← Общие книги

Общие книги · id 148532

شمس الله تشرق على الغرب = فضل العرب على أوروبا

زيغريد هونكه

Полный текст (468 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

المادة التي سطا عليها قنسطنطين ونسبها إلى نفسه. لقد درس إسطفان الطب في سالرنو الواقعة على خليج «بستوم»، وظل يدرس العلوم الطبية نحو ثلاث سنوات أعجب فيها إعجابًا منقطع النظير بمؤلفات قنسطنطين. أما الآن وقد بين في الشرق ما تبين فقد استطاع في سهولة ويسر كشف القناع وإماطة اللثام عن هذا الشخص الدعي الذي نسب إلى نفسه الكتاب الملكي. وكان هذا هو البدء فقط. ففي صقلية اهتدى المترجم «ديمتريوس» إلى أن كتاب قنسطنطين الموسوم باسم «ده أوكوليس» ما هو إلا كتاب حنين في شفاء العيون، والكتاب المعروف باسم «فياتيكم» ما هو إلا كتاب ابن الجزار المعروف باسم زاد المسافر. أما كتاب الغذاء وكتابا البول والحمى فما هي إلا ترجمة من كتاب «إسحق يوداكوس». وكذلك كتاب قنسطنطين في التشريح فهو من تأليف علي ابن عباس، وتبين العالم اليوم أن كتابه في الكيمياء مأخوذ عن الرازي. أما بعض مؤلفات أبقراط وجالينوس فقد عرف عليها قنسطنطين عن طريق الترجمة العربية التي قام بها حنين ابن إسحق وحفيده حبيش، فقد أحضرها قنسطنطين معه إلى إيطاليا، لذلك لم يستطع سرقتها ونسبتها إلى نفسه لوجود النسخ اليوناينة الأصلية. أما أسماء العلماء العرب فلم تكن معروفة في إيطاليا، وقد تجاهلها قنسطنطين متعمدًا ولم يقف عند ذلك بل محا من عليها أسماء مؤلفيها ووضع اسمه هو معللا هذا بقوله حتى لا يأتي آخر ويسرق مجهوداته. إنه لص مجرم ينادي ويصيح اقبضوا على السارق بينما يسرق هو الأشياء ويضعها في حقيبته، وإذا استثنينا بعض الحالات الفردية فإن القوم لم يستنكروا عليه سرقات، وظلت كتبه تحمل اسمه، وذلك لأن الناس لم يحترموا حق التأليف والملكية كثيرًا أو لم يرعوا حرمة هذا الحق. ولا غرابة في هذا فحامي قنسطنطين وهو كبير أساقفة سالرنو واسمه «الفانوس» قد سبقه إلى هذه السرقات، فترجم كتابًا عن اليونانية إلى اللاتينية ونسبه إلى نفسه! والمؤرخ الفرنسي العظيم للطب وهو «دارمبرج» قد هاج قنسطنطين الإفريقي مستخدمًا أقسى ألفاظ السب والقذف، ولو أنه أوجد له بعض العذر لسرقاته

стр. 212

العقلية، إذ نجد «دارمبرج» نفسه يتحمس ويقترح رسميًا وجوب إقامة نصب تذكاري على مرتفعات سالرنو ليشاهده الجميع، وذلك تقديرًا لترجمته الكثير من الكتب العربية الطبية وتعريف أوربا بها فساهم في بعث الأوربيين من الموت إلى الحياة. رجلان ساعدا قنسطنطين في ترجمته من العربية إلى اللاتينية تلميذه المحبوب الشاب العربي يحيى بن أفلح الذي انتشله قنسطنطين من الفقر والفاقة واعتنى به وأدخله في الديانة المسيحية وأسماه «يوحنا أفلاتيوس» أو أيضًا «يوحنا سراكينوس الشرقي». وقد عظم شأنه بعد وفاة معلمه وأصبح طبيبًا مشهورًا في سالرنو كما أشرف على مخلفات قنسطنطين. أما تلميذه الآخر فقد سمي «أتو» وأصبح ماهرًا في الطب كذلك حتى اختارته القيصرة «أجنيس» طبيبًا خاصًا لها كما كان قسيسها أيضًا. وقد نقل إلى سيدته الأشياء التي ترجمها أستاذه في شعر روماني. وتلميذ ثالث لقنسطنطين هو «بارتولميوس» وقد نسخ على منوال أستاذة فاهتم بالعلوم العربية، وقد نقل كتابه «بركتيكا» إلى الألمانية سواء تلك الخاصة بالمرتفعات والجبال أو لغة سكان الوديان والسهول كما ترجم أيضًا إلى الدنيماركية، وعن طريق هذه التراجم انتقلت العلوم الطبية العربية إلى أوربا في القرن الثالث عشر. وفي عام ١٢٥٠ نجد «برتولد فون رجينز برج» يستخدم بعض الألفاظ العربية في عظاته، وهذه الأسماء كان قد ذكرها قنسطنطين وتلميذه «بارتولميوس». فجميع هذه الظواهر كانت قطرًا مبشرًا بقرب الغيث، ولو أن هذا القطر قد تساقط على أرض صخرية. أما أثر هذا القطر في إخصاب الأرض وإيناعها فقد كان عظيمًا جدًا، فلا طبيب في سالرنو إلا استفاد من المراجع العربية استفادة عظمى، كما لا يوجد كتاب خاص بالطب إلا اعتمد على المراجع العربية اعتمادًا قويًا، وإن امتزجت بالتقاليد القديمة

стр. 213

التي كانت سائدة في سالرنو. ويجب ألا نعتقد أن هذا الأثر العربي الطبي قد أثر في الدراسات الأوربية عن طريق الكتب فقط بل جاء أوربا عن طريق الطبيب نفسه الذي لم تكن على عينه غشاوة ورأى أن يرى ما هو كائن. أما مسرح كل هذا فقد كان الشرق: كانت مصر، التي كانت ميدانًا للحملة الصليبية الخامسة. ففي عام ١٢١٨ التقى في الأراضي المقدسة من الصليبيين الإيطاليين طبيب عظيم من مدينة بولونيا، وقد فرضت وظيفة الطبيب «هوجو» عليه، بالرغم من أنه كان في سن السبعين ومن نسل أشراف اللونجوبرديين البورجونونيين والذين كانوا يقيمون في «لوكا» والذي كان يتقاضى مرتبًا قدره ستمائة ليرة لمدى الحياة، أن يمضي فقط ثمانية شهور سنويًا فقط في بولونيا مزاولا مهنته كطبيب شرعي. أما بقية العام فيجب أن يرافق فيه المحاربون البولونيون في حروبهم. وحصل أن الحصار الطويل الذي ضرب على دمياط الواقعة في نهاية دلتا النيل سبَّب كثيرًا من الأهوال من مجاعة وبرد وأمراض مما فرض على الطبيب كثيرًا من الأعمال والخدمات، هذا إلى جانب الخسائر الفادحة والمعارك الخاسرة التي بذلت في سبيل الاستيلاء على الحصن، وقد انتهت جميعها بإلحاق الهزيمة بالمسيحيين وانتصر جيش السلطان الذي كان في موضع بين اليأس والأمل، لذلك انصرف الطبيب هوجو إلى علاج أولئك البولونيين من أمراضهم وجروحهم وكسر عظامهم. وحدث عند ذاك أن هوجو أدرك أن كثيرين من الأعيان أخذوا يفضلون عليه زملاءه الآخرين بالرغم من أن رجال الدين المسيحي والمجالس المسيحية كانوا يقررون دائمًا خروج الأطباء الآخرين على الكنيسة، لكن ماذا يجدي موقف رجال الدين هذا؟ هم يحرمون، ينهون ويحذرون ويهددون ويتوعدون بالعاقبة السيئة التي تنتظرهم.

стр. 214

وغالى رجال الكنيسة في تنفير القوم من الاستعانة بالأطباء والتشهير بهم فاتهموهم بأنهم تحت ستار طبهم ومعالجة المرضى كانوا يتربصون بالمسيحيين الذين يقصدونهم ويوقعون بهم أشد الأضرار، كما قد يقتلونهم خنقًا بالحبال. لكن بالرغم من كل هذه الشائعات الكاذبة والتهديدات بالطرد من الكنيسة لم يتردد الماضي في زيارة الأطباء سعيًا وراء الشفاء على يد أولئك الأطباء الأعداد. ولم يكن هذا الوضع مشرفًا للطبيب الشيخ الذي كان يداوي الجروح ويتقلد منصبًا رسميًا. ففي هذه السنوات الثلاث وجد «هوجو» الفرص السانحة لمشاهدة ومعاشرة الجراحين المسلمين الذين كانوا موضع المدح والتقدير من الجميع ولو أنهم كانوا أيضًا موضع اللعنة. وكان «هوجو» إذا ما اضطر إلى الذهاب إلى مستشفياتهم الحربية وجدها معدة أحسن إعداد ومزودة بأحدث الآلات وكانت حمولة ثلاثين أو أربعين جملا. وقد شاهد «هوجو» هنا، في المستشفيات الإسلامية علاج الجروح فأدرك أن ما تعلمه هو كان خطأ شنيعًا. لقد تبين (هوجو) أن المهنة التي كان يمارسها زهاء خمسين عامًا والتي أخذها عن كتب الطب منذ عهد أبقراط حتى عالم سالرنو المسمى «روجر» والتي كان يعتقد فيها من قبل إنها الحكمة كل الحكمة باطلة وما حصَّله كان لغوًا وقبض ريح. لقد علمت تلك المراجع: أن الصديد هو البلسم الشافي، وظهوره ضرورة لا بد منها لشفاء الجرح، ولتكوين هذا الصديد كان لا بد من دهن الجرح ببياض البيض وزيت الورد، وكثيرًا ما أدت هذه الطريقة إلى أوخم العواقب. أما الأطباء المصريون المختصون في علاج الجروح، فكانوا يستخدمون الأربطة المغموسة في النبيذ المعتق الساخن وحول الجرح الرباط العادي، ومن ثم يتركون هذا الرباط على الجرح خمسة أو ستة أيام، وتكون النتيجة سرعة الشفاء دون أن يتسبب هذا العلاج في ظهور حالة خطرة، هذا إلى جانب أن هذه الوسيلة تقفل الجرح بواسطة طبقة جلدية رقيقة ناعمة دون تجعد، وهذه الوسيلة كانت تستخدم أيضًا في علاج الجروح التي تطرأ على الأعصاب أو الأوعية. ولعلاج الكسور كان المصريون

стр. 215

لا يستخدمون هذه الآلات القاتلة كما هو متبع في وطن «هوجو»، كما أن ما علمه هو في أوربا سماعًا يشاهده الآن بعيني رأسه. وشاهد «هوجو» كذلك الأطباء المصريين وكيف كانوا يعالجون مشوهي الأجسام، فإذا أصيب شخص بجرح بليغ يستدعي بتر ذراعه أناموه أولا، ومن ثم خدروه عن طريق الحشيش والسكران ونبات اللفاح، وذلك بغمس قطعة من الإسفنج في خليط من سائل هذه المواد وبذلك لا يشعر المريض البتة بهذه الآلام المبرحة. ولما عاد «هوجو» إلى وطنه عام ١٢٢١ استغل تجاربه ومعلوماته التي حصَّلها إبان حياته في غمار الحروب الصليبية معالجًا المرضى البولونيين مدة ثلاثين عامًا قضاها في وظيفته، وكان توفيقه في عمله عظيمًا جدًا، وما تعلمه عن العرب أخذ يلقنه لأبنائه وأحفاده قائلًا: في حالة الجروح يجب تجنب الالتهاب أو القيح. كما أخذ يدرس أبسط الطرق لعلاج الكسور والتخدير عند إجراء العمليات، وذلك عن طريق عقاقير مخدرة. ولما توفي وقد بلغ مائة عام ترك في بولونيا مدرسة للجراحة ظلت تعمل بتعاليمه زمنًا طويلًا، وقد خلفه عليها ابنه «تيودريش فون بورجومي»، ولما كان ابنه هذا من رجال الدين كان لا بد له من الحصول على إذن خاص لممارسة مهنة الطب والجراحة، وذلك لأن الطب كان في ذلك العصر مهنة مشينة في نظر الكنيسة، كما أراد تجنب عبارات اللوم والتقريع التي قد توجه إليه إذا ما أخفق في عملية أو أكثر من العمليات الجراحية التي قد يجريها. لكن من حسن حظ «تيودريش» أنه لم يعرف إخفاقًا في مهنته وذلك بفضل الطرق والتعاليم الجديدة التي لقنه إياها والده، لذلك أحب مهنته، كطبيب حبًا شديدًا كما ازداد إقبال الزوار على عيادته في بولونيا حتى إنه ينصرف عن إجراء عملياته الجراحية بالرغم من تعيينه أسقفًا بالقرب من «رافينا». لكن هذه الفترة الجديدة التي بدأت بداية تبعث على الأمل قضي عليها بالإخفاق. فالكتاب الخاص بالجراحة الذي وضعه «فلهلم فوق ساليكيتو» الذي عاش مدة في بولونيا درس بها الطب، فكانت حياته امتدادًا لنشاط الشيخ «هوجو» ثم نشاط ابنه هذا الكتاب الجديد لم يذكر شيئًا عنهما، بل تجاهل حتى اسميهما.

