وقد وضع ابن السبكي كتابه هذا رداً على سؤال ورد عليه، أو وضعه هو بين يدي كتابه، موضوعه: «هل من طريق لمن سلب نعمة دينية أو دنيوية إذا سلكها عادت إليه، وردَّت عليه»؟ وإجابة عن هذا السؤال راح ابن السبكي ينقد بقسوة وصراحة طوائف الأمة، ابتداء من السلطان إلى أرباب الحرف، آخذاً في طريقه نواب السلطان والقضاة والمدرسين، ورجال الدين من العلماء والصوفية.
استمع إليه يلخص رأيه في الأتراك عموماً، فيقول: «وقد اعتبرت كثيراً من الأتراك يميلون إلى أول شاك، وما ذاك إلا للغفلة المستولية على قلوبهم»، ثم يسخر من هؤلاء الأتراك وتعلقهم من الإسلام بالمظاهر الفارغة، فيقول: «وأما أنك ترتكب ما نهى الله عنه وتترك ما أمر به، ثم تريد أن تعمر الجوامع بأموال الرعايا، ليقال: هذا جامع فلان فلا والله لن يتقبله الله تعالى أبداً».
ثمَّ يتكلَّم عن السلطان ويحدد اختصاصاته فيقول: «إن الله لم يوله على المسلمين ليكون رئيساً آكلًا شارباً مستريحاً، بل لينصر الدين ويعلي الكلمة».
وحين يتحدث عن العلماء والمفتين يأخذ على بعض هؤلاء وأولئك تعصبهم لمذاهبهم، وإضاعتهم الوقت في الخلافيات، فيقول مخاطباً العلماء: «لو أن الشافعي وأبا حنيفة ومالكاً وأحمد أحياء يرزقون لشدَّدوا النكير عليكم وتبرأوا منكم فيما تفعلون»، ثم يأتي إلى المفتين فيقول: «ومنهم طائفة تصلبت في أمر دينها، فجزاها الله خيراً، تنكر المنكر وتتشدد فيه، وتأخذ بالأغلظ، وتتوقى مظان التهم، غير أنها تبالغ فلا تُذكر لضعفة الإيمان من الأمراء والعوام إلا أغلظ المذاهب، فيؤدي ذلك إلى عدم انقيادهم وسرعة نفورهم. فمن حق هذه الطائفة الملاطفة وتسهيل ما في تسهيله فائدة لمثل هؤلاء إلى الخير، إذا كان الشرع قد جعل لتسهيله طريقاً، كما أن من حقها التشديد فيما ترى أن في تسهيله ما يؤدي إلى ارتكاب شيء من حرمات الله».
стр. 37
ويرسم ابن السبكي المعلم للمدرس منهجاً تربويّاً راشداً حين يقول: «وحق عليه أن يحسن إلقاء الدرس وتفهيمه للحاضرين، ثم إن كانوا مبتدئين فلا يلقي عليهم ما لا يناسبهم من المشكلات، بل يدريهم ويأخذهم بالأهون فالأهون، إلى أن ينتهوا إلى درجة التحقيق، وإن كانوا منتهين فلا يلقي عليهم الواضحات، بل يدخل بهم في المشكلات». وتتجلى دعوة صاحبنا الإصلاحية في أبهى صورها حين يأسى للفلاح الذي يستهلك في السخرة والإقطاع. فحين يتكلم عن منصب ناظر الجيش وتحديد اختصاصاته يقول: «ومن قبائح ديوان الجيش إلزامهم الفلاحين في الإقطاعات بالفلاحة، والفلاح حر، لا يد لآدمي عليه، وهو أمير نفسه».
وبعد ... ألا تعتقد معي أيها القارئ الكريم أن هذا الرجل إنما يتكلم بلغة عصرنا، كمصلح اجتماعي، وكعالم نفساني، بصير بالنفس الإنسانية، عالم بضعفها.
وكان طبيعيّاً بعد هذا النقد المر الجارح لنظام الحكم وأخلاق الناس أن تتعرض حياة الرجل ومصير أسرته للزوابع والأعاصير، فيعزل عن منصب القضاء، لأسباب واهية ذكرها الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة» وتُجرى له محاكمة، يحكم عليه فيها بالحبس سنة. ولكن هل ضعف ابن السبكي، أو تخاذل؟ استمع إلى معاصره الحافظ ابن كثير يقول: «جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يجر على قاض قبله، وحصل له من المناصب والرياسة ما لم يحصل لأحد قبله، وأبان في أيام محنته عن شجاعة وقوة على المناظرة، حتى أفحم خصومه، ثم لما عاد عفا عنهم، وصفح عمن قام عليه».
وبعد هذه الحياة الخصية الزاخرة بالعلم والإصلاح انطفأت هذه الشعلة التي توهَّجت عبر أربع وأربعين سنة. وحق لابن السبكي أن يقول في زهو ورضا، في ورقة كتبها إلى نائب الشام: «وأنا اليوم مجتهد الدنيا على الإطلاق، لا يقدر أحد يرد علي هذه الكلمة».
стр. 38
توفي تاج الدين شهيداً بالطاعون (بالدهشة) ظاهر دمشق في ذي الحجة. خطب يوم الجمعة، وطعن ليلة السبت رابعه، ومات ليلة الثلاثاء سابعه سنة ٧٧١ هـ، ودُفن بتربة السبكية بسفح قاسيون، عن أربع وأربعين سنة، بعد أن جلا صفحة مشرقة في تاريخ علماء المسلمين.
* * *
стр. 39
طبقات الفقهاء الشافعية (١)
تأليف أبو عاصم محمد بن أحمد العبّادي
لم يحظ رجال مذهب من مذاهب الفقه الإسلامي ما حظي رجال المذهب الشافعي، من التأريخ لحياتهم، والاحتفال بإنتاجهم، وتدوين مسائلهم وفتاواهم. وما ذلك إلا لأن رجال المذهب الشافعي انتشروا في الآفاق وشغلوا الناس حين بسطوا سلطانهم على كل فروع الثقافة العربية، درساً وتمثلًا وتصنيفاً.
فرأينا منهم المحدثين والحفاظ والمفسرين والصوفية والمؤرخين والأدباء واللغويين والمتكلمين والفلاسفة، وأمامنا أبو بكر البيهقي، وابن عساكر، وابن حجر العسقلاني، وابن كثير، وأبو قاسم القشيري، وابنا الأثير، مجد الدين صاحب «النهاية»، وعزّ الدين صاحب «الكامل»، والجرجاني صاحب «الوساطة»، وأبو منصور الأزهري، والفخر الرازي ووالده، وإمام الحرمين الجويني ووالده، وأبو حامد الغزالي، إلى آخر هذه السلسلة التي جلت وجه الثقافة الإسلامية، والتي ازدانت بإنتاجها المكتبة العربية.
وانطلاقًا من التأليف في مناقب الإمام محمد بن إدريس الشافعي صاحب المذهب، توالت المصنفات في تاريخ أتباعه وحملة مذهبه (انظر: كشف الظنون، ص ١١٠١).
وعلى وفرة هذه المصنفات لم يظهر منها مطبوعاً سوى «طبقات الفقهاء»
стр. 40
لأبي إسحاق الشيرازي المتوفى سنة ٤٧٦ هـ، و «طبقات ابن هداية الله» المتوفى سنة ١٠١٤ هـ، ثم معلمة ابن السبكي العظيمة «طبقات الشافعية الكبرى». (وقد توفي ابن السبكي سنة ٧٧١ هـ).
واليوم يظهر هذا النص المبكر في تراجم الشافعية لأبي عاصم العبادي، محمد بن أحمد بن عبد الله بن عباد الهروي القاضي.
ولد أبو عاصم سنة خمس وسبعين وثلاثمائة. يقول عنه ابن السبكي: «كان إماماً جليلاً حافظاً للمذهب، بحراً يتدفق بالعلم، وكان معروفاً بغموض العبارة، وتعويص الكلام، ضنة منه بالعلم، وحباً لاستعمال الأذهان الثاقبة فيه».
وقد تنقل أبو عاصم في البلاد، ولقي المشايخ، وتلمذ لأفاضل عصره، فأخذ عن القاضي أبي منصور محمد بن محمد الأزدي، بهراة، والقاضي أبي عمر البسطامي، والأستاذ أبي طاهر الزيادي، وأبي إسحاق الإسفرايني، بنيسابور.
وصنف كتباً نافعة، منها: «الزيادات»، و «زيادات الزيادات»، و «المبسوط»، و «الهادي إلى مذهب العلماء»، و «أدب القضاء»، و «الرد على القاضي السمعاني». وبعد حياة زاخرة بالعلم والتصنيف انتقل إلى رحمة ربه، في شوال سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، عن ثلاث وثمانين سنة.
وكتاب أبي عاصم هذا «طبقات الفقهاء» أحد كتب خمسة في تراجم الشافعية ظهرت في القرن الخامس الهجري. فقد ألف أبو حفص عمر بن علي المطوعي المتوفى سنة ٤٤٠ هـ كتاباً سماه «المذهب في ذكر شيوخ المذهب». ثم ألف القاضي أبو الطيب الطبري المتوفى سنة ٤٥٠ هـ مختصراً ذكر فيه مولد الشافعي ﵁. وعدَّ في آخره جماعة من الأصحاب كما يقول ابن السبكي.
ثم ألف شيخ الإسلام أبو إسحاق الشيرازي المتوفى سنة ٤٧٦ هـ كتاب «طبقات الفقهاء»، وفي آخر القرن ألف الحافظ أبو محمد عبد الله بن يوسف الجرجاني المتوفى سنة ٤٨٩ هـ كتابه «الطبقات». ويصف ابن السبكي كتاب
стр. 41
أبي عاصم هذا فيقول: «جمع فيه غرائب وفوائد، إلا أنه اختصر في التراجم جدّاً.
وربما ذكر اسم الرجل أو موضع الشهرة منه، ولم يزد».
وقد أسدى الأستاذ المستشرق - نموستا فيتستام، ليدن - إلى التراث العربي يداً جليلة بإبراز هذا النص وإخراجه إلى النور. لكنه على عادة كثير من المستشرقين المشتغلين بتحقيق النصوص العربية قدم النص مجرداً من أي شرح أو توثيق، إلا ما يكون من ذكر فروق النسخ.
وسواء أكان الباعث على هذه الطريقة: المنهجية أو القصور، فستظل هذه النصوص التي تخرج على هذا النحو في حاجة إلى إخراج جديد، يجلوها ويربطها بما قبلها وبما بعدها في خط التراث العربي المتداخل المتشابك. وستظل هذه النصوص أيضاً في حاجة إلى عين عربية بصيرة بمجري السياق عليمة بمواقع الكلام.
وإذا كان من المجمع عليه أنَّ أوفى عمل في هذا الفن - فن تراجم الشافعية - هو موسوعة ابن السبكي العظيمة: «طبقات الشافعية الكبرى»، فإن أي عمل في هذا المجال ينبغي أن يراجع على هذه الموسوعة الكبرى، وبخاصة أن ابن السبكي قد أفرغ في كتابه كل الكتب التي صنفت قبله في هذا الفن. فهو جهد حقيق بأن يرجع إليه ويستفاد منه.
