Полный текст (468 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
(١١٩٣ - ١٢٨٠)، وهو يسمى «ألبرتوس مجنوس»، والإنجليزي «روجير بيكون» (١٢١٤ - ١٢٩٢) وكانوا جميعهم يدرسون في باريس مؤلفات كبار العلماء العرب.
وقد أقبل جميعهم على دراسة الكيمياء، وقد أعمتهم فكرة البحث عن حجر الحكمة الذي يحول المعادن ذهبًا، وكذلك أثره في إطالة العمر. وكان العرب هم المرجع الوحيد لهؤلاء الباحثين عن حجر الحكمة، وكان هذا بدهيًا، لذلك كان هؤلاء الكيمائيون في حالة تصوف ويقظة مثل «ريمون ليل» أو «ألبرت» الذي كان يتظاهر بالسعي وراء العلم والحقيقة العلمية فقط. ولم يهتد أولئك العلماء إلى نتائج جديدة أو مستقلة، وقد انتهت جميع محاولاتهم إلى تأييد ما توصل إليه العلماء العرب، وكان الأوربيون عبارة عن مترجمين فقط.
اثنان من بين هؤلاء العلماء حرصا على الاستقلال العلمي وحرية البحث، وهذا الاثنان نظرًا إلى الصيدلة العربية والكيمياء العربية على أنهما مادة حية وهذه المادة يجب أن تخضع للبحث والتجارب، وبذلك فقط يستطاع إنقاذ الصيدلة والكيمياء والعلوم العربية من الضياع. فهذا العالمان المتحرران اللذان سارا في نفس الطريق الذي سبقهما إليه الرازي، هما «روجير بيكون» و «أرنلد» المنتسب إلى مدينة «فيلانويفا». لكن من الناحية العلمية لم يتفوق «بيكون» على زملائه المعاصرين ففكرة التجربة أخذها عن العرب لكن أخذها نظريًا أكثر منها علميًا، وهذا هو المرشد الذي هدى اللاحقين من العلماء إلى الاتجاه إلى الكيمياء التجريبية.
لذلك كان كل من «روجير بيكون» و «أرنلد» في عصرهما كالنجمين الساطعين اللذين خرجا من العصور الوسطى المظلمة إلى النور، فهنا نجد هذه الروح التي انبعثت من حكمة الوزير العربي الطبيب الشاعر ابن الخطيب الغرناطي حيث قال في صدد الحديث عن العلم: «ثم المسائل المنقولة عن العلماء الجلة، والتدرب في طرق النظر وتصحيح الأدلة، وهذه هي الغاية القصوى في الملة .. ».
إن الأثر المباشر للعرب على أوربا في الصيدلة ظل طيلة عصري الإنسانية والنهضة، بل ظل تأثيره قائمًا حتى القرن التاسع عشر. ففي عام ١٧٥٨ أعيد نشر
стр. 247
أجزاء من مفردات ابن البيطار. وفي عام ١٨٣٠ استخدمت مراجع عربية كمصادر أساسية للصيدلة والوصفات العلاجية الأوربية. وفي عام ١٨٣٢ أعيد نشر كتاب عربي فارسي يرجع إلى القرن الثاني عشر وقد جمع هذه المخطوطة الأرمني «مخيثار».
ثم تنقطع الصلة الأدبية.
لكن حتى اليوم فكل مستشفى بنظامه وكل معمل كيمائي وكل صيدلية وكل مخزن أدوية إنما هو نصب تذكاري للعبقرية العربية. وكل حبة مسكرة أو مفضضة إنما هي تذكار صغير مرئي من الطبيبين العربيين العظيمين وأستاذي أوربا ألا وهما الرازي وابن سينا.
стр. 248
الكتاب الخامس
سيوف العقل
стр. 249
المعجزة العربية
العام ألف. . .
والآن ينشر تاجر الكتب البغدادي ابن النديم فهرسه الذي يقع في عشرة مجلدات تشتمل على أسماء جميع الكتب التي ظهرت حتى ذلك الحين في اللغة العربية، سواء في الفلسفة أو الفلك أو الرياضيات أو الطبيعة أو الكيمياء والطب.
وكذلك نجد طلاب العلم من الشرق والغرب بل من أوربا يقصدون المدارس العليا بقرطبة التي ذاع صيتها في العالم قاطبة وفيها المكتبة التي تضم نحو خمسمائة ألف كتاب لأحسن علماء العصر، وقد جمعها الخليفة الحكم الثاني قبل وفاته بنحو أربع وعشرين سنة، وذلك عن طريق التجار والرسل الذين أوفدهم إلى مختلف الحواضر العربية لاقتنائها، ومما هو جدير بالذكر أن الخليفة قد علق على هوامش الكثير من هذه الكتب.
وفي القاهرة نجد مئات من أمناء داري الكتب التابعتين للخليفة، وبهما نحو ألف ألف ومئتا مجلد، أعني بهما عشرون مثلا مما كان في مكتبة الإسكندرية.
«والحقيقة التي يمكن الجهر بها أنه لم يوجد في روما شخص له مثل هذه الثقافة التي تمكنه من أن يقف حارسًا، فكيف يستطيع أن يعلم ذلك الشخص الذي لم يتعلم هو نفسه»، هكذا شكا هذا الرجل الخبير ألا وهو «جربرت فون أوريلاك»، وهو الذي جلس عام ٩٩٩ م على كرسي روما، على كرسي القديس بطرس.
стр. 250
في ذلك العام ألف أبو القاسم كتابه الخالد في الجراحة، هذا الكتاب الذي ظل قرونًا عديدة أهم مرجع بل المرجع الوحيد في هذا الفن، كما عالج البيروني -أرسطو العرب- دوران الأرض حول الشمس، واكتشف ابن الهيثم قوانين الإبصار كما أجرى تجاربه على آله تصوير مظلمة مستخدمًا مرايا وعدسات مخروطية وأسطوانية وكروية. في ذلك العام وهو عام التحول في العالم العربي إذ آذنت شمسه بأفول كانت أوربا ترتجف خائفة هلعة تخشى وقوع نهاية العالم فكانت تصرخ مولولة:
«الآن سيأتي المسيح وينظم الكون بقوة النار» وحج القيصر الشاب «أوتو» الثالث وهو ابن عشرين عامًا تكفيرًا عن خطاياه التي اقترفها واستجابة لأوامر القديس «رومولادوس»، وكان القيصر في حجه عاري القدمين، وقد قطع المسافة بين روما وجبل «جرجانوس».
وفي نفس العام كان الشاب ابن سينا قد بلغ العشرين من عمره، وقد أخذت شهرته تغزو العالم.
إن هذه الطفرة العلمية الجبارة التي نهض بها أبناء الصحراء ومن العدم من أعجب النهضات العلمية الحقيقية في تاريخ العقل البشري. فسيادة أبناء الصحراء التي فرضوها على الشعوب ذات الثقافات القديمة وحيدة في نوعها، وإن الإنسان ليقف حائرًا أمام هذه المعجزة العقلية الجبارة، هذه المعجزة العقلية التي لا نظير لها والتي يحار الإنسان في تعليلها وتكييفها.
إذ كيف كان من المستطاع أن شعبًا لم يسبق له أن يلعب دورًا سياسيًا أو ثقافيًا من قبل يظهر بغتة إلى الوجود ويسمع العالم صوته ويملي عليه إرادته ويفرض عليه تعاليمه، وفي زمن قصير أصبح ندًا لليونان. إن هذه المنزلة التي بلغها العرب أبناء الصحراء لم تبلغها شعوب أخرى كانت أحسن حالا وأرفع مكانة.
إن بيزنطة الوريثة الغنية لا للشرق القديم فحسب بل للثقافة اليونانية أيضًا لم تنتج شيئًا وظلت حتى اليوم عاقرًا. والسريان وهم تلاميذ اليونان الحقيقيون وصلتهم الثقافة اليونانية كما وصلت العرب، فترجم السريان كثيرًا من المؤلفات اليونانية إلى
стр. 251
لغتهم السريانية إلا أن السريان لم ينهضوا بما ترجموا، ولم تتفتق هذه الترجمات وتلك العلوم عندهم عن حركة علمية أو نهضة ثقافية عالمية.
كما أن هذه النهضة العلمية لم تنبعث أيضًا في إيران التي كانت ملتقى الثقافات الصينية والهندية واليونانية، فقد استقبلت إيران كل هذه الثقافات ولم تطورها بالرغم من أن بيئتها الطبيعية وحالتها الاقتصادية ومستواها الثقافي تساعد على هذا التطور. لكن الملاحظ أن العقلية الإيرانية لم تنتج ولم تتطور ولم تنهض إلا عندما وجدت بيئة أخرى وخضعت لمؤثرات ثقافية خاصة.
ليست بيزنطة وليست بلاد السريان وليست إيران التي كانت القنطرة التي تصل بين الثقافتين الشرقية والغربية ليست جميع هذه البلاد هي التي ظهرت على المسرح الثقافي العالمي كحاملة لمشعل الثقافة القديمة ومكملة لها. أما الشعب الذي خلف الثقافة القديمة وحمل لواء النهضة العلمية الفكرية في العالم فهو شعب صحراوي خرج من الصحراء وبسرعة البرق قبض على صولجان السيادة الثقافية في العالم، وظل أبناء الصحراء حاملين لهذا الصولجان دون منازع مدة لا تقل عن ثمانية قرون، كما أن هذه الثقافة العربية قد تفتقت وازدهرت وأينعت أكثر من الثقافة اليونانية، كما كان العرب أخصب وأقوى من اليونانيين.
فما هي خصائص العرب التي أهلتهم إلى هذا؟ ما هي صفاتهم وما هي مميزاتهم التاريخية والاجتماعية والعقلية والنفسية التي تجمعت معًا فجاءت العالم بالمعجزة العربية؟
وشن العرب حربًا خاطفة ساقت العالم في زمن قصير إليهم أسيرًا كسيرًا.
والعرب هم آخر موجة من موجات هجرات الشعوب التي حدثت في فترات متفاوتة منذ أبعد الأجيال والعصور متخطية حدود الصحراء إلى الأراضي الخصيبة، فكسر سد مأرب عام ٥٤٢ وضياع وسائل الري في بلاد العرب الجنوبية دفع القبائل إلى الرحيل وساعدهم على ذلك موقعهم بين شقي الرحى وتعرضهم للحروب الطاحنة التي كثيرًا ما شنت في بلادهم بين فارس وبيزنطة فاضطرت هذه الحروب القبائل العربية إلى الهجرة وترك القارة.
стр. 252
وقد صور بعض المؤرخين المغرضين هذه القبائل على أنها عصابات من اللصوص وقطاع الطرق، لكن الحقيقة غير هذا وما دفع هؤلاء المؤرخين إلى هذا الافتراء إلا الاختلاف العقائدي.
ولم يمض على هذه القبائل المتخاصمة المتحاربة زمن طويل حتى أصبحت وحدة قوية نجحت في تكوين أمة يخشى بأسها، وذلك بفضل الدين الإسلامي الحنيف الذي أشعل في نفوسهم الحماس والشعور بالأخوة بعد أن سادت بينهم الفرقة والحزازات القبلية زمنًا طويلًا؛ أما الإسلام فقد آخى بين معتنقيه وخلق منهم الأخوة الإسلامية التي رجعت بتاريخهم إلى عصور بعيدة، هذا إلى جانب الدعوة الإسلامية الخلقية والفرائض الدينية القوية التي آخت بين المسلمين وجمعت شملهم ووحدت صفوفهم؛ مما دفع المسلمين إلى التفاني والاستشهاد في سبيل نصرة هذه العقيدة والذود عنها، فقد وعدت هذه العقيدة الجديدة المتقين بالجنة، فهذه القوة الخلقية الفتية إلى جانب القيادة الحكمية القوية وهؤلاء الصحابة الذين اصطفاهم الرسول ﷺ كونوا النواة الصالحة لحكومة مركزية حكيمة رشيدة مسئولة عن الكيان الجديد للأمة العربية الإسلامية، وكان الجيش الإسلامي بالرغم من نقص عتاده مظفرًا في حروبه وفتوحاته فأحرز النصر تلو النصر.
