← Общие книги

Общие книги · id 148532

شمس الله تشرق على الغرب = فضل العرب على أوروبا

زيغريد هونكه

Полный текст (468 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الاستيلاء عليها وعلى ثرواتها الكثيرة، وأدركت البندقية الخطر الذي تتعرض له، فراوغت خصميها المتنازعين المتنافسين ونجحت في الإيقاع بينهما وتحريض كل منهما على الآخر بينما أخذ أميرها (الدوج) يظهر بغتة على المسرح العالمي ويخاطب حكام العالم مخاطبة الأنداد. وبعد أن تحققت للبندقية أمنيتها ونجت من مخالب أعدائها وتحررت من بيزنطة أخذت تفكر جادة في الاستعمار تأمينًا لأسطولها التجاري وأسواقها الخارجية وتحدت الكنيسة وتاجرت مع المسلمين ووثقت علاقاتها التجارية مع العرب. ولم تكن البندقية هي الوحيدة في إيطاليا التي وقفت من العرب هذا الموقف الودي، ولم تتردد في مساعدة العرب عند غزوهم صقلية، أم تعقد «بيزا» مع المسلمين معاهدات واتفاقيات ضد جنوه؟ كما وقفت نابولي إلى جانب المسلمين ضد منافستها «أمالقى» وانضمت سفن «أمالقى» إلى الأسطول العربي عند مواجهته الشواطئ الرومانية بالرغم من تهديد الكنيسة لسكان «أمالقى» بالحرمان وإعلان البابا هذا التهديد. ولعل السر الذي دفع هذه المدن الإيطالية إلى محالفة المسلمين ومعاونتهم متحدين بموقفهم هذا البابا وكنيسته، الرغبة الصادقة في المحافظة على حرية التجارة وسلامتها ولا صلة في الواقع بين التجارة والعقيدة ثم ما شأن البندقية هذه الدولة البحرية الناشئة وذلك الكهل القابع على ضفاف البوسفور؟ ! ثم هل كان من السهل على أهالي البندقية الرضوخ لقرار القيصر «يوحنا تزيميسكيس» القاضي بتشكيل لجنة تتخذ من جزيرة «ريالتو» مقرًا لها لتفتيش سائر السفن باحثة عن الأسلحة والخشب؟ لا شك في أن القيصر كان في حالة يرثى لها عندما قرر الانتقام من أهالي البندقية وذلك لكثرة الهجمات العنيفة التي شنها عليها الخلفاء الفاطميون، وعاونهم سكان البندقية بالأسلحة والخشب اللازم لبناء السفن الحربية، وغالى القيصر في تهديداته فقرر حرق جميع السفن التي تضبط عليها مواد محرمة بمن فيها فغضب أهالي البندقية لمثل هذا القرار ورغبوا عنه وعن تنفيذ رغبات القيصر؛ لأن الرضوخ لمثل هذا القرار معناه الرجوع بالحياة الرغدة السعيدة إلى الوراء؛ فاضطر القيصر إلى الإسراع في إصدار قرارات أخرى تعاقب بالموت، ذلك

стр. 37

الذي يضبط متلبسًا ببيع أسلحة إلى المسلمين. وفيما يتعلق بتجارة الخشب فقد أباح بيعه على ألا يتجاوز طول اللوح خمسة أقدام ونصف القدم، كذلك أجاز بيع الخشب المعد لصناعة الطشوت أو الأطباق أو الملاعق، إلا أن «دوج» البندقية رفض الإذعان لمثل هذه الإجراءات وأصبحت هذه القوانين معطلة وخاطب أمير البندقية أعضاء اللجنة قائلًا: ألم تكن تجارة الخشب من الأهمية بمكان لأهالي البندقية؟ أو لم يفكر القيصر في أنها مساعدة نافعة ضرورية للخليفة! والذي حدث أنه قبل وصول اللجنة لمباشرة عملها أقلعت ثلاث سفن محملة بالخشب اثنان وجهتهما «مهدية» في تونس والثالثة إلى طرابلس الغرب، وقد صرح الدوج بشحن هذه السفن رحمة بعمال الشحن المسيحيين الفقراء. أما دول شرق البحر الأبيض المتوسط من آسيا الصغرى حتى مصر فلن يصلها شيء من هذا الخشب، ويذكر الكتاب العرب في القرن العاشر الميلادي كثيرًا حول تجارة البندقية وأملفيس وبالرمو ومسينا مع عرب شمال إفريقيا. فالسفن العربية كانت تصل محملة بالستائر الحريرية الثمينة وأغطية المذابح والأقمشة السوداء الجميلة والملابس ذات اللون الأزرق السماوي وجميعها تراد إلى أوربا من القيروان وسوسا وجابس، كما وجدت الأقمشة العربية النادرة طريقها إلى «مونت كاسينو» والأديرة والكنائس الموجودة في شبه جزيرة إبنين، ومن المستطاع مشاهدتها حتى يومنا هذا. والشيء الجدير بالذكر أن هذه التجارة العربية ظلت زمنًا طويلًا محصورة في البلاد الواقعة جنوب جبال الألب ولم تستطع عبورها إلا أن بعد وقعت أحداث تاريخية هامة كانت بعيدة الأثر في الحياة الاقتصادية الشرقية الغربية، ومن هذه الأحداث أن بيزنطية استطاعت عام ٩٦١ م الاستيلاء على جزيرة كريت من العرب فأصبح الطريق إلى الشرق العربي مفتوحًا وعجزت القوة القيصرية أو البابوية عن الحيلولة دون قيام علاقات تجارية مع العرب في الشرق والاستفادة من تجارة العرب العالمية وثرائهم المتدفق. أما الحادث الثاني فكان عام ٩٩١ م عندما أرسل دوج البندقية وهو بطرس الثاني أو رسيولو سفراء إلى جميع الأمراء العرب محببًا إليهم البندقية وداعيًا إلى إقامة علاقات تجارية بينهم وبين بلاده، ولم يمض زمن طويل حتى أصبحنا نجد السفن التجارية تقلع من ليدو وجنوه بانتظام إلى سوريا ومصر؛

стр. 38

مما دفع الخليفة الفاطمي المستنصر الذي اشتهر بصداقته للمسيحيين إلى تعيين قسم خاص من القدس لإقامة الحجاج والتجار المسيحيين. وكانت قوافل السفن تقلع عادة من موانيها الأصلية في أوائل سبتمبر وتصل إلى الشرق بعد أربعة أو خمسة أسابيع، وفي الربيع تعود إلى موانيها الأصلية ثانية. أما الشتاء فكان التجار يقضونه في الشرق متنقلين بين فلسطين وسوريا وبغداد والخليج الفارسي أو يذهبون مباشرة إلى القاهرة والإسكندرية حيث توجد التوابل الجيدة التي ترد عن طريق البحر من الهند ومدغشقر وتدر على التجار الأرباح الطائلة لرخص النقل وقلة التكلفة، وهذا مما دفع الصليبيين فيما بعد إلى غزو فلسطين في مصر. أما التجار الذين كانوا مقيدين بالعودة على ظهر السفينة التي أقلتهم إلى الشرق فكانوا ينتهزون فرصة وجودهم في البلاد العربية ذات الحضارة العالية والثقافة الرفيعة، وعند عودة التاجر يحمل معه كثيرًا من الأقمشة القطنية السورية والكتانية إنتاج مصانع أنطاكية، وبضائع زجاجية وأخرى من القيشاني صناعة مدينة صور، ومختلف أنواع السكر في حقائب من صنع طرابلس الشام. هذا بالإضافة إلى الفلفل وجوز الطيب والكافور والكباب والبخور والمر والنيلة والعود وخشب الصندل والخشب البرازيلي وغيرها من الأصناف التي كانت تزدحم بها الأسواق المصرية. فالتجارة بين الشرق والغرب أعادت الصلات بين العالمين سيرتها الأولى، وبخاصة عندما قضت معركة المجر عام ٩٥٥ م في «ليشفيلد» على قبائل الغجر التي كثيرًا ما كانت تغير على القوافل التجارية وتعمل فيها سلبًا ونهبًا وتقتيلًا. أما الآن، بعد أن استب الأمن، فقد أخذت التجارة تتدفق عبر الألب وشجع على ازدهارها القيصر الذي منح السوق والنقود حقوقًا وامتيازات في جميع الأماكن الواقعة قبل الألب حول «بودينزيه» وأسافل حوض الرين، كما أصبح الطريق مفتوحًا لتصريف البضائع المخزنة في البندقية في شمال أوربا. لكن بينما كان الإيطاليون يحملون هذه البضائع إلى «بورجوند» وفرنسا والأراضي المنخفضة

стр. 39

إذ يصبح من النادر رؤية أحدهم في ألمانيا، كما أخذ اليهود في الختفاء تدريجيًا كتجار جملة واكتفوا بتجارة التجزئة مهتمين بالتوزيع والصيرفة والربا والخيول والماشية والبضائع والملابس المستهلكة أو المستعملة، كما أخذ التاجر الألماني في الظهور عابرًا سان برنارد الكبير إلى سهل نهر ألبو متاجرًا في البضائع الشرقية. لذلك كانت قبلة التجار الألمان جمهورية القديس مرقس (البندقية) وكانوا يصلون إليها قادمين من «كرنستنس» و «شافهوزن» و «رافينزبرج» و «ريجينزبرج» و «نيرنبرج» و «أوجبرج»، ثم «أولم» ومن «كولونيا» للاتجار في أثمن المنتجات الشرقية. وقد بلغ عدد التجار الألمان من الكثرة بحيث إن حكومة البندقية أعدت لأولئك التجار القادمين عبر جبال الألب مكانًا خاصًا للاتجار والإقامة أسوة بما فعله من قبل السلطان المصري للتجار المسيحيين في الإسكندرية حيث أوجد لهم الفنادق الخاصة. وقد أخذت البندقية عن العرب والعربية هذا اللفظ وأطلقته على الأبنية المشابهة فنجد الفندق الذي كان مخصصًا في البندقية للتجار الألمان يسمى «فندق دي تيديشي»، وهو يحتوي على ستة وخمسين سكنًا بالأسرة عدا أماكن الراحة والاستقبال والأماكن الأخرى للمواشي. وكان في هذا الفندق فرن خاص لصناعة الخبز وحوانيت للصناعات الضرورية المختلفة، كما زود بمخازن للبضائع وأماكن للبيع خاصة بهذه الجالية الصغيرة المستقلة. ولا غرابة في هذا فالبندقية كانت المحطة النهائية التي يبلغها هذا القطار التجاري. وهنا فقط استطاع التاجر «كونراد إيسفوجل» وهو أحد أبناء مدينة «نيرنبرج» الإقامة حيث يبيع بضائعه النحاسية والحديدية والفراء والأقمشة البرابنتية. وفي البندقية كان يدفع الضرائب المستحقة وقد أخذ هذا النظام عن العرب وكان يشرف على جميع هذه الإجراءات الموظف المعروف باسم السمسار، وهو الخبير في تثمين البضاعة وتحديد سعرها، وفي حضور هذا المثمن الرسمي كان التاجر الألماني يدفع الثمن المتحصل في بضائع أخرى، وبخاصة التوابل، والعقاقير المختلفة، والأقمشة، والثياب المزخرفة بالحرير والخيوط الذهبية.