ويبدو أن الأستاذ المحقق لم يفد من عمل ابن السبكي، ولو فعل لأراح واستراح من هذه المظاهر الصاخبة التي زحم بها حواشي الكتاب، من ذكر فروق النسخ فيما لا طائل تحته ولا غناء فيه. فقد تكثر الأستاذ المحقق من ذكر هذه الفروق، بحيث اشتملت بعض الصفحات على عشرين تعليقاً، معظمها يمكن الاستغناء عنه. وليس هناك داع لإثقال النص بالفروق الهينة، أو التي تكون واضحة الخطأ، نتيجة لأوهام النساخ أو جهلهم، ولا يذكر من الفروق إلا ما كان له وجه يخدم النص. والمسألة ليست استعراض عضلات، كما يقال في هذه الأيام. وهذا مثال واحد في صفحة ٦١ هامش ٧: «قال أبو داود السجستاني»، يضع المحقق رقماً فوق «أبو» ليقول في الهامش: في ت: «أتو»!
стр. 42
ولا شك أن هناك جهداً صامتاً للمحقق لا يظهر في التعليقات، فلن يضير المحقق أن تكون تعليقاته قليلة. وهذه حقيقة يعرفها كل من ابتلي بتحقيق النصوص.
وملاحظاتي العامة على عمل هذا المستشرق أنه لم يضبط النصوص القرآنية الكريمة، والأحاديث الشريفة. وفي هذا ما فيه. كما أهمل ضبط النسب: كالبويطي والدغولي والقراب، والسجزي، والتبوذكي. مع أن الأمر فيها هين. فكان حسبه أن ينظر في «اللباب» لعز الدين ابن الأثير، و «المشتبه» للذهبي، و «معجم البلدان» لياقوت، بل كان يكفيه «القاموس المحيط»، وهو مرجع لا نظن مكتبة تخلو منه. والعجيب حقاً أن المحقق في صفحة ٦٣ سطر ٤ ضبط «المروروذي» فكيف حظي أبو حامد وحده بهذا الاهتمام؟ وهذا من علامات اضطراب المنهج عند المحقق.
ولم يضبط المحقق الألفاظ الغريبة التي امتلأ بها النص، مثل: «النغم والوغم» صفحة ٣٦ سطر ٥، وكذلك كلمة «جداد» في الصفحة نفسها سطر ١٣.
ولم يراع المحقق هذه الملاحظات لتدل على غيرها!
صفحة ٢ سطر ٩: «ومحمد بن صباح» شدد الباء في «صباح»، والصواب تخفيفها.
وقد تكرَّر هذا الخطأ في صفحة ٢٣ سطر ٥، وفي ص ٧٨ س ٤.
ص ١٠ س ٩: قال العبادي في ترجمة المزني: «صنف المنثور»، وفيه قال في رجل ظاهر الحرية له أولاد أحرار في الظاهر أقر بالرق لآخر فقبله أن أولاده أحرار وتجب نفقتهم على العبد في كسبه لا يأخذ السيد من كسبه إلا ما يفضل من نفقتهم».
جعل المحقق جملة «له أولاد أحرار» مقول القول. ووضع قبلها نقطتين دليلًا على ذلك. وهو خطأ. والصواب أن مقول القول هو قوله: «إن أولاده أحرار ... ».
стр. 43
ص ١١ س ٦: لم يضبط المحقق كلمة «السلم»، وهو اصطلاح فقهي، يجب أن يضبط بفتح السين واللام. وهو مثل السلف وزناً ومعنى. قاله في المصباح المنير. والعجيب أن المحقق حين يضبط لا يأتي ضبطه دقيقاً. ففي الصفحة ذاتها س ٧: «خبز حُوَّارَى» ضبطها بضم الحاء وفتح الراء فقط. وحقها أن تكون بضم الحاء وشد الواو وفتح الراء. وهو الدقيق الأبيض.
ص ١٢ هامش أيقول المحقق: «هذه الكلمتان مكتوبة في هامش أ»، وهو أثر من آثار العجمة. وكان يجب على المحقق أن يستعين بأحد أبناء العربية في تحرير التعليقات وفي قراءة النص، كما يفعل كثير من المستشرقين.
ص ١٣ س ١١، ١٢: «إذا ترك أهل بلد طلب العلم رأيت الحاكم أن يخبرهم عليه».
والصواب: «يجبرهم» بالجيم، وليس بالخاء المعجمة.
ص ١٤ س ١: «أما الفرض فغسل اليدين وقصعة والسكين والمغرفة»، والصواب: «والقصعة»، كما ورد في طبقات ابن السبكي في ترجمة الربيع المرادي. وللمحقق كلف بحذف «ال» التعريف ستأتي له أمثلة كثيرة.
ص ١٥ س ١٠: ذكر العبادي في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل أنه روى عن الإمام الشافعي «أن السيد يلاعن أمته»، وقد جاءت هذه العبارة في طبقات ابن السبكي، في ترجمة الإمام أحمد «يلاعن عن أمته»، والذين تمرَّسوا بقراءة المخطوطات يعرفون أن تجاور كلمتين كما في هذا المثال قد يكون أصيلًا وقد يكون زيادة جرى بها قلم الناسخ بتأثير الكلمة الأولى. فكان ينبغي على المحقق أن يلتفت إلى هذه الزيادة.
ص ١٧ س ١: مثال لإهمال الترقيم وعدم فصل النصوص. «سئل النبيّ ﷺ عن الصلاة في الفراء، فقال: «أنقاها الدباغ وكانت الصحابة ﵃ ... الخ ... وواضح أن قول الرسول ﵊ ينتهي عند كلمة «الدباغ».
стр. 44
وفي الصفحة نفسها س ٢: «وحكى الربيع المرادي عن الشافعي ﵀ أنه قال: آلات الرئاسة خمسة: صدق اللهجة، وكتمان السر، والوفاء بالعهد، وابتذال النصيحة، وأداء الأمانة».
ذكر العبادي هذه الحكاية أثناء ترجمة الربيع الجيزي، ولا علاقة لها بترجمته، إذ أنها سبقت في ترجمة الربيع المرادي ص ١٤. والربيع المرادي هو الذين يتوقع منه الحكاية عن الشافعي، فهو كما يقول ابن السبكي: «صاحب الشافعي وراوية كتبه، والثقة الثبت فيما يرويه. وقد اتصل بخدمة الشافعي وحمل عنه الكثير وحدث عنه به».
في حين لم يكن للربيع الجيزي من الإمام الشافعي سوى الرواية عنه فقط. ويلاحظ أيضاً أن النص في ترجمة الربيع المرادي بدا مبتوراً هكذا: «الرئاسة خمسة».
وهنا يقول: «وابتذال النصيحة»، وهناك: «وبذل النصيحة»، وهو الصواب، فإن الابتذال ضد الصيانة. كما يقول صاحب القاموس.
وكل هذا يدل على أن المحقق بمعزل عن النص. والاشتغال بتحقيق النصوص يقتضي المعايشة الكاملة للنص المحقق، بحيث يكون المحقق مالكاً لزمام عمله، مفتح العينين لكل خبر وحكاية.
ص ٢٢ س ١٣: «وفيه قول آخر أنه فيها من غير قطع»، والأولى أن توضع كلمة «يدخل» قبل «فيها»، كما في النسخ الثلاث التي أشار إليها المحقق في الهامش. والضمير يرجع إلى الصلاة.
ص ٢٤ س ٥: «هذا لا نعرف»، الأولى قراءة النسخ الثلاث التي بالهامش «لا نعرف هذا»، ويقرأ ما في الصلب «لا يعرف» بالبناء للمجهول. ويجب أن يتخذ المحقق موقفاً تجاه اختلاف النسخ، وألا يكون عبداً للأصل إذا كان واضح الخطأ.
وفي الصفحة نفسها س ١٠: «أبو طيب»، والصواب: «أبو الطيب»، وانظر ما كتبته عن ظاهرة حذف «ال» التي تكررت عند المحقق ص ١٤ س ١.
стр. 45
ص ٢٦ س ١١: «ومن فتاويه أنَّ الصبي إذا أسلم بإسلام أحد أبويه» رفع «أحد»، والصواب: جرّه بالإضافة.
ص ٢٩ س؟ : «عن النبي ﷺ : اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر» صوابه: «باللذين»، كما هي قراءة النسخة ت. ولا يضير هذه النسخة أن تنفرد بالصواب. وكأن المحقق خدع بأن سائر النسخ تخالفها.
وفي الصفحة نفسها س ١٤: «عمرو بن سواد المسرحي»، وفي بعض النسخ «التنوخي»، وإنصافاً للمحقق أقول إن ما أثبته هو الصواب، كما في اللباب ١/ ٥٣٩، والمشتبه ٣٥٦. ولكن من حق القارئ عليه أن يعرف من أين جاء بهذا الصواب، حتى رفع عنه الشك، ويريحه من عناء البحث والتقصي.
ص ٣٣ س ١٤: «فدل أنه يستحق كمال الدرجات بكمال الإيمان ونقصانه ينقص الدرجات»، يجب أن توضع فاصلة بعد «الإيمان»، وهذا مثال لإهمال المحقق علامات الترقيم.
ص ٣٥ س ٩ قال العبادي: «ومنهم إبراهيم بن عبد الله المحبر (وشدد الباء)» من أصحاب مالك ﵀. روى الحرث بن سريح عنه. قال للشافعي ﵀: لم أرَ هاشميّاً يفضل أبا بكر على عليّ ﵄ سواك، فقال: أمير المؤمنين علي ابن عمي وابن خالتي وأنا من بني عبد مناف وأنا من بني عبد الدار ولو كان فيه مكرمة لعلي لكنت أولى بها منك»، وفي هذا النص عدة أخطاء.
أولًا: «المحبر» خطأ. صوابه «الحجبي»، كما جاء في طبقات ابن السبكي في ترجمة الحارث بن سريج. وساق ابن السبكي هذه الحكاية (انظر: الطبقات ٢/ ١١٣، ١٧٩، الطبعة الجديدة).
ثانياً: «ابن سريح» بالحاء المهملة خطأ. وصوابه: «سريج» بالجيم المعجمة.
كما في طبقات ابن السبكي، وكما في المشتبه للذهبي ص ٣٩٥. وهو حجة في هذا الشأن، لأنه يضبط بالعبارة.
стр. 46
ثالثاً: «وأنا من بني عبد الدار» خطأ. صوابه: «وأنت»، كما جاء في طبقات ابن السبكي، وهذا يؤيد كون «المحبر» خطأ، وأن الصواب: «الحجبي»، كما قدمت. فقد جاء في اللباب لابن الأثير، عند الكلام على نسبة «الحجبي» ١/ ٢٨٠: «هذه النسبة إلى حجابة بيت الله المحرم. وهم جماعة من عبد الدار».