стр. 216

فما سبب هذا الموقف الغامض من مؤلف هذا الكتاب؟ ! هل هو الحسد والحقد على الزملاء؟ ! إن مؤلف هذا الكتاب لم يسجل كلمة واحدة حول علاج الجروح عن طريق النبيذ أو التخدير عن طريق الإسفنجة المبللة، وتبعه في هذا التجاهل تلميذه «لانفرنكو». أما «هينريش فون موندفيل» الذي أخذ الجراحة عن «تيودريش» فهو الوحيد الذي ذكر -وبإعجاب- طرق علاجه العظيمة والنتائج المهمة الناجحة التي انتهت به أن وصفه لأستاذه عبارة عن قصيدة مدح وثناء على الجرح الذي يبرأ بسرعة دون حدوث صديد، وهكذا مضت ستة قرون دون تقدم في علاج الجروح بالرغم من كل المجهودات القيمة التي بذلت، لذلك كانت الضحايا تذهب الواحدة بعد الأخرى. أما فيما يتصل بالتخدير فقد خطا خطوات تقدمية. ففي مجموعة الوصفات الطبية كمجموعة ترياقات نيقولا نقرأ ما يستفاد منه أن التخدير قد استخدم فأنقذ حالات كثيرة من خطر الموت المحقق، كما أن المبالغة في إعطائه للمريض كانت سببًا في القضاء عليه، كما أن الكنيسة حاربت التخدير اعتقادًا منها أن المادة المستخدمة في إعداده هي مادة شيطانية، وهكذا نجد التخدير يؤدي خدمة جليلة في خدمة المريض فلا يشعر بالآلام المبرحة التي يتعرض لها. والشيء الذي تعلمه «هوجو» اللوكي كان ضئيلا جدًا، لكن من كتاب الجراحة المنسوب لابنه تعلم كيف أن السيد «هوجو» كان يستخدم مادة التخدير، كما كان يخدر تخديرًا موضعيًا؛ وذلك بربط الجرح بمادة مكونة من النبيذ وبقايا الكتان، ثم يلفه بقطعة قماش ناعمة. كما أنه انتقد طريقة جالينوس عند علاج الجروح الحديثة، لكن توفيقه كان عظيمًا جدًا عندما استخدم طريقة ابن سينا. ثم نجد تيارًا عربيًا ثقافيًا ثانيًا يغمر أوربا، فظهر ابن سيناء، كما نجد «فريدريش الأول برباروسا» يهتم بالفلك، وقد حاول الاستفادة من كل ما هو جديد عند الآخرين فأرسل «جريرد» اللونجباردي من بلده الحبيب «كريمونا» إلى إسبانيا. وفي ذلك الوقت ظهر في كولونيا على الرين طالب الطب الشاب الألماني الملقب «أركيبويتا»، وأخذ يشيد بمجد مدرسة سالرنو التي ازدهرت وأينعت

стр. 217

بفضل الثقافة العربية والحضارة العربية الإسلامية. وقد كلف القيصر رسوله «جربرد فون كريمونا» بالتوجه إلى طليطلة لإحضار الماجسطي ليطليموس، فحدث أن استولت عليه الدهشة من عظمة العلوم العقلية العربية والثقافة الإسلامية فآثر البقاء على العودة فأقام هناك عشرين عامًا، ولم يقتصر على ترجمة الماجسطي من العربية إلى لغة علماء أوربا بل ترجم أكثر من ثمانين كتابًا أحضرها معه إلى بلده، قبل أن يتوفى في كريمونا عام ١١٨٧ م، أعني بعد مائة عام من انتقال قنسطنطين إلى الدار الآخرة. إن ما ترجمه «جريرد» وأحضره إلى وطنه كان من خير الكتب وأحسنها، ومن بينها الكتاب الملكي وبعض المصادر العربية الطبية التي تأتي في المرتبة الثانية، وكان قد أحضرها سابقًا. أما كتب الطب العربي التي ترجمها «جريرد» وجاء بها إلى بلده فكانت خليطًا من شتى الكتب ولكثيرين من المؤلفين أمثال: أبقراط وجالينوس والتي نقلها حنين بن إسحق إلى العربية، إلى جانب الشروح العربية التي كتبت عليها كتلك التي وضعها ابن رضوان. أما المؤلفات الأخرى فكانت أمهات الكتب العربية في شتى العلوم والآداب العربية، ومن بينها كتاب المنصوري للرازي وكتاب الجراحة لأبي القاسم والقانون لابن سينا. ومن ثم أخذ سيل التراجم والترجمة يتدفق من إسبانيا وصقلية وشمال إيطاليا. ومن مدينة «بادوا» جاء كتاب الكليات لابن رشد وهو يعرف اليوم في اللاتينية باسم (colliget)، كذلك كتاب التيسير لابن زهر وقد ترجم مرتين. وفي عام ١٢٧٩ جاء من صقلية كتاب الحاوي وهو الكتاب العظيم للرازي ويسمى (Continens Rha-sis) وقد قام بترجمته اليهودي الذي تربى في سالرنو واسمه فرج بن سليم، وقد صرف فيه نصف حياته مترجمًا، أعني حتى القرن السادس عشر. ثم جاء شيء جديد لم يكن معروفًا من قبل، وهو قديم قدم قانون ابن سينا ومشهور شهرته، أعني كتاب زاد المسافر، كما أن مؤلفات الرازي وابن رشد ترجمت أكثر من مرة. وهكذا بعثت في أوربا نهضة عقلية، ومن ثم أخذت تتطور وأصبحت ضرورة لا بد منها لجميع المشتغلين بالعلوم.

стр. 218

قال ابن سينا كما يتشبع الإسفنج الظمآن بالماء والأرض الجافة الخالية بالغيث، كذلك كانت ظروف العالم عندما جاءت سحب العلوم والمعرفة والثقافة العربية الإسلامية، فقد هطلت عليه كتبًا امتازت بحسن التأليف ودقة التبويب وبراعة العرض وأخرى مترجمة قد اتسمت بركاكة الأسلوب وضعف العبارة. وما كاد المجتمع الإسلامي وغيره من المجتمعات التي اتصلت بالمسلمين ثقافيًا أو حربيًا أو تجاريًا يتسلم هذه الهبة العقلية حتى تفتحت العقول فأزهرت وأينعت وجاءت إلى الإنسانية بالخير العميم. وإذا تركنا الشرق إلى الغرب واتجهنا إلى سالرنو وجدناها -وقد استقبلت الموجة الثقافية الإسلامية الأولى- تنهض وتتطور وتتبوأ مكانًا ساميًا جعلها ذات شهرة عالمية، ثم لم تكد تهضم ما تناولته حتى جاءتها موجة ثانية لكن هذه المرة من خلف الحصون الإسبانية حيث تدفقت ينابيع الحضارة العربية على مونبيلييه فبعثت فيها وفي سائر الأنحاء الأوربية حياة جديدة فتية نلمس آثارها العلمية الطبية لا في مونبيلييه فقط بل بولونيا وبادوا وباريس وأكسفورد أيضًا. ومن أكبر مظاهر إقبال أوربا على تحصيل العلوم العربية هذا الشغف العظيم باقتناء الكتب التي ظهرت في تلك العصور، والتي كانت عربية التأليف إنسانية الغايات، وحتى ما ألفته أوربا وقتذاك إنما كان صورة من المؤلفات العربية، وما أقبلت أوربا على ما أقبلت عليه إلا سدًا للفراغ العلمي الذي كان مخيما عليها

стр. 219

ومحاولة للحاق بالعرب في مختلف أنواع العلوم والفنون والآداب. والكتب الأوربية التي ظهرت -وإن افتقدت أحيانًا الاصطلاحات العربية- قد استمدت مضمونها ودلالتها. ولعل أكثر الكتب دراسة واستشهادًا مؤلفات أمثال: ابن سينا وأبي القاسم والرازي وابن زهر وحنين بن رسحق وإسحق يهودا. وكما طرق العرب قديمًا أبواب الثقافة اليونانية كذلك الحال عند أوربا الظمآي فإنها أقبلت واعتمدت في نهضتها على المراجع اليونانية العربية، وكانت هذه الكتب هي كل شيء في الطب، إلا أن الأزهار الأجنبية لم تتأصل جذورها في الأرض ولم تزدهر وتورق بل نمت في حدود ضيقة جدًا؛ لذلك بدت وكأنها أزهار ذابلة. وكانت النتيجة أنه لم يظهر طب أوربي، كما ظهر في الشرق طب عربي منذ عصر الرازي، وأصبح عند العرب طب عربي خالص، وظل الأوربي عربيًا طيلة عصر الإنسانيين بالرغم من وجود أمثال «باراسيلسوس» بل امتدت فترة قيام الطب الأوربي المعرب حتى أوائل العصر الحديث. والسبب في تأخر ظهور الطب كعلم أوربي هو طبيعة العصر وطبيعة نظرة الأوربين للحياة واهتمامهم بالإنسان فقط، وكل شيء خالق يتجمد ويكتفي فيه بالتفكير فقط، فنحن نجد الكنيسة تتطلب من المسيحيين الاستسلام بدون قيد أو شرط لها ولتعاليمها والخضوع لسلطانها، بينما أولئك الذين يدرسون ينتمون في الواقع إلى الطائفة المستقلة التي تفكر كيفما طاب لها التفكير، ونجد الأطباء العرب يحيون في معترك الحياة في الوقت الذي نجد فيه جميع معاهد الدروس -إذا ما استثينيا سالرنو والجامعة الحكومية في صقلية وفي نابولي- تخضع خضوعًا تامًا للكنيسة وتعاليمها. فالفرد المسيحي يجب عليه أن يأتمر بأوامر الكنيسة ويؤمن بها إيمانًا أعمى ولا يجوز له مناقشة ما تفرضه عليه، فالمسيحيون هم خدم الكنيسة، وهذه العادات وتلك الصفات أصبحت طبيعة ثانية للمسيحيين. فإذا حاد المسيحي عن هذا الطريق وأخذ يهتم بما يجده أو يراه حتى بجسده أو بالمرضى سعيًا وراء جمع المعلومات والتجارب، ضل الطريق القويم فطريق العقل يؤدي إلى الغرض والهدف. وتحدثنا

