مقالات العلامة الدكتور
محمود محمد الطناحي
صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب
القسم الأول
دار البشائر الإسلامية بيروت
стр. 2
مقالات العلامة الدكتور
محمود محمد الطناحي
صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب
القسم الأول
стр. 3
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٢٢ - ٢٠٠٢ م
دار البشائر الإسلامية بيروت
стр. 4
[مقدمة]
الطناحي ورحلته مع التراث العرب ي (١)
بقلم: أ. د. عبد الله حمد محارب
لم يدر بخلدي وأنا أستمع إلى حديث الدكتور محمود الطناحي الحلو مع زملاء وأصدقاء اجتمعوا في منزلي أنني سوف أعود من رحلة الحج التي كنت أجهز نفسي لها، فأجد العلم والفضل وكل الصفات النبيلة تتقبل العزاء بوفاته.
عرفته في أواخر السبعينات أستاذاً كريماً وحافظاً متقناً ثبتاً، وقبل هذا هو واحد من حواريي شيخنا محمود محمد شاكر، كان ملازماً له قارئاً عليه كثيراً من كتب التراث، ذكياً سريع اللمحة، مطلعاً على كتب التراث، ومتمكناً من تحقيقها، فقد كان منذ صغره معنياً بها، مشغوفاً بدراستها.
وقد التقى في مسيرة حياته عدداً كبيراً من العلماء والأساتذة المبرزين في هذا الميدان سواء من خلال عمله في دار الكتب ناسخاً للمخطوطات فيها، أو جهوده في معهد المخطوطات العربية، أو أسفاره إلى أقطار الأرض لتصوير تلك المخطوطات وفهرستها (المغرب، اليمن، تركيا، المملكة العربية السعودية)، كما صار حجة أيضاً في البصر بتاريخ الطباعة في مصر، وله فيها كتاب مطبوع، وهو حجة كذلك في فنون العربية وآدابها، حافظًا للقرآن الكريم، عارفاً وجوه قراءاته كلها، ومع كل هذا فقد كان لطيف المعشر، حلو الحديث، راوياً لطرائف عجيبة، صاحب نوادر، لا يمل منه جليسه، وفوق هذا فقد كانت الكويت من البلاد التي أحبها، وهو لم يتسن له أن
стр. 5
يقضي فيها أكثر من شهور معدودة أستاذاً زائراً في جامعتها، وقد لفت انتباهه النظام الدقيق الذي يضبط الحياة في الكويت، والنظافة في الشوارع والأسواق.
ولقد سطر أحباء الفقيد وأصدقاؤه جملة من المقالات الممتازة حول حياته ومؤلفاته وعلمه الغزير، على أن هناك جوانب أخرى عظيمة يعرفها جميع من التقاه، سواء أكان لقاء مباشرًا أم من خلال كتبه وإنتاجه العلمي الرصين.
هذه الصفات وتلك الجوانب تحتاج إلى تلتقط من سطور تلك الكتب والمقالات، فهي تتناثر في متون كتبه وتتلألأ في هوامشه، ومن هنا رأيت أن أحاول التقاط بعض تلكم الفضائل التي كنا نعرفها في الفقيد، ومن أبرزها:
تواضعه وعلو خلقه ووفاؤه، وقد صرفنا عن الحرص على ذكرها والإشادة بها أنه كان يمتعنا في حياته، أما وأننا قد افترقنا إلى حين فإن الحديث عن تلك اللمحات المحببة في شخصيته يخفف شيئاً ما من مرارة الأسى بوفاته.
فضل الرواد:
وفي مقدمة تلك الفضائل ذلك الدعاء الذي يتناثر بين عبارته عندما يذكر أساتذته ومشايخه وجهودهم وخدمتهم للعلم والتراث، كقوله عن شيخنا الأستاذ محمود شاكر: «حرس الله مهجته، أمتع الله المسلمين ببقائه، أحسن الله إليه وجزاه خير الجزاء»، ويدعو لمشايخه الآخرين كلما ذكرهم إذا كانوا من الأحياء «أطال الله في الخير بقاءهم» (مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي ص ٩٧) و «عبد السلام هارون حفظه الله» (المرجع نفسه ص ٩٩)، و «شيخنا الأستاذ أحمد راتب النفاخ أطال الله في النعمة بقاءه» (كتاب الشعر لأبي علي الفارسي ج ١ ص ٩٦).
وعندما يتحدث عن شيخنا الأستاذ محمود شاكر وجهوده في خدمة التراث يقول «وعذراً عن الإطالة فهو كلام نفيس عال لا يحذف منه شيء».
«كيف أكتب عنك أيها الشيخ الجليل؟ ومن أين أبدأ، وكيف أمضي؟ والحديث عنك إنما هو عن تاريخ هذه الأمة العربية الشريفة: عقيدة ولغة وفكراً ورجالًا، وآماداً
стр. 6
رحبة متطاولة، لا يقدرها إلا أنت، ولا يعرف كنهها إلا أنت، وتاريخ أمتنا حاضر بين يديك، ماثل أمام عينيك، لم يغب عنك لحظة، فماذا أنا قائل فيك؟ وماذا أنا بالغ من الكتابة عنك؟ ومعذرة ثم معذرة شيخي أبا فهر إذ أكتب عنك بهذه الوجازة التي تراها - أراك الله الخير كله، ودلك عليه، ورغبك فيه.
ثم معذرة من بابة أخرى: وهو أن كثيراً مما ستقرأه، إن شاء الله، منتزع من كلامك، مدلول عليه بفكرك، فأنا إنما أكتب عنك بك، وأتقدم إليك بسابق فضلك وموصول علمك، وإن كنت أعتقد أن هذا لا يعتذر منه إليك، وأيضاً فإنك كنت قد شجعتني على الكتابة عنك، حين أنبأتك ما أصابني من دوار أرضاني وأسخطني يوم خرجت إلى الناس بطبعتك الجديدة من كتابك الفذ «المتنبي»، وحدثتنا في الجزء الأول منه، حديثاً غريباً عجيباً، عن فساد حياتنا الأدبية، وعن تفريغ عقولنا من كل ما يردنا إلى تاريخنا وأيامنا، وقلت لك يومها:
إني أريد أن أدل على ما ذكرت بما شاع في كتاباتك الأخرى، ما دق منها وما جل، وقد أذنت لي في الكتابة عنك، ويومها رأيت نفسي - وأنا من أصغر تلاميذك - قد ظفرت بما فوق المنى»، (مدخل إلى تاريخ نشر التراث ص ١٠٣).
ومن العلماء الذين كان يحرص على الدعاء لهم الأستاذ عبد السلام هارون - وهو أستاذنا أيضاً، تتلمذنا على يديه يرحمه الله في كلية دار العلوم في الفترة من ١٩٦٥ م - ١٩٦٩ م -، فيتحدث في معرض انتقاده لشيوع ظاهرة المختصرات لأمهات الكتب في أيامنا هذه والتي قام بها البعض فأساءوا - بسبب ضعفهم العلمي - إلى الأصول.
ويقول عنه وبعد أن قدم بحديث عن جهود الأستاذ عبد السلام هارون في خدمة التراث: «وخلاصة ما يقال في الأستاذ عبد السلام محمد هارون: أنه لم يخط أحمد في التراث سطراً إلا ولهذا الرجل عليه منة، وذلك أنك لا تكاد تجد قائمة مراجع تراثية إلا وفيها كتاب من تحقيقات شيخنا، حفظه الله».
