شمس الله تشرق على الغرب
فضل العرب على أوروبا
تأليف
د. سيجريد هونكه
ترجمه وحققه وعلق عليه
أ. د. فؤاد حسنين علي
دار العلم العربي
стр. 2
شمس الله تشرق على الغرب
فضل العرب على أوروبا
تأليف
د. سيجريد هونكه
ترجمه وحققه وعلق عليه
أ. د. فؤاد حسنين علي
دار العلم العربي
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4
شمس الله تشرق على الغرب
فضل العرب على أوروبا
стр. 5
مقدمة الطبعة الثانية
للأستاذ الدكتور فؤاد حسنين علي
شمس الله
هذا هو الاسم الذي أطلقه مريدو «سيجريد هونكه» عليها بعد أن تقدمت الصفوف وحملت لواء العروبة عاليًا خفاقًا في كل مكان. إن كتابها «فضل العرب على أوربا» أو «شمس الله على الغرب» قد انطلق كالمارد عبر القارات والمحيطات متحديًا أعداء العروبة وخصومها؛ ففتحت له الجامعات أبوبها وحفلت مكتباتها ومكتبات المعاهد والمدارس بالعدد الوفير منه، كما ازدهرت به قصور الملوك ورؤساء الدول ومشايخ الإسلام ورجال الإفتاء، وفاضت الصحافة العالمية في مختلف لغاتها وأوطانها بالحديث عن العرب وفضلهم، وعن حبيبة العرب وعلمها الغزير.
ولم يكتف الكتَّاب بعرض الكتاب ومحتوياته، بل عنوا بتقديم الصور الناطقة لشمس الله في قاعة بحثها، والتي هي عبارة عن متحف عربي يضم الكثير من آثار العروبة وتراثها، وعلى كل قطعة من هذا التراث إهداء عظيم من عظماء العرب ورجالاتهم، وتقع هذه الدار التي أصبحت مزارًا لكثير من رجال السياسة والقلم في شارع «ناهيه فيج رقم ٢» في العاصمة المؤقتة لألمانيا. ومن الصور الطريفة أيضًا لشمس الله وهي بين أفراد أسرتها وتضم غير زوجها ابنًا وابنتين، أو هي تعزف على رباب عربي قديم، وقد أهداها إليها حاكم «زاجورا»
стр. 6
ببلاد المغرب أو غيرها من الآلات الموسيقية العربية المختلفة، أو وهي في المطبخ حيث تعد «الكسكسي» أو «المصقعة». وشهرة شمس الله لا تقل أهمية عن رؤساء الجمهورية الألمانية فهي أنى تحل موضع الحفاوة والتكريم. ويدهش «سيجريد هونكه» انتشار كتابها في العالم العربي؛ وذلك لأنها تعتقد أنها لم تضعه للعرب بل للأوروبيين؛ وذلك لأنها كما تقول في صراحة ألمانية: «إن موقف أوربا من العرب منذ نزول الوحي المحمدي موقف عدائي بعيد البعد كله عن الإنصاف والعدالة، والتاريخ وقتذاك كان يملى ويصنع ولم يكن المملي هو الضمير بل التعصب الأعمى. .» وتزداد إعجابًا من كثرة اللغات التي ترجم إليها، فإلى جانب العربية نجده في الفرنسية والإيطالية والتركية والإندونيسية ولغات أخرى كثيرة. والواقع أن كتاب شمس الله من أهم العوامل التي تساعد على بلورة الشخصية العربية وبعثها وحيًا خلاقًا، وقد تنبه زعماء العروبة للمؤلفة فأولوها عنايتهم واهتمامهم فدعوها لزيارة بلادهم سواء في شرق العالم العربي أو غربه.
وإذا ذكرنا «شمس الله» يجب ألا تفوتنا الإشارة إلى زوجها الفاضل الكريم «بييتر شولتزا» أو كما يطلق عليه سكان شمال إفريقيا «الشيخ محمد الطويل» فقد عشق العروبة والعربية في مختلف لهجاتها، وتطوع مشكورًا لتلقين بعض أبناء المسلمين القرآن الكريم في بلاد المغرب، وقد كان وقتذاك من كبار موظفي القنصلية الألمانية العامة في الرباط، حيث تعرف إلى شريكة حياته فالتقى قلبان ينبضان حبًا للعروبة وأبنائها. وهو اليوم ممثل العروبة في إدارة الإعلام الألمانية. وتهوى «شمس الله» إلى جانب التأليف والرحلات في البلاد العربية وبواديها، التصوير السينمائي والإخراج وما سجلته للعرب في كتابها كلامًا مقروءًا أخرجته فيلمًا مصورًا ناطقًا يعرف باسم «على هدى العرب» ولها غير هذا الفيلم أفلام أخرى لكثير من البلاد العربية وهي تعرضها فخورة بمآثر العرب وأياديهم البيضاء على الإنسانية، وحريصة على نعته «تراثنا العربي» تعني ما ورثته أوربا عن العرب.
وصديقة العروبة في السراء مخلصة لها وفيه في الضراء، فهي لم تكد تعلم
стр. 7
بالنكسة التي حلت بنا حتى سارعت وضاعفت من نشاطها فشحذت همم الألمان لمناصرتنا ومديد المساعدة لخلاصنا من كبوتنا؛ فخطبت وكتبت وأذاعت وحشدت خيرة القوم من أصدقاء العروبة من الألمان، وساهمت في إقامة معرض شعاره «الأرض المقدسة العدالة للأردن» يصور حالة اللاجئين العرب، وقد أقيم المعرض في قاعة بيتهوفن الموسيقار الخالد، وكان ذلك في شهر يونية ١٩٦٨، وأشرفت على تنظيمه جمعية الصداقة الألمانية الأردنية بالتعاون مع مكتب الإعلام والسياحة الأردني في مدينة فرنكفورت.
وشاهد الزائر فيما شاهد صورًا للحرم الشريف في القدس والكنائس في بيت لحم، وألقت «سيجريد هونكه» خطابًا جامعًا استعرضت فيه بطولات العرب وحسن سجاياهم إذ ضربوا المثل الأعلى في المروءة والتسامح، وساقت لذلك مثلًا موقف العرب عند فتح مصر والاستيلاء على الإسكندرية عام ٦٤٢ م فقد منعوا التخريب أو التدمير وقدموا لرعاياهم الضمان الأكيد لحرية العقيدة وعهدًا نصه:
«هذا عهد أمان يشمل جميع المسيحيين والقسيسين والرهبان والراهبات جميعًا، وهو يضمن لهم شرفهم ويضمن لهم حمايتهم أينما كانوا ويضمن حماية كنائسهم ومزاراتهم، وكذلك زوار هذه المناطق من الجيورجيين والأحباش واليعقوبيين والنساطرة وجميع الطوائف التي تؤمن بالنبي عيسى وجميع هؤلاء يستحقون الرعاية؛ ذلك لأنه سبق للنبي محمد أن أمنهم بعهد عليه خاتمه وأوصانا فيه بأن نكون رحماء بهم وأن نكفل لهم الأمان».
وأشارت الخطيبة أيضًا إلى الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في أسبانيا على يد المسيحيين قبل مجيء العرب الذين حرروهم ومكنوهم من الحياة الإنسانية الكريمة، وبعد ضياع الأندلس. وهذا التسامح ما زال حتى يومنا هذا من أخص سجايا العرب. ثم انتقلت إلى القدس العربية فذكرت تاريخها وما تمتعت به من سلام واستقرار. . هذا إلى توطيد علاقات الود والمحبة بين العرب والقيصر الألماني فريدريش الثاني الذي عشق العروبة والعربية فنظم فيها الشعر وسال قلمه بالنثر
стр. 8
العربي الفني، ونختم خطابها بمقابلة بين الوضع الحالي للأراضي المقدسة ووضعها إبان السيادة العربية.
وفي عام ١٩٦٤ نشرت «شمس الله» بحثًا طريفًا حول الآداب الشرقية، وقابلت بينها وبين الآداب الأوروبية، وذلك ضمن معجم الناشر فيشر أضافت فيه الشيء الكثير إلى معرفتنا عن العرب وآدابهم.
وأرجو صادقًا لمنصفة العرب وزوجها الكريم حياة علمية طويلة زاخرة بالبحوث الطلية إنصافًا للحق ونصرة للإنسانية. إن شمس الله خير من هذه الجعجعة التي تصم آذاننا ولا نرى طحنًا.
стр. 9
مقدمة المؤلفة
من خطل الرأي أن ننظر إلى أوربا على أنها هي وهي فقط العالم الحديث، ومن الحماقة أن نقول: إن تاريخ أوربا هو تاريخ هذا العالم؛ وذلك لأنه مما لا شك فيه أنَّ سائر القارات التي يتكون منها عالمنا هذا ساهمت وتساهم في تكييف الأحداث العالمية التي تخضع لها شعوب المعمورة، ويكفي أن ننظر إلى خريطة عالمنا هذا في العصور الوسطى لنرى كيف يحاصر البحر المتوسط جنوب القارة الأوربية، ويخضعها للسلطان الثقافي لأثينا وروما. أما اليوم فقد شاء الله أن تزول هذه الغشاوة عن أعيننا وأن يتسع صدرنا للحقيقة فلا نغمط الشعوب الأخرى التي ساهمت في إيقاظ الوعي الإنساني وبعث ثقافة إنسانية رفيعة أثرت وتؤثر حتى يومنا هذا لا في أوربا فقط بل في مختلف أرجاء العالم المتحضر. وشاء الله أن يظهر من الأوربيين من يجرؤ وينادي بهذه الحقيقة فلا نغمط العرب حقهم في أنهم حملوا رسالة عالمية، وأدوا خدمة إنسانية للثقافة البشرية قديمًا وحديثًا. إن هذا النفر من الأوربيين المنصفين لا يأبه لتحدي أولئك المتعصبين الذين أعمارهم تعصبهم الديني فحاولوا جهد طاقاته طمس معالم هذه الحضارة العربية أو التقليل من شأنها.