ولما انتقل رسول الله ﷺ عام ٦٣٢ م إلى الرفيق الأعلى كانت بلاد العرب وحدة سياسية. ففي عام ٦٣٥ م تشتت شمل جيش بيزنطة، وبعد ذلك بعامين أعني سنة ٦٣٧ سقطت مصر. ولما اختار الله عمر بن الخطاب إلى جواره حلت فترة ركود، لكن في أواخر القرن السابع الميلادي كانت السيادة العربية قد بلغت شمال إفريقيا وامتدت حتى المحيط الأطلسي، وفي عام ٧١١ م بينما كان العلم الإسلامي ينتشر شرقًا مرفرفًا حتى الهند، انقض المحاربون المسلمون على دولة الغوط الغربية في إسبانيا واستولوا عليها بالرغم من قلة عدد المسلمين وعددهم بالنسبة لأعدائهم.
وعاون على ذلك عدم الإخلاص لروذريق وبغض رجال الدين له لاستبداده، وهكذا فتحت الأبواب للمسلمين وبدون معركة هامة استولى المسلمون عام ٧٢٠ على «ناربون» وعام ٧٢٥ على «كركاسون» و «نيمس»، واستمر المسلمون في زحفهم وتغلغلهم في اتجاه نهر الرون حتى بوردو.
стр. 253
وفي عام ٧٣٢ فقط استطاع «كارل مارتيل» أن يقف أمام هذه الجحافل المتدفقة ودارت عند «تور» و «بواتييه» معركة، وأثناء الليل عاد المسلمون أدراجهم ومعهم جثة قائدهم عبد الرحمن الذي سقط قتيلا وتحصنوا عند «ناربون» حتى اضطر «كارل مارتيل» بعد اثني عشر عامًا أن يشتبك مع المسلمين عند «أفينيوس» و «نيميس» دون أن ينجح في إجلائهم عن دولته، وذلك لأنه كان في إقليم «بروفينس» وغرب الألب وإقليم أكويتانيا، أي في البلاد التي نجد فيها فيما بعد حقلا خصيبًا للثقافة العربية ولمدة قرن من الزمان. وحتى في منتصف القرن العاشر نجد المسلمين يستجيبون لنداء الملك هوجر ملك اللومبارد، ويتقدمون في البلاد فيبلغون «أنجادين» حيث نجد «بونتر يزينا» و «بونس ساراسينا»، أي قنطرة المسلمين التي ما زالت إلى اليوم قائمة تحمل ذكرى أولئك الأجانب العظام.
ثم نجد العرب يتغلغلون في إيطاليا ولمدة قرنين وبقوة ونجاح، وقد بدا وكأن روما الأم لا بد أن تشاطر أسبانيا الهزيمة والضياع، فمن صقلية اندفع العرب حتى استولوا على إقليم «أبوليا» و «كالبريا» واستطاعوا تهديد روما والبندقية المنيعة، وكان هذا الزحف العربي استجابة لرغبة نابولي و «الجراف فون بنيفينت».
وقد ظل العرب حتى عام ٩١٥ يتناوبون السيادة على جنوب إيطاليا وجميع الجزر الواقعة في غرب البحر الأبيض المتوسط، هذا البحر الذي أصبح بحرًا عربيًا اللهم إلا الجزء الشرقي الذي كان خاضعًا لبيزنطة. نعم لقد ظل جذع الدولة الرومانية الشرقية قائمًا إلا أن أهم أغصانها أعني مصر وسوريا قد قلمت. . إن بيزنطة أصبحت رجلًا مريضًا لا يقوى على الحركة.
لكن هذه الفتوحات العربية كانت غريبة في نوعها حقًا، وإذا ما استثنينا الملك الفارسي «كيروش»، فالفتوحات الإسلامية كانت فتوحات لم يقصد المنتصرون من ورائها القيام بأعمال النهب والسلب أو العنف والتخريب وكل ما يذكر عن تعصبهم الأعمى أو قسوة قلوبهم وخشونة طباعهم وبربرية أعمالهم كذب وافتراء وهو يدخل في باب الأساطير التي تؤلف لإلقاء الرعب في نفوس الناس، وأنها دعاية من صنع أعداء العرب وخصومهم. ولا أدل على بطلان هذه الشائعات وتلك
стр. 254
الأضاليل من هذه الصفات التي اتصف بها العرب الفاتحون من إنسانية رفيعة وتسامح تضرب به الأمثال، فهذه الإنسانية وذلك التسامح أثبتا للمهزومين كذب هذه الدعاية المغرضة وسوء نوايا مروجيها ضد العرب.
كم هذه الشعوب التي عرفها التاريخ وقفت من المغلوبين المهزومين الذين يدينون بدين أو أكثر يخالف دين المنتصرين موقف العرب المتسم بالإنسانية والتسامح؟ وإذا أضفنا إلى هذا الموقف الكريم الذي وقفه العرب والإسلام من الشعوب التي انضوت تحت رايتهم هذه المثابرة على نشر الثقافة العربية الإسلامية وهي ثقافة تختلف في جوهرها عن هذا الطلاء الهلّيني أو القشور الرومانية ازددنا تقديرًا وإعجابًا بالعرب.
نعم إن الدولة العربية الفسيحة المترامية الأطراف قد تفككت إلى دويلات لكن حتى هذا التفكك كان إعجازًا عربيًا أيضًا. فكل دويلة من هذه الدولة قد نمت حيث قامت رغمًا من اختلاف التربة والبيئة والشعب أو الشعوب من حيث التاريخ والثقافة والعقيدة، كما هو الحال مثلا في إسبانيا ومصر والعراق، فقد نجح العرب في خلق ثقافة متحدة قوية الأواصر وثيقة الوشائج.
إن الشعوب صاحبة الثقافات القديمة قد هرمت وتجمدت مياه الحياة في شرايينها حتى أصبح من الضروري فناؤها. ففي القرنين الثالث والرابع الميلاديين أخذت تلفظ أنفاسها الأخيرة وتتلاشى من على مسرح الحياة تدريجيًا، وإذا أضفنا إلى جميع هذه العوامل موقف الكهنوت المسيحي من الحكمة اليونانية وإصرار هذه المسيحية على القضاء عليها وإعدامها، أدركنا الوضع الذي كانت عليه تلك البلاد أولا ومدى الخطر المحدق بالتراث اليوناني القديم ثانيًا والموت المحقق لهذه العلوم ثالثًا، ولكني كأنني بالعناية الإلهية قد أرادت لهذا التراث الإنساني الحياة فبعثت أبناء الصحراء وقد عمرت قلوبهم بإيمان الإسلام ودعوته الجديدة فسارعوا إلى تلك الحضارات العقلية فأنقذوها مما يتهددها وبعثوها بعثًا جديدًا فتيًا، ولولا هذا الفتح الجديد لظلت الثقافة القديمة دفينة ميتة يخيم عليها سكون القبر ووشحته إلى حين.
стр. 255
أوربا تائهة في دياجير الظلام
لقد قضى على الثقافة اليونانية واختفت منذ عهد «حنيبعل = هنيبال» إلا أن قيام الإمبراطورية ساعد على المحافظة على بقائها شكلا وإن كانت الثقافة الهلّينية بدت في هذه الدولة التي آذنت بزوال وكأنها ثوب فضفاض لا يلائمها، فنجد التنافر والتشاحن بين هذه الثقافة وبين مختلف الأجهزة القائمة، ثم جاء الغزو الألماني فلم يقض إلا على ما يتصل بالأخلاق وكان آيلا للسقوط حقًا. ثم إن الطبقات الراقية العالية أصبحت لا تشعر بحاجة إلى العلم والثروة العلمية. كما أن الهدف الجديد الذي طمعت المسيحية في تلقينه للفكر البشري وتحقيقه قضى على القيم العلمية والثقافية ومختلف أنواع البحوث، ولو أنها جميعها لم تجد في روما موئلا حقيقيًا لها، لذلك انهارت الطبقات المثقفة وتلاشت العلوم والمعارف. كذلك أصبحت ثقافات البحر الأبيض المتوسط مهددة بضربة قاصمة ومصير لا يختلف عن مصير حضارات ألانكا والمايا، ما لم تجد الشعوب الموهوبة القدرة الكافية على الخلق والإنشاء فتبعث هذه الثقافات بعثًا جديدًا.
وقبل العرب بقرنين سنحت لأوربا الفرصة للبناء على أنقاض هذه الثقافات البائدة، وبالرغم من ذلك ذهبت عشرة قرون حتى استطاعت أوربا التخلص من قائمة الشعوب المتخلفة وبلوغ مرحلة التحرر في الخلق والإنشاء بالرغم من أنها بدأت بخطوات تبعث على الأمل.
فللمرة الأولى إبان الثلاثة والثلاثين عامًا التي حكم فيها ثيودريش الأكبر الذي اتصف بالعدل والحكمة تطورت المسائل التي كانت مهددة بالزوال إلى النجاح
стр. 256
والتقدم، فبغتة ارتفعت أسهم القيم الإنسانية والقيم الثقافية وعادت الكرامة إلى العلماء وشجعتهم الدولة وحنت عليهم، فمدارس القصر الإمبراطوري التي قد عفى عليها الزمن عادت إليها الحياة ثانية وكبرت واتسعت. ففي المحاضرات العامة كانت تدرس أبقراط وجالينوس، كما ظهر أطباء من الغوط المتعلمين ومارسوا دراسة الطبيعة والفلك. واستمرت هذه النهضة العلمية حتى بعد وفاة الملك. «إن إنفاق المال على العلماء أجدى من إنفاقه على الممثلين». هذه هي العبارة التي قررها حفيد الملك المسمى «أثا لاريش» عندما أظهر استعداده لتشجيع العلم والعلماء، فقد كان هناك عصر نقاهة ونمو يبشر بمستقبل مزدهر، لكن الذي حدث أن هذه الزهرة قطفت وما زالت برعومة، ومن عجائب القدر أن الذين قطفوها كانوا رجالا يونانيين أرسلتهم بيزنطة للقيام بهذه المهمة المشينة. قطفت الزهرة ولم تخلف إلا نبتًا هزيلا استطاع أن يقاوم عوامل الفناء زمنًا، فقد تناوله رئيس الوزراء «كسيودور»، وقد كان مستشارًا للملك، ومن ثم سلم «كسيودو» النبت إلى جماعة البنديكت للعناية به في الأديرة، فلم يجد النبت في هذه الأرض الرطبة ما يساعده على النمو والازدهار.
إن العصر الذهبي للملك «ثيوديريش» كان بصيص النور والأمل الذي خلف قرونًا عديدة من البؤس والشقاء، ولم يكن هو الوحيد. فالفندال إلى جانب الرومان اهتموا أيضًا بالدراسة في مدارس الخطابة والنحو، فالجراف الفندالي «سيجستويس» كان نصيرًا للشعر والشعراء وذلك لأنه هو نفسه كان يقرض الشعر، وكذلك ملك الإفرنج «شيليريش» الذي ألف شعرًا في اللغة اللاتينية كما قرأ فرجيل وشيشرون للملوك الكتاب ملوك الغوط الغربيين وهم «ومبا» و «سيسيبوت» و «شينديسوينث» و «شينتهيلا». وفي كل مكان نجد الجرمان قد بدأوا يقبلون على الثقافة الأدبية. وكان بين الغوط الغربيين، كما هو الحال عند الإفرنج، نفر من المثقفين في مختلف الدوائر الحكومية والإدارية بل حتى في الأوساط التجارية، وهؤلاء المثقفون كانوا يلمون بالكتابة والقراءة والحساب وبعض المواضيع القانونية.
كذلك جاءنا أنه ظهرت حركات تقدمية علمية أيام حكم اللومبارديين الذين كانوا فيما بعد أول من تخلص من ضغط رجال الدين وساهموا في الأدوار الأولى لظهور الحركة الأدبية بنصيب وافر.