стр. 40

فالاتجار مع البندقية كان يتطلب نظامًا خاصًا، فالتاجر «كونراد إيسفوجل» كان له الحق في أن يأخذ معه وإلى «نيرنبرج» بضائع لكن لا يسمح له بالخروج بنقود من البندقية وكان له الحق في مشاهدة قلاع السفن القادمة من صور والإسكندرية والمهدية وكويتا من شرفات فندقه ولا يسمح له بالاقتراب من السفن أو الحصول على قليل جدًا من الفلفل أو تبادل العبارات مع ركابها وملاحيها. كذلك الحال مع تجار «بورجوند» أو «بيمن» أو «ميلانو» أو «فلورنسا» فكان محرمًا عليهم الاقتراب من السفن مسافة سمع الأذن. ومقابل هذه الاحتياطات تتعهد البندقية ألا تشتري بضائع ألمانية خارج الألسنة الأرضية الممتدة في البحر ولا تعرض للبيع بضائعها في الأراضي الألمانية. واستطاعت البندقية عن طريق جزرها الكثيرة المنتشرة في البحر الأدرياتيكي احتكار التبادل التجاري بين الشرق والغرب وكان الأجانب مطالبين باحترام هذه القوانين وتنفيذها، وهذا سر قوة البندقية. أما جنوه فقد كان موقفها من التجارة يغاير موقف البندقية فجنوه من أنصار حرية التجارة؛ لذلك نجد هنا تجارة الشرق ليست حكرا للدولة بل حرة في متناول جميع التجار، فكانت جنوه سوقًا رائجة للصادر والوارد ومقصدًا للتجار الذين يصدرون إلى أسبانيا وشمال إفريقيا والشرق. والآن يبدو لنا أن خيرات العرب كانت أساس الإثراء والرخاء لا في الشرق فقط بل في الغرب أيضًا، كما أن هذه التجارة العربية هي القوة الاقتصادية ذات الأثر الفعال في أوربا وأن رفع المستوى الاجتماعي في الغرب إنما مرجعه القفف العربية الملأى بالفلفل، لذلك كان حرمان الأسواق الأوربية من هذه القفف سببًا رئيسيًا في القضاء على التجارة الداخلية أولًا، ةإفلاس التجار ثانيًا، وصهر الذهب المتداول ثالثًا. ففي اللحظة التي قطعت فيها الصلات بين الشرق والغرب تحولت أوربا إلى بلاد زراعية فرجعت القهقري وانحط مستواها الاجتماعي، وحرم الأوربيون من فلفل الشرق وجوز طيبه وسكره، واضطروا إلى أكل الكرنب دون بهار وغصت أسواق أوربا المحلية لا بالتجار بل بالفلاحين يعرضون حبوبهم والأواني الفخارية المصنوعة في منازلهم والسراويل المجهزة من القماش المنسوج في بيوتهم، واستمر

стр. 41

الحال كذلك حتى استؤنفت العلاقات التجارية بين الشرق والغرب بعد أن خفت حدة التعصب الديني، هذا التعصب الذي كان يحول دون الاتجار مع المسلمين. أما وقد عادت المياه إلى مجاريها وأخذت تجارة الشرق تتدفق على أوربا فإن صورة الحياة التجارية سرعان ما تغيرت وفتحت الحوانيت أبوابها وامتلأت بأقمشة الشرق وبهاراته وسائر خبراته وحاصلاته، كما حرص التجار على إجابة مطالب الطبقة الراقية فأحضروا كثيرا من كماليات الشرق ومقومات الأناقة والذوق الرفيع، وترتب على هذا التطور أن خطت المدن الأوربية بخطوات واسعة نحو حياة أفضل، وظهرت في أوربا ثورة اجتماعية بيضاء. وتدين البندقية في تطورها ورقيها وثرائها إلى الاتجار مع العرب، فلولا القرفة والكمون ومختلف أنواع الصباغات بما فيها النيلة، وكذلك التوابل والبهارات، ما استطاعت البندقية أن تتزعم النهضة الاقتصادية الأوربية التي ساعدت على ازدهار الغرب وتقدمه. ولم يكن مجهود البندقية مقصورا على الاتجار فقط بل ساهمت حتى في نقل القوات الصليبية إلى الشرق فبدت في رأي الغرب وكأنها تساهم في تحرير الأراضي المقدسة. ثم ولت أيام المستنصر وعهده الذي اتصف بالتسامح وكرم الأخلاق وحسن معاملة المسيحيين، وابتلى الله الشرق العربي بقبيلة تركية اتصفت بالقسوة والجفوة والتعصب الشعوبي، وهذه القبيلة هي التي تعرف في تاريخنا الإسلامي باسم الأتراك السلاجقة، ونجحوا في الاستيلاء على القدس وهددوا بيزنطة بالغزو فكانت هذه الأحداث إنذارًا بهجوم أوربا المسيحية على الشرق الإسلامي وسرعان ما ساءت العلاقات بين المسلمين والمسيحيين بعد أن عاش المسلمون والمسيحيون متآخين متحابين في فلسطين حتى أيام المجنون الحاكم بأمر الله. أما الآن فقد تحول البحر الأبيض المتوسط فجأة إلى معارك متصلة بين أصحاب العقيدتين، وقد دامت هذه الحروب عدة قرون. واستتبعت حالة الحرب إصدار القرارات البابوية التي تحرم على المسيحيين

стр. 42

التعامل مع المسلمين أو الاتجار معهم كما نصت هذه القرارات على توقيع عقوبة الحرق على كل من يصدر أن ينقل خشبًا أو أسلحة إلى المسلمين، لكن جميع هذه القرارات ذهبت أدراج الرياح ولم تثن الجمهوريات البحرية الإيطالية عن تثبيت صلاتها التجارية وتدعيمها مع المسلمين، وذهبت هذه الجمهوريات بعيدًا في صداقتها مع المسلمين فتولى بعض بحارتها قيادة السفن الحربية الإسلامية. كما أن سلطان مراكش طلب مرة معونة جمهورية جنوه فأمدته بأسطول يتكون من ثمان عشرة سفينة حربية مساعدة لأمير المؤمنين للقضاء على أعمال القرصنة التي كان يقوم بها الصليبيون. ولماذا لا يسلك أهل جنوه هذا المسلك؟ أليسوا تجارًا وصفة التاجر الماهر أن يستفيد من جميع الفرص السانحة له. لقد تاجر البندقي في كل شيء حتى في نقل ما بين عشرين وأربعين ألف محارب صليبي في جيش الرب، وقد تجمعوا في ميدان القديس مرقس ينتظرون ترحيلهم إلى عكا ودمياط، فكسب أهالي البندقية من عملية النقل ماديًا وروحيًا إذ ساهموا مساهمة طيبة في نصرة القضية المسيحية. وانتصرت البندقية عام ١٢٠٣ على بيزنطية انتصارًا فاصلًا، إذ توجهت حملة صليبية تحت قيادة البندقية فنكلت ببيزنطة تنكيلا لم يصبها على يد المسلمين من قبل، فقد وصف كاتب مسيحي هذه الحملة الصليبية والجرائم التي اقترفتها في بيزنطة المسيحية وصفا لا عهد للإنسانية به من قبل، فقد سلب أفرادها ونهبوا كل ما وصلت إليه أيديهم، فقد سرقوا الكنوز القديمة ودنسوا المقدسات فحطموها وخربوها وأحرقوا الكتب ومزقوها فكان انتصار هذه الحملة على بيزنطة انتصارا للبندقية وغيرها من الجمهوريات الإيطالية لتهديدات بيزنطة أولا وعلى سائر الدول المنافسة لها، وبخاصة المسيحية عن طريق هزيمة وفشل الحملات الصليبية ثانيًا. فقد استنفذت الدول المسيحية كل قواها دون تحقيق أهدافها: فالصليبيون كما يذكر الفرنسيسكاني الأسباني «رامون ليلل» لم يحققوا طيلة القرون التي قضوها في الحروب شيئًا، فلم يصلوا إلى قبر المسيح، ولم يقضوا على الوثنية (الإسلام)! ! أو

стр. 43

يحولوا الوثنيين (المسلمين) إلى مسيحيين ولم يفلحوا في الاستيلاء على الأراضي المقدسة. أما البندقية الحكمية فقد خرجت من جميع هذه المشاكل سليمة قوية، وبفضل اتجارها مع العرب ازدادت ثراء وقوة حتى إن خبرًا راج في أوربا فحواه أن أهالي البندقية لم يحزنوا لهذه النهاية السيئة للصليبيين فقد كان الأهالي على استعداد لاعتناق الإسلام لو اقتضى الأمر هذا، فهم الذين اتخذوا من هزيمة الملك القديس لويس ملك فرنسا عيدًا للمسخرة.

стр. 44

في مدرسة العرب إن انتصار البندقية كان، ولحد ما، انتصارا لأوربا، فالبندقية هي همزة الوصل بين الشرق والغرب اقتصاديا وعلميا وأدبيا، وإليها يرجع الفضل في هذه النهضة الإيطالية الشرقية، ومن ثم أخذت بيد الألمانية فالفرنسية. فتجارة الأراضي المنخفضة، ونجحت البندقية فربطت بينها جميعها وكونت شبكة قوية شملت المدن والشوارع ومختلف الطرق حتى بلغت إنجلترا والبلاد الإسكندنافية الشمالية فنهضت هذه الدول نهضة غير متوقعة. ثم نجد التجارة العربية تتخطى جبال الألب وكما كان الحال قديمًا في إيطاليا كذلك هنا عبر الألب حيث نجد خامات الأقمشة العربية وعليها الطرز العربية وقد صنعت صناعة حديثة، فمثلا القطن الذي أدخل العرب زراعته إلى أسبانيا وصقلية هو الذي يصنع منه هذا القماش الناعم الرقيق وتصدره سوريا وخراسان إلى مختلف الأسواق العالمية. فحوالي عام ١٢٠٠ م نجد الفاتنان الغانيات اللواتي تشيد بهن أغاني «نيثارت فون روينتال» يلبسن البركان المجلوب إلى أسواق شمال ألمانيا من ميلان. وبعد ذلك بقرن نجد صناعة البركان تنتشر وبسرعة في «كونستنس» و «بازل» و «أولم» و «أوجسبورج» في جميع إقليم «سوابيا». وبعد ذلك بقرن أيضًا هاجر نساجان لقماش البركان من قرية «ليشفيلد» إلى «أوجسبورج» وأكبرهم سنا كان «أولريش» الذي قتله مبيضو القماش. أما الأخ الآخر «منز» فلم يقنع بعملية النسيج وتولى هو بيع بضاعته الجيدة كما نجد بالات

стр. 45

القطن السوري والقبرصي تصل إلى مصنع أبنائه، وتخرج منه البركان الحديث لصناعة القطنية والشك والجبة. لكن ننبه الأبناء إلى أن انتشار التوابل والكسب الكثير الذي تدره على أصحابها أجدى لهم من النسيج، فأقبلوا على الاتجار في بالات القطن العربي وقفف الفلفل العربي، فلم يمض زمن طويل حتى أثرى أولئك العمال وأصبحوا قوة خطيرة يحسب لهم حساب في عالم المال وعرفوا باسم «فوجر». فعن طريق البهارات والقطن والحرير وما يصنع منهما من أقمشة وضع مؤسسو أسرة «فوجر فون دير ليلى»، كما سمي هذا الفرع الناجح من الأسرة نفسه، الأساس لهذه الثورة الطائلة التي دخلوا عن طريقها التاريخ، فقد بلغوا من السلطان والجاه أنهم كانوا يولون القياصرة والملوك ويمدون البابوات بالأموال كما ساعدوا الفقراء والمعوزين والذين غلبهم الحياء وهم في أشد الحاجة إلى المعونة، ويدين الإخوة «أولريش» و «مكس» و «يورج» و «يعقوب فوجر» بثرائهم إلى زهرة الليلك التي انتسبوا إليها وتبرعوا بالإنفاق على زواج ابن قيصر «هبسبورج» وهو مكسيمليان بوريثة «بورجوند» وهي «ماري». وعن طريق هذا الزواج تمكن الملك الفرنسي من الحصول على بلاد وزوج لابنه الذي لم يتجاوز السابعة من عمره. وتدين هذه الأسرة لهذا الاسم أيضًا بما أوحي إليها من ثقافة عربية، وحضارة عربية، وتقاليد عربية؛ وذلك لأنها اتخذت منه شعارًا لها ورنكًا يميزها. وقد أعجب الصليبيون بهذه الفكرة ونشروها عام ١١٥٠ في فرنسا وفي عام ١١٧٠ م في ألمانيا. فعن الفرسان العرب نشأت العادة الجرمانية، وهي اتخاذ صور الحيوانات إشارات للقوات والحروب، ومن ثم استخدمها الأوربيون أوسمة شرف للفرسان، ومن ثم تطورت إلى رنوك مدنية لها فنونها الخاصة ولغتها التي تتميز بها. وكذلك الرنك الذي أهداه القيصر فريدريش الثالث ولد مكسيميليان لأسرة الفوجر اعترافا بفضلها وأياديها البيضاء، كان عبارة عن زهرة الليلك الزرقاء والذهبية. والليلك هي الزهرة المحبوبة عند العرب وبخاصة في شرق البحر الأبيض المتوسط، وقد انتقلت فيما بعد إلى الرنك الفرنسي حيث نشاهد زهرة الليلك الجميلة.