стр. 7
خدمة التراث:
وكل حديثه عن شيوخه والعلماء الذين عاصرهم كان يجري على هذا النمط، كالشيخ السيد صقر والشيخ محمد عبد الخالق عضيمة وغيرهما، وهو في معرض حديثه عن أساتذته كان يذكر فضل بعض العلماء الذين اجتمع معهم على مائدة التراث، كالأستاذ محمد رشاد عبد المطلب فيقول عنه (المدخل ص ٥٢ هـ ١): «كان يرحمه الله من العلماء بالمخطوطات وأماكن وجودها، وكان لا يجارى في معرفة المطبوعات وأماكن طبعها شرقاً وغرباً، والفرق بين الطبعات وعدد طبعات الكتاب المختلفة، ومن وراء ذلك كانت له صلات وثيقة بعلماء الدنيا، من عرب وعجم، كنت لصيقاً به ملازماً له عشر سنوات في معهد المخطوطات، وسافرت معه في بعثه المعهد إلى تركيا والمغرب وتعلمت منه الكثير، توفي إلى رحمة الله في غزة المحرم ١٣٩٥ هـ الموافق ١٩٧٥ م، وقد كتبت عنه كلمة غداة وفاته بمجلة الثقافة المصرية».
وهو لا ينسى كل من يسدي خدمة إلى تراث أمته فيقول عن «حسن عباس زكي»: «وقد سقت هذه الحكاية لأدل على فضل هذا الرجل (حسن عباس زكي)، ذلك الوزير الصالح، الذي أحب التراث العربي الإسلامي، حباً ملك عليه نفسه، وكان هو على رأس وزارة خطيرة - وزارة الاقتصاد المصري - معنيًّا كل العناية بشؤون التراث، والمشتغلين به، من علماء وناشرين، يفسح لهم في مجلسه، ويذلل لهم العقبات، ومن أياديه البيضاء نشر كتاب «الجامع الكبير» للحافظ السيوطي، الذي صدر مصوراً عن مخطوطته، وإعادة نشر كتاب «الأم» للإمام محمد بن إدريس الشافعي، إلى كتب أخرى ساهم في طبعها، أو أغرى الناشرين بطبعها، ومكتبته الخاصة تضم قدراً عظيماً من نوادر المصحف الشريف، والمخطوطات والمصورات والمطبوعات القديمة. تقبل الله منه صالح عمله، وجعله في موازينه يوم يقوم الناس لرب العالمين» (المدخل ص ١٠٣).
ومن الملتقطات التي تتلألأ في نظرته إلى الأوائل - رحمه الله تعالى وبرّد
стр. 8
مضجعه - أنه كان يحبهم ويعظمهم ويراهم سبباً في شهرة أبناء عصرنا، يقول في خاتمة مقدمته لكتاب منال الطالب في شرح طوال الغرائب لابن الأثير (ج ١ ص ٤٩):
(وغفر الله لنا، فقد جئنا إلى هذا التراث: لننال به الشهادات ونرتقي عليه إلى المناصب، ونطلب به المثالة عند الناس، ثم لم نعطه حقاً من الدرس والتأمل والاقتداء.
ورحم الله النضر بن شميل، فكأنه كان يعنينا حين قال قولته العظيمة في الخليل بن أحمد، شيخ العربية، يقول النضر: «لقد عاش الخليل بن أحمد في مربد من مرابد البصرة لا يجد قوت يومه، وأصحابه يأكلون بعلمه الأموال».
ويعيب على محققي التراث المرتزقين هذه الأيام حرصهم على أن يملأوا هوامشهم بما لا يتصل بالنص لتضخيم الكتاب.
وفي خصم الحديث عن العلماء والشيوخ لا ينسى ورَّاقي العصر الذين كنا نختلف إليهم نبحث في مكتباتهم عن نوادر المطبوع كالطيب وخربوش وغيرهما، ولم أكن أظن أنني سوف أجد ذكراً لهم في كتاب أو مقالة كان لهم فضل في إرشاد كاتبها إلى بعض مادتها، يقول ﵀: «وما أكثر ما وجدنا عندهم مما حفيت أقدامنا في البحث عنه في دور النشر وعند سماسرة الكتب، وفي مقدمة هؤلاء الورَّاقين الشيخ علي خربوش، وزكي مجاهد، ومحمد العبادي، ومحمد الطيب، وحجازي صاحب المكتبة الحجازية بالإسكندرية وغيرهم». (المدخل ص ١٤٢).
وفاؤه وتواضعه:
أما وفاؤه فأنت تراه في مواضع كثيرة مما كتب، وهي طبيعة صاحب النفس الصافية التي لا تحمل حقداً ولا تنسى فضلًا، ويذكر من هؤلاء الذين أحسنوا إليه «الشيخ الأصولي الفقيه عبد الغني عبد الخالق الأستاذ في كلية الشريعة، محقق كتاب آداب الشافعي ومناقبه، لابن أبي حاتم الرازي، وكان صاحب غرائب وعجائب ...
стр. 9
وكان كثير البر بتلاميذه وأبنائه، وقد تخرج على يديه عدة من أبناء الجزيرة العربية، وبخاصة طلبة العراق، والمملكة العربية السعودية، وقد أحسن إليّ كثيراً وقرَّبني من مجلسه في أول اشتغالي بالعلم، توفي عام ١٤٠٣ هـ ﵀ رحمة واسعة» (المدخل ص ١٤٢ - ١٤٣).
وقال عن المرحوم محمد رشاد عبد المطلب: إنه «قد تعلم منه كثيراً»، وعند حديثه عن الشاعر المحقق حسن كامل الصيرفي يقول: «ولهذا الرجل فضل عليَّ سابغ» (مستقبل الثقافة العربية كتاب الهلال ما يون ٩٩ ص ٥٦).
ويقول عن فترة عمله في جامعة أم القرى: «إنهم أنزلوه آنذاك منزلًا كريماً» (منال الطالب في شرح طوال الغرائب ج ١ المقدمة ص ٧، ٨، ٩)، وشرح هذا في الهامش فقال: «حيث عوملت وظيفياً تحت بند هناك يسمى «كفاءة نادرة» يعامل به الإنسان الذي أكرمه الله بشيء من العلم معاملة «العالم» لا معاملة «حامل الشهادة العليا» - لاحظ تواضعه ﵀ وفي ظل هذا البند كان يعامل الأساتذة: محمد متولي الشعراوي ومحمد الغزالي والسيد أحمد صقر والسيد سابق ومحمد قطب».
وهذه الأسماء لعلماء عصرنا الكبار تنبئك عن مكانة فقيدنا - يرحمه الله - العلمية الكبيرة.
ثم يفيض وفاء وشهامة فيقول:
«ومن أمانة التاريخ، ومعرفة أقدار الناس أذكر هنا أصحاب الفضل في إرساء المبادئ العلمية الرفيعة: الشريف راشد الراجح، ومحمد بن سعد الرشيد ... »، ثم يذكر مجموعة من القياديين الذين أرسوا هذه المبادئ ...
وهو لا ينسى أن يذكر مذاكرته العلم مع زملاء له وطلاب كانوا يدرسون على يديه، ويرى في هذه المدارسة والمذاكرة فائدة للعالم قبل المتعلم.
