← Джавами‘

Джавами‘ · id 148533

مقالات الطناحي صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب

محمود محمد الطناحي

Полный текст (690 стр.). Показаны 666–690 · переход к 671.

стр. 666

النظر والتأمل، فقرأها كلها، أما اليوم فأنت تحس من أول لحظة بأن الأمر هين، بل هو بالغ السهولة. وبدءه ذي بدء ذي بدء فإني أقول بحق وبصدق إن كثير من الأساتذة الجامعيين علماً، ولكنهم لا يخرجونه، ليس ضناً به ولا كزازة، ولكنهم لا يبذلون جهدًا في قراءة الرسالة الجامعية، لأنهم يزنون الأمور بميزان العائد المادي، فماذا تعطيك الرسالة من المال؟ إن كتابة ثماني صفحات في مجلة كذا تعطيك ثمانمائة جنيه (٨٠٠) مع الشهرة والرنين، ونعم إن الكتابة في هذه المجلة الغنية لا تتاح لكثير منهم، لكن هناك وجوهاً أخرى من الكسب تعطي أجزل مما تعطيه الرسالة الجامعية، ولذلك فإن بعضهم لا يقرأ الرسالة كلها، بل يكتفي منها بصفحات قليلة، يوزعها على امتداد الرسالة أثلاثاً أو أرباعاً، فلا يخرج علمه كله، فهو كما قال الله تعالى: ﴿ولا يُنفِقُونَ إلاَّ وهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤]. وعدم قراءة الرسالة كاملة يفضي أحياناً إلى خلل شديد، أعلم يقيناً أن رسالة جامعية للدكتوراه نوقشت وأجيزت بمؤتبة الشرف الأولى، وقد اكتشف الطالب بعد المناقشة أنه سقط منها في أثناء التجليد نحو مائتي ورقة، وكان موضوع الرسالة تحقيق نص من نصوص النحو، وفي الغالب لا يقرأ الأساتذة النصوص المحققة كلها، وهذا هو الذي حجب عنهم اكتشاف هذا السقط. ومن أمارات الاستخفاف أن بعض الأساتذة يصرح في أول مناقشته بأنه اعتاد ألا يتجاوز ساعة واحدة، كأنه يريد أن يطمئن المشرف والمناقش الثاني والجمهور والطالب، ويظل الحضور ينظرون في ساعتهم. وحين توشك الساعة أن تنقضي يرتفع صوت واحد من الحاضرين: الساعة خلصت يا دكتور، فيرد عليه الدكتور: لا ياخويا، فاضل دقيقتين، ساعتك غير مضبوطة، ويتضاحك الجميع. ومن هنا فقد زالت أسباب الخوف والهيبة عن كثير من الطلبة، وأصبح بعضهم يُنشد بعضًا: وما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويذهب هذا كله ويزول