стр. 257
ففي كل جزء من أجزاء الإمبراطورية الرومانية كان يحاول الأمراء الجرمان وفي مقدمتهم «ثيودريش» بعث الروح الوثنية القديمة وإعادتها إلى الحياة، وقد حذا حذوهم فيما بعد الخلفاء العرب حفظًا على نقاوة الجنس العربي. لكن الإمبراطورية الرومانية حولت إلى إمبراطورية مسيحية، فقد أعلن أوجسطين تعيين الرئيس المطلق للقوة الروحية، كما أرسلت روما الكهنوتية توجيهات إلى مختلف الجهات التي سبق لها أن أوفدت مبشريها. ففي بلاد الغال وبريطانيا أخذت الثقافة الهلّينية تختفي بمجرد وصول رسل روما، وتوارت مع الثقافة الهلّينية اللغة اليونانية، وذهبت روما الكهنوتية بعيدًا فعملت جاهدة على القضاء على العناصر الثقافية الهلّينية القديمة وحتى تلك التي تأصلت فيها من قبل. فالقديس «هيرونيموس» اعتبر مجرد التفكير اليوناني لعنة حلت بالإنسانية، كما ترجم الكتاب المقدس إلى اللاتينية ليقضي على الفولجاتا وأمثال هوميروس وفرجيل ويطهر العقول من آثارهما، وهكذا نجد الثقافة المسيحية تتجه اتجاهًا خطيرًا معاديًا للثقافة الهلّينية ومقوضًا لها.
فالعقل البشري ليس هو الذي يضيء السبيل أمام النفس البشرية بل الوحي الإلهي. وكانت العقيدة السائدة في العالم المسيحي أن استخدام القوى العقلية ودراسة الظواهر الطبيعية ومعجزاتها عوضًا عن الانصراف إلى دراسة تعاليم الديانات السماوية مفسدة لهذه القوى العقلية، وذلك لأنه إذا كانت الفرصة مواتية لمعرفة الحقيقة عن طريق هذه الدراسات فلا بد أن توجد، «هكذا نادى المعلم الديني لكتنيوس» لكن لما كان هذا الاستعداد غير موجود فلن يجدي ضياع الزمان والمجهود في سبيل الهداية وبلوغ الحكمة».
وكما أن الإنسان استغل أنفاض المباني القديمة لتشييد الكنائس، كذلك الحال مع بقايا الفلسفة والعلو القديمة، فقد استغلت لخدمة المسيحية وأهدافها، فإلى جانب الصراط المستقيم الذي يبلغ الروح الله وجد طريق ضلال، إذ من الممكن الوصول إلى الحقيقة من غير طريق الوحي، وذلك عن طريق أشياء موجودة في الطبيعة، هكذا أعلن «ترتليان»: «وليست رسالتنا هي البحث عن يسوع المسيح فهذا معناه حب الاستطلاع، وذلك لأن الأناجيل بشرت به».
стр. 258
ولن نجد هذه الظاهرة أكثر وضوحًا وجلاء من أعمدة الدخان ولهب النيران التي غطت الإسكندرية، هذه المدينة التي ظلت قرونًا عديدة ملجأ الثقافة اليونانية وقلعتها الحصينة فقد تحولات الآن إلى روما، المركز الرئيسي للكنيسة المسيحية. إن سماء الإسكندرية لم تعد هذه السماء الزرقاء الصافية بل عكست عليها لهب النيران المندلعة في مراكزها العلمية الرئيسية التي كانت مركز الإشعاع في دليتا النيل لونًا أحمر قانيًا، وذلك لأن دواوين الشعر اليوناني التي لا تعوض والتراث الأدبي والفلسفي وتاريخ العلوم الهلّينية تحولت بين عشية وضحاها إلى أكوام من الرماد بفعل المسيحيين المتعصبين الذين شفوا غليلهم وأرضوا شهواتهم فحرقوا وأبادوا ودمروا كل ما وصلت إليه أيديهم من تراث علمي يوناني اعتقادًا منهم أنه قد يتعارض والتعاليم المسيحية.
ففي عام ٤٨ ق. م. عندما حاصر يوليوس قيصر الإسكندرية التهمت ألسنة النيران جزءًا كبيرًا من المكتبة الشهيرة الكائنة في «موسيون»، فما كان كليوباترة إلا أنها عوضت هذه الخسارة ببعض الكتب التي كانت موجودة في «برجامون». لكن في القرن الثالث الميلادي نجد عمليات التخريب والإتلاف تواصل عملها دون انقطاع، فنجد بطريركًا مسيحيًا يغلق الموسيون ويطرد علماءه، وفي عهد القيصر «فالين» تحولت عام ٣١٦ م جامعة «كيزاريوم» إلى كنيسة، كما خربت مكتبتها وأحرقت محتوياتها واضطهد فلاسفتها بتهمة السحر والشعوذة. وفي عام ٣٩١ م حصل البطريرك «ثيوفيلوس» من القيصر «ثيودوسيوس» على إذن بتخريب أكبر مزار في العالم القديم وهو آخر وأكبر أكاديمية علمية، أعني «سرابيون»، كما حرق مكتبته القديمة، ولعمري إنها أكبر كارثة أصابت الإنسانية إذ كانت أكبر ضربة وجهت إلى العلوم العقلية الإنسانية، وإن مصيبة العالم فيها لا تعوض فهي ولا شك مأساة المآسي.
ولم تقف أعمال التخريب والحرق والتدمير التي قام بها متعصبو المسيحية عند هذا، بل نجد حتى أشباه الأقوياء يهيمون باقتراف أعمال الاضطهاد والتعذيب ويتخذون من ذلك لا هواية فحسب بل وسيلة للتفاني في المسيحية، فنحن نعلم أن
стр. 259
صديق البطريرك الأنطاكي وهو «سيفيروس» يعترف دون خجل كيف أنه وصديقه كثيرًا ما اقترفا، أيام شبابهما في القرن الخامس الميلادي وفي الإسكندرية حيث كانا منضمين إلى هيئة مسيحية، كثيرًا من الآثام والجرائم الخلقية ضد العلماء الوثنيين وضد دور عبادتهم، فقد كسرا أنصاب آلهتهم وخربا معابدهم، وهكذا مجد مراكز الثقافة الهلّينية يختفي الواحد بعد الآخر. ففي عام ٥٢٩ م أقفلت آخر مدرسة للفلسفة في أثينا، وفي عام ٦٠٠ م احترقت في روما المكتبة التي أسسها «أغسطس»، كما حرم تدريس أدبيات الأقدمين وعلومهم وبخاصة الرياضيات، وهدمت حتى بقايا المباني القديمة. ولما تقدم العرب نحو الإسكندرية ودخلوها عام ٦٤٢ م لم تكن بها منذ زمن بعيد دور للكتب سواء كانت هذه الدور كبيرة أو صغيرة. والتهمة التي ألحقت بعد خمسة قرون بالقائد العربي عمرو بن العاص بأنه هو الذي أحرق مكتبة الإسكندرية الكبرى محض كذب وافتراء، وقد اخترعت هذه الفرية لتساق كمثل من أمثلة الأعمال البربرية والوحشية العربية، وقد ثبت اليوم بالأدلة التي لا تقبل شكًا أنها أكذوبة الأكاذيب.
فهذا الفاتح العربي، الذي فتحت له الإسكندرية أبوابها، قد جاء في طريقه بكثير من الأعمال التي تدل على التسامح العربي الأصيل، فقد منع تخريب البلاد وتدميرها، كما سلك مسلكًا غريبًا حثًا على الشرقيين الأقدمين والمسيحيين. «لقد منح سكان البلاد الحرية الدينية في هذا العهد الذي هو مثال عربي حي للعهود والمواثيق العربية التي تعني بالسلام، فقد شملت تلك العهود جميع الرعايا المسيحيين والقسيسين والرهبان والراهبات. لقد منح الإسلام الشعوب المغلوبة الأمان والحماية حيثما دعت الحالة إلى ذلك، كما انصرف عهد الأمان هذا إلى كنائسهم ومساكنهم ومزاراتهم والذين يقصدونها مثل: الجيورجيين والأحباش واليعقوبيين والنساطرة وجميع الذين يؤمنون بالنبي عيسى فجميع هؤلاء يستحقون العناية، وذلك لأنه سبق للنبي محمد أن آمنهم بعهد عليه خاتمه، كما حذرنا من ألا نكون رحماء معهم ونؤمنهم على حياتهم وممتلكاتهم. إن هذه ليست وعودًا جوفاء».
стр. 260
شعار المنتصر
﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] هكذا يقول القرآن الكريم. فلن يجول في خاطر العرب أن يكرهوا الشعوب الخاضعة لهم على اعتناق الإسلام، فالمسيحيون والصابئون والبارس واليهود الذين عاشوا قبل الإسلام بمائة عام تحت حكم ملكهم يوسف ضربوا أقصى الأمثلة وأبشعها فيما يتعلق بموقفهم من أصحاب العقائد الأخرى وجميع هؤلاء قد منحهم الإسلام حق ممارسة عباداتهم.
لقد احتفضوا بدور عباداتهم وأديرتهم وأساقفتهم وربانيّيهم. هذا عجيب حقًا، إن مثل هذا لم يقع من قبل، من هو الإنسان الذي لا يستنشق نسيم الحرية بعد الحكم البيزنطي الجائر القاسي، وبعد هذه الاضطهادات الشنيعة التي جرت في إسبانيا والاضطهادات المتواصلة التي قاسى اليهود الكثير من أهوالها؟ إن المسلمين السادة الجدد حماة البلاد وحكامها لم يتدخلوا في مسائل رعاياهم الداخلية؛ إنهم عادلون هكذا كتب بطريرك القدس في القرن التاسع إلى بطريرك استنبول: والمسلمون لا يظلموننا أو يضطهدوننا. إنهم يمنحون مختلف أفراد رعاياهم من أصحاب العقائد الأخرى كل حرية في تأدية فرائضهم الدينية أو حقوقهم المدنية متى دفعوا الجزية وأطاعوا أولي الأمر. فالمسلمون جاءوا ليحكموا لا ليبشروا لكي يخرجوهم من عقائد الأصلية. إن المنتصرين قد شكوا من كثرة دخول غير المسلمين في الإسلام وذلك بسبب الجزية ونقصانها، هذه الجزية التي كان يدفعها غير المسلمين فقط.
لكن هؤلاء أرادوا أن يتساووا بالمسلمين اقتصاديًا واجتماعيًا، لذلك سارعوا إلى
стр. 261
الدخول في دين الله أفواجًا. وهكذا بدون استخدام قوة أو ضغط أخذ يختفي المسيحيون اختفاء الجليد في الشمس، وفي العصور الإسلامية المتأخرة حيث كان المسلمون مزيجًا غريبًا في مختلف الشعوب أخذت تظهر بعض النعرات الدينية التعصبية. أما العرب الخوض فقد كانوا بعيدين عن الخوض في مثل هذه الخصومات.
وهنا نجد التسامح الإسلامي العربي الذي هو مضرب الأمثال يتجلى لنا في صورة تخالف كل المخالفة هذه الصورة التي يتجلى لنا فيها تعدد الآلهة عند الرومان المتأخرين الذين وجدوا مكانًا في مجمع آلهتهم لكل إله مهما كان أصله ونوعه. إن صبر العربي واحتماله وموقفه النبيل من خصومه دينًا وعقيدة له أصوله وجذوره البعيدة التي تتجلى لنا في الفتى العربي القديم. الفتى العربي الجاهلي. تضحية حتى الموت، تضحية لا تعرف حدًا أو ترددًا، وكانت هذه المعاملة الكريمة يتمتع بها الضيف كما يتمتع بها أقرب المقربين إليهم. فنحن نعلم أنه إذا ما أقبل الضيف الأجنبي والذي قد يكون عدوًا للقبيلة فإنه سرعان ما تحتضنه القبيلة وكأنه عضو منها تسري عليها عهودها ووعودها التي تكون القبيلة قد قطعتها على نفسها تعمل بمقتضاها وتحترم نصوصها، وقد يكون هذا الضيف ألد أعدائها.