يقول: «وكانت أياماً زاكية مباركة، وقرأت فيها مع إخواني الشباب هناك شيئاً من علوم العربية، وقد أعطيتهم وأعطوني، أعطيتهم خبرة الأيام، وثمار مجالسة أهل
стр. 10
العلم ومشافهتهم والرواية عنهم، وأعطوني حماسة الشباب وتوقده، بل إنهم فتحوا لي أبواباً من النظر، ودلوني على فوائد من الكتب لم أكن أقف عليها لولا نظرهم ومناقشتهم، وما زلت أقول: إننا حين نعلم ونخرج أبناءنا الطلبة إنما نقرأ معهم العلم مرة أخرى، بل ربما استفدنا منهم مثل الذي استفادوه منا، ولأمر ما كان التلميذ قديماً يسمى «صاحباً» لشيخه: فأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، والربيع بن سليمان المرادي صاحب الشافعي، وابن جني صاحب أبي علي الفارسي ... وهلم جرّاً».
ثم لا يترك هذا الموضع حتى يذكر في هامش الصفحة أسماء هؤلاء الشباب الذين أفادهم واستفاد منهم، ومنهم: عياد بن عيد الثبيتي، سليمان بن إبراهيم العايد، عثمان بن حسين الصيني، عبد الرحمن بن سليمان العثيمين وغيرهم.
ولعل هذه الإشارة من عالمنا الجليل إلى توقير واحتفال الجامعات السعودية بأهل العلم والحفظة والرواد، الذين ضاقت بعلمهم الواسع الشهادات الجامعية، فالتقطتهم درراً واستقطبتهم نجوماً، أثرت بهم هيئاتها التدريسية وانتفع طلابها بعلمهم العظيم، هي التفاتة مهمة وتنبيه واجب للقائمين على إدارة المؤسسات الجامعية في بلادنا العربية، فهذه السُّنَّة الحميدة، وهي التعيين دون الالتزام بمسميات الشهادات، أسلوب عرفته الجامعات الأجنبية قبل العربية، فاستفادت منه، وبسبب هذا النهج رأينا العقاد وعبد السلام هارون وعمر الدسوقي، وغيرهم كثيرين، رأيناهم في أروقة الجامعات يحاضرون ويناقشون ويفيدون وهم لا يحملون لقب العصر وصرعته «الدكتوراه» ولا يعبأون بها، وكان الأمر كذلك في مؤسساتنا العلمية إلى أن ابتليت بالنظام الأمريكي الفجّ، الذي جعل الطلاب يمتحنون أساتذتهم في بعض المقابلات الخارجية، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
علمه وفضله:
أما علمه وفضله فإن الحديث في هذا الجانب «سوف يغرق في بحور إحسانه»، (وهي كلمة الحسن بن رجاء في مدح أبي تمام)، وما سطره الإخوة الأفاضل
стр. 11
والأساتذة الكبار من محبي الفقيد في مجلات وجرائد مصر والمملكة العربية السعودية والكويت ينبئك عن مكانته العلمية ورسوخ قدمه في علوم العربية، بما لا يتأتى لأحد في هذا العصر إلا القليل، وربما لا تجد عند غيره تلك الثقافة الموسوعية التي حظي بها يرحمه الله، وتلك القراءات الثرية تتلألأ بها مؤلفاته بصورة مدهشة، فأنت عندما تقرأ ما يكتب الدكتور الطناحي تجده تجاهك يحدثك وتحدثه، ويلقي إليك بفوائد جمة تجيئك تترى، والمحب للتراث إزاء تلك الفوائد والغرائب لا يكاد يلتقط أنفاسه من نفاستها وتتابعها، ويكفيك أن الإخوة في المملكة العربية السعودية عرفوا قدره فوضعوه بإزاء الشيخ محمد متولي الشعراوي والشيخ محمد الغزالي والسيد صقر يرحمهم الله وغيرهم. كما أن فكه لطلاسهم أسلوب أبي علي الفارسي في كتاب «الشعر» دليل على رسوخ قدمه في تحرير النص وتحقيقه (انظر ج ١ ص ٦٣ وما بعدها).
وعالمنا الجليل يحرص على تذكيرنا دائماً بأنه: «لا يغني كتاب عن كتاب» (الموجز في مراجع التراجم ص ٢٤) و «أن مجاز كتب التراث مجاز الكتاب الواحد»، (المرجع السابق ص ٣٥).
ولقد اخترمته المنية وقرار اختياره عضواً في مجمع اللغة العربية في سبيله للصدور، فخسر المجمع بذلك ابناً باراً من أبنائه الأوفياء، ﵀ رحمة واسعة.
وبقي فقيدنا عمره كله وفياً لتراث أمته يذود عنه بغي الباغين، وتشكيك المستغربين، ويسوؤه ما انتشر في هذا الزمان من استهانة به وبأصول تحقيقه ودراسته، واندفاع بعضهم في إخراج الطبعات السريعة لبعض كتب التراث: لا يعبأ بصحة القراءة، ولا يضبط النص، ويستجلب التعليقات مغيراً على كتب الأئمة الأعلام، «ولا بأس من التهويش ببعض الشروح اللغوية التي تعبُّ من المعاجم عبّاً، وكثيراً ما يقع في نقل هذه الشروح أخطاء فادحة، لعدم التنبه للمشترك اللفظي» كما يقول ﵀ في (كتاب الشعر لأبي علي الفارسي، المقدمة صفحة: ج).
стр. 12
زينة المجالس:
وتبقى بعد كل ذلك روحه المرحة وخفة ظلَّه وتعليقاته الطريفة، فهو زينة المجالس وريحانتها، مع عزة نفس وإباء، وحرص على صيانة كرامته من كل ما يسيء إليها ولهذا فهو يصف هؤلاء الذين يتزلفون لتلاميذهم في أسلوبه الساخر الممتع قائلًا: «وإن منهم لفريقاً يتهافت على ذوي المناصب من تلاميذه، حتى إذا رأى أحدهم في مجلس طمح ببصره إليه، وأخذ يمد عنقاً ويميل رأساً، ويسدد نظراً ليريه مكانه فتلتقي العينان، فيذهب بها غنيمة باردة يحدث بها أهله وولده، فإذا أبصره في طريقه ركض خلفه حتى يكاد يتعثر في أذياله، وشق الصفوف إليه وقد علاه البهر وغلبه النهيج حتى يوشك أن يكتم أنفاسه، فإذا انتهى إليه ابتسم في صَغار وانكسار وأخذ يذكره بتلمذته له في ثقل وغثاثة:
«ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظَّموه في النفوس لعظما»
(مقدمة كتاب الشعر ص ٦).
وانظر مقالته في الهلال عدد سبتمبر ٩٥ حول التصحيف والتحريف: «هذه النقطة وقضية التصحيف والتحريف»، وهو يناقش فيها الخطأ الذي جاء في امتحان اللغة العربية للثانوية العامة في بيت أحمد شوقي:
«ولم أخل من وجد عليك ورقَّة ... إذا حل غيد أو ترحل غيد»
إذ ورد مصحفاً في السؤال بالعين المهملة، والصواب «غيد» بالغين المعجمة (الشوقيات ٢، ١١٩).
فيستهل هذه المناقشة بأن يسوق رواية طريفة حول أشهر تصحيف في التراث، وهو التصحيف الذي جعل والي المدينة في زمن سليمان بن عبد الملك يخصي مجموعة من المخنثين، بسبب تصحيف وقع في كلمة «أَحص» بالحاء المهملة فصارت «اِخص» بالخاء المعجمة، هؤلاء الذين خصوا معرَّفون بأسمائهم، ويقال في ترجمة كل منهم: «وهو ممن خُصي بالنقطة».
стр. 13
وهكذا كان ﵀ في كل ما يكتب أو يقول خفيف الظل والروح، لا يمل مجلسه، وتود لو بقي معك اليوم كله لا يفارقك.