إن أوربا تدين للعرب وللحضارة العربية، وإن الدَّين الذي في عنق أوربا وسائر القارات الأخرى للعرب كبير جدًا، وكان يجب على أوربا أن تعترف بهذا الصنيع منذ زمن بعيد، لكن التعصب الديني واختلاف العقائد أعمى عيوننا وترك عليها غشاوة حتى إننا نقرأ ثمانية وتسعين كتابًا من مائة فلا نجد فيها إشارة لفضل العرب وما أسدوه إلينا من علم ومعرفة، اللهم إلا هذه الإشارة العابرة إلى أن دور العرب
стр. 10
لا يتعدى دور ساعي البريد الذي نقل إليهم التراث اليوناني. أما العربي فلم يأتِ بجديد ولم يحقق رسالة. إن النهضة العلمية الحديثة كشفت الغطاء عن حضارات الشرق القديم، وبخاصة مصر وبابل وأشور، ولم يعد سرًا أن مصر هي الوطن الذي بزع فيه فجر الضمير وأن هذا الشرق العربي القديم هو وطن الوحي ومبعث الفنون والعلوم والآداب. وإذا ما انتقل الباحث إلى بيزنطة ليقفز منها إلى المسيحية في العصور الوسطى، فالعصور الحديثة، ازداد شكه في اليونان وروما وأيقن أن أوربا بأثينا وروما لا تستحق كل هذه العناية، وأن ما يحاول المغرضون خلعه عليها ما هو إلا سراب لا يقوى على البقاء أمام شمس الشرق العربي إذا ما سطعت وبددت ضباب الغرب وسحابه ومطره وثلوجه. إنها سبة أن يعلم أهل العلم من الأوربيين أن العرب أصحاب نهضة علمية لم تعرفها الإنسانية من قبل، وأن هذه النهضة فاقت كثيرًا ما تركه اليونان أو الرومان ولا يقررون هذا. إن العرب ظلوا ثمانية قرون طوالا يشعون على العالم علمًا وفنًا وأدبًا وحضارة، كما أخذوا بيد أوربا وأخرجوها من الظلمات إلى النور، ونشروا لواء المدنية أنى ذهبوا في أقاصي البلاد ودانيها سواء في آسيا وإفريقيا أو أوربا، ثم تنكر أوربا على العرب الاعتراف بهذا الفضل.
إن المذاهب الإنسانية الحديثة أصبحت غير مذاهب العصور الوسطي، وشعار الأوربي اليوم محاولة فهم عدو الأمس وتحويله إلى صديق، وذلك بالاعتراف له بمكانته العالمية وما أسداه للأوربيين وغيرهم من معرفة وألا يسعى الأوربي جاهدًا إلى طمس هذه المكانة وإخفاء معالمها.
إن موقف أوربا من العرب منذ نزول الوحي المحمدي موقف عدائي بعيد كل البعد عن الإنصاف والعدالة، والتاريخ وقتذاك كان يملى ويصنع، والمملي لم يكن الضمير بل التعصب الأعمى. إن مثل هذا الوضع كان مفهومًا في عصر كان فيه الشعور السائد هو إغماط حق كل فرد يخالف الأوربيين عقائديًا، ومما يؤسف له حقًا أن هذه النظرة القديمة التي كان مبعثها الظن في أن الاعتراف للعربي بالفضل خطر يهدد العقيدة المسيحية، ما زالت قائمة حتى اليوم والتعصب الديني ما زال
стр. 11
جادًا في إقامة الحواجز بين الأوربيين والشعوب الأخرى إذ ينظر الغربي إليهم كما لو أنهم مجرمون وثنيون وسحرة. ومن آثار هذه النظرة أيضًا هذا النزاع الذي نشب، في عصرنا هذا، حول نشأة الغزل الغنائي، فالمتعصبون من الأوربيين يشق عليهم الاعتراف بالفضل لصاحبه، وأن يقولوا إن هذا الفن عربي الأصل. أليس من العجيب حقًا أن تظهر هذه النعرة في القرن العشرين؟ !
إن هذه النظرة الأوربية دليل على ضيق أفق الغربيين وخشيتهم قول الحق والاعتراف للعرب بفضلهم، وبخاصة أنهم غيروا وجه العالم الذي نعيش فيه.
إن هذا الكتاب يتحدث عن «العرب» و «الثقافة العربية» لا عن الإسلام. وذلك لأن نقرأ من غير المسلمين قد ساهموا في هذه الثقافة إلا أن هؤلاء كانوا عربًا، وقد وضعوا كتبًا عارضوا فيها الملتزمين من المسلمين، كما أن كثيرًا من صفات الحياة العقلية العربية يحمل طابع العصر الجاهلي.
ثم لا يفوتنا أن نذكر أن هؤلاء العرب الذين ذكرهم هيرودوت والذين بسطوا سلطانهم على شعوب كثيرة، مهدوا للمغلوبين الطريق للاندماج في المجتمع العربي لغة وأدبًا وعلمًا ودينًا، وأصبح الخلق العربي والطبيعة العربية والثقافة العربية والعقيدة الإسلامية مثالًا يحتذى.
إن هذا الكتاب يتحدث عن الثقافة العربية كما نتحدث الآن عن الثقافة الأمريكية، ولا يطلق على عالم مثل الرازي أو ابن سينا أنهم من أبناء الفرس؛ وذلك لأنهما انحدرا من أسر عاشت أجيالًا متعاقبة في المجتمع العربي وتثقفوا ثقافة عربية إسلامية، ومثل هذا النوع من الرجال مثل «دويت د. إيزنهاور» إنه أمريكي ولا يمكن أن يقال عنه إنه ألماني.
إن هذا الكتاب يهدف أيضًا إلى تقديم شكر كان يجب أن يُقدم إلى العرب منذ عصور قديمة، فالألمان يدينون للعرب بالشيء الكثير، وليست اللغة الألمانية بمستثناة. هذا، مع الإشارة إلى أننا لا ننكر آثار الشعوب الأخرى كاليونان والرومان والصينيين والهنود.
إن الأيدي التي نسجت هذا النسيج كثيرة تستحق الشكر.
стр. 12
مقدمة المترجم
ما فتئ كثيرون من الأوربيين الذين يعنون بنشأة الثقافات يزيفون التاريخ؛ فيجملون القبيح ويشوهون الحقائق مدفوعين بعامل الهوس القومي والجنون الوطني والتعصب الديني، وجاري الغربيين بعض أذنابهم من الشرقيين فأنكروا على العرب فضلهم ونسبوا كل ما بلغه العالم من حضارة ورقي إلى اليونان وذهب هؤلاء الحانقون على العرب بعيدًا، فافترضوا باطلًا وقالوا زورًا وافتروا بهتانًا وادعوا أن العرب من التفاهة والغباء بحيث إن الفضل في تجويدهم للعربية شعرًا ونثرًا يرجع إلى اليهود. وقد تغاضت السيدة الدكتورة «سيجريد هونكه» مؤلفة هذا الكتاب عما صدر عن هؤلاء الشرقيين من أخطاء أو وقعوا فيه من هفوات، وشغلت نفسها بأبناء جنسها من الأوربيين؛ وذلك لأنها كما تقول في مقدمة كتابها:
«إن موقف أوربا من العرب منذ نزول الوحي المحمدي موقف عدائي بعيد البعد كله عن الإنصاف والعدالة. والتاريخ وقتذاك كان يملى ويصنع، ولم يكن المملي هو الضمير بل التعصب الأعمى. إن مثل هذا الوضع كان مفهومًا في عصر كان فيه الشعور السائد هو إغماط حق كل فرد يخالف الأوربيين عقائديًا، ومما يؤسف له حقًا أن هذه النظرة القديمة التي كان مبعثها الظن في أن الاعتراف للعربي بالفضل خطر يهدد العقيدة المسيحية، وما زالت قائمة إلى اليوم، والتعصب الديني ما زال جادًا في إقامة الحواجز بين الأوربيين والشعوب الأخرى. لذلك ينظر الغربي إليهم وكأنهم مجرمون وثنيون وسحرة .. إن هذا الكتاب يهدف أيضًا إلى تقديم شكر كان
стр. 13
يجب أن يقدم إلى العرب منذ عصور قديمة، فالألمان يدينون للعرب بالشيء الكثير وليست اللغة الألمانية بمستثناة. . .».
فإذا كانت العربية لم تهن على بعض العلماء الأحرار في ألمانيا فأبناء العروبة أسبق إلى رد حق العرب المسلوب إليهم ولا سيما أن نفرًا من الحانقين من الأوربيين ضلوا وحاولوا أن يضلوا الآخرين. فمثلا يحلو للدكتور طه حسين أن يتحدث عن اليهود واليهودية إذا ما عرض للغة العربية وأدبها. ويحلو له الحديث عن اليونان إذا ما تعرض للحضارة العربية الإسلامية، وقد تكررت منه هذه النغمة وذكرها أكثر من مرة ولم يسكت إلا بعد أن تغيرت الأوضاع في العالم العربي. ففي الجامعة المصرية كان يحلو له التشدق بهذا الرأي فيها يلقيه على مستمعيه من محاضرات، وقد سجلت له صحيفة الجامعة المصرية في عددها الأول من سنّها الثالثة عام ١٩٢٥ محاضرة هي حلقة من سلسلة محاضراته تحدث فيها عن اليهود وما لهم من أثر فعال لا في الحياة العربية فقط بل في الحياة الأدبية أيضًا، ويستطرد فيقول: «وبعد ذلك كله يمكننا أن نخلص إلى ثلاث نتائج خطيرة من أثر اليهود:
١ - أن اليهود أثروا في الأدب العربي أثرا كبيرا جنى على ظهوره ما كان بين العرب واليهود.
٢ - أن اليهود قالوا كثيرًا من الشعر في الدين وهجاء العرب وقد أضاعه مؤلفو العرب.
٣ - أن اليهود انتحلوا شعرًا لإثبات سابقتهم في الجاهلية على لسان شعرائهم وشعراء العرب».
وانتقلت الجامعة الأهلية إلى الدولة وانتقل معها الدكتور طه فأخذ يكرر نفس الآراء ويدعو لها، وأبى إلا أن يذيع دعواه خارج الجامعة فأصدر «في الشعر الجاهلي»، ولما صادرته الدولة عام ١٩٢٦ أعاد نشره مهذبًا بعض التهذيب تحت عنوان: «في الأدب الجاهلي» عام ١٩٢٧.