стр. 220

المصادر التي جاءتنا أن الوعي قد استيقظ في ذلك الوقت مسترشدًا ببعث التشريع الروماني في مدرسة الحقوق بمدينة بولونيا، وأخذت طريقة التفسير والتعريف والمناقشة مع استخدام المنطق ومراعاة الأصول المختلفة تنتشر منذ عهد «أنسليم فون كنتبري»، ومنذ التعرف على أرسطو بفضل العرب. فإذا تم مع التشريع والتقنين فلماذا لا يحدث مع اللاهوت أو الطب؟ فما هو حلال للقانون حلال للاهوت فيما يتعلق بالعقائد الكنسية وحلال للطب ولتعاليم العرب وجالينوس وأرسطو، فهذه العلوم العربية هي أهم شيء بالنسبة لهم، هي معجزتهم هي قانونهم هي إنجيلهم، قانون ابن سينا. وأين ينشأ الطب إذا لم يجد في هذه القلعة التي عطرها القانون والتشريع والحقوق تربة خصبة له؟ ! في بولونيا نجد «تاديو الديروتي» يهتم بالقانون وشرحه، وقد نجح في تعاليمه التي أصبحت عقيدة لتلاميذه أجيالا متتابعة ومن بينهم أولئك الذين كرسوا حياتهم للطب فكانوا رسله وإن تزيوا بأزياء عربية. لقد قدس أولئك الرسل العلماء العرب والعلم العربي وبخاصة ابن سينا والرازي، وظل هذا التقدير قائمًا حتى القرن السابع عشر، وأصبحت عبارة «روح ابن سينا» من أكبر الألقاب التي يتشرف بحملها الطبيب الأوربي أو الطب عامة. أما درجة الامتياز التي كان لا ينالها إلا فطاحل الأطباء الأوربيين فهي «شعار ابن سينا»؛ وفي القرن السادس عشر أطلق لفظ «ابن سيني» على جميع أتباع ابن سينا. وأين ينشأ الطب إذا لم يجد في هذه القلعة التي عطرها القانون والتشريع والحقوق تربة خصبة له؟ في بولونيا نجد «تاديو الديروتي» يهتم بالقانون وشرحه، وقد نجح في تعاليمه التي أصبحت عقيدة لتلاميذه أجيالا متتابعة ومن بينهم أولئك الذين كرسوا حياتهم للطب فكانوا رسله وإن تزيوا بأزياء عربية. لقد قدس أولئك الرسل العلماء العرب والعلم العربي وبخاصة ابن سينا والرازي، وظل هذا التقدير قائمًا حتى القرن السابع عشر، وأصبحت عبارة «روح ابن سينا» من أكبر الألقاب التي يتشرف بحملها الطبيب الأوربي أو الطب عامة. أما درجة الامتياز التي كان لا ينالها إلا فطاحل الأطباء الأوربيين فهي

стр. 221

«شعار ابن سينا»؛ وفي القرن السادس عشر أطلق لفظ «ابن سيني» على جميع أتباع ابن سينا. أما المؤلفات التي ظهرت في ذلك العصر فكانت تحمل الصورة الصادقة لتعاليم ابن سينا وطريقته في التأليف والبحث، كما أننا نجد احتذى مؤلفوها غير ابن سينا من العلماء العرب. وغير «نادو» نجد «بيترو» من «أبانو» وهو ابن رجل قانوني لنجو باردي، وكان مغرمًا بابن سينا وابن رشد وكانت له عقلية منطقية تستطيع إدراك الحقائق الطبيعية، التي قد تنشأ عنها حقائق تتعارض والتجارب، وعن طريق الفلسفة توصل إلى نتائج لا تقبل الشك خاصة بشراب الشعير الذي لا يسبب حمى؛ وذلك لأن عصير الشعير عبارة عن خلاصة بينما الحمى شيء طارئ، وعن طريق المنطق استطاع أن يثبت دون صعوبة أن النار ليست جسمًا باردًا بل ساخنًا، وعن طريق هذه المعاملة المنطقية ضرب مثلا كيف أن الإنسان يستطيع أن يحصل على آخر نقطة من الدم دون أن يجهد حواسه أو عقله. والواقع أن التأملات الفلسفية قد خلقت الناحية التجريبية أو العملية أو التطبيقية، وأن استبداد النظرية التي أصبحت غريبة على الحقيقة خاصة بالتجارب الطبية قد سخرت منها العقيدة الشعبية في هذا الشهر: جالينوس والعلامة أبقراط .. علماني أنه .. حيث يوجد ماء يوجد بلل .. وإن لم يمت فستتحسن صحته! ثم إن الكتب التي التزمت المنطق وبراعة الأسلوب مثل كتاب القانون نالت إعجاب أولئك الذين يقدرون فصاحة اللغة وبلاغتها. لكن علماء الطب من الأوربيين فهموا هذه الكتب همًا خاطئًا فخرجوا منها بنتائج لا تتصل والعلوم

стр. 222

العربية بصلة ما وهي منها بريئة. فالعلوم العربية يجب ألا تنتهي إلى عقلية هؤلاء العلماء الأوربيين، وقد راعت جامعة سالرنو الدقة العلمية بفضل العقلية الناضجة التي امتازت بها فخرجت طبًا حقيقًا. وهذا يؤيد هذا التسامح العقائدي الذي دفع إلى السير في طريق الجامعات العربية في الدراسات الطبية، كما نلحظ هذا في جامعة مونبيلييه التي تأثرت بمختلف التيارات والأهواء، وبالرغم من ذلك تمسكت بتقاليدها السليمة وفتحت صدرها منذ البدء للثقافة العربية التي أقبلت عليها من مختلف الجهات وتأثرت بها مونبلييه حتى النهاية دون التأثر بالظروف المدرسية الأوربية. ولا أدل على أهمية العرب والعربية والدور الهام الذي قام به العرب في ميادين الثقافة والحضارة، من أن الباحث كان مضطرًا إذا ما أقبل على عمل بحث من البحوث إلى دراسة اللغة العربية دراسة دقيقة، كما نشاهد هذا الظاهرة مع الإسباني الشهير، الذي انحدر من أسرة غوطية غربية واسمه «أرنلد» وهو أحد أبناء مدينة «فيلانويفا» (١٣٥ - ١٣١١) فنحن نعلم أن «أرنلد» هذا فعل في بلده ما فعله من قبل «ميجويل ثرافيدا»، فهو لم يكتف بدراسة اللغة العربية وإتقانها بل أقبل على العقلية العربية وتعمق في إدراكها ودراسة الكتب العربية الطبية كما اتصل بالأطباء العرب فحصل على علم ومعرفة تميز بهما على سائر مواطنيه وانفرد من بينهم بعدم اكتراثه بعلوم وآراء مفكري أوربا. فأقبل على العلوم العربية فجنى منها بعض تراثها. كما أبدى تجاهلا لأولئك العلماء الذي كانوا سببًا في نشر الغباوة والجهل بين الأطباء اللاتين، وكرس حبه وتقديره لأمثال: علي بن عباس وابن زهر والرازي الذي سلط عليهما نوره وعلمه. فالرازي هو الرجل الذي اشتهر بالبحث والتعمق والإنتاج والتقدم والقيام بالتجارب الخاصة. والسبب الذي من أجله قدر «أرنلد» الرازي فاحتل من نفسه مكانة رفيعة هو بعينه الذي رفع من منزلة «أرنلد». وصفات الرازي كذلك هي التي احتذتها جامعة مونبيلييه فآلت أن تفكر التفكير الحر أسوة بالرازي، وأن تذود عن حرية الرأي والبحث العلمي كما فعل الرازي أيضًا. وهناك فرع آخر من فروع الطب يقوم دليلا على بعد العرب عن الانحرافات

стр. 223

والالتواءات الأوربية الطبية، وهذا الفن هو الجراحة. فالجراحة تدين للعروبة في تطورها وتقدمها السريع بعد أن كانت مهنة من المهن الحقيرة، وسرعان ما بلغ الجراح منزلة قاضي الجنايات. ففي عام ١١٦٣ م صدر قرار من المجلس الأعلى يمنع تدريس الجراحة في مدارس الطب، كما أن الجراحة اعتبرت مهنة مشينة تدنس شرف وكرامة الطبيب الذي يمارسها، بخلاف العرب الذين أقبلوا عليها وأولوها عنايتهم فأصبحت علمًا من أجلّ العلوم وأشرفها بل أصبحت الفن الطبي الوحيد الذي يتطلب اليقظة والانتباه وسرعة الإدراك وسلامة الطبيب وقواه، لأنه هو الفن الطبي الذي يأتي بنتائج إيجابية. وقد أخذت الجراحة تتبوأ مكانًا رفيعًا في أوربا على يد «روجر فون سالرنو» اللنجو باردي وتلميذه «رولند» و «هوجو فون بورجو جنوني» وابنه «تيودريش»، ثم قدر للجراحة أن تخطو خطوة أبعد بفضل «فلهلم فون ساليسيت» اللنجو باردي وتلميذه الذي تفوق عليه وهو «لانفرنكو»، ثم الفرنسي «جوي ده شولياك». والشيء الجدير بالملاحظة حقًا، هذه الحقيقة التي تدحض الافتراءات التي افتريت على الجراحة والجراحين، أعني هذا التقدم الذي أحرزته الجراحة على يد أمثال: أبي القاسم وابن سينا. وبفضل الأخير خاصة انتقلت إلى أوربا واشتركت اشتراكًا كليًا مع علم التشريح، ومن ثم ينتهي بها المطاف إلى هذا التقدم العظيم الذي أحرزته الجراحة في الطب الحديث. ومرة أخرى نجد العرب يتقدمون لإنقاذ هذا العلم من خطر جديد أحدق به وفي أوقات حرجة جدًا، وليس هذا الموقف بجديد على العرب فقد سبق لهم أن سارعوا إلى إنقاذ الطب من سيطرة اللاهوت واستعباده وإقفال الطريق أمامه. لقد دنت ساعة الامتحان للطب والأطباء عندما انتشر وباء عام ١٣٨٢ وحار الطب وأخفق الأطباء، في ذلك الوقت كان الطب العربي يتحدث عن الوباء وعن العدوى التي قد تصيب الإنسان من جرائه، وهذا بدوره قد ينقل جراثيم المرض إلى كثيرين ممن قد يتصلون بالمريض. وحدث أيضًا أن انتشر الوباء مرة أخرى وكانت أوربا مستعدة

стр. 224

لمكافحته وتجنب ويلاته فمنعت السفن التي يشتبه في وجود المرض بها من الاقتراب من الموانئ الإيطالية، ثم تقرر التبليغ عن جميع حالات المرض. وقام أول بناء للعزل ومنعت الاجتماعات وأحرقت جميع الأشياء الملوثة بجراثيم المرض، فكل هذه الاحتياطات تقوم دليلا على أن أوربا أخذت بالرأي العربي الخاص بطرق مقاومة المرض والحد من انتشار العدوى، وقد زلت هذه الوسائل متبعة حتى يومنا هذا. وبدهي أن هذه الاحتياطات التي أتت بأحسن النتائج في سبيل مقاومة الوباء والقضاء عليه لم تتعارض وتعاليم الكنيسة فالعبارات الواردة في العهد القديم والخاصة بالعقوبات والعذاب الذي قد يلحقه الله بالمذنبين على يد ملائكته شاهدة على عدم انحراف المسيحيين عن تعاليم دينهم، إذا ما فهمت على أنها لا تحمل إلا معنى رمزيًا. إن الإيمان بالآيات الواردة في الكتاب المقدس حالت لمدة عدة قرون دون تقدم البحوث الخاصة بالعدوى، فإلى جانب سرير المريض كان يقف الطبيب العظيم والعالم المشهود له بالكفاية العلمية لكنه لا يستطيع أن يقدم للمريض أدنى مساعدة؛ وذلك لأن العلوم الطبية قاست الكثير من التخمة التي أصابت الأوربيين الذين عجزوا عن فهم العلوم الأجنبية. كما أن العلوم الأوربية لم تتقدم قط حتى في الوقت الذي كان يصرح فيه لخريج الطب الحديث وتحت إشراف طبيب آخر بمعالجة المريض، إذ إن سائر معلوماته كانت في الواقع مستقاة من الكتب والصور المأخوذة عن رسومات خيالية خاطئة. أما الدراسة العلمية في المستشفيات كما هو الحال عند العرب فلم تكن مستعملة في أوربا، فمدرسة الطب كانت مقطوعة الصلة بالمستشفى، فلما عاد الصليبيون وشاهدوا ما شاهدوا عند العرب، وفي مدارس الطب العربية طالبوا بإدخال هذه النظم في أوربا، وأخذ البابا إينوسنس الثالث يطالب جمعية روح القدس ببناء المستشفيات وجمع المرضى فيها كما أشرفوا هم على رعاية أولئك المرضى في المستشفيات التي كانت خالية من الأطباء. وفقط في عام ١٥٠٠ م عين ولأول مرة في مستشفى ستراسبورج طبيب دائم مقيم، وكان هذا بعد ثمانية قرون من تشييد الخليفة الأموي الوليد للمستشفى العربي، الذي عين له عددًا كبيرًا من الأطباء المختصين في مختلف الأمراض. وبعد ستراسبورج نجد في

