم الفلك الذي أتقنه العرب ونبغوا فيه بينما كانت أوربا حتى الوقت تجهل هذا العلم جهلًا تامًا، أما هو -كما يأمل مستشاروه اليهود- فيجب أن يكون الأول الذي يشيد مرصدًا في مملكته مثله في ذلك مثل
стр. 111
خلفاء العرب وحكامهم بل يجب أن يكون مرصده أكبر وأن يزوده بآلات وأجهزة أحسن وأكمل لكي يصير أكمل وأحسن مرصد في العالم. لكن لتحقيق هذه الغاية يجب عليه أن يستعين بالعلماء العرب أو اليهود الذين تخرجوا على الأساتذة العرب وأخذوا عنهم الكثير، لذلك أمر هذا الملك المسيحي بترجمة سائر الكتب العربية إلى اللغة القسطيلية الدارجة وأسوة بما فعل العرب يجب أن تركب وتقام أكمل وأدق حلقات في العالم.
لكن أوربا لم تكن حتى ذلك الوقت تشعر بهذه الحياة العلمية التي وجدت طريقها إلى قلب ذلك الملك المسيحي، هذا الملك الذي كان يفخر أيضًا بأنه يحمل لقب الملك الألماني ولو أن قدمه لم تطأ أرض ألمانيا. وأخذ يبذل كل جهده في سبيل خدمة العلم ونشره في بلاده دون أن يحمل بين طيات قلبه بغضًا لأعداء بلاده أو عقيدته، وإن ظلت مجهوداته مجهولة خارج بلاده، ولما شيد «رجيومونتانوس» في منتصف القرن الخامس عشر في مدينة «نورنبرج» جهاز الحلقات مستأنسًا بمواصفات بطليموس اتضح له أن هذا الجهاز لا يداني الجهاز العربي دقة وإتقانًا.
أما جداول ألفونس فقد كان حظها أحسن فهي في الواقع من وضع الفلكي العربي «الزركلي» الذي عاش قبل ذلك بنحو مائتي عام في طليطلة، وقد ترجم الطبيب الملكي «دون أبراهام» كتابه إلى اللغة القسطيلية فاعترف منه جميع فليكي أوربا في دراساتهم فنحن نعلم أن «نيقولوس كوزانوس» قد اجتمع بأولئك الفلكيين عام ١٤٣٦ باحثين اقتراحًا لتعديل التقويم إلا أنهم لم يوفقوا؛ لأن جميع الأسس الضرورية لمثل هذا العمل لم تكن متوافرة، وبالرغم من تقادم الزيج الفلكية في ذلك الوقت إلا أنها ظلت هي المعتمدة حتى أيام «كوبيرنيكوس». وكانت هي الأسس لحساب التقويمات السنوية، وفي عام ١٥٥١ فقط قام الأستاذ «رينهولد» من مدينة «فيتنبرج» بمجاولته الناقصة وهي الاستعاضة عنها بزيجة البروسية.
ومن بين الآلات والأجهزة التي كانت في مرصد الملك ألفونس والتي أخذت عن الآلات والأجهزة العربية هذا العدد الكبير من الأسطرلابات المختلفة وأحسنها هو ذلك المعروف باسم الأسطرلاب الكروي، كما عثر
стр. 112
في هذا المرصد على آله صغيرة في متناول اليد وسهلة الاستعمال، وهي عبارة عن أسطرلاب، وكانت أكثر تداولا بين العرب من القطوع المخروطية. أما ذات الحلقات فكانت تستخدم في المرصد فقط بينما نجد هذه الآلة الصغيرة، بمساعدة كبسولة معدنية، تؤدي أجلّ الخدمات التي تؤديها اليوم لنا ساعة الجيب فبواسطتها يستطيع المسلم تحديد أوقات النهار، فالصلاة والقبلة. كذلك كان من المستطاع بواسطة هذا الجهاز إجراء الحسابات الفلكية فكانت هذه الآلة التي أطلق عليها اليونان اسم ماسك النجوم أحب آلة توقيت عند العرب وأكثرها تنوعًا.
وبينما لم يستخدم اليونان الأسطرلاب إلا في استعمالين أو أكثر قليلًا إذا بنا نجد في كتاب الخوارزمي حول الأسطرلابات ذكر ثلاثة وأربعين نوعًا، وبعد ذلك بزمن قصير نجد مؤلفًا آخر يذكر ما يقرب من ألف ويصفها وصفًا دقيقًا. وقد طور العرب الأسطرلاب وهذبوه كما استعملوه في مختلف الأغراض. وهناك نوع كروي من الأسطرلابات وآخر على شكل العدسة وثالث بيضاوي ورابع على هيئة بطيخة وخامس وكأنه عصا. والشيء الجدير بالذكر أنه يندر أن نجد فلكيا مسلما لم يعن بنبأ الأسطرلابات واستخدامها، وأقبلت أوربا على هذا الأسطرلاب وأخذته، ففي القرن العاشر الميلادي أحضر بعض طلاب العلم المتجولين أولى هذه الآلات الدقيقة ذكرى لدراساتهم الطويلة في الجامعات العربية، وفي النصف الأول من القرن الحادي عشر كتب ألماني كتابين حول فوائد الأسطرلاب، والكتابان يفيضان بالاصطلاحات والآراء العربية.
ومؤلف هذين الكتابين النادرين كان الابن التعس للجراف السويبي «فولفراد» وقد أصيب هذا الابن الشقي عند ولادته بشلل الأطفال فلازم المحفة منذ طفولته، وكان هذا الشلل الذي أصابه في عموده الفقري مؤلما جدا حتى أصبح عاجزا عن تحريك جسده دون مساعدة آخرين. ولما بلغ السابعة من عمره نقل هذا الطفل البائس «هرمان» إلى دير «ريشناو» حيث ظل به حتى بلغ الحادية والأربعين.
لكن بالرغم من هذا الجسم المريض كانت روحه وثابة طموحة مرحة حتى جعلت من «هرمان» المشلول أو كما سمى نفسه «هرمانوس كونتراكتوس» أشهر وأعلم أستاذ في الدير. والشيء الغريب حقًا أن هذا الشخص المشلول العاجز عن
стр. 113
الحركة والتنقل أخذ يتأثر بالحضارة العربية تأثرًا عظيمًا، ولا يعرف هل كان تفاعله مع العلوم العربية جاءه عن طريق بعض خريجي الجامعات العربية الذين كانوا يقيمون في دور الضيافة في «ريشناو» ومعهم بعض الآلات العربية العجيبة والأسطرلابات في أيديهم، وكانوا يتفوهون ببعض الألفاظ العربية والاصطلاحات الفنية التي ترامت إلى سمع هذا المريض المشلول أو حصل عليها من طريق آخر؟ وفي كتب «هرمان» نجد هذه العبارات وتلك الاصطلاحات العربية ولو أنها أحيانًا غامضة مشوهة إلا أنها حية، وإن ظلت غريبة على المطلعين على هذه الكتب.
لقد وصف «هرمان» في كتبه الأسطرلاب وصفًا دقيقًا لكن أحدًا لم يجرؤ ويركب آله لقياس الزمن وإبان العصور المتتالية نجد استخدام الأجهزة الآلية إذ ظل العلماء المسلمون منهمكين في تركيب هذه الآلات وصناعتها وتصديرها إلى بعض أجزاء أوربا المسيحية وعليها العناوين في اللغة اللاتينية. وفي القرن الرابع عشر فقط استطاع الغرب تركيب هذا الجهاز العجيب، فالأسطرلاب لا يمتاز بتحديد الزمان والمكان فقط بل يؤدي خدمات جليلة جدًا للبحارة في عرض البحار والمحيطات.
وفي القرن السادس عشر ازدهرت الآداب والكتب التي اهتمت بالأسطرلاب وصناعته، ولم يأت القرن الثامن عشر إلا وكان البحارة المسيحيون يعتمدون عليه اعتمادًا كليًا في هداية السفن وتوجيهها، وظل الحال كذلك حتى حلت محله أجهزة أخرى.
ولم يقف النشاط العقلي العربي عند هذا بل أقبل العرب على المزولة البسيطة لبطليموس وتفننوا واخترعوا منها أجهزة أخرى جديدة مثل: مزولة الحائط ومزولة السمت والمزولة الأخرى السهلة الحمل وغيرها من الآلات التي تجاوزت الثمانية عشر نوعًا. وكان البيروني يستخدم مزولة حائط قطرها سبعة أمتار ونصف المتر، وهي مزولة أقل بكثير من تلك التي كانت موجودة في مرصد «أولوغ بيك»، إذ يبلغ قطرها أربعين مترًا. وصنع العرب نوعًا جديدًا أيضًا وهو المعروف باسم ذات السدس، وهي آلة بصرية ذات مقياس مدرج على شكل قوس دائري طوله سدس محيط الدائرة تستعمل لقياس الأبعاد «ذات الزوايا»، كما اخترع العرب «ذات الثمن» «الثمينة». وفي أول مرصد بأوربا وهو أورانينبرج لتشيو براها في جزيرة
стр. 114
«هفين باوست زيه» نجد الأجهزة العربية كذلك. وهي أول أجهزة قدمها العرب لأوربا وذلك بفضل هرمان ابن الجراف السويبي.
وللعرب أيضًا يرجع الفضل في اختراع الساعات الشمسية التي استطاعوا بواسطتها تحديد وتعيين أوقات النهار بمساعدة النظرية الكروية للمثلث والجدول الذي كان يبين موقع الشمس. وخير ما اخترعوا في هذا الموضوع ساعة شمسية متحركة أسطوانية الشكل، وهذه الساعات الشمسية السفرية قد وصلت أيضًا إلى دير «ريشناو» حيث يعيش «هرمانوس كونتراكتوس»، واستطاع هو أن يصف تركيبها وصفًا دقيقًا، وقد تدفقت قطع من هذه الساعات السفرية فيما بعد على أوربا.
وعند تركيب الساعات الشمسية لعب الخيال العربي كثيرًا، وبخاصة في الساعات التي تتحرك بواسطة الماء أو الزئبق أو الشموع المتقدة أو الأثقال. فقد اخترع الساعاتية العرب ساعات شمسية بالطبل فهي تحدث قرعًا في حوض عندما تبلغ الثانية عشرة ظهرًا. والساعات المائية التي تلقي عند كل ساعة كرة في حوض معدني. ثم نجد قرصًا وعليه الأفلاك وعندما يتحرك القرص تظهر الكوكبات أو عند تمام الساعة الثانية عشرة ليلا نجد في هيئة نصف دائرة شبابيك يضيء كل منها عقب الآخر بينما يمر بها هلال. وفي عام ٨٠٧ م أهدى عربي وهو رسول هارون الرشيد واسمه عبد الله القيصر شارلمان في «إكس لاشبل» ساعة من هذا النوع: الساعة كانت من المعدن: هكذا يذكر مؤرخ القيصر واسمه «إينهرد» في مذكراته «وكانت مركبة بطريقة عجيبة فنية جدًا. ساعة مائية بين اثنتا عشرة كرة، وعن طريق سقوطها يرن مضرب متصل بآخرها، وفيها أيضًا اثنا عشر فارسًا. وفي نهاية الساعة يقفز الفرسان من اثني عشر بابًا وبعد قفزهم تغلق الأبواب التي كانت مفتوحة من قبل. لكن الشيء الذي يثير العجب حقًا في هذه الساعة لا أستطيع الحديث عنه لأن الحديث عنه يتطلب زمنًا طويلًا .. »!