وفي تلك الفترة أعد الصهيوني إسرائيل ولفنسون (المشرف على البعوث
стр. 14
الإسرائيلية إلى إفريقيا الآن) رسالة تحت إشراف الدكتور طه موضوعها «تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام» قدم لها الأستاذ المشرف بمقدمة جاء فيها:
«والموضوع في نفسه قيم جليل الخطر بعيد الأثر جدًا في التاريخ الأدبي والسياسي والديني للأمة العربية فليس من شك في أن هذه المستعمرات اليهودية قد أثرت تأثيرًا قويًا في الحياة العقلية والأدبية للجاهليين من أهل الحجاز، وليس من شك في أن الخصومة كانت عنيفة أشد العنف بين الإسلام ويهودية هؤلاء اليهود وفي أنها قد استحالت من المحاجة والمجادلة إلى حرب بالسيف انتهت بإجلاء اليهود عن البلاد العربية».
وهذه الرسالة التي نال بها إسرائيل ولفنسون لقب الدكتوراه من الجامعة المصرية والتي استحق صاحبها من المشرف عليها أن ينعته بقوله: «فإذا كان عالمنا الشاب قد وفق إلى الخير في هذا الكتاب الذي قدمه إلى الجامعة المصرية ونال به شهادة الدكتوراه، والذي أقدمه أنا الآن إلى القراء سعيدًا مغتبطًا فتوفيقه مضاعف ذلك لأنه وفق إلى تحقيق أشياء كثيرة لم تكن قد حققت من قبل، ووفق بعبارة موجزة إلى أن يبسط تاريخ اليهود في البلاد العربية قبل الإسلام وإبان ظهوره بسطًا علميًا أدبيًا لذيذًا ممتعًا في كتاب كانت اللغة العربية في حاجة إليه فأظفرها بهذه الحاجة».
وإني أوافق السيد المشرف في أنه ظفر بهذا البحث اللذيذ؛ لكن أحب أن أقول له إن هذا البحث حلقة من حلقات كتب الدعاية الصهيونية التي كانت الشعب الثقافية للمؤتمر الصهيوني بإشراف (مارتن بوبر) تدعو إلى نشرها، وما نقله إسرائيل ولفنسون في رسالته من آراء كان القصد منه إطلاع اليهود الشرقيين وقراء العربية على ما جاء في المصادر الأجنبية التي يجهلها القارئ العام في الشرق. ثم أي شيء من اللذة ومن الدقة في البحث ما يذكره الباحث، ويقره المشرف، وفي رسالته ص ١٢:
«لم يظهر شيء من النبوغ والعبقرية في يهود بلاد العرب مطلقًا ولم تشتهر من بينهم شخصية واحدة في كل عصورها بالرقي الفكري، وإن كان اليهود بوجه عام
стр. 15
أرقى وأقرب إلى المدنية من بقية العرب، هذا مما لا يشك فيه أحد من مؤرخي العرب وعلماء الإفرنج».
ليس الأمر كما يعتقد المشرف أو يريد أن يعتقد فهذه الرسالة التي أشرف عليها مشحونة بالأخطاء التي لن تصدر عن طالب مبتدئ في البحث وهي صدى لهذه الآراء التي كثيرًا ما رددها في الجامعة فضلًا عن أن المراجع العبرية لا تمت إلى البحث بصلة، والسيد المشرف لا يعرف العبرية وأخذ بالنتائج التي ينسبها الباحث إلى هذه المراجع العبرية دون التحقق منها ودون الاستنارة ببعض الذين يجيدون هذا النوع من الدراسات، والأمانة العلمية كانت تقتضي غير هذا.
إن البحث العلمي يجب ألا يصبغ بصبغة القومية المتعصبة، كما لا يتخذ وسيلة وسائل الدعاية السياسية أو الكسب المادي الرخيص، ويجب أن يسمو عن كل هذا وينظر إليه كقضية عالمية.
والحقيقة التي يجب أن يؤمن بها الجميع أن الباحث لن يخلط بين المثل العليا التي ينشدها وبين الحقيقة، وبخاصة إذا علمنا أن ما جاءنا عن اليونان أو ما يعرفه أولئك الأوربيون أو أتباعهم عن اليونانية لا يكاد يتعدى المسائل السطحية بخلاف الحال مع الشرق العربي وحضاراته وما انحدر لنا منها. فالمشرق العربي هو مركز الموجات الثقافية العارمة التي أدت إلى هذه الأحداث التاريخية العالمية، والتي غيرت وجه الوجود فنقلته من البدائية إلى الإنسانية ومن الأنانية إلى الإيثار. ففي مصر بزغ فجر الضمير ومنها أخذ اليهود ما أخذوا (١)، وفي بابل وأشور شريعة حمورابي وفيها الشيء الكثير من هذا التراث الذي نقله واضعو سفر التثنية، ولما عاد اليهود من السبى نقلوا معهم عن العرب البابليين الشيء الكثير مما نجده في كتابهم المقدس (٢)، وعند المعينيين والسبئيين العمارة وهندسة الري والتجارة، وقصة ملكة سبأ والدور الذي تلعبه في تاريخ الإسرائيليين وحياتهم الاقتصادية لا يخفى على أحد (٣). ومن
стр. 16
هذه الأقطار العربية مجتمعة خرجت فكرة الدين التوحيدي فظهر «إخناتون» وتلاه سائر الأنبياء الذي دعوا إلى اليهودية والمسيحية والإسلام، واستتبع ظهور هذه الديانات تفتق العقل البشري أنتج أدبا وشعرا ونثرا وقصصا وفلسفة وحكمًا وأمثالا والترانيم الدينية. وطوف الخيال العربي وجاءنا بالأساطير الخالدة وكان من نتائج هذه الثورات العربية العقلية والروحية أن رمت العروبة ببعض أبنائها شعوب العالم القديم من شرقيين وغربيين فحطموا مخلفاتهم العفنة البالية وأقاموا على أنقاضها هذه الدول الفتية التي جاءت بالمعجزات. فالعرب لا اليونان ولا اليهود هم الذين بعثوا العالم من حالة الجمود إلى حياة أفضل مكنته من التحكم في مصائر الكون فأطلق العربي الأفكار من عقالها وحررها من جمود رجال المعبد اليهودي والكنيسة المسيحية فظهرت طائفة القرائين حيث أنكر أولئك التلمود وتعاليمه، كما انكمش سلطان الكنيسة وتوارت وراء البخور. وقد مهد هذا التطور بدوره إلى ظهور حركة الإصلاح الديني وبعث النهضة العلمية.
ومما عاون العرب على الاضطلاع بهذه الرسالة تسامحهم ومبادئهم الإنسانية التي أزالت الفوارق بين الشرق والغرب كما أنهم لم يمكنوا اللون من أن يكون عاملا من عوامل التفرقة والتمييز العنصري والحط من القيم الإنسانية.
إن العرب يؤمنون سواء في الجاهلية أو الإسلام بالحقوق الإنسانية كاملة غير منتقصة لكل فرد من أفراد المجتمع البشري. فالدين الإسلامي الذي ثبَّت أسس هذه المبادئ يقرر في صراحة ووضوح: «ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى»، و «إن الله لا ينظر إلى وجوهكم بل إلى أعمالكم». لذلك نجح العربي في تحقيق ما عجز عنه اليوناني والفلسفة اليونانية أعني مذهب «الإنسانية».
إن هذا المذهب لم يقو ولم ينتصر إلا بفضل العرب، ولم تعرفه أوربا إلا في العصور الوسطى وعلى يد العرب، وبعد أن تتلمذت أوربا على العرب في العصر الإسلامي حيث بلغ العرب مكانة اجتماعية لم تدانهم فيها الشعوب الأخرى، كما شرع الإسلام لمعتنقيه وغيرهم تشريعات أخرجهم من الظلمات إلى النور.
إن الحانقين على العرب والإسلام والناسبين التراث العربي إلى اليونان واليهود
стр. 17
يضللون أنفسهم وغيرهم والعكس هو الصحيح. العرب هم أصحاب الفضل على اليونان واليهود، ولست أنا فقط الذي يقرر هذا بل يشاركني نفر من الأوربيين المنصفين مسيحيين كانوا أو يهودًا هذا الرأي. فالتاريخ اليهودي يحدثنا أن العرب أحسنوا معاملة اليهود عندما كانوا يهربون من وجه الطغاة من حكامهم في فلسطين أو فزعًا من اضطهاد اليونان والرومان، فقد نزل أولئك اليهود الجزيرة العربية فوجدوا أهلا وسهلا، فهذه القبائل اليهودية التي كانت تنزل يثرب وخيبر ووادي القرى، وقد أفرادها على العرب بعد أن أفقدتهم القرون التي مرت منذ زوال دولتهم ولغتهم المقدسة، تذوق اللغة العبرية وتجويدها حتى أصبح من المألوف لدى اليهود أن يعبر عن أفكاره وشعوره في لغة ركيكة هي خليط من العبرية والكلدانية واليونانية فحالت ظروفه هذه دون خلق آداب عبرية، فما كان أولئك اليهود بمستطيعين قول الشعر أو إجادة النثر، فغير نزولهم بين العرب هذه الأوضاع وبخاصة أن العربي معجب بلغته معنى بها نثرا وشعرا وحريصا على المحافظة عليها فصيحة نقية.
أخذ اليهود عن جيرانهم العرب فن الكلام والنطق الصحيح وفصاحة التعبير، فلما رحل بنو قينقاع والنضير وقريظة ويهود خيبر ووادي القرى وغيرهم إلى العراق والشام وفلسطين كانوا يتكلمون لغة عربية ويتأدبون بأدب عربي ويتطبعون بطباع عربية كلها شجاعة ووفاء وكرم وإباء، يقولون الشعر في مختلف فنونه ويعبرون عن خواطرهم في لغة هي لغة أهل الحجاز. نزل أولئك اليهود في أوطانهم الجديدة فأثروا في أبناء ملتهم تأثيرا قويا، ولم يمض نصف قرن من الزمن على تحرير العرب ليهود فلسطين والعراق وغيرهما حتى أصبح في استطاعتهم التحرير في اللغة العربية.
ولم يقف أثر العرب والعربية في اليهود عند اللغة وآدابها بل تعدى العربية الأدبية إلى عربية القرآن الكريم والحرص على المحافظة على كتاب الله، وهذه ظاهرة جديدة لم يكن لليهود بها عهد في عصورهم القديمة حتى في فلسطين، وإبان قيام دولتهم وحياة لغتهم العبرية المقدسة، وقد حببت هذه الظاهرة إلى اليهود اقتفاء أثر العرب ومجاراتهم في طريقة دراسة القرآن الكريم، وحاول اليهود الحرص على
стр. 18
نطق أسفار العهد القديم نطقا صحيحا، فدفعهم هذا إلى التفكير في إعجام أسفارهم وإعرابها مقلدين العرب وناقلين عنهم.