ص ٣٩ س ٢: «أبو طاهر أحمد بن عمر ابن سرح» خطأ. والصواب: «أبو الطاهر ... ابن السرح»، كما جاء في ترجمته في تذكرة الحفاظ ٢/ ٧٩، تهذيب التهذيب ١/ ٦٤، الجمع بين رجال الصحيحين ١/ ١٤، شذرات الذهب ٢/ ١٢٠، طبقات ابن السبكي ٢/ ٢٦ (الطبعة الجديدة)، العبر ١/ ٤٥٥. وحذف «ال»، وإن كان جائزاً في الأسماء والكنى، إلا أن تكرره وشيوعه في هذا الكتاب (انظر ما كتبته عن ص ١٤ س ١، وص ٢٤ س ١٠) مما يجعلني أكاد أجزم بأنه أثر من آثار العجمة لدى بعض المستشرقين الذين يصعب عليهم نطق ما فيه «ال»، وسيأتي في ص ٩١ س ١: «ابن نحاس القاضي» بدون «ال». وكذلك في ص ٩ من المقدمة الأجنبية ذكر كتاب العبادي المسمَّى: «الهادي إلى مذهب العلماء»، ذكره هكذا: «هادي إلى مذهب العلماء»، ولو كان اسم الكتاب في الحقيقة بدون «ال» الكتب: «هاد بحذف الياء، لأنه حينئذ يعل إعلال «قاض».
ص ٤١ س ١٣: «ابن أبان» شدد الباء. والصواب تخفيفها.
ص ٤٦ س ١٢: «ويحتمل» ضبطها بضم الياء. وهو خطأ يقع فيه كثير من الناس، يضمون الياء ويفتحون التاء والميم، مبنيّاً للمجهول. والصواب فتح الياء مع كسر الميم، مبنيّاً للمعلوم. قال الفيومي في المصباح المنير: «والاحتمال في اصطلاح الفقهاء والمتكلمين يجوز استعماله بمعنى الوهم والجواز، فيكون لازماً، وبمعنى الاقتضاء والتضمن، فيكون متعدياً، مثل احتمل أن يكون كذا، واحتمل الحال وجوهاً كثيرة».
ص ٥٠ س ٦: قال العبادي في ترجمة إبراهيم ابن إسحاق الحربي: «وذكر في كتاب «غريب الحديث» الذي صنفه أبو سليمان الخطابي أن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 47
نهى عن قتل الهدهد، كرامة له ... »، وقد وضع المحقق بعد كلمة «صنفه» رقماً، وذكر في الحواشي أن في كل النسخ زيادة: «نقل». وهذه الزيادة في نظري مهمة، وحقها أن توضع في الصلب. فهي - فضلًا عن كونها في كل النسخ - لا يستقيم الكلام بدونها. فما دخل أبي سليمان الخطابي هنا؟ إلا أن يكون نقل في كتابه هذه التفسيرات اللغوية من كتاب الحربي، ويكون العبادي لم يقف على كتاب الحربي ووقف على كتاب الخطابي، وفيه آراء الحربي، والمشكل هنا أن لكل من الحربي والخطابي مصنفاً في غريب الحديث (انظر: مقدمة النهاية، لابن الأثير)، وقد توفي الحربي سنة ٢٨٥ هـ وتوفي الخطابي سنة ٣٨٨ هـ.
ص ٥١ س ٢: «أبو عبد الله الزبيري محمد بن سامري بن عبد الله بن عاصم ... صاحب الكافي»، وكل ذلك خطأ. والصواب فيه: أبو عبد الله، الزبير بن أحمد بن سليمان بن عبد الله بن عاصم كما جاء في مراجع ترجمته. انظر: تاريخ بغداد ٨/ ٤٧١، طبقات ابن السبكي ٣/ ٢٩٥، طبقات الشيرازي ٨٨، طبقات القراء ١/ ٢٩٢، مرآة الجنان ٢/ ٢٧٨، نكت الهميان ١٥٣، وفيات الأعيان ٢/ ٦٩. وواضح أن «سليمان» هي القراءة الصحيحة لكلمة «سامري» التي علق عليها المحقق بأنها في بعض النسخ «شامري».
ص ٥٣ س ١٣: قال العبادي في ترجمة الإمام البخاري: «ولم يرو عن الشافعي ﵀ في «الصحيح» لأنه أدرك أقرانه، والشافعي ﵀ مات مكتهلًا، فلا يرونه نازلًا وقد وجده عالياً»، والخطأ في «يرونه» فصوابه: «يرويه»، كما جاء في طبقات ابن السبكي ٢/ ٢١٥. ولو رجع إليها المحقق لوقف على الصواب، ولما احتاج أن يذكر في الحواشي أن الكلمة كذا في ب، ت، في الأصل وح بغير تنقيط. وقيل كل ذلك فالكلمة من اصطلاحات علم الجرح والتعديل ورواية الحديث. فكان ينبغي على المحقق أن يفزع إلى أهل الذكر.
ص ٦٤ س ١: «إن كان لشيء مضى وقع وإن لشيء مستقبل لم يقع»، وضع المحقق رقماً فوق «وإن لشيء»، وأشار إلى أن في بعض النسخ «وإن كان»، ولست
стр. 48
أدري لم لم يضع «كان» هذه في الصلب، فيها يستقيم السياق.
ص ٦٧ س ٤: «محمد بن إبراهيم بن منذر. الصواب: «المنذر»، كما جاء في بعض النسخ بالهامش. وكما جاء في بعض المراجع التي ترجمت له. وفي السطر نفسه: «صاحب إشراف على مذاهب العلماء»، والصواب: «الإشراف»، كما يذكر ابن السبكي دائماً.
انظر ما كتبته عن ص ٣٩ س ٢.
ص ٧٨ س ١٣: قوله تعالى: «اعلموا ما شئتم» بتقديم اللام خطأ، والصواب: «اعلموا» بتقديم الميم. وهي الآية ٤٠ من سورة «فصلت».
ص ٧٩ س ١١: في قوله تعالى: ﴿يا أبت إفعل ما تؤمر﴾، جعل الهمزة همزة قطع». والصواب أنها ألف وصل ﴿افعل﴾.
ص ٨٨ س ٢: «سئل عن قوله ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» فقال: فذاكروا فيه». علق المحقق على كلمة «فذاكروا» بأنها في بعض النسخ «أكثروا»، وأرى أن يكون ما في الصلب: «تذاكروا».
ص ٩٠ س ١٣: «إن ماسح الخف لا ينوي رفع الحديث» خطأ. والصواب: «الحدث».
ص ٩١ س ١: «وقد عارض بهذا الكتاب ابن نحاس القاضي» رفع «ابن» بالضمة. والصواب نصبه على المفعولية. والفاعل ضمير مستتر يعود على أبي بكر أحمد بن عمر الخفاف، وهو المترجم، وهنا أيضاً حذف «ال» من النحاس. وقد أشرت إليه قبلاً.
ص ٩٦ س ١: «ويكره الرفع الشديد الصوت» ضبط المحقق الفعل بضم الياء وكسر الراء، مبنيّاً للمعلوم، ونصب «الرفع»، و «الشديد»، والصواب بناء الفعل للمجهول، ورفع «الرفع» نائباً عن الفاعل، و «الشديد» على الصفة.
وفي الصفحة نفسها س ٤: «ويكره الدعاء بالشجع وتكلف الصنعة»، والصواب: «بالسجع» بالسين المهملة.
стр. 49
ص ٩٨ س ١٠: «لأنَّ العرب تقول: غسل الشتاء السطح» علق المحقق على «الشتاء» بأنها في ثلاث نسخ «السماء»، وأرى هذا هو الصواب، فإن العرب تسمي المطر سماء.
(انظر: معجم مقاييس اللغة ٣/ ٩٨).
ص ١٠٢ س ٦: قال النبيّ ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجداً وإنما يجب أن يقول: جعلت داري مسجداً لله تعالى» قفل المحقق علامة التنصيص بعد «تعالى» على أن الكلام كله من قول النبيّ ﷺ . وإنما ينتهي كلام الرسول ﵇ بعد «مسجداً».
وفي الصفحة نفسها س ١١: «أبو حنيفة أفتى بأن المال بينهما نصفين».
الأولى «نصفان»، وهما ما جاء في ثلاث نسخ، كما أشار المحقق.
ص ١٠٨ س ١٢: «إذا وجد زان، وإذا فقد شأن»، وضع المحقق همزة على ألف «شأن»، والصواب حذفها لتناسب السجع.
ص ١١٠ س ١٢: «وحكيم بن محمد الذيموني الفقيه من قراء بخارى»، أشار المحقق إلى أن في نسخة: «من قرى بخارى»، وقد كان ينبغي على المحقق أن يقف عند هذه القراءة. فقد قال ياقوت في معجم البلدان ٢/ ٧٢٧: «ذيمون بفتح أوله وآخره نون: قرية على فرسخين ونصف من بخارا»، فلعل الناسخ وجد الكلمة «قرا» فلم يحسن قراءتها، وتطوع بزيادة الهمزة. نعم ترجم ابن الجزري في «طبقات القراء» لشخص اسمه «حكيم بن محمد»، ولم يزد في اسمه على ذلك، ولم يذكر في نسبته «الذيموني»، واختلفت سياقة ترجمته عند ابن الجزري عما في الأنساب لوحة ٢٤١ ب، واللباب ١/ ٤٤٩، وطبقات ابن السكبي ٤/ ٣٣٧، وانظر طبقات ابن الجزري ١/ ٢٥٧.
ص ١١١ س ٦: «ووجهه أنهما دليلان تعارضا في الحس»، وجاء في إحدى النسخ: «في الحسن»، وأرى هذا هو الصواب. وهذه اصطلاحات أصولية محددة، تشبه الأمثال. وقد كان يجب على المحقق، كما قلت قبلًا، أن يلجأ إلى أهل هذا الشأن، حتى يحفظ للنص روحه وسلامته.
стр. 50
وفي الصفحة نفسها س ١٢: «الظهارة والإيلاء والرجعة»، والصواب: «الظهار»، كما جاء في نسختين بالهامش.
ص ١١٤ س ١٢: «وإليه يرجع المآب»، الأولى قراءة النسخة ت «وإليه المرجع والمآب». وقد لاحظت أن هذه النسخة كثيراً ما تنفرد بالصواب ومع ذلك لم يلتفت لها المحقق. وقد لاحظت أيضاً أن المحقق في صنع فهرس الأعلام قد بذل جهداً في تحقيق الأسماء، ولو أنه فعل هذا في تحقيق النص لسلم من كثير من الأخطاء، ولسلم أيضاً من إثقال النص بالحواشي وفروق النسخ.
ومهما يكن من شيء فلن نستطيع أن ننكر للمحقق الفاضل هذه اليد التي أسداها إلى تراثنا العربي ببعث أصل مبكر من تراثنا الخالد. وتحية لكل الجهود المخلصة.
* * *
стр. 51
أحمد محمد شاكر (١)
وُلدِ بالقاهرة، ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب، وأبوه هو الشيخ محمد شاكر، وكيل الأزهر. وقد انتقل مع والده إلى السودان عندما عُيَّن في منصب قاضي قضاة السودان سنة ١٣١٧ هـ = ١٩٠٠ م فالتحق بكلية غوردون. وذهب إلى الإسكندرية سنة ١٣٢١ هـ = ١٩٠٤ م، فالتحق بمعهد الإسكندرية، ثم التحق بالأزهر، وحاز شهادة «العالمية» منه سنة ١٣٣٤ هـ = ١٩١٧ م، وعُيَّن موظَّفاً قضائّياً ثمَّ قاضياً، وذلك بعد تعيينه مدرَّساً لمدة وجيزة جدَّا، وظلَّ في القضاء حتى أُحِيل على التقاعد سنة ١٩٥١ م عضواً بالمحكمة العليا الشرعية، وتوفي ﵀ بالقاهرة يوم السبت ٢٦ من ذي القعدة سنة ١٣٧٧/ ١٤ من يونية ١٩٥٨.