واليوم يستولي علينا العجب عندما نقف أمام دار بلدية ونسمع دقات الساعة ونرى قرصًا يتحرك وشخوصًا لا تستقر في مكان، كما فكر العرب من قبل ووجدوا لذة في مثل هذه الصناعة.
стр. 115
الابن الثاني لموسى «الفلكي»
لم يتسلم العرب التراث اليوناني دون تفكير بل أخذوه وخلقوه خلقًا جديدًا وهذا حقيق أيضًا فيما يتصل بالآلات العلمية وكذلك مختلف العلوم الأجنبية، إذ لم يكد العرب يتسلمون هذا التراث العلمي حتى أقبلوا عليه ناقدين فاحصين لا مؤمنين مستسلمين لما وصل إليه غيرهم من نتائج ليبنوا بعد ذلك على أساس سليم.
ويمتاز التفكير العربي بأنه لا يتقبل المسائل العلمية كحقائق مسلم بها ما لم يفحصها ويطبقها حتى مؤلفات أرسطو أو بطليموس، فقد عرضوا لها ناقدين فاحصين فأصبحنا نجد مؤلفات تحمل ما معناه: حول الخطأ الذي وقع فيه «ثيون» عند حسابه الكسوف والخسوف: أو: حول اختلاف جداول بطليموس من التجارب التي بها ثابت بن قرة (١).
إن طبيعة العربي الواقعية دفعت العرب إلى إبداء ملاحظاتهم الخاصة، فإذا كان اليونانيون ينظرون إلى كل شيء على أنه كل ويخضعونه إلى قانون ما فإن العربي ينظر إلى الشيء على أنه سؤال ويحاول الإجابة عليه لا مرة واحدة بل مرات ومرات ومئات باحثًا فاحصًا. ولما كان الشيء الذي يهم العربي هو الناحية العلمية والمواظبة على تأدية الصلاة في ميعادها أو اللحظة التي يظهر فيها الهلال، أعني هلال رمضان والاتجاه في الصحراء والحياة الموت حرص العربي على الحصول على النتيجة
стр. 116
الحقيقية الصحيحة، وليس الأمر كذلك بالنسبة لليونان الذين لا يهتمون بالدقة المطلقة، كما قد يهربون من مراعاة الحساب الدقيق.
ثم إن مشاهدة السماء ودراستها ضرورة لا بد منها للمسلم لتأدية التزاماته اليومية، لذلك اهتم المسلمون بعلم الفلك ومن ثم تقدموا في صناعة الآلات والأجهزة، وكانت النتيجة المحتومة لكل ذلك بلوغ نتائج علمية عظيمة في إدراك كنه الشمس والقمر وسائر الأفلاك، ولم يقتنع الفلكي العربي بدراسة الزيج البطلمية بل ذهب بعيدًا فنقدها ووضع زيجه العربية وحتى هذه أعيدت دراستها ونقحت للتثبت من صحتها. وساهم الخلفاء والحكام والأمراء في تقدم الفلك فأجزلوا العطاء للفلكيين وأوقفوا الأموال الطائلة بل كفلوا حياة العالم وأسرته لا إبان حياته فحسب بل بعد وفاته أيضًا؛ لأن مثل هذه البحوث الفلكية كانت تطلب سعة في الرزق وسعة في الزمن.
وأشهر الزيج الفلكية العربية وجدت طريقها إلى أوربا وظلت مستعملة فيها حتى ظهور عصر «كوبرنيكوس»، إذ أصبح من العسير استخدامها للقيام بالأرصاد المختلفة. أما زيج الخوارزمي والمأمون والبتاني وجداول ابن يونس المعروفة باسم الحاكمية والطليطلية للزركلي فهي التي كانت أساسًا لزيج الملك ألفونس.
أما الأهمية والنتائج التي بلغها وتوصل إليها العلماء العرب في الطبيعة والفلك فكانت مضرب الأمثال/ فعلماء الفلك في بغداد كما يقول الفرنسي «سديلوت» بلغوا في أواخر القرن العاشر مرتبة من العلم ليس بعدها من مزيد، لقد أدركوا ما كان يجب على العالم إدراكه قبل العدسات والمنظار، ولعل السر في عدم وصول مؤلفات كثيرة من وضع علماء العرب إلى أوربا هو عدم ترجمة جميع مجلدات المكتبة العربية إلا اللاتينية. ومن أشهر علماء العرب الذين دفعوا الحركة العلمية في أوربا إلى الأمام وطوروها هو العالم العربي الفرغاني، وكان معاصرًا لبني موسى الذين كانوا يعملون في بغداد. لقد قاس الفرغاني خطوط طول الأرض وأدرك، وكان أول من أدرك، أن فلك الشمس كسائر الأفلاك الكواكب يتحرك مع مرور الزمن إلى الوراء، فكتاب الفرغاني في أصول علم النجوم قد ترجم في العصور
стр. 117
الوسطى في أوربا إلى اللاتينية ونشره «ميلنختون» عام ١٥٣٧ م، وكانت هذه المخطوطة من مخلفات «رجيومونتانوس» في «نورنبرج».
ومن بين العلماء المشهورين الذين تلألأ نجمهم في الفلك ثابت بن قرة تلميذ محمد بن موسى فقد حسب ثابت هذا ارتفاع الشمس وطول السنة الشمسية، وغير ثابت بن قرة نجد البتاني (٨٨٧ - ٩١٨ م)، وقد ذاع صيته في أوربا في العصور الوسطى إبان حركة إحياء العلوم، وقد بلغ ما بلغ من توفيق عن طريق دقته الحسابية لمعرفة التفاوت بين خطوط الطول للسنتين المدارية والفلكية وعاونه على بلوغ هذه النتائج قياسه دوران الأرض حول الشمس، وقد استخدم لتحقيق هذه الغاية وسيلتين ولم يكتف بواحدة لقد صحح أبحاث ومحاولات الخوارزمي بواسطة تجاربه التي قام بها لفحص ظهور الهلال وكسوف الشمس وخسوف القمر والزاوية الواقعة بين خطين يكونان زوايا متقابلة. أما المقدمة الفلكية لزيجه المشهورة فقد ترجمها «رجيو مونتانوس» إلى اللاتينية وزودها بشرح. وفي عام ١٥٣٧ نشرها في «نورنبرج» مع كتاب الفرغاني فعرفتها أوربا. وفي عام ١٦٤٥ ظهرت طبعة جديدة في «بولونيا» مستقلة وعنوانها اللاتيني «كتاب محمد البتاني في الفلك مع تعليقات يوحنا رجيو مونتانوس». وقد اهتم «كوبرنيكوس» بالعلماء العرب وحتى حوالي عام ١٨٠٠ م نجد الفرنسي «لابلاس» يستفيد من كتب ابن يونس القاهري في دراساته وأبحاثه.
وقد قام البتاني كذلك بوضع حساب دقيق لدائرة البروج واستخدم وسائل جديدة لتحديد عرض المكان، وجاء بعده ابن الهيثم فتوصل إلى طرق أخرى حديثة؛ وذلك بفضل نظريته الخاصة بالأشعة وانكسارها. هذه النظرية التي كانت نقطة تحول في أبحاث العالم في الطبيعة وبخاصة الضوء (١).
والحسن بن الهيثم (٩٦٥ - ١٠٣٩ م) هو الذي أثر في أوربا تأثيرًا بعيدًا وعرفته تحت اسم «الحسن» وكان أشهر الأساتذة العرب الذين أخذوا بيدها في هذا المضمار
стр. 118
من البحوث، فقد وضع نظرية حول حركات الأفلاك على أطباق غير شفافة وقد شغلت هذه النظرية العصور الوسطي كثيرًا كما خلفت لنا أثرًا في المكان الخاص بـ «شتم» بالقرن من مدينة «إينزبروك» حيث توجد إلى الأمام مائدة من خشب القرو ترجع إلى عام ١٤٢٨ م، وقد صنعت في «أوجسبرج»، وهي تبين حركة الأفلاك الستة حسب نظريته وفي صورة نموذجية.
لكن شهرة هذا العالم العربي لم تقم على هذه النظرية فقط؛ ففضله على الفلك يتجلى في اكتشافه أن جميع الأجرام السماوية ومن بينها النجوم الثابتة ترسل نورها، عدا القمر الذي يستمد نوره من الشمس. وهذه النتيجة التي انتهى إليها ابن الهيثم نقلته إلى فكرة أخرى جديدة أدت إلى ثورة عارمة في علم الفلك فقد عارض ابن الهيثم العالمين الإسكندريين «أويقليد» و «بطليموس» فأثبت خطأ نظريتهما، وبذلك نجح في فرض آرائه الجديدة.
والمسئول عن هذا كله كان نهر النيل والآراء التي قال بها خاصة بالفيضان السنوي واستغلالها في سبيل خدمة وادي النيل. لقد عاش ابن الهيثم كطبيب وموظف بالقصر في البصرة على الخليج العربي عندما علم في القاهرة الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله أن رجلا على استعداد لأن ينظم فيضان النيل، وبذلك يحل مشكلة من أعوص المشاكل التي تشغل بال سكان الوادي فاستدعى الخليفة هذا العالم من البصرة إلى القاهرة وعند وصوله استقبله الخليفة كعادته استقبال الملوك وقدم له مختلف الوسائل لتحقيق أهدافه. فسافر ابن الهيثم ومعاونوه حتى بلغ أعالي النيل، ومن ثم شرع في دراسة حالات النهر وتياراته في أسوان وغيرها من جهات النيل، وكان ابن الهيثم أنى ينتقل يشاهد من الآثار المصرية الفرعونية ما أثار دهشته وتقديره، فقد شاهد المعابد والمقابر وغيرها من الآثار التي ترجه إلى آلاف السنين فالمعابد شامخة والأهرامات قائمة فأمام هذه الأبنية الشاهقة التي تشهد بتفوق قدماء المصريين هندسيًا وفنيًا لم يسعه إلا أن يعترف بعظمة هذا الشعب المصري العظيم والذي كان من المهارة الهندسية بحيث خلق هذه المعجزات. وبالرغم من ذلك لم يحاول تنظيم الفيضان فلا بد أن هذا التنظيم من الأمور
стр. 119
المستحيلة؛ لذلك خجل ابن الهيثم وعاد يائسًا قانطًا إلى القاهرة فأثار فشله هذا سخط الحاكم وسخريته فعين ابن الهيثم في وظيفة إدارية لم تدخل إلى نفسه شيئًا من السرور وشاء سوء طالعه أن يرتكب خطأ وخشي ضب الحاكم وتنكيله به فتظاهر بالجنون ونجحت هذه الحيلة فحدد الخليفة إقامته في داره وضربت الحراسة عليه وعلى بيته واستولت الحكومة على ممتلكاته. وحدث أن الخليفة خرج مرة ممتطيًا جواده ولا يعلم بخروجه أحد وعندما بلغ أبواب القاهرة اختفى ولم يعرف له أثر فكان اختفاؤه لغزًا من الألغاز، وبذلك استطاع ابن الهيثم أن يتحرر من تحديد إقامته وفرض الحراسة عليه وتأميم ممتلكاته فترك سكنه واتجه إلى حي الأزهر حيث أقام هناك واضطر أن يكتسب قوته عن طريق النسخ، وهكذا قضى هذا الرجل التعس حياته حتى توفي. وقد كلفه بعضهم مرة أن ينسخ له مبادئ أويقليد والماجسطي لبطليموس فنسخهما بدون خطأ وفي غاية الدقة ليستطيع أن يتغلب على متاعب الحياة ويحصل على قوته اليومي. ومن الجدير بالملاحظة أن ابن الهيثم أدرك الأخطاء التي تردى فيها هذان العالمان فعارضهما وانتقدهما وبين أخطاءهما، فقد قال كل من أويقليد وبطليموس أن العين ترسل «أشعة بشرية» على الأشياء المراد رؤيتها، فأعلن ابن الهيثم خطأ هذا الرأي وقال إن العين لا ترسل شعاعًا، وإن هذا الشعاع ليس هو الذي يسبب الرؤية والعكس هو الصحيح فإن الجسم المرئي هو الذي يرسل أشعة إلى العين وإن عدسة العين هي التي تحوله.