ولما جاء الإسلام أعفى القبيلة من التزامها لأفرادها وحل هو محلها، أعني محل القبيلة، كذلك هذه المعاملة التي كان يلقاها الضيف من أفراد القبيلة لأسباب بدهية تولاها الآن الإسلام والجماعة الإسلامية، ومن ثم نجد الإسلام ينتهي إلى إنسانية لا حدود لها. لقد أصبحت الفتوة التي يعامل بها حتى الأعداء.
إن هذه الفتوة العربية قد تجاوبت مع الفروسية الجرمانية وأثرت فيها أثرًا بعيدًا فهؤلاء الوثنيون (! ! ) النبلاء «كان النبيل منهم يتجاوز عن النصر الذي يحرزه بحد السيف»، هذا النصر الذي جاهد في سبيله، ويلقي السيف جانبًا ويقدم يده مصافحًا خصمه متجاوزًا عن العوائق القومية والدينية التي قد تكون قائمة، لذلك ليس بالعجيب أن نجد الفارس الجرماني «فولفرام فون أشينباخ» يشيد بفتوتنا العربية، ويقيم لها نصبًا عاليًا مخلدًا به جوهرها وعرضها
стр. 262
فقال، أولا «الوثني فيرفيز» هو الذي علم بطله «برسيفال» آخر مرحلة من مراحل الفتوة الحقيقية.
فهذه الإنسانية الصريحة وسماحة الفتوة والفروسية العربية في مظهرها البسيط الرقيق قد نظرت إليها الشعوب المختلفة والديانات المتعددة نظرة إعجاب وتقدير، لذلك سرعان ما أخذت تنتشر انتشار النار في الهشيم. فالفرق المسيحية النسطورية والمونوفيزيتية مثلا والتي كانت الكنيسة الرسمية، أعني كنيسة الدولة، تحرص على أخذ أفرادها بالصرامة. أخذ أولئك الأفراد يتحررون تدريجيًا من استعبادين: استعباد الدولة واستعباد الكنيسة، كما بدأوا يتطورون ويتصرفون أحرارًا غير مقيدين، وكما أن الزهرة تتجه نحو الضوء الذي ينميها ويغذيها ويبعث فيها الحياة، كذلك أصبح المغلوبون على أمرهم يعملون للانسجام مع حكام البلاد الجدد محتفظين مخلصين لعاداتهم وعقائدهم.
فقد أخذوا اللغة وسموا أبناءهم أسماء عربية، ومع مرور الزمن أخذوا يقتبسون مسلم وملابس وعادات العرب وطباعهم، حتى إن الطبيب في بعلبك والتاجر في الموصل والمشرع في غرناطة كانوا يلتقون جميعهم في أسواق القاهرة وحوانيتها كما لو أنهم جميعهم أبناء شعب واحد.
ولم يحدث ما حدث نتيجة لضغط أو تنفيذًا لأوامر بل هي الرغبة الملحة في الاندماج في عالم المنتصرين. إن حمل الاسم العربي إلى جانب الاسم الأول المتصل بالعقيدة كان فخر المسيحي أو اليهودي أو المجوسي، وليكن الاسم عبد الله أو محمدًا.
وقد كانت هذه العادة متبعة منذ القرن العاشر، ولو أن المسلم لم يفرح في الواقع لاستخدام غير المسلمين لهذه الأسماء العربية الإسلامية المقدسة، ففي استخدامهم لها تجريد لها من قدسيتها.
ولو أن الشعوب المغلوبة على أمرها -عدا البربر والأسبان- كان أبناؤها أصحاب ثقافة ومدنية أرفع وأبعد من ثقافة العرب ومدنيتهم، فإن العربي المنتصر كان في
стр. 263
أعين الأغلبية الساحقة -مع استثناء الفرس المثقفين والمدركين لمنزلتهم- ليس الشخص الذي لا أصالة له ولا مكانه له. فنبل العربي وتهذيبه الطبيعي ووجاهته التي تثير الإعجاب وجميع هذه الصفات التي يتحلى بها أثارت إعجاب هذه الشعوب كما أثرت فيها تأثيرًا بليغًا. ثم إن شعوره بكرامته هذه الكرامة التي ارتبطت بسيادته التي ولد بها كانت كافية لأن تخبر هذه الشعوب على اتخاذه مثالا يحتذى حتى إن كل فرد كان يبذل قصارى جهده للتشبه به أو اللحاق به وبلوغ مكانته الاجتماعية لكي يقال عن هذا الشخص إنه عربي أو مسلم. وهذا الطموح كان دعاية كبرى للعقيدة الإسلامية وهي دعاية لم تقم بها أو تدعو إليها حركة تبشيرية، فأقبل على الإسلام خلق كثير.
والذي يؤمن بالإسلام يجب أن يقرأ كلام الله ويرتله في اللغة التي نزل بها الوحي، يجب أن يكتب ويتكلم ويقرأ لغة القرآن الكريم، لغة الشعراء الأقدمين، لغة المنتصر. وبالإضافة إلى جميع ذلك يجب أن نذكر الحقيقة الآتية التي قد يغفلها الإنسان، إن المنتصر صاحب هذه اللغة، أصبح ومنذ زمن بعيد ليس هو الذي ينتمي إلى هذه الطبقة الصغيرة الفاتحة فقط، ففي كل هذه القرون الطويلة نجد العرب يرحلون من الصحراء سائرين في طرق الفتوحات ولا يقفون عند مرحلة من المراحل بل أصبحوا كالموج تدفع الموجة الأخرى، وهكذا أصبح العالم وهو يواجه موجات البدو تتدفق غير منقطعة وتتبع كل موجة ووجهة الجميع شمال إفريقية وصقلية وإسبانيا. وهنا نجد العرب يستخدمون سكان تلك البلاد الأصليين في مختلف الحرف والهن، فعملوا كفلاحين وصناع وتجار وموظفين ومعلمين وعلماء بعد أن تعربوا وتطبعوا بالطابع العربي.
ثم ظاهرة أخرى ألا وهي أن لغة الدواوين أصبحت عربية، وكذلك لغة التقاضي والسياسة والتخاطب والتجارة والمواصلات والمجتمعات. فمن ذا الذي يستطيع أن يخرج عن هذه الحالة؟ من ذا الذي لا يبهره جمال اللغة وجرسها ونغمتها الحلوة؟ حتى الجيران قد سحرتهم العربية كما هو الحال مع الأساقفة الأسبان الذين كثيرًا ما شكوا من هذا الوضع مر الشكوى وحتى غير المسلمين كانوا
стр. 264
أطوع إلى تعلم العربية ودراستها والعناية بها من غيرهم كرعاية لهذه الدولة العربية.
وماتت اللغة القبطية، والآرامية لغة يسوع المسيح أخذت تفسح الطريق أمام لغة محمد، كما اضطر الباباوات إلى إصدار القرارات والمراسيم الدينية إلى الأقليات المسيحية في الأندلس في القرن التاسع مترجمة إلى اللغة العربية؛ وذلك لجهلهم اللاتينية. وحتى بعد استرداد إسبانيا وجدت الكنيسة نفسها مضطرة إلى ترجمة العهد الجديد إلى العربية اللغة التي يفهمها المسيحيون بعد تحررهم.
فلغة القبيلة أصبحت في غضون قرن من الزمان لغة عالمية. لكن اللغة شيء آخر غير أن تكون مجرد وسيلة من وسائل التفاهم، لقد اكتسبت صيغتها وكيانها عن طريق الجماعة وهي بدورها تؤثر وتعمل في تكييفها وتكوينها، فقد عرفت كيف تكوِّن أفكارها وتعبيراتها وصيغها. وبالاختصار عرفت اللغة كيف تكوِّن العقول وتكيفها. إن اللغة العربية تعبر عن الحياتين المادية والروحية وتطبع كلا منهما بطابعها الخاص كما أنها جانست بين سكان القارات الثلاث وخلقت منهم خلقًا متجانسًا ذا طابع واحد خاص، وحتى الأجانب مثل الترك والسلاجقة والمماليك والتتار عندما آل إليهم السلطان خضعوا جميعهم لحمًا ودمًا للثقافة الإسلامية واللغة العربية وللحياة الإسلامية جسديًا وروحيًا. إن القوة الخالقة لهذه الحياة الروحية قوة جبارة حقًا فلا يوجد شاعر عربي استطاع أن يلبس العربي والشعور بالحب العربي الثوب اللائق استطاعة ابن حزم الفيلسوف العربي وصاحب النظريات العنيفة في الغزل العربي، وابن حزم كما نعلم ينحدر من أصل غوطي غربي وتجري في عروقه دماء غوطية غربية، نغم إن ابن حزم كان عربيًا أصيلا في شعره قرض شعرًا عربيًا كأحسن ما يقرضه شاعر عربي وكتب نثرًا عربيًا كأفصح ما يكتبه كاتب عربي. إن العبقرية الشاعرية والملكة النثرية والسيطرة على اللغة العربية لم تكن مقصورة على العربي، فهي موجودة في هذه الآثار الأدبية التي خلفها لنا الأدباء الذين انحدروا من أصل فارسي مثلا، فقد أغنوا اللغة العربية بالكثير من المصنفات الأدبية الرفيعة.
وقد كانت هذه الثقافة قوية خصبة منتجة فإبان الحكم المسيحي كانت الأديرة السريانية مقفرة مجدبة وكان رهبانها يحيون حياة من يعيش ليأكل، لكن لما أظلها
стр. 265
الإسلام بثقافته وحضارته أينعت وازدهرت، وإبان الدولة الإسلامية لم تكن الثقافة الفارسية هي التي جاءت إلى العالم بأمثال الرازي وابن سينا، لكنها الثقافة العربية هي التي أرضعت هؤلاء من لبانها وهي التي نشأتهم النشأة العلمية بالرغم من أنهم انحدروا من أصل فارسي.
والآن نجد العلماء من مختلف العقائد يعملون معًا ويبنون متساندين متعاونين الحضارة العربية والثقافة العربية والعلوم العربية. فكما نجد كتبًا وضعها مسلمون ومسيحيون ويهود وصابئون معًا وغزوا بها دور الكتب العربية، نجد تسامحًا عربيًا.
كذلك لم يحقر من شأن المسيحيين كمعلمين ودخل هذا التسامح إلى مدارس الوثنيين للاغتراف من ينابيع المعرفتين اليونانية والهندية.
وهذا يتفق تمامًا والحديث النبوي الشريف: «طَلَبُ الْعِلْمِ عِبَادة». «العِلم فريضة على كل مسلم ومسلمة» هكذا جعل النبي ﷺ طلب العلم فريضة دينية «اطلبوا العِلم من المَهد إلى اللَّحد». هكذا نجد النبي ﷺ يحرص دائمًا على توجيه المسلمين إلى العلم فطلب العلم أجره أجر الصوم وتعليم العلم يقابل الصلاة، والنظر إلى الوجود وعظمته يقوي إيمان العربي وخشوعه فالعلم يهدي إلى الإيمان «ولو في الصين»، وقد حرص النبي ﷺ على إخراج المسلمين والإسلام من الحدود الجغرافية الشعبية الضيقة إلى الكون: فالعلم وطلبه عبادة فجميع المعارف مصدرها الله وإليه تعود لذلك قيل: «اطلبوا العلم من أي منبع». في سبيل الله اطلب العلم ولو من شفاه غير المؤمنين. ألم يقل الله إن علم الدنيا غباء؟ ويتساءل بولس الرسول على النقيض قائلًا: يوجد مكتوب أريد أن أهدم حكمة الحكماء وأحطم عقل العقلاء: «إن البغاء الموجود في الوجود اختاره الله وهذا يسيء إلى الحكماء».