واليوم ونحن نكتب هذه السطور نشعر بالأسى لفقد «جبل من جبال العلم» - كما وصفه أخي العزيز عبد الحميد البسيوني - حفظه الله ومتعه بالعافية.
وإذا كان الفساد قد ألقى بعاعه في هذه الأيام على حياتنا الأدبية، فإن الدهر قد لا يجوز بأمثاله، وإن عزاءنا أنه لم يمت بيننا، وستبقى الذاكرة تسترجع صورته وعلمه ومواقفه النبيلة العظيمة، وسوف تخلده مآثره وكتبه وسيرته في خدمة التراث العظيم لهذه الأمة التي كرمها الله بلغتها ودينها، ولهذا فإن الباحثين مدعوون إلى العكوف على دراسة منهجه وقراءة كتبه واستخلاص المعلومات والإشارات حول قضايا التراث المختلفة ونسخ المخطوطات الثمينة والنادرة التي نسخها أو رآها، وقبل هذا تمثل مراحل حياته التي أوصلته إلى هذه القمة العلياء من العلم والفضل، والتي تصورها سيرة حياته الثرية بالتجارب، ثم الاستفادة من تلك التجارب التي صقلته، والتي سطر كثيراً منها في كتبه وهوامشه، فعليك ﵀ يا أبا محمد، وجزاك عما قدَّمت خير الجزاء الذي يجزى.
* * *
стр. 14
من ذكريات الدكتور الطناحي في مكة
لمَّا عاد الدكتور محمود الطناحي من مكة المكرمة - وقد قضى فيها ما يقارب أحد عشر عاماً -كتب كلمة تفيض وفاءً ومحبة وذكرى للسنين التي قضاها فيها؛ حيث يقول في مقدمة تحقيقه لكتاب «منال الطالب» لابن الأثير (١/ ٧) الطبعة الثانية: «وتبقى كلمة:
لقد قلت: إنَّ الطبعة الأولى من ذلك الكتاب قد صدرت عن مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، زادها الله تشريفاً وتكريمًا ومهابة، وتلك أيامٌ عزيزة، أذكرها فتفيض النفسُ سعادةً وتَحناناً، ففي عام ١٣٩٨ هـ = ١٩٨٧ م، تلقَّيتُ دعوةً علميَّةً كريمة من كلية الشريعة بمكة المكرمة، للمشاركة في إرساء قواعد مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي الذي قام في تلك الأيام ملحقاً بكلية الشريعة. وقد أنزلني القومُ آنذاك مُنْزَلًا كريماً (١).
стр. 15
ولم يكن في تقديري البقاءُ بتلك الديار المباركة أكثر من عامين أو ثلاثة، لأعود إلى عملي بمعهد إحياء المخطوطات بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم - ومعهد المخطوطات هي بيتي وشبابي وأحلامي - ولكن شاء ربك أن تمتد الإقامة أحد عشر عاماً، فكنت كما قال أحمد بن الحسين بن حيدرة، الشاعر المعروف بابن خراسان (٤٩٧ هـ):
نزلنا على أن المُقام ثلاثةٌ ... فطابتْ لنا حتى أقمْنا بها عَشْرا
* * *
وكان مما قدر الله وقضى أن أترك مركز البحث العلمي؛ للتدريس بقسم الدراسات العليا العربية، والإشراف على بعض الرسائل الجامعية العليا. وكانت أياماً زاكية مباركة، قرأت فيها مع إخواني الشباب (١) هناك شيئاً من علوم العربية، وقد أعطيتهم وأعطوني، أعطيتهم خبرة الأيام، وثمار مجالسة أهل العلم ومشافهتهم والرواية عنهم، وأعطوني حماسة الشباب وتوقده، بل إنهم فتحوا لي أبواباً من
стр. 16
النظر، ودلوني على فوائد في الكتب، لم أكن أقف عليها لولا نظرهم ومفاتشتهم، ولا زلت أقول: إننا حين نعلم ونخرج أبناءنا الطلبة إنما نقرأ معهم العلم مرة أخرى، بل ربما استفدنا منهم مثل الذي استفادوه منا، ولأمر ما كان التلميذ قديماً يسمى «صاحباً» لشيخه: فأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، والربيع بن سليمان المرادي صاحب الشافعي، وابن جني صاحب أبي علي الفارسي ... وهلم جرا.
وهكذا مضت أيامي مع هؤلاء الأحباب، فقضيت معهم وبهم أحلى الأوقات، وسعدت بأكرم جوار، ونعمت بأرحب دار، ولولا أكبادنا التي تمشي على الأرض، لما كان لي عن هذه الديار مذهب ولا متحول، ولا زلت مع تطاول الأيام وكرور الليالي أجد لذع تلك الدمعة السخينة التي تحدرت من عيني ساعة غادرت مكة، وأنا أنشد أقول الشريف الرضي:
وتلفتت عيني فمذ خفيت ... عني الطلول تلفت القلب
وما برح القلب يتلفت، وما زالت العين تشتاق حتى يأذن الله بلقاء.
اللهم اجز إخواننا هؤلاء خير الجزاء، واربط على قلوبهم، واجعلهم موصولين بالعلم، بارين به، حافظين لأمانته ... ».
* * *
стр. 17
السيرة الذاتية
للأستاذ الدكتور محمود محمد الطناحي
* وُلد عام ١٩٣٥ م بمحافظة المنوفية - جمهورية مصر العربية.
* انتقل إلى القاهرة في الثامنة من عمره.
* أتم حفظ القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم في الثالثة عشرة من عمره.
* التحق بمعهد القاهرة الديني بالأزهر الشريف، وحصل على الشهادة الابتدائية عام ١٩٥٣ م، والشهادة الثانوية عام ١٩٥٨ م.
* التحق بكلية العلوم - جامعة القاهرة - وحصل على شهادة الليسانس في علوم اللغة العربية والشريعة الإسلامية عام ١٩٦٢ م.
* حصل من الكلية نفسها على شهادة الماجستير (قسم النحو والصرف والعروض) عام ١٩٧٢ م بتقدير «ممتاز»، وكان موضوع أطروحته: (ابن معطي وآراؤه النحوية، مع تحقيق كتابه: الفصول الخمسون).
* ومن كلية دار العلوم أيضاً حصل على شهادة الدكتوراه (قسم النحو والصرف والعروض) عام ١٩٧٨ م بمرتبة الشرف الأولى. وكان موضوع أطروحته: (ابن الشجري وآراؤه النحوية، مع تحقيق الجزء الأول من كتابه: الأمالي النحوية).
* عمل عقب تخرجه عام ١٩٦٣ م معيداً بمعهد الدراسات العربية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. وفي عام ١٩٦٥ م ترك الجامعة الأمريكية، وعُيَّن خبيراً بمعهد
стр. 18
المخطوطات العربية بجامعة الدول العربية (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم - اليونسكو العربية)، وظل بمعهد المخطوطات إلى أواخر عام ١٩٨٧ م، حيث انتدب أستاذاً مشاركاً بقسم الدراسات العليا العربية بكلية الشريعة - جامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة - كلية اللغة العربية، جامعة أم القرى الآن. ثم استقال منها بنهاية العام الدراسي ١٤٠٩ هـ = ١٩٨٩ م.
* عين أستاذاً مساعداً بكلية الدراسات العربية والإسلامية بجامعة القاهرة - فرع الفيوم، في ٢٧/ ٣/١٩٩١ م، رُقَّي أستاذاً بتاريخ ٣١/ ٥/١٩٩٥ م، وعمل أستاذاً بقسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب - جامعة حلوان.