وكان هذا الرأي لابن الهيثم كشفًا جديدًا قفز بالعالم العربي بخواص الحواس قفزة بعيدة جدًا وصحح الخطأ الذي وقع فيه العالم القديم، وفسر لنا ابن الهيثم الضوء ومظاهره، كما أوجد بذلك قانونًا جديدًا أثبت صحته وأيده بتجارب كثيرة مختلفة فكان ابن الهيثم هو صاحب النظريات العلمية المعتمدة على التجارب، وابن الهيثم هو وأمثاله من العلماء العرب هم مؤسسو الأبحاث التجريبية وليس «روجر بيكون» أو «باكوفون فرولام» أو «ليوناردو ده فينشي» أو «جليلي»، فالعرب سبقوهم وبلغوا بأبحاثهم التجريبية المستوى الرفيع وأصبح اسم الحسن بن الهيثم هو همزة الوصل وهو النجم الذي أضاء الطريق ومهد لقيام الأبحاث الحديثة بعد أن سبق أوربا إليها.
стр. 120
فابن الهيثم هو الذي استغل الزمن الذي مضاه مختارًا في سجنه، كما استغل أيضًا الأعوام التي تلت خروجه وقام بأبحاثه العلمية وتجاربه الخاصة بالبصريات الهندسية فخلق بذلك علمًا مستقلًا.
وكيف يقع خسوف القمر إذا كان القمر جسمًا غير مضيء؟ وأنه يستقبل ضوءه من الشمس؟ فمثل هذا السؤال الفلكي دفع ابن الهيثم إلى خلق نظرية خاصة بتكوين الظل عن طريق أجسام نورانية. ومن هنا أوجد رأيه الخاص بمصادر الضوء، وأخذ يقوم بمختلف التجارب وأوجد دراسة خاصة بطبيعة إلقاء الظل كما أطلق هو نفسه هذه التسمية على بحثه هذا. وأول تجربة قام بها هي الخاصة بجهاز يشبه تقريبًا آله التصوير وبها ثقب، وكانت هذه الآلة هي الأنموذج الأول لآلة التصوير، وقد أثبت ابن الهيثم عن طريق هذا الجهاز استقامة خطوط الضوء، ولم يكد يصدق عينيه عندما شاهد العالم وقد أصبح أسفله أعلاه بمجرد وضع الصورة وضعًا عكسيًا. إن التجارب التي توصل بمقتضاها ابن الهيثم إلى هذا الفتح العلمي الجديد هي بعينها التي اهتدى إليها «ليوناردو ده فينشي» فيما بعد. لقد وجد ابن الهيثم تعليلًا لكسر الإشعاعات عندما تمر خلال وسيط مثل الهواء أو الماء، اعتمادًا على هذه الظاهر وتلك الحقائق استطاع ابن الهيثم معرفة ارتفاع الطبقة الهوائية المحيطة بالكرة الأرضية، والشيء الجدير بالذكر حقًا أن ابن الهيثم توصل إلى معرفة ارتفاع هذه الطبقة تمامًا وأنها خمسة عشر كيلو مترًا. ولم تقف أبحاث ابن الهيثم عند هذا، بل امتدت إلى هالة القمر والغسق وقوس قزح، ونحن نعلم أن أرسطو قد فشل عندما حاول في شرحه تعليلها التعليل العلمي. وذهب ابن الهيثم بعيدًا فطبق معلوماته على أجهزة البصريات فدرس وحسب الانعكاس في قطاع المرآة الكورية أو المخروطية أعني الإشعاعات المتوازية التي توجد في نقطة الاحتراق، كما اهتدى أيضًا إلى قوانين تتلمذت عليه أوربا وعرفته تحت اسم «أرزاكيل» (الزركلي) فهو من بين الأساتذة العرب الذين أخذت عنهم أوربا الشيء الكثير. ولم يشتهر الزركلي بالفلك فقط بل بتركيب الآلات أيضًا فهو الذي صنع الجهاز الذي مدحه «رجيومونتانوس» وقال عنه ما معناه إنه أحسن جهاز وهو عبارة عن أسطرلاب الزركلي، وقد لاقى هذا الأسطرلاب شهرة عظيمة تتفق ومكانة الزركلي
стр. 121
الفلكية. ففي القرن الخامس عشر نشر «رجيومنتانوس» مجموعة من الرسائل حول هذا الأسطرلاب.
وفي عام ١٢٠٤ كتب الفلكي البافاري «يعقوب زيجلر» شرحًا لرسالة الفلكي الطليطلي وفي عام ١٥٣٤ ظهرت ترجمة لاتينية وضعها (يوحنا شونر) في نورنبرج وترجمة عنوانها: (النظرية التي ظهرت حديثًا حول أسطرلاب الفلكي الزركلي).
وقد اهتم بالمسائل الطبيعية والنجوم والفلك أيضًا مواطن من مواطني ابن الهيثم وهو لا يقل عنه شهرة وأعني بذلك المواطن «الكندي»، وقد توفي عام ٨٧٣ م واشتهر في أوربا شهرة عظيمة وقد سمي فيما بعد باسم فيلسوف العرب ووضع نحوًا من مائتين وخمسة وستين كتابًا في مختلف أنواع العلوم، ومن بينها بحث حول تقهقر الأفلاك واللغز الأول لعلم الفلك، وقد حاول اليونانيون معالجة هذا الموضوع فلم يهتدوا إلى نتيجة حتى جاء العالم العربي البطروغي الأندلسي وتوصل إلى الحل؛ كما أنه نقض نظرية بطليموس الخاصة بانحراف الأفلاك والدوائر التي ليس لها مركز مشترك، وبذلك مهد الطريق للعالم «كوبرنيكوس». أما كتاب البطروغي في الهيئة فقد ترجمه «ميخائيل سكوتوس» عام ١٢١٧ وهو فلكي القيصر فريدريش الثاني إلى اللاتينية.
والكندي هو أول من استخدم الفرجار لقياس الزوايا في الهندسة كما حسب أثقال بعض السوائل الخاصة وأجرى عدة تجارب على الجاذبية وسقوط الأثقال. أما كتابه حول سقوط الأجسام من أعلى فلم يحظ بمن يترجمه إلى اللاتينية، كذلك الحال مع نظرية الذرة التي وضعها عام ١٠٠٠ م الطبيب القاهري علي بن سليمان، وقد عالج في رسالته الذرية هذه مسألة إمكانية تقسيم الجسم إلى جزئيات، وهذا التقسيم لا ينتهي، وأن الإنسان لا يصل إلى نتيجة من جسم غير قابل للتجزئة.
كذلك لم تلفت أوربا ملاحظات العرب المتعلقة بالبقع الشمسية والتي تنبهت إليها أوربا عام ١٦١٠ م فقط، وما يقال عن البقع الشمسية يقال أيضًا عن ذبذبة محور الكرة الأرضية، ولو أن الناس لا يشعرون بها نظرًا لكبر الأرض.
стр. 122
ومن الجدير بالذكر أيضًا أن أوربا لم تلفت إلى رأي البيروني الذي نادى به حوالي عام ١٠٠٠ م (٩٧٣ - ١٠٤٨ م) وهو الخاص باعتبار الشمس مركز الكون من وجهة النظر الفلكية، وقد توصل إلى هذا الرأي من قبل «أريستارخ» أحد أبناء مدينة ساموس، وتوصل إليه بعد ذلك بقرن «سليكوس» الكلداني البابلي.
وإبان عصر إحياء العلو ظهر العبقري الألماني (كوبرنيكوس) وقبله بنحو خمسة قرون عرفه العالم العبي البيروني. فليست الشمس هي سبب الليل والنهار بل الأرض نفسها هي التي تدور حول محورها والشمس تجري مع الأفلاك، والحقيقة أن جميع الذين تجرأوا على نقل الشمس من موضعها سيظلون مدى الحياة بمعزل عن الوجود لا يفهمون أحدًا ولن يفهمهم أحد، لذلك ما أعجب التناقض الذي نادى به «كوبرنيكوس» حتى اضطهدته أوربا المسيحية ونكلت به أشد التنكيل لأنه خالف تعاليم الكنيسة ورفض كلمة الكتاب المقدس.
لكن إذا استثنينا هذه المعارضة سواء كانت علانية أو سرية فالعالم «كوبرنيكوس» لم يكن هو أو الفلكيون الآخرون في وضع -وهم على ما هم عليه من أجهزة رصد لا يوجد بينها منظار مجسم- يسمح لهم بإثبات صحة آرائهم المناقضة للدين، لذلك كان لا بد من مرور أكثر من قرن على هذه الآراء لكي تفرض نفسها ويقبلها جمهور المفكرين. وما حدث لهؤلاء حدث من قبل للبيروني عندما جاء برأيه وذلك لعدم وجود الأجهزة التي تمكنه من إثبات صحة رأيه. وهكذا ظلت الأرض ثابتة في المكان الذي خصصه لها «هيبارش» في قلب الوجود، وحتى العرب الذين جاءوا بعده والذين اشتهروا بدقتهم الفلكية في مشاهدة الأفلاك ورصدها وخطوا بالعلم خطوات أبعد من تلك التي قام بها «هيبارش» عجزوا عن زعزعة الآراء الخاصة بالعالم.