стр. 46

وأخذت أوربا عن العرب عارية أخرى هامة جدًا وهي التي اتخذتها القيصرية الألمانية والملكية النمسوية المجرية والقيصرية الروسية شعارًا لها، وأعني بذلك «النسريْن». فهذه الشارة شرقية قديمة نجدها في الآثار السومارية والحيثية كما نجدها فيما بعد على النقود العربية. وفي أوائل القرن الثاني عشر الميلادي اتخذها سلاطين السلاجقة شعارًا لهم على رنوكهم، وبغتة يظهر النسران في القرن الرابع عشر في الرنك الخاص بقيصر ألمانيا. * * * وكان الشرق يذخر بالآيات الباهرة ثقافيًا وصناعيًا كل ما فيه يوحي لدعاة الإصلاح بإدخال الشيء الكثير إلى أوربا رغبة في الأخذ بيدها وتقدمها. ففي القرن الثاني عشر مثلًا عاد نفر من الحجاج المسيحيين من زيارة قاموا بها لقبر الرسول «يعقوب» في «سنتياجو ده كومبستيلا» في أقصى شمال غربي أسبانيا. عاد هؤلاء الحجاج ومعهم أول ورقة إلى أوربا جاءوا بها من الأندلس العربية، وذكر أولئك الحجاج أن العرب يستخدمون الورق للكتابة الجميلة وتدوين الكتب المقدسة ويدرس هناك كل كاتب الخط الجميل فهو الخط الوحيد الذي يستخدم للكتابة على الورق الجيد هذا الورق الذي كان يوجد بكثرة بحيث يسمح لاستخدامه في الأغراض التجارية كلف البضائع مثلًا. وحدث في ذلك الوقت أن غزت أوربا توابل ممتازة وروائح عطرية قوية وثياب أنيقة من القطيفة والحرير، وسرعان ما غمرت هذه البضائع أسواق الغرب وقلوب الغربيين؛ لأن مثلها قوي الرغبة في حياة الأبهة والترف ودفعها إلى الأمام بخطوات واسعة سبقت الإقبال على العلم والحرص على تحصيله. ولعل السر في هذا الانصراف عن الاهتمام بالعلم ندرة وسائل الكتابة منذ وقف الاتجار من قبل مع العرب. ففي عصر المارونجيين كان الكتبة في المحال التجارية والخبراء والأديرة يستخدمون ورق البردي. ففي مرسيليا كانت تفرغ السفن بدون انقطاع شحناتها من ورق البردي المصري، إلا أن تحريم الاتجار مع الشرق استنفذ جميع هذه الكميات فاضطر الناس إلى الاقتصاد في استخدام ما تحت أيديهم، وكثيرًا ما كانوا يمحون ما

стр. 47

على الورق القديم لإعادة استخدامه ثانية. واستتبع اختفاء الورق ندرة الكتَّاب الذين يجيدون الخط وظل الحال كذلك عدة قرون حتى أحضر بعض الحجاج من أسبانيا هذا النوع الجديد من ورق الكتابة والذي كان يستخدمه العرب في جميع مراسلاتهم التجارية وغيرها. وما كاد القوم في أوربا يرون هذا الورق حتى تهافتوا على استيراده فسافرت وفود تجارية من «نورنبرج» و «رافينز برج» و «بازل» و «كونستنس» إلى برشلونة ومنها إلى بلنسية حيث تقوم في ضواحيها أكبر وأحسن مصانع للورق، وقد قال فيه الرحالة العربي الجغرافي الشهير بالإدريسي: إنه لا يوجد في العالم ورق يضارعه جودة. وفي عام ١٣٨٩ نجد تاجر التوابل المشهور «أولمان شترومر» أنشط أبناء الأسرة التجارية المعروفة بهذا الاسم في «نورنبرج» والذي كان يتولىة تجارة الزعفران ونقله إلى أسبانيا يقرر إدخال صناعة الورق إلى وطنه فأسس في ذلك العام بالقرب من «نورنبرج» أول مصنع للورق في ألمانيا مستعينا ببعض العمال من إيطاليا التي كانت قد سبقت وأسست أول مصنع ورق في أوربا عام ١٣٤٠ م. لكن ألم تدون قبل قرنين ونصف قرن أول وثيقة على الورق في دولة مسيحية أوربية وكان ذلك عام ١٠٩٠؟ أو أن المؤرخ لا يعتبر جزيرة صقلية التي انتزعت حديثًا من العرب وسكانها المسلمين، وآلت إلى النورمان جزءًا من أوربا؟ ففي عام ١١١٥ تأكد تجديد أحقية روجر الثاني في عرش صقلية بناء على وثيقة من والده الجراف الأكبر روجر عام ١٠٩٠ بحجة أن هذه الوثيقة مدونة على ورق بالرغم أنه من هذا النوع الرقيق المصنوع من القطن في القيروان والذي كان من الصعب الاحتفاظ به في حالة جيدة، وجرت العادة أن تدون الوثائق على الورق القوي. والسبب في هذه الصعوبة التي اعترضت أحقية روجر الثاني في العرش تمزيق هذه الوثيقة وتشويهها مما أشكل على القارئ قراءتها مع وجود بعض التغيير فيها؛ لذلك ظل الملك روجر الثاني طيلة مدة حكمه مشغولا بفحص وثائق آبائه ووثائقه وإعادة كتابتها. ومن بين هذه الوثائق التي أعاد كتابتها تلك التي دونت عام

стр. 48

١١٠١، وفيها تهب والدته الأميرة «أديلاسيا» دير القديس «فيلييو» مصنعًا للورق شيده العرب، والدافع إلى تغييرها عام ١٠٠٢ هو كتابتها على الورق. والشيء الجدير بالذكر هنا أن صناعة طواحين (مصانع) الورق كانت من اختصاص العرب وعنهم أخذها الغرب كما أخذت أوربا كذلك طواحين الماء والهواء وغيرها. وصناعة الورق لم تظهر إلى الوجود بين عشية وضحاها فالورق قبل أن تعرفه أوربا قطع طريقًا طويلًا محفوفًا بالمتاعب والمشاق. ولعل من أهم الدوافع التي دعت إلى اختراعه الحاجة الملحة إلى مادة للكتابة في متناول مختلف طبقات الشعب ولا سيما أن أسعار الحرير الصيني الذي ظل زمنًا طويلًا مستخدمًا للكتابة كانت خيالية مما اضطر المفكرين إلى إيجاد حل لهذه المشكلة، ففي عام ١٠١٠ م وفق «تساي لون» مدير المصانع الحربية القيصرية إلى حل هذا اللغز، ولعل سرجًا من اللباد أو شعر الماعز أو البقر والذي تخصص فيه الأتراك الرحل الشرقيون، هو الذي أوحى إلى «تساي لون» فكرته الجديدة وشرع توًا في تنفيذها فاستغل قشور الشجر والحلفاء والخرق وشباك الصيادين القديمة فقطعه إربًا. فكان له هذا الورق الذي استغنى به عن الحرير الغالي الثمن. وحدث أن نزل العرب عام ٧٥١ م عددا كبيرا من أسرى الحرب الصينيين في مدينة سمرقند وخيروا الأسير بين العتق والرق وجعلوا ثمن العتق مباشرة حرفة من الحرف فاتضح أن عددا كبيرا من أولئك الأسرى الصينيين يجيد صناعة الورق فأعتقهم المسلمون وشيدوا لهم المصانع الضرورية فنشروا صناعة الورق في العالم الإسلامي، ومع مضي الزمن تقدمت هذه الصناعة باستخدام الكتان والقطن في صناعة الورق الأبيض الناعم الجميل الذي وجد أسواقًا رائجة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي وبخاصة في عاصمة الدولة العباسية بغداد، ومن ثم اقتبست أوربا هذه الصناعة، كما اقتبست غيرها من العرب. فالورق صفحة من صفحات الفخار للعروبة والعربية. وأدرك الخليفة المنصور (٧٥٤ - ٧٧٥ م) أهمية هذه الورق وكثرة الحاجة إليه في مختلف الدواوين والمعاهد العلمية، وتهافت عليه العلماء والنساخ والتجار وغيرهم

стр. 49

مما اضطر الخليفة إلى التوسع في صناعته خدمة للاقتصاد واستغناء عن البردي المصري، كما أصدر مرسومًا يحرم استخدام البردي في الأعمال الحكومية وطالب الموظفين وغيرهم باستخدام الورق الرخيص فقط. ولما تولى هارون الرشيد بلغ تشجيع الورق وصناعته حتى إن الوزير البرمكي يحيى بن خالد أقام عام ٧٩٤ م أول مصنع لصناعة الورق في بغداد، وهكذا نجد المصانع في دمشق وطرابلس الشام وفلسطين ومصر وتونس ومراكش وأسبانيا. وعن صقلية وأسبانيا أخذت أوربا صناعة الورق الذي هو أهم ركن من أركان الثقافة الإنسانية. فالورق يختم عصرًا من عصور تاريخ الحضارة كما أن انتشاره قضى على عصر احتكار العلم والمعرفة وبعد أن كانت الحكمة ملكًا لطائفة بعينها أصبحت اليوم للجميع وهي ترحب بكل من يخطبها. الورق هو العمود الفقري للمعرفة الإنسانية وهو أهم الوسائل لنشرها في مختلف الطبقات والأصقاع للمعرفة الإنسانية وهو من أهم الوسائل لنشرها في مختلف الطبقات والأصقاع بالرغم من أننا نعيش في عصر الراديو والكهرباء. واستتبع ظهور الورق اختراع الطباعة لا في أوربا فقط بل حتى عند الصينيين والعرب. ففي الغرب نجد أمثال «كوستر» الهولندي و «جوتنبرج» الألماني وقد ساهم كلاهما في هذا الحدث العظيم مساهمة كبرى. والآن نتساءل: ما هي الوسائل التي استخدمها وزير الخليفة عبد الرحمن الثالث لإعداد أكثر من نسخة من الوثائق الرسمية التي كانت توزع على الدواوين الحكومية في الأندلس؟ هذا ما نجهله، لكن المعروف الثابت أن العرب أوجدوا بعض وسائل الطباعة التي استخدموها في طباعة أوراق النقود وأوراق اللعب، وقد انتقلت أوراق اللعب هذه مع غيرها مثل الشطرنج والضامة. والتي ما زالت تحتفظ باسمها حتى اليوم في أوربا من أسبانيا إلى الغرب. * * * وفي أوربا فكرة سائدة تقول: إن مخترع البوصلة هو «فلافيو جيويا» وهو أحد أبناء «أمالقي». والواقع أن فلافيو هذا ليس هو مخترعها وليس هو أول من جاء أوربا بها فأصحاب الفضل في إيجادها هم العرب. وحقيقة اتجاه إبرة البوصلة المغنطيسية إلى الشمال قد عرفها الصينيون في أواخر القرن الأول قبل الميلاد، ويقرر

стр. 50

الصينيون فيما جاءنا من وثائق أن استخدامهم للبوصلة في الملاحة أخذوه عن أجانب، وكان ذلك في القرن الحادي عشر الميلادي وهو العصر الذهبي للأسطول العربي التجاري وأسفاره وبخاصة المحيط الهندي ودولة الصين فيتبادر إلى أذهاننا أن هؤلاء الأجانب الذين أخذ الصينيون عنهم استخدام البوصلة في الملاحة كانوا العرب ولا سيما أن بعض المصادر العربية التي ترجع إلى تلك العصور تؤكد استخدام العرب للبوصلة في هذا الغرض، وعن العرب أخذ الصليبي «بطرس فون ماريكورت» وأهداها إلى أوربا. وكان «ماريكورت» مدرسًا لروجر بيكون ومن توجه «ماريكورت» إلى فرنسا حيث كان قد ألم بالمغنطيسية والبوصلة وأدخلهما إلى أوربا وكان ذلك عام ١٢٦٩، وذلك عن طريق رسالته حول المغنطيسية. وبعد ذلك بمدة تبلغ نحو ثلاث وثلاثين سنة أي حوالي عام ١٣٠٢ م بدأ هذا الإيطالي من «أمالقي» يهتم بالبوصلة. والشيء الجدير بالذكر أن «أمالقي» هي أول ثغر يجري بجوار البندقية، وكانت تقوم بدور هام في تجارتها مع أصدقائها العرب، كما كان لهذا لثغر الإيطالي جاليات كبيرة في مختلف المواني العربية شرقًا وغربًا، وبالرغم من أن عصر «أمالقي» الذهبي كان قد ولى وانتهى إلا أن سكانها حتى عصر فريدريش الثاني كانوا أذكى وأحسن تجار وملاحين في جنوب إيطاليا، ومن أولئك الأبناء «فلافيو جيويا» الذي نجح في الحصول على هذه المعلومات من العرب ومن الشرق. لكن الأوربيين يحرصون على نسبة اختراع البوصلة إلى هذا الإيطالي، ولما أعجزهم الدليل وثبت للعيان أنه جاء بالبوصلة من العرب قال ذلك النفر المتعصب من الأوربيين إن «فلافيو» هذا أدخل على هذه البوصلة بعض التعديلات، وبعد ذلك قدمها لأوربا لاستخدامها في الملاحة ولا يستغنى عنها في البحار العالية والشواطئ الجديدة. * ... * * واليوم نقف حيارى لا نحير جوابًا أمام هذه الصواريخ التي تنطلق في الفضاء وتجوب أرجاء الكون وتعود من حيث بدأت، فهل فكر أحد وقد أخذنا بهول وعظمة ما نشاهد فيمن يجب أن نقدم له الشكر لهذا الاختراع؟ ثم أليس من المحتمل