رأيان. عالمان يفترقان افتراق الماء والنار وهما يعينان الطريقين المتضادين للحياة العقلية في الشرق والغرب؛ لذلك يتسع أخيرًا الفرق بين الثقافة العربية الرفيعة والمستوى المدني المعاصر في أوربا المسيحية. فماذا تفيده جميع حكمة الوجود أمام حكمة الله. إن المثل الأعلى الذي يتطلبه بولس هو مثل آخر ليس أقل إلا أنه يهدف
стр. 266
إلى غاية أخرى إلى حقيقة أخرى. «إني أحترم معرفة الله والروح» هكذا حدد «أوجسطين» قطب المعرفة، وإن النظر إلى الحقيقة نظر إلى الله، وهي ليست في حاجة إلى مساعدة خارجية، وإن المصدر الإلهي الوحيد عند المسيحيين هو الوحي، فقصة الخلق ذكرت كل المعلومات الضرورية حول السماء والأرض والجنس البشري. ووجود أشياء معارضة لهذا أو لا تتفق وهذه المعلومات لا يمكن أن توجد كما قرر «أوجسطين»، وذلك لأن الكتاب المقدس لم يذكر بين أبناء آدم جنسًا من هذا الصنف.
لذلك يجب أن تحل اللعنة على الفكرة القائلة بكروية الأرض: «هل هذا ممكن؟ » هكذا سأل معلم الكنيسة «لاكتنتيوس» وقال: «كيف تبلغ البلاهة بالناس حدًا كهذا ويعتقدون في مثل هذه الخرافة؟ كيف يعتقدون أن دولا وأشجارًا تتدلى من الجانب الآخر للأرض»، وإن سيقان الناس أعلى من رؤوسهم؟ فقد اعتقد بعضهم أن الأرض عبارة عن تل تدور حوله الشمس بين الصباح والمساء.
ويعتقد «هربانوس موروس» أن الأرض عبارة عن فلقة مستديرة كالعجلة يلطمها المحيط. وهكذا نجد التقدم الذي بلغته الإنسانية منذ قرون عديدة يختفي ويتلاشى وتعود عصور السذاجة إلى الظهور من حيث النظر إلى الوجود نظرة تحيطها الخرافات وعوامل السحر والشعوذة.
كذلك حلت اللعنة أيضًا واللعنة القوية على كل من يفكر في قانون النسبية لتعليل الظواهر الطبيعية، وليست اللعنة فقط بل الكفر بالله، كذلك كافر كل من يربط بين ظهور النجم أو الفيضان أو ولادة غير طبيعية أو شفاء كسر في الساق وبين الأسباب الطبيعية، وتعليل حدوث هذه بتلك حتى ولو كان هذا من صنع الله كعقوبة أو قصاص أو من عمل الشياطين أو أن هذا الحدث معجزة من المعجزات.
هل القوى العقلية وقد استولت عليها الرغبة القوية في سبيل معرفة الله تتيه في هذا البحر الإلهي؟ أو هل تستطيع أن تشد أبنية شامخة من الفلسفة والتعاليم الفلسفية تحت سماء اللاهوت وقد شملت هذه السماء كل شيء وأصبحت تعلو شامخة وكأنها قبة زرقاء؟ لذلك كانت الكنيسة في ظلال هذه الأبنية التي تناطح
стр. 267
السحاب سببًا في انحطاط المستوى العقلي فيما يتصل بالعلوم المتعلقة بالأرض وكل ما هو أرضي. فبعد أن كان العقل البشري يعيش في الكلمة «اللوجوس» اليونانية الواضحة الوضاءة انحط العقل إلى جو ملبد بالغيوم والضباب وعدد لا يحصى من الخرافات والشعوذة وقد أعمت هذه الخرافات أبصارنا فغطت عيوننا غشاوة حجبت عنا إدراك كنه الوجود. وقد استولى هذا الوضع الجديد لا على تفكيرنا الداخلي الباطني فقط بل أهمل إهمالا كليًا العناية العقلية بالسواد الأعظم للبشرية، فقد اكتفى ذلك العصر وتلك الحالة بالسياحة في مجالات الخيال المستمدة من اللاتينية البربرية المأخوذة عن القصص اليوناني والأساطير الشرقية القديمة المتصلة بأخبار القديسين وسيرهم، وبهذا قويت العقيدة والإيمان بالخوارق على حساب التفكير العقلي السليم.
إن الكنيسة والرهبنة تؤثران في المجال الروحي، ولكن فيما يتصل بالمجال الدنيوي لم تنقذا الثقافة بل غالبًا ما عطلتاها وعوقتاها. لقد كانت لدى الكنيسة والرهبنة نفس الوسائل، بل أفضل من تلك التي كانت لدى العرب فقد كان تحت تصرفهما هذا التراث العظيم فلو استغلتاه وطورتاه لعاد عليهما وعلى الإنسانية بالنفع العظيم. فالنصوص والكتب القديمة متوفرة بكثرة هائلة بخلاف الحال عند العرب، فحتى القرن السادس الميلادي كان في أوربا عدد كاف من الرجال الذين كانوا يجيدون اليونانية، فالعلوم العقلية التي وجدت طريقها إلى أوربا في القرون الأولى عن المثقفين الرومانيين كانت جديرة بالترجمة والتحقيق، وكان في أوربا من يقدر على النهوض بهذه الرسالة، ولم يكن هؤلاء المترجمون أقل من أولئك الذين نهضوا بهذا العبء إبان خلافة بغداد أو دونهم.
لكن العقلية اليونانية كانت غريبة على عقليتهم، ليس بسبب جهلهم الأشياء التي هي ذات فائدة لهم؛ فقد أخذ أسقف قيصرية حوالي عام ٣٠٠ م مدرس الدين «أويزبيوس» والعلماء الطبائعيين من الإسكندرية وبرجامون الذين أضاعوا وقتهم سدى، وهو لا يرى قيمة لمجهودهم، لذلك يدعو إلى التوجيه لما هو أهم وأنفع؛ وهذه الفكرة هي بعينها التي نجدها في القرن الثالث شعر ونادى بها
стр. 268
«توماس فون أكوين» فقال: «إن أقل حظ من المعرفة المتصلة بالأشياء العليا يحصل عليه الإنسان أهم وأنفع من المعرفة والعلوم المتصلة بالأشياء الوضيعة الدنيئة»، فالتفكير اليوناني قد بدأ لدى المسيحيين وكأنه جدير بكل لعنة لذلك لم يكتف المسيحيون بالابتعاد عنه بل أخذوا على عاتقهم تخليص الإنسانية منه بالقضاء عليه وإبادته. لذلك اضطرت أوربا أن تبدأ من الأول بالثقافتين القديمة والهلّينية وقد بلغنا درجة الكمال. والذي وصل إلى الأديرة منسوخًا أو مجموعًا كان في حالة سيئة بحيث أصبح كافيًا فقط لأولئك الذين يرضون بهذه القلة الضئيلة. أما الآداب الشعبية فلم تستفد من هذا التراث شيئًا ولا سيما أنه امتداد أو مستمد من تلك العقلية التي انتهت إلى أولئك المعجبين. وبالرغم من هذا بدا للرؤساء حرمان رجال الدين والرهبان من قراءة هذه النصوص المتصلة بالأمور الوضعية. وفي عام ١٢٠٩ ذكر المجمع المقدس في باريس أن الرهبان يرتكبون أمهات الخطايا إذا ما قرأوا كتبًا تتصل بالعلوم الطبيعية. فهذه الأغلال التي ضربت حول العقول قضت على كل تفكير عقلي في مهده كما أنكرت على العقول القيام بأي نشاط مستقل، لذلك عوقته كما كذبت أي نشاط عقلي يتعارض وتعاليم الكنيسة.
والآن نستطيع أن نفهم وندرك كيف غطت أوربا قرابة ألف عام في نوم عميق، ثم مضت فترة أخرى حتى أفاقت من غفلتها وبدأت تنفض غبار النوم عنها، هذا مع ملاحظة أن العرب المسلمين سبقوا أوربا إلى هذه النهضة بنحو قرنين أو ثلاثة فنموها وهذبوها وطوروها، وأن عبارة «هيجل» الخاصة ببوم مينرفا التي تطير فقط عندما يحل الظلام تنطبق حقًا وتصدق على العلوم اليونانية إبان عصر التدهور اليوناني، وذلك في العصر الهلّيني، كما ينطبق هذا القول أيضًا على ألف عام التي قضتها أوربا في غياهب الجهالة. لكن فيما يتصل بالنهضة العربية فمثل عبارة «هيجل» لا تصدق حيث نجد، وبصفة استثنائية، العلوم ليست فاكهة متخلفة حملتها الشجرة بعد أوان الطرح.
لقد ظهرت هذه النهضة العلمية بغتة. وذلك بمجرد انقضاء القرن الأول
стр. 269
الإسلامي، قرن الفتوحات وانتشار الدين الإسلامي وكتاب الله، القرآن الكريم، ففي تلك اللحظة انبثقت العلوم والمعارف وتفتحت البراعم بعد جفاف فصل الشتاء وظهرت العلوم العربية. وبعد فترة وجيزة من الزمن عمت العالم وأصبحت ثقافة عالمية.
ثم سرعان ما نجد الإسلام الفتى يندفع في كل اتجاه منحرف أو ضعيف أو يصطدم مع العقائد الأخرى. ففي مكان ما نجد ممثلي العقائد المحافظة ينبرون للدفاع عن عقائدهم. وفي مكان آخر تنقسم الجماعات شيعًا وأحزابًا حتى المحافظين، وتأهبت كل جماعة للقضاء على الأخرى، ونجد الإسلام الفتى لا يقف من هذه الخصومات وتلك الخلافات الدينية مكتوف اليدين بل يقتحم المعركة وينازعها فلسفتها وعقائدها الدينية ويخوض هذه المعارك الكلامية والعقائدية والفلسفية.
وقد أفاد هذا النشاط الإسلام فائدة كبرى وذلك لأنه، لفائدته أو لضرره، كان في وضع يغاير وضع المسيحية المعاصرة له، فالإسلام لا يعرف لدى الله وسيطًا؛ ولذلك لا كهنوت أو كهنوتية منظمة قائمة ثابتة لها سلطانها القوي، وبخاصة في الظروف الحرجة، وعامة المسائل قد تكون موضوع خلاف كبير جدًا، لكن مجال الزندقة أضيق وأقل حتى في الحالات التي نجد فيها الخليفة محافظًا جدًا متماسكًا أو متسامحًا كخلفاء العباسيين من المنصور حتى المأمون. وحيث الاتجاه المحافظ يهيمن ويسيطر على التسامح الديني تتجمد العلوم سريعًا. ولما قضى المغول على الزعماء الدينيين؛ كما قضى عليهم الأسبان كانت التهمة الموجهة إلى رجال الدين الذين بلغوا مرحلة الاحتضار القضاء على الثقافة ومختلف الآداب والعلوم.
وقد أدت هذه الخصومات والمجادلات الدينية إلى إحداث يقظة عقلية دينية حية حالت دون تجميد الإسلام، كما اضطرته إلى الاستعانة بمختلف العلوم والمعارف التي أدت بدورها إلى خلق قوى عقلية ما كانت بمنتظرة، فنجد الفرائض الدينية وما يتطلبه تنفيذها والعمل بها وبخاصة ما يتصل بالحياة اليومية: ضرورة علاج وشفاء ومنع انتشار الأوبئة في المدة الغاصة بملايين السكان، كذلك العمل على إيجاد أدوية جديدة وتجربتها، لذلك اقتحم العلماء العرب مملكتي الحيوان والنبات يروون
стр. 270
الأرض ويمسحونها ويحصون مواقع النجوم ومنازلها ووسائل معرفة الطرق والأسفار وتحديد الأزمنة والأمكنة. وباختصار الاهتمام بمختلف المواضيع درسًا وبحثًا وتعمقًا حيثما كان وكيفما اتفق.
ونجد العرب يقبلون غير هيابين على ما ورثوه، فما يفيدهم منه علمًا وتحصيلا تمسكوا به وحافظوا عليه، فنجدهم يلتقون بثقافات مختلفة إلى جانب الهندية والفارسية والصينية، وكذلك اليونانية والإسكندرانية.