وتأثر اليهود بالعرب أيضًا فأوجدوا ما يعرف في الأدب العبري بالشعر العبري الحديث أو (البيوتيم) فهذا الفن صورة من الشعر العربي وزنًا وقافية.
ولم يقف الأثر عند الشعر بل تعداه إلى النثر فبينما نجد يهوذا بن قريش (آخر القرن التاسع وأوائل العاشر الميلادي) يستشهد كثيرًا من مؤلفاته بالشعر العربي إذ بابن جناح القرطبي وأمثاله ينسجون على منوال نحويي العربية ولغوييها (١) كما ترجم العالم اليهودي الحريزي مقامات الحريري إلى العبرية وقلدها فأدخل فنا جديدا في الأدب العبري لم يكن معروفا من قبل. كذلك الأمثال العربية وجدت طريقها مع البيان والبديع إلى اليهود ولغتهم، فقد وضع يهوذا بن تبون مثلا كتابه المشهور «حكم العرب» وترجمت أسرة تبون وغيرها كثيرا من أمهات الكتب العربية سواء في الفلسفة أو الطب أو الرياضيات أو القصص الشعبية إلى العبرية، وليس هذا بمستبعد فالعرب ليسوا هم أصحاب فكرة المعزل (جيتو) فقد فتحو أمام اليهود دور العلم على مصراعيها ولم يفرقوا بينهم وبين غيرهم؛ لذلك استطاع اليهود القيام بدور الرواة من الشعراء إذ انسابوا في بعض البلاد المسيحية وأخذوا إلى جانب بعض العلماء العرب يلقنون الأوربيين ما انتهت إليه معرفتهم (٢).
ويحدثنا التاريخ اليهودي إن الإسلام أحسن معاملة اليهود حتى أولئك الذين اضطر النبي والخلفاء الراشدون إلى إجلائهم عن قلب الجزيرة العربية تأمينا لرسالة الإسلام وأتباعه، أقطعهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب والإمام علي -كرم الله وجهه- الأراضي الواسعة بالقرب من الكوفة وعلى ضفاف الفرات مما دفع المؤرخ اليهودي الشهير «جريتز» إلى الإشادة بعدالة العرب وإنسانيتهم في كتابه «تاريخ اليهود» فقال:
стр. 19
«إن تاريخ اليهود في بلاد العرب في القرن السابق للنبوة المحمدية وإبان حياة الرسول صفحة ناصعة في التاريخ اليهودي».
وذكر في موضع آخر:
«لقد وزع عمر أراضي اليهود على المسلمين المحاربين، وعوض اليهود المطرودين -وهذه هي العدالة- أخرى بالقرب من الكوفة على الفرات حوالي ٦٤٠ م. حقًا رب ضارة نافعة. إن سيادة الإسلام نهضت باليهودية من كبوتها» (١).
إذا تركنا الخلال العربية جانبا، هذه الخلال التي بوأت العرب هذه المكانة الممتازة والتي جعلتهم أهلا ليكونوا رسل حضارة وثقافة للناس كافة، وقابلنا بين الإسلام وتعاليمه وبين اليهودية، أدركنا الفرق الشاسع اجتماعيا وعقائديا بين الملتين؛ لذلك سرعان ما وجدنا المرأة اليهودية مثلا تفضل الالتجاء إلى المحاكم الشرعية الإسلامية للفصل في قضايا الأحوال الشخصية. وقد هدد هذا الموضع الجديد المجتمع اليهودي بالزوال فقرر علماء التلمود تغيير بعض أحكامه مجاراة للشريعة الإسلامية، لكن تغيير بعض الأحكام التلمودية لم يقف عند هذا بل زعزع العقيدة في قدسيته وصحة ما جاء فيه، وبخاصة تلك الأحكام التي لا تستند على نص قوي في الكتاب المقدس.
وكانت النتيجة المحتومة لهذه الحركة الإصلاحية أن ظهرت في سوريا جماعة من اليهود النازحين من الحجاز، والذين اعتادوا حياة أفضل من تلك التي يحيونها تحت ظلال التلمود، فرفضوا العمل بتعاليمه، وبذلك مهدوا لظهور فرقة القرائين.
هذه هي بعض حسنات العرب على اليهود، فالعرب هم الذين أهدوهم العربية بعد أن كانوا يرطنون خليطًا لا شرقيا ولا غربيا ولا ساميا ولا هنديا أوربيا، والعرب هم الذين هذبوا ذوقهم اللغوي، ورفعوا مستواهم الأدبي فمكنوهم من خلق ملكة أدبية.
стр. 20
وثالثًا وليس أخيرًا احتذى اليهود حذو المسلمين مع القرآن الكريم فعنوا بدراسة كتابهم وشرعوا في وضع نحو للغتهم صيانة لها من اللحن والضياع.
هذه هي الحقيقة العلمية أسوقها للدكتور طه وتلميذه الدكتور إسرائيل ولفنسون.
والآن بعد أن استكملت ما تركته السيدة المؤلفة في هذا الموضوع بالذات أنتقل إلى الحديث عنها وعن مؤلفها الذي نقلته إلى العربية: السيدة المؤرخة الدكتورة «سيجريد هونكه» كريمة تاجر كتب مشهور، وقد ولدت في «كيل» ودرست في جامعات «كيل» و «فريبورج» و «برلين» الفلسفة ونفسية الشعوب والتاريخ، وبعد دراسة دامت ست سنوات حصلت على إجازة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة برلين، وقد عالجت في رسالتها الأثر العربي في الشعر الغنائي الأوربي، ثم مضت المؤلفة عامين مع زوجها الذي تذكر عنه أنه يجيد العربية في مراكش، كما قامت بعدة رحلات في الشرق تعرفت فيها على شعوبه وطبيعة بلاده وثقافاته. وفي عام ١٩٥٥ ظهر أول كتاب لها في تاريخ الثقافة عنوانه: «في البدء كان رجل وامرأة»، وقد عرضت فيه المؤلفة أيضا للثقافة العربية، ثم نشرت كثيرا من المقالات حول العلاقة بين العرب والأوربيين في الصحف والمجلات والبرامج العربية الإذاعية الألمانية. أما كتابها «شمس الله تشرف على الغرب» أو «فضل الغرب على أوربا» فهو نتيجة عمل شاق استنفذ من حياة المؤلفة سنوات كثيرة فطلع على القراء وهو يمثل خير كتاب ظهر في هذا الموضوع، فتلقفته أرقى اللغات الأجنبية ونقلته، كما قرظته الصحف والمجلات العلمية في ألمانيا وخارجها.
وقد عالجت المؤلفة مختلف نواحي النشاط العقلي العربي في ست وسبعين وثلثمائة صفحة فضلا عن كثير من الصور واللوحات. ونقل هذا التراث إلى العربية ليس بالأمر السهل، فهناك مفردات عربية الأصل بعدت الشقة بينها وبين صيغها في اللغات الأوربية حتى أصبح الرجوع بها إلى أصولها العربية يتطلب بحثًا وجهدًا، فضلًا عن أن معاجمنا اللغوية العربية لا تسعفنا في مثل هذه الحالات، فهي ليست
стр. 21
معاجم تاريخية، كما أن هذه المفردات غالبًا ما دخلت أوربا عن طريق إسبانيا فهي عربية أندلسية لم تعرها معاجمنا التي بأيدينا أهمية خاصة.
وإذا علمنا أن الكتاب كتب للغرب لا للشرق العربي أدركنا السر في عدم ذكر المراجع العربية والتي لا بد من الرجوع إليها عند نقل الكتاب إلى العربية، وبعض هذه المراجع تحت يدي والبعض الآخر ينقص المكتبة العامة، كما أنني اضطررت أحيانًا إلى الاستعانة بالمخطوطات وبخبرة الكيميائي الشاب السيد حسنين فؤاد بجامعة توبنجن بألمانية في فهم المصطلحات الرياضية والفيزيائية والكيميائية، فإليه أقدم خالص الشكر على الجهد الذي بذله معي في إنجاز هذا الكتاب.
ولا يفوتني أن أذكر هنا أن هذا الكتاب ليس هو الأول من نوعه في اللغة الألمانية إلا أنه أشملها وأوفاها، فقد سبقها المستشرق الراجل جورج يعقوب وعنى منذ صغره بالدراسات الشرقية على جمهرة من مشاهير المستشرقين الألمان في ذلك العصر أمثال: «رويس» و «نولدكه» و «فليشر» و «ألورد». وكانت الفكرة السائدة في ذلك الوقت عن الشرق العربي لا تتفق وماضينا السعيد وعصورنا الذهبية، فالجامعات الأوربية كانت تمهد أو تخدم الرغبات الاستعمارية، وجرفها تيار السياسة فغفلت أو تغافلت عن البحث العلمي الصحيح المجرد من الغايات، اللهم إلا هذا النفر القليل من بعض المستشرقين الألمان الذي تتلمذ عليهم «جورج يعقوب» وتأثر بآرائهم. فقد أدرك أولئك العلماء أن الشرق وإن دبت فيه عوامل الضعف والانحلال، وأصبح نهبًا بين الدول الأوربية الاستعمارية إلا أنه كان في العصور الوسطى معلم أوربا وإليه يرجع الفضل في النهضة الأخيرة. لذلك نجد «جورج يعقوب» يأخذ على عاتقه العمل على دراسة هذا الموضوع، وإيفاء كل ذي حق حقه، وقد لاقى خصومات شديدة من المستعمرين أولا وأنصار الدراسات القديمة الذين كانوا يهدفون قبل كل شيء إلى تحرير اليونان من السيادة التركية ثانيا، وتكتلت أوربا سبيل الوقوف في وجه الشرق والشرقيين فكان ما كان من الأحداث التي تعرضت لها مصر في القرن التاسع عشر وخلق المسألة الشرقية.
وافتتح «جورج يعقوب» حملته فنشر كتابه «التجارة العربية في العصور
стр. 22
الوسطى»، وقد نقلته إلى العربية ونشرته لجنة البيان العربي عام ١٩٤٦. ثم واصل حملته فنشر الكثير من المؤلفات القيمة.