стр. 51

أن الأوربيين ليسوا هم أول من فكر في اختراعه؟ لقد ثبت أن الفكرة الخاصة بإطلاق قنابل عن طريق قوة متفجرة من البارود هي فكرة صينية، وقد نفذت عام ١٢٣٣ م في معركة نشبت حول «بيين كيننج» بين الجيشين الصيني والمغولي، وكادت تدور الدائرة على الصينيين لولا أن فاجأوا العدو بهذا الاختراع وهو عبارة عن سهام تطلق عن طريق مادة محترقة تحتوي على ملح البارود. وحوالي عام ١٢٧٠ م استخدم المغول نفس السلاح مستعينين بقوة التفجير الناتجة من ملح البارود، وللمرة الأولى في تاريخ الحروب نجد هذه الصواريخ تلعب دورًا هامًا في كسب المعارك أو فك الحصار المضروب كما وقع فعلا عند القضاء على الحصار المضروب حول مدينة «فان تشينج». وبفضل هذه الصواريخ انتصر المغولي «كوبلاي خان» على الصينيين وقضى على مقاومتهم. لكن هل انتصر المغول على الصينيين دون تلقي مساعدة أجنبية؟ وإن كان للمغول حليف فمن هو هذا الحليف الذي استغاث به «كوبلاي خان» وأجابه إلى أرجائه وأعانه على القضاء على الصينيين؟ يحدثنا المؤرخ رشيد الدين حديثًا يثير دهشتنا فهو يذكر في سياق كلامه عن السلطان العربي أنه علم من حاشيته أن السلطان استجاب إلى طلب «كوبلاي خان» وأمر أن يرسل إليه المهندس الذي حضر من بعلبك ودمشق، وأبناء هذا المهندس وهم أبو بكر وإبراهيم ومحمد بنوا بمساعدة الفنيين الذين رافقوهم سبع آلات كبيرة وتوجهوا بها إلى المدينة المحاصرة، فهل سبق أن ساهم المهندسون العرب في فك الحصار المضروب حول مدينة «بيين كينج» عام ١٢٣٢ أيضًا؟ وهل هذا السلاح العجيب الذي استخدم هو بعينه الذي استخدمه القائد المصري فخر الدين، صديق فريدريش الثاني، عند ضرب جيش الإفرنج وملكهم لويس المقدس عام ١٢٤٩ حيث دارت رحى المعركة الصليبية للحملة الخامسة، واستخدم فيها القائد المصري فخر الدين نيرانًا عربية جديدة؟ وقد أثار هذا السلاح الجديد الخوف والفزع في صفوف الصليبيين حتى إن المؤرخين الأوربيين يذكرون أن كل مرة كان يطلق فيها الصاروخ المصري يشعر ملك فرنسا بخيبة عظيمة ويصرخ يا حبيبي يا سيد يا يسوع المسيح نجني واحمني ورجالي! ورب ضارة نافعة فقد تكتلت أوربا ضد العرب المسلمين وشن المسيحيون حربًا لا هوادة فيها؛ مما اضطر سلاطين الإسلام إلى تجنيد العلماء العرب في القرن الثاني

стр. 52

عشر الميلادي وبخاصة أولئك الذين يهتمون بالدراسات الكيماوية وأرسلوهم إلى مصانع المفرقعات حيث نجحوا في إيجاد مادة مفرقعة كاوية حارقة. وفي النصف الثاني من القرن الثالث عشر استكملوا خلق مادة مفرقعة دافعة للصواريخ واستخدموها في حروب المسلمين ضد الصليبيين. ففي كتاب الحرب لحسن الرماح وبعض المؤلفات الأخرى الخاصة بالحروب في ذلك العصر نجد ذكر كثير من المواد المفرقعة والأسلحة النارية وهي: بيض يندفع تلقائيًا ويحرق، وهي تطير نافثة اللهب، وهي تحدث صوتًا مثل الرعد ... وهكذا، فالعرب هم أول من صنع لغمًا تقذفه الصواريخ. والآن استطعنا أن نتوصل عن طريق بعض التراجم اللاتينية على معلومات دقيقة حول هذا الخليط العربي العجيب الذي يحدث رعدًا وبرقًا، وأن هذا الخليط قد وصل إلى بعض علماء أوربا أمثال «روجر بيكون» و «ألبرتوس مجنوس» والجراف الألماني الواسع الاطلاع «فون بولشتدت»، وقد يكون الأخير هو الذي اتصل أثناء تجواله بذلك الذي يدعي أنه مخترع البارود ألا هو الفرنسيسكاني «برتولد شفرز» في فريبورج عن هذا الاختراع العربي. ثم حدث أن انتقلت النظرية إلى التجارب العملية التي هزت كيان العالم؛ فالعرب في الأندلس هم أول من استخدم في أوربا. فالعرب الأندلسيون هم صانعو القنابل من البارود في أوربا وقد استخدموها فعلا في كثير من حروبهم. فالتاريخ يحدثنا أن المدفعية العربية قذفت بقنابلها في الأعوام ١٣٢٥ و ١٣٣١ و ١٣٤٢ م مدنًا مثل: «بازا» و «أليكتنا» و «الجيكيراس» فأحدثت هذه القنابل ذعرًا شديدًا في صفوف الأعداء حتى إنهم اعتقدوا أن الساعة قد اقتربت وأذنت الدنيا بزوال. وفي عام ١٣٤٦ دارت معركة طاحنة هي المعروفة باسم «كريسي» فأصلت فوهة المدفعية العربية، التي أطلق عليها الأوربيون وقتذاك فوهة الشيطان، العدو نيرانًا حامية واستولى الرعب على الإنجليز الذين كانوا في «الجزيرة» كما نكل العرب بالفرسان الفرنسيين تنكيلًا عظيمًا وأحرزوا عليهم نصرًا مبينًا. والنتيجة المحتومة لهذا السلاح الجديد أنه نقل فنون الحرب من مرحلة إلى أخرى إذ كان هو نقطة

стр. 53

التحول في الذخيرة والعتاد، وما زال منذ الحرب العالمية الثانية يطلع علينا بالعجائب. ثم دارت عجلة الزمن واضطر العرب أن يتركوا مكانهم لغيرهم سواء في الثقافة أو التجارة إلا أنهم أبوا أن يتنازلوا عن مكانتهم إلا بعد أن يتركوا للعالم آثارًا ناطقة بمجدهم وعظمتهم وفضلهم على العالم. فمن هذه الآثار الاصطلاحات الخاصة بالملاحة والتي ربطت بين تجارة البلاد المطلة على البحر الأبيض المتوسط وبين بقين الدول الأوربية فنحن نجد مثلًا أسماء أنواع كثيرة من السفن مثل: «داو» و «دنجي» و «قربلة» و «فلوكه» «الشراع، و «الميزان» و «الحبل» و «دار الصناعة» و «أمير البحر» و «قلفاط» و «قلفاطي»، وهو الذي يساعد نجار السفن بمطرقة القلفطية التي يصلح بها الأجزاء التي أصابها عطب في السفينة حتى لا تتعرض لعوارية. ومن آثار العرب أيضًا شكل الجندول البندقي والجندول هو ذكرى حب البندقية للشرق العربي. ومن مخلفات العرب أيضًا الحمام الزاجل فهو: أسرع من البرق وأنجز من سحابة؛ فقد كان يستخدمه العرب في خدمة البريد ونقله وبخاصة الأخبار السرية، ومن ثم اقتبس الصليبيون هذا النظام وأدخلوه أوربا، وما زال الخطاب في منقار الحمامة إلى يومنا هذا رمزًا للحب. كما تزين أوربا كعكة الأطفال برسم الحمامة عليها. ومن آثار الشرق على الغرب أيضًا الحدائق والعناية بها فالحدائق الأوربية تدين لا للعرب فقط بل للشرق قاصيه ودانيه أيضًا، وذلك منذ عدة قرون فقد أخذ الأوربيون النباتات المفيدة للطعام مثل الخيار والقرع والبطيخ والشمام والخرشوف والسبانخ والكبر والليمون والبرتقال والخوخ والتسفتشجين والأرز والزعفران وقصب السكر. وأخذت أوربا أيضًا نباتات الزينة أزهارها مثل الكستناء والبجلة وهي هذه الشجيرة ذات الأزهار البيضاء أو الحمراء والياسمين والورد وخيري البر والكاميليا والأسليح والفورسيسيا والسوسن، وعلاوة على هذه النباتات وتلك الزهور أخذت أوربا عن العرب طرق الري حيث كان العرب ماهرين في هذا الفن منذ أقدم العصور.

стр. 54

وخلف العرب وراءهم أيضًا أثرًا حتى في الكنائس مثل استخدام السبح في الصلوات، فقد جاءت السبحة من الهند واقتبسها الإسلام، ومن ثم أهداها إلى الكنيسة الرومانية وأجهزة الطقوس الدينية والمباخر والبخور والمر، كما نجد بعض الأقمشة العربية الحريرية والموشاة بالخيوط الذهبية والفضية تستر المذابح ورجال الكهنوت فتترك بجمالها أثرا بعيدا في الطقوس الدينية بالكنيسة الكاثوليكية، كذلك البلدشين العربي الذي نشاهده حتى اليوم يزين المذابح ويشهد لبغداد بالمكانة التي بلغتها في العصور الوسطى. ولا أدل على تغلغل الأثر العربي في أوربا من النظر إلى الملابس التي يرتديها الأوربيون حتى يومنا هذا سواء كانت هذه الملابس شعبية قديمة متوارثة عن العصور الوسطى أو حديثة تشكلها الحضارة وتوحي بها الأذواق. فهذه الملابس مصنوعة من أقمشة عربية الخامات عربية النسج عربية الذوق عربية الاسم عربية الوطن، فها هي «المستقة» تناسب كرنرادين في قطنيته الجميلة والبلوزة التي ترتديها] ريا [تحت شكة الكسوة الأنيقة. وفي البيت يرتدي الوالد جبة، وجبته الإنجليزية القديمة عندما يريد غسل سيارته، ثم الجبة الصغيرة التي يرتديها الطفل، وتلك التي ترتديها السيدة الأنيقة، وهي قطعة من الملابس الداخلية التي أعارتنا إياها المدنية الفرنسية. وفضل العرب على المرأة وزينتها وأناقتها يتجلى لنا أيضا في غير ملابسها، يتجلى في المساحيق والعطور، فشهرة الشرق في البخور والعطور وإعدادها قديمة جدًا. ولم تقف وسائل الزينة والتبرج على النساء بل تعدتها إلى الرجال، فالرجل المسلم قد اقتدى برسول الله ﷺ ويتزين بإطلاق اللحية، ثم اتصلت أوربا بالمسلمين في الحروب الصليبية فاقتبسها الرجال وأصبحت حتى اليوم من العادات المستحبة عند الغربيين. وهناك عادة هامة بالنسبة للعربي احتفظ بها الأوربي ألا وهي عادة الاستحمام وخلع الملابس. فالجرمان المخشوشنون اعتادوا كما يحدثنا (تتسيستوس) الاستحمام صباحا وغالبا بالماء الساخن عقب قيامهم من النوم، وكان الجرماني

стр. 55

يعتبر الاستحمام رياضة يومية، ويذكر (قيصر) أن الجرماني كان يستحم بالرغم من قسوة البرد في الأنهار، كما كان الجنسان يستحمان معا دون خجل. ولما زار الطرطوشي بلاد الفرنج لاحظ شيئا آخر، فكان وهو المسلم الذي يتوضأ قبل كل فرض من فروض الصلاة الخمسة يستنكر حال القذارة التي يحياها الشعب؛ لذلك صور هذه الحالة التي شاهدها بقوله إنه لم يشاهد في حياته أقذر منهم لا يغتسلون إلا مرة أو مرتين كل عام وبالماء البارد. أما ملابسهم فلا يغسلونها بعد أن لبسوها لكيلا تتمزق، والسر في هذا التحول العظيم في عادات الشعب الجرماني هذه التعاليم الجديدة التي تقول إن تجريد الجسد من الملابس مدعاة لإثارة الغرائز الجنسية والفوضى الخلقية؛ لذلك عدلوا عن الاستحمام وخلع الملابس ولجأوا إلى غرف صغيرة لتغيير ملابسهم، فاتهمتهم التعاليم الجديدة بالفسق والدعارة، بينما القذارة مظهر من مظاهر العفاف. ثم اندلعت نيران الحروب الصليبية وأقبل الصليبيون على الشرق فشاهدوا الحمامات في كل مكان، فنحن نعلم مثلا أن بغداد وحدها كان فيها في القرن العاشر الميلادي آلاف الحمامات الساخنة والحمامون والمدلكون والحلاقون للرجال والنساء للعناية بالجسد لا أسبوعيًا فقد بل يوميًا أيضًا، وقد لمس الصليبيون هذه الحياة العربية وأدركوا أثر الحمامات بما فيها من وسائل الراحة والنظافة والزينة فهاموا بها كما هام أولئك الغربيون الذين شاهدوها في إسبانيا وصقلية فألحدوا جميعهم في إدخالها إلى أوربا بالرغم من المعارضات الشديدة وصرخات الاستنكار التي دوت في كل مكان. وهكذا أخذت قلاع الدفاع التي شيدتها أوربا المسيحية في وجه العرب والإسلام والحضارة العربية تستسلم الواحدة بعد الأخرى، وذلك بفضل القنطرة التجارية التي أقامتها الجمهوريات الإيطالية مع العرب وبفضل التجار والمسافرين والصليبيين، واندفع تيار الحضارة العربية يكتسح ما أمامه من عوائق فأفاقت أوربا من نعاسها وأدركت أثر الجهالة التي تغط فيها ونهضت بفضل العرب والعروبة والحضارة العربية.