لكن ما وجده العرب لم يكن كافيًا لسد حاجياتهم وإشباع رغباتهم وإرضاء مطامعهم وطموحهم. فالعرب يحرصون على الحصول على كل ما يمكن الحصول عليه وتحصيله، وهكذا اندفعوا يبحثون وينقبون ويستعينون بالبعوث المختلفة من علمية وسياسية.
стр. 271
عملية إنقاذات قيمة تاريخية
الكتاب وسيلة لخدمة السياسة. العلم سفير للسلام. أين ومتى وجدت هذه المعاني وتلك الوسائل من قبل أو من بعد؟ وبهذه الكثرة؟
وكم كان شغف العرب بالكتب عظيمًا، وبخاصة هذه الكتب المتصلة ببعض المواضيع المتصلة ببعض المواضيع الجامدة الجافة مثل: الهندسة أو علم القوى المحركة والطب والفلك والفلسفة.
وبينما نجد الدولة المنتصرة تطالب من الدولة المهزومة تسليمها الأسلحة والذخيرة والسفن الحربية كشرط أساسي لعقد معاهدة الصلح، إذ بنا نجد هارون الرشيد بعد انتصاراته في عموريا وأنقرة يطالب بتسليمه المخطوطات اليونانية.
وبينما نجد اليوم الدولة المنتصرة تطالب المهزومة بالمناجم والصناعة الحربية الهامة وكل ما يتصل بوسائل الهدم والتدمير والإبادة ووضع اليد على مختلف المخترعات، إذ بنا نجد المأمون يطالب عقب انتصاره على البيزنطي ميخائيل الثالث بتسليمه جميع المخطوطات اليونانية الخاصة بالفلسفة ولم تترجم إلى العربية بعد كتعويض لخسارة الحرب لأنها كما يقول الأسلحة العقلية التي يتسلح بها في سبيل السلام وتدعيمه.
والواقع أن الأمراء العرب كانوا كأنهم مجانين في سبيل الحصول على بردية أو مخطوطة مكتوبة على الرق. فما من شيء يكسب صداقتهم مثل الحصول على بعض المخطوطات القديمة، وعن طريق هذه المخطوطات يستطيع مرسلها أن
стр. 272
يتخذهم حلفاءه في حروبه ضد خصومه. ويكفي أن نتذكر ما حدث على البوسفور حيث أرسل إلى عبد الرحمن الثالث في الأندلس صندوق مملوء بالمخطوطات القديمة من بينها رسالة ديسكوريدس في الطب.
وقد أدى بيع التراث العقلي الوثني وإقبال العرب على شرائه إلى رفع ثمنه، فكانت البعوث الخاصة المزودة بكافة الصلاحيات والتفويض والحقائب الملأى بالنقود تترك بغداد إلى بيزنطة والهند، حيث نجد علماء تلك البلاد يقومون بدور السماسرة مثل البيزنطي «فوتيوس» الذي اجتذبه الحياة العقلية الرفيعة في البلاط العباس، حتى إنه فضَّل الإقامة في بغداد على العودة إلى بيزنطة.
كذلك كان الأمراء مشغوفين بالحصول على المترجمين الذين يترجمون لهم هذه المخطوطات، كما سار في ركب الأمراء كذلك الوزراء والأثرياء. وكانوا يدفعون الأموال الطائلة لأولئك الذين يتجولون لهم من العلماء الوسطاء في بلاد اليونان والأناضول، وحيث نزل الهلّينيون للحصول على بقايا التراث العقلي، هذه البقايا التي نجت من التدمير.
وكان القوم ينقبون على هذه المخطوطات تنقيبًا، فكانوا يعثرون عليها في أماكن غريبة مهجورة مظلمة تأوي إليها الفئران والعناكب، وتلك هي القاعات السفلى في منازل الإسكندرية حيث قد يعثر الباحث على مخطوطة خاصة بآلات القتال محفوظة بين حجرين مطبقين عليها وأكوام من الأحجار، كما قد يعثر المنقب على مخطوط آخر محفوظ في علبة مخبأة في جدار معبد سرياني. وفي الأنضول وعلى بعد مسيرة ثلاثة أيام من بيزنطة اكتشف محمد بن إسحاق مكتبة عظيمة في معبد كبير قديم له باب لم ير مثله حجمًا، وهو يتركب من صفقين (درفتين) من الحديد، وقد شيده اليونانيون في الأزمنة الغابرة عندما كانوا يعبدون الأفلاك والأوثان، كما كانوا يقدمون في هذا المعبد القرابين. ويذكر محمد الذي كان سفيرًا عربيًا في القصر البيزنطي أنه كافح كفاحًا شديدًا في سبيل الحصول على هذا الكنز العظيم، فقد رجا حاكم دولة الروم الشرقية أن يفتح له المعبد إلا أنه رفض إجابة هذا الرجاء، وذلك لأن أبوابه قد أغلقت منذ أن اعتنق البيزنطيون المسيحية، لكن
стр. 273
محمدًا لم يتحول عن رغبته وبخاصة أنه قد قدم لحاكم الدولة كثيرًا من الخدمات فرجاه محمد تحريريًا وشفويًا عندما اشترك مرة في مجلس من مجالسه، وأخيرًا وأمام هذا الإلحاح أمر الحاكم بفتح الباب لمحمد فكان هذا المعبد مشيدًا من الرخام وعلى جدرانه كتابات وشخوص ملونة ولم ير محمد مثل هذه الأشياء من حيث وفرة الجمال والفن. أما فيما يتصل بالمخطوطات فقد وجد به ما تنوء بحمله الجمال، وقد ذكر القوم أن عدد هذه المخطوطات قد يبلغ الألف ولو أن جزءًا منها كان ممزقًا والبعض الآخر قد أتلفته القرضة.
إن إنقاذ هذه المكتبة كانت له فائدة عالمية جسيمة فإنقاذها إنقاذ لحضارة وثقافة ماتت وانقرضت بل كادت تنسى ويعفي عليها الزمن، وبخاصة بعد أن انصرفت عنها عيون خالقيها السابقين واتجهت الآن إلى هدف آخر لا يمت إلى الدنيا بسبب.
أما البقية الباقية التي وصلتنا من هذه الثقافة فالفضل في هذا يرجع ولا شك إلى العرب وجريهم وراء المعرفة. ولم يصلنا من هذه الثقافة عن غير طريق العرب إلا النادر القليل الحديث ومن بيزنطية. وحتى هذا الذي جاءنا من بيزنطة عبارة عن نصب ناقص كتمثال بدون رأس «تورسو»، كما أننا لا نعلم تمامًا مدى أهمية هذا التراث القديم وكميته وكم ضاع منه. إننا نستطيع الاهتداء إليه عن طريق الموسوعات العلمية فقط.
стр. 274
الترجمة مجهود ثقافي
إن المخطوطات وغيرها التي أنقذها العرب لم تخزن في المتاحف والخزانات وحيل بينها وبين الهواء، بل بعثت بعثًا جديدًا، وانتقلت من حال النسيان والإهمال إلى الحياة ثانيًا فتية قوية، لقد عادت إلى الحياة لتكون في متناول يد كل فرد، وبالاختصار ترجمت.
لم تترجم هذه الكتب في لغة بعيدة عن تلك المألوفة عند الشعب، لم تترجم إلى لغة لا يعرفها إلا الكتاب والشعراء وغيرهم من اللغويين والفقهاء، أو بتعبير آخر إلى لغة قريبة من اللاتينية في القرن الثامن في أوربا، بل نقلت إلى لغة حية مستعملة ألا وهي لغة القرآن الكريم، وهذه هي الجذور الثابتة للثقافة العربية وهي التي عاونت على نموها وازدهارها. فكل مسلم يجل عليه أن يقرأ القرآن الكريم في اللغة العربية، كل مسلم يتعلم العربية ويتعرف إليها كما أن لكل مواطن من مواطني الدولة الحق في الاغتراف من ينابيع الحكمة والمعرفة ولا يعيش في عزلة عن المجتمع أو الشعب.
وحوالي عام ٦٨٧ م أيام العصر الأموي بدأت هذه الحركة، أعني حركة الترجمة، وقد عاصرها في أوربا «ببين فون هريستال» وهو والد «كارل مارتل» الذي قفز من وظيفة مدير لقصر الملك إلى حاكم حقيقي لفرنسا.
وحدث في ذلك الوقت أن الأمير الأموي خالد بن يزيد اضطر إلى التنازل عن
стр. 275
العرش في دمشق فأصيب بصدمة نفسية ألجأته إلى احتضان العلوم، لكنه خجل أن يتصل بأصدقائه الكتب في لسان أعجمي، وخالد بن يزيد كفرد من أسرة امتازت بمناصرة العلم والأخذ بيد العلماء وجد لزامًا عليه أن يستدعي علماء من اليونانيين والعرب من الإسكندرية ويكلفهم ترجمة أمهات الكتب الموجودة في اليونان أو مصر إلى لغة الدولة، وبذلك يستطيع الحديث في لغته مع ضيوفه من العلماء.
فهذه الخطوة التي بدأها هذا الأمير في دمشق تسلية وعزاء أتمها بعده الخلفاء العباسيون في بغداد خدمة للإسلام والمسلمين. فقد أمر المنصور كما جاء في كتاب عقد الآلئ فيما يتعلق بالكتاب الهندي «سيدهنتا» أن يترجم إلى العربية ويؤلف كتاب على نمطه في العربية ليتعلم العرب منه حركات النجوم، والواقع أن ما طلب حكام العرب تنفيذه اقتناعًا منهم بفائدته قد نفذ كاملا غير منقوص.
فعملية الترجمة كانت تؤدى بعناية ودقة وحماس لا يقل عن هذا الاهتمام الذي وجه إلى جميع الكتب التي جمعت من مختلف مصادرها، فقد استدعى هارون الرشيد مختلف العلماء الذين يجيدون مختلف اللغات وكوَّن منهم هيئة علمية تحت إشراف يحيى بن ماسويه مهمتها تقدير التعويضات التي يجب أن تدفعها الشعوب المهزومة، وهذه التعويضات يجب أن تكون كتبًا. ثم جاء المأمون وكوَّن مجمعًا علميًا حقيقيًا للقيام بأعمال الترجمة. وقد نسج على منواله الذين جاءوا بعده وحاولوا منافسته، فأبناء موسى بن شاكر الفلكي الثلاثة أنفقوا كثيرًا من الأموال في سبيل جمع الكتب وترجمتها، فكانوا بذلك مثالا حيًا للآخرين مثل الطبيب البعلبكي «قسطا بن لوقا».
ومن الأمثلة الأخرى الشهيرة للنشاط العظيم الذي بذل لإحياء التراث القديم هو ذلك الذي أداه ابن الصيدلي حنين بن إسحق، وهو أحد أبناء القبيلة العربية التي كانت قد اعتنقت المسيحية واشتهرت باسم «العبادي» وكانت تقيم حول الحيرة العاصمة التجارية القديمة على الفرات، وكانت في عصر مّا المقر الملكي للخميين العرب، وكانت تمر بها القوافل التجارية العربية مجتازة ما بين النهرين.
стр. 276
وتاريخ حنين يبدو كأنه مثال يحتذى، إنه تاريخ وإن كان في الواقع تاريخ إذلال وانتقام، إذلال من جهة الاستعلاء الفارسي على الشعب العربي المنتصر، وهذا الاستعلاء وذلك الإذلال أصابا حنينًا سليل قبيلة العبادي، وهذه المعاملة بالذات هي التي دفعته إلى بلوغ صولجان القوة العربية العلمية للعروبة الفتية.