стр. 225

مستشفى ليبزج عام ١٥١٧ ثم «أوتيل ديه» في باريس عام ١٥٣١ م. وفي منتصف القرن السادس عشر حدث أن طبيبًا من «فيرونا» أخذ يدرس شرح ابن سينا في مستشفى «بادوا» مع دراسة علمية، فأثار هذا التجديد العجب. فقد قصد «بادوا» طلبة من مختلف البلاد ليشاهدوا العرض الجديد لنصوص ابن سينا وجاينوس مطبقًا على المرضى ويشترك الطلاب مع أستاذهم. كذلك نسج على نفس المنوال طبيب آخر كان يعمي في مدينة «إينجولستات» إلا أن هاتين الحالتين كانت وحيدتين، وفي القرن الثامن عشر فقط نجد الطبيب الشهير الذي كان يعمل في مستشفى «هرمان بيرهافا» ولو أنه من مدينة ليدن يطبق العلم على العمل في المستشفى بالرغم من الحالة البدائية التي كانت عليها المستشفيات الأوربية عامة في ذلك الوقت، فقد كانت تستحق السخرية حقًا فضلا عن عدم ملاءمتها للقواعد الصحية. وبالرغم من ذلك فقد خطا هذا النطاسي البارع بالدراسة الطبية خطوة واسعة. ولما انبثقت حركة إحياء العلوم والاهتمام بالعلوم اليونانية كان من المتوقع أن تؤثر في مكانة الطب العربي، لكن شيئًا من هذا لم يحدث، وعلى العكس، بخلاف ما وقع مع الفنون وسائر العلوم العقلية وبخاصة الفلسفة. أما العلوم القائمة على التجارب والخبرة فلم تستفد شيئًا من العلوم اليونانية. وفيما يتصل بالطب وسائر العلوم التجريبية أو التطبيقية التي أخذها العرب عن اليونان وقدموها لأوربا. فقد كانت أيسر قبولا وأكثر رواجًا من تلك التي عرفت في بيزنطية بل امتازت عليها بحسن التنسيق وجمال العرض ودقة الملاحظة، ولم تقتصر هذه المفاضلة على البيزنطية فقط بل امتدت إلى اليونانية أيضًا. أما كتب أمثال: علي بن العباس وابن سينا فقد كانت مثلا لامعًا في التأليف وترويض هذه المواد الجامحة، فقد تناولت هذه الكتب ما جاءها وخلقته خلقًا جديدًا فأضافت إليه الشيء الكثير فاستعاض القارئ عن سفسطة جالينوس علمًا غزيرًا جديدًا لا يستغني عنه باحث أو طالب معرفة، ومعنى هذا استعباد جديد وتبعية جديدة وحيلولة دون خلق جديد في عالم التأليف.

стр. 226

وعلاوة على ذلك فقد كانت التراجم الجديدة المباشرة للكتب اليونانية تتصف بالفوضى والاضطراب وضعف الفائدة بخلاف تلك التراجم التي اعتمدت على العربية. وقد كشف الإنسان عن مؤلفات أمثال: «روفوس» و «بولوس» و «سيلسوس» ونقلها إلى لغة العصر إلا أن تقادم عهدها جعلها لا تصلح للعصر الذي ترجمت فيه بخلاف الحال مع المؤلفات العربية التي ترجمت في نفس الوقت إلى اللاتينية مثل القانون لابن سينا الذي ترجم مرة في دمشق وأخرى أحسن وأدق في إيطاليا. لكن هناك شيئًا هامًا أثر بواسطته الإنسانيون في الأطباء ولو أن هذا الشيء لا يمت إلى الطب بصلة فهو إنتاج لغوي نبه القوم إلى وجوب الاهتمام بفحص النصوص وتحليلها وإن كان هذا الاتجاه قد صرف القوم عن فهم المعنى إلى الأسلوب بما فيه من فصاحة وبلاغة، لكن حتى هذا لم يصرف الأوربيين عن الاهتمام بأساتذتهم العرب وذلك لأنهم قد تبينوا مدى تفوق العرب على اليونان، فمن بين الأطباء المشهورين الذين زينوا جبين القرن الخامس عشر والذي طارت شهرتهم إلى كل مكان: ابن سينا والرازي وابن زهر وعلى بن عباس وأبي القاسم، وقد كانوا المثل الأعلى في الطب، كما أنهم هم أساتذة الذين خلفوهم وبخاصة في الطب العملي. وقد انصرف نفر من العلماء إلى دراسة التراثين العربي واليوناني والمقابلة بينهما وبخاصة فيما يتصل بالطب ومعرفة مدى أثر اليونانيين على الأطباء العرب الذين خلقوا الطب العملي التجريبي، وقد قدم أولئك العلماء إحصائية عن هذا الأثر. ومن أهم الكتب التي ألفت في هذا الموضوع كتاب الجراف «فراري دا جرادو» أستاذ جامعة بافيا الذي وضح شرحًا وتفسيرًا للكتاب التاسع من كتاب المنصور للرازي، وهو أول كتاب طبي طبع عام ١٤٦٩. ففي مؤلفات «فراري» جاءت إحصائية تبين أن ابن سينا ذكر أكثر من ثلاثة آلاف مرة والرازي وجالينوس ألف مرة وأبقراط مائة وأربعين مرة. والجدير بالملاحظة إلقاء نظرة على الطبعات القديمة للكتب الطبية وأولها ولا

стр. 227

شك قانون ابن سينا، فقد ظهر هذا الكتاب في فبراير ١٤٧٣ في ميلانو، وبعد عامين ظهرت الطبعة الثانية، بينما ظهر في نفس الوقت شرح ابن سينا، وقد نشره ذلك الإيطالي، وهو الكتاب المعروف باسم «روح ابن سينا» وظهرت طبعة ثالثة للقانون قبل طبع أول رسالة جالينوس؛ ومن ثم أخذت تتوالى الطبعات، فظهرت الطبعات الأولى لكتب المنصور والحاوي للرازي، ثم الكليات لابن رشد وإيساغوجي حنين بن إسحق والذي يعرف الآن برسم «يوحنتيوس». ثم كتاب الأطعمة لإسحق يهوذا والكتاب الملكي لعلي بن عباس، وهكذا حتى عام ١٥٠٠ ظهرت الطبعة السادسة عشرة لكتب القانون بينما لم تظهر لجالينوس إلا طبعة أولى في مجلدين. وفي القرن السادس عشر بلغت الطبعات للقانون العشرين، ومن ثم أخذت تتوالى حتى منتصف القرن السادس عشر، وهكذا نجد قانون ابن سينا هو أكثر الكتب الطبية دراسة وانتشارًا في عالم الطب. أما طبعا شرحه فلا تحصى. وفي القرن السادس عشر فقط، أخذ الطب الأوربي يشعر بالخجل من الطب العربي، وذلك لأنه ظل زمنًا طويلًا ينقل ويقتبس ويأخذ عن العربي حتى إنه كان صورة مشوهة منه، ولا يوجد مثل أصدق يصور لنا الحالة التي كان عليها الطب الأولى من هذه العبارات الخاوية التي تدل على لا شيء والتي قالها «باراسيلسوس» في ميدان السوق بمدينة «بازل» عندما أحرق علانية كتب جالينوس وابن سينا مما أثار غضب الشعب. لكن يجب ألا يتبادر إلى أذهاننا أن هذه العملية التي قام بها «بارسيلسوس» جاءت بنتيجة ما فالعلم العربي ظل قائمًا يزين رؤوس العلماء المفكرين، ودور الكتب الأوربية لم تتوان في اقتناء هذه الكتب العربية والتنافس في هذا الاقتناء والمفاخرة به بل حتى حقائب الأطباء كانت غاصة بهذه المؤلفات العربية الطبية. نعم إن ميخائيل ثروت هاجم وانتقد الشراب العربي الذي اعتمد على مبدأ العصير اليوناني، لكنه في نفس الوقت نشر الاختراع العربي للدورة الدموية الصغرى دون أن يذكر المراجع العربية التي أخذ عنها.

стр. 228

أما أستاذه في التشريح «سيلفيوس» فقد كتب عام ١٥٤٥ شرحًا على الرازي هو نفسه أبو التشريح وأبو الطب الأوربي عامة؛ كذلك نعلم أن الألماني «أندرياس فيزاليوس» قد تعلم اللغة العربية أيضًا وأجهد نفسه في سبيل إعادة نشر الكتاب التاسع من الكتاب المنصوري لمؤلفه الرازي وفي لاتينية أسلم وأقوم. كما ظهر من الكتاب العربي العظيم الموسوم باسم كتاب الحاوي في الفترة الممتدة بين عامي ١٤٨٦ و ١٥٤٢ خمس طبعات كاملة، كذلك عدة طبعات من بعض فصوله. أما كتابه عن الجدري والحصبة، فقد طبع بين عامي ١٤٩٨ و ١٨٦٦ أكثر من أربعين مرة، وقد ظلت هذه الرسالة الصغيرة موضع اهتمام وتقدير العالم المتمدين زهاء ألف عام وما زالت حتى يومنا هذا المرجع الهام الذي يستغنى عنه والمثال الذي يحتذى. ومن المؤلفات القيمة التي لها مكانة لا تقل عن معاجم الجيب، تلك الجداول التي وضعها ابن جزلة وابن بطلان، فقد ترجمت هذه الجداول أكثر من مرة إلى اللاتينية وعليها اسم المؤلف في صيغة لاتينية غامضة جدًا، وقد ترجمت إلى الألمانية وظهرت في مجلد واحد تحت اسم مفاده «جداول الشطرنج الصحي». أما الكتاب الملكي لعلي بن العباس، فقد شاءت الأقدار أن ينال خطوة عظيمة وذلك عن طريق عالمين من العلماء الإنسانيين تجمع بينهما صلات القرابة في مدينة نورنبرج. ففي حوالي عيد ميلاد عام ١٤٩٣ م تسلم العالم النورنبرجي الطبيب الشهير «هارتمان شيدل» رسالة من بادوا حيث كان يدرس صديقه الشاب «هيرونيموس هولز شوهر» أبلغه فيها عظم فرحه لشرائه الكتاب الطبي العربي الشهير جدًا، الذي ظهر حديثًا في ترجمته اللاتينية في مدينة البندقية. أما مترجمه فهو «إسطفان فون بيزا» فما كان من «شيدل» إلا أن أطلع زميله الطبيب «هيرونيموس مينزر» طبيب مدينة نورنبرج على هذه الرسالة، وقد كان «مينزر» هذا إلى جانب طبه هاويًا القيام بالرحلات ودراسة الجغرافيا، وهو الذي أرسل إلى ملك البرتغال رسالة تحثه على وجوب الاهتمام بتمكين «كولومبوس» من القيام برحلته

стр. 229

إلى الهند مجتازًا الطريق البحري الغربي. وكان هذان الطبيبان يهويان اقتناء الكتب المطبوعة الحديثة؛ لذلك فرح «مينزر» كثيرًا عندما أطلع على مضمون هذه الرسالة وحصول «هير ونيموس هولز شوهر» على هذا الكتاب القيم، كما أعجبه تقديره واهتمامه بالعلم هذا التقدير الذي دفعه إلى شراء هذا الكتاب؛ لذلك قرر «مينزر» إهداء «هولزشوهر» كريمته الوحيدة كزوج له. فقد كان كتاب علي بن العباي هو الدافع إلى هذا الزواج الذي تم بين «هيرونيموس هولز شوهر» و «دورثيا مينزر» وهكذا أصبحنا نجد «هولز شوهر» يصير عضو مجلس المدينة وعمدة نورنبرج و «هولز شوهر» هذا هو الذي رسمه الفنان الخالد «ديرر». كذلك من الكتب التي لقيت رواجًا عظيمًا وأقبل عليها المترجمون كتاب «دليل المسافرين» أو «الرحلة»، وقد نبه إلى عظيم فائدته قنسطنطين الإفريقي. ففي باريس وكولونيا وجامعات أخرى كان يدرس هذا الكتاب كمادة إجبارية على الطلاب، وظل الحال كذلك مئات السنين. وهو يعتبر إلى جانب إيساغوجي حنين بن إسحق والمنصوري للرازي والتيسير لابن زهر والكليات لابن رشد والقانون لابن سينا من أهم الكتب الرئيسية في برامج الدراسة الطبية في مختلف الجامعات حتى القرن السادس عشر في أوربا. وفي جامعتي «توبنجن» و «فرنكفورت» الواقعة على الأودر كانت برامج كليات الطب تعتمد حتى القرن السادس عشر على مؤلفات ابن سينا والرازي. وبالرغم من أن الغرب تنكر للغرب إلا أن المؤلفات العربية وبخاصة ما يختص منها بأمراض العيون ظلت متداولة حتى القرن الثامن عشر، وقد دخل كثير من اختراعات العرب وتجاربهم القيمة الطب الدولي بالرغم من إخفاء الأسماء العربية والتغاضي عن ذكر فضل العرب. لكم من هم الذين لا يزالون يعرفونهم اليوم؟ ومن يعرف المؤثرات الطبية العربية التي أخذت تلعب دورها في أوربا منذ عهد قنسطنطين الإفريقي؟ ومن يعرف حتى اليوم عظمة وخطورة الدور الذي قام به العرب في سبيل تطور ونشأة الطب في أوربا؟