стр. 56

الكتاب الثاني الكتابة العالمية للأعداد

стр. 57

ميراث هندي لماذا يتعثر في ألمانيا وبصفة خاصة كل تلميذ مبتدئ عند محاولاته الحسابية الأولى، وبخاصة عندما يتدرج من الآحاد إلى العشرات؟ فكتابة العدد (٢٣) على السبورة تتطلب من التلميذ أن يقفز خانة ليكتب في التي تليها العدد (٣) ومن ثم يعود إلى الخانة التي تركها ليكتب العدد (٢)، ولو نسي في سرعة الكتابة أن يترك خانة ويكتب الأعداد حسب ترتيبها وسمعها ونطقها لخرج من (٢٣) إلى (٣٢) ومما يزيد في تعريض التلميذ للخطأ كتابة المئات، فلو اعتاد أن يكتب (٨٥) من الخلف إلى الأمام أعني من اليمين إلى اليسار مثل (٨٥) فإن التلميذ عند كتابة (١٢٣) يبدأ أولا بالعدد الدال على المئات (١) ثم بغتة (٣) ثم يعود مرة أخرى إلى خانة العشرات حيث يكتب (٢) ومن ثم تجده وقد استولت عليه الحيرة عندما يجد شعوبًا أخرى لا تقفز هذه الخانات؛ فالفرنسي يكتب العدد منطقيًا ومعقولا فمن المئات إلى العشرات ثم الآحاد فهو يقول للتعبير عن العدد (٢٣)] فين تروا [والإنجليزى] تونتي ثري [والروسي (دودزتي تري) أما الألماني فيقول دراي أوند زوانسيج ولا يقول (زوانسيج دراي). وهنا يتفق الألماني مع العربي الذي يكتب من اليمين إلى اليسار ويلتزم اليمينية مع الأعداد من (١ - ٩٩) وعن العرب أخذت سائر الشعوب المثقفة لا الألمان فقط هذه الأعداد وكان (كارل) الأكبر (شارلمان) يقول (زينزوج فنفسيج انتي تربو) = (مائة وخمسون وثلاثة)، بينما ظل الأمر زمنًا طويلًا اختلط فيه ترتيب العشرات والآحاد. فألمانية المرتفعات المتوسطة فضلت قديمًا استخدام

стр. 58

الآحاد- عند إدخال استخدام الأعداد العربية، ومن ثم مع مرور الزمن أخذ الألمان يعتادون استخدام التعبيرات العددية المطابقة للاستعمال العربي. واستخدام الأعداد العربية ليس مقصورا على الألمان فقط بل نجدها عند جميع الشعوب المثقفة ولولاها ما استطاع العالم إصدار التذاكر أو تدوين أثمان الأشياء ولا طبع دليل تليفون أو تقرير سوق الأوراق المالية، ولولا هذه الأعداد العربية ما قام هذا البناء الشامخ الخاص بالرياضيات والطبيعيات والفلك أو الطائرات أو السفن عابرات المحيطات كذلك الطبيعة النووية وغيرها. وتقديرًا لفضل العرب على الإنسانية خلد العالم اسمهم بتسمية هذه الأعداد: الأعداد العربية. إلا أن العرب ما زالوا يعترفون إلى اليوم بأن هذه الأعداد هندية الأصل، فهي تعرف عندهم باسم الأعداد الهندية. والآن سنستعرض قصة الأعداد العربية مبتدئين بأصلها الهندي حتى غزوها أوربا فسائر أنحاء العالم مبينين خط سيرها والعقبات التي اعترضتها وانتصارها؛ لأنه لا يجول بخاطرنا اليوم ونحن نكتبها ونفكر فيها كما لو أننا نفكر في لغتنا القومية ونجهل تمامًا المراحل التي مرت بها هذه الأعداد والمجهودات التي بذلها الكثيرون في سبيل تمكينها من النصر الذي أحرزته. اختلفت الشعوب ذات الحضارات القديمة في حوض البحر الأبيض المتوسط فيما بينها في التعبير عن العدد؛ فقدماء المصريين استخدموا للإشارة إلى الأعداد من (١ - ٣) خطوطًا عمودية، بينما الخط الأفقي يعبر عن العدد (٤)؛ لذلك كان الخطان الأفقيان في مصر القديمة يعبران عن العدد (٨)، وقد وصلتنا مجموعات من خطوط أفقية وعمودية ونقط تربط بينها إشارات خاصة هيراطيقية للتعبير عن الأعداد (١٠) و (١٠٠) و (١٠٠٠) فالعدد في مصر القديمة نشأ عن الهيروغليفية. أما البابليون فقد استخدموا للتعبير عن العدد ثلاث إشارات، وهي عبارة عن أسافين أفقية وعمودية وزوايا وكانت تعبر عن مختلف الأعداد بواسطة ترتيبها ووضعها.

стр. 59

أما اليونان فقد استخدموا منذ عصر صولون حتى القرن السابق للميلاد أوائل حروف أسماء الأعداد، ثم كانوا يرتبونها ترتيبا خاصا صعبا ويكونون من الآحاد العشرات ثم المئات، ومن هنا نطق العدد يختلف اختلاف بيِّنًا عن كتابته. وحوالي عام ٥٠٠ ق. م طرأ على العدد اليوناني نظام جديد استخدم في أول الأمر في الرياضيات كما استخدم حروف الأبجدية الأربعة والعشرين بعد أن أضاف إليها ثلاث إشارات سامية الأصل. والواقع أن اليونان قد أخذوا الأبجدية وترتيبها واستخدام حروفها للدلالة على الأعداد عن الساميين. ونحا نحو اليونان الرومان فقد استعانوا بحروف الأبجدية للتعبير عن العدد مع ملاحظة أن التقارب بين رسم الحرف ودلالته العددية جاء عفوا، فالروماني استخدم أصلا إشارات تشير إلى أغصان وكانت تكون خطوطا عمودية وترتب سويًا بحيث أنه إذا أراد أن يعبر عن العدد ثمانية جاء بثمانية أغصان ووضعها إلى جوار بعضها وإذا أراد التعبير عن العدد عشرة جاء بعشرة أغصان وثقبها بطريقة صليبية X)) ونصفها (٧) أو (٨) = (٥). وهنا تتفق الأعداد الرومانية مع الإتروسكية والأومبرية مع ملاحظة أو الرومانيين استخدموا النصف الأعلى من الإشارة الدالة على العشرة أعني (٧) للدلالة على العدد (٥) بخلاف الإتروسكيين الذين اختاروا الجزء الأسفل (٨) للتعبير عن (٥) وهكذا عن طريق التصليب والتدوير والتنصيف تكونت بقية الأعداد حتى الألف. والشيء الجدير بالملاحظة أن هذه الإشارات الإيطالية -مع بعض الفوارق الطفيفة- ترجع إلى عصر أقدم من معرفة الإيطاليين بالأبجدية، ومع مرور الزمن نجد الإشارات الدالة على الأغصان تأخذ شكل الحروف مثلًا (١) = (١) و (٧) - (٥) و (X) - (١٠) و (L) =(٥٠) و (C) =(١٠٠) و (D) =(٥٠٠) و (M) =(١٠٠٠). أما الشبه القوي بين الإشارتين الدالتين على العددين (١٠٠) و (١٠٠٠) وبين الحرف الأول من لفظ (سنتوم) أي مائة والحرف الأول من كلمة (ميل) أي ألف فقد وقع بمحض الصدفة، وهذا الشبه هو الذي سهل الانتقال إلى استخدام الأبجدية التي شاع استعمالها في العصور الوسطى.

стр. 60

والآن نتساءل ما الفرق بين كتابة العدد وتسميته والنطق به؟ إن كل عدد بل حتى الواحد يتكون من أجزاء كما تشتمل علبة الحساب على وحدات عددية مجتمعة وتعد فرادى كما يعد الإنسان نقودًا متساوية القيمة، وبينما يقول الروماني: (كوادر ينجنى أو كتوجينتا سبتم أي: أربعمائة وثمانين وسبعة إذ به يكتب «مائة. مائة. مائة .. مائة، خمسين، عشرة عشرة عشرة خمسة واحد. واحد». فالإشارات الرومانية الدالة عليها هي (cccclxxxvli). فلغة العدد واضحة منتظمة نظيفة ومتصلة من حيث النطق. أما كتابتها فمضطربة وإجراء العملية الحسابية البسيطة بها يتطلب جهدا كبيرا لصعوبتها. فلهذه الكتابة العددية حدودها لأنها لا تملك منم الإشارات ما يمكنها من التعبير عن كل القيم الحسابية. فالزائر للفوروم الروماني في روما يشاهد على الأعمدة السفن القرطاجنية التي استولى عليها الرومان في أول معركة بحرية انتصروا فيها عند (ميليه) على القرطاجنيين عام ٢٦٠ ق. م، وللتعبير عن العدد (٢٢٠٠٠٠٠) استخدم الكاتب ما لا يقل عن (٢٢٠٠٠٠٠) إشارة وقد حفرت كل واحدة منها إلى جانب الأخرى، وهذا العدد هو أقصى ما عرفه الرومان والحساب الروماني والإشارات الرومانية. وفي نصف الكرة الغربي كان الهنود هم الشعب الوحيد الذي ارتقى عن مستوى استخدام الطرق البدائية الحسابية العددية فلا تصفيف ولا ربط بين أجزاء متفرقة، فقد قسموا كل وحدة من وحدات الآحاد التسع كما تفعل ذلك اللغة أيضًا، وأوجدوا لكل جزء من العدد الإشارة الخاصة الدالة عليه، وبذلك يكون الهنود قد توصلوا إلى اختراع من أهم الاختراعات التي توصلت إليها الإنسانية. فهذه الآحاد الثابتة غير المتغيرة اكتسبت داخل حدود العدد قيمتها كآحاد وعشرات ومئات وآلاف وهَلُمَّ جَرَّا؛ لذلك أصبح ميسرًا للهنود كتابة أي عدد مهما عظمت قيمته. أما الصينيون فبالرغم من أنهم كانوا يستخدمون كذلك نظام الخانات أعني الآحاد، العشرات، المئات الآلاف و ... إلا أنهم كانوا يكتبون إلى جانب العدد الخانة التي يدل عليها مثلا العدد (٣٩٥٢) كانوا يكتبونه هكذا (٢ أحاد ٥ عشرات ٩ مئات ٣ آلاف).