وحتى القرن الثاني عشر نجد الشكوك موجودة في آراء بطليموس الخاصة بالكون، لكن في الشرق العربي وبخاصة في إسبانيا ومراكش نقرأ كثيرًا من الآراء التي تشكك في أقوال بطليموس وكان هؤلاء الناقدون متأثرين بآراء أرسطو. وهكذا نجد ابن باجة من سرجوسة يبدأ ببعث فكرة الاعتماد على البراهين الطبيعية
стр. 123
للمظاهر السماوية. واستمر هذا النزاع بين أنصار أرسطو وأتباع بطليموس مستعرًا بين أفراد مدرسة ابن باجة طيلة ثلاثة أجيال وبخاصة بزعامة أمثال: ابن طفيل وابن رشد والبطروغي، واستمرت الخصومة مستعرة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر في فرنسا وألمانيا وإنجلترا، وخلقت مناضلين أمثال: «ألبرت الأكبر» و «توماس فون إكوين» و «روجر بيكون» و «جان بوريدان» و «ديتريش فون فريبورج». وكان من نتائج المعركة العلمية بعث الوعي التفكيري في أوربا.
стр. 124
الابن الثالث الرياضي
أهم من خطوات التقدم التي خطاها علماء العرب بالعلوم، وأهم من الاختراعات التي توصلوا إليها اعتمادًا على رصدهم للكواكب، خلقهم هذا الجيل العلمي الذي قدموه لأوربا.
لقد كانوا أساتذة الرياضيات بخلاف الرومان الذين لم ينتجوا شيئًا في هذا الحفل اللهم إلا هذا النذر القليل جدًا ذا النتائج التافهة واختلاسًا بينما نجد النبوغ الرياضي اليوناني يكاد يقتصر على الهندسة ونظرية المساحات حتى إنهم أسدلوا على ما يعرف فيما بعد بعلم الجبر ستارًا هندسيًا. كذلك الهنود فقد مهروا في الحساب كما عالجوا حساب المثلثات جبريًا وحسابيًا. أما العرب فقد امتازوا بالجمع بين عظم العدد وعظم المساحة، وهذه هبة امتاز بها أصغر أبناء موسى ألا وهو «حسن».
وبفضل هذا الاستعداد خلق العرب فروعًا جديدة من العلوم، كما طوروا غيرها تطويرًا تقدميًا عظميًا ففاقوا بذلك اليونان والهنود، لذلك فالعرب وليس اليونان هم أساتذة أوربا في النهضة العلمية الرياضية، وساعدتهم على النهوض بهذه الرسالة الأعداد الهندية، فقد خدمهم الخط إذ عرفوا في ذلك الوقت الأعداد الهندية كما أدركوا أهمية استخدام هذه الأشكال الصغيرة التي تزين كتاب «كنكاه» إلى إعجابهم بها والحرص على الاستفادة منها بالرغم من غرابتها عليهم. ففي معاهد الإسكندرية وسوريا كانت هذه الأعداد معروفة منذ زمن طويل دون أن تنال اهتمامهم بخلاف العرب وعقليتهم الرياضية، فقد أدركوا في ذلك الوقت أين
стр. 125
وكيف يستخدمونها أعدادًا ورياضة، وبذلك نجح العرب في الاستفادة من هذه المادة الجديدة وفي فترة قصيرة أصبحت جهازًا طيعّا للإفادة منه.
فكل تركيب حسابي وكل عملية حسابية فلكية سواء كانت معقدة أو سهلة أخذت تعتمد على الأعداد، وأقبل العربي مسرورًا على كل عملية حسابية، ثم إن بعض التخطيطات الخاصة بالآلات الفلكية والتي لم تستخدم من قبل تناولها العربي إشباعًا للذاته الشخصية الحسابية، نعم إن التفاني في العناية بأجمل أنواع النظام، أعني الحساب قادهم إلى إتقان المسائل الحسابية التي حار فيها علماء العالم القديم فلم يجدوا لها حلا.
إن مثل هذا الرأي قد يعتبر مفاجأة، وذلك لأن لفظ «أريثماتيك» لفظ يوناني، ومعناه لذة الاهتمام بالأعداد لكن هذه العملية والاهتمام بالأعداد بالنسبة لليوناني المتأمل عملية كمالية. فلما استيقظ الطفل وأدرك سر الأعداد والحساب، اهتم بنظريات الأعداد ورمزية الأعداد والأعداد الزوجية والفردية وغيرها، لكن ليس ها النوع من الحساب الذي يهم التاجر في السوق. أما الحساب التجريبي العملي والذي نعرفه اليوم كفن حساب احتسبه اليوناني فيما بعد في هذا النوع الذي يعرف باسم تعبئة الجيوش.
لقد كان هذا هو العلم المفضل عند الهنود، والهنود هم الذي خلقوه، ولكن كيف كان هذا؟ وكيف أصبح من الممكن البدء به؟ إن الهنود لم يدونوا فقط دينهم وفلسفتهم في الشعر وإلا لتساوت معهم في هذه الظاهرة شعوب أخرى ومنها الشعب العربي، لكن تميز الهنود كذلك بالفلك والرياضة وعبروا عنهما في لغتهم المقدسة الرفيعة وفي شعر يكتنفه شيء من الغموض.
والعقلية الإسلامية الدقيقة الفاحصة جعلت من الحلية القيمة بلّورًا صافيًا، فالخوارزمي هو أول من جعل الحساب علمًا صالحًا للحياة اليومية العملية وحذا حذوه فيما بعد العلماء والفرص، فعنوا بالحساب وأضافوا إليه حتى جعلوا منه الأساس الذي شيدت أوربا عليه فيما بعد علم الحساب الحالي. والفضل في كل هذا يرجع إلى أستاذ الجميع الخوارزمي.
стр. 126
وإذا ذكر الخوارزمي ذكر فضله على علم الجبر، فهو أول من نظمه وخلق العرب منه علمًا مستقلًا، ومن علم الجبر الذي كان يعني به في مصر أبو كامل واختصه البيروني ببعض مؤلفاته، وكذلك ابن سينا والكراديسي اغترف «ليوناردو فون بيزا» معلوماته الخاصة بالمعادلات التربيعية والتكعيبية التي كان يعملها ويدرسها من كتابه الأولى. وقد بلغ علم الجبر القمة على يد رجل نعرفه على أنه شاعر صوفي أو المفكر الحر وهو الفارسي عمر الخيام، فقد خطا بهذا العلم خطوات واسعة حتى جاء ديكارت وسار به بعيدًا.
لكن علم الجبر الأوربي لم يبن على علم الخيام أو من سبقوه، فالعالم «ليوناردو فون بيزا» اعتمد على العلامة المصري ابن كامل، فمدرسة الخوارزمي التي تنتسب اسمًا وموضوعًا إلى الخوارزمي. فالجراف فون إيبرشتين الألماني زعيم طائفة الدومينيكانيين اشتهر في القرن الثالث عشر باسم «يوردانوس نيموراريوس» (أي الذي ينتسب إلى غابات جبل أجه) علم أوربا حساب العرب وجبرهم، وقد وضع رسالتين هامتين حول الموازين والمقاييس اعتمد فيهما على المؤلفات العربية كما اعتمد في كتابه في الهندسة على كتاب أبناء موسى الثلاثة في الهندسة وكتاب ثابت بن قرة الملقب بلقب أويقليد العرب.
أما أسلوب الرياضة الذي اختطته أوربا لنفسها، فقد كان في الواقع أسلوبًا جديدًا أو خلقًا جديدًا، فالثوب الهندسي الذي أسدله عليها اليونان جردها منه العرب وكسوها ثوبًا من الجبر والحساب؛ لأن العربي يميل بطبعه إلى الأشكال الهندسية ميله إلى العلاقة بين الهندسة وبين العدد والحساب، فالمسائل التي تتصل بحل المعادلات التربيعية وتقسيم الزاوية إلى ثلاثة أقسام أو تقسيم الدائرة إلى خمسة والتي يعالجها اليوناني علاجًا هندسيًا مرئيًا يضعها العربي في معادلة جبرية ثم يحلها حسابيًا. فتحويل العرب الرياضة إلى جبر وحساب اقتبسته أوربا واستعملته وما زالت تستعمله حتى يومنا هذا.
والعرب أيضًا هم الذين أوجدوا الحساب بالكسور العشرية بعد الشولة،
стр. 127
فالفلكي الكاشي (١) استكمل حساب الخانات، وذلك بتحويل الكسر الأول إلى خانات مثلًا الكسر.
١٠ ... ٨
ــ ٢ = ــ ٢ = ٨, ٢٠
١٢٥ ... ١٠٠
وهذا مجهود لولاه ما استطاعت بائعة البيض أو بائع اللبن حل المسائل الحسابية العويصة، وكذلك التوصل إلى حساب اللوغاريتمات.
وحتى اليوم ما زال الجبر في أوربا مطبوعًا بالطابع العربي فهناك الحرف (X) للإشارة إلى المجهول، وهذه الإشارة اتباعًا للترتيب الأبجدي استتبعت استخدام الإشارة (Y) للمجهول الثاني و (Z) للمجهول الثالث فكل هذه الإشارات تحسست طريقها إلى أوربا عن طريق العربية، وقد يبدو هذا القول عجيبًا؛ لأن العربية لا تعرف الإشارة (X). لكن المتأمل إلى العربية يجدها تعبر عن المجهول بلفظ «شيء»، ومن ثم اختصرت هذه الكلمة إلى الحرف (ش) ويقابل هذا الصوت في الأسبانية القديمة الصوت (X)، وقد وجدت هذه الإشارة طريقها إلى المدارس الأوربية في الفرقة السابعة، إذ تستخدم للتعبير عن المجهول الإشارة الأسبانية (X) والتي هي العربية (ش) في ثوبها الجديد الأسباني.
والعرب أيضًا هم الذين اخترعوا حساب المثلثات المسطح والكروي وهو علم لم يعرفه اليونان وتنبهوا إليه فقط عن طريق الخطوط المتقاطعة للعالم «منليوس» فظهر لهم هذا التطور المفيد. أما العرب فقد استخدموا عوضًا عنه نظرية الجيب والمستوى المماس والقواعد الأساسية لحساب المثلثات، وبذلك وفق العرب في خلق علم جديد مفيد في الفلك والملاحة والمساحة.
وعن طريق ترجمة الكتاب الشهير للعالم العربي أبي عبد الله محمد بن سنان
стр. 128
ابن جابر الحراني المعروف بالبتاني وهو كتاب الزيج الصابئ، شقت كلمة «جيب» الواردة فيه طريقها إلى سائر العلوم الرياضية، ولا سيما فهذا الكتاب قد لاقى شهرة عظيمة لا في الشرق فقط بل في أوربا أيضًا. وكلمة «جيب» العربية هذه ترجمت إلا اللاتينية «سينوس»، ومنها إلى مختلف اللغات الأوربية. وعوضًا عن أوتار الأقواس للمربع الكروي نجد العلماء يستخدمون الجيب من جوانب وزوايا المثلث الكروي. كما عينوا وظائف «جيب التمام» و «المستوى المماس» و «ظل التمام» وحسبوا جداول الجيب وجداول المستوى المماس. ثم نجد الفارسي أبا الوفاء يذكر البتاني ويشيد به ونجح في الوصول إلى طرق أخرى لحساب جداول الجيب، وهذه الطرق تسمح له أن يحسب حتى ثلاث خانات من خانة العشرات العاشرة. وقد بلغ هذا الكشف أوجه على يد فارسي آخر وهو ناصر الدين الطوسي وزير مالية هولاكو. ولم تدرك أوربا هذا التطور أو تخطو به خطوة إلى الأمام إلا بعد قرون. وكذلك نجد التاريخ يعيد نفسه كما رأينا في تاريخ الجبر فمجهودات الفرس التي ختمت اختراعات العرب لم تجد طريقها إلى أوربا ولم تخرج من خارج العالم العربي.