عمل خبيراً بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، وبمركز تحقيق التراث بدار الكتب المصرية، وعضواً بالهيئة المشتركة لخدمة التراث العربي (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم - معهد إحياء المخطوطات العربية).
النشاط العملي:
* اتصل بالمخطوطات العربية، منذ أن كان طالباً بالسنة الأولى بكلية دار العلوم: ناسخاً ومفهرساً ومحققاً، فنسخ كثيراً من المخطوطات المشرقية والمغربية، وأعان بعض المستشرقين الذين نزلوا مصر.
* شارك في نشاط معهد المخطوطات العربية بالقاهرة، على امتداد ثلاثة عشر عاماً، وخرج عضواً في بعثاته لدراسة وتصوير المخطوطات. ومن البلدان التي زارها وفهرس نوادر مخطوطاتها:
* تركيا عام ١٩٧٠ م.
* المغرب الأقصى، مرتين - عام ١٩٧٢ م، وعام ١٩٧٥ م.
* المملكة العربية السعودية عام ١٩٧٣ م.
* جمهورية اليمن الشمالية عام ١٩٧٤ م.
стр. 19
* وقد اكتشف في هذه البلدان بعض المخطوطات المجهولة التي لم يكن يعلم الناس عنها شيئاً، والتي لم تدرج في فهارس المكتبات.
* شارك في ندوة «أبناء الأثير» التي عقدتها جامعة الموصل بالجمهورية العراقية (مارس ١٩٨٢ م)، واشترك ببحث عنوانه: «مجد الدين بن الأثير في علم غريب الحديث».
* شارك وحاضر في الندوات التي عقدتها مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، (أحمد زكي يماني) لدراسة وفهرسة المخطوطات الإسلامية: القاهرة - يناير ١٩٩٤ م، إستانبول - سبتمبر ١٩٩٤ م، لندن - يونيه ١٩٩٥ م.
* شارك في ندوة «تاريخ الطباعة العربية في القرن التاسع عشر» التي أقامها مركز جمعة الماجد للتراث والثقافة بدبي - أكتوبر ١٩٩٥ م.
* شارك في ندوة «اللغة العربية المعاصرة في مصر»، التي أقامها المجلس الأعلى للثقافة، إبريل ١٩٩٧ م.
* شارك في ندوة «علي الجارم»، التي أقامها المجلس الأعلى للثقافة ١٩٩٨ م.
* شارك في تدقيق وتحرير (مدخل قاموس القرآن الكريم) الذي أصدرته مؤسسة الكويت للتقدم العلمي - ١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م.
* حرر مادة «أحمد محمد شاكر» في دائرة المعارف الإسلامية التي تصدر في إستانبول باللغة التركية.
* نشر عدة مقالات بمجلات الرسالة والهلال والكتاب العربي والمجلة والثقافة والشعر بالقاهرة. ومجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة ودمشق، والعربي بالكويت، ودعوة الحق بالمغرب، وكلية اللغة بمكة المكرمة.
* شارك في ندوة «المحافظة على كنوز التراث الإسلامي» التي عقدت على هامش الدورة الثالثة للمجلس التنفيذي لمؤتمر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
عمان - الأردن - سبتمبر ١٩٩٦ م.
стр. 20
* شارك في تقييم برامج كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي - الإمارات العربية المتحدة - نوفمبر ١٩٩٦ م.
الإنتاج العلمي للأستاذ الدكتور محمود محمد الطناحي (من سنة ١٩٦٣ م إلى سنة ١٩٩٨ م):
التحقيقات:
١ - النهاية في غريب الحديث والأثر، لمجد الدَّين بن الأثير، المتوفى سنة ٦٠٦ هـ (خمسة أجزاء: الثلاثة الأولى بالاشتراك، والرابع والخامس بالانفراد) مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة ١٣٨٣ هـ = ١٩٦٣ م (١)
٢ - طبقات الشافعية الكبرى، لابن السبكي، المتوفَّى سنة ٧٧١ هـ. (عشرة أجزاء بالاشتراك) الطبعة الأولى بمطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة ١٣٨٣ هـ = ١٩٦٤ م، والطبعة الثانية بدار هجر القاهرة، ١٤١٣ هـ = ١٩٩٢ م.
٣ - العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين (مكة المكرمة)، لتقي الدَّين الفاسي، المتوفَّى سنة ٨٣٢ هـ (الجزء الثامن)، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة ١٣٨٨ هـ = ١٩٦٩ م.
٤ - الغريبين - غريبي القرآن والحديث -، لأبي عبيد الهروي، المتوفَّى سنة ٤٠١ هـ (الجزء الأول)، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة ١٣٩٠ هـ = ١٩٧٠ م.
٥ - الفصول الخمسون - في النحو-، لابن معطي، المتوفَّى سنة ٦٢٨ هـ - وهو رسالة الماجستير بكلية دار العلوم - مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة ١٣٩٦ هـ = ١٩٧٦ م.
٦ - تاج العروس، شرح القاموس، للمرتضى الزَّبيدي، المتوفَّى سنة ١٢٠٥ هـ، (الجزء السادس عشر) وزارة الإعلام بالكويت ١٣٩٦ هـ = ١٩٧٦ م.
٧ -
стр. 21
الجزء الثامن والعشرون منه، الكويت ١٤١٣ هـ = ١٩٩٣ م.
٨ - منال الطالب في شرح طوال الغرائب، لمجد الدين بن الأثير، المتوفَّى سنة ٦٠٦ هـ مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي - جامعة أم القرى بمكة المكرمة ١٤٠٣ هـ = ١٩٨٣ م - وقد حصل هذا الكتاب على الجائزة الأولى في تحقيق التراث بمجمع اللغة العربية بالقاهرة.
٩ - أرجوزة قديمة في النحو، لليشكري، المتوفَّى سنة ٣٧٠ هـ (نُشرت ضمن: دراسات عربية وإسلامية مهداة إلى أبي فهر محمود محمد شاكر، بمناسبة بلوغه السبعين) مطبعة المدني، القاهرة ١٤٠٣ هـ = ١٩٨٢ م.
١٠ - كتاب الشعر - أو شرح الأبيات المشكلة الإعراب -، لأبي علي الفارسي، المتوفَّى سنة ٣٧٧ هـ (جزءان) مكتبة الخانجي، القاهرة ١٤٠٨ هـ = ١٩٨٨ م.
١١ - أمالي ابن الشجري، المتوفَّى سنة ٥٤٢ هـ (ثلاثة أجزاء، اشتملت على (٨٤) مجلساً، منها (٤٩) مجلساً، حصل بها المحقق على شهادة «الدكتوراه» من كلية دار العلوم، مكتبة الخانجي، القاهرة ١٤١٣ هـ = ١٩٩٢ م.
١٢ - ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات، لأبي عبد الرحمن السلمي، المتوفَّى سنة ١٤١٢ هـ، مكتبة الخانجي، القاهرة ١٤١٣ هـ = ١٩٩٣ م.
١٣ - أعمار الأعيان، لابن الجوزي، المتوفَّى سنة ٥٩٧ هـ، مكتبة الخانجي، القاهرة ١٤١٤ هـ = ١٩٩٤ م.
المؤلفات:
١٤ - مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي، مكتبة الخانجي، القاهرة ١٤٠٥ هـ = ١٩٨٥ م.
١٥ - عن التصحيف والتحريف - محاضرة نشرت بآخر الكتاب السابق.
١٦ - الموجز في مراجع التراجم والبلدان والمصنفات وتعريفات العلوم - مكتبة الخانجي، القاهرة ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٥ م.