كان أوَّل شيوخه في معهد الإسكندرية الشيخ «محمد أبو دقيقة»، وقد ترك هذا الشيخ في حياته أثراً لا يمحى، وهو الذي حبَّب إليه الفقه وأصوله، ودرَّبه وخرَّجه في الفقه حتى تمكن منه، ثم تلقَّى العلم عن أبيه الشيخ «محمد شاكر» الذي قرأ له ولإخوانه شيئاً من التفسير وكتب السَّنة وأصول الفقه والفقه الحنفي والمنطق، ثم وجَّهه والده إلى دراسة علم الحديث منذ سنة ١٩٠٩، وأول اهتمام له قراءة مسند الإمام أحمد بن حنبل، ثم قرأ صحيح مسلم وسنن الترمذي والشمائل له وشيئاً من صحيح البخاري.
وقد اتصل بعلماء الأزهر من أهل القاهرة والوافدين عليها أيام كان طالباً
стр. 52
بالأزهر، ومن العلماء الذين لقيهم وأخذ عنهم وأجازوه: السيَّد عبد الله بن إدريس السنوسي، عالم المغرب ومحدَّثه، والشيخ محمد بن الأمين الشنقيطي، والشيخ أحمد بن الشمس الشنقيطي، عالم القبائل الملثمة، والشيخ شاكر العراقي، والشيخ طاهر الجزائري، والسيَّد محمد رشيد رضا، صاحب «المنار» وغيرهم من علماء السُّنَّة. وكان لهؤلاء أثر كبير في نشأته التي أدَّته إلى أن يستقل بمذهب في علم الحديث. يقول عنه أخوه الصغير الشيخ محمود محمد شاكر: «إمام من أئمة علم الحديث في هذا القرن، وهو أحد الأفذاذ القلائل الذين درسوا الحديث النبوي في زماننا دراسة وافية قائمة على الأصول التي اشتهر بها أئمة هذا العلم في القرون الأولى، وكان له اجتهاد عرف به في جرح الرجال وتعديلهم، أفضى به إلى مخالفة القدماء والمحدَّثين، ونصر رأيه بالأدلة البيَّنة، فصار له مذهب معروف بين المشتغلين بهذا العلم، على قلَّتهم. وقد تولى القضاء في مصر أكثر من ثلاثين سنة، فكانت له أحكام مشهورة في القضاء الشرعي، قضى فيها باجتهاده، غير مقلد ولا متبع، وكان اجتهاده في الأحكام مبنيًّا على سعة معرفته بالسنَّة التي اشتغل بدراستها منذ نشأته إلى أن لقي ربه».
وكان في دراسته وتعليقاته على النصوص يدافع عن أحكام الإسلام وآدابه دفاعاً تفرَّد به، ونطق بالحق الذي يراه غير متهيب ولا متلجلج، بحيث أعلن رجوعه عن بعض آرائه القديمة، وعلى سبيل المثال: أنَّ الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر، كان يرى أن يكون الحساب الفلكي بديلًا عن الرؤية الشخصية في إثبات أوائل الشهور العربية، فنهض لمخالفته والد الأستاذ أحمد شاكر، وهو محمد شاكر، من كبار العلماء لعهده، وكان الشيخ أحمد ممن يعتقد بدءاً بصحَّة فتوى والده، فكتب مقالات تؤيَّد منحاه عن ثقة جازمة، ثم بدا له بعد التحقيق بصحَّة فتوى والده، فكتب مقالات تؤيَّد منحاه عن ثقة جازمة، ثم بدا له بعد التحقيق والتريُّث ما يخالف وجهه نظره ونظر والده، فخرج على الناس برسالة كتبها في حياة أبيه يعلن فيها انتصاره لرأي الإمام المراغي. (انظر: البيومي، ٤/ ١٢٦ - ١٢٧).
أعماله العلمية:
وقد اشتغل الشيخ أحمد محمد شاكر بنشر نصوص التراث الإسلامي بدراسة
стр. 53
كثيرة وتعليقات قيَّمة، وإلى جانب ذلك ألَّف بعض الكتب المفيدة، منها:
١ - نظام الطلاق في الإسلام، دلَّ فيه على اجتهاده وعدم تعصُّبه لمذهب من المذاهب، واستخرج فيه نظام الطلاق من نص القرآن ومن بيان السُّنَّة في الطلاق، وترك هذا الكتاب عاصفة من النقد، فنهضت فئة من المجلات الأسبوعية والشهرية لمعارضته، كما ألَّف الأستاذ الإمام محمد زاهد الكوثري رسالته: «الإشفاق في أحكام الطلاق» ردّاً على ما ورد فيه.
٢ - كلمة الحق. (القاهرة ١٤٠٧ هـ)، هذا الكتاب عبارة عن جمع بعض مقالاته التي كانت قد نشرها في مجلة «الهدي النبوي» التي كان يرأس تحريرها.
وأما ما نشره من نصوص التراث الإسلامي: ففي الحديث:
١ - مسند الإمام أحمد. (القاهرة ١٣٧٧ هـ = ١٩٥٧). وهو يعتبر أهم أعماله العلمية التي عمل عليها إلى أن وافته المنيَّة، ونشر خمسي الكتاب في ١٥ مجلَّداً. وقد بلغت الأحاديث التي ضبطها وحققها ٨١٠٠ حديث من المسند الذي يبلغ عدد أحاديثه حوالي ٤٠، ٠٠٠ حديثاً. وتوفَّاه الله بعد أن حقَّق جزءًا من ٦٨٠ حديثاً من المجلَّد السادس عشر، وأتمَّ ما بقي من هذا المجلَّد الدكتور الحسني عبد المجيد هاشم. ويحتوي ما كتبه الشيخ في مقدمة الكتاب المعنونة بـ «طلائع الكتاب» معلومات قيَّمة. وقد جعل لأحاديث الكتاب المعنونة بـ «طلائع الكتاب» معلومات قيَّمة. وقد جعل لأحاديث الكتاب أرقاماً متتابعة، وخرَّجها من حيث إسنادها صحَّة وحسناً وضعفاً، وحقَّق أسماء المحدَّثين وأعلام الإسناد وذكر الأحاديث التي تقوي الأحاديث الضعيفة من حيث الإسناد.
٢ - الجامع الصحيح، للترمذي. وهو من أعماله التي لم يتمكَّن من إكمالها، ونشر المجلَّد الثاني مع مقدمة تبلغ ٩٦ صفحة، ومعلومات هامشية واسعة النطاق. (القاهرة ١٣٥٧ - ١٣٥٩ هـ = ١٠٣٨ - ١٩٤٠ م).
٣ - معالم السنن، للخطابي. شارك الشيخ محمد حامد الفقي في نشره.
(القاهرة ١٩٤٨ م).
٤ - اختصار علوم الحديث، لابن كثير. وقد قام بشرح هذا الكتاب القيَّم في
стр. 54
علم أصول الحديث ونشره باسم: «الباعث الحثيث إلى معرفة علم الحديث».
(القاهرة ١٣٥٥ هـ).
وفي التفسير
١ - جامع البيان، للطبري. شارك أخاه الشيخ محمود محمد شاكر في نشره، فتولَّى جزءاً من تخريج أحاديثه إلى الجزء التاسع، وعلَّق على بعضها إلى الجزء الثالث عشر. (القاهرة ١٩٥٥ - ١٩٦٠ م).
٢ - تفسير القرآن العظيم، لابن كثير. وقد شرع في اختصار هذا التفسير وسمَّاه «عمدة التفسير» وأصدر منه خمسة أجزاء بينما كان يفكر أن يتمه في عشرة أجزاء.
(القاهرة ١٩٥٦ - ١٩٥٧ م). ولم يذكر أثناء اختصاره أسانيد الأحاديث كما لم يذكر الإسرائيليات، والأحاديث الضعيفة والمكررة، وبعض المباحث الفقهية والكلامية.
وفي الفقه:
١ - الرسالة، للإمام الشافعي. ويعدّ تحقيقه لهذا الكتاب أكبر دليل على إتقانه وبراعته في إخراج النصوص القديمة على أعدل المناهج وأقومها، بل إنَّ تحقيق هذا الكتاب يعد إيذاناً ببدء مرحلة جديدة تماماً من النشر العلمي المستكمل لكل أسباب التوثيق والتحقيق والموصول بما سنَّته الأواثل وأصَّلوه. (القاهرة ١٩٣٨ م).
٢ - جماع العلم، للشافعي. (القاهرة ١٩٤٠ م).
٣ - المحلَّى، لابن حزم. شارك في نشره الشيخ محمد حامد الفقي.
(القاهرة، بدون تاريخ، دار التراث، بيروت).
٤ - كتاب الخراج، ليحيى بن آدم. (القاهرة، ١٣٤٧ هـ).
وفي الأدب:
١ - الشعر والشعراء، لابن قتيبة. (القاهرة ١٣٦٤ - ١٣٦٦ هـ).
٢ - المعرب، لأبي منصور الجواليقي. (القاهرة ١٩٤٢ م).
٣ - المفضليات، للمفضل الضبَّي. (القاهرة ١٩٥٢ م).
٤ - الأصمعيات، للأصمعي. (القاهرة ١٩٥٥).
وشارك في نشر الكتابين الأخيرين ابن خاله الأستاذ عبد السَّلام محمد هارون.
стр. 55
صورة الشيخ أحمد محمد شاكر والتاريخ أسفل الصورة بخطه رحمه الله
стр. 56
فوائد سيَّد .. العالِم الذي فقدناه (١)
في صباح يوم الأحد الثاني من رمضان سنة ١٣٨٧ هـ - الثالث من ديسمبر سنة ١٩٦٧ م دعي الأستاذ فؤاد سيَّد فأجاب وخسرت مصر والعالم العربي بوفاته عالماً فرداً، ظل يعمل في دنيا المخطوطات العربية قرابة الأربعين عاماً، درساً وتمثلًا وتصنيفاً؟ .
إن حياة هذا الرجل صورة فذة، جمعت أجزاؤها كل جلال النبوغ الفطري والتحصيل الذكي الدؤوب والعصامية التي استعلت على قسوة المنشأ وباركتها عناية الله حتى استوت علماً نافعاً فيه خير وبركة ونماء.
ولد الأستاذ فؤاد سيَّد عمارة في القاهرة (بدرب الأغوات في حي الدرب الأحمر) يوم ٢٠ أكتوبر سنة ١٩١٦ م لأب رقيق الحال، توفي عنه سنة ١٩٣٢ م، ولم تكن له عمومة يعتزي إليها ويشرف بها، أو خؤولة تصونه وترعاه، فدب على الطريق وحيداً إلا من دعاء أم لا تملك سوى الدعاء وقد أشقاها الترمل وأرَّقها الخوف على الصبي اليتيم، ولم يصب الفتى من التعليم غير مرحلة «الكتاب» ثم أربع سنوات قضاها بمدرسة عبد الباقي الشوربجي الأولية بشارع جامع البنات، ويترك الصبي المدرسة ليعمل بمطبعة كانت تسمى المطبعة الملوكية، بجوار دار الكتب المصرية على يمينك وأنت تريد ميدان العتبة.