стр. 230

إن «أجريبا فون نتسهيم» هو الشخص الوحيد بين الإنسانيين الذي قاسى منه كثيرون، وهو شاب من كولونيا وكان يسمى «هينريش كورنيليس»، وكان يغني أغنية هامة في أثر العرب في الطب. فالعرب كما يقول: مشهورون، حتى إن الإنسان يعتبرهم خالقي هذا العلم، وكان من السهل إصدار مثل هذا الحكم إذا لم يستخدم العرب كثيرًا من الألفاظ اللاتينية واليونانية، وبذلك كشفوا النقاب عن حقيقتهم، فكتب ابن سينا والرازي وابن رشد لا تقل أهمية عن كتب أبقراط وجالينوس، وقد بلغت الكتب العربية مكانة هامة في العلوم حتى إن استخدامها كان ضرورة لا بد منها للوصول إلى الشفاء. أما الطبيب الذي لا يستخدمها في العلاج فقد يتسبب في موت المريض الذي يعالجه. أليست هذه نبوءة أن القديسين من الأطباء المسيحيين والصيادلة، والذين اختصهم الباب فيلكس الرابع في أوائل القرن السادس الميلادي بكتدرائية قديمة في الفوروم رومانوم كانوا حسب صلاة القديسين عربًا؟ !

стр. 231

أنصاب العبقرية العربية قديسو الأطباء والصيادلة. . من الخطأ أن تذكر «كورماس» على أنه الطبيب، ودميان هو الصيدلي. حوالي عام ٣٠٠ حينما عاش الأخوان العربيان، فيما يقال، لم تكن المهنتان الشافيتان قد انفصلتا بعد، كذلك الحال في العصر اليوناني. فالطبيب كان عادة هو الصيدلي وإن كان له مساعدون يحضرون له الدواء ويعدونه، فهم الذين كانوا يجمعون له البذور ومختلف أصناف العطارة، وكان هناك تجار يبيعون الأدوية والعقاقير والعطور والأصباغ الضرورية لحياتنا اليومية. لكن الطبيب كان هو الشخص الذي يناول المريض الدواء بيده، وذلك لأن تقسيم العمل والفصل بين المهن والحرف يصبح ضرورة عندما تتزايد هذه العقاقير وتتكاثر الأدوية، ثم كثر المخترعون وتزايد عدد المخترعات فتطلب هذا إعدادًا خاصًا لأنها أصبحت في الواقع أدوية جديدة. فجميع هذه الحالات حدثت وبكثرة في الطب الإسلامي العربي. إن الدولة العربية لم تكن دولة ثقافة وعلوم فقط بل كانت أيضًا مركزًا للتجارة العالمية. ففي البلاد العربية كانت تلتقي الطرق التجارية العالمية التي كانت تجتاز البحار والقارات القريب منها والبعيد .. إنها كانت الشرايين التي تغذي الشرق والغرب والشمال والجنوب بمختلف أنواع السلع مستعينة بالسفن التي اشتهرت باسم «جنك» أو الجمال والبغال حاملة كنوز مختلف البلاد والعقاقير والأعشاب وغيرها من الأدوية

стр. 232

الحيوانية التي لم يعرفها الأطباء الأقدمون ولم يحفظوها في الجرار الفخارية، وقد جلبها العرب من الصين والهند وإفريقيا وسيلان (سرنديب) وملقا وسومطرة ومن شواطئ البلاد والجزر الأخرى. ولم يكن هذا بالشيء الجديد فطرق القوافل قديمة قدم العصر الحجري. أما وقد تطورت الظروف فقد أصبح التجار أكثر خبرة ودراية بالتصدير والاستيراد وبخاصة فيما يتعلق بالأدوية التي حصلوا عليها كذلك عن طريق الرحلات الاستطلاعية الكشفية. وامتازت المستشفيات العربية الإسلامية بأن كل طبيب فيها كان يستطيع الحصول على أدوية جديدة ويجري تجاربه عليها وأن يسجل هذه النتائج في سجلات خاصة أعدت لهذا الغرض، ولم يكتف بالتسجيل فقط بل كانت هذه النتائج تنشر بين مختلف الأطباء والمستشفيات على أنها أدوية مجربة، وبذلك تقدم كهدية للطب للاستفادة منها. لذلك نجد عددًا كبيرًا من الأدوية التي كانت حتى ذلك الوقت غير معروفة مثل: القهوة والكافور والكبابة والمن والأرجان، واللبان، وجوز الطيب والعنبر والأسطراغالس وأخرى كثيرة جدًا، ومن ثم انتقلت بواسطة العرب إلى أوربا، كذلك تلك العقاقير التي لم يولها الإنسان من قبل اهتمامه، فقد أصبحت عقاقير طبية لا يستغني عنها الطب والصيدلة وأغراض أخرى. وهكذا نجد الأطباء العرب يصفون القهوة لعلاج القلب كما يستخدمونها مسحوقة لعلاج التهاب اللوز والإسهال والجروح العسيرة الشفاء، والكافور لتنبيه القلب والكبابة لمكافحة الديدان. واستعاضوا عن الدواء القوي المألوف الذي ظل مستخدمًا عدة قرون، وكثيرًا ما كان يتسبب في إحداث القيء أو الإسهال والذي ورثه القوم عن اليونان بأوراق السنا والتمر الهندي والخيار الشنبر والعود والروند المهدئة الملينة المقيئة. وقد نادى باستخدامها ودعا إليها مختلف مؤلفات ماسويه والرازي كما نجد «محمدًا التميني» وهو أحد أبناء القدس يخترع مادة عالمية ضد التسمم، وقد خلدت هذه المادة اسمه وبحق إذ أطلق على المادة المسهلة التي اخترعها والتي تساعد على الهضم اسم مفتاح الفرح ومنعش الروح، وهناك أدوية أخرى يونانية كانت مستخدمة بالرغم من الأضرار الجسيمة التي قد تنشأ عنها فلما

стр. 233

تناولها العرب خففوها عن طريق عصير الليمون أو البرتقال أو إضافات أخرى. أما الأدوية التي كان يركبها جالينوس من خليط خاص فقد استعاض عنها ابن سينا بآخر أبسط لا ضرر منه. وفي كتاب القانون لابن سينا نجده يذكر ما لا يقل عن سبعمائة وستين دواء، وقد انتقلت جميعها إلى النباتات والصيدلة الأوربية. وبعض هذه الأدوية ما زالت محتفظة بأسمائها العربية حتى اليوم مثل: عنبر، دار صيني، زعفران، خشب الصندل، السني، الكافور، تمر هندي، عود، حشيش، خلنجان، جوز الطيب. وفي الشرق عرفت مؤلفات أبقراط وجالينوس، كما جمع «ديوسكوريديس» كل ما يتصل بطب العالم القديم، وقد وصل هذا الكتاب إلى أوربا عن طريق بعثة دبلوماسية، فالقيصر البيزنطي قنسطنطين السابق الذي عرف كيف يؤثر على الحكام العرب، وأرسل عام ٩٤٨ م بعثة خاصة مزودة بكتاب غني بالرسوم إلى حاكم الأندلس، وكان القيصر يطمع عن طريق هذه الهدية القيمة في النجاح في عقد محالفة مع عبد الرحمن الثالث ضد خليفة بغداد. ولما لم يوجد في الأندلس من يستطيع فهم يونانية هذا الكتاب فهمًا جيدًا لتقدير قيمة هذه الهدية الثمينة طلب عبد الرحمن من بلاط القسطنطينية إرسال مترجم إليه. وفي عام ٩٥١ م وصل إلى قرطبة الراهب نيقولا، وكان يستطيع التفاهم مع الأطباء هناك باللغة اللاتينية، وهكذا تعاون معهم وترجموا هدية القيصر إلى العربية. لكن عرب الأندلس لم يكونوا متخلفين في علم النبات والعقاقير فالطبيب الخاص للخليفة وهو ابن جلجل ألف كتابًا عن مآخذ ديوسكوريديس، ومن ملاحظاته الخاصة وتجاربه الكثيرة تجمعت لديه المادة لوصف أكثر من ألف وأربعمائة عقار نباتي ومواد أخرى قد يستعاض بها. وعقاقير ابن البيطار (١١٩٧ - ١٢٤٨) أعني ابن الطبيب البيطري، وهو أكبر عالم نباتي عربي جمعها عدا المواد الحيوانية والمعدنية. فالكتاب يحتوي على جميع الصيدلة في عصره، وقد كان كتابًا عظيمًا جدًا علميًا وفنيًا، فابن البيطار لم ينقع بدراسة مؤلفات نحو مائة وخمسين عالمًا سبقوه

стр. 234

في البحث والدرس وذكرهم جميعهم ودرس كتبهم دراسة فاحصة ناقدة بل قام هو بتجاربه الخاصة عليها، فقد رحل من مالقا مسقط رأسه وزار جميع بلاد إسبانيا ومراكش وشمال إفريقيا ومصر وسوريا وآسيا الصغرى، وقد شاهد بعينيه، واقتنع، أكثر من ألف وأربعمائة مرة بكل ما دونه. ومن الجدير بالبحث حقًا العناية بابن البيطار عند درسه وتأليفه لنذكر كيف كان التأليف في أوربا، وكذلك كيف استفاد قنسطنطين الإفريقي والعلماء الأوربيون من هذه المصادر العربية الفنية. فابن البيطار يذكر في مقدمة كتابه الجامع لمفردات الأدوية والأغذية ما يأتي: «الحمد لله الذي خلق بلطيف حكمته بني الإنسان واختصه بما علمه من بديع البيان وسخر له ما في الأرض من جماد ونبات وحيوان وجعلها له أسبابًا لحفظ الصحة وإماطة الداء يستعملها بتصريفه في حالتي عافيته ومرضه بين الداء والغذاء. نحمده حمد الشاكرين ونصلي على أنبيائه أجمعين «وبعد» فإنه لما رسم بالأوامر المطاعة العالية المولوية السلطانية الأعظمية الملكية الصالحية النجمية لا زالت نافذة في المغارب والمشارق وأرزاقها شاملة لكافة الخلائق وبواترها ماضية في قمم الأعداء والمفارق بوضع كتاب في الأدوية المفردة نذكر فيه ماهياتها وقواها ومنافعها ومضارها وإصلاح ضررها والمقدار المستعمل من جرمها أو عصارتها أو طبيخها. والبدل منها عند عدمها قابل عبد عتباتها وغذى نعمتها هذه الأوامر العالية بالامتثال وسارع إلى الانتهاء إليها في الحال ووضع هذا الكتاب مشتملا على ما رسم به وعرف بسببه، وأودع فيه من ذلك أغراضًا يتميز بها عما سواه ويفضل على غيره بما اشتمل عليه وحواه. (الغرض الأول) بهذا الكتاب استيعاب القول في الأدوية المفردة والأغذية المستعملة على الدوام والاستمرار عند الاحتياج إليها في ليل كان أو نهار مضافًا إلى ذلك ذكر ما ينتفع به الناس من شعار ودثار، واستوعبت فيه جميع ما في الخمس مقالات من كتاب الأفضل «ديسكوريديس» بنصه. وكذا فعلت أيضًا بجميع ما أورده الفاضل جالينوس في الست مقالات من مفرداته بفصه، ثم ألحقت بقولهما من أقوال المحدثين في الأدوية النباتية والمعدنية والحيوانية ما لم يذكراه ووصفت فيه