والمسافة بين الحيرة وبغداد تبلغ أكثر من تسعين كيلو مترًا، ولبلوغ عاصمة العباسيين ما على الإنسان إلا أن يمتطي أمواج الفرات متجهًا شمالا ليبلغ مدينة أحلامه الرابضة على دجلة. هكذا أجاب الإنسان حنينًا عندما وجه مائة سؤال إلى رجال القوافل وتلقي حنين مائة إجابة. لقد ولد حنين عام ٨٠٩ م وهو العام الذي توفي فيه هارون الرشيد، وقد أثارت الأواني والأجهزة التي كانت موجودة في معمل والده انتباهه واسترعت نظره، لكن هذا الطفل النجيب النحيف لم يعجب بهذه الأجهزة الإعجاب الذي جعله يتجه إلى مهنة والده بل آثر التجارة عليها محتذيًا حذو أنداده.
وفي يوم من الأيام نجد صديقه القديم «حبيشًا» دليل القافلة يبدي رغبته لحنين ابن الصيدلي إسحق في أنه مستعد لنقله معه إلى عاصمة الدولة العباسية مقابل إعطائه مرهمًا من الكافور لعلاج دمل. وفي ذلك الوقت كان بيت الطبيب ورئيس التراجمة أيام هارون الرشيد والمأمون، وهو الفارسي جنسًا، ومن جنديسابور مولدًا، واسمه يحيى بن ماسويه -ملتقى كبار علماء بغداد-، وأراد حنين أن يصبح طبيبًا فأقبل وهو في سن الخامسة عشرة على العلم يرتشفه ارتشافًا مقبلا على أساتذته إلا أنه لم يكن طالبًا غبيًا فالأسئلة التي كان يوجهها إلى أساتذته كانت كالخناجر التي تمزق محاضراتهم. وكان ماسويه مشهورًا بنكاته التي ذاع صيتها في المدينة، كما اشتهر كذلك بلسانه السَّليط، فأهاجته مرة من المرات أسئلة حنين فصاح فيه قائلًا: «عد من حيث أتيت، ومن جهتي احترف حرف الصيارفة التي يحترفها أهالي الحيرة، واترك دراسة الطب هذه ليست مهنة العبادي».
فتأثر حنين من مثل هذه الإجابة وبكى بكاءً مرًا، وترك الدار بعد أن آلمه هذا الاحتقار الذي بدا من ماسويه، فقد كانت عباراته كالسياط التي ألهبته، فقرر أن
стр. 277
يصل إلى هدفه ويحقق رغبته في دراسة الطب وأنه لن يرى وجه رجل مثل ماسويه الذي أهانه واحتقره. فسافر إلى بلاد الروم، وفي الأناضول درس اللغة اليونانية حتى أتقنها ليستطيع قراءة كتب كبار الأطباء اليونان، وفي البصرة على الخليج الفارسي درس على أحسن معلم اللغة العربية وأتقنها، كما اهتم كذلك باللغة الفارسية وهو يتكلم منذ سن الطفولة.
ومضى عامان على الفتى العربي الحيري منذ أن خرج من أبواب بغداد الذهبية، وفي إحدى الليالي زار خليل بن عبد الله أحد زملائه في الدراسة، وهو من تلاميذ ماسوية الذين كانوا أقدم منه، صديقًا له فإذا برجل أجنبي ذي لحية سوداء يحبو دون أن يراه أحد وقد جلس القرفصاء على فراء حمل. ولم يسبق لخليل أن رأى هذا الرجل في شوارع بغداد، فانصرف عنه خليل ولم يعبأ به، وأخذ يتحدث مع صديقه حنين.
وبغتة ارتفع صوت يغني أشعارًا يونانية لهوميروس وأوديسيوس، وهذا الصوت يكشف القناع عن صاحبه وخليل يعرف صاحبه جيدًا. أما ذو اللحية فقد جلس ورأسه إلى الحائط المبيض، والمغني يغني أوديسيوس العظيم وهو وصديقه وزميله القديم «حنين بن إسحق». فإذا بالشخص الذي أصابه الفزع يرجو ألا يبوح بسره؛ إن رسالتي لم تنته بعد. . .
وبعد ذلك بزمن قليل التقي خليل بصديقه العجيب للمرة الثانية، وهذه المرة في منزل جبريل بن بختيشوع نقيب أطباء بغداد، وكان وجوده مدعاة إلى التعجب، فالشيخ الوقور الذي انحدر من أسرة اشتهرت بالطب وبالأطباء في جنديسابور يعامل هذا الشاب ابن السابعة عشرة ألا وهو حنين معاملة ممتازة؛ يعامل بها عادة الوقورين المحترمين، فكان يخاطبه بعبارة: المعلم حنين؛ وأكرمه في بيته كما يكرم أكبر وأعز ضيف.
إنه يدعوكم معلم! سأله خليل عندما تركا البيت، إن هذا عجيب وأود أن أعرف السبب، فأخبره حنين أن نقيب الأطباء كلفه بترجمة فأداها أحسن أداء. والآن شعر أن ساعة الحساب قد جاءت: خذ الأوراق وتوجه إلى يحيى بن ماسويه الذي
стр. 278
طردني سابقًا من درسه، وأخبره ما رأيته وسمعته من معاملة جبريل بن بختيشوع لي في منزله.
إن مثل هذه الترجمة ما كان إنسان بمستطيع القيام بها، ولعل روح القدس وقد حل بك وأوحى بها إليك؛ وأجابه ماسويه عند تصفح الأوراق: قل لي: حنين بن إسحق، يسعدني جدًا أن أكون صديقك. وشرع حنين في إلقاء محاضرات في الطب في بغداد، وحتى العالم بتختيشوع لم يخجل من حضورها والاستماع إلى صديقه الشاب، وأحيانًا كان يشاهد الإنسان أستاذ حنين من بين مستمعيه.
لكن هذا الشاب العربي اكتسب شهرة أوسع عن طريق مهارته في الترجمة، فقد امتاز فيها على ماسويه، كما أعجب به أبناء موسى، حيث امتازت ترجمة حنين بحسن الأسلوب ودقة الترجمة، فترجمته لم تكن حرفية أي كان لا يكتفي بإحلال كلمة أو جملة مكان أخرى إنما قصد في الترجمة المعنى، ومن ثم صبه في قالب عربي سليم. أما إعجاب محمد بن موسى بحنين فقد فاق الوصف، فقد أخذه إلى داره وعين له مرتبًا عاليًا لترجمة الكتب اليونانية التي جمعها هو وأخواه إلى العربية.
وسرعان ما شعر حنين بالحاجة إلى مساعدين فعين عددًا كبيرًا منهم لكن لم يخرج كتاب من معهده دون مراجعته وتنقيحه. فكل نص يقع في يديه ينظمه هو ولأول مرة ومن ثم يقسمه إلى أبواب وفصول وبخاصة كتب أمثال جالينوس، وبذلك كان حنين يؤدي خدمات جليلة إلى أولئك المؤلفين أنفسهم:
وهنا نجد مدى الفضل الذي قد يتفضل به المترجم على المؤلف، وهذا الفضل يتوقف على ميل المترجم وشغفه بالكتاب وفهمه وإدراك كنهه وحسن اختياره. فترجمته هي التي تفرض الكتاب على المجتمع وتمهد له الطريق إلى الأوساط العلمية والثقافية. فحب حنين لجالينوس هو الذي جعله يُتوجه ملكًا على عرش الطب العربي، وبذلك أصبح فيما بعد زعيم الطب الأوربي.
لكن النشاط الجم لهذا الطبيب والمترجم العربي جعله لا يقصر همته على الطب
стр. 279
فقط، فحنين لم يقتصر على الترجمة لجالينوس وأبقراط وأوريبازيوس، وديوسقوريدس وبول فون أجينا بل عرج على أرسطو وأفلاطون والترجمة اليونانية للعهد القديم، الترجمة السبعينية التي نقلها إلى العربية. إن ابن إسحق قد كرس حياته للمؤلفات الفلسفية والرياضية وما بعد الطبيعة أي الميتافيزيقا. وحنين بن إسحق على نقيض المترجمين اللاتين المتأخرين، فعالمنا العربي كان ملمًا بمختلف أنواع العلوم بقدر. فقد كان يجيد المادة التي يترجم منها حتى إنه كان يسمح لنفسه أن يشرح ويبسط العبارات العويصة التي يذكرها المؤلف، كما كان يقدم لكل كتاب يترجمه بمقدمة العالم الخبير ويعلق عليه ببعض الشروح والتفسيرات. وقد اشتهر حنين بدقته حتى إنه كان كما يذكر هو بنفسه، لا يقدم على الترجمة إلا بعد الحصول على ثلاث مخطوطات على الأقل من الكتاب المراد ترجمته، فيقابل بينها ويقوِّم نصها ويصححه إذا ما دعت الحاجة إلى هذا.
فأين هذه الدقة العلمية في العالمين القديم والوسيط عدا عند العرب حيث نجد الناشر يشعر بمسئوليته تجاه المؤلف ومدى احترامه وتقديره لثروة المؤلف العقلية؟ هكذا هو موقف العربي، وهو الموقف الذي يمتدحه الإنسان اليوم ويصفه كما لو أنه موقف حديث.
وكان حنين إذا ما افتقد نسخة من مخطوطة خاصة بجالينوس، وأن هذه المخطوطة كانت في عصره من المخطوطات النادرة لا يكتفي بهذا بل يقوم هو بالبحث عنها. إني في حاجة شديدة إليها، وسأسافر باحثًا عنها في بلاد ما بين النهرين والشام وفلسطين ومصر حتى أصل إلى الإسكندرية، لكني لم أوفق في الحصول عليها إلا هذا الجزء الذي قد يكون نصف المخطوطة وقد عثرت عليه في دمشق. وإذا عاد حنين ومعه هذا الجزء من المخطوطة النادرة التي ضاع أصلها اليوم أحضر معه كذلك عددًا كبيرًا من المؤلفات القيمة إلى بغداد. وفي تلك الفترة عينه المتوكل الذي خلف المأمون طبيبه الخاص ومديرًا لمدرسة الترجمة الجديدة التي أنشأها الخليفة.
وهكذا نجد العلماء العرب يحفظون للعالم عن طريق ترجماتهم الكثير من
стр. 280
الكتب من الضياع والضياع النهائي، وهي مؤلفات كان العالم يجهلها جهلًا تامًا لولا أن جاءته عن طريق الترجمة العربية مثل كتب: التشريح لجالينوس وكتب القوى المحركة والرياضيات للمؤلفين «هيرون» و «فيلون» و «مينيلاوس»، ثم بصريات بطليموس، والموازنة للمؤلف أويقليد، وأخرى حول الساعة المائية، والأجسام الطافية لأرشميدس. ثم هناك ثلاثة كتب حول قطاع الجلة للمؤلف «أبولونيوس» والذي أنقذها هو ثابت بن قرة الرياضي البارع والنطاسي العظيم الذي كان يزامل ابن إسحق بن حنين وحفيده الذي عالج الترجمة ونبغ فيها بعد أن مارسها زهاء عشرات السنين، وامتاز على سائر تلاميذه الذين جاوز عددهم التسعين.
ولم يكد حنين يفارق الحياة حتى كان قد ترجم معظم مؤلفات الأقدمين، ومن ثم بدأ النشر.
стр. 281
ولع بالكتب
في أعقاب الحرب العالمية الثانية انتشر انتشار الوباء الرغبة الملحة في الحصول على سيارة وثلاجة وتليفزيون، هذا بينما كان العالم العربي قديمًا شديد الولع باقتناء الكتب، فأقبل على شرائها كل من استطاع إلى هذا سبيلا كما انتشرت الرغبة في الشراء انتشار العدوى في جميع البلاد العربية، وكانت هذه الرغبة لا تفوقها رغبة أخرى اللهم إلا رغبة العالم الحديث.
وكما أن المستوى الاقتصادي والعقلي والاجتماعي للإنسان في عصرنا الحالي يتطلب امتلاك السيارة والتليفزيون، فإن المستوى العربي فيما بين القرنين التاسع والثالث عشر كان يقاس بالمكتبة الخاصة.