لذلك فأوربا لم تبن صرحها العلمي على مجهودات الفرس بل على المجهودات العربية، فعن الفلكيين العرب أخذت أوربا الحساب المعروف باسم الطريقة الستينية، وهي النظام القائم على اتخاذ الوحدة ستين قسما. وتقسيم الدائرة إلى ستين قسما. وقد ابتدع البابليون هذا التقسيم الستيني للدائرة إلا أنهم لم يبلغوا الحساب الستيني والذي نجده عند اليونان، وقد خلطوا بينه وبين العشري والأعداد العشرية. والعرب فقط الذي استكملوا الحساب الستيني، وبذلك أصبح حساب الفلكيين. والعرب أيضًا هم الذين سبقوا أوربا بنحو سبعمائة عام قبل إنجلترا وألمانيا إلى إيجاد الحساب الخلافي، وصاحبا الفضل في إيجاده الطبيب الفيلسوف ابن سينا (٨٩٠ - ١٠٣٨) واللاهوتي الغزالي (١٠٥٣ - ١١١١) وهما من أبناء فارس. والذي حدث أن ابن سينا تعلم وهو ابن عشر سنوات بينما كان يعمل في دكان تاجر فحم الحساب الهندي، ومن ثم ظهرت عبقريته الرياضية ونبوغه
стр. 129
الفلكي فأضاف عن طريق بحوثه العلمية التي لم يسبقه إليها أحد الكثير من النظريات الطبيعة. كذلك عالج اللانهائي الصغر في الطبيعة والرياضة، ولا شك أن أوربا لم تتنبه إلى «مثل» هذه النظريات الخاصة باللانهائي الصغر، أعني الجسم الصغير صغرًا لا نهائيًا إلا في القرن السابع عشر الميلادي بفضل أمثال: «نيوتين» و «ليبنيتز».
أما الفارابي (٨٧٠ - ٩٥٠ م) فقد كان ثاني اثنين أولهما أرسطو عرفتهما الإنسانية، لقد كان الفارابي حكيمًا ورياضيًا عبقريًا وموسيقيًا بارعًا، وقد اشتهر بمجادلاته العلمية مع علماء قصر الخليفة في دمشق، وكان الخليفة يشاركهم الأحاديث ويحضر المجادلات. وقد ألقى الفارابي كثيرًا من المحاضرات حول آلة القانون الموسيقية التي اخترعها هو واستخدمها لتهدئة أعصاب خصومه عندما كانوا يثورون عندما يحمى وطيس المجادلة، كما كان يعد المستمعين بالعزف عليه لتقبل وتتبع المناقشات الأخرى. واهتم الفارابي كثيرًا بالنظريات الموسيقية وبخاصة تلك التي تتصل بالإتلاف والفاصلة. وانتهت به هذه الدراسات التي عنى بها كثيرًا إلى فكرة اللوغاريتمات التي نجد أصولها في بحثه حول أصول الفنون الموسيقية. ومن غير المعقول أن دراسات الفارابي أو نظريات ابن سينا الخاصة باللانهائي الصغر هي التي أدت إلى ظهور مثل هذه الأفكار وتلك الاتجاهات فيما بعد في أوربا إذ لا صلى بين الماضي والحاضر، وحتى لما كاد يخبو الإشعاع العربي فإن العبقرية العربية ظلت ترسل شعاعها إلى أوربا التي كانت آخذه في اليقظة من سباتها العميق، فأوربا عرفت تراث العالم القديم عن طريق العرب فقط فترجمة العرب للمخطوطات اليونانية والشروح التي وضعها العرب عليها والكتب التي ألفها العرب كل هذه كانت العامل القوي في النهضة العقلية الجرمانية وفي تغذيتها، فالعرب بأعدادهم وآلاتهم وحسابهم وجبرهم ونظرياتهم حول المثلثات الكروية وعلوم البصريات وغيرها وغيرها نهضوا بأوربا ودفعوها إلى الحركة العلمية دفعًا، ومن ثم استقلت واكتشفت واخترعت وتسلمت زعامة العلوم الطبيعية.
стр. 130
وينتمي إلى نفس الأسرة أيضًا علم الفلك
هدفت العصور الوسطى إلى توجيه الأوربيين وجهة خاصة بعيدة عن الاهتمام بالمظاهر الطبيعية والظواهر الفلكية، فقد حولت أنظارهم إلى الله والإيمان به، والاعتقاد في المعبود كان لا يتطلب منهم إلا تحديد مواعيد أعياد الكنيسة، هذه المواعيد التي كانت تتغير من عام إلى آخر. أما الاهتمام بالشمس والقمر والزهرة والمشترى وبعض الكواكب الأخرى وبخاصة المقدسة منها، فقد حرمته الكنيسة على اتباعها اعتقادًا منها أن هذا الاهتمام قد يؤدي بالمسيحيين إلى الانزلاق إلى الوثنيين. أما الذين كانوا يكرسون حياتهم للكنيسة فاكتفوا بزيارة مدارسها التي كانت تعنى بقليل من المعرفة الضحلة التي ورثتها العصور الوسطى من المدارس الرومانية المتأخرة، وإن شخصا مثل «يوردانوس نيموراريوس» أزعج زملاءه الدومينيكانيين لما اعتمد على العلوم العربية التي أخذها عن بني موسى وغيرهم من علماء العرب، وقد اضطرته هذه الحالة إلى الحصول على إذن خاص، وقد منح هذا الإذن له لأنه كان في الواقع رئيس الطائفة وقد منح هذا الإذن له وصدر قرار باستثنائه في الدستور الذي وضع عام ١٢٢٨، والذي حرم الاتصال بالوثنيين بالرغم من رقيهم وازدهار حضارتهم. وحرم الدستور كذلك على أعضاء الطائفة دراسة فلسفة الوثنيين والفنون الحرة، وذهب الدستور بعيدًا في التحريم فمنع الأعضاء حتى دراسة قواعد الحساب الأولية والتقويم الخاص بتحديد أعياد الكنيسة واستثنى بعض الحالات الفردية.
لكن بالرغم من امتهان الكنيسة للمسلمين الوثنيين في نظرها! ! إلا أن حاجة الكنيسة وأتباعها إلى العلوم والفنون الوثنية اضطرت أولئك المسيحيين إلى الاتصال بالمسلمين، وذلك في حالة ما إذا فات المسئولين المسيحيين رؤية البدر في فصل الربيع. فإذا وقع هذا حار القديس المكلف واضطرب ولا ينقذه من مأزقه هذا إلا إرسال بعثة إلى مسلمي أسبانيا -عبدة الشيطان- حيث يسألهم أعضاء البعثة عن تاريخ أسبوع الآلام وعن ميعاد عيد الفصح أو القيامة.
إن اهتمام أوربا المسيحية بالتأمل في السماء ونجومها وكواكبها كان ضعيفًا جدًا
стр. 131
بل كان المسيحي الأوربي إذا نظر إلى السماء كانت نظرته مشوبة بسوء النية والشك في أولئك الذين يتأملونها فكان الأوربي يرميهم بأقبح التهم والسبب، لكن هذا الموقف العدائي لم يمنع أمثال «جربرت فون أوريلاك» من تحدي أولئك الذي أعمارهم التعصب، وأقبل على علم الفلك دارسًا وباحثًا مع احتفاظه بولائه للقيصر والدولة حتى أصبح «بابا». والشيء الجدير بالملاحظة والإعجاب والتقدير هو ذلك الأسطرلاب المحفوظ إلى اليوم في فلورنسا والذي كان يستخدمه «جوبرت» عندما أصبح بابا وتسمى باسم «سلفستر الثاني» في روما، وذلك لتعيين ارتفاع الشمس وقوس الليل والنهار، ولذلك أشيع عنه أنه تلقى هذا العلم على شيطان في قرطبة، ومعنى هذه التهمة اللعنة الأبدية للبابا ولعلم الفلك.
وللكنيسة الحق في موقف الحذر الذي تقفه، ففي الكتاب المقدس بعض الآيات التي تشير إلى أشر الأفلاك والكواكب في الكائنات الأرضية وقد حاول رجال الدين قصر هذا الأثر على الحيوانات والنباتات إلا أنه توجد بين الأجرام السماوية أخرى أشمل وأعم مثل: المذنبات، والظلام، وظواهر سماوية أخرى للأمراض والحروب والمصائب، ويجب على الكنيسة أن ترفض رسميًا الاعتقاد في أي أثر للكواكب على الإنسان وإرجاع جميع هذه الآثار إلى الله. لكن الكنيسة لم تنجح في هذا، إذ إن تردد أنصار الكنيسة في موقفهم من أثر السماء في الإنسان أفسح المجال للنجوم والأفلاك وتغلغل أثرها بين القوم.
لذلك ليس بعجيب أن تجد تراجم الجداول الفلكية والتقاويم السنوية والكتب الفلكية التي كانت تصل أوربا عن طريق أسبانيا رواجًا عظيما.
أما الإسلام فلم يهتم كثيرًا بتأويلات النجوم والكواكب، ولا سيما أنه يرفض تقديس النجوم والأفلاك، ويدعو إلى عبادة الواحد الأحد رب العالمين فاطر السماوات والأرض، لذلك حرم الإسلام الاعتقاد في أثر النجوم بالنسبة لطبيعتها، كما حرم الاعتقاد في الأثر المباشر للنجوم أو الصلاة لها.
لكن دراسة الفلك ضرورية فالله ﷻ حض الإنسان على التأمل في السماء والنظر إليها، فباسم الله درست حركات النجوم وباسمه تعالى يبدأ كل
стр. 132
بحث علمي، وهذه هي الميزة التي تحلى بها العرب وامتازوا على أوربا المسيحية، وهذا هو المستوى العلمي الرفيع الذي حفظهم من التدهور والسقوط في الصوفية؛ لذلك كان علم الفلك أو الاعتقاد في القدر بعيدًا البعد كله عن السحر والشعوذة وما إليهما من الخرافات التي تهدد حياة المسلم العربي، كما نتبين ذلك من مؤلفات العرب الفلكية التي وصلت إلى أوربا. وعلم الفلك العربي أكثر من غيره من سائر العلوم الإسلامية لم يتجه هذا الاتجاه الخاص بتأويل حركات النجوم في العالم الإسلامي إلا بتأثير الفرس فهم واضعو أسسه.