стр. 235

عن ثقات المحدثين وعلماء النباتيين ما لم يصفاه وأسندت في جميع ذلك الأقوال إلى قائلها وعرفت طرق النقل فيها بذكر ناقلها واختصصت بما تم لي به الاستبداد وصح لي القول فيه ووضح عندي عليه الاعتماد. (الغرض الثاني) صحة النقل فيما أذكره عن الأقدمين وأحرره عن المتأخرين فما صح عندي بالمشاهدة والنظر وثبت لدي بالخبر لا الخبر ادخرته كنزًا ثريًا وعددت نفسي عن الاستعانة بغيري فيه سوى الله غنيًا، وما كان مخالفًا في القوى والكيفية والمشاهدة الحسية في المنفعة والماهية للصواب والتحقيق أو أن ناقله أو قائله عدلا فيه عن سواء الطريق نبذته ظهريًا وهجرته مليًا، وقلت لناقله أو قائله لقد جئت شيئًا فريًا. ولم أحاب في ذلك قديمًا لسبقه ولا محدثًا اعتمد غيري على صدقه. (الغرض الثالث) ترك التكرار حسب الإمكان إلا فيما تمس الحاجة إليه لزيادة معنى وتبيان. (الغرض الرابع) تقريب مأخذه بحسب ترتيبه على حروف المعجم مقفي ليسهل على الطالب ما طلب من غير مشقة ولا عناء ولا تعب. (الغرض الخامس) التنبيه على كل دواء وقع فيه وهم أو غلط لمتقدم أو متأخر لاعتماد أكثرهم على الصحف والنقل، واعتمادي على التجربة والمشاهدة حسب ما ذكرت من قبل. (الغرض السادس) في أسماء الأدوية بسائر اللغات المتباينة في السمات، مع أني لم أذكر فيه ترجمة دواء إلا وفيه منفعة مذكورة أو تجربة مشهورة. وذكرت كثيرًا منها بما يعرف به في الأماكن التي تنبت فيها الأدوية المسطورة كالألفاظ البربرية واللاطينية وهي أعجمية الأندلس إذ كانت مشهورة عندنا وجارية في معظم كتبنا، وقيدت ما يجب تقييده منها بالضبط وبالشكل والنقط تقييدًا يؤمن معه من التصحيف ويسلم قارئه من التبديل والتحريف إذ كان أكثر الوهم والغلط الداخل على الناظرين في الصحف إنما هو من تصحيفهم لما يقرأونه أو سهو الوراقين فيما يكتبونه «وسميته» بالجامع لكونه جمع بين الدواء والغذاء واحتوى على الغرض

стр. 236

المقصود مع الإيجاز والاستقصاء، وهذا حين أبتدي وبالله أستعين وأهتدي فأقول. . فهذه العبارة ليست ألفاظًا جوفاء أراد بها المؤلف التهويل والتضليل، فلدينا من الأدلة ما يثبت كيف كان هذا العالم دقيقًا ومفكرًا عميقًا، فابن أبي أصيبعة زميل ابن النفيس في دراسة الطب على الدخوار الذي كان تلميذًا أيضًا لابن البيطار، فقد ذكر أن أول مقابلة معه كانت في دمشق وفي عام ٦٣٣ هـ، ١٢٣٥ م وقد درس عليه ورافقه في بعض رحلاته النباتية. وكانت عادته أن يذكر ما قاله «ديوسكوريديس» في كتابه وفي لغة يونانية صحيحة كما درسها إبان مدة دراسته في بلاد الروم (آسيا الصغرى). وابن البيطار يذكر «ديوسكوريديس» كما أراد أن يعرض لوصف وخواص دواء من الأدوية، ومن ثم يتبع هذا الرأي بأقوال جالينوس. وفي النهاية يذكر آراء الأطباء المعاصرين سواء اتفقوا أم اختلفوا ثم يبين موضع الخطأ. ويذكر ابن أبي أصيبعة كذلك أنه كان عندما يعود إلى منزله فاحصًا ملاحظات ابن البيطار في مختلف مراجعها يجده صادقًا عالمًا بكل شيء، وأغرب شيء فيه أنه اعتاد أن يذكر الفصل والمناسبة الخاصة سواء عند ديسكوريديس أو جالينوس أو الآخرين، وقد جاءت الأدوية العربية مساعدات أخرى عظيمة الفائدة جدًا، وهذه المساعدات مدهشة من حيث الكثرة والاختراعات الحديثة وهي أصلا عبارة عن مخلفات أشياء ومواد أخرى لم تحقق غايتها العلمية. إن العثور على حجر الحكمة الذي بواسطته يمكن تحويل المعادن غير الثمينة إلى ذهب، أعني المادة المؤثرة أو «الإكسير» الذي يمنح الإنسان صحة جيدة وعمرًا طويلا. فبلوغ هذه الغاية كان أمل الإنسانية وحلمها منذ عصور طويلة، وكانت تسعى جاهدة في سبيل تحقيقه. فقد استولى على الإنسان العجب عندما حاول صهر المعادن وأدرك بالمشاهدة تحولها فبلوغ هذا الهدف لم تحققه مصر أو اليونان أو فارس أو العرب، كما عجز عن تحقيقه أيضًا الكيماويون الأوربيون. لكن هذه الآمال التي اختلطت بعناصر روحية غير مرئية تناولها العرب وعالجوها بوسائلهم العلمية المنتظمة. وذلك لأن العقيدة الإسلامية والإيمان بالله

стр. 237

الواحد الأحد، الملك القوي، عدو لهذه الخرافات وتلك الخزعبلات التي تتعارض والإيمان بالله العلي العظيم. كذلك نجد إلى جانب الإسلام وتعاليمه عاملا آخر وهو الكيمياء، وقد تسربت بصورتها الصوفية وطرقها الإعجازية إلى الجماعات الساذجة أو المشعوذة المهرة وهم كما يقول ابن اللطيف ساخرًا هناك ثلثمائة وسيلة لجعل الناس أغبياء، تحويل المعادن، وعزل المواد المؤثرة، وقد دفع هذا الوضع المسلمين المتعلمين إلى القيام ببحوث منتظمة وتحليل العناصر والتفرقة، والتعريف في معاملهم للوصول إلى شيء لم يصل إليه أحد من قبل «التجربة الكيماوية». فقد حاول اليوناني المفكر شرح وتعليل المعرفة عن طريق الفلسفة فباشر كيمياء نظرية وفلسفية طبيعية حيث نلاحظ هذه الحقيقة في الهليّنية الشرقية العملية المدركة للتجارب التي جمعت ونظمت وهذا هو نشأة العلوم الطبيعية. أما العرب فهم أول من ابتدع طريقة الملاحظة والملاحظة الدقيقة المنتظمة وتحت شروط صناعية تتكرر في كل وقت وتتغير وتراقب، وكان العرب هم سادة هذا الموقف. لقد خلق العرب الكيمياء التطبيقية التجريبية بمعناها العلمي المعروف لما ومن ثم طوروها، كما يعترف بذلك المؤرخ الإنجليزي «كستوم»، حتى بلغت مكانة عالية رفيعة دفعت إلى اكتشاف الكيمياء العضوية وغير العضوية العصرية، وذلك بغية الوصول بها إلى المكانة التي بلغتها على يد العرب. فعوضًا عن تحقيق الأمنية القديمة الخاصة بالحصول على الذهب بلغ العرب بالكيمياء مرحلة أخرى مكنتهم بفضل التجارب العملية التي قاموا بها من تحقيق تراكيب كيماوية جديدة، كما توصلوا إلى طرق كيماوية حديثة. ففي أواخر القرن التاسع نجد الكيمياء العربية تأخذ في الصعود فتبهر أنظار العالم بنورها الوضاء ولمعانها الباهر، وذلك بفضل شخصية عرفت باسم تنكري. وهذا الشخص الذي تدين له بالشيء الكثير جدًا يجب أن يكون سياسيًا من كبار زعماء وشيوخ الطائفة الإسماعيلية، هذه الطائفة المتحررة المسلمة المتطرفة، وقد عرف هذا العالم باسم «جابر» وكتب كسياسي كثيرًا من المؤلفات السياسية متسترة بأثواب الفلسفة

стр. 238

والعلوم، وكان «جابر» هذا شخصية مستقلة استقلالا عجيبًا جبارًا حقًا «لقد كان عالمًا مشهورًا ولو أنه عربي». قال هذه العبارة رجل ممن اشتهروا بعداوتهم للعرب. فعوضًا عن صهر المعادن التي كانت معروفة في عصره اخترع «جابر» وسيلة أخرى للصهر والتحليل وذلك عن طريق حامض ملح البارود أو حامض الملح وخليط من حامض الملح وملح البارود، و «جابر» هو صاحب جميع هذه الأحماض ومحضرها. وهكذا استطاع «جابر» ومن جاءوا بعده الحصول على مركبات عديدة من بينها أوكسيد الزئبق والزنجفر، والزرنيخ، والنوشادر، ونترات الفضة، والشب، وأملاح النحاس، والقلي الكاوي، ماء القلي، وأخرى كثيرة. ويفرق العلماء بين الحامض والقلي كما لاحظوا زيادة وزن المعادن عند الأكسدة والكبرتة وأدركوا أولا أن النار تخمد عند انعدام الهواء. وإلى العرب يرجع الفضل في خلق العمليات الكيماوية الأساسية مثل: التبخير والتبلور والكلسنة والترشيح والتقطير، حيث فرقوا بين التقطير المباشر، وذلك الذي ينتج عن طريق الرمل أو الماء. وقد استخدم الكيماويون العرب في عملياتهم هذه وتحاليلهم المنتجات الزجاجية العظيمة للعمال المصريين أو السوريين وبخاصة منتجات مصانع حلب حيث كانت مصنوعاتهم الزجاجية من أهم مواد التصدير العربية إلى الخارج وبخاصة سائر الأجهزة الكيماوية الزجاجية التي يحتاج إليها في سبيل إجراء التجارب وأنابيب الاختبار التي لا يستغني عنها معمل، وفي المدن السورية نجد الجهاز الذي اخترعه العرب للتقطير ألا وهو «الإنبيق» وكذلك «الأثال». وهذان اللفظان يطلقان حتى اليوم على جزأي جهاز التقطير أعني العلوي والسفلي. وقد استخدم أبو القاسم عند التقطير جهازًا آخر، وهو عبارة عن فرن يشتعل فيه الوقود آليًا وكان يغلق الأواني الزجاجية المتداخلة في بعضها بعضا عن طريق لفها بقطعة من قماش الكتان. وقد استخدم العرب الإنبيق لتنظيف الخل وعمل النبيذ والعرق من البلح عدا تطهير الماء غير النقي، وهكذا أصبح من الميسور تطهير الماء كيماويًا وإعداده للتجارة واستخدامه للدواء. وبهذه الطريقة كان الرازي أول ما استحضر هو حامض

стр. 239

الكبريتيك، ومن الوسائل الحامضة المحتوية على مواد نشوية أو سكرية استخرج الكحول (الكحل) ومعنى اللفظ الحرفي «الأكثر رقة». والكحل هو في الأصل مسحوق الأنتيمون الناعم وكان يستخدمه الكحالون (أطباء العيون)؛ لذلك نجد طبيب العيون المشهور «علي بن عيسى» يلقب بلقب الكحال. وكان العرب يقطِّرون مختلف أنواع الزيوت في أوان فخارية مزججة. ومن أكبر الأدلة التي تؤيد مدى نشاط العرب في الحقل الكيماوي هذه الاصطلاحات الفنية التي لا تحصى والتي ما زالت إلى اليوم مستخدمة بالرغم من عروبتها، وقد جاءت طريقها إلى مختلف اللغات العالمية، ولا يقتصر استخدامها على الكيماوي فقط بل حتى ربات البيوت أيضًا. ومن هذه الألفاظ: كيميا، الكيميا، الإنبيق، الشب، العصارة، والحنظل، والعصارة القلي، الكحل، الأثال، الملغم، النيل، الإثمد، العرق، لازورد، بدوار بنزين، لبان جاوي، بازهر = بنزهير، بورق، ترياق، درياق، (مكان) الدرياق، إكسير قلي، قلقثار، لك، نطرون، رهج الغار، صداع، طلق. . ومما هو جدير بالذكر أن الكيماوي كان عند إجراء تجاربه قد تتبقى لديه بقايا تصلح للعلاج فكان الرازي أول من استخدم الكيمياء لخدمة الطب، وهذا ما لجأ إليه فيما بعد «باراسيلسوس». لقد تنبه الرازي إلى أنه عن طريق تحسين وتشكيل المواد الأولية الطبيعية يحصل على أدوية جديدة لا توجد في الطبيعة، وبذلك رفع من شأن الكيمياء الطبية وساوى بينها وبين الأدوية المستخرجة من النباتات. لكن قبل استخدامها كان الرازي يجرب هذه العقاقير الناتجة عن تركيبات صناعية وبطرق صناعية في الحيوان. هكذا نجد التركيبات الزئبقية التي تطورت واستخدمت في العلاج، كما استطاع عن طريق التجارب التي أجراها على الحيوان استكمال استخدام الأفيون والحشيش من الناحية العلاجية وبخاصة في التخدير. ومن المواد العلاجية والأدوية التي أوجدها الرازي هذا الصنف الذي ما زال يحمل اسمه في فرنسا ويعرف باسم «بلانك رازي»، وقد تطورت هذه التسمية في فم الشعب وأصبحت «بلانك ريزين» أي العنب الأبيض.