стр. 667

ولكن الفرق بين "ساعة" ذلك الدكتور و"ساعة" هذا الشاعر فرق كبير، فساعة الدكتور ساعة زمانية، ستون دقيقة ليس غير، أما ساعة الشاعر فيراد بها مطلق الوقت، الذي قد يتجاوز مدى الساعة الزمانية. ومن أعجب ما رأيته من علامات الاستخفاف أن زميلاً كان يناقش بجواري فقال للطالب: والله يا بني أنت حظك حلو، أنا قرأت رسالتك في القطار! قطار يا دكتور؟ كيف يحدث هذا؟ ألا تحتاج إلى مرجع تعوّل عليه أو تصحح منه؟ ولهذا يدخل الطالب لجنة المناقشة محتشدًا جامعًا، حتى إذا رأى ذلك كله سكن رُوعه، وهدأت نفسه، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي العَذَابِ المُهِينِ (١٤)﴾ [سبأ: ١٤]. والسَّوأة السَّوآء، بعد ذلك هي هذه العامية القبيحة التي يستكثر منها بعض المناقشين، ويدير عليها حواره كله، فتسمع مثلاً أمثال هذه العبارات: واخد بالك من الحتة دي-خد بالك من الرأي دوّتْ-كده هوّت- إحنا بنتكلم عشان خاطر نعلمك يا بني- نبض نلاءي (أي ننظر نلاقي). هذا شيء محزن حقًا، لا ينبغي السكوت عليه أو المصانعة فيه، ونحن نلم أحيانًا بالعامية في أسلوب الربط، ولكنها العامية المقبولة، التي تأتي في حدود الضيقة، إنه يكاد يسري في أثناء المناقشة كلها، إنك لو أغمضت عينيك، وسمعت بعض المناقشين لظننت أنك في موقف أحمد حلمي أو القُللي، والمنادي ينادي: واحد دكرنس، واحد المنصورة، وقد سرت هذه العدوى إلى شباب المعيدين، طلبت يومًا من أحدهم شيئًا، فقال: حاضر يا عسل! فقلت: ما هذا يا بني؟ لا ينبغي أن تستعمل مثل هذه الألفاظ، فقال: لقد سمعتها من فلان وفلان وفلان، وذكر أسماء كبيرة، فلكا سمعت هذا قلت له: خلاص يا حلاوة-براءة- أنت كده في السليم، فنظر إلي نظرة انتصار، فهممت أن أقول له: "متبصليش بعين رديَّة شوف إيه اللي عملته في شرح الألفية" (بالمناسبة أنا مدرس نحو، أدرس لطلبتي شرح ابن عقيل

стр. 668

على ألفية ابن مالك، ولا أرضى به بديلاً)، وهكذا يتسلل إلينا البلاء، وتسري بننا العدوى، فلا نملك لها صرفًا ولا تحويلاً: تثاءب عمرو إذ تثاءب خالد ... بعدوى فما أعدتني الثُّؤَباءُ ورحم الله شيخنا أبا العلاء، والبيت من قصيدة باذخة، اطلبها في اللزوميات، واقرأها وأقرئها تلاميذك. ومع هذه العامية البغيضة التي ذكرتها، فإن بعضهم يتحرى الفصحى، ولكنه يُخلِّط تخليطًا شديدًا في أبنية الأسماء والأفعال، ثم يلحن ولا يعطي الإعراب حقه. وإذا كنا قد أخذنا على بعض المناقشين الليونة والاستخفاف، فإننا نأخذ على بعضهم أيضًا اصطناع الشدة والقسوة، واللجوء إلى الصياح والجبلة وقعقعة السلاح، والنظر إلى الطالب على أنه ذبيحة يتناولها بالمدى والسكاكين، ومحاولة إحراجه وإلجائه إلى أضيق الطرق، ثم ما يكون من تضييع الوقت في أشياء هينة، كالحديث عن علامات الترقيم والأخطاء المطبعية، والفرق بين المصادر والمراجع، ثم التهويش بما لا دليل عليه، كأن يقول المناقش: لقد سكتُّ عن أشياء مهمة لضيق الوقت! إن الأشياء المهمة يا زميلي العزيز لا ينبغي تجاهلها أو السكوت عليها، وإلا فلم كانت هذه المناقشات العلنية؟ ثم إن مثل هذا الكلام يوقع الطالب في حرج: لأنه يوحي للحاضرين أنه قد وقع في الخطأ إلى أذنيه، ثم هي إلصاق تهم لا يستطيع أن يدفعها عن نفسه. وأمر آخر خطير جداً: إن المشرف قديمًا كان يشترك مع زملائه في مناقشة الطالب، وتدور مناقشته حول مخالفة الطالب عن أمره فيما رسمه له من خطة الرسالة، أو بأنه حين قرأ الرسالة كاملة ظهرت له جهات من النقص يرى ضرورة تنبيه الطالب عليها، وأذكر أن الأستاذ عمر الدسوقي، وكان مشرفًا على أخي وعشيري عبد الفتاح الحلو، رحمهما الله جميعًا، أذكر أنه حمل عليه حملة شديدة في المناقشة، فاقت مناقشة الآخرين: الدكتور عبد الحكيم بلبع ﵀، والدكتور عبد القادر القط، أطال الله في عمره. أما الآن فالمشرف يتعصب جدًا للطالب،