ومعلم أبناء موسى منذ طفولتهم، وهو يحيى بن أبي منصور، كان فارسي المولد وكان كغيره من أبناء جنسه هاويًا دراسة الفلك كما كان منجمًا. والشيء الجدير بالملاحظة أن أبناء موسى الثلاثة لم يأخذوا شيئًا عن هواية هذا المعلم، وعلى النقيض من ذلك كانوا عمليين واقعيين وعلماء ناقدين. فالفارسي يؤمن منذ طفولته بعاملي الخير والشر الناتجين عن النجوم، والفارسي في إيمانه متأثر بتعاليم زرادشت. أما الكواكب ذات الأثر الشرير والشهب فمن خلق إله الشر «أهريمان» وعن طريق مخلوقاته يحاول هذا الإله الشرير نشر الفساد وإحداث الفوضى والاضطرابات في العالم، فهو عن طريق الكواكب السبعة ينشر قوى الشر في الطبيعة حتى تسبب التعاسة وتجلب الشقاء لبني البشر.
والعقيدة البدائية للبابليين في أن النجوم ما هي إلا كتابة سماوية تنسجم وطبيعة آلهتهم الفلكية والعقلية اليونانية المغرمة بالهندسة وقواعدها تنظر إلى الأجرام السماوية نظرة هندسية، وهكذا أخذت هذه الديانة العلمية الوثنية تختفي تدريجيًا تاركة بقاياها في فارس كما اتخذت من أبنائها رسلا.
ففي عام ٧٦٠ م نجد المنجم الفارسي المتوفى حوالي ٧٧٧ والمسمى «نوبخت» يزور، مزودًا بهذه المعلومات الكثيرة، قصر الخليفة العربي المنصور، فقد حدث عندما جاء العباسيون للحكم أن انتقل مركز الثقل السياسي للدولة من دمشق، مركز الأسرة الأموية التي جاءت من الصحراء، إلى بغداد حيث يكثر الماء والأراضي الزراعية الخصبة الممتدة على شاطئ النهرين. وقبل الشروع في بنائها
стр. 133
وإرساء أساسها طلب «نوبخت» إلى الخليفة أن يحسب مركز الأفلاك ويختار ساعة سعيدة لبناء المدينة فكلف الخليفة الفارسي «نوبخت» واليهودي «ما شاء الله» رصد هذه الساعة التي يجب أن تولد فيها المدينة، كما طلب إليهما مراعاة مقاييس المدينة التي سميت «بغداد» أي مدينة السلام.
ومن ثم نجد «نوبخت» الفارسي يعين فلكي الخليفة ومستشاره الخاص ومستشار كثيرين ممن جاءوا بعده، ولا غرو في أن يصير أستاذًا لكثير من مفسري الطوالع.
وهكذا نجد الفرس يهتمون بجميع المصادر الفلكية القديمة، سواء كانت هندية أو غير هندية كالبابلية لتويكروس وبيتين، وقد ترجمت جميع هذه المصادر وحفظت في قصور الأمراء العرب، وكان كبير دعاة هذه الحركة والمشجعين لإحيائها العالم «ما شاء الله» الذي ذاع صيته فيما بعد في أوربا.
وقد بلغ علم التنجيم عند العرب شأوّا بعيدًا في الوقت الذي ازدهرت فيه الدراسات الفلكية، وقد تخرج عليهم كثيرون من اليهود والفرس فذاع صيتهم لا في الشرق فقط بل في أوربا أيضًا فنحن نجد من أبناء فارس أبا بكر بن الحاسب وعبد العزيز القبيصي، واشتهر الأول في أوربا تحت اسم «البوباثر» والثاني «الكابيتيوس»، كما نجد أيضًا اليهودي «سهل بن بشر» الذي عرف في أوربا باسم «سهل» وتلميذ ما شاء الله المسمى «البوهلي» واليهودي الفارسي المشهور «أبو معشر» المتوفى عام ٨٨٦ م واشتهر في أوربا باسم «البومسر» وكان يعد من بين أعظم منجمي العرب. ويمتاز بأن أحدًا لم يسبقه واهتم بمصدر ووسيلة تدريس هذه المادة اهتماما ملفتا، فقد جمع أبو معشر جميع ما في متناوله وجعل منه خليطًا عجيبًا، كما امتدت يده دون خجل إلى مؤلفات وأعمال الآخرين مثل «سند بن علي» ونسبه إلى نفسه، وبذلك (فقط) استطاع أن يضع كتابًا عظيمًا يتفق وعمره المديد الذي بلغ مائة عام. وكتابه هذا لا تكاد تخلو منه مكتبة أوربا فقد بلغ شهرة لم يبلغها كتاب آخر غيره في أوربا المسيحية، وإن اشتهر بالغموض. وفي حلبة السباق على علم التنجيم نجد عربيًا ممتازًا ألا وهو الفيلسوف الكندي الذي وضع كتابًا حول التنبؤ بالطقس، وهذا هو الموضوع الذي
стр. 134
اهتم به العرب أيضًا، ومنذ العصر الجاهلي، وبذلك اكتسب الكندي المنجم شهرة عظيمة. فهذا العربي الجنوبي والذي ينتسب إلى قبيلة كندة اليمنية الملكية وهو أحد أفراد بيت أمراء البحرين لم ينج من حسد وحقد بعض معاصريه ومن بينهم بنو موسى، فقد كرهوه وحقدوا عليه حتى قامت بينهم وبينه مشادة؛ لأن خصومه استغلوا حالة التزمت الديني التي كانت متفشية وقتذاك، كما استغلوا وفاة المأمون الذي اشتهر بسعة الأفق ورحابة الصدر، استغل بنو موسى كل هذه الظروف ووضعوا يدهم على مكتبة الكندي ونقلوها من داره. وحدث في ذلك العصر أن الخليفة المتوكل أمر محمدًا وأحمد نجلي موسى بحفر قناة على دجلة فكلف الأخوان المهندس الفرغاني الذي عرفناه في مصر عند مقياس النيل، وأبلى بلاءً حسنًا واشتهر في أوربا باسم «الفراجانوس» بتنفيذ هذا المشروع. لكن المقاول المطالب بالتنفيذ ارتكب خطأ شنيعًا، فقد حفر القناة وجعلها أكثر ارتفاعًا من مصبه في دجلة حتى إنه عند انخفاض منسوب المياه لا يجري الماء وحاول ابنا موسى إصلاح الخطأ فعجزا فثار الخليفة الذي كلفه هذا المشروع مالًا كثيرًا على ابني موسى وأمر بإحضارهما، وكلف الفلكي اليهودي والمنجم «سند بن علي» الحضور وفحص الخطأ، فإذا ثبت أن ابني موسى هما سبب هذا الخطأ أمر الخليفة بصلبهما على شاطئ القناة، ومما زاد الطين بلة أن هذا اليهودي الحكم كان عدوًا لدودًا لبني موسى وللكندي، والشيء الجدير بالذكر أن اليهودي «سند بن علي» هو بعينه الذي سطا عليه اليهودي أبو معشر وسرق كتابه ونسبه إلى نفسه.
فلم يبق أمام ابني موسى وهما في هذا الوضع السيئ إلا أن يرجوا اليهودي إنقاذ حياتهما وأن يغفر لهما خطاياهما معه، ولكن «سند بن علي» استغل هذه الفرصة وطلب إليهما قبل كل شيء تسليم الكندي كتبه، وبعد ذلك يفكر في معاونتهما. وهنا نجد محمدًا للمرة الثانية وهو في هذا المركز الحرج يضحي بكرامته ويقدم للكندي مكتبته ومعه مستند خطي من الكندي يثبت تسوية المسألة بينهما، وبعد ذلك فقط دبر اليهودي «سند بن علي» الأمر واحتال حيلة جيدة فأخبر الأخوين أنه مسرور برد المكتبة إلى الكندي. وأنه الآن على استعداد لإحاطتهما علمًا برأيه في موضوع القناة وما بها من خطأ. الواقع أن هذا الخطأ لا يمكن الاهتداء إليه ومعرفته
стр. 135
طيلة الشهور الأربعة التالية وذلك لأن فيضان نهر دجلة وزيادة مائة يخفي هذا الخطأ. وهناك تقويم لبعض المنجمين يقرر أن أمير المؤمنين لن يعيش حتى ذلك الحين لذلك إنقاذَا لحياتكما سأخبره أن أحدًا منكما لم يرتكب خطأ، فإذا صدق المنجمون نجونا نحن الثلاثة وإذا كذبوا وعاش الخليفة وجاءت المدة التي يتناقص فيها الماء فسنموت نحن الثلاثة. وحدث أن قتل الخليفة بعد شهرين ونجا الثلاثة المتآمرين.
وكيف لا يثق «سند بن علي» وهو المنجم المشهور في أقوال المنجمين؟
وفي هذه الحالة صدق المنجمون إذ تنبأوا بالحظ والسعادة كما حقق القاتل نبوءتهم، لكن كثيرًا ما يكذبون ويستحقون سخرية العلماء، فقد حدث أن تنبأوا بالشقاء والبؤس الذي يشير إليه التقاء الكواكب في برج الميزان عام ١١٨٦ م، كما لم تقع الثورات التي قالوا بها، والتي ستنتج عنها الحروب والكوارث الجوية. أما وقوع الموت المفاجئ بسبب القتل فهذه مسألة أخرى. . .
وقد سبب سوء استعمال الجهلاء للعلوم كثيرًا من الأذى والامتهان والحط من قدرهم وقدر العلم، لذلك هاجم أمثال البيروني أولئك الأفاكين بألفاظ قاسية واتهمهم بأنهم الدخلاء على علوم الفلك والتنجيم، وبخاصة تصرفات أمثال أبي معشر الخاطئة، كما انتقد جرأة أولئك الجهلاء الذين لا يؤثرون إلا في أمثالهم.
وهاجم الزركلي المنجمين بحرارة وشاركه في ذلك الشاعر «السيمري»، فقد وضع كتابًا في نقض أقوال المنجمين، وكتب يوسف الهروي في «خدع التنجيم»، وابن سينا الذي هو صديق حميم للبيروني والفارسي الأصل والعالم الفيلسوف طالب بإلغاء ومنع وتفسير سير النجوم. وكان من نتيجة هذا الهجوم أن اختفى عدد كبير من زعماء المنجمين المشعوذين الأدعياء، وبخاصة عندما تشعبت علوم الفلك والتنجيم فذهب الزبد وبقي ما ينفع الناس، واستطاع المنجمون العرب الوقوف على أقدامهم ولم يمض زمن طويل حتى أخذ التنجيم يتنقل من التجار في الشوارع مقدمًا لهواة الحساب الفرصة الكاملة للاهتمام بالأعداد والقيام بعملية حساب الجداول الخالية من الحساب والتقاويم السنوية الضرورية لعملية التنبؤات، وعاون المنجمين على ذلك ارتفاع مستواهم في الرياضة والحساب وبخاصة في حساب
стр. 136
المثلثات الكروية ومفرداتها الدقيقة التي تتطلب الدقة والمهارة الحسابية. ومن هنا نفهم سر استعانة علم الفلك العربي بجداول علم التنجيم واعتمادًا عليها تفوقت على ما وصل إليه البابليون في التنجيم، وكذلك الهنود واليونان.
وهذا التفوق في التنجيم كان الناحية الوحيدة التي انفرد بها العرب في بلادهم العربية، ما لم يعتقد الإنسان في الاستفادة من الديانات الفلكية السابقة.