وفي سنة ١٩٢٩ م يلتحق الصبي بدار الكتب المصرية عاملًا بمطبعتها في تصفيف الحروف، ثم يدلف الفتى على استحياء إلى مخازن الدار وفهارسها العربية
стр. 57
فتبهره صفوف الكتب ويعيش مع ترابها أحلى قصة كفاح نسجت خيوطها موهبة فذة ورفدتها عبقرية نادرة.
استمع إلى الأستاذ المحقق محمد عبد الجواد يصفه في هذه المرحلة من حياته في كتابه: «تقويم دار العلوم الذي صدر عام ١٩٥٩ م» يقول: «من أكثر من ربع قرن مضى توجهت إلى دار الكتب المصرية، أبحث عن موضوع لغوي، فصادفني بين ولدانها فتى في منتصف العقد الثاني من عمره، طلب إليه الأمين أن يجيب طلبتي، فإذا بي أمام مطلع عالم بالموضوع، وأضاف إلى إجابته ذكر جملة من المظان التي يصح الرجوع إليها فيه. فعجبت لهذا الشاب وتمنيت لو أن «دار الكتب» يكون بين موظفيها عدد من المرشدين من مثله، والذين أدعوهم «فهارس ناطقة».
وبعد أن يعدد الأستاذ عبد الجواد آثار الفقيد يضيف: «وترى فؤاداً هذا - في تحقيق المخطط «حـ» (يقصد طبقات الأطباء والحكماء» - عالماً من كبار العلماء بدقائق الحقائق التاريخية، وكتب السير والطبقات، فضلًا عن سعة الاطلاع والتمكن من المادة التي يبحث عنه ويفحص عن صحتها. أما المباحث اللغوية وتحقيق الأسماء والمصطلحات، فتعجب عن اطلاعك على مجهوده، كيف يتكلم عن اليونانية واللاتينية، إلى الفرنسية والألمانية والتركية وغيرها، واثقاً مما يقول مرجحاً مضعفاً». انتهى كلام الأستاذ محمد عبد الجواد.
وفي هذه الحقبة من التاريخ كانت دار الكتب المصرية تضم نفراً من العلماء الأفذاذ الذين نذروا حياتهم لخدمة التراث العربي والفكر الإسلامي في صمت معجب، حيث قدموا شوامخ النصوص العربية، كتفسير القرطبي والأغاني والنجوم الزاهرة ونهاية الأرب، على أدق ما يكون الإخراج ضبطاً وتحقيقًا. ومن هؤلاء العلماء أذكر الأساتذة عبد الرحيم محمود وزكي العدوي وحسن حسين وعبد المجيد الأقدمي ومحمود إمام. ويبرز من بين هذا النفر الكريم الشيخ محمد عبد الرسول، وكان ﵀ حجة في المخطوطات العربية، وتتوثق صلة الفتى به ويتتلمذ له فيصيب على يديه خيراً كثيراً.
стр. 58
وقد اضطر فقيدنا في هذه المرحلة من حياته إلى أن يأكل من نسخ الكتب، فنسخ كثيراً من المخطوطات. وقد حدثني أن يديه لا تزالان ترتعشان من طول ما نسخ. وحقاً ما قال، فقد كنت إذا حدقت فيه وهو يكتب لا تخطئ رعشة خفيفة في يديه. ومن الذين كان ينسخ لهم - كما حدثني - الدكتور محمود الخضيري أستاذ الفلسفة الإسلامية ﵀، والمستشرق الفرنسي شال كونس المشتغل بتحقيق كتاب «الجيم» لأبي عمرو الشيباني.
وكان ﵀ يفخر بنسخ الكتب ويقول لي: إنه مهنة العلماء كياقوت الحموي صاحب معجم الأدباء. وبفضل هذا النسخ حصَّل كثيراً من المعارف، ووعت ذاكرته ما لا يحصى من أسماء الكتب. وحين أصبح قادراً على تمييز الخطوط وردها إلى العصر الذي كتبت فيه، استناداً إلى نوع الحبر وكثافة الورق وطريقة الكتابة، من إهمال للنقط أو إعجام. أضف إلى هذا أن خطوط العلماء كانت متميزة في عينه، فهذا خط الصلاح الصفدي، وذاك قلم ابن حجر العسقلاني. وكان يقول لي: إن خط الصفدي لا تخطئه العين، فهو خط منسق جميل، ومن خصائصه كيت وكيت، وإن قلم ابن حجر لا يتوقف فتكاد كلماته تتشابك. وكذلك كان.
وكان غفر الله له نسيج وحده في قراءة ما يكتب في صدر المخطوط من إجازات أو تملكات أو توثيق، ثم كان حجة في تقويم كل ذلك وبيان زيفه من صحيحه، مع قدرة فائقة على قراءة الكلمات المصحَّفة وتقويم العبارات المزالة عن وجهها. ويا لحسرة القلب، لقد مات بموت هذا الرجل علم كثير. وكم كنا نتمنى أن ينسأ الله في أجله حتى نستطيع نحن أبناء هذا الجيل أن نعي شيئاً من هذا العلم الكثير، كما كان هو يتمنى أن يمتد به العمر ويُكفى السعي المضني وراء الرزق ليدوَّن هذا المحصول فتخرج تلك المعرفة إلى الناس في كتاب مقروء.
أجل، كان الأستاذ فؤاد سيَّد وريث تلك المدرسة الجليلة التي أحبت المخطوطات العربية ووقفت عليها مالها ومنحتها كل حياتها، مدرسة محمد محمود الشنقيطي وأحمد تيمور وأحمد زكي.
стр. 59
ونعود إلى الخط الوظيفي للفقيد، فنراه يظل يعمل في قسم الفهارس العربية إلى أن منح في سنة ١٩٥١ لقب أمين المخطوطات بصفة شرفية، وكان حينئذ يقوم بفهرسة المخطوطات وتصنيفها. ولما قامت دار الكتب بفصل المخطوطات عن المطبوعات في جناح خاص بها أصدر مدير الدار (وكان في ذلك الوقت الأستاذ السيَّد فرج وكيل وزارة الثقافة الآن) قراراً بتسليمه عهدة مكتبة المخطوطات والقيام بشؤونها، وصار أول أمين للمخطوطات بالدار. وقد قام في عمله الجديد بالأعمال الآتية:
١ - الخدمة المكتبية وإرشاد الباحثين.
٢ - اختيار جميع المخطوطات والوثائق التي تحتاج للتجليد والترميم ووضع المواصفات الفنية اللازمة لذلك حفاظاً عليها وصوناً لها، لما لهذه المخطوطات من معالم تاريخية وفنية.
٣ - اختيار المخطوطات القيمة والنادرة لتصويرها بالميكروفيلم أو التكبير.
٤ - تزويد المكتبة بصورة من بطاقات جميع المخطوطات المحفوظة بالدار لتيسير وسائل البحث والمراجعة لجمهورها من المستعيرين.
٥ - إعداد دفتر خاص للكتب المعارة داخل هذه المكتبة أو عند موظفي الدار أو في الخارج، وإصدار إحصائيات شهرية سنوية بحالة الإعارة فيها.
٦ - المشاركة في إعداد سجلات خاصة للمخطوطات تكون صورة مطابقة لما في مخازن المخطوطات من الكتب، لتصير أساساً لجرد هذه المكتبة وحصر محتوياتها.
وقد كان من أثر هذه التنظيمات التي تمت لأول مرة في تاريخ دار الكتب أن حققت هذه المكتبة رسالتها العلمية على خير ما يجب من النفع للمترددين عليها من الباحثين والعلماء العرب والمستشرقين.
ولما كان ﵀ سكرتيراً للجنة شراء المخطوطات ولجنة حماية
стр. 60
المخطوطات وصيانتها، فقد يسر له إشرافه على هذه المكتبة إنجاز أعمال هاتين اللجنتين بصورة مباشرة كان لها أثر كبير في النتائج الإيجابية التي حققتها هاتان اللجنتان.
ومع ذلك فإن عمله في أمانة المخطوطات وسكرتارية هذه اللجان وإعداد جداول أعمالها وتنفيذ قراراتها لم يحل دون مساهمة فعالة مع قسم حماية التراث في فهرسة المخطوطات وتصنيفها. وقد قام فعلًا في هذا الصدد بالأعمال الآتية:
١ - إخراج فهرست مخطوطات مصطلح الحديث، على منهج علمي مفصل للمرة الأولى في تاريخ دار الكتب. صدر سنة ١٩٥٦ م.
٢ - فهرسة جميع ما يرد للدار تباعاً من المخطوطات والمصوَّرات.
٣ - إعداد فهرست لجميع ما أضيف لمخازن الدار من الكتب الخطية من سنة ١٩٣٦ م إلى سنة ١٩٥٥ م ويحوي ما يقرب من ثمانية آلاف ك تاب ورسالة. وقد ظهر في ثلاثة أقسام: القسم الأول (أ - س) وصدر سنة ١٩٦١ م. القسم الثاني (ش - ل) وصدر سنة ١٩٦٢ م. القسم الثالث (م - ي) وصدر سنة ١٩٦٣ م.
٤ - نشرة عن مؤلفات ابن سينا وشروحها الموجودة بالدار. صدرت سنة ١٩٥٠ بمناسبة العبد الألفي لابن سينا.
ولم يقف نشاط الفقيد محصوراً داخل دار الكتب المصرية، بل تعداه إلى كل الهيئات المعنية بالتراث العربي، فحين أنشئ معهد المخطوطات العربية بجامعة الدول العربية ظل ﵀ على صلة به ومشاركة في أعماله، حتى انتدب ابتداء من سنة ١٩٥٣ م ليكون خبيراً بالمعهد. وقد أنجز لهذا المعهد عدة فهارس، صور أولها عام ١٩٥٤ م وهو فهرس عام لمقتنيات المعهد. والفهرس الثاني خاص بعلم التاريخ، وجاء في مجلدين، ظهر الأول سنة ١٩٥٧ م، والثاني سنة ١٩٥٩ م. ثم عمل فهرساً ثالثاً للمعارف العامة نجز سنة ١٩٦٦ م.
ولم يكن إخراجه للفهارس جافاً واقفاً عند حدود المادة المكتبية، بل كنت
стр. 61
تحس فيه بدقة العالم وتصرف المتثبت المحقق. استمع إليه في مقدمة الفهرس العام لمعهد المخطوطات: «وقد عنيت عناية شديدة بذكر اسم المؤلف كاملًا مصحوباً بكنيته ولقبه ونسبه، مع التحري الدقيق لتاريخ وفاته، أو تعيين القرن الذي عاش فيه معتمداً في ذلك على كتب التراجم والطبقات. وكنت حريصاً على التعريف بالكتاب ومحتوياته وتبويبه وذكر ما يشمله من موضوعات، ما وافتني بذلك المصادر والأصل. وعنيت أيضاً بعمل إحالات متعددة للكتب التي لها أسماء مختلفة، أو اشتهرت بعناوين معينة، أو كانت اختصاراً أو شرحاً لكتب أخرى، كما أن الكتب التي تبحث في أكثر في موضوع كررت ذكرها ذكرها في فنونها المتعددة، كل ذلك تيسيراً للباحث وعوناً له على الوصول إلى طلبته من أية مظنة».