стр. 61

كذلك نجد الرومانيين يكتبون الأعداد حسب خاناتها أعني (١) = (١) و (X)+ ١٠ و (C) =(١٠٠) و (M) =(١٠٠٠) ثم نجد أنصافها (٧) = (٥) و (L) =٥٠ و (D) =(٥٠٠)، وهي تلتزم ترتيب العملة أعني الترتيب التنازلي فالعدد (٣٩٥٢) يكتبه الروماني هكذا: MMMDCCCCLII. فمن هذا العرض يتبين لنا أن الصيني كانت يكتب إلى جوار العدد قيمته العددية أي أنه من الآحاد أو العشرات أو المئات كما رأينا سابقًا، وقد استخدمت هذه الطريقة أوربا قبل أن تتمكن من الأعداد الهندية إذ نجد الهندي بخلاف الصيني والروماني يكتفي بالخانات فقط وهي تنطق بالقيمة العددية، وقد شارك الهنود في هذه الطريقة شعب «مايا». وهذا العمل الجبار لم ينهض به فرد بعينه لأن بلوغ هذه المرحلة يتطلب ولا شك تطورا خطيرا يقطعه الشعب تطورا في الرياضيات حتى يصل بها إلى هذه المنزلة العالمية، ولا شك أن هذه الإمكانيات قد توافرت للشعب الهندي بعد أن أتت عليه مئات السنين، وليس معنى هذا أن الهند لم تمر بالمراحل الأولى مراحل الاستعانة بالعصى وجمعها، ومن ثم أخذت حوالي عام ٣٠٠ ق. م. تحول هذه الإشارات إلى أعداد وإن ظلت زمنا طويلا ملتزمة نوعًا بعينه من كتابة الخانات شأن الهند في ذلك شأن الصين. وحوالي القرن السادس الميلادي احتفظت الهند فقد بالأعداد الدالة على ١ - ٩، كما أوجدت نظام الخانات. وتحدثنا المصادر التي بأيدينا أن هذه الأعداد الهندية قد شقت طريقها خارج حدود وطنها، ففي عام ٦٦٢ م نجد الراهب السرياني «سيفيروس سيفوخت» الذي كان رئيسا لأحد الأديرة وناظرًا على مدرسة عالية على الفرات يذكر في صدد الحديث عن الأعداد الهندية: أن أهم شيء في الحساب الهندي والذي يميزه على ما عداه في العالم الإشارات التسع: وهذا هو أول مدح قيل في الهند؛ فبواسطة هذه الإشارات الجديدة استطاع «سيفيروس» أن يؤدي عملياته الحسابية بطريقة جديدة، وهي استخدام صفوف من الإشارات تعبر عن أعداد لا نهاية لها إلا أنه كانت تنقصها إشارة خاصة للتعبير عن عدد بعينه فهذه الإشارات تدل على أعداد خاصة فقط؛ فمثلا العدد (٣٩٥٢) نجد فيه العدد (٢) يعبر عن (اثنين) بينما العدد (٥) يعبر

стр. 62

عن (خمسين) والعدد (٩) هو (تسعمائة) والعدد (٣) يساوي (ثلاثة آلاف)، ولكن عند كتابة العدد (أربعمائة وثمانية) يجب أن توجد إشارة تبين خانة العشرات حتى لا يختلط العدد بالعدد (٤٨). وهنا أظهر الهنود، لسد هذه الخانة أو الإشارة إليها، عبقرية جبارة أثبتت كمال الأعداد الهندية. لقد أوجد الهندي ما يسمى بالدارة أو النقطة والتي تعرف في الهندية باسم «سونيا» أو «سونيا بندا» أي الفراغ، كما عبروا عن هذه الإشارة في الهندية أيضًا بكلمة «كها» ومعناها الثقب. فهذه الدائرة (٥) تدل أصلا على النقص في نظام الخانات في الحساب الهندي، ثم بعد ذلك استخدمها الهنود في حسابتهم كعدد مستقل، لكن الراهب السرياني «سيفيروس»، ويعرف الدارة في هذا الاستعمال، ولا نعلم كيف استخدم هذا السرياني العدد الهندي بدون مساعدة الدارة. وأول مرة شوهدت هذه الدارة في الكتابات الهندية كان عام ٤٠٠ م، وقد ذكر الفلكي الهندي «براهما جوبتا» والذي ولد عام ٥٩٨ م في رسالته المشهورة «سدهتنا» والتي وضعها وهو ابن ثلاثين عامًا، وقد عالج فيها النظام الفلكي فتحدث فيما تحدث عنه عن بعض قواعد الحساب والإشارات الخاصة بالأعداد التسعة، ثم ذكر الصفر كعدد خاص. وفي عام ٧٧٣ م وفد على الخليفة المنصور (٧٥٤ - ٧٧٥ م) في بغداد فلكي هندي آخر يدعى «كنكاه». ثم نجد الفلكي العربي المشهور بابن الآدمي يضع جدولًا يُعرف باسم «عقد اللآلئ»، وقد خدم شعبه خدمة جليلة. وقد ذكر أنه في عام ١٥٦ هـ حضر إلى المنصور رجل من الهند متضلع في نوع الحساب الذي كان سائدًا في الهند وقتذاك ويعرف باسم «سند هند»، وهو يتصل بحركات النجوم ومأخوذ عن كتاب «كارداجاز» الذي يحمل اسم الملك «فيجار» فأمر الخليفة المنصور بترجمة هذا الكتاب إلى العربية، واعتمادًا عليه يجب أن يؤلف آخر يعرف العرب حركات الكواكب، وأسند هذه المهمة إلى العالم محمد بن إبراهيم الفزاري الذي اعتمد على الكتاب الهندي اعتمادًا كبيرًا. أما كتاب «سند هند» فمعناه في اللغة الهندية «البقاء

стр. 63

الخالد»، وكان هذا الكتاب مرجعًا هامًا لسائر علماء ذلك العصر حتى زمن الخليفة المأمون (٨١٣ - ٨٣٣ م). وقد أعيد تأليف هذا الكتاب من جديد على يد محمد بن موسى الخوارزمي وقد استعان عند وضعه بالجداول المختلفة التي كانت متداولة في العالم الإسلامي، وقد قدر الفلكيون الذين استخدموا طريقة كتاب «سند هند» هذا الكتاب حق قدره ونشروه في أوسع الآفاق. أما الكتاب الذي أحضره العالم الهندي إلى بغداد وأثار به إعجاب الخليفة، فهو «براهما جوبتاز سيدهنتا»، وقد نقل إلى العربية تحت اسم «سند هند» وانصرف العلماء إلى دراسته بنشاط وهمة، كما لقي رواجًا عظيمًا بين القراء، وأوحى بقيام دراسات فلكية مستقلة مبتكرة شجعها الخلفاء وناصروها. وبفضل هذا الكتاب تعرف العرب إلى الأعداد الهندية. ففي عام ٧٠٦ م تجد الخليفة الوليد الأول. وقد امتد سلطان العرب في عصره حتى بلغ أسبانيا يصدر أمرًا بتحريم اليونانية في الدواوين وبخاصة في المالية، وقرر استخدام العربية مستثنيًا الأعداد فقط لعدم وجود ما يفضلها ويحل محلها إذ كان العرب قد رجوا وقتذاك على استخدام الأبجدية اليونانية للتعبير عن الأعداد. والذي حدث أن الأعداد الهندية أخذت في ذلك الوقت في الظهور فشقت طريقها إلى المجالات العلمية والحكومية والاقتصادية. ولم يكن استبدال نظام بآخر من الأمور السهلة الميسرة. فإدراك قيم الخانات والصفر في الحساب من الأمور الهامة التي تتطلب كثيرًا من الجهد والعناية وبخاصة إذا كان النظام الجديد قد خلقته عقلية أجنبية لها تفكيرها الرياضي الخاص. ولكي ندرك مدى العناء الذي قاسته أوربا مثلًا يكفي أن نرجع إلى تاريخ دخول هذه الأعداد أوربا. في الشرق العربي نجد عالمًا من خيرة العلماء يتولى تبسيط هذا الحساب الجديد إلى قراء العربية وبخاصة موظفي المصارف والتجار والمساحين، وهذا العالم هو

стр. 64

الخوارزمي الذي تناول كتاب «سند هند» وصاغه صياغة جديدة مبسطة جعلته في متناول القارئ، كما اهتم بمسألة الميراث في القرآن الكريم وعالجها علاجا سهلا مفهوما، كما ضرب كثيرا من الأمثلة والقواعد شارحا المواريث وعتق الرقيق. ولا شك في أن الخوارزمي من أشهر العلماء الذين عرفهم العالم الإسلامي في تلك الفترة من الزمن وقد وقع عليه اختيار نصير العلم والعلماء الخليفة المأمون فقربه إليه وحنا عليه فوضع له كتبا كثيرة في الجغرافيا والفلك، وقد ترجمها إلى اللاتينية بعد مضي ثلاثة قرون على تأليفها الإنجليزي «أتيلهرت فون بات» فيسر ترجمته هذه لعلماء أوربا الاطلاع عليها والاستفادة منها. لكن المؤلفات التي خلدت ذكرى الخوارزمي كتاباه في الرياضيات أحدهما وهو «الجبر والمقابلة» ويعالج المسائل المتصلة بحياتنا اليومية. وقد ترجم في العصور الوسطى إلى اللاتينية إلا أن المترجم اختصر اسمه العربي واكتفي بلفظ «الجبر»، وما زالت هذه الترجمة معروفة حتى اليوم باسم «الجبر». أما الكتاب الثاني الذي يخلد ذكرى الخوارزمي فهو كتاب صغير في الحساب الهندي وهو يشرح فيه الأعداد والحساب من جمع وطرح وضرب وقسمة، وكذلك الكسور والتنصيف والتضعيف. وقد وجد هذا الكتاب طريقه إلى أسبانيا حيث ترجم في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي إلى اللاتينية، وفي نفس القرن ظهرت الطبعة الأولى للترجمة اللاتينية لهذا الكتاب في ألمانيا، وأقدم مخطوطة توجد في مكتبة فينا وهي ترجع إلى عام ١١٤٣، كما توجد نسخة أخرى في دير «سالم» محفوظة تحت اسم «ليبر الجوريزمي» أي كتاب الخوارزمي، وهو اليوم في «هيدلبرج». ثم نجد لفظ «الجوريتمي» يصبح علمًا على رجل يسمى «الجوريسموس»، كما ازدادت الدعوة إلى استخدام الأعداد الهندية والحساب الهندي، وقد تفنن القوم في الدعوة إلى هذا حتى صاغوا في ذلك شعرًا لاتينيًا، فقد وصلتنا قصيدة تعرف باسم «كرمن ده الجوريسمو» أي قصيدة اللوغاريتم، وهي للمؤلف «ألكسندر ده فيلا داي» وهو من أبناء القرن الثالث عشر الميلادي.

стр. 65

إن الخوارزمي لم يتكلم فقط، فاسم هذا العالم العربي الذي علم أوربا الأعداد الجديدة وطريقة الحساب أصبح علمًا على الطريقة الحسابية الجديدة «تكرار الخمسة الأعداد»، وعلى العلم المعروف اليوم باسم «اللوغريتمات». وقد وجد لهذا العلم الأنصار الذين كافحوا من أجل استخدام طريقته في الحساب في أسبانيا وألمانيا وإنجلترا وفرنسا وتغلبوا على خصومهم الذين كانوا يناصرون الطريقة القديمة حتى اشتهروا باسم «الأبجديين» (الباسيتين)، كما عرف أنصار الخوارزمي الذي بشروا بطريقته الحسابية واستخدام نظام الخانات والصفر باسم «اللوجريتميين». لكن الشيء الذي يؤسف له أن التاريخ سريع النسيان، ففي القرن الثالث عشر نتبين في القصيدة اللاتينية «كارمن ده الجوريسمو» أن أصل ومدلول كلمة «الجوريسموس» قد ضاع، وليس هذا فقط بل حتى أولئك الذين يعنون بالبحث عن أصول المفردات ومدلولاتها وبخاصة تلك التي تتصل اتصالا وثيقا بالحضارة الإنسانية يتجاهلون العرب ودروهم الخطير في الحضارة الإنسانية؛ لذلك لا يهتمون بالرجوع إلى العربية إذا ما أرادوا معرفة أصل الكلمة ومعناها. فمن الأوربيين من ذهب إلى أن لفظ «الجوريسموس» يتركب من كلمة «اليوس» أي «أجنبي» أو «دخيل» ولفظ «جوروس» أي «إدراك» أو «معرفة» اعتقادًا بأن هذه الكلمة تشير إلى أنها ملاحظة أجنبية دخيلة. وآخر يصر على الاعتقاد بأن في الكلمة لفظ «أرجيس» وهو لفظ يوناني ولفظ «موس» أي عادة؛ فاللفظ يدل على عادة يونانية. ونجد ثالثًا تردي في الخطأ أيضًا فقال إن الكلمة مشتقة من «أريس» أي «قوة» و «ريتموس» أي «عدد». وجاء رابع بفكرة أخرى تقول بأن في لفظ «الجوريسموس» نجد الكلمة اليونانية «الجوس» ومعناها الرمل الأبيض وكلمة «ريتموس» أي عدد فكلمة «الجوريتموس» معناها الحساب على لوح مغطى برمل أبيض، كما جرت العادة قديمًا. ونجد خامسًا يفسر هذه الكلمة التي كثر حولها الجدل بأنها من «الجوس» أي «فن» و «رادوس» أعني «عددًا» فمدلول الكلمة «فن العدد». أما القصيدة «كارمن ده الجو ريسموس»، فقد قالت برأي آخر وهو أن خالق هذا الفن هو الملك «الجوروس» من الهند، ونسبه آخرون إلى ملك مسيحي خرافي يدعى «الجور» وكان ملكًا على كستيليا. ورأي آخر يدعى أنه فيلسوف. وفي رحلة طويلة حول