وغير «جورج يعقوب» أو الشيخ جورج يعقوب، كما عرف إبان حياته نجد أمثال: «أنوليتان» و «ر. باريت» و «أوتو شيبث» وغيرهم من كبار المستشرقين الألمان ومؤرخي الحضارة أمثال «فيديمان»، فردوا للعروبة اعتبارها، وأنصفوا الإسلام والمسلمين.
стр. 23
الكتاب الأول
البهار اليومي
стр. 24
أسماء عربية لمنح عربية
أتسمحين لي أيتها السيدة الفاضلة أن أدعوك إلى هذه القهوة؟ إنك ميتة؟ اخلعي من فضلك الشك وخذ مكانًا هناك على الصفة ذات المطرح الأحمر القرمزي. إن القناد بالمستقة الجامدة وقطنيته البيضاء سيحضر سريعا طاسا من قهوة البن وبها قطعتان من السكر أو أتفضلين غرافة من عصير الليمون المثلج ما لم تستحسني الكحول؟ لا؟ وإلى جانب ذلك ترغبين في كعكة من الفواكه محلاة بالبرقوق والبنان.
بدهي يا صديقي أنك الآن ضيفي لتناول الطعام، والآن اسمح لي أن أقدم لك شربات النارنج (البرتقال) والخرشوف المحشو سيعجبك لأنه منبه للطعام، وما رأيك في ديك محمر في برد ومعه أرز مبهر وقليل من السبانخ؟ وبعد ذلك أنصحك وألح في النصح أن تأكل لقمًا بالقرفة مغموسة في شراب العرق، وأخيرا طاسا من (قهوة) مخا واسترح على الديوان.
إنك تشعر الآن أنك في المنزل فكل ما يحيط بك وكل الذي أقدمه لك أصبح منذ زمن بعيد من مقومات حياتنا ولو أننا استعرناه من عالم أجنبي، من العرب.
فالقهوة التي تنعشنا يوميًا والبن الذي نطحنه جيدًا، وحتى الطاس التي نتناول منها هذا الشراب الأسود، والسكر الذي لن تستطيع بدونه صنع أي نوع من الطعام، والليمون، والغرافة، والقطنية، والشك، والمستقة، والمطرح؛ قد عرفناها جميعها
стр. 25
عن طريق العرب، وليست هذه فقط بل أسماؤها المستخدمة في أوربا وفي جميع أنحاء العالم عربية. والقند الذي يصنع منه القناد في مصنع القند التسفتشجين والبيج ارمودي والتاريخ المقند.
نعم إنكم تدعونها فواكه الجنوب لأنها مستوردة من الجنوب شأنها شأن الكثير من المشروبات والمأكولات، فلماذا؟ أليست من الشرق، أوَ ليست محفوظة في غلائلها الشرقية؟
وإذا أعياك التعب رغبت في الاستراحة على الصفة أو الديوان أو العثماني أو في القبة إن كل طفل يستطيع أن يتبين أن هذه المفردات دخيلة على لغته. أو لا تعلم أنم مضطر إلى استخدام تعبير عربي إذا ما رغبت في لعبة الشاه (الشطرنج)! لقد أهدى العرب هذه اللعبة إلى أوربا أيام شارلمان الأكبر وعلى يد رسل هارون الرشيد، وكلمة -شاه- أي (ملك) ولفظ -مات- في التعبير المستخدم في هذه اللعبة (شاه مات) تعبير عربي. أو لا تعلم أيها الأوربي أنك تضحك اليوم أو تغضب من استخدام لفظ (شيكيش)! وهو مركب من لفظ (شاه) وقد أضيفت إليه علامة النسبة في اللغة الألمانية، أي متلون تلون لوحة الشطرنج.
أو لا تعلم أن القفة الموجودة في واجهة الحانوت إلى جانب الكيس المصنوع من جلد صفي والحقيبة المجهزة من جلد مراكشي وكذلك زوج الجدامس وغيرها من الأشياء التي تنتظر المشترين تحمل طابع العرب المولعين بالأسفار والتنقل. أما الجدامس فنسبة إلى الجلد المجهز في مدينة جدامس بطرابلس الغرب بالقرب من حدود الجزائر!
ثم تأمل وسائل الجلاء في واجهة هذا المحل الذي تزينه الأقمشة الجميلة أليست آية في الفن؟ فغير قماش البركان الجميل والقطني الرقيق والموصلي والموخيّر الصوفي السميك، ولك أن تختار بين الشف الرقيق والزيتوني والتفت كساء الوجهاء والموخير والأطلس والدمشقي العظيم صناعة دمشق التي منحت ألمانيا لفظ -زفتشكة- كما نجد
стр. 26
تشكيلة من الألوان الأصفر الزعفراني إلى الأرنج إلى القرمزي حتى لليلا، وعندما نتمتع بارتداء هذه الأقمشة الجميلة التحضير الزاهية الألوان يجب ألا ننسى العرب وفضلهم علينا.
وهل تعلم أنك إذا قصدت هناك صيدلية وهنا حانوت ترياق إنما تطلب اختراعات عربية؟ وتجارة الترياق كما نتبينها في القوارير والعلب هي: جوز الطيب والقرفة والجنزبيل والكمون والطرخون والزعفران والكافور والبنزين والقلى والنطرون والصداع والبورق والسكرين والعنبر وأنواع أخرى كثيرة من الترياق العربي يستخدمها الإنسان في حياته اليومية. وهل تعلم أيضًا أن اللك الذي يستخدمه العالم اليوم لتميع إفريز أرض الغرفة أو أظافر الأصابع وكذلك ألوان النيل والقز والطلق والبطن ما زالت تعرف حتى اليوم بأسمائها العربية؟
مفردات عربية منتشرة في كل ناحية من نواحي اللغات الأوربية فهي أسماء كثير من عناصر الحضارة والمدنية التي يستعملها الأوربيون في حياتهم اليومية، وقد جاءتهم عن العرب، وقد جملت هذه الأشياء الدخيلة، الحياة الأوربية اليومية، كما أضفت عليها جميع مظاهر البهجة والأبهة والحياة الرفيعة الراقية التي يحياها العالم المتمدين اليوم. وإذا كان العالم الحديث يتمتع بقسط وافر من النظافة والقواعد الصحية فالفضل في ذلك يرجع إلى العرب وما أعاروه لأوربا.
стр. 27
أوربا تقاسي الحرمان لموقفها السلبي من التجارة العالمية
وفي عام ٩٧٣ م اتجهت سفينة مقابل الساحل الغربي الفرنسي حيث رأس «جري نيه» شمالًا شرقيًا إلى بوردو وروين وأوتريشت وشليزفيج حيث أفرغت حمولتها الثمينة، زيتًا أندلسيًا قسطيليًا للدباغة وتينًا ونبيذًا مالقيًا وفلفلا وحبال وسفن. وعلى ظهر هذه السفينة بعثة الخليفة الحكم الثاني وقد أقبلت من قرطبة تحت رئاسة سيدي إبراهيم بن أحمد الطرطوشي قاصدة بلاط الملك الروماني الشهير «هوتو» في سكسونيا. ومن ثم إلى «كويدلنبرج» في الهارز حيث قيصر الدولة الرومانية المقدسة «أوتو» الأول، والذي عاد أخيرا من روما بعد حفلة زفاف ابنه إلى ابنة القيصر اليوناني «تيوفانو» وعقب حفلة تتويجه الشاقة. فالقيصر أوتو الأول هو المنتصر في «ليشفلده» وباعث القصيرية الغربية، وهو الذي أقبل عليه صولجان القوة والسطوة فقصدته وفود الدول تخطب وده. فنجد سفراء الدنمارك وبولندة وبلاد الصقالبة وبوهمن ومندوبين عن اليونان والبلغار والمجر والإيطاليين حيث اصطفوا جميعهم في ميدان القصير في «كويدلنبرج» لكي يقدموا أجل فروض التكريم لأكبر حاكم للغرب.
وفي أول أبريل قرر القيصر نقل مكان اجتماع بلاطه إلى «مرسبرج» حيث وصل وفد أمير المؤمنين تحت رئاسة إبراهيم بن أحمد الطرطوشي قادمًا من أسبانيا لتحية أمير أمراء المسيحيين، فاستقبل القيصر «أوتو» الأول الضيوف العرب وأحسن
стр. 28
وفادتهم كما تقبل الهدايا الثمينة التي لم ير مثلها من قبل شاكرًا، ولم تمض بضعة أيام حتى فارق قيصر سكسونيا العظيم الحياة في «ميمليبن» فكان استقباله للبعثة العربية هو آخر عمل سياسي قام به.
أدى الوفد العربي الرسالة التي كلف بها وعاد برًا إلى أسبانيا. أما الطرطوشي فقد سلك طريقًا مر فيد بمن «سوست» و «بادربورن» و «فولدا»، ولما دخل مدينة «ميتز» شاهد شيئًا ذكره بوطنه، ففي هذه المدينة الواقع في أرض الإفرنج (فرنكن) وعلى نهر الرين قدم له أحد تجارها بعض الدارهم العربية، فقرأ الطرطوشي مستغربًا الكتابة الكوفية واسم من صكت باسمه النقود وتاريخ ضربها (٣٠١ و ٣٠٢ هـ)، وأيقن الطرطوشي أن قطع العملة الذهبية التي بيده من سمرقند، وقد ضربت منذ ستين عامًا، ورجح أنها من النقود التي تحمل اسم نصر بن أحمد الساماني. ومما أدهشه أيضًا أنه عثر هناك على توابل لا توجد إلا في الشرق الأقصى بينما تقع «ميتز» في أقصى الغرب، ومن هذه التوابل: الفلفل والجنزبيل والقرنفل والنردين والبلسم والخلنجان.