وكان ﵀ على صلة ومشاركة في أعمال معاهد الاستشراق بمصر وعلى وجه الخصوص المعهد الفرنسي. ولما أنشأ المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالجمهورية العربية المتحدة فرعاً لنشر التراث الإسلامي عام ١٩٦٠ م كان ﵀ عضواً فيه من أول جلسة.
وفي العام الفائت أنشأت وزارة الثقافة معهداً ملحقاً بدار الكتب المصرية لتحقيق النصوص ونشرها يلتحق به خريجو الجامعات. وقد اختير ﵀ ليحاضر في هذا المعهد.
رحلاته العلمية:
حجَّ رحمة الله عليه مرَّتين، زار خلالهما مكتبات مكة والمدينة، واطلَّع على نفائس المخطوطات هناك، وتوثَّقت صلاته بعلمائهما.
وفي سنة ١٩٥٧ م، انتدب ضمن بعثة لزيارة مكتبة دير سانت كاترين بشبه جزيرة سيناء، لدراسة ما تحويه من مخطوطات أثرية وتقديم تقرير بما يجب اتباعه لحفظ هذه المخطوطات وحمايتها.
ثم كانت رحلتاه إلى اليمن، الأولى سنة ١٩٥٢ م، والثانية ١٩٦٤ م، في بعثة برياسة الدكتور خليل نامي أستاذ فقه اللغة بآداب القاهرة. وفي هاتين الرحلتين
стр. 62
اكتُشف لأول مرة تراث طيب لفكر المعتزلة، تطاول عليه العمر، مختبئاً في سراديب الظلام. وقد نشر من هذا التراث المكتشف ثلاثة نصوص للقاضي عبد الجبار: المغني، والمجموع المحيط بالتكليف، ثم شرح الأصول الخمسة. ولا يزال هناك الكثير من تراث المعتزلة مما صور من اليمن ينتظر الدراسة والنشر. وكان الموجود من هذا التراث بين يدي الناس لا يزيد على الكتب الثلاثة. وترجع أهمية هذا التراث - كما كان يحدثني الأستاذ ﵀ إلى أنه يعرض لفكر المعتزلة بأقلام أئمة الاعتزال أنفسهم، وكان كل ما يكتب قبلًا عنهم إنما يأتي من قبل خصومهم، وفي هذا ما فيه.
وفي شهر مايو من العام الماضي كانت آخر رحلاته ﵀، حيث دعاه المعهد الجامعي الشرقي بنابُلي للقيام بدراسات علمية في التراث الإسلامي والمخطوطات العربية. وقد لقي هناك ترحيباً كريماً من جمعيات الاستشراق ولبث شهرين يعاون طلبة الدراسات العليا على فهرسة محتويات المعهد من المخطوطات العربية، ويرشد ويوجه أصحاب الدراسات والبحوث إلى المراجع العلمية التي تخدم بحوثهم.
آثاره العلمية:
من الناس من يشغل بغيره عن نفسه، وتستعلن آثاره أو تتوارى في جهود سواه، وهو في كل ذلك سعيد بما يبذل من وقته وفكره، وسواء أذاع الناس فضله أم جحدوا فهو حيث هو، لا يتحول ولا يريم، لأنه يرضي سخاء نفسه الراغبة في البذل والعطاء.
وقد كان الأستاذ - آجره الله - من هذا الصنف من الناس، فقد فرضت عليه ظروفه الوظيفية في الإرشاد والتوجيه، ثم قبل كل ذلك قلبه المحب للناس الراغب فيهم المستزيد من صداقتهم، فرض عليه كل ذلك أن يعيش لغيره وأن يقف وقته لتلبية الرغبات وقضاء الحاجات. وقد كنت أرى الرسائل أكواماً تلاحقه في مكتبه وفي بيته من الدارسين والمحققين، وقد تأخذ الرغبات بتلابيبه فيبدو منه بعض الضجر، ولكنه
стр. 63
سرعان ما يثوب إلى نفسه السخية المعطاء فيلبي ويجيب. وافتح أي كتاب شئت من نصوص التراث المنشور لترى آثار علمه وفضله، يذكرها الناشرون تكريماً للرجل وتزكية لعملهم.
لكن الله بارك له في وقته وسُنَّي له أن يُخرج بعض النصوص حاملة اسمه، وقد أبان فيها عن علم كثير. ففضلًا عن الفهارس العلمية التي صنعها لدار الكتب المصرية ومعهد المخطوطات بجامعة الدول العربية، حقق ﵀ هذه النصوص، وهي بحسب ترتيبها الزمني:
١ - طبقات الأطباء والحكماء، لأبي سليمان بن حسان الأندلسي المعروف بابن جُلجُل (بجيمين مضمومتين) من علماء القرن الرابع الهجري. وقد كان الفقيد ﵀ يعتز كثيراً بهذا الكتاب وبعمله فيه. وقد قام له بمقدمة علمية قيمة، قال فيها: «هذا كتاب يعتبر وثيقة هامة في تاريخ العلوم وتطور حركة التأليف والترجمة في القرن الرابع الهجري الذي يعد بحق العصر الذي ازدهرت فيه الحضارة الإسلامية ونمت وبلغت غايتها من الإنتاج الواسع في شتى ميادين العلوم والآداب.
ولعل ميزة هذا الكتاب الأولى التي جعلت له قيمة علمية خاصة ونصاً قديماً له خطره في تاريخ العلم أن مؤلفه يعتمد فيما رجع إليه من مصادر على تراجم عربية لأصول لاتينية تاريخية. فقد عهدنا دائماً أن أكثر الكتب التي نقلها العرب أو غيرهم من المترجمين كانت عن أصول يونانية، والقليل منها عن اللغات الفارسية والسريانية والهندية، وأنهم أكثروا من النقل والترجمة عن هذا الطريق، ولكنا لم نظفر - إلا قيلًا جداً - بنصوص عربية ترجمت عن اللغات اللاتينية. وربما كان كتابنا هذا أول كتاب استفاد من هذه الترجمات التي نرجح أنها تمَّت في عصره أو قبله بقليل».
ثم يمضي الأستاذ في مقدمته متحدثاً عن مصادر الكتاب، وعن هذا اللون من التصنيف، متتبعاً المسار الزمني له. وقد وقف ﵀ عند بعض النصوص التي أوردها ابن جُلجُل، والتي تذكر صراحة قدم حركة النقل والترجمة في صدر الدولة الأموية. وكان الشائع أنها تمت في العصر العباسي وفي عصر المأمون بالذات.
стр. 64
وهذا النص هو ما جاء في صفحة ٦١ من الكتاب أثناء ترجمة ماسرجويه الطبيب البصري الذي عاش في الدولة الأموية، وتولَّى أيام حُكْم مروان بن الحكم (٦٤ - ٦٥ هـ) ترجمة كتاب «أهرن بن أعين القس» إلى العربية. وكان أهرن من الأطباء الذين عاشوا في الإسكندرية في عصر هرقل (٦١٠ - ٦٤١ م) في صدر الإسلام، ووضع «كناشة» باللغة اليونانية ثم نقله إلى السريانية، إلى أن قام بترجمته إلى العربية ماسرجويه المذكور. وقد ذكر ابن جُلجُل في هذه الترجمة أن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (٩٩ - ١٠١ هـ) وجده في خزائن الكتب (الأموية) وأنه استخار الله في إخراجه إلى المسلمين.
وكثيراً ما كان الأستاذ ﵀ يدلني على قيمة هذا النص، ويكثر من الحديث حوله. وقد طبع هذا الكتاب أول مرة بمطبعة الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة سنة ١٩٥٥ م، ثم أعادت مكتبة المثنى ببغداد طبعه بالأوفست منذ ثلاث سنوات، بعد أن عزّت نسخه، فقدمت بذلك خدمة جليلة للعلم والعلماء.
٢ - طبقات فقهاء اليمن، لابن سمرة الجعدي، عمر بن علي المتوفى بعد سنة ٥٨٦ هـ، وهو أول كتاب يظهر خاصاً بعلماء اليمن. وترى في آخره فهرساً لبلاد اليمن، صنعه الفقيد، آية في التثبُّت والتحرَّي والاستقصاء. وقد طبع هذا الكتاب بالقاهرة سنة ١٩٥٧ م، وجعله الأستاذ الحلقة الأولى في سلسلة «المكتبة اليمنية» التي كان يريد أن يمضي في نشرها.
٣ - شروط المؤرخ في كتابة التاريخ (مجموعة فتاوى لبعض العلماء فيما يشترط في المؤرخ لكتابة التاريخ من الجرح والتعديل)، نشرت بمجلة معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية سنة ١٩٥٧.
٤ - إعارة الكتب عند الأقدمين (نصان قديمان لليزيدي والسيوطي)، نشرت بمجلة معهد المخطوطات سنة ١٩٥٨ م.
٥ - الوسيط في تراجم أدباء شنقيط (موريتانيا) للشنقيطي أحمد بن الأمين. أشرف الفقيد على طبعه وقدم له. طبع بالقاهرة سنة ١٩٥٩ م.
стр. 65
٦ - العبر في خبر من عبر (١)، للحافظ الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨ هـ، وهو مختصر لكتابه الكبير «تاريخ الإسلام»، حقق الأستاذ منه الجزئين الثاني والثالث. وطبعا بالكويت سنة ١٩٦١ م.
٧ - العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين (مكة) لتقي الدين الفاسي المتوفى سنة ٨٣٢ هـ وهو أكبر موسوعة في تاريخ مكة ومن عاش فيها أو دخلها أو سكنها من العلماء والفقهاء والشعراء والأدباء وغيرهم. حذا فيه مؤلفه حذو الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، والحاكم النيسابوري في تاريخ نيسابور، وابن عساكر في تاريخ دمشق، والسمعاني في تاريخ مرو. والكتاب في ثمانية أجزاء حقق الفقيد العزيز منه الأجزاء من الثاني إلى السابع، وأعجلته المنية عن إتمام الثامن. وقد كان في نيته ﵀ أن ينشر «ذيل العقد» لابن فهد المكي تلميذ الفاسي. وقد رأيت بعيني مدى ما كابده الأستاذ من جهد في تحقيق الكتاب. ومكة البلد الأمين مهوى الأفئدة ومطمح الأنفس، ارتبطت أرضها الحرام بأداء ركن من أركان الإسلام، فلن تحد عالماً من علماء الإسلام إلا وردها حاجّاً مجاوراً. ومن هنا كثرت تراجم هذا الكتاب، وانفسح مجال القول أمام الفاسي، فأكثر من النقول والنصوص، ونقل أسماء المترجمين ووفياتهم من أحجار القبور (وتلك منزلة عليا في درجات التأريخ). فكان لزاماً على من يتصدى لتحقيق مثل هذا العمل أن يشارف ذلك المستوى في التحقيق والتوثيق. وقد فعل الرجل، ورجع إلى مصادر الفاسي، مطبوعها ومخطوطها - وما أكثر - وصحح كثيراً من الأسماء والبلدان.
وقد كان ﵀ حجة في ضبط الأعلام والأنساب. وعلى هذا الذكر أقول إن الأستاذ كان كثير الرجوع في ضبط الأعلام إلى «تاج العروس» للمرتضى الزبيدي، وكان دائم الإشادة بالتاج فيما يتصل بذكر الأعلام والأنساب والألقاب والبلدان. وكان يقول لي كثيراً: إن هذه فضيلة للتاج عري عنها «لسان العرب» لابن منظور. وقد ابتدأ طبع العقد الثمين بالقاهرة سنة ١٩٥٩ م، وحقَّق الفقيد الجزء الثاني عام ١٩٦٢ م.