١٧ -
стр. 22
نبذة في تاريخ الطب العربي - مقدمة لكتاب الطب النبوي، لابن قيم الجوزية، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة ١٣٩٩ هـ = ١٩٧٩ م.
١٨ - التنبيه على خطأ «الغريبين» للحافظ أبي الفضل بن ناصر، مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي - مكة المكرمة ١٤٠٠ هـ = ١٩٧٩ م.
١٩ - فهارس كتاب «غريب الحديث»، لأبي عبيد القاسم بن سلام، المتوفَّى سنة ٢٢٤ هـ - مجلة البحث العلمي والتراث الإسلامي - مكة المكرمة ١٤٠١ هـ = ١٩٨٠.
٢٠ - فهارس كتاب «الأصول في النحو»، لابن السّرّاج، المتوفَّى سنة ٣١٦ هـ، مكتبة الخانجي القاهرة ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م.
٢١ - فهرس الأشعار لكتاب «ديوان المعاني» لأبي هلال العسكري، المتوفَّى نحو سنة ٣٩٥ هـ، مجلة معهد المخطوطات بالقاهرة، المجلدان ٣٧، ٣٨، ١٣١٣ هـ، ١٤١٤ هـ = ١٩٩٣ م، ١٩٩٤ م.
٢٢ - ديوان المعاني لأبي هلال العسكري، وشيء من التحليل والدراسة العروضية المجلد ٦٦، ج ١، ٣، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ١٤١٠ هـ، ١٤١٢ هـ = ١٩٩٠ م، ١٩٩١ م.
٢٣ - مجد الدَّين بن الأثير وجهوده في علم غريب الحديث - بحوث ندوة أبناء الأثير - جامعة الموصل بالعراق - كلية الآداب ١٤٠٣ هـ = ١٩٨٣ م.
٢٤ - المتنبي، للأستاذ / محمود محمد شاكر، تقديم - موسوعة عصر التنوير (أهم مائة كتاب في مائة عام) دار الهلال - الجزء الأول، القاهرة ١٩٩٢ م.
٢٥ - الرسالة، للشافعي، تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر، تقديم، موسوعة عصر التنوير، الجزء الثاني، القاهرة ١٩٩٣ م.
٢٦ - من إعجاز القرآن - العلم الأعجمي في القرآن مفسراً بالقرآن للأستاذ محمود رؤوف أبو سعدة، تقديم، دار الهلال، القاهرة ١٩٩٣ م.
٢٧ -
стр. 23
جموع التكسير والعرف اللغوي، مجلة مجمع اللغة العربية، القاهرة - المجلد ٧١ - ١٤١٣ هـ = ١٩٩٢ م.
٢٨ - شرح شواهد الإيضاح، لأبي علي الفارسي، تأليف ابن بري المصري، المتوفَّى سنة ٥٨٢ هـ عرض ونقد، مجلة مجمع اللغة العربية، القاهرة، المجلد ٧٢ - ١٤١٣ هـ = ١٩٩٣ م.
٢٩ - كتاب الفرق - بين صفات الإنسان وصفات الحيوان -، لثابت بن أبي ثابت، من علماء القرن الثالث، عرض لنشرته، وتعريف بمخطوطة ثانية له اكتشفها الدارس بخزانة القرويين بفاس، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، المجلد ٥١، ج ٢، ١٣٩٦ هـ = ١٩٧٦ م.
٣٠ - الفهرس الوصفي لبعض نوادر المخطوطات بالمكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض ١٤١٣ هـ = ١٩٩٣ م.
٣١ - الكتاب المطبوع بمصر في القرن التاسع عشر، كتاب الهلال - أغسطس ١٩٩٦ م هذا إلى (٤٠) أربعين مقالة بمجلة الهلال المصرية، في قضايا العربية.
٣٢ - قضية إنقاذ المخطوطات - ما تحقق وما لم يتحقق، مجلة معهد المخطوطات بالقاهرة ١٤١٧ هـ = ١٩٩٦ م.
٣٣ - كتاب صنعة الشعر، لأبي سعيد السيرافي، تحقيق نسبته ونقد نشرته، مجلة معهد المخطوطات ١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م.
٣٤ - كتاب الردة والفتوح، لسيف بن عمر التميمي، عرض ونقد، الكتاب التذكاري للأستاذ الدكتور / ناصر الدَّين الأسد، الأردن ١٩٩٧ م. ونشر باسم: قطوف أدبية مهداة إلى ناصر الدَّين الأسد.
٣٥ - مراجعة كتاب أعلام النصر المبين في المفاضلة بين أهلي صفين، لأبي الخطاب عمر بن الحسن بن دحية الكلبي، المتوفَّى سنة ٦٦٣ هـ = ١٢٣٥ م. دار الغرب الإسلامي، بيروت، ١٤١٨ هـ = ١٩٩٨ م.
стр. 24
الأعمال الوظيفية:
الجهة ... المدة
١ - معهد الدراسات العربية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة ... سنتان
٢ - المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم
(معهد المخطوطات) ... أربع عشرة سنة.
٣ - كلية اللغة العربية - جامعة أم القرى -
مكة المكرمة ... إحدى عشرة سنة.
٤ - أستاذ بقسم اللغة العربية وآدابها -
بكلية الآداب جامعة حلوان ... إلى حين وفاته ﵀.
٥ - خبير بمجمع اللغة العربية بالقاهرة.
٦ - عضو بمركز تحقيق التراث بالهيئة العامة لدار الكتب المصرية.
٧ - عضو بالهيئة المشتركة لخدمة التراث العربي (المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم - معهد إحياء المخطوطات العربية).
انتقل إلى جوار ربه صباح الثلاثاء ٦ من ذي الحجة ١٤١٩ هـ، الموافق ٢٣ مارس ١٩٩٩ م.
* * *
стр. 25
نماذج من رسائل العلماء إليه ومن خطه ﵀
стр. 26
صورة
رسالة من العلامة أحمد راتب النفاخ إليه بخطه
стр. 27
صورة
رسالة من العلامة النفاخ له أيضا
стр. 28
صورة
رسالة من الأستاذ عبد السلام هارون بخطه إلى الطناحي
стр. 29
صورة
رسالة من الدكتور عبد العزيز التويجري إليه
стр. 30
صورة
رسالة من الدكتور شاكر الفحام إليه
стр. 31
صورة
خطاب من عميد كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة
стр. 32
مقالات العلامة الدكتور
محمود محمد الطناحي
صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب
- (القسم الأول) -
دار البشائر الإسلامية بيروت
стр. 33
ابن السبكي (١): علم وإصلاح
عرف تاريخ الثقافة العربية كثيراً من البيوتات العلمية التي استفاض العلم فيها، وكان إرثاً طيباً يؤول إلى الأبناء فيما يؤول إليهم من عقار وحطام، فكان علم الأبناء امتداداً ناضجاً لعلم الآباء. وقد صان هؤلاء الأبناء ذلك الموروث العلمي العظيم، وعملوا على إثرائه وإخصابه.
وبحسبنا في هذا المقام أن نذكر أبا حاتم الرازي محمد بن إدريس بن المنذر، المتوفى سنة ٢٧٧ هـ، وابنه عبد الرحمن بن أبي حاتم، المتوفى سنة ٣٢٧ هـ، من أئمة علم الجرح والتعديل. والإمام ضياء الدين خطيب الري عمر بن الحسين بن الحسن، وابنه الفخر الرازي محمد بن عمر، المتوفى سنة ٦٠٦ هـ من فرسان علم الكلام.