стр. 669

ويسوؤه أن يعرض له أحد بنقد أو ذم، وكأنه هو كاتب الرسالة، وهذا لا يصح، فالمشرف يجب عليه أن يخلي بين الطالب ومناقشيه إلا إذا اقتضى الأمر توضيح مبهم، أو رفع التباس، ويحسن أن يكون هذا بعد انتهاء المناقشة، حتى لا يسقط الثقة بالمناقشين. ومن أسوأ ما تراه الآن من تعصب بعض المشرفين أنه إذا رأى حدة من بعض المناقشين اتجه إلى الطالب وغمز له بعينيه، يعني "فوِّت"، وهذا شيء رديء جدًا، يراه الحاضرون بوضوح، ويخرجون يتندرون به، فيقولون: "شفت لما الدكتور غمز له بعينه"! هأْ هَأْ هَأْ. لا يجوز: ومن هموم هذه المناقشات الجامعية أيضًا: أن بعض الرسائل تتناول شخصيات معاصرة تعيش بيننا الآن، وتدعى تلك الشخصية لحضور المناقشة، وفي رأيي أن ذلك لا يجوز لأنه ربما تعرض أحد المناقشين لنقد تلك الشخصية أو القسوة عليها، فيكون في ذلك حرج على الجميع، وأذكر أن صديقًا لنا أعد رسالة عن شيخنا محمود محمد شاكر-برّد الله مضجعه- وكان ذلك في حياته، ودعي شيخنا لحضور المناقشة، فأبى وقال: لا أحب أن أضع الأساتذة في حرج، أو أضيق عليهم سبل القول. وما بقي من شجون هذه المناقشات الجامعية إلا أمران: الأول: تقدير درجة الرسالة، وفي هذه المسألة مداخلات كثيرة، أعرف بعضها وأعرض عن بعض، فالذي أعرفه منها: أن بعض المناقشين- بدواعي إدخال السرور على المشرف والطالب والحضور- يوحي في أثناء المناقشة بما سيكون عليه التقدير، حتى إذا أعلن يكون قد فقد حرارة المفاجأة ونشوة الفوز، ومن ذلك أن درجة الامتياز ومرتبة الشرف الأولى قد كثرتا جدًا، ولو أجريت إحصاء بين الامتياز وجيد جدًا، لوجدت الدرجة الأخيرة ضئيلة بالنسبة إلى أختها.

стр. 670

ومن أعجب العجب أن المناقشة تكون حامية جدًا، ويُدخل المناقشان وجوهًا من النقص كثيرة على الرسالة، ثم تخلو اللجنة للمداولة، وتكون المفاجأة حصول الطالب على الامتياز أو مرتبة الشرف الأولى (ويا دار ما دخلك شر)، وأذكر أني كنت أناقش طالبًا في رسالة دكتوراه، ووجهت إليه أنا وزميلي مؤخذات كثيرة، وحين خلونا إلى تقدير الدرجة أصرّ المشرف على مرتبة الشرف الأولى، وأصررت أنا وزميلي على التي هي دونها، فغضب المشرف غضبًا شديدًا، فقلت له: أيها الزميل العزيز، ألست ترى أننا وجهنا إلى الرسالة سهامًا كثيرة؟ فقال: بلى، فقلت: وأنت تصر على أن تعطيها الدرجة العليا، قال: نعم، قلت: ما رأيك لو جاءتنا رسالة أخرى بهذا العنوان والموضوع وقد خلت من كثير من المؤخذات التي أخذناها على رسالة تلميذك، ماذا كنا نعطيها من التقدير؟ فحار وأَبْلَس، ثم قال: خلاص يا دكتور، اعمل معروف متحرجنيش مع الطالب! . ومن الأمور المؤسفة أيضًا: أن الطالب حين يحصل على تقدير لا يعجبه يواسيه المشرف قائلاً: والله يا بني أنا كنت عاوز أعطيك التقدير الذي تحبه، ولكن الزملاء غلبوني على أمري، وهذا لا يصح لأن رأي اللجنة جماعي، والمجالس أمانات. ومن قضايا تقدير الدرجة: التفرقة أحيانًا بين المعيد الذي يعمل داخل الكلية، وبين الطالب الذي يتقدم من الخارج، فالأول يعامل برفق، ويدخل إلى حلبة المناقشة هادئًا مطمئنًا لأنه يعرف ما سيؤول إليه أمره، والثاني هو ونصيبه، وما ذلك إلا لأن المعيد يُنظر إليه على أنه زميل المستقبل، وبعض الكفار يحبون أن يتخذوا يدا عند الصغار، ولله في خلقه شؤون. ونعم إن بعض الشرفاء لا يعرفون هذه التفرقة، ومن ذلك ما حدث أخيرًا في كلية دار العلوم، حين أصر بعض الأساتذة على رفض رسالة دكتوراه قدمها مدرس مساعد بالكلية، لأنه قد ظهر أن الرسالة مسلوخة من كتب بعض الأساتذة، والغريب أن ذلك السارق قد وجد من يساعده وينتصر له من داخل الكلية، وبالله نستدفع البلاء! وهذا السارق إنما جرأه على السرقة وأغراه بها أنه وجد بعض الأساتذة الكبار