وقد أثر العرب عن طريق الفلك والتنجيم في أوربا أثرًا بعيدًا وساعدهم على هذا جهل رجال الكنيسة ورهبان المسيحية الذين كانوا يحتكرون التنجيم، بالرغم من تفاهة معلوماتهم فيه وعوضًا عن مناقشتهم هذه التعاليم وتلك النظريات أخذوا ينظرون وكأنها تأويل للنجوم وطوالعها، ومن هذه الناحية وجد علم الفلك طريقه إلى أوربا والأوربيين، وعاون على ذلك آلات الرصد التي أقامها الفلكي الدينماركي «تيشو براها» (١٥٤٦ - ١٦٠١) في مرصده، وعاون على هذا أيادي الملك البيضاء التي أمدت المرصد بكثير من الأجهزة النافعة رغبة منه في الحصول على التنبؤات الدقيقة الخاصة بالتقلبات السياسية التي قد تتعرض لها مملكته والعمل على تجنبها.
ولم يقف علم التنجيم عند الأمراء ومن في منزلتهم بل تعدادها إلى الباباوات، فقد أسس «ليو العاشر» كرسيًا لتفسير طوالع النجوم في جامعة روما، كما نجد منجمين باباويين يعينون ليوليوس الثاني يوم وساعة تتويج البابا له كما يحددون وقت انعقاد مجلس البابا والكرادلة لبولس الرابع. وهكذا نجد علمي الفلك والتنجيم يسيران معًا زمنًا طويلًا، فقد ترجم «ميلنشتون» رسائل التنجيم لبطليموس، كما ألقى في «فيتنبرج» محاضرات حول تأويل مطالع النجوم وحركاتها، واستهل «تيشو براها» سلسة محاضراته في جامعة كوبنهاجن بالحديث عن التنجيم فكانت هذه المحاضرة اعترافًا صريحًا منه بهذا العلم. وتكسب كل من «جليلي» (١٥٦٤ - ١٦٤٢ م) و «كبلر» (١٥٧١ - ١٦٣٠ م) قوتهما اليومي عن طريق التنجيم، ولو أنهما كان يدركان أن الذي ينتظر الإجابة منهما على أسئلته إنما هي صادرة من الكواكب فقط وبدون إرادة وأخلاق الإنسان الذي فقد ذكاءه الذي منحه
стр. 137
الله إياه، واعتقد كلا العالمين أن الحياة تتطلب منهما شيئًا من اللباقة استرضاء للجهلاء وكسبًا لعطفهم. نعم إن علم التنجيم علم جنوني كما قال «كبلر» وكما صاح: «أيها الإله العظيم أين أراد علم الفلك العظيم الحياة ما لم يرزق التنجيم؟ إن العالم أجن من المجانين وعلماء الفلك كادوا يموتون جوعًا لولا أن أرسل الله لهم هذا العلم الجنوني علم التنجيم». وكما هاجم البيروني وابن سينا شعوذة المنجمين، كذلك فعل مارتين لوثر إذ صب جام غضبه على هؤلاء الأفاكين، وقال إن التنجيم ليس علمًا ولا يمكن للإنسان أن يعتمد عليه.
وتجريد الأرض من مكانتها الممتازة في الكون بواسطة آراء ونظريات «كوبير نيكوس» قضى على أواصر القرابة بين الفلك والتنجيم، ولو أن العلوم الحديثة بعثت التنجيم من جديد وأجلسته على قارعة الطريق كما جلس من قبل عشرات القرون. أما الفلك فقد أخذ يرقى ويتبوأ مكانًا رفيعًا لم يبلغه من قبل، وسواء علم الفلك أو علم التنجيم فإنهما ما يبلغا ما بلغا دون فضل العرب عليهما ثقافيًا وعليمًا.
стр. 138
الكتاب الرابع
الأيادي الشافية
стр. 139
الشفاء العجيب عند الإفرنج
«من عجيب طبهم أن صاحب المنيطرة -قرب أفقة عند منبع نهر إبراهيم في مشال لبنان- كتب إلى عمي يطلب منه إنفاذ طبيب يداوي مرضى من أصحابه»، فأرسل إليه طبيبًا نصرانيًا يقال له «ثابت». فما غاب عشرة أيام حتى عاد فقلنا له: ما أشرع ما داويت المرضى، قال: «أحضروا عندي فارسًا قد طلعت في رجله دملة، وامرأة قد لحقها نشاف (بله) فعملت للفارس لبيخة، ففتحت الدملة وصلحت، وحميت المرأة ورطبت مزاجها، فجاءهم طبيب إفرنجي فقال لهم: هذا ما يعرف شيئًا يداويهم. وقال للفارس: أيما أحب إليك أن تعيش برجل واحدة أو أن تموت برجلين؟ قال: أعيش برجل واحدة. قال: «أحضروا لي فارسًا قويًا وفأسًا قاطعة، فحضر الفارس والفأس وأنا حاضر، فحط ساقه على قرمة خشب، وقال للفارس: اضرب رجله بالفأس ضربة واحدة اقطعها. فضربه وأنا أراه ضربة واحدة فما انقطعت فضربه ضربة ثانية فسال مخ الساق ومات من ساعته، وأبصر المرأة فقال: هذه امرأة في رأسها شيطان قد عشقها. احلقوا شعرها فحلقوه، وعادت تأكل من مأكلهم الثوم والخردل، فزاد بها النشاف. فقال: الشيطان قد دخل في رأسها، فأخذ الموسي وشق رأسها صليبًا وسلخ وسطه حتى ظهر عظم الرأس وحكه بالملح فماتت في وقتها، فقلت لهم: ما بقي لكم إليّ حاجة؟ فقال: لا؛ فجئت وقد تعلمت من طبهم ما لم أكن أعرفه».
إن الأمير أسامة بن منقذ، ابن أخي حاكم شيزر، (١٠٩٥ - ١١٨٨ م)، هو
стр. 140
الذي سخر من هذه الحادثة التي شاهدها أيام شبابه وعبر عنها في كتابه الاعتبار في فصل عقده لها عنوانه: طبائع الإفرنج وأخلاقهم.
إن رواية أسامة بن منقذ ليست دعاية أعداء كما قد يتبادر إلى الأذهان، وليست محاولة مقصودة للنيل من عدو محترم هو في نفس الوقت عدو للعرب، فنحن نقرأ بعد ذلك بقرن حديثًا يريه لنا مؤرخ ثقة يدور حول «الماركجراف ديدو الثاني» فقد كان هذا الرجل قصيرًا يصعب عليه التنفس لضخامة جسمه وقد لاقى حتفه على يد «روخليتز» و «جويز»، وذلك لأنه كان ملازمًا للقيصر هينريش السادس في رحلته إلى خطيبته في أبوليا، فخاف من القيام برحلته هذه لكثرة شحمه أولا ولحرارة إيطاليا ثانيًا؛ لذلك استشار طبيبًا في ذلك فبقر بطنه واستخرج منه الشحم، وهذا حادث لا يقل عن حادث الطبيب الإفرنجي في البلاد المقدسة.
فمن التجارب التي تجمعت لدى الأمير أسامة بن منقذ والمعاملة القاسية التي تعرض لها الفرسان المسيحيون وذهب عدد كبير منهم ضحيتها، أصبح لا يحمل أي احترام أو تقدير للطب الإفرنجي، وهو على حق إذا ما اعتقد أنه لا طبيب إلا الطبيب العربي ولا دراسة طبية ناضجة تقوم على أسس علمية إلا في البلاد العربية ولا صيدلة إلا في البلاد العربية، كما لا توجد مستشفيات تضارع تلك القائمة في مختلف البلاد العربية، فهذه مستشفيات ممتازة بمعاملها وكفاية أطبائها ونظافتها ومستواها وتوفر وسائل العلاج والراحة والنقاهة لنزلائها حتى كانت مضرب الأمثال، فهل يستغرب أن يستعين الإفرنج بالأطباء العرب؟
ويستطرد الأمير أسامة بن منقذ في كتابه الاعتبار ويحدثنا: ومن عجيب طبهم ما حدثنا به «كليام دبور» (غليوم دبور) صاحب طبرية، وكان مقدمًا فيهم، واتفق أنه رافق الأمين معين الدين ﵀ من عكا إلى طبرية، وأنا معه فحدثنا في الطريق قال: «كان عندنا في بلادنا فارسٌ كبير القدر فمرض وأشرف على الموت فجئنا إلى قس كبير من قسوسنا وقلنا: تجئ معنا حتى تبصر الفارس فلانًا؟ قال: نعم. ومشى معنا ونحن نتحقق أنه إذا حط يده عليه عوفي. فلما رآه قال: أعطوني شمعًا. فأحضرنا له قليل شمع فليّنه وعمله مثل عقد الأصبع، وعمل كل واحدة في
стр. 141
جانب أنفه، فمات الفارس، فقلنا له: قد مات. قال: نعم، كان يتعذب فسددت أنفه حتى يموت ويستريح».
وضع اليد، طرد الشيطان، صلاة هذه كانت أحسن أدوية للشفاء كان يستخدمها الأطباء الأوربيون وهم في أزياء القسيسين والرهبان لشفاء المرضى من أمراضهم الجسدية.
«هل أحد بينكم مريض، فإن كان الأمر كذلك فليستدع الإنسان عجائز الحيّ ليصلوا من أجله بعد أن يدهنوه باسم المسيح بالزيت، وصلاة الإيمان لا تكفي لشفاء المريض»، هكذا علم يعقوب الرسول، لكن يسوع نفسه طبيب الجسد والروح شفى حواريّيه والآخرين الذين أراد شفاءهم بوضع يده وطرد الشطان؛ لقد شفى مرضى الأعصاب والعقول والبرص والدوسنتاريا والنزيف الدائم والأمراض الأخرى. والمسيح لم يشف فقط من الأمراض بل منح تلاميذه بركة الله، لقد منحهم القوة للتغلب على الأرواح الشريرة فكانوا يطردونها، وشفوا بذلك مختلف الأمراض، لقد كلفهم شفاء المرضى وتطهيرهم من البرص والأورام، كما أحيوا الموتى وطردوا الشياطين.
ولا يحتاج الحواريون لتنفيذ مشيئة السيد المسيح إلا إلى الإيمان الكامل، فالعقيدة هي سر الشفاء، فالذي يؤمن يساعد وتتحقق طلباته، هكذا تعلم الكنيسة، وقد عرفت جيدًا كيف تفرض نفسها وتدعي شفاء الجسد والروح.
أليس الاعتماد على العقاقير الدنيوية كالأعشاب والجذور يضعف الاعتماد على الله وقوته؟ إن الشياطين والأرواح الشريرة هي التي تحاول إبعاد الإنسان عن الله والاعتماد عليه، تحاول إبعاد الإنسان عن خالقه، وقد نجحت الشياطين حقًا في إضلال الأغبياء وضعاف الإيمان فلجأوا إلى مثل هذه الأدوية وتلك العقاقير.