على أنه لم يستعلن تأثير والد في ولده كما استعلن في تاريخ الإمام العلامة تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي، المولود في سنة ٦٨٣ هـ والمتوفى في سنة ٧٥٦ هـ، وولده العلامة تاج الدين أبي نصر عبد الوهاب بن علي، المولود في سنة ٧٢٧ هـ، والمتوفى في سنة ٧٧١ هـ.
وقد أجمع المؤرخون على فضل الوالد وسعة علمه، فيقول عنه الذهبي - فيما ينقل عنه السبكي:
стр. 34
«القاضي الإمام العلامة الفقيه المحدث الحافظ فخر العلماء، كان صادقاً ثبتاً خيراً ديناً، من أوعية العلم، يدري الفقه ويقرره، وعلم الحديث ويحرره، والأصول ويقربها، والعربية ويحققها».
ويكفي دليلًا على علم هذا الرجل أنه كان الوحيد من بين علماء عصره الذي تصدى لابن تيمية - على عنفه وشدته - ورد عليه في مسألتي الطلاق، وزيارة قبر النبيّ ﵊، وهما المسألتان اللتان زعزع بهما ابن تيمية كيان العلماء في عصره. فرد عليه الإمام السبكي في مسألة الطلاق برسالتين: رافع الشقاق في مسألة الطلاق، والتحقيق في مسألة التعليق. ورد عليه في الزيارة برسالة شفاء السقام في زيارة خير الأنام، أو شن الغارة على من أنكر السفر للزيارة.
ويقول فيه ابن تيمية: «لقد برز هذا على أقرانه». وقد نبغ صاحبنا تاج الدين في منتصف القرن الثامن الهجري - عصر الموسوعات العلمية - هذا العصر الذي كان بمثابة الصحوة الفارهة بعد النكسة التي أصابت العالم الإسلامي، والتي كادت تأتي على تراثه الضخم العريض، إبان الغزو التتري الكاسح.
وقد ولد تاج الدين بالقاهرة، ونسب إلى قرية سبك من أعمال المنوفية. ولم ينصرف الفتى في صباه إلى اللهو واللعب، كما يفعل لداته وأترابه، فقد هدهد سمعه في سن تفتحه وفود العلماء، تفد إلى بيت أبيه، تنشد العلم وتطلب الفتيا. فأقبل على ألوان المعرفة يحصلها على مهل واتئاد، حتى اكتملت له أدوات العالم المجتهد. وكان مجلى هذه الثقافة الواسعة العريضة في نهاية الشوط موسوعة علمية ضخمة، لمت أطراف الثقافة العربية، وجلتها على نحو معجب خلاب، على امتداد سبعة قرون في كتابه الخالد: «طبقات الشافعية الكبرى».
لقد انفسخ هذا الكتاب العظيم من خلال ترجمته لرجال المذهب الشافعي - لكثير من المباحث الفقهية والفتاوى الشرعية، والمقالات، والمناظرات، والنوادر
стр. 35
والملح، كما حفل بالضوابط اللغوية ومسائل علم الكلام والأصول. كما كان مصدراً أدبيّاً لكثير من الكتب التي عالجت شؤون الحب.
وكان أيضاً مرجعاً أصيلًا في جمع أشعار الشعراء. على أن أهميته الكبرى بعد كل ذلك ترجع إلى أنه حفظ لنا كثيراً من النصوص التي ضاعت أصولها. كتاريخ نيسابور، للحاكم النيسابوري محمد بن عبد الله، المعروف بابن البَيَّع، المتوفى سنة ٤٠٥ هـ، وتاريخ مصر لابن يونس، عبد الرحمن بن أحمد المتوفى سنة ٣٤٧ هـ، وغير هذين الكتابين كثير من هذه الأمهات التي عبث بها الزمان.
وقد عالج ابن السبكي في كتابه هذا ذلك المنهج العلمي، الذي عرف فيما بعد، ونسب إلى ابن خلدون، ذلك المنهج القائم على تمحيص الأخبار، والتنبه لما تفعله المعاصرة والعصبية في المذهب.
استمع إليه بقول في ترجمة أحمد بن صالح المصري، في الطبقة الثانية: «ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح حال العقائد، واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح، فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة، فجرحه لذلك». ولم تقف تلمذته للإمام الذهبي حائلًا دون نقده مُرَّ النقد لمخالفته هذا المنهج القائم على الحيدة والتجرد، فيقول عنه: «وهو شيخنا ومعلمنا، غير أن الحق أحق أن يتبع، وقد وصل من التعصب المفرط إلى حد يسخر منه».
ولكن هذه الحياة العلمية المخلصة لم تشغل صاحبنا عن أن يلمس مظاهر الضعف والعسف التي استعلنت في الحكم المملوكي الجائر، فظهرت دعواته الإصلاحية النقدية في كتابه القيم: «معيد النعم ومبيد النقم».
لقد كان هذا الكتاب ثورة عاتية على نظم الحكم وأخلاق الناس، فقد أتيح لابن السبكي من خلال مشاركته في الحياة العامة - مدرساً وخطيباً وقاضياً - أن يرى ويحس مدى التمزق الذي شمل الأمة نتيجة للحكم المملوكي البغيض، الذي نبتت فيه فكرة «تركي وفلاح». والذي استأثر فيه المماليك بالمناصب الكبرى، وتركوا أصحاب الأرض الحقيقيين يشربون العرق ويقتاتون السهد.
стр. 36
وقد وضع ابن السبكي كتابه هذا رداً على سؤال ورد عليه، أو وضعه هو بين يدي كتابه، موضوعه: «هل من طريق لمن سلب نعمة دينية أو دنيوية إذا سلكها عادت إليه، وردَّت عليه»؟ وإجابة عن هذا السؤال راح ابن السبكي ينقد بقسوة وصراحة طوائف الأمة، ابتداء من السلطان إلى أرباب الحرف، آخذاً في طريقه نواب السلطان والقضاة والمدرسين، ورجال الدين من العلماء والصوفية.
استمع إليه يلخص رأيه في الأتراك عموماً، فيقول: «وقد اعتبرت كثيراً من الأتراك يميلون إلى أول شاك، وما ذاك إلا للغفلة المستولية على قلوبهم»، ثم يسخر من هؤلاء الأتراك وتعلقهم من الإسلام بالمظاهر الفارغة، فيقول: «وأما أنك ترتكب ما نهى الله عنه وتترك ما أمر به، ثم تريد أن تعمر الجوامع بأموال الرعايا، ليقال: هذا جامع فلان فلا والله لن يتقبله الله تعالى أبداً».
ثمَّ يتكلَّم عن السلطان ويحدد اختصاصاته فيقول: «إن الله لم يوله على المسلمين ليكون رئيساً آكلًا شارباً مستريحاً، بل لينصر الدين ويعلي الكلمة».
وحين يتحدث عن العلماء والمفتين يأخذ على بعض هؤلاء وأولئك تعصبهم لمذاهبهم، وإضاعتهم الوقت في الخلافيات، فيقول مخاطباً العلماء: «لو أن الشافعي وأبا حنيفة ومالكاً وأحمد أحياء يرزقون لشدَّدوا النكير عليكم وتبرأوا منكم فيما تفعلون»، ثم يأتي إلى المفتين فيقول: «ومنهم طائفة تصلبت في أمر دينها، فجزاها الله خيراً، تنكر المنكر وتتشدد فيه، وتأخذ بالأغلظ، وتتوقى مظان التهم، غير أنها تبالغ فلا تُذكر لضعفة الإيمان من الأمراء والعوام إلا أغلظ المذاهب، فيؤدي ذلك إلى عدم انقيادهم وسرعة نفورهم. فمن حق هذه الطائفة الملاطفة وتسهيل ما في تسهيله فائدة لمثل هؤلاء إلى الخير، إذا كان الشرع قد جعل لتسهيله طريقاً، كما أن من حقها التشديد فيما ترى أن في تسهيله ما يؤدي إلى ارتكاب شيء من حرمات الله».