стр. 671

يسرقون ويدينهم القضاء، ثم لا تفعل الجامعة معهم شيئًا، فمن حق هذا الطالب السارق أن ينشد قول الشاعر: سرقتُ مالَ أبي يومًا فأدَّبَني ... وجُلَّ مالِ أبي يا قومنا سَرَقُ والأمر الثاني: أن مقدم الرسالة يتلقى تصحيحات كثيرة وتعديلات كثيرة على رسالته، وبعد أن يحصل على الدرجة والتقدير، يخرج وكأن شيئًا لم يكن، وحين يطبع الرسالة ويخرجها إلى الناس لا يعتني كثيرًا بالإصلاحات التي قدّمها له أساتذته، بل إن بعضهم يبلغ به اللؤم أنه حين يخرج الرسالة كتابًا مقروءًا يُسقط منها الشكر الذي قدمه للمشرف وللمناقشين، ومن العجب أن بعض الذين يفعلون هذا شباب طيبون، وأصحاب فضل وعلم، ولكنها العدوى التي تحتاج الناس كالوباء العام. والراية عندي أن الطالب لا يُجاز على رسالته الإجازة المشفوعة بالدرجة إلا بعد أن يقدم نسخة من رسالته محررة ومستفيدة من إصلاحات أساتذته، فإذا ما أخرجها للناس بآفاتها وبإسقاط أسماء مشرفه ومناقشيه سُحِبت منه، وأعلنت فضيحته على الناس. فيا زملاءنا الأعزاء: أعرف أن عندكم علمًا كثيرًا، ولكني أدعوكم أن تخرجوه للناس ولا تضنّوا به، واعلموا أن ما تؤجرون عليه من المجلات الغنية، وبرامج التليفزيون الخليجية إنما أخذتموه باسم الجامعة الضخم، وبالطيلسان الجامعي الفضفاض، فأنتم في الأصل معلمون، فأعطوا الجامعة حقها عليكم، وأخلوا وجوهكم لطلبتكم، وأعطوهم حظهم من العناية والتوجيه، وخُذوهم بالجد، ثم أعيدوا للرسائل الجامعية بهاءها ووقارها وشرفها. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 672