«إن جميع الأدوية ومختلف أنواع العلاج نشأت أصلًا من وسائل الشعوذة والضلال» هكذا قال أحد آباء الكنيسة ألا وهو «تتيان» وقال أيضًا: «إن جميع هذه العقاقير الطبية بأنواعها المختلفة من صنع الوثنية وحضرتها في صيدلية الطبيعة»،
стр. 142
«وذلك لأنه عندما يشفى مريض بعقاقير مادية ويثق الإنسان في مثل هذه العقاقير ومفعولها وقدرتها على الشفاء فإن ثقة مثل هذا الإنسان في الله وقوته يجب أن تكون أعظم، فلماذا لا يعتمد على الله فقط؟ ولماذا لا يتجه إلى الله القوي العظيم؟ أو يفضل المريض أن يشفى كما يشفى الكلب عن طريق العشب، والوعل بواسطة الأفاعي، والخنزير بسرطان البحر، والأسد بالقردة؟ لماذا نقدس الأشياء الأرضية؟ ».
والكنيسة ترى أن استخدام أدوية أخرى غير تلك التي تصفها هي أعني أدوية الروح، كذلك ترى أن احتراف الطب وإجراء عمليات جراحية، عمل مشين يتنافى ومكانة رجال الدين وكرامتهم.
وقد استمرت هذه العقيدة سائدة عدة قرون بين الأطباء الدارسين، فقد كانوا عرضة لكثير من الإهانات واللعنات وبخاصة إذا كان الطبيب جراحًا حتى ولو فصد فصدًا لاستخراج الدم فإن الكنيسة لن تغفر له هذا العمل المشين، وفي شيء من الإيجاز لقد حرمت الكنيسة على رجال الدين مباشرة الجراحة، وتركت هذه العملية الجراحية لأناس يعتبرهم المجتمع من الطبقة الدنيا التي كان ينظر إليها باحتقار. وغالبًا ما كان الجراحون يتوارثون هذه المهنة عن آبائهم وأجدادهم، فهي مهنة وراثية ولو أنهم كانوا في نظر الشعب أطباء. ألم يكونوا هم الذي اختارهم الله للقيام بالعمليات الجراحية ويؤدون هذه المساعدات وتلك الخدمات؟
أما موقف الكنيسة منهم فمعروف فيهم ألا تثق فيهم ولا تعترف بهم، كما لا تعترف الكنيسة بالدواء الذي لا تقرره الكنيسة أو الأطباء الذين لا تعترف هي بهم. فالذي لا يخفف الآلام بل يزيدها أحيانًا إيلامًا يرتكب خطيئة كبرى مع المريض، فهؤلاء الأطباء الجهلاء الذين كانوا يقومون بالعمليات الجراحية عن طريق السكاكين الحادة والإبر كانوا موضع احتقار أسقف الإفرنج «جريجور فون تور» (٥٤٠ - ٥٩٤ م) فهو يقول: «ماذا يستطيع الأطباء أن يفعلوا بآلاتهم؟ إن مهنتهم تزيد الآلام ولا تخففها فهم يفتحون العين ويجرحونها ويقطعون فيها بآلاتهم المدببة، وأنهم
стр. 143
بذلك يقربون آلام الموت من المرضى دون دون أن يساعدوا المرضى ويمكنوهم من الرؤية، وما لم تتخذ سائر الوسائل وتراعى الترتيبات الضرورية فإن الرؤية ستختفي، لكن إلهنا لديه آلة من الصلب واحدة وهي إرادته ولديه مرهم واحد وهو قوته على الشفاء».
ومن حسن الحظ أن هبت من إيطاليا القوطية الشرقية ريح جديدة حاولت مطاردة هذه الريح الراكدة الفاسدة المشحونة بالخرافات، ولعل مما ساعد على هذا البعث الجديد أن إيطاليا كانت في ذلك الوقت محتفظة بعدد من الأطباء الشعبيين ثم انضمت إليهم جماعة أخرى من أطباء الجرمان عن طريق اللونجبرديين فقوت ساعدهم وساند كل طبيب الآخر وعاونه على الحياة. ففي أيام «تيودوريش الأكبر» ومستشاره «كسيودور» ازدهرت المدارس القديمة وترعرعت وأمد كل من «أماليسفتنا» و «أثالاريش» المعاهد العلمية بكثير من المساعدات التي عاونتها على النهوض بمهمتها. ففي تلك اللحظة عندما لجأ في الشرق «بوستنيان» إلى العلوم اليونانية مأواه الأخير، أكاديمة أثينا، أسس «بنديك تفون نورسيا» في الجبال المطلة على نابولي البيت الأصلي للطائفة التي ينتمي إليها وهو الدير المعروف باسم «مونت كسينو»، وكان يعني المعجزات أكثر من عنايته بتخريج العلماء، لكن «كسيودور» رئيس وزراء ملك الغوط أجهد نفسه في سبيل تأسيس المجامع العلمية في روما وجنوب إيطاليا حرصًا منه على المحافظة على البقية الباقية من العلوم الروامنية الشعبية فأدخلها الأديرة الأوربية محافظة عليها من الضياع، وهي التي انحدرت إلينا من العالم القديم أولا، وتطويرًا للحياة العلمية في الأديرة ثانيًا.
فمنهج الدراسة بالأديرة كان لا يعني بمادة الطب باختلاف الرياضيات والعلوم الطبيعة بالرغم من ضآلة هاتين المادتين أيضًا. والواقع أن الشعب الروماني لم يخلق من الطب علمًا، وما نجده في أوربا مصدره ترجمة ضعيفة فقيرة لبعض المخطوطات اليونانية والبيزنطية، هذا إلى جانب مجموعة من الوصفات الطبية وقليل منها المفيد النافع. أما هذا النوع الذي عرفته أوربا وفيه شيء من الفائدة فيرجع تاريخه إلى مائتين أو ثلثمائة سنة بعد ذلك، وقد أخذته أوربا عن العالم القديم وعن طريق
стр. 144
العرب الذين نهضوا بهذه المادة نهضة جبارة، في الوقت الذي كانت أوربا عاجزة لا عن قراءتها فقط بل عن فهمها أيضًا.
أما الشيء المهم الوحيد الذي ابتدعه الرومان وفهمه رجال الأديرة فدائرة معارف «سسلزوس».
وهكذا نجد مادة الطب في وضع أسوأ من أوضاع المواد الأخرى، فالطب كغيره لم يطلب في الأديرة لذاته بل لخدمة العقيدة؛ لذلك لم تتقدم دراسته أو تثمر الثمار المرجوة، وكان يكتفى علميًا بالنسخ والجمع.
والظاهرة الغالبة في أوربا في ذلك العصر التقشف والبعد عن الحياة الأرضية والالتجاء إلى الكنيسة وتعاليمها واحتقار الحياة الدنيا، هذه هي الغايات التي كان يصبو إليها الأوربي حينذاك.
والتاريخ يحدثنا أن القديس «نيلوس فون روسانو» وقد جاءه يومًا يهودي يدعى «دونولو» (٩١٠ - ١٠٠٥ م) كان قد درس الطب في جنوب إيطاليا على يد أطباء عرب عرضًا عليه خدمته وهو فخور بما حصله من علم في الطب احتقره القديس وطرده، وقال له: إن أحد اليهود ذكر: خير للإنسان أن يعتمد على الله لا على إنسان آخر؛ ولما كنت أعتمد على الله وعلى سيدنا يسوع المسيح فلست في حاجة إلى طبك.
ثم نجد الواعظ الصليبي المشهور «برنرد فون كليرفو» (١٠٩٠ - ١١٥٣ م)، وقد كان معاصرًا للأمير العربي أسامة بن منقذ كثيرًا ما يشفي المرضى بشيء من الإعجاز إلا أنه حرم على رهبانه الذين كثيرًا ما تعرضوا لأمراض الأجواء غير المناسبة لهم حرَّ عليهم الاستعانة بالأطباء أو تناول الدواء، وقد علل هذا التحريم بقوله: ليس من المستحسن أن يشفوا أرواحهم فاستخدام الوسائل الأرضية يضرهم.
ولم يكن هذا التحريم ركنًا من أركان الإيمان أو العبادات بل الإيمان العميق الذي غرسته الكنيسة فيهم؛ ثم مع توالي العصور وكثرة الحوار والمجادلات حوله أصبح أرسخ قدمًا من أي شيء آخر. إن المحافظة على صحة الجسد أمر بل وصية وصى
стр. 145
بها الله، وذلك لأن مرض الجسد يعوقه عن تأدية فروضه تحو الله، لكن أهم من العناية بالجسد إنقاذ الروح من الوقوع في الخطيئة، لذلك لا يجوز للمريض الذي يتلوى من الحمى أن يستعين بطبيب قبل إعلان التوبة إلى ربه، فقد تقرر عام ٨٩٥ م في المجمع الديني الذي عقد في «نانتيس»: «على القسيس عندما يبلغه أن أحد مسيحيي طائفته قد مرض أن يتوجه إلى المريض ويرشه بماء مقدس، ويصلي معه ثم يبعد سائر أعضاء الأسرة ويعترف المريض له ويرجوه أن يطهره دينيًا وأرضيًا من الخطايا، فبدون اعتراف لا علاج»، وهكذا أصبح هذه القرار ناموسًا يحترم وينفذ. وفي عام ١٢١٥ م نجد البابا «أينوسنس الثالث» في اجتماع عقد في قصر «لاتران» البابوي في روما يقرر وجوب احترام هذا الناموس والحرص على تنفيذ أوامره، كما يقرر منع علاج الشخص الذي يطرد من الكنيسة لأن مثل هذا المريض المطرود لم يعترف بعد، وسبب المرض خطيئة الروح، كما قال بذلك يسوع المسيح إذ ذكر مرة لمريض شفاه من المرض: انظر لقد شفيت فلا ترتكب خطيئة مرة أخرى حتى لا تصيبك مصيبة أخرى (إنجيل يوحنا الإصحاح ٥ آية ١٤). وقد فهم القديس «كريزوزتومس» من كلمات السيد المسيح أن مصدر المرض الخطيئة التي يرتكبها الإنسان فإذا اعترف المريض شفي من المرض، وذلك لأنه إذا ذهب السبب ضاع المسبب، وإذا رفض المريض الاعتراف، ورفض الطبيب المسيحي علاجه واضطر المريض إلى الالتجاء إلى طبيب آخر يهودي أو مسلم ليعالجه طرد المريض المسيحي من الكنيسة، وذلك لأنه بمسلكه هذا يهدد سلام روحه تهديدًا مباشرًا. ولكي نتبين مدى انزعاج الكنيسة عند وقوع مثل هذه الحالات يكفي أن نقرأ خطاب «برنارد فون كليرفو» حيث جاء فيه: «لقد جاء إليه راهب بعد أن ثار وترك الدير وشكا رئيسه بألفاظ قاسية، لأن هذا الرئيس تجرأ وقرر مساعدة طبية للمستبدين واللصوص والذين طردوا من الكنيسة المسيحية».
نعم. هكذا كان الإفرنج، والمسلم يعجز عن إدراكه، فها هو ذا ابن رضوان الذي كان نقيب أطباء القاهرة في منتصف القرن الحادي عشر، والذي كانوا يلقبونه بلقب «تمساح الشيطان» ذكر مرة في صدى الحديث عن واجبات الطبيب «أن يكون مأمونًا