ولا شك في أن الخليفة عندما أشار عليه وزيره البرمكي، الدالاي لاما، الوحيد من آسيا، بتأسيس مكتبة في دار الحكمة ببغداد، استجاب لتوه إلى هذه المشورة وشعر بالحاجة الماسة إليها. فدور الكتب تنمو وتزدهر بسرعة. فقد حدثنا رحالة عام ٨٩١ م أن بغداد المطلة على دجلة مائة مكتبة عامة يستعين بها كل طالب علم سواء أكان مستعيرًا أم مطلعًا بداخلها، وبكل مكتبة المترجمون والنساخ في قاعاتهم الخاصة، كما توجد بكل مكتبة قاعة كبرى عامة للندوات والمناقشات وهي شبيهة بالأندية الإنجليزية اليوم.
ومدينة صغيرة مثل النجف كانت في القرن العاشر الميلادي فخورة لامتلاكها أربعين ألف مجلد في الوقت الذي كانت فيه الأديرة الأوربية تقيد هذا العدد القليل
стр. 282
من الكتب الذي قد لا يتجاوز العشرة في السلاسل نظرًا لندرتها وخوفًا عليها من الضياع. أما مكتبة مدينة الري فقد سجلت أسماء كتبها في فهرس يقع في عشرة مجلدات كبيرة وكان في كل مسجد مكتبة، وكل مستشفى يستقبل زواره في قاعته الكبرى الغنية بالكتب، ويحرص على شراء جميع ما يظهر من الكتب الطبية إشباعًا لحاجة الطلاب والباحثين. وفي مرصد «مراغة» يدون ناصر الدين الطوسي أربعمائة ألف مخطوطة، فنجد في جنوب بلاد العرب أميرًا عالما يملك مكتبة بها مائة ألف مجلد؛ ثم نجد ابن سينا ولما يبلغ الثامنة عشرة يزور سلطان بخارى المريض واسمه محمد المنصور استجابة لرغبة طبيبه الخاص بمساعدته طبيًا، فتقديرًا لمجهوده أذن له السلطان في أن يختار من مكتبة القصر ما يحتاج إليه من كتب للدراسة، وهذه المكتبة منظمة تنظيمًا موضوعيًا، كما تشغل غرفًا كثيرة من غرق القصر؛ وقد شاهد ابن سينا فيها كتبًا لا يعرف الكثيرون أسماءها، كتبًا لم يرها ابن سينا من قبل ولا من بعد.
وبعد أن ترك ابن سينا القصر السلطاني بزمن قصير شبت النيران في القصر فأتت على المكتبة، وكان هذا الحادث من الأسباب التي دفعت جماعة من حساده وأعدائه إلى اتهامه بأنه هو الذي أحرقها، وحتى يحتكر هو ما بها وينسبه إلى نفسه.
لكن أحدًا -حتى خليفة قرطبة الذي كان يوفد المبعوثين والعملاء لاقتناء أهم الكتب وأشهرها لمكتبته الخاصة استكمالا لها وتيسيرًا للعلم لطلابه- لا يقارن بالخليفة العزيز في القاهرة. فمكتبة الفاطميين كان بها زهاء مليون وستمائة ألف مجلد وفي حالة جيدة كاملة، ومن بينها ستة آلاف وخمسمائة كتاب في الرياضيات وثمانية عشر ألفًا في الفلسفة. وهذه المكتبة لم تثن ابنه عندما تولى الحكم عن تأسيس مكتبة أخرى إلى جوار الأولى وكانت تشغل ثماني عشرة قاعة.
وقد شجع هذا الاستعداد لدى الخلفاء والسلاطين الوزراء وغيرهم من رجال القصر على النسج على منوالهم، فنجد الوزير المهلبي يترك عندما توفي عام ٩٦٣ م نحو مائة وسبعة عشر ألف مجلد، وهذا العدد لم يكن نادرًا، كما نجد زميله ابن
стр. 283
عباد يقتني مكتبة من مئتين وستة آلاف مجلد كما خلف أحد القضاة مليونًا وخمسين ألف مجلد، ولو أن هذه الأرقام مبالغ فيها، وأن لفظ مجلد قد يطلق على فصل مستقل، إلا أن المبالغة في ذكر هذه الأعداد تشير إلى مدى المفاخرة باقتناء الكتب والأهمية التي كان يعلقها القوم على اقتنائها؛ وهذا الغرام باقتناء الكتب حقيقة لا مراء فيها بدليل هذا الخبر الذي يروي عن أحد الوزراء، أنه لم يقم يومًا من الأيام برحلة ما دون أن ترافقه مكتبته وكانت حمولة ثلاثين جملا. وقد قلد القيصر فريدريش الثاني العرب في هواية الكتب وتشجيع العلم والعلماء، ولا غرابة في هذا فالقصير فريدريش الثاني هو تلميذ العرب في كل شيء فحتى في تنقلاته كان يحمل معه مكتبته على ظهور الإبل. ولدينا الآن سؤال آخر؟
أين اليوم المكتبات الخاصة التي تشتمل كل واحدة منها على ما يتراوح بين عشرين وثلاثين ألف مجلد، كما جمعها من قبل أمثال طبيب صلاح الدين الخاص المسمى ابن المطران ثم الصيدلي الشهير ابن التلميذ وكذلك ابن القفطي المؤرخ؟ ولا يفوتنا أن نذكر أن الكتب لم تكن تطبع في ذلك الحين بل كانت تنسخ والنسخ قد يستغرق الأشهر أو السنوات، فهي لم تكن رخيصة بل غالية، فابن الهيثم مؤسس علم البصريات تناول خمسة وسبعين درهمًا أجرًا لنسخ جزء من أويقليد، وقد عاش ابن الهيثم عامًا كاملًا ينفق من نصف هذا المبلغ. وابن الجزار الطبيب الرحالة المرح، أحد أبناء القيروان، خلف مائتين وخمسين قنطارًا من الرق الذي كتبه بيده، وهذا الرق هو جلد غزال. ويحكى عن طبيب آخر خبر لا يقبل شكًا من أحد من معاصريه، أن سلطان بخارى دعاه إلى قصره فرفض الدعوة لأن انتقاله إلى بخارى يضطره إلى الحصول على أربعمائة جمل لنقل مكتبته التي تزن حوالي عشرة آلاف كيلو جرام. كذلك يحكى عن عالم آخر توفي عن ستمائة صندوق كتب في مختلف العلوم الفنون، ويقال إن حمل كل صندوق كان يتطلب عددًا كبيرًا من الرجال. نعم إن الإنسان قد يجد عددًا قليلًا من العلماء الذين يحتاجون إلى مراجع علمية خاصة، فهؤلاء كانوا يوجدون في مختلف العصور، ولو أنهم كانوا أحيانًا قلة. لكن الأمر عند العرب كان على عكس ذلك، فهواة الكتب كانوا كثرة وكانوا
стр. 284
يوجدون بين سائر الطبقات وليس فقط بين العلماء. فكل متعلم من السياسي إلى تاجر الفحم، ومن قاضي المدينة إلى المؤذن خبير بالكتب وتجارتها. فالمكتبة المتوسطة الخاصة في القرن العاشر كانت تحتوي على كتب تفوق بكثير محتويات جميع مكتبات أوربا وقتذاك.
فالثراء لا يتم لشخص دون ملكيته لمكتبة غنية بالكتب النادرة القيمة، فقد ذكر مؤرخ عربي أنه لما كان في قرطبة وقعت له حادثة في سوق تجارة الكتب أغضبته، وذلك لأنه اعتاد أن يكثر من التردد على السوق لمشاهدة الكتب الحديثة وشراء ما قد يحتاج إليه فوجد مرة كتابًا أعجبه فعرض ثمنًا وعرض آخر ثمنًا أعلى، فقلت لمنافسي: أرجو الله أن يحافظ على سيدنا الطالب المجتهد، إذا كان لديك سبب قوي يحتم عليك شراء هذا الكتاب أتركه لك، وذلك لأن الثمن المعروض تخطى الحدود. فأجابه الرجل: لست طالبًا ولا أعرف محتويات الكتاب إلا أنني قد أسست حديثًا مكتبة رفعًا لمرتبتي بين مواطني، ووجد أن مكانًا خاليًا في المكتبة، وهذا الكتاب يملؤه. وعلاوة على هذا فخط هذا الكتاب جميل جدًا وهو يسرني كثيرًا كما أنه مجلد تجليدًا فاخرًا، لذلك لا يهمني الثمن الذي أدفعه فيه. فأجبته: إن الناس الذين هم مثلك لديهم الوسيلة لتحقيق رغباتهم «الجوز للذي لا أسنان له»!
نعم إن الذين لا أسنان لهم كثيرون، لذلك ستستمر هذه الحالة لا عشرات السنوات بل المئات، وهذا عنصر هام من عناصر الحياة الاقتصادية العربية، فقد كانت تجارة الكتب تكلف المجتمع العربي ملايين الملايين سنويًا، فالمكتبة النظامية لجامعة بغداد مثلا كانت ميزانيتها السنوية مليونين ونصف مليون فرنك ذهبي لشراء الكتب والمخطوطات، لذلك كانت الكتب مصدرًا من أهم مصادر الرزق لمئات الآلاف من البشر.
فالنساخ والخطاطون كانوا فنانين في مهنتهم فكل مكتبة وكل تاجر كتب يوظف لديه عددًا من هؤلاء الموظفين ومعظمهم من الطلبة الذين يريدون أن يكسبوا قوتهم اليومي أو من فقراء المتعلمين، ثم نحد صناع الورق في سمرقند وبغداد ودمشق
стр. 285
وطرابلس الشام وطبرية بفلسطين و «ياتيفا» الشهيرة بالقرب من بلنسية في الأندلس، ثم نجد مجلدي الكتب يطبقون الورق على الطريقة الصينية مثنى ورباع وثمان وسداس عشر في الحجم المعروف باسم المنصوري أو كما يعرف الآن باسم «فوليو» والبغدادي وهو المعروف الآن باسم «كوارت».
وكما نجد اليوم الكتب كذلك الحال مع عمال الجلد فهم الذين كانوا يزخرفون جلد الكتاب. وكم رزمة ورق وكم لتر مداد من الكحل والصمغ العربي تستهلك سنويًا؟ وكم من ورق غزال أو ماعز يستخدم والرق الجميل والسختيان وغيرها؟
فتجارة الكتب والصيدلة مهنتان من اختراع العرب. فتاجر الكتب رسول من رسل الثقافة، كما أن مكان بيعها مركز ثقافي هام في المدينة. فهذه التجارة وجدت أولا لزمن طويل فقط عند العرب.
ففي سوق الوراقين هكذا كان يسمى الحي الواقع عند باب البصرة حيث كان يوجد أكثر من مائة وراق في محالهم -كان يلتقي علماء بغداد، وعلماء العالم الإسلامي. هنا يلتقي الفيلسوف مع الشاعر والفلكي حول الكتب الجديدة، وهنا التقى الطبيب مع المؤرخ وجامع الكتب النادرة، وهنا كانت تعقد حلقات المحاورات العلمية والندوات الأدبية، فهنا مركز الثقافة العربية، هنا يتبادل العلماء الآراء.
لذلك لا عجب إذا ظهر عام ١٠٠٠ م «كتاب تبادل الآراء»، وهو يشتمل على مائة حديث وستة جرت بين العلماء في بيت فيلسوف حينًا وفي سوق الوراقين أحيانًا.
وفي ذلك العصر ظهر فهرس ابن النديم، وهو من أشهر تجار الكتب كما كان من كبار العلماء، وفي هذا الفهرس ذكر سائر الكتب العربية الأصيلة أو المنقولة إليها من اللغات الأجنبية. وقد عرف كل مؤلف أو كل كتاب بمقدمة شخصية يعرف فيها القارئ بصاحب الكتاب. وقد قدم ابن النديم لهذا الكتاب بمقدمة تحدث فيها عن حيل الوراقين وآلاعيبهم.
وابن النديم كزملائه الوراقين على جانب عظيم من العلم والمعرفة، فقد حضر
следующие страницы →