مقالات قصيرة بعنوان: الكلمة الأخيرة

стр. 673

المؤتمرات العلمية ... والنغمة المكرورة (١) حضرت منذ أيام مؤتمرا علميًا لإِحدى الكليات النظرية، تحت عنوان "التجديد في العلوم العربية والإِسلامية"، وقد كثرت هذه المؤتمرات في السنوات الأخيرة كثرة ظاهرة، ولو أن إنسانًا شغل نفسه بتتبع هذه المؤتمرات فتأمل الأوراق المقدمة لها، والتوصيات التي انتهت إليها، لوجد تشابها واضحًا في هذه وتلك، فالقضايا هي القضايا، والتوصيات هي التوصيات، وقد يجد اختلافا فَي طريقة المعالجة وفي صورة التوصيات، ولكن الجوهر هو هو، على ما قال الشاعر: عباراتنا شتى وحسنك واحد ... وكل إلى ذاك الجمال يشير ولو أن الأمور كانت تجري في هذه المؤتمرات على سنن من الاستقامة والإِنصاف والعدل، لقلنا لا بأس ولا نكران، فالطارف يذكر بالتليد، والمكرر أحلى - كما يقول أهل الحديث، ولكن المشاركين في هذه المؤتمرات يشرقون ويغربون، وتأتي كلمة التجديد بلمعانها وبريقها معينة لهم على ما هم بسبيله من التنقص والمعابة لعلومنا جميعها، ولتاريخنا كله، فلا مهابة لعلم، ولا حصانة لأحد، ألسنا تحت مظلة "البحث العلمي والموضوعية والتجرد"؟ وتسمع في هذه المؤتمرات أحكامًا ضخمة مكرورة، مثل: تفسير القرآن مليء بالإِسرائيليات. (تنبيه: نحن لم ننه عَن الإِسرائيليات جملة، وكيف وقد اخرج البخاري ومسلم

стр. 674

وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج"، أي بما لا تعلمون كذبه). ومن هذه الأحكام أيضًا قولهم: الحديث مشحون بالوضع والضعف. والنحو تعقيد وتأويلات، والبلاغة تكلف وأصباغ، والعروض قيود ودوائر تدير الرأس، والتاريخ ارستقراطي، كتُبِ لَلخلفاء والملوك، والجغرافيا العربية بلهاء، وأدبنا العربي غارق في الذاتية ومجالس السمر، إلى آخر هذه القضايا المألوفة، وهي "شنِشْنِةَ أعرفِهُا من أخَزْمَ " كما تقول العرب في أمثالها. لكن الخطورة في هذا الكلام في تلك المؤتمرات يقال بمحضر من الطلبة. وهم على ما نعرف من قلَّة المحصول. وقد قام عندهم شيء من الشك في هذا الذي يسمعون لا يستطيعون له دفعا وَلا ردا. َ لغرارتهم وجهلهم لها وللمكانة العالية لأساتذتهم عندهم. وبخاصة أن هذه القضايا تساق في ثياب مزركشة من مثل "الموضوعية والجدلية والإِشكالية وحتمية التاريخ والمنظومة الحضارية"، وهي كلمات شديدة الأسر نافذة التأثير. ويحدثني كثير من الطلبة عما يجدونه من تناقض صريح بين ما يسمعونه في هذه المؤتمرات، وما يلقى عليهم داخل المدرجات وكأنهم يقولون: "كيف تبُغَضَوُن إلينا طعاما ثَم تدعوننا إلى أكله". فيا أساتذتنا الأكرمين، ويا زملاءنا الأعزاء: رفقا بَهؤلاء الصغار، حتى لا توقعوا الشك في قلوبهم، وتورثوهم الحيرة والبلبلة، فتزل قَّدم بعد ثبوتها.

стр. 675

الجزار الثالث (١) من شعراء العصر المملوكي البارزين أبو الحسين الجزار المتوفى (٦٧٩ هـ). كان جزارًا بفسطاط مصر، ورث الجزارة عن أبيه، واشتغل بها إلى أن عرف بالشعر، وتقدم به إلى السلاطين والملوك، فنال جوائزهم وعاش في رحابهم، وكان ظريفًا صاحب طرائف في شعره وفي سلوكه، يقول عنه ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب ٥/ ٣٦٤: "شاع شعره في البلاد وتناقلته الرواة". وفي منتصف الخمسينات قدم الأستاذ الإِذاعي طاهر أبو زيد في برنامجه الشهير "جرب حظك" جزارًا مثقفًا، يقرأ الأدب، ويسمع الموسيقى الكلاسيك، وكان اسمه على ما أذكر "عزت أبو نقاية"، فهذا هو الجزار المثقف الثاني. أما الجزار المثقف الثالث فقد التقيت به في الشهر الماضي بمقهى من مقاهي حي "جليم " بالإِسكندرية. ففي ضحى يوم كنت أجلس بهذا المقهى إذ دخل رجل ربعة موفور الجسم، يلبس خواتم ذهبية ضخمة وتتدلى من رقبته سلسلة ذهبية تلمع من ثنايا قميص ملون، ثم جلس وطلب "شيشة" اعتنى بإعدادها عامل المقهى عناية ظاهرة تضاءلت بجانبها "شيشتي" المتواضعة، فقلت: آه، هذا معلم كبير، ولا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، لكن شدني إليه مجموعة من الكتب والمجلات، وضعها بجانبه، لمحت منها مجلة عالم الفكر ومجلة العربي ثم كتاب الدكتور نصر حامد أبو زيد، فاستأذنته في رؤية كتاب الدكتور نصر، فقال لي: ما لك ولهذا الكتاب؟ فأجبته بسؤال: وهل