стр. 66
وحين توفي ﵀ كان في برنامجه تحقيق جملة صالحة من الكتب أذكر منها:
١ - نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، للإدريسي. وكان يقوم على طبع هذه الموسوعة الجغرافية إحدى جمعيات الاستشراق بإيطاليا، عهدت إلى القيد تحقيق القسم الخاص باليمن، ووزعت بقية الأجزاء على خمسة عشر عالماً ومستشرقاً، وكان ﵀ على نية العمل في هذا الكتاب خلال شهر رمضان الذي لقي ربه فيه.
٢ - طبقات المفسرين، للداودي تلميذ السيوطي.
٣ - فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة للقاضي عبد الجبار، وهو من التراث الذي اجتلبه من رحلتي اليمن.
٤ - جزء من مختصر تاريخ دمشق لابن منظور، الذي يخرجه معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية.
ثقافته:
لم ينل فقيدنا من إجازات التعليم سوى الشهادة الابتدائية، حصل عليها سنة ١٩٤٣ م بعد أن سلخ من عمره ٢٧ عاماً، وقد اضطر إلى الحصول على هذه الإجازة الصغيرة لينتقل من طبقة العمال والسعادة إلى طبقة الكتبة والموظفين بدار الكتب المصرية.
ثم التحق بمدرسة «برليتس» ليصيب طرفاً من اللغة الفرنسية. هذا هو كل تعليمه المدرسي، لكنه ﵀ كان ذا نفس طلعة، حببت إليه المعرفة في كل فرعها فراح ينشدها من بطون الكتب وأفواه الرجال. وكان حصاد هذا كله سعة أفق ورحابة صدر ومضار عقل ونفاذ بصيرة.
اتَّصل ﵀ بالتراث الإسلامي صبيّاً بحكم عمله في دار الكتب المصرية، وتلمذ هناك لمشيخة جليلة - أسلفت الحديث عنها - شدته إلى التحصيل، فحفظ المعلقات السبع وعيون الشعر فاستقام لسانه.
على أن هناك شخصية كريمة بهرت الفقيد العزيز فأقبل عليها وأفاد منها الخلق
стр. 67
الرضي والعلم النافع، وما كان ﵀ يذكر هذه الشخصية إلا وتطفر من عينيه الدمعة، تلك هي شخصية الشيخ محمد زاهد الكوثري علامة وقته ونادرة زمانه، ولد ﵀ بشرقي الآستانة ونزل القاهرة فراراً من اضطهاد الكماليين، حيث توفي بها سنة ١٣٧١ هـ / ١٩٥٢ م، وقد أجاز الشيخ الكوثري فقيدنا في ليلة الجمعة ٢٠ من رمضان سنة ١٣٧١ هـ في السنة التي توفي فيها، وكانت آخر إجازة يمنحها الشيخ لتلاميذه. ونص الإجازة: «وممن استجازني الأستاذ الفاضل البحاثة الواسع الاطلاع السيَّد فؤاد السيَّد عمارة، كان الله له حيثما يكون، ورعاه في كل حركة وسكون. وبعد أن اطلع على كثير من مؤلفاتي وسمع مني حديث الرحمة المسلسل بالأولية، أجزته أن يروي عني جميع ما تصح لي وعني روايته من حديث وتفسير وفقه وأصول وتوحيد ومصطلح وتاريخ وحكمة وعربية».
وفي آخر المطاف تركز علم الفقيد في نقطتين اثنتين لا يشركه فيهما سواه: فكر المعتزلة، والإحاطة بجغرافية اليمن وعلمائها. هاتان النقطتان فرَّع لهما نفسه وصرف إليهما جهده، حتى ملك القول فيهما غير مدافع ولا مزاحم. وقد قدر لي - وأنا آخذ عنه وأتلقى منه - أن أشهده وهو يخطط لتحقيق «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة»، و «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» فرأيت عجباً، يرحمه الله.
أما الحديث عن ظرفه وخفة ظله فيرجع إلى أنه تعرف في شبابه على أعلام الظرف والفكاهة في ذلك العصر، من مدرسة الشاعر الزجال حسين شفيق المصري، وكان ﵀ أمة في الرواية والحفظ - ومعارضاته للمعلقات السبع معروفة - وكانت لفقيدنا خصوصية بهذا الشاعر الكبير، أفاضت عليه الكثير من خفة الروح وعذوبة الحديث. ووعت حافظته كثيراً من شعر حسين شفيق، لم يدون.
وقد حدثني ﵀ عن جماعة من ظرفاء الأدباء كانت تلتقي بدار الكتب في ذلك الوقت في حلقة يسمونها «البعكوكة» على يسارك وأنت تدخل الدار الآن.
وحول هذه الحلقة رويت أشعار ورنت ضحكات. وقد لا يعلم الكثيرون أن للأستاذ فؤاد أزجالًا طيبة. ولولا اشتغاله بالتراث لكان له في عالم الزجل شأن كبير.
стр. 68
من هذه الروافد الخصبة تكونت ثقافته ونمت معارفه، وبارك الله في أيامه فجعل أفئدة من الناس تهوي إليه تفيد وتستفيد، وكانت الرسائل ترد عليه من كل رجا تصل إليه الكلمة العربية، وأصبح مكتبه وبيته مثابة لكل طالب علم. وكنت أرى الناس حوله من مختلف الأسنان وشتى المذاهب وكلهم دان منه، قريب إليه، فأتمثل:
تمل الندامى ما عداني فإنني ... بكل الذي يهوى نديميَ مولع
فقد كانت كلماته حبيبة إلى كل قلب، خفيفة على كل سمع، يمزج الفائدة العلمية بالنكتة العذبة، مع نقاء طبع وصفاء روح، فلم يكن ﵀ يصبر على خصومة أو يطيل جفاء، فإذا بدرت منه البادرة فهو سريع الأوبة مزيل الجفوة. وظل ﵀ يعيش أجمل وفاء للناس، حتى مات في لحظة وفاء، حين رأى أم ولده ورفيقة عمره تصاب بشلل مفاجئ، فاجتاحته المصيبة، ولم يعش بعدها سوى يوم واحد، ليتركنا في يوم حزين، وتطوى صفحة مضيئة من صفحات النبوغ والمعرفة لفتى نحيل دخل دار الكتب عام ١٩٢٩ عاملًا يصفَّف الحروف في المطبعة، وقبل وفاته بأربعة أشهر ذهب يحاضر في معاهد إيطاليا عن المخطوطات العربية، وبين هذا وذاك جهد دائب وعلم نافع.
اللَّهُمَّ إنا نسألك أن تتغمَّد ذنبه، وأن تمهد عذره، وأن تنير قبره، وأن تجعله مع الذين أنعمت عليهم من النبيَّين والصدَّيقين والشُّهداء والصَّالحين وحسن أولئك رفيقاً.
* * *
стр. 69
رشاد عبد المطلب .. والديار التي خلت (١)
كان ملء السمع والبصر، وكانت حياته بهجة للقلب والعقل جميعاً، وحين نعاه الناعي كادت النفس أن تفيض عليه، وغشي القلب حزن أسود كئيب، من هول الرزء وفداحة المصاب، ولم يجد محبوه وعارفوا فضله إلا قول أبي الطيب المتنبي:
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر ... فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملًا ... شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
ولد محمد رشاد عبد المطلب في حي الجمالية بالقاهرة يوم الأربعاء ٢٠ من جمادى الأولى سنة ١٣٣٥ هـ - ١٤ من مارس سنة ١٩١٧ م، وتوفي بالقاهرة يوم الأحد ٢٩ من ذي الحجة سنة ١٣٩٤ هـ - ١٢ من يناير سنة ١٩٧٥ م.
وبين هذين التاريخين حياة غريبة موغلة في الغرابة، عجيبة مسرفة في العجب، وما ظنك بامرئ لم ينل من الشهادات - فاتحة الأبواب ومانحة المناصب - إلا الشهادة الابتدائية، ثم هو مع ذلك باسط سلطانه على كل من كتب شطراً في التراث الإسلامي طيلة ثلاثين عاماً، غيبة أو حضوراً، يفزع إليه الدارسون، وترد عليه الفتاوى من كل مكان، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ولأمر أراده الله كانت خطوات فقيدنا الأولى في حي الجمالية، حيث الأزهر الشريف مهوى الأفئدة ومطمح الأنفس، وحيث الوِراقة والورَّاقون، والكتب الصفراء صانعة الرجال، وحيث القاهرة بكل عطائها السخي وعطرها الأخاذ.
стр. 70
ويختلف فقيدنا إلى حلقات الأزهر الشريف، وكانت في ذلك الوقت متاحة لكل راغب علم وطالب معرفة، ثم كانت تضيء بالكوكبة اللامعة من مشايخ هذا العصر، أمثال الشيخ الدلجموني، والشيخ السمالوطي، والشيخ محمد بخيت المطيعي، ومن إليهم.
فإذا ما أصاب من هذه المائدة الحافلة ما شاء الله له، خرج إلى أسواق الكتب المنتشرة في جنبات هذا الرحاب الكريم، يجمع نوادر الكتب، ثم يعرج على مطابع الحي، أمثال مطبعة الحلبي، ومطبعة الخشاب، يتسقط أخبار الجديد من المطبوعات، وقد بلغ حرصه وتتبعه - كما أخبرني - أنه كان يمر على هذه المطابع كل أسبوع، ليأخذ ملزمة ملزمة من كل ما يطبع، وكأنه لا يصبر حتى يتم طبع الكتاب.
فإذا كان الليل هرع إلى حلقات قراء القرآن الكريم، أمثال الشيخين علي محمود وأحمد ندا، وأضرابهما من هذا النفر الكريم، الذين جمعوا إلى حسن الصوت خشوع الأداء. فكان له من كل ذلك هذه الشخصية النادرة التي بهرت الناس وملأت حياتهم خيراً وبركة.
على أن هناك عالمين جليلين، كان لهما أكبر الأثر في حياة رشاد عبد المطلب وتبصيره وتوجيهه إلى هذا الفن الذي أخلص له عمره، ووقف عليه جهده، لا يصرفه عنه صارف، ولا يزهده فيه مزهَّد:
أولهما: الشيخ محمد زاهد الكوثري، العالم التركي الجليل، الفار بدينه وعلمه إلى القاهرة، والمتوفى بها سنة ١٣٧١ هـ - ١٩٥٢ م.
وثانيهما: الشيخ أحمد محمد شاكر، محدث العصر، وواضع أصول نشر التراث بتحقيقه لكتاب «الرسالة» للإمام محمد بن إدريس الشافعي. وقد توفي هذا الشيخ العلامة بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - ١٩٥٨ م.
عرف رشاد عبد المطلب هذين العالمين وهو في طراوة الصبا وأوائل الشباب،
стр. 71
وقد رأيا فيه نبوغاً صالحاً، فقرَّباه منهما وأحلَّاه من نفسيهما محلًا كريماً. وفي مجلسهما عرف أصول الكتب، ووقف على طرائق المصنفين، وألمَّ بمصطلحات الفنون، ثم تلقى عنهما علماً كثيراً. والتلقي كان سمة عصور ازدهار العلم، فهو الطريق الصحيح لتحصيل المعرفة، وآفة العلم في زماننا أنك قلَّ أن تجد من تستفتيه أو تتلقى عنه، وليس أمامك إلاَّ أن تضرب في بحر لجي غير آمن من زيغ البصر وضلال التأويل.