стр. 66

هذا اللفظ ومدلوله ظهر أخيرًا رأي جديد أقرب من كل ما سبق إلى الحقيقة، فقد اعتمد صاحب هذه الفكرة الجديدة على ما ورد مرة في كتاب منسوب إلى بطليموس وهو مكون من ثلاثة عشر جزءًا، وقد نقل إلى العربية مع تعريف اسمه تعريفًا عربيًا فأطلق على المترجم لفظ «الماجست» وهذه تسمية مركبة تركيبًا مزجيًا، وقياسًا على هذا لماذا لا يكون لفظ «الجوريسموس» أيضًا من العربية «أل» والكلمة اليونانية «أريسموس» أي العدد؟ أما الحرب «ج» فهو مقحم على الكلمة ولا يستحق التفكير. ففي الترجمة من اليونانية إلى العربية أو من العربية إلى اللاتينية كثيرًا ما يتعرض المترجم لمثل هذه الأخطاء وتلك الاحتمالات. وظل الحال كذلك حتى جاء القرن التاسع عشر واهتدى الفرنسي «ريناند» عام ١٨٤٥ إلى وجود اسم الخوارزمي في لفظ «الجوريسموس». ومن حسن الحظ أن دليلًا قويًا يقوم على أن الأعداد العربية وجدت طريقها إلى أوربا عن طريق كتاب الخوارزمي الأول الذي عالج فيه الأعداد الجديدة التي أولاها العرب كل اهتمامهم، وشرعوا في كتابتها كعادتهم في لغتهم من اليمين إلى الشمال مبتدئين بالآحاد فالعشرات، كما نتبين هذه الظاهرة من كتاب الخوارزمي وحيث بسط لنا الصفر واستخدامه في الجمع والطرح، فقد ورد: ٣٨ -١٨ ــ ٢٠ فإذا كان الباقي لا شيء فيقرر الخوارزمي كما جاء في الترجمة اللاتينية: وجوب وضع دارة حتى لا تظل الخانة خالية، ومكان الدارة هو هذه الخانة؛ وبذلك يتجنب الوقوع في الخطأ واعتبار خانة العشرات كما لو أنها خانة آحاد ولا يتأثر الإنسان بخلو الخانة، ويعتبر العدد (٢) أنه في الآحاد مع ملاحظة أن كتابة العدد تبدأ من اليمين إلى اليسار: ومن العبارة الأخيرة يفهم أن الصفر يوضع على يمين العدد ووضعه على يساره (٠٢) لا يغير قيمته.

стр. 67

وبالاطلاع على المصادر الأخرى يتبين لنا أن مترجمي المراجع العربية قد راعوا الحرفية عند نقلها إلى اللاتينية، كما اقتبسوا مع هذه الترجمة الطريقة العربية في الكتابة، أعني من اليمين إلى اليسار؛ فالأعداد العربية قد نقلوها مكتوبة على الطريقة العربية. أما الخوارزمي فلم يكن أول من عرف أوربا بالأعداد العربية فقد سبقه بنحو قرن ونصف قرن، أعني في القرن العاشر الميلادي أوربي نقلها عن العرب إلى أوربا وحاول جهده التوفيق في كسب أنصار لها فلم يوفق. وقد نشأ هذا الأوربي في أسرة متواضعة، ومن ثم أخذ يكد ويتعب حتى أصبح محور الحركة العقلية في بيئته فاكتسب صداقة ثلاثة من قياصرة ألمانيا كما أن المسيحية اختارته بابا. وقبل ظهور هذا العالم لم تكن لأوربا دراية ما بالعلوم الرياضية وحتى اليونانية الهللينية قد ذبلت وأصبحت في خبر كان، والسر في هذه النكسة التي أصابت العلوم اليونانية الهللينية في أوربا ظهور المسيحية وموقف رجال الكنسية منها، فقد شك أولئك اللاهوتيون في كل ما هو وثني وحاربوه، ولم ينجح في الوصول إلى الأديرة إلا علم الحساب لضعف صلته بالعلوم اليوناينة. وقد كتب علم الحساب العالم «بوتيوس» أحد الرومانيين المتأخرين، وكان موضع ثقة الملك «ثيوديريش»، ثم اتهم بالخيانة فأعدم ومن ثم جاءت العصور الوسطى فأعلنته قديسًا. وقد بلغت ندرة الكتب التي وضعها بعض المؤلفين الرومانيين حدَّ أن الرهبان في الأديرة كانوا يقيدونها بسلاسل حتى لا تفقد. وكان جل اهتمام الأديرة بالتدريس ينصرف إلى الحساب الابتدائي بواسطة الطريقة الرومانية القديمة التي كانت مستخدمة قبل معرفة الأعداد التسعة والإشارة الدالة على الصفر، وكانت هذه الطريقة الرومانية المعروفة باسم «أباكوس» عبارة عن إطار تمتد فيه أسلاك تجري فيها كرات تشبه هذه الطريقة المتبعة إلى اليوم لتعليم المبتدئين، كما درس الرهبان أيضًا الألغاز العددية الفيثاغورية أمثال: «إيزيدور» و «بيدا و «ألكوين» و «هرابانوس موروس» و «فالافريد سترابو» فلم يخطوا بالعلوم خطوة تذكر.

стр. 68

وإذا كان الحال كما صورنا فهل من المستغرب أن تتخلف أوربا وتعجز عن إشباع الرغبة العلمية لأبنائها؟ لقد ظهر فيها نفر تواق إلى التحصيل والمعرفة أمثال «جربرت فون أوريلاك» الذي كان حريصًا على طلب العلم أنى وجد، كما شغف بالاتصال بالعلماء مهما اختلفت عقائدهم وأوطانهم راغبًا في الاستفادة والإفادة، لذلك التف حوله الطلاب فحرص على تشويقهم إلى الرياضيات فنجح في خلق بيئة علمية أخلصت للعلم والنسخ والترجمة، فكان كالربيع الذي غمر الأرض بعد شتاء طويل.

стр. 69

البابا يمارس الحساب العربي وحدث عام ١٩٤٥ م أن عثر رهبان دير في «أوفرني» أمام باب الدير على طفل حديث الولادة ملفوف في قطعة من القماش ولا يعرف أحد والديه؛ فأخذه الرهبان وتولوه بعنايتهم وأسموه «جربرت» فنشأ تحت رعاية الدير حتى كبر وترعرع في الدير المسمى «أوريلاك». وحدث لما بل العشرين أن زار الدير المارك جراف «بوريل» البرشلوني فلفت نظره ذكاء جربرت، وصرح رئيس الدير له بمرافقة الجراب إلى بلده الواقع على الجانب الآخر من جبال البرنات. والجدير بالذكر أن هذا المارك جراف الأسباني كان كغيره من أمراء الأسبان قد غامر أكثر من مرة في حرب ضد أمراء العرب وخرج منها جميعها مهزومًا ومدحورًا، وانتهى أمره كما انتهى أمر سائر الأمراء المسيحيين الذين سلكوا مسلكه أمثال أمراء: «كستيليا» و «ليونز» و «نافاراس»، واضطر الجراف كما اضطر أولئك إلى إرسال رسل إلى أمراء المسلمين في قرطبة طالبًا الصلح. وشارك الأمراء المسيحيين سوء العاقبة الأسقف «هتو» معلم «جربرت»؛ فقد أصابه ما أصاب غيره من ويلات الحروب فاضطر أن يخنع ذليلًا حقيرًا أمام «الحكم» الثاني واضطر نيابة عن سيده أن يرجو الخليفة هدم جميع الحصون والقلاع القائمة على الحدود الأندلسية، وبهر «هتو» ما شاهده من أبهة وعظمة القصر الملكي الذي يكاد يشبه قصور القصص؛ لذلك طالما ألح «جربرت» على «هنتو» أن يقص عليه من أخبار المسلمين وحياة هذا الأمير المسلم الذي لم يكن عالمًا فحسب بل كان أيضًا محاربًا جبارًا ومؤرخًا عظيمًا. ولم يبخل هذا العالم الكهنوتي على «جربرت»

стр. 70

بمعلوماته التي جمعها عن الحياة الإسلامية والعلماء المسلمين والشعراء وغيرهم الذين كانوا كالسوار حول معصم الحكم، كما حدثه أيضًا عن أعيان المسيحيين الذين كانوا يقطنون قرطبة، هذه المدينة العظيمة وكيف أن المسيحيين هناك كانوا يتمتعون بكيانهم التشريعي، فلهم رئيسهم الديني وقاضي القضاة، وكانوا جميعهم يتزيون ويتكلمون مثل العرب ويتمتعون بكل الحقوق التي يمارسها العربي كما فتحت أمامهم دور العلم فاغترفوا منها ما شاءوا من رياضيات وطبيعيات، وكان حظهم من هذه الثقافة لا يقل عن حظ أساتذة الجامعات الإسلامية. وهكذا نجد «جربرت» يقبل على الأسقف «هتو» ويروي ظمأه العلمي مما اغترفه هذا الأسقف من ينابيع المعرفة العربية الإسلامية فحصل على يديه الكثير، وبخاصة الرياضيات والفلك ومعلومات أرى لا يعرفها أحد في بلده، أعني الأعداد العربية. وفي عام ٩٧١ م وافق «جلبرت» المارك جراف الأسقف إلى روما حيث تمت هناك المقابلة التي تعرف فيها على أسرة القيصر الألماني «أوتو» العظيم وحرمه القيصرة «أدلهيد» وابنها وكذلك الحفيد، فاتخذ أوتو الثالث من هذا المعلم العجيب أستاذًا له ومستشاره الخاص في القصر القيصري كما جعله كبير أساقفة «رافينا». وفي عام ٩٩٩ م عينه تحت اسم «سيلفستر» الثاني خلفًا لبطرس فكان هذا الرقي المفاجئ معجزة العصر ولغزًا للأحداث التي وقعت وقت ذاك. فشخصية الرجل ومعرفته أثارت إعجاب معاصريه، فقد استعان بالعلوم الإسلامية الشيطانية «كذا» للتدخل في علم الله ومخلوقاته؛ لذلك بدا هذا العالم أمام هؤلاء القوم سرًا غامضًا وساحرًا كبيرًا، فقد بلغ ما بلغ من علوم ومعرفة عن طريق العرب فقط ومن سوى العرب كان يهيمن على هذه العلوم وتلك المعارف غير المسيحية؟ فقد كان «جربرت» يسترق الزمن ليهرب من الدير خفية إلى أسبانيا -هكذا تحدثنا القصة- راغبًا في دراسة الفلك وغيره من العلوم على يد العلماء المسلمين. فهناك تعلم السحر وإحضار الجان الأسود من جهنم وغيرها وكذلك سائر الكائنات الضارة والنافعة، وفي أسبانيا أيضًا حصل عن طريق حيلة من الحيل من ساحر عجوز على كتاب في السحر كان الشيخ يحافظ عليه ويعني به كثيرًا، فما

стр. 71

كان من «جربرت» إلا أن وهب نفسه للشيطان حتى لا يستطيع الساحر العجوز أن يصيبه بأذى انتقامًا منه، واعتقد «جربرت» بحصوله على هذا الكتاب أنه ربح شيئًا كبيرًا من أعداء المسيحية. و«جربرت» هو أول أوربي استخدم الإشارات التسع التي تعلمها على الحدود الإسبانية. وفيما يتعلق بطريقة الحساب اليونانية والرومانية وهي الطريقة الابتدائية المعرفة باسم «أباكوس» والتي هي عبارة عن لوح خاص للحساب فقد ترك «جربرت» القوم وشأنهم يفعلون ما يشاءون. وإطار الحساب هذا كان مقسمًا بخطوط عمودية تقسم الإطار إلى خانات للآحادث والعشرات والمئات وهلَّم جرا. وفي هذه الخانات كانت توجد علامات للحساب من الحجر والزجاج أو المعدن حسب عدد الآحاد والعشرات والمئات وعن طريقها يستطيع الإنسان الجمع والطرح، والشخص الماهر في الجمع يستطيع عن طريقها الضرب أيضًا، وذلك أنه عن طريق تكرار عمليات الجمع يصل إلى العدد النهائي. لكن الشخص الذي كان يستصعب هذه الطريقة في استطاعته أن يقرأ واحدًا وواحدًا وواحدًا في واحد في الجداول الجاهزة. لكن ما الداعي إلى كثرة أكوام الأحجار هذه والتي يجب أن تحصى أحجار كل كومة على حدة علاوة على ما في الطريقة من تعب؟ أما إذا رسم الإنسان في خانات الحساب الأعداد الجديدة فيكفي أن ينظر إلى خانات الآحاد ليجد (٥)، وفي خانة العشرات (٦) فيقرأ في يسر (٦٥). وطلب «جربرت» إلى أحد صانعي التروس أن يصنع له لوح حساب من الجلد وكلفه، كما جرت العادة. أن يعبر في الخانات الدالة على الآحاد والعشرات والمئات على الأعداد الراسية بالإشارات الرومانية الدالة على (واحد) و (عشرة) و (مائة) أعني (I و × و C). أما الإشارات الدالة على الألف فقد طلب إليه أن ينحتها من القرن ورسم عليها إشارات جميلة جدًا وجديدة لم يرها أحد من قبل. وكما أن هذه الإشارات كانت عجيبة في أشكالها كذلك كانت في أسمائها حتى إن «جربرت» نفسه لم يذكرها.