стр. 676

فراته أنت؟ فقال: نعم، قلت: وما رأيك فيه؟ فأجاب بكلام عال جدًا، أمسك عن ذكره هنا حتى لا أزيد النار اشتعالًا، ثم سألته: هل قرأت كتاب ابن بلدك الأستاذ "محمود رؤوف أبو سعدة " عن إعجاز العلم الأعجمي في القرآن، الذي نشرته دار الهلال؟ قال: نعم، ولكن لي عليه ملاحظات. وذكر منها أشياء جيدة، فأغراني ذلك كله بمد حبال المحاورة معه، حتى جاء ذكر "الجاحظ"، فقال: الجاحظ عظيم، لكنه غطى بشهرته على أدباء كبار، قلت: مثل من؟ قال: أبو حيان التوحيدي، قلت: هل تقرأ لأبي فهر محمود محمد شاكر؟ قال: نعم، وأعظم أعماله "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا"، أما "أباطيل وأسمار"، فهو جيد، لكن فيه تكرار كثير. وامتد الكلام إلى أدباء الحداثة، فقال: إنهم لا ينتجون أدبًا جيدا لَأنهم لا يقرأون، قلت: لعل عذرهم ضيق الوقت وكثرة الصوارف، قال: لا، لو رأيتهم في قصور الثقافة، وهم ينفقون وقتًا طويلا في الثرثرة وفيما لا طائل تحته، لأخذك العجب، ثم ناقشنا قضايا كثيرة كشفت عن اطلاعه الواسع. قلت: ما اسمك؟ قال: "صلاح المصري"، وأعمل بالجزارة التي ورثتها عن أبي. وقبل أن أودعه قال: على فكرة أنا خريج دار العلوم سنة ١٩٧٠، دفعة الدكتور الشاعر "عبد اللطيف عبد الحليم". قلت: ومع هذا تبقى صورتك العظيمة عندي: انك جزار مثقف، أما تخرجك في دار العلوم فلن يغني عنك شيئًا، لقد عرفت من أبناء دار العلوم المحقق والعالم والأديب والشاعر، لكني عرفت منهم أيضًا من يكتب صورة "البقرة"، وصورة "آل عمران" بالصاد لا بالسين، فهذا كما قال ربنا عر وجل: (يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ) [الرعد: ٤]. وبعد: فهل بقي من الجزارين المثقفين أحد؟ الله أعلم. ولعلنا نظفر بالمزيد منهم حتى يصبح لدينا "سلخانة " من المفكرين، و "مذبح" من النقاد.