هذا قليل من كثير من التوابل الشرقية التي فرضت نفسها على أوربا فرضًا، فهناك قائمة محتويات مخزن دير «كوربي» الواقع على نهر «سوم»، أي بالقرب من نهاية أطراف المعمورة، فهذه القائمة التي يحتفظ بها الراهب مدير المخزن تحتوي على التوابل الضرورية جدًا لمطبخه الكائن في مدينة «كمبراي» مدينة الأسقف والواقعة على بعد سبعين كيلو مترا. إن هذه القائمة لو اطلع عليها الطرطوشي لاستولت عليه الدهشة ففيها يقرأ:
٦٠٠ رطل شمع ... ١٠ أرطال خلنجان
١٢٠ رطل فلفل ... ١٠ أرطال راوند
١٢٠ رطل كمون ... ١٠ أرطال إسفنج
٧٠ رطل جنزبيل ... ١٠ أرطال خيار شمبر
١٠ رطل قرنفل ... ٣ أرطال لبان
١٥ رطل قرفة ... ٣ أرطال ورنيش
стр. 29
١٠ رطل نردين ... ١٠ أرطال أوراق شجرة سليفا
١٠ أرطال بخور ... ٣ أرطال نيلة
١٠ أرطال مستكة ... ٢ أرطال سعتر
٣ أرطال مر ... ١٠ أرطال ميعة
١٠ أرطال بلسم
وحتى المراهم والكثرة المطلقة من التوابل والعقاقير والنباتات الطيبة والبخور التي كانت تملأ مخزن الدير حملها التجار من الشرق الأقصى وقطعوا آلاف الأميال حتى جاءوا بها إلى أقصى الغرب، إن هذه البضاعة كانت ضرورية للاستعمال اليومي فهي ضرورية للطعام للشراب ضرورية للعلاج، وللكنائس أيضًا وحتى رهبان الأديرة، فقد رق ذوقهم وطاب مذاقهم وصفت نفوسهم حتى أصبح من العسير عليهم الحياة بدونها.
أما قائمة دير «كوربي» هذه فقديمة جدًا أقدم من رحلة الطرطوشي بنحو ثلاثة قرون وهي ترجع إلى عصر ملوك المرنجيين. ومنذ حكم أولئك الملوك حتى رحلة الطرطوشي تعرض العالم لكثير من الأحداث التي كانت ذات أثر فعال في تطويره، فخوضا الرين والسوم تعرضا في تلك الفترة لكثير من الهزات التي لم يريا مثلها في القرون السابقة؛ فالجرمان أقبلوا بجحافلهم من الشمال وقضوا على الدولة الرومانية، لكن زوال الإمبراطورية العالمية لم يغير كثيرًا من الأوضاع العالمية وبخاصة في ذلك الجزء من العالم؛ وذلك لأن الحياة في تلك العصور كان يقررها البحر الأبيض المتوسط، فالشعوب الشمالية لم تستطع تقويض الأنظمة العتيقة وتفتيت حدة الثقافة القديمة، فالذي حدث أن الجرمان اندمجوا في شعوب جنوب أوربا واختلطوا بهم وأصبحوا عنصرًا من عناصرها فمدوا في أجلها. فقد ظل الدين كما كان بالرغم من زوال الإمبراطورية الرومانية وقيام الشرقية. وما يقال عن الدين يقال أيضًا عن الحياة الاقتصادية حول البحر الأبيض المتوسط.
فإذا تركنا الغرب واتجهنا إلى الشرق وجدنا النقيض من هذا، فتجارة الشرق التي
стр. 30
كانت تأتي عن طريق «أوستيا» إلى المدينة العالمية روما، وتنتهي في ميناء مرسيليا، هذه التجارة ازدادت ازهارًا وشقت طرقًا أخرى جديدة لم تعرفها من قبل، فعبرت الألب واخترقت بلاد الغال حتى «كمبراي»، ومن ثم أخذت تتغلغل حتى بلغت أواسط ألمانيا. نعم لم تصبح روما هي السيدة بل بيزنطة، ومما هو جدير بالذكر أن العالم القديم كان وقتذاك قد تصدعت جوانبه وانتابته العلل وإن بدا على مظهره صحيحًا قويًا.
ولعل أهم عامل من عوامل تقويض أوربا ظهور النبي العربي، والروح الجديدة التي بعثها الإسلام في العرب، فلم تمض أعوام قلائل إلا وكانت القبائل العربية تتدافع في موجات متلاحقة غامرة شواطئ البحار الأبيض المتوسط، ولا تقف عندها بل تواصل زحفها حتى تبلغ شواطئ المحيط الأطلسي. وهكذا نجد العرب ينتزعون شوق وجونب وغرب العالم القديم من هذه الحالة الجامدة الراكدة ويهيئون السكان لحياة أفضل بعد أن ظلوا قرابة ألف عام يتيهون في بوادي الجهالة والجمود. فانتصار الإسلام قسم العالم إلى شرق وغرب. شرق وثاب وغرب قابع، شرق حر طليق وغرب مكبل بالأغلال، أسدل على نفسه ستارًا كثيفًا واكتفى بحياة النسك الزهد والعزلة. أما الدولة العربية العالمية الجديدة فقد ثبتت أقدامها في الأقاليم المفتوحة. وللمرة الأولى في تاريخ العرب يظهرون على مسرح التاريخ كشرق يغلب الغرب على أمره فيختفي ويتوارى منطويًا على نفسه.
لقد نجح الإسلام فيما فشلت فيه الغزوات والهجرات الجرمانية، لقد فتت هذا الجمود الذي فرضه البحر الأبيض المتوسط قرونًا عديدة على هذا القسم من العالم، وهذا هو الحدث الهام في التاريخ الأوربي منذ الحروب البونية، إذ أغلق صفحة تاريخ العالم القديم وفتح الصفحة الجديدة صفحة العصور الوسطى في الوقت الذي كانت تتحول فيه أوربا إلى بيزبطة.
ومما زاد الطين بلة على أوربا وأسدل عليها الحجب الكثيفة التي حالت دونها ودون رؤية المنبثق من الشرق هذه الأوامر التي كانت تصدرها روما والقسطنطينية محذرة المسيحيين الأوربيين من زيارة مصر وسوريا. ولكن من حسن
стр. 31
الحظ أن نقرأ أن الحجاج الأوربيين لم تثنهم هذه التحذيرات وقصدوا الشرق العربي المسلم وحجوا إلى الأماكن المسيحية المقدسة فلم يتعرضوا لخطر ما، فقد حدث في ذلك العصر أن الخليفة هارون الرشيد الذي كان يقدر شارلمان ويجله أرسل إليه عن طريق بطريرك القدس الذي كان يباشر وظيفته ويقوم بطقوسه الدينية دون تدخل من الحاكم وفي حرية كاملة مفتاح المدينة المقدسة ومنحه حق السيادة عليها، وقد وقع هذا في الوقت الذي كان فيه غير المؤمنين يواصلون تخريب وتدنيس المدينة المقدسة إثارة للخوف وإدخالًا للفزع في نفوس أبناء ملتهم من الحجاج والسياح. وبينما نجد هذه القيود تفرض على المسيحيين الأوربيين إذ بنا في الشرق العربي نجد سياسة أخرى حكيمة رشيدة، فلا تحديد إقامة ولا عقبات وحواجز تحول دون السعي في مناكب الأرض وتبادل المنافع. فالتاجر العربي كان يتنقل حرا طليقًا في أرجاء الشرق قاصيها ودانيها فهو يتاجر مع الهند والصين وسائر الأقاليم وليس في حاجة لأن يصدر إلى أوربا التي ضريت على أهلها الذلة والتقشف، فسادت الفرقة بين الغرب الأوربي والشرق العربي بخيراته وأضوائه وأصبحت شواطئ البحر الأبيض المتوسط المسيحية مزارًا لا للتجار بل للقراصنة ومهربي البضائع. فالمواني خربة خالية بعد أن كانت تعج بخيرات الشرق وكنوزه والمخازن خاوية خالية حتى دير «كوربي» فقد تعرض للتقشف والحرمان، وكانت الشربة التي تقدم لنزلائه عبارة عن طبق من الكرنب لا طعم ولا نكهة لها تشرب ولا تذاق فلا بهار ولا فلفل ولا زنجبيل ولا مختلف أنواع التوابل التي أصبحت عنصرًا هامًا من عناصر مطبخ الدير. وحتى النبيذ أصبح خبرًا بعد عين وكذلك الحرير. وترتب على اختفاء هذه الأصناف أن أغلقت المحال التي كانت تتجر فيها وعبست الحياة بعد أن ابتسمت زمنًا طويلًا وعادت التجارة إلى حالتها البدائية الأولى وحلت المبادلة محل البيع والشراء.
وحتى الكنائس أصابها الحرمان فخلت من البخور والخمور والزيوت لإضاءة المشاعل والثريات؛ مما اضطرها إلى الاستعاضة عن الزيوت بالشمع المستخرج من عسل نحل الغابات وقنع صاحب الخان بما يصله من الأصدقاء في روما من هدايا قليلة. فمرة يصله قليل من البخور وأخرى بعض القرفة أو قطعة من البلسم التي قد
стр. 32
يحضرها تاجر يهودي من الشرق العربي لبيعها في العاصمة المسيحية. وذلك لأن اليهودي فقط هو الذي كان همزة الوصل بين الشرق المسلم والغرب المسيحي، وكان تاجر الجملة ورسول الكارولينيين. فأين المكان على سطح الأرض الذي لا يوجد فيه اليهودي الذي يسارع إلى مساعدة ابن ملته؟
ويحدثنا ابن خرداذبة في كتاب المسالك والممالك عن مسلك التجار اليهود الراذانية حوالي عام ٩٠٠ م «الذين يتكلمون العربية والفارسية والرومية والإفرنجية والأندلسية والصقلية، وأنهم يسافرون من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى المشرق برًا وبحرًا يجلبون من المغرب الخدم والجواري والغلمان والديباج وجلود الخز والفراء والسمور والسيوف، ويركبون من فرنجة في البحر الغربي فيخرجون بالفرما ويحملون تجارتهم على الظهر إلى القلزم وبينهما خمسة وعشرون فرسخًا، ثم يركبون البحر الشرقي من القلزم إلى الجر وجدة ثم يمضون إلى السند والهند والصين فيحملون من الصين المسك والعود والكافور والدارصيني وغير ذلك؛ مما يحمل من تلك النواحي حتى يرجعوا إلى القلزم ثم يحملون إلى الفرما .. ».
فهذه الأشياء لا تصل إلى أوربا الآن إلا بقدر وقدر ضئيل جدًا ولا يستطيع الرجل العادي أن يشتريها من السوق السوداء لارتفاع أسعارها، فلا عجب إذا رأينا الطرطوشي يبدي استغرابه عند رؤيتها في مدينة «ماينز» الغربية. والواقع أن البلاد المسيحية كانت وقتذاك متخلفة جدًا في التجارة الشرقية التي كانت تمر ببحر الخزر؛ ومن ثم تسير على امتداد نهر الفولجا ثم شمالا حيث الشعوب الوثنية.