стр. 240

ويدين الطب أيضًا للكيمياء العربية للوصول إلى عدد كبير جدًا من الأدوية مثل الشراب المستخرج من تقطير بعض الأعشاب والمن أو السكر. وهذا النوع من الأدوية يلعب دورًا خطيرًا في شفاء كثير من الأمراض، وذلك لأن شراب الجلاب وهو هذا الشراب الحلو المرطب أكثر رقة عند طبخه وإعداده من الشراب العادي. كذلك الفواكه المقندة في عسل أو سكر أو أجزاء أخرى من النباتات، لقد عرفتها أوربا عن طريق العرب فلفظ (قند هو لفظ عربي بمعنى سكر). كذلك يطلق الرازي على نوع من أدوية علاج العيون «سيف» وهو يتعاطى في شكل ملبس، وقد تمكن الرازي من تحويل شراب الرب وهو هذا العصير النباتي إلى حبوب، وذلك عن طريق طبخ العصير؛ وبذلك جعله سهل التناول في الطريق وأثناء السفر. وأدرك الرازي بعض المتاعب التي يقاسيها المرضى من جراء تجرع الدواء المعروف باسم «رب» فقد كان رديء الطعم، لذلك لمّا حوله إلى حبوب كساه بطبقة حلوة من السكر أي جعله ملبسًا كما هو الحال اليوم. من هذا النوع المعروف في أوربا باسم «دراجا» وإلى الرازي يرجع الفضل في استخدام عصير الفواكه وطبخه وإضافة العسل أو السكر إليه ومواد أخرى، وصنع منه ملبسًا، وذلك بصب هذا الخليط بعد طبخه على رخام وتشكيله حسب المطلوب. أما العادة السائدة اليوم والخاصة بتذهيب أو تفضيض الحبوب (البلوعات) فترجع في الواقع إلى ابن سينا، وذلك لأنه كان يعتبر الذهب والفضة من المواد المنبهة للقلب أو الدورة الدموية، لذلك استخدم الذهب والفضة لكساء أو طلاء الحبوب التي تبلع. وقد أظهر العرب براعة فائقة في إعداد الأربطة واللبخ والمعاجين والمساحيق، هذا عدا علاج الالتهابات التي تحدث تحت الجلد أو الخراجات ومختلف أنواع الأمراض الجلدية وسائر الجروح ووقف الأوجاع ومنع تقيح الجروح حيث أوجد العرب المضادات الحيوية على أساس البنسلين والإسبرجليوس وغيرهما من المواد

стр. 241

التي لم نعرفها إلا منذ عهد قريب، كذلك استخدام النبيذ وهو لا يقل فائدة عن غيره، والبن المطحون، وقد أحضر هذه الطريقة إلى أوربا كيماوي ألماني وأطلق عليها «فحم البن». وقد ذكر أن العرب أنقذوا منذ ثلاثين عامًا حياته بالبن، ومن ثم استخدم البن في ألمانيا في شفاء الالتهابات المزمنة وقد جاء بنتائج عظيمة. وقد حضر العرب أيضًا معاجين تجفيف الجروح تمامًا مثلها مثل اللبخة أو الرباط اللاصق. ومن الواضح أن مثل هذا الدواء الذي يشفي مختلف الأمراض كان يحضر بنفس الطريقة التي تستخدم اليوم في المعامل الحديثة، إن هذا الدواء فوق ما يتصوره الإنسان وهو يتطلب معرفة خاصة ونشاطًا خاصًا ومهارة خاصة من الشخص الذي يقوم بتحضيره. وفرق العرب كذلك بين الذين يعدون الدواء وأولئك الذين يأمرون بإعداده وبتعبير أدق لقد أوجد العرب الصيدلي ومهنة الصيدلة. فالصيدلي بدراسته والمسئولية التي يتحملها يمتاز على تاجر الأدوية العادي في العصور الأولى، لذلك كانت منزلة الصيدلي منزلة عالية رفيعة. وقد أسس العرب أول صيدلية عامة في القرن الثامن الميلادي، وكان ذلك أيام حكم الخليفة المنصور، فكان كل مستشفى يحتوي على صيدلية كاملة شاملة، وكانت أخرى في جنديسابور. وأوجد العرب أيضًا صيدليات محمولة ترافق المستشفيات المحمولة. وكانت الصيدليات وما إليها من مستشفيات محمولة عسكرية خاضعة منذ عهد الخليفة المأمون في القرن التاسع الميلادي للرقابة الحكومية، وكما كان يوجد أيضًا نقيب للأطباء، كذلك الحال مع الصيادلة إذ كانت توجد في كل مدينة نقابة للصيادلة لها نقيب، كان يختبره الصيادلة ويمنحهم الشهادات التي تخول لهم حق ممارسة المهنة، وقد كان ابن البيطار نقيبًا للصيادلة زمنًا طويلًا في القاهرة وخلفه «الكوهين العطار» (١)، وهو مؤلف كتاب ما زال إلى اليوم مشهورًا موجودًا في الشرق مستخدمًا في الصيدلة.

стр. 242

وكانت الصيدليات خاضعة لتفتيش حكومي دقيق، فقد كان يراقبها موظفون من مصلحة الصحة، كما كانت تخضع في نفس الوقت لرقابة التموين وهي الرقابة التي كانت تشرف أيضًا على الطحانين والخبازين وتجار البن ومحلات المواد الغذائية مطالبة بمراعاة النظافة: نظافة المحال والأواني، وجودة البضاعة ودقة الموازين والمكاييل واللحوم في المذابح الواقعة خارج المدن والجزارة تجنبًا لوقوع تسمم في الأغذية أو انتشار وباء. وعند تحضير الأدوية يجب على الصيدلي أن ينفذ التعليمات المطلوبة بكل دقة، فهو مقيد بقوانين رسمية تتصل بالتحضير والمواصفات الطبية لأمثال: ماسويه وسابور بن سهل والعنتري وابن التلميذ وآخرين. إن مراعاة القواعد الصحية والصحة العامة صورة مثالية احتذتها أوربا ففي الشرق نجد التعليمات الخاصة بتأسيس المستشفيات وتنظيمها والعناية بها خيرًا ألف مرة من مثيلاتها في أوربا، والتي أمر البابا جماعة روح القدس بتشييدها. أما موضوع تنظيم جماعة الأطباء والصيادلة فقد وضع في أيدي رجال يقظين حريصين مدركين لحاجة المرضى، كما أدركوا مباشرة الفوائد والمنافع الجليلة للتقدم العربي، ولم تحل العقائد الدينية دون إدراك هذا كما أن هذه العقائد لم تغلق عقولهم. وحصل اللقاء في صقلية التي خضعت لحكم العرب مدة لا تقل عن ٢٥٠ سنة، لذلك أدخل العرب إلى البلاد الأنظمة والقوانين واستقرت في البلاد، ولما جاء الملك النورماني روجر الثاني دعم وثبت ما وجده. ففي عام ١٤٠ أصدر قانونه الخاص باعتبار الأطباء، كما فعل من قبل الخليفة المقتدر في بغداد لكيلا تتعرض حياة الرعية للخطر لجهل الأطباء أو قلة خبرتهم. وفي عامي ١٢٣١ و ١٢٤٠ قيل عن القيصر فريدريش الثاني بعد أن استقر له الأمر إنه يفهم كل داء وكل دواء، لذلك كان في نشراته الطبية يرمي إلى إقرار جميع القوانين والأنظمة التي كانت سائدة بين الأطباء والصيادلة العرب المستوطنين في مملكته في صقلية. وهذه المنشورات هي غالبًا تكرار لقوانين روجر الخاصة بامتحان الطبيب على يد مجلس من المدرسين في سالرنو، ومبالغة في جودة التحصيل زادت مدة الدراسة

стр. 243

وأصبحت ثمانية أعوام، كما أن السماح للطبيب بمزاولة الطب كان يمنح عن طريق مندوب للقيصر وفي حضوره الشخصي. وهنا أيضًا كما هو الحال في الدولة العربية نجد الحرص على الفصل بين الطبيب والصيدلي، كما نجد عناية كبرى توجه للإشراف على الصيدليات، وتحضير الأدوية والتعاليم الخاصة التي تحتم وجوب اتباع كتاب صيدلة رسمي والعمل بما جاء به. فهذا الكتاب كان يستخدم كمرشد لإعداد الأدوية، ووجوده يؤيد قيام هيئة للصيادلة والصيدليات عامة، وهذا ما يفترض القانون وجوده. وفي الجهات الأوربية الأخرى كانت مثل هذه التعليمات موضع الاستنكار والعجب، إذ إن الدولة وليست الكنيسة هي التي تولت الإشراف على الحالة الصحية العامة، كما أننا نجد القيصر هنا سلك مسلك الخليفة والسلطان في الشرق وهو الذي يشعر كذلك بالمسئولية ووجوب النهوض بها للفائدة العامة من الناحية الصحية للرعية، وكان يدقق في وجوب مراقبة السماح للأطباء بمزاولة المهنة ويشترط في الطبيب الشرف والضمير والمهارة الكافية. ويجب أن يقسم الطبيب والصيدلي قسما أمامه، كما راقبت الحكومة الصيدليات، وفقدت الطائفة الدينية كل سلطان خاص، وكان هذا تحديًا صريحًا للكنيسة، كما أدرك هذا البابا جريجور التاسع ولم يسعه إلا أن يلتزم الصمت أمام القيصر وتحديه وبعض المساوئ التي يقترفها. ثم أصبحت قوانين فريدريش الثاني هي الأساس الذي اعتمدت عليه القوانين الطبية فيما بعد، وهكذا نجد الخطوات الأولى تتخذ في أوربا، وفي العصور الوسطى المظلمة في سبيل الدخول في عصر جديد، وبفضل هذه القوانين وتلك الخطوات فقط نستطيع أن نقول إننا الآن حديثون متقدمون، كما أن الواقع أن القنطرة التي عبرتها أوربا لبلوغ هذه المرحلة شيدها العرب في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين. فتأسيس الصيدليات عامة وافتتاحها وإيجاد جماعة الصيادلة ومهنة الصيدلة بالمعنى العربي والمعنى الحديث في هذا المعنى العربي ظل فترة ما قائمًا في شمال