стр. 37
ويرسم ابن السبكي المعلم للمدرس منهجاً تربويّاً راشداً حين يقول: «وحق عليه أن يحسن إلقاء الدرس وتفهيمه للحاضرين، ثم إن كانوا مبتدئين فلا يلقي عليهم ما لا يناسبهم من المشكلات، بل يدريهم ويأخذهم بالأهون فالأهون، إلى أن ينتهوا إلى درجة التحقيق، وإن كانوا منتهين فلا يلقي عليهم الواضحات، بل يدخل بهم في المشكلات». وتتجلى دعوة صاحبنا الإصلاحية في أبهى صورها حين يأسى للفلاح الذي يستهلك في السخرة والإقطاع. فحين يتكلم عن منصب ناظر الجيش وتحديد اختصاصاته يقول: «ومن قبائح ديوان الجيش إلزامهم الفلاحين في الإقطاعات بالفلاحة، والفلاح حر، لا يد لآدمي عليه، وهو أمير نفسه».
وبعد ... ألا تعتقد معي أيها القارئ الكريم أن هذا الرجل إنما يتكلم بلغة عصرنا، كمصلح اجتماعي، وكعالم نفساني، بصير بالنفس الإنسانية، عالم بضعفها.
وكان طبيعيّاً بعد هذا النقد المر الجارح لنظام الحكم وأخلاق الناس أن تتعرض حياة الرجل ومصير أسرته للزوابع والأعاصير، فيعزل عن منصب القضاء، لأسباب واهية ذكرها الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة» وتُجرى له محاكمة، يحكم عليه فيها بالحبس سنة. ولكن هل ضعف ابن السبكي، أو تخاذل؟ استمع إلى معاصره الحافظ ابن كثير يقول: «جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض قبله، وحصل له من المناصب والرياسة ما لم يحصل لأحد قبله، وأبان في أيام محنته عن شجاعة وقوة على المناظرة، حتى أفحم خصومه، ثم لما عاد عفا عنهم، وصفح عمن قام عليه».
وبعد هذه الحياة الخصية الزاخرة بالعلم والإصلاح انطفأت هذه الشعلة التي توهَّجت عبر أربع وأربعين سنة. وحق لابن السبكي أن يقول في زهو ورضا، في ورقة كتبها إلى نائب الشام: «وأنا اليوم مجتهد الدنيا على الإطلاق، لا يقدر أحد يرد علي هذه الكلمة».
стр. 38
توفي تاج الدين شهيداً بالطاعون (بالدهشة) ظاهر دمشق في ذي الحجة. خطب يوم الجمعة، وطعن ليلة السبت رابعه، ومات ليلة الثلاثاء سابعه سنة ٧٧١ هـ، ودُفن بتربة السبكية بسفح قاسيون، عن أربع وأربعين سنة، بعد أن جلا صفحة مشرقة في تاريخ علماء المسلمين.
* * *
стр. 39
طبقات الفقهاء الشافعية (١)
تأليف أبو عاصم محمد بن أحمد العبّادي
لم يحظ رجال مذهب من مذاهب الفقه الإسلامي ما حظي رجال المذهب الشافعي، من التأريخ لحياتهم، والاحتفال بإنتاجهم، وتدوين مسائلهم وفتاواهم. وما ذلك إلا لأن رجال المذهب الشافعي انتشروا في الآفاق وشغلوا الناس حين بسطوا سلطانهم على كل فروع الثقافة العربية، درساً وتمثلًا وتصنيفاً.
فرأينا منهم المحدثين والحفاظ والمفسرين والصوفية والمؤرخين والأدباء واللغويين والمتكلمين والفلاسفة، وأمامنا أبو بكر البيهقي، وابن عساكر، وابن حجر العسقلاني، وابن كثير، وأبو قاسم القشيري، وابنا الأثير، مجد الدين صاحب «النهاية»، وعزّ الدين صاحب «الكامل»، والجرجاني صاحب «الوساطة»، وأبو منصور الأزهري، والفخر الرازي ووالده، وإمام الحرمين الجويني ووالده، وأبو حامد الغزالي، إلى آخر هذه السلسلة التي جلت وجه الثقافة الإسلامية، والتي ازدانت بإنتاجها المكتبة العربية.
وانطلاقًا من التأليف في مناقب الإمام محمد بن إدريس الشافعي صاحب المذهب، توالت المصنفات في تاريخ أتباعه وحملة مذهبه (انظر: كشف الظنون، ص ١١٠١).
وعلى وفرة هذه المصنفات لم يظهر منها مطبوعاً سوى «طبقات الفقهاء»
стр. 40
لأبي إسحاق الشيرازي المتوفى سنة ٤٧٦ هـ، و «طبقات ابن هداية الله» المتوفى سنة ١٠١٤ هـ، ثم معلمة ابن السبكي العظيمة «طبقات الشافعية الكبرى». (وقد توفي ابن السبكي سنة ٧٧١ هـ).
واليوم يظهر هذا النص المبكر في تراجم الشافعية لأبي عاصم العبادي، محمد بن أحمد بن عبد الله بن عباد الهروي القاضي.
ولد أبو عاصم سنة خمس وسبعين وثلاثمائة. يقول عنه ابن السبكي: «كان إماماً جليلاً حافظاً للمذهب، بحراً يتدفق بالعلم، وكان معروفاً بغموض العبارة، وتعويص الكلام، ضنة منه بالعلم، وحباً لاستعمال الأذهان الثاقبة فيه».
وقد تنقل أبو عاصم في البلاد، ولقي المشايخ، وتلمذ لأفاضل عصره، فأخذ عن القاضي أبي منصور محمد بن محمد الأزدي، بهراة، والقاضي أبي عمر البسطامي، والأستاذ أبي طاهر الزيادي، وأبي إسحاق الإسفرايني، بنيسابور.
وصنف كتباً نافعة، منها: «الزيادات»، و «زيادات الزيادات»، و «المبسوط»، و «الهادي إلى مذهب العلماء»، و «أدب القضاء»، و «الرد على القاضي السمعاني». وبعد حياة زاخرة بالعلم والتصنيف انتقل إلى رحمة ربه، في شوال سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، عن ثلاث وثمانين سنة.
وكتاب أبي عاصم هذا «طبقات الفقهاء» أحد كتب خمسة في تراجم الشافعية ظهرت في القرن الخامس الهجري. فقد ألف أبو حفص عمر بن علي المطوعي المتوفى سنة ٤٤٠ هـ كتاباً سماه «المذهب في ذكر شيوخ المذهب». ثم ألف القاضي أبو الطيب الطبري المتوفى سنة ٤٥٠ هـ مختصراً ذكر فيه مولد الشافعي ﵁. وعدَّ في آخره جماعة من الأصحاب كما يقول ابن السبكي.
ثم ألف شيخ الإسلام أبو إسحاق الشيرازي المتوفى سنة ٤٧٦ هـ كتاب «طبقات الفقهاء»، وفي آخر القرن ألف الحافظ أبو محمد عبد الله بن يوسف الجرجاني المتوفى سنة ٤٨٩ هـ كتابه «الطبقات». ويصف ابن السبكي كتاب