لذلك لا عجب إذا رأينا أنوار الحضارة الشرقية تضيء البلاد الشمالية وسائر الجزر المنتشرة في البحر الشرقي كما نتبين هذا من آلاف آلاف القطع من النقود العربية التي ترجع إلى الفترة الممتدة من القرن التاسع إلى الحادي عشر الميلاديين، وإن دلت هذه النقود على شيء آخر عدا نقل الثقافة العربية إلى تلك الأصقاع النائية فهذا الشيء هو تحرر التجارة العربية من التعصب الديني، وقد تجاوب مع العرب في تأدية هذه الرسالة وإنجاحها كثير من الشعوب الجرمانية الشمالية أعني الفيكينج أو النورمانيين الذين نزحوا من النوريج وإيسلندة والسويد والدنمارك وواصلوا
стр. 33
أسفارهم حتى بلغوا شرق أوربا، وقد نجحت هذه الشعوب الشمالية في إقامة دول على طول الطريق التجاري الذي كانوا يقطعونه ذهابًا وجيشة ومن بين هذه الدول التي أسسوها تلك التي أقاموها في البلاد المعروفة باسم روسيا فهذه الدولة ما زالت محتفظة حتى الأيام الأخيرة باسم مؤسسيها وهم «هروس» أو «روس» وهو اسم الوطن الأصلي في بلاد السويد. وقد اضطر أولئك التجار المحاربون إلى تأسيس محطات تجارية على طول الطرق التي يقطعونها فشيدوا مثلًا «نوفوجورود» و «كيف»، كما تاجروا في الأقمشة واللباد والحلي الفضية والأصداف الكورية والأسلحة وسهام الصيد ومختلف أنواع العطارة من مختلف البلاد العربية حتى مدينة تولية القاصية وكانوا يعودون من أقصى البلاد العربية محملين بالكهرمان وأسنان الحيتان وغراء السمك وخشب الصنوبر والبلوط والصقور الحية للصيد وطواقي من فراء الثعلب الأسود للعرب وكثير من مختلف أنواع الفراء لا سيما السمور الأسود والهرملين والثعالب التي يحكى لون فرائها لون الياقون فيضيء ما حوله وكأنه الشمس تبدد غياهب الظلمات.
لكن بين دولة الروس والدولتين العربية والرومانية والشرقية كانت تقوم دولة الخزر، وهي بمثابة الإسفين في كيان هذه الدول، فمنذ عدة قرون كانت بلاد الخزر تفتح ذراعيها لليهود الهائمين على وجوههم والفارين من مختلف بلاد العالم، وبخاصة الشرق الأدنى، والسر في هذا أن سكان هذه البلاد الخزرية كانوا خليطًا من اليهود والمسيحيين والمسلمين والوثنيين ويحكمهم ملك يهودي، وكانت حياتهم الاقتصادية تعتمد على تجارة المرور بسبب موقع بلادهم التجاري، فعاصمتهم «إيتيل» كانت مشرفة على مصب نهر الفولجا في بحر الخزر.
ومما غير مجرى الحوادث في التاريخ الاقتصادي للقارة الأوربية وشق للتجارة الشرقية طرقًا جديدة امتدت حتى وصلت شمال أوربا نجاح القيصر «أوتو» الأول في تطهير القارة من العصابات المجرية التي كانت تعيش على السلب والنهب وقطع الطرق مما حال دون وصول التجارة العربية إلى شمال أوربا. أما الآن وقد عبدت الطرق واختفت عصابات النهب والسلب، فقد تغيرت الأوضاع وواصلت القوافل
стр. 34
التجارية سيرها مخترقة بلاد الخزر والروس النورمانيين حتى أقصى الشمال مزودة على طول الطريق مدن أواسط أوربا والأديرة، بواسطة الدرب التجاري المؤدي إلى «براج»، كما يحدثنا اليهودي إبراهيم بن يعقوب الذي جاء من رحلة قام بها في بلاد الصقالبة ولما وصل «ميرزبرج» حظى بمقابلة ملك سكسونيا الملك «هوتو»، وقد اتفق أن وصوله وافق مجيء سفراء الحكم الثاني. ومدينة براج هذه كانت مقصد كثيرين من التجار، فالروس كانوا يفدون إليها من مدينة «كراكاو»، وغير الروس كان يفد إليها الصقالبة أيضًا، كما أقبل عليها من البلاد التركية المسلمون واليهود وغيرهم يحملون مختلف أنواع البضائع مثل: الرقيق والقصدير والفراء والنقود.
وقد يكون أولئك الروس أو أهالي براج هم الذين زودوا «مينز» بمختلف أنواع التوابل والعطارة والنقود العربية التي رحبت بمقدم الطرطوشي وزيارته عام ٩٧٣ م.
стр. 35
البندقية تحطم الحصار
وفي تلك الفترة ظهرت في ناحية أخرى من اليابسة مدينة لم يشعر بها أحد من قبل، وسرعان ما أصبحت ذات سيادة، وحصدت خيرًا كثيرًا. وهي تدين في كل ما بلغته إلى موقعها وطبيعتها فهي مجموعة ألسنة يابسة ممتدة في البحر الأدرياتيكي كادت تأتي عليها الحروب الداخلية وتجرفها أمواج البحر. هذه المدينة القابعة على جزر ريالتو والتي نعرفها تحت اسم البندقية، كانت تعيش في حماية قديس سرقته من مصر وهو القديس مرقس الذي أعيد جثمانه أخيرًا إلى القاهرة. وقد فرضت عليها جغرافيتها أن تعيش على التجارة، والتجارة البحرية بصفة خاصة، فبدأت بالملح والسمك، ومن ثم أخذت تتطور حتى علا شأنها واتسع أفقها وخرجت من محيطها الضيق واتصلت بالشرق العربي وشعوبه فلم يمض زمن طويل حتى أثرت من وراء صلاتها التجارية مع العرب ثراء عظيمًا حسدها عليه الغرب شعوبًا وحكومات.
فالبندقية كانت القنطرة بين الشرق والغرب وكانت تنعم بخيرات الشرق وكنوزه وحاصلاته التي حرمت منها أوربا زمنًا طويلا بسبب تعصبها الديني وأوامر الكنيسة التي تحذر من الاتجار مع المسلمين. لكن البندقية بما أوتيت من مهارة تجارية وسعة في التفكير بفضل اتصلاتها بالعرب استطاعت أن تتغلب على دسائس خصومها، فسياسيًا كانت تابعة لبيزنطة، وظلت هذه السيادة قائمة طالما كانت بيزنطة حورة قوية متسلطة على البحر، طريقها الوحيد إلى البندقية، ومن ثم ظهر لبيزنطة في تلك المياه النائية منافس جبار وهو قيصر دولة الإفرنج وطمع القيصر في البندقية وحاول
стр. 36
الاستيلاء عليها وعلى ثرواتها الكثيرة، وأدركت البندقية الخطر الذي تتعرض له، فراوغت خصميها المتنازعين المتنافسين ونجحت في الإيقاع بينهما وتحريض كل منهما على الآخر بينما أخذ أميرها (الدوج) يظهر بغتة على المسرح العالمي ويخاطب حكام العالم مخاطبة الأنداد.
وبعد أن تحققت للبندقية أمنيتها ونجت من مخالب أعدائها وتحررت من بيزنطة أخذت تفكر جادة في الاستعمار تأمينًا لأسطولها التجاري وأسواقها الخارجية وتحدت الكنيسة وتاجرت مع المسلمين ووثقت علاقاتها التجارية مع العرب. ولم تكن البندقية هي الوحيدة في إيطاليا التي وقفت من العرب هذا الموقف الودي، ولم تتردد في مساعدة العرب عند غزوهم صقلية، أم تعقد «بيزا» مع المسلمين معاهدات واتفاقيات ضد جنوه؟ كما وقفت نابولي إلى جانب المسلمين ضد منافستها «أمالقى» وانضمت سفن «أمالقى» إلى الأسطول العربي عند مواجهته الشواطئ الرومانية بالرغم من تهديد الكنيسة لسكان «أمالقى» بالحرمان وإعلان البابا هذا التهديد. ولعل السر الذي دفع هذه المدن الإيطالية إلى محالفة المسلمين ومعاونتهم متحدين بموقفهم هذا البابا وكنيسته، الرغبة الصادقة في المحافظة على حرية التجارة وسلامتها ولا صلة في الواقع بين التجارة والعقيدة ثم ما شأن البندقية هذه الدولة البحرية الناشئة وذلك الكهل القابع على ضفاف البوسفور؟ !
ثم هل كان من السهل على أهالي البندقية الرضوخ لقرار القيصر «يوحنا تزيميسكيس» القاضي بتشكيل لجنة تتخذ من جزيرة «ريالتو» مقرًا لها لتفتيش سائر السفن باحثة عن الأسلحة والخشب؟ لا شك في أن القيصر كان في حالة يرثى لها عندما قرر الانتقام من أهالي البندقية وذلك لكثرة الهجمات العنيفة التي شنها عليها الخلفاء الفاطميون، وعاونهم سكان البندقية بالأسلحة والخشب اللازم لبناء السفن الحربية، وغالى القيصر في تهديداته فقرر حرق جميع السفن التي تضبط عليها مواد محرمة بمن فيها فغضب أهالي البندقية لمثل هذا القرار ورغبوا عنه وعن تنفيذ رغبات القيصر؛ لأن الرضوخ لمثل هذا القرار معناه الرجوع بالحياة الرغدة السعيدة إلى الوراء؛ فاضطر القيصر إلى الإسراع في إصدار قرارات أخرى تعاقب بالموت، ذلك
стр. 37
الذي يضبط متلبسًا ببيع أسلحة إلى المسلمين. وفيما يتعلق بتجارة الخشب فقد أباح بيعه على ألا يتجاوز طول اللوح خمسة أقدام ونصف القدم، كذلك أجاز بيع الخشب المعد لصناعة الطشوت أو الأطباق أو الملاعق، إلا أن «دوج» البندقية رفض الإذعان لمثل هذه الإجراءات وأصبحت هذه القوانين معطلة وخاطب أمير البندقية أعضاء اللجنة قائلًا: ألم تكن تجارة الخشب من الأهمية بمكان لأهالي البندقية؟ أو لم يفكر القيصر في أنها مساعدة نافعة ضرورية للخليفة! والذي حدث أنه قبل وصول اللجنة لمباشرة عملها أقلعت ثلاث سفن محملة بالخشب اثنان وجهتهما «مهدية» في تونس والثالثة إلى طرابلس الغرب، وقد صرح الدوج بشحن هذه السفن رحمة بعمال الشحن المسيحيين الفقراء. أما دول شرق البحر الأبيض المتوسط من آسيا الصغرى حتى مصر فلن يصلها شيء من هذا الخشب، ويذكر الكتاب العرب في القرن العاشر الميلادي كثيرًا حول تجارة البندقية وأملفيس وبالرمو ومسينا مع عرب شمال إفريقيا. فالسفن العربية كانت تصل محملة بالستائر الحريرية الثمينة وأغطية المذابح والأقمشة السوداء الجميلة والملابس ذات اللون الأزرق السماوي وجميعها تراد إلى أوربا من القيروان وسوسا وجابس، كما وجدت الأقمشة العربية النادرة طريقها إلى «مونت كاسينو» والأديرة والكنائس الموجودة في شبه جزيرة إبنين، ومن المستطاع مشاهدتها حتى يومنا هذا.