стр. 72

ومن حسن الحظ أن أسماء هذه الإشارات جاءتنا في مخطوطة متأخرة ترجع إلى القرن الثاني عشر «رودولف فون لاون» وهي كالآتي: ١ = (ايجين) و ٢ = (أندرس) و ٣ = (أورميس) و ٤ = (أربس) و ٥ = (كويماس) و ٦ = (كلكتيس) و ٧ = (زينيس) و ٨ = (تمنياس) و ٩ = (زيلنتيس). ويلاحظ أن اللفظ الدال على العدد (٤) هو العربي (أربعة)، كما أن (٥) هي (خمسة)، وكذلك (سبعة) و (ثمانية). ومجرد النظر إلى هذه الألفاظ العجيبة فعلا يطلعنا على مدى التحريف الذي طرأ على أسمائها العربية، فقد شوهت حذفًا وتغييرًا فنسب أصولها إلى أنها انحدرت عن الكلدانية مما سبب للعلماء المتأخرين كثيرًا من الاضطراب. وظل الأمر كذلك حتى أدرك نفر من العلماء أن كثيرًا من المواد التي ترجع إلى بلاد العرب البعيدة قد نسبها القوم خطأ إلى الكلدانيين والألفاظ الدالة عليها كلدانية. ويذهب «رودولف» بعيدًا وينسب إلى الكلدانيين خطأ اختراعهم للطريقة الابتدائية للحساب والمعروف باسم «أباكوس». ولم يقف الأثر العربي عند الإشارات الدالة على الحساب الهندي بل أعطى أوربا أيضًا الطريقة العربية لكتابتها، أعني من اليمين إلى اليسار شأن العرب في كتابتها شأنهم في الكتابة العربية. ويذهب «رودولف» بعيدًا فيذكر عند الحديث عن جدول حسابه الخطأ الذي تردى فيه المخترعون إذ هم يكتبون من اليمين إلى اليسار، وأنهم لهذا السبب كثيرًا ما وقعوا في أخطاء كثيرة. وهناك تلميذ لرودولف يدعى «برنليوس» وقد نشر مخطوطة أستاذه الخاصة بالحساب وجدوله، كما ألف كتابًا حول الطريقة البدائية «أباكوس»، وهو يشرح كيف أن الإشارات التسع الجديدة للأعداد لم تنتشر خارج محيط العلماء ولم تجد طريقها إلى الشعب. فالإنسان لا يستطيع استخدامها لا في الكتابة ولا في الحساب. وقد نسخ «برنليوس» الأعداد العربية الموضوعة على الخانات الحسابية

стр. 73

فوق «أباكوس» إلا أنه في الأمثلة الحسابية التي ذكرها في كتابه وجد من الضروري استخدام الأعداد الرومانية؛ وعلة هذا أن «جربرت» لم يعرف «الصفر». ففي جدول الحساب عند كتابة العدد (١٠٠٢) تظل خانات العشرات والمئات خالية وعندما تنقصها أحجار الحساب لا يبقع الإنسان في الخطأ حسب الطريقة الرومانية ويقرأها (١٠٠٢) لكن ترك خانات العشرات والمئات بدون صفر يجعل كتابته مستحيلة، وبدون معرفة الصفر ما كان في استطاعته «جربرت» وتلاميذه فهم الطريقة الجديدة لكتابة الحساب، وكانت هذه هي الصعوبة الأولى التي اعترضته ووقفت حجرًا في طريقه وفي تطور هذه الكتابة واستخدامها. فما أشبه التمثيلية القصيرة وهي على مسرح الحساب الروماني بفرقة أجنبية تفرض عليها تمثيلية بعينها أجنبية عليها فهي لا بد فاشلة في أدائها. والشيء الجدير بالذكر أن «جربرت» والذين تخرجوا عليه أخذوا يقومون بدعاية قوية للتفكير الرياضي محاولين نشر حساب العمد فوق الأباكوس الروماني؛ لذلك عرفوا باسم «أبا كوسيين». أما الأعداد الأجنبية التي حاول «جربرت» نشرها فلم تتعد دائرة العلماء فقط، لذلك ظلت سيادة الأعداد الرومانية قائمة، وبعد قرن من ذلك التاريخ نشبت معركة بين الأباكوسيين أي العموديين والخوارزميين الذين كانوا في تلك الفترة قد تدربوا على طريقة الحساب الجديدة وهي (٢ في ٥)، وقد انتهت هذه المعركة بفضل العموديين. لكن كيف فات «جربرت» عند دراسته على الحدود الأسبانية إدراك الإشارة العددية العاشرة أعني «صفر»؟ والواقع أن الصفر لم يكن في عصره معروفًا في غرب العالم الإسلامي فالأندلسيون كانوا يكتبون أعدادًا مركبة من أكثر من أحاد، وذلك بوضع نقطة أو أكثر على العدد الدال على الآحاد أو العشرات أو المئات وهلمَّ جرًا، وبهذه الطريقة فقط كانوا يتغلبون على الصفر، وعندما تعلموا عن العرب الشرقيين طريقة الخانات أضافوا إليها الصفر، أعني أضافوه إلى طريقتهم القديمة التي كانوا يستخدمونها. أما كتابتهم الصفرية فإننا نعلم أن الإشارات العددية التي أخذها «جربرت» عن

стр. 74

العرب الغربيين، فقد كانت أقدم من الإشارة العاشرة التي جاء بها الخوارزمي وتختلف جزئيًا من ناحية الشكل عن تلك التي كانت مستعملة في شرق العالم الإسلامي وقبل مجيء الفلكي الهندي «كنكاه» إلى بغداد حيث أحضر الأعداد الهندية العشرة كانت الإشارات التسع والتي كانت تعرف باسم أعداد جوبار، قد جاء بها غالبًا تجار من الهند إلى الإسكندرية ومنها انتقلت إلى غرب البحر الأبيض المتوسط. والآن نتساءل: متى حدث هذا؟ ولماذا تنقص هذه الإشارات العددية تلك الإشارات الدالة على الصفر؟ هل جاء بها العرب إلى أسبانيا وبصورتها الأصلية، هذه الصورة التي عرفها بها «سفيروس سابوكيت»؟ أو أن الصفر لم يدرك قيمته ووظيفته أولئك الأجانب الذين أخذوا الإشارات العددية؛ لذلك ضاعت تلك الإشارة الدالة على الصفر وضاع معها مدلولها؟ إن شر عدم وجود الصفر ما زال إلى اليوم غامضًا. واختلاف هذه الإشارات العددية لم يكن مقصورًا على العالم العربي فقط، فالهند وطن هذه الإشارات لو توحدها، فهناك خلاف في أشكال الحروف الكتابية كما نجد فروقًا بين الإشارات الدالة على الأعداد حسب الزمان والمكان، وهذه الحقيقة نعرفها عن الرياضي العربي البيروني (٩٧٣ - ١٠٤٨ م) وقد كان معاصرًا ل «جربرت». والبيوني كما نعلم من تاريخ حياته كان هاويًا الأسفار وخاصة إلى الهند؛ لذلك ألمَّ بلغاتها وعلومها، وهو يذكر أن العرب أخذوا عن الهند الأعداد التي توافقهم فقط غير مكترثين بأشكالها طالما يدرك الإنسان القيمة الذاتية للإشارة العددية. ويذكر الخوارزمي أيضًا بهذه المناسبة أن العرب كانوا يستخدمون نوعين من الإشارات العددية الهندية فالإشارات الدالة على الأعداد (٥) و (٦) و (٧) و (٨) تختلف في كتابتها عن أخرى، ثم يضيف قائلًا: ولا توجد فيها صعوبات. وحتى يومنا هذا تجد كتابة الأعداد في شرق العالم العربي تختلف عنها في سائر الأقطار العربية الأخرى. أما الطريقة المتبعة في غرب العالم العربي فقد اندثرت بعد أن قدمت لأوربا النماذج المعروفة التي تستخدمها اليوم في: الأعداد العربية. و«جربرت» صاحب فضل عظيم على الأوربيين فهو أول من هداهم إلى الأعداد

стр. 75

العربية ولو أن شهرته أخذت تتوارى تدريجيًا مدة تبلغ نحو ثمانية قرون؛ وذلك بسبب كتابة «الهندسة المنسوب إلى بوتيوس» وكان مثار إشكالات عديدة حتى إنه لو صدر اليوم لكان موضوع قضية أمام المحاكم، ومن حسن حظ أن «ألكسندر فون هومبولدت» هو العالم الذي يرجع إليه الفضل في تقدير هذا الكتاب من الناحية العلمية. وينسب للمؤلف «بوتيوس» كتاب في الحساب مقتبس من كتاب «نيكوماخوس»، وقد كان كتاب «بوتيوس» في الحساب هو السبب في الغض من منزلة «جربرت» وفضله العلمي في إدخال الإشارات التسع الدالة على الأعداد الهندية بينما يعتقد العلماء أن «بوتيوس» في كتابه قد استخدم نفس الإشارات؛ مما يفيد أن أوربا عرفت هذه الإشارات إبان حياة «بوتيوس»، أعني في القرن الخامس الميلادي إبان حكم «ثيودريش» لإيطاليا، والنتيجة الثانية لانتشار هذا الرأي الخاطئ أن أوربا المسيحية عرفت الأعداد الهندية قبل العرب بزمن بعيد ثم حدث أن نسيتها أوربا حتى أعادها العرب إلى الأوربيين في القرن الحادي عشر. والواقع أن هذا الرأي الثوري القائل بأن «بوتيوس» كان محيطًا بالأعداد الهندية قد فسرها «هومبولدت» في «كوزموس ج ٢ ص ٢٦٣» تفسيرًا آخر وهو احتمال ظهور نظام الأعداد الهندية في موضعين في العالم، وفي كل موضع مستقل عن الآخر، أعني ظهر في الشرق وفي الغرب. لكن جميع هذه الاحتمالات قد ذهبت أدراج الرياح فالكتاب المعروف باسم هندسة بوتيوس ثبت أنه مزور وليس صحيحًا، إذ إنه يرجع في الواقع إلى القرن الحادي عشر الميلادي وليس إلى الخامس وكان يظهر كما لو أنه من تأليف عالم روماني، وأن المؤلف أغفل ذكر مراجعه، وأن هذه المراجع ترجع إلى عصر متفاوتة في القدم، ومن بينها مؤلفات «جربرت»، وعنه أخذ قواعد القسمة ومعلومات أخرى عن الأعداد العربية. وتتصل معرفة العرب بالأعداد وكتابتها اتصالا وثيقا بثلاثة أسماء: «سيفيروس سابوخت» و «براهما جوبتا» والخوارزمي وقد ارتبطت بهذه الأسماء الثلاثة من أوربا، وإنها لظاهرة عجيبة حقا أن نلحظ أن الأعداد الهندية في طريقها إلى غزو العالم اعتمدت على ثلاث محطات في العالم العربي، ونفس الظاهرة وقعت أيضًا في أوربا فحتى في هذه الظاهرة قلدت أوربا العرب.
следующие страницы →