ولقد أحبَّ رشاد عبد المطلب الكتاب العربي حباً ملك عليه نفسه وحسه، ولم يصرف عنه بشيء من مطالب الصبا ونوازع الشباب. أحب الكتاب وحرص عليه كأنه ولده رآه على يأس، وعرفه كما يعرف الناس آباءهم. وقد دفعه هذا الحب وذلك الحرص إلى أن يتلمسه: مطبوعاً في مطبعة درست وذهب رسمها، أو منشوراً في مجلة نسي الناس اسمها، أو مخطوطاً في خزانة عامة أو خاصة خفي على الدارسين مكانها. وقد وهب الله له ذهناً صافياً، سريع اللمح قوي الإدراك، وذاكرة محيطة جامعة تعرف الشاردة والواردة.
ولقد كان من صنع الله لي وتوفيقه إياي أني عرفته منذ خمسة عشر عاماً، قضيت منهاً عشرة كوامل، لصيقاً به مجاوراً له، وقد رأيت منه العجب: يأتيه الدارس ويطرح أمامه موضوع دراسته، وما بين يديه من مصادر وموارد، ولم يكد يفرغ الدارس من كلامه حتى يندفع ﵀ يهدر كالشلال، ذاكراً ما لا يحصى كثرة من المراجع مما لم يخطر للطالب على بال، فإذا رأى علامات الرضا وأمارات السرور على وجه صاحبه، قنع بذلك سعيداً جذلان، وإذا ما أسرف صاحبه في مديح أو ثناء، قال له بصوت ودود ولهجة حانية: حسبك، فهذا شيء علقناه عن مشايخنا، ثم قال: وما أوتيته على علم عندي. ثم لم يزل بصاحبه يغريه بموضوعه، ويمده بالمراجع من مكتبته، ثم يقدمه إلى أستاذه المشرف عليه، ويعرفه بالصفوة من العلماء. وأشهد - ويعلم الله - أن كثيراً من الرسائل الجامعية صنعت في بيت رشاد عبد المطلب، ووضعت خطوطها الأولى على مكتبه، ولكن الناس يجحدون.
стр. 72
وكان ﵀ إذا تكلم في فرع من فروع التراث اعتقدت أنه لا يحسن غيره:
وكان من العلوم بحيث يقضى ... له من كل علم بالجميع
ثم كان آية في إدراك العلائق بين الكتب والمؤلفين: تأثراً أو نقداً أو شرحاً أو اختصاراً أو تذييلاً، وأعجوبة في معرفة أسماء المؤلفين بكناهم وألقابهم، والتمييز بين من اشتركوا منهم في شهرة أو كنية، كالسخاوي القارئ والسخاوي المؤرخ. وهذا فن غاب رجاله، فما أكثر ما نرى في هذه الأيام خلطاً بين أبي حيان التوحيدي الأديب، وأبي حيان الأندلسي النحوي. والأمثلة في هذا المجال كثيرة والإمساك بنا أولى.
وقد تعدى تأثير رشاد عبد المطلب توجيه الدارسين وإفادة العلماء - إلى الطابعين وناشري الكتب، فكان على صلة دائمة بهم، يشير عليهم بطبع أصول الكتب، ويغريهم بالتأنق في إخراجها.
ولقد كان عمل رشاد عبد المطلب بمعهد المخطوطات علامة بارزة في تاريخ نشر التراث في عصرنا الحديث.
ومعهد المخطوطات أنشئ بجامعة الدول العربية سنة ١٩٤٦ م، وهذا المعهد يقوم بعمل جليل، يستهدف استنقاذ تراثنا الإسلامي من عوادي الزمن وغوائل الناس والأيام، وذلك بتصويره من أماكن وجوده في شتى مكتبات العالم، ثم فهرسته وتصنيفه وتقديمه للدارسين.
وقد التحق به ﵀ سنة ١٩٤٧ م، فشارك في إرساء قواعده، وواكب نشاطه وتطوره، وخرج في بعثاته ينتقي ويختار، وتضم مكتبة المعهد الآن مجموعة نادرة من نفائس المخطوطات في مختلف العلوم والفنون، كان لرشاد عبد المطلب فضل اختيارها والتعريف بها، مع الرواد الأوائل: يوسف العش، ومحمد بن تاويت الطنجي، وصلاح الدين المنجد. وحين وضعت أصول نشر التراث في العصر الحديث - وفي مقدمتها جمع نسخ الكتاب - واندفع العلماء ينشرون ما لم ينشر،
стр. 73
ويعيدون نشر ما طبع غير محقق، كان لهذه المجموعة التي يقتنيها معهد المخطوطات فضل كبير على العلم والعلماء، وأخص بالذكر مخطوطات تركيا والهند.
والمشتغلون بالتراث يعلمون أن المخطوطات تتفاضل فيما بينها قيمة ونفاسة، وكان ﵀ ذا حس دقيق وبصر نافذ حين يتعامل مع المخطوطات، وقد رافقته في رحلتين من رحلات معهد المخطوطات: الأولى إلى تركيا سنة ١٩٧٠ م، والثانية إلى المغرب سنة ١٩٧٢ م، ولقد رأيت منه في الرحلتين عجباً، وأفدت منه علماً كثيراً.
كان ﵀ أعجوبة في معرفة قصة المخطوطات: المفقود منها والناقص والنادر، وذلك أن الكتاب المخطوط إما أن يكون مفقوداً، بمعنى أنه يتردد ذكره في المراجع، لكنه لا تعرف له نسخة في مكتبات العالم، وإما أن يكون ناقصاً، بمعنى أنه يوجد منه قطعة أو جزء لا غير، وثالث أحواله أن يكون نادراً، لا توجد منه إلا نسخة واحدة. عرف ذلك كله وأحصاه عدداً.
ثم كان أثابه الله آية في تحديد الزمن الذي كتب فيه المخطوط، فقد نظر كثيراً في المخطوطات، وألف أقلام القرون المتقدمة والمتأخرة، ثم عرف قواعد المشارقة والمغاربة في الكتابة، وبهذا الإلف وتلك المعرفة كان يستطيع أن يحدد على وجه التقريب تاريخ كتابة هذه المخطوطات الخالية من تاريخ النسخ، ثم كان قادراً على أن يكشف زيف هذه التواريخ المكذوبة التي تكتب في آخر المخطوط لترويجه أو التكسب به.
وفيما عدا هاتين الرحلتين اللتين رافقته فيهما، سافر ﵀ في بعثات المعهد إلى المملكة العربية السعودية والقدس وسوريا ولبنان والهند وإيران وإسبانيا والبرتغال. وفي داخل جمهورية مصر العربية جمع مخطوطات نادرة من مكتبات الإسكندرية وطنطا ودمياط وسوهاج. وهو في كل هذه الرحلات كان يلبي حاجة العلماء والدارسين لمعرفته بالكتب التي يُعنون بها.
стр. 74
وقد حرصت هيئات الاستشراق على الإفادة من علمه وخبرته، ففي عام ١٩٦٤ م دعي لإلقاء محاضرات في عدد من جامعات الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قضى هناك ستة أشهر. وفي عام ١٩٧٢ م سافر إلى لندن بدعوة من المجلس الثقافي البريطاني للاستعانة بخبرته في شؤون المخطوطات والمكتبات، وقد أمضى هناك ستة أسابيع زار خلالها جامعات لندن وكمبردج وأكسفورد ولانكستر.
وفي كل اللجان التي شُكَّلت في مصر لقضايا التراث كان ﵀ عضواً فيها، فشارك في لجنة إحياء التراث الإسلامي بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، والمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية.
إنتاجه العلمي:
حقيق بمن طوَّف كل هذا التطواف بالمكتبة العربية، مخطوطها ومطبوعها، أن يكتب شيئاً يحمل اسمه، وقد عرف تاريخ التأليف العربي كثيراً من الورَّاقين الذين وظفوا خبرتهم في الجمع والتأليف، مثل ياقوت الحموي صاحب معجم الأدباء ومعجم البلدان، وابن شاكر الكتبي صاحب فوات الوفيات وعيون التواريخ، ولكن الرجل أعظم الله أجره شغل بالناس، يجمع لهم أصول علمهم، ويهيئ لهم مادة دراستهم، وكم كنت أغريه بأن يعيد نشر فهرست ابن النديم، وفهرست ابن خير الإشبيلي، ومفتاح السعادة، وكشف الظنون، ونحو ذلك من هذه الكتب التي عنيت برصد النتاج العربي في شتى الموضوعات، وهو الميدان الذي لا يزاحمه فيه مزاحم. ومع كل ذلك فقد أصدر عام ١٩٥٣ م - بالاشتراك مع المغفور له الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي - فهرساً جامعاً لكتاب «العقد الفريد» لابن عبد ربه. وقد تضمن هذا الفهرس اثني عشر نوعاً من الفهارس الفنية، كشفت عن كنوز هذا السفر العظيم من تراثنا الأدبي، وقد أفرد لهذا الفهرس الجزء السابع من الطبعة التي أخرجتها لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة.
وفي عام ١٩٧٠ م حقق كتاب: «ذيول العبر في خبر من عبر» للذهبي
стр. 75
والحسيني، وهو في تراجم رجال القرن الثامن الهجري. وقد نشرته وزارة الإرشاد والأنباء بالكويت.
وفي سنة ١٩٧٣ م صنع فهرساً لمؤلفات العرب المخطوطة والمطبوعة، في الطب والصيدلة، وقدمه إلى مؤتمر الطب والصيدلة عند العرب، الذي عقدته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بجامعة الدول العربية. وقد أثنى أعضاء المؤتمر على هذا الفهرس وأوصوا بطبعه.
وفي عام ١٩٧٤ م نظمت الجمعية المصرية للدراسات التاريخية بالاشتراك مع المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب ندوة عن «الجبرتي المؤرخ»، وقد ﵀ في هذه الندوة بحثاً عن «آثار الجبرتي المخطوطة والمطبوعة».
وحين استوت لرشاد عبد المطلب هذه المعرفة الجامعة المحيطة خلال حياته المصابرة المثابرة، حسده الحاسدون بغياً وعدواً، وما نقموا منه إلا أنه حصَّل ما لم يحصله غيره، وفقه ما لم يفقهه سواه من هؤلاء الذين ينتسبون إلى التراث وجاهة أو منصبًا، وحين كلَّت خطاهم وقعدت بهم هممهم عن اللحاق به سلقوه بألسنة حداد:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالناس أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغياً إنه لدميم
وقد صبر على ما كذب وأوذي حتى أتاه أمر الله.
والآن وقد ذهب الرجل إلى رحاب ربه - تاركًا في القلوب حسرة لا تنقضي، وفي فن معرفة المخطوطات فراغاً يبعد أن يُشغل - نسأل الله العليّ القدير أن يغفر له ويرحمه، وأن يجعل كل ما قدمه لتراث هذه الأمة، في موازينه يوم تجد كل نفس ما عملت من خير مُحضراً.
* * *