والشيء الجدير بالذكر أن هذه التجارة العربية ظلت زمنًا طويلًا محصورة في البلاد الواقعة جنوب جبال الألب ولم تستطع عبورها إلا أن بعد وقعت أحداث تاريخية هامة كانت بعيدة الأثر في الحياة الاقتصادية الشرقية الغربية، ومن هذه الأحداث أن بيزنطية استطاعت عام ٩٦١ م الاستيلاء على جزيرة كريت من العرب فأصبح الطريق إلى الشرق العربي مفتوحًا وعجزت القوة القيصرية أو البابوية عن الحيلولة دون قيام علاقات تجارية مع العرب في الشرق والاستفادة من تجارة العرب العالمية وثرائهم المتدفق. أما الحادث الثاني فكان عام ٩٩١ م عندما أرسل دوج البندقية وهو بطرس الثاني أو رسيولو سفراء إلى جميع الأمراء العرب محببًا إليهم البندقية وداعيًا إلى إقامة علاقات تجارية بينهم وبين بلاده، ولم يمض زمن طويل حتى أصبحنا نجد السفن التجارية تقلع من ليدو وجنوه بانتظام إلى سوريا ومصر؛
стр. 38
مما دفع الخليفة الفاطمي المستنصر الذي اشتهر بصداقته للمسيحيين إلى تعيين قسم خاص من القدس لإقامة الحجاج والتجار المسيحيين.
وكانت قوافل السفن تقلع عادة من موانيها الأصلية في أوائل سبتمبر وتصل إلى الشرق بعد أربعة أو خمسة أسابيع، وفي الربيع تعود إلى موانيها الأصلية ثانية. أما الشتاء فكان التجار يقضونه في الشرق متنقلين بين فلسطين وسوريا وبغداد والخليج الفارسي أو يذهبون مباشرة إلى القاهرة والإسكندرية حيث توجد التوابل الجيدة التي ترد عن طريق البحر من الهند ومدغشقر وتدر على التجار الأرباح الطائلة لرخص النقل وقلة التكلفة، وهذا مما دفع الصليبيين فيما بعد إلى غزو فلسطين في مصر.
أما التجار الذين كانوا مقيدين بالعودة على ظهر السفينة التي أقلتهم إلى الشرق فكانوا ينتهزون فرصة وجودهم في البلاد العربية ذات الحضارة العالية والثقافة الرفيعة، وعند عودة التاجر يحمل معه كثيرًا من الأقمشة القطنية السورية والكتانية إنتاج مصانع أنطاكية، وبضائع زجاجية وأخرى من القيشاني صناعة مدينة صور، ومختلف أنواع السكر في حقائب من صنع طرابلس الشام. هذا بالإضافة إلى الفلفل وجوز الطيب والكافور والكباب والبخور والمر والنيلة والعود وخشب الصندل والخشب البرازيلي وغيرها من الأصناف التي كانت تزدحم بها الأسواق المصرية.
فالتجارة بين الشرق والغرب أعادت الصلات بين العالمين سيرتها الأولى، وبخاصة عندما قضت معركة المجر عام ٩٥٥ م في «ليشفيلد» على قبائل الغجر التي كثيرًا ما كانت تغير على القوافل التجارية وتعمل فيها سلبًا ونهبًا وتقتيلًا. أما الآن، بعد أن استب الأمن، فقد أخذت التجارة تتدفق عبر الألب وشجع على ازدهارها القيصر الذي منح السوق والنقود حقوقًا وامتيازات في جميع الأماكن الواقعة قبل الألب حول «بودينزيه» وأسافل حوض الرين، كما أصبح الطريق مفتوحًا لتصريف البضائع المخزنة في البندقية في شمال أوربا. لكن بينما كان الإيطاليون يحملون هذه البضائع إلى «بورجوند» وفرنسا والأراضي المنخفضة
стр. 39
إذ يصبح من النادر رؤية أحدهم في ألمانيا، كما أخذ اليهود في الختفاء تدريجيًا كتجار جملة واكتفوا بتجارة التجزئة مهتمين بالتوزيع والصيرفة والربا والخيول والماشية والبضائع والملابس المستهلكة أو المستعملة، كما أخذ التاجر الألماني في الظهور عابرًا سان برنارد الكبير إلى سهل نهر ألبو متاجرًا في البضائع الشرقية.
لذلك كانت قبلة التجار الألمان جمهورية القديس مرقس (البندقية) وكانوا يصلون إليها قادمين من «كرنستنس» و «شافهوزن» و «رافينزبرج» و «ريجينزبرج» و «نيرنبرج» و «أوجبرج»، ثم «أولم» ومن «كولونيا» للاتجار في أثمن المنتجات الشرقية.
وقد بلغ عدد التجار الألمان من الكثرة بحيث إن حكومة البندقية أعدت لأولئك التجار القادمين عبر جبال الألب مكانًا خاصًا للاتجار والإقامة أسوة بما فعله من قبل السلطان المصري للتجار المسيحيين في الإسكندرية حيث أوجد لهم الفنادق الخاصة. وقد أخذت البندقية عن العرب والعربية هذا اللفظ وأطلقته على الأبنية المشابهة فنجد الفندق الذي كان مخصصًا في البندقية للتجار الألمان يسمى «فندق دي تيديشي»، وهو يحتوي على ستة وخمسين سكنًا بالأسرة عدا أماكن الراحة والاستقبال والأماكن الأخرى للمواشي. وكان في هذا الفندق فرن خاص لصناعة الخبز وحوانيت للصناعات الضرورية المختلفة، كما زود بمخازن للبضائع وأماكن للبيع خاصة بهذه الجالية الصغيرة المستقلة.
ولا غرابة في هذا فالبندقية كانت المحطة النهائية التي يبلغها هذا القطار التجاري. وهنا فقط استطاع التاجر «كونراد إيسفوجل» وهو أحد أبناء مدينة «نيرنبرج» الإقامة حيث يبيع بضائعه النحاسية والحديدية والفراء والأقمشة البرابنتية. وفي البندقية كان يدفع الضرائب المستحقة وقد أخذ هذا النظام عن العرب وكان يشرف على جميع هذه الإجراءات الموظف المعروف باسم السمسار، وهو الخبير في تثمين البضاعة وتحديد سعرها، وفي حضور هذا المثمن الرسمي كان التاجر الألماني يدفع الثمن المتحصل في بضائع أخرى، وبخاصة التوابل، والعقاقير المختلفة، والأقمشة، والثياب المزخرفة بالحرير والخيوط الذهبية.
стр. 40
فالاتجار مع البندقية كان يتطلب نظامًا خاصًا، فالتاجر «كونراد إيسفوجل» كان له الحق في أن يأخذ معه وإلى «نيرنبرج» بضائع لكن لا يسمح له بالخروج بنقود من البندقية وكان له الحق في مشاهدة قلاع السفن القادمة من صور والإسكندرية والمهدية وكويتا من شرفات فندقه ولا يسمح له بالاقتراب من السفن أو الحصول على قليل جدًا من الفلفل أو تبادل العبارات مع ركابها وملاحيها. كذلك الحال مع تجار «بورجوند» أو «بيمن» أو «ميلانو» أو «فلورنسا» فكان محرمًا عليهم الاقتراب من السفن مسافة سمع الأذن. ومقابل هذه الاحتياطات تتعهد البندقية ألا تشتري بضائع ألمانية خارج الألسنة الأرضية الممتدة في البحر ولا تعرض للبيع بضائعها في الأراضي الألمانية. واستطاعت البندقية عن طريق جزرها الكثيرة المنتشرة في البحر الأدرياتيكي احتكار التبادل التجاري بين الشرق والغرب وكان الأجانب مطالبين باحترام هذه القوانين وتنفيذها، وهذا سر قوة البندقية.
أما جنوه فقد كان موقفها من التجارة يغاير موقف البندقية فجنوه من أنصار حرية التجارة؛ لذلك نجد هنا تجارة الشرق ليست حكرا للدولة بل حرة في متناول جميع التجار، فكانت جنوه سوقًا رائجة للصادر والوارد ومقصدًا للتجار الذين يصدرون إلى أسبانيا وشمال إفريقيا والشرق.
والآن يبدو لنا أن خيرات العرب كانت أساس الإثراء والرخاء لا في الشرق فقط بل في الغرب أيضًا، كما أن هذه التجارة العربية هي القوة الاقتصادية ذات الأثر الفعال في أوربا وأن رفع المستوى الاجتماعي في الغرب إنما مرجعه القفف العربية الملأى بالفلفل، لذلك كان حرمان الأسواق الأوربية من هذه القفف سببًا رئيسيًا في القضاء على التجارة الداخلية أولًا، ةإفلاس التجار ثانيًا، وصهر الذهب المتداول ثالثًا. ففي اللحظة التي قطعت فيها الصلات بين الشرق والغرب تحولت أوربا إلى بلاد زراعية فرجعت القهقري وانحط مستواها الاجتماعي، وحرم الأوربيون من فلفل الشرق وجوز طيبه وسكره، واضطروا إلى أكل الكرنب دون بهار وغصت أسواق أوربا المحلية لا بالتجار بل بالفلاحين يعرضون حبوبهم والأواني الفخارية المصنوعة في منازلهم والسراويل المجهزة من القماش المنسوج في بيوتهم، واستمر