стр. 244

الألب. ففي الوثائق القديمة نجد لفظ «أبوتيكا» يستخدم للدلالة على حانوت العطارة، وفيما بعد استخدمت هذه الكلمة للتعبير عن الصيدليات في معناها الحديث. وتحدثنا المصادر العربية أيضًا أن فكرة تركيب الدواء اعتمدت قبل كل شيء على مجموعة الوصفات الرسمية، وهي المعروفة باسم «فرما كوبين» وهي التي يتحتم على الصيدلي مراعاتها والعمل بها وقد ظلت متبعة حتى القرن السابع عشر إذ كان الصيدلي يجهز الدواء حسب هذه المجموعة. وعن طريق التجارة وبخاصة مع البندقية انتقلت العقاقير والأدوية العربية إلى أوربا. وساعد على نشر الصيدلة في أوربا قرب صقلية العربية من أوربا أولا وترجمة قنسطنطين الإفريقي للكثير من كتب الطب العربية ثانيًا، ولم يقف أثر هذه النهضة على صقلية وجنوب إيطاليا بل بلغ وادي الرين كما هو ثابت من مؤلفات «هيلدجارد فون رينجن»، وبعد وفاة قنسطنطين بزمن قصير نجد عميد مدرسة سالرنو وهو «نيكولوس بريبوزيتوس» يضع كتابًا في المواصفات العلاجية على غزار الكتب العربية، وظل هذا الكتاب مستعملا لأجيال كثيرة من الصيادلة الذين ظهروا فيما بعد كما أصبح مثل كتاب «سركا إنستنس» الذي كان يستخدم كثيرًا، وهو يشمل على المواد المضادة لعالم آخر من علماء سالرنو. ولم يقف الأثر العربي عند هذا الطريق بل شق طريقه إلى أوربا أيضًا عن طريق بيزنطة، وذلك بفضل مؤلفات (شمعون زيت) و «نيكولاوس ميريبسوس» التي كانت متأثرة تأثيرًا قويًا بالمؤلفات العربية. وقد رحلت هذه الكتب البيزنطية إلى دور كتب الصيدلة في أوربا، ومن هذا الطريق أيضًا أثرت الثقافة العربية في الصيدلة. ومن الجدير بالذكر أن الثقافة العربية في ذلك العصر كانت قد بلغت شهرة عظيمة جدًا في أوربا حتى إن الأطباء في شمال إيطاليا إذا ما أرادوا رفع قيمة مؤلفاتهم نسبوها إلى العربي ماسويه الصغير من بغداد وأنه هو مؤلفها وهو فيما يقال تلميذ ابن سينا الشهير العظيم فنسبوا كتابهم الخاص بالمضادات إلى المؤلف الذي صاغوا

стр. 245

اسمه صياغة لاتينية ألا وهو «جرابادين ماسويه الصغير»، وهكذا ضمنوا الشهرة لكتابهم، وهذا دليل من الأدلة الكثيرة على محاولة تقليد الاستفادة من الصيدلة العربية. ثم نجد العلوم العربية تخطو خطوات واسعة تكاد تكون خيالية، والفضل في ذلك يرجع إلى كيماوي مجهول عاش في القرن الثالث عشر، ومن إنتاجه العلمي نتبين إلمامه التام بجميع المراجع العربية. وقد اشتهر هذا الكيماوي العربي باسم «أبقراط الكيميا» وهو «جابر» وفي اللاتينية «جيبر»، وقد فطنت إلى مكانته العلمية سائر الهيئات حتى الأوربية منها وصار اسمه في العربية ضمانًا علميًا رفيعًا لكل بحث من البحوث، وأن البحث بعيد عن التهويش والسفسطة. لكن شهرة كل من الرازي وابن سينا الشعبية العامة كان يجب استغلالها ليحظى بالوصول إلى الهيئات العلمية العليا ومختلف الدوائر العلمية العربية التي كانت تقدس الرازي وابن سينا. فالمعروف أن ابن سينا كان خصمًا عنيدًا للكيمياء، والذي حدث أن أية محاولة لكسب أصدقاء وأنصار للمؤلفات الكيميائية التي تحمل اسمه كانت محاولة رابحة. ولعل أول كتاب في الصيدلة بالمعنى الحديث هو ذلك الذي صدر لمؤلف تسمى باسم عربي، وهو طبيب إيطالي كان يدرس الصيدلة في القرن الخامس عشر في مدرسة سالرنو، فقد تسمى هذا الإيطالي باسم «صلاح الدين» وكان يحترم ويقدر أولئك الذين كانوا يشجعون العلم والعلماء والذين كان هو في خدمتهم، فاقترح الاستفادة من تلك الكتب التي لا يستغني عن اقتنائها صيدلي، وكان ثلثا عدد هذه الكتب التي يجب أن تتكون منها المكتبة الصيدلية عربيًا. ولا عجب في هذا فالخمسة المشهورون في العلوم الطبيعية في أوربا في العصور الوسطى كانوا يقومون على أكتاف العرب. وهؤلاء الخمسة هم الفرنسي «فنسنت ده بوفيه» وقد توفي عام ١٢٦٤، والأسبانيان «ريموندوس للوس» (١٢٣٢ - ١٣١٦)، و «أرنلد» أحد أبناء «فيلا نويفا» (١٢٣٥ - ١٣١٢) ثم الجراف الألماني «ألبرت فون بولشتيدت»

стр. 246

(١١٩٣ - ١٢٨٠)، وهو يسمى «ألبرتوس مجنوس»، والإنجليزي «روجير بيكون» (١٢١٤ - ١٢٩٢) وكانوا جميعهم يدرسون في باريس مؤلفات كبار العلماء العرب. وقد أقبل جميعهم على دراسة الكيمياء، وقد أعمتهم فكرة البحث عن حجر الحكمة الذي يحول المعادن ذهبًا، وكذلك أثره في إطالة العمر. وكان العرب هم المرجع الوحيد لهؤلاء الباحثين عن حجر الحكمة، وكان هذا بدهيًا، لذلك كان هؤلاء الكيمائيون في حالة تصوف ويقظة مثل «ريمون ليل» أو «ألبرت» الذي كان يتظاهر بالسعي وراء العلم والحقيقة العلمية فقط. ولم يهتد أولئك العلماء إلى نتائج جديدة أو مستقلة، وقد انتهت جميع محاولاتهم إلى تأييد ما توصل إليه العلماء العرب، وكان الأوربيون عبارة عن مترجمين فقط. اثنان من بين هؤلاء العلماء حرصا على الاستقلال العلمي وحرية البحث، وهذا الاثنان نظرًا إلى الصيدلة العربية والكيمياء العربية على أنهما مادة حية وهذه المادة يجب أن تخضع للبحث والتجارب، وبذلك فقط يستطاع إنقاذ الصيدلة والكيمياء والعلوم العربية من الضياع. فهذا العالمان المتحرران اللذان سارا في نفس الطريق الذي سبقهما إليه الرازي، هما «روجير بيكون» و «أرنلد» المنتسب إلى مدينة «فيلانويفا». لكن من الناحية العلمية لم يتفوق «بيكون» على زملائه المعاصرين ففكرة التجربة أخذها عن العرب لكن أخذها نظريًا أكثر منها علميًا، وهذا هو المرشد الذي هدى اللاحقين من العلماء إلى الاتجاه إلى الكيمياء التجريبية. لذلك كان كل من «روجير بيكون» و «أرنلد» في عصرهما كالنجمين الساطعين اللذين خرجا من العصور الوسطى المظلمة إلى النور، فهنا نجد هذه الروح التي انبعثت من حكمة الوزير العربي الطبيب الشاعر ابن الخطيب الغرناطي حيث قال في صدد الحديث عن العلم: «ثم المسائل المنقولة عن العلماء الجلة، والتدرب في طرق النظر وتصحيح الأدلة، وهذه هي الغاية القصوى في الملة .. ». إن الأثر المباشر للعرب على أوربا في الصيدلة ظل طيلة عصري الإنسانية والنهضة، بل ظل تأثيره قائمًا حتى القرن التاسع عشر. ففي عام ١٧٥٨ أعيد نشر

стр. 247

أجزاء من مفردات ابن البيطار. وفي عام ١٨٣٠ استخدمت مراجع عربية كمصادر أساسية للصيدلة والوصفات العلاجية الأوربية. وفي عام ١٨٣٢ أعيد نشر كتاب عربي فارسي يرجع إلى القرن الثاني عشر وقد جمع هذه المخطوطة الأرمني «مخيثار». ثم تنقطع الصلة الأدبية. لكن حتى اليوم فكل مستشفى بنظامه وكل معمل كيمائي وكل صيدلية وكل مخزن أدوية إنما هو نصب تذكاري للعبقرية العربية. وكل حبة مسكرة أو مفضضة إنما هي تذكار صغير مرئي من الطبيبين العربيين العظيمين وأستاذي أوربا ألا وهما الرازي وابن سينا.

стр. 248

الكتاب الخامس سيوف العقل

стр. 249

المعجزة العربية العام ألف. . . والآن ينشر تاجر الكتب البغدادي ابن النديم فهرسه الذي يقع في عشرة مجلدات تشتمل على أسماء جميع الكتب التي ظهرت حتى ذلك الحين في اللغة العربية، سواء في الفلسفة أو الفلك أو الرياضيات أو الطبيعة أو الكيمياء والطب. وكذلك نجد طلاب العلم من الشرق والغرب بل من أوربا يقصدون المدارس العليا بقرطبة التي ذاع صيتها في العالم قاطبة وفيها المكتبة التي تضم نحو خمسمائة ألف كتاب لأحسن علماء العصر، وقد جمعها الخليفة الحكم الثاني قبل وفاته بنحو أربع وعشرين سنة، وذلك عن طريق التجار والرسل الذين أوفدهم إلى مختلف الحواضر العربية لاقتنائها، ومما هو جدير بالذكر أن الخليفة قد علق على هوامش الكثير من هذه الكتب. وفي القاهرة نجد مئات من أمناء داري الكتب التابعتين للخليفة، وبهما نحو ألف ألف ومئتا مجلد، أعني بهما عشرون مثلا مما كان في مكتبة الإسكندرية. «والحقيقة التي يمكن الجهر بها أنه لم يوجد في روما شخص له مثل هذه الثقافة التي تمكنه من أن يقف حارسًا، فكيف يستطيع أن يعلم ذلك الشخص الذي لم يتعلم هو نفسه»، هكذا شكا هذا الرجل الخبير ألا وهو «جربرت فون أوريلاك»، وهو الذي جلس عام ٩٩٩ م على كرسي روما، على كرسي القديس بطرس.

стр. 250

في ذلك العام ألف أبو القاسم كتابه الخالد في الجراحة، هذا الكتاب الذي ظل قرونًا عديدة أهم مرجع بل المرجع الوحيد في هذا الفن، كما عالج البيروني -أرسطو العرب- دوران الأرض حول الشمس، واكتشف ابن الهيثم قوانين الإبصار كما أجرى تجاربه على آله تصوير مظلمة مستخدمًا مرايا وعدسات مخروطية وأسطوانية وكروية. في ذلك العام وهو عام التحول في العالم العربي إذ آذنت شمسه بأفول كانت أوربا ترتجف خائفة هلعة تخشى وقوع نهاية العالم فكانت تصرخ مولولة: «الآن سيأتي المسيح وينظم الكون بقوة النار» وحج القيصر الشاب «أوتو» الثالث وهو ابن عشرين عامًا تكفيرًا عن خطاياه التي اقترفها واستجابة لأوامر القديس «رومولادوس»، وكان القيصر في حجه عاري القدمين، وقد قطع المسافة بين روما وجبل «جرجانوس». وفي نفس العام كان الشاب ابن سينا قد بلغ العشرين من عمره، وقد أخذت شهرته تغزو العالم. إن هذه الطفرة العلمية الجبارة التي نهض بها أبناء الصحراء ومن العدم من أعجب النهضات العلمية الحقيقية في تاريخ العقل البشري. فسيادة أبناء الصحراء التي فرضوها على الشعوب ذات الثقافات القديمة وحيدة في نوعها، وإن الإنسان ليقف حائرًا أمام هذه المعجزة العقلية الجبارة، هذه المعجزة العقلية التي لا نظير لها والتي يحار الإنسان في تعليلها وتكييفها. إذ كيف كان من المستطاع أن شعبًا لم يسبق له أن يلعب دورًا سياسيًا أو ثقافيًا من قبل يظهر بغتة إلى الوجود ويسمع العالم صوته ويملي عليه إرادته ويفرض عليه تعاليمه، وفي زمن قصير أصبح ندًا لليونان. إن هذه المنزلة التي بلغها العرب أبناء الصحراء لم تبلغها شعوب أخرى كانت أحسن حالا وأرفع مكانة. إن بيزنطة الوريثة الغنية لا للشرق القديم فحسب بل للثقافة اليونانية أيضًا لم تنتج شيئًا وظلت حتى اليوم عاقرًا. والسريان وهم تلاميذ اليونان الحقيقيون وصلتهم الثقافة اليونانية كما وصلت العرب، فترجم السريان كثيرًا من المؤلفات اليونانية إلى
следующие страницы →