стр. 677

العامية في مهرجان أمير البيان (١) كان عرسًا ثقافيًا رَائعًا، ذلك الذي أقيم لأبي حيان التوحيدي، رغم أني لم أدع للمشاركة فيه، مع أن أعدل ترجمة أنصفت أبا حيان جاءت في كتاب حققته ونشرته منذ ٢٥ عامًا، أنا وأخي عبد الفتاح الحلو ﵀، وهو طبقات الشافعية للسبكي، "والشكوى لغير الله مذلة، وربنا مع المنكسرين جابر"، وقد نجح جابر عصفور نجاحا ظاهرًا في الإِعداد لهذا المهرجان وخرج به في أبهى صورة. وأبو حيان ثاني اثنين أضاءت بهما الكلمة العربية، فأنت مع الجاحظ ومعه تنعم بحلاوة البيان العربي ويغمرك بهاؤه وسناه، الذي يحجبك عنه الآن دعاة الألسنية والموضوعية والتفكير العلمي، "ارجع من فضلك إلى ما كتبته عن البيان والطريق المهجور- الهلال مارس، ابريل ١٩٩٥ م". ولم يغُبر في وجه هذا المهرجان إلا تلك العامية البغيضة التي جرب على ألسنة كثير من المعقبين على الندوات، وبعضهم من أساتذة الجامعات، مثل قول أحدهم: "الرأي دوت" مكان: "الرأي هذا"، وقول بعضهم: "الأفكار العبيطة" موضع: "الساذجة" والحرص على كسر النون في أوائل الأفعال المضارعة، مثل: نفهم ونقرأ ونحاول "ولا تقل إنها لهجة عربية قديمة. فالذي ينطقها هكذا لا يعرف ذلك، "وإلحاق الشين في أواخر الأفعال، مثل: ما أظنش، وما افتكرش، عيب يا أساتذة "فضحتونا أمام الأجانب".

стр. 678

هذا أمر، وأمر آخر: أن بعض الذين القوا البحوث على المنصة تجاوزوا النحو كثيرًا، وخلطوا في أبنية الأسماء والأفعال، ولم يتحروّا المخارج الصحيحة للحروف، فخرج كلامهم معجونًا بعضه ببعض، ولو بعُث أبو حيان من مرقده لفزع فزعًا عظيمًا، ولشكانا إلى أبي سعيد السيرافي النحوي، بل لكانت نقمته علينا أشد من نقمته على الوزيرين: ابن عباد وابن العميد. ثم أقولها كلمة حق: لم أجد من التزم النظام النحوي، وتحرى الصواب اللغوي في منطقه "أي نطفه" إلا جابر عصفور، فتحية له على رعايته لهذا المهرجان، ثم ألف تحية على احترامه للعربية، مع أني أختلف معه كثيرا فًيما يكتب.

стр. 679

ما المسؤول عنها بأعلم من السائل (١) ابنتي طالبة بقسم اللغة العربية بإحدى كليات الاداب، وأنا أعلم العربية في كلية مناظرة، فكان حقًا على أن أكون في عون ابنتي فيما يشكل عليها مما تدرس من علوم العربية، ويشق على المدرس كثيرًا أًن يمارس عمله مع أبنائه، لكني أغالب هذا الشعور استجابة لعاطفة الأبوة، لكني أيضًا أقف عاجزًا أمام كثير مما تدرسه ابنتي، وبخاصة ما يتصل بعلوم النقد الأدبي والبلاغة والأدب المقارن وتحليل النصوص، فكثير مما يقدم من هذه العلوم للطلبة الآن كلام عجيب حقًا، وليس له من العربية إلا الحروف والأفعال والأسماء، مصبوبًا ذلك كله في نظام نحوي صحيح في جملته، لكنك إذا أردت أن تخرج منه بمعان أو دلالات ذات معنى أعجزك ذلك، فهو كلام "تعقل مفرداته ولا تفهم مركباته" كما وصف ابن دقيق العيد كلام ابن سبعين الصوفي، وأحيانًا لا تعقل مفرداته، ولذلك يعجزني- على كثرة ما قرأت وحفظت- أن أجيب ابنتي على ما تسأل، وكثيرًا ما أجيبها: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"، ثم أصلي على رسول الله ﷺ . وقد لجأت إلى زملائي الذين يعرفون لغة القوم، من أصحاب الألسنية والبنيوية والتفكيكية، ليدلوني على أمثل طريقة لتفهم ابنتي ذلك الكلام، فقالوا: لا سبيل أمامها إلا أن تحفظ ذلك الكلام بحروفه لتضعه كما هو في ورقة الإِجابة. وهذا رأي خطير جدًا، لأن معناه أن يتحول الطالب إلى ببغاء يردد دون أن

стр. 680

يفهم، ومعناه أيضًا أن يفقد الطالب القدرة على أن يؤدي بألفاظ من عنده كلام أستاذه، وهو ما ترفضه نظريات التربية القديمة والحديثة. وقد حاولت أنا فعلًا أن أجد كلمات مرادفة لهذا الذي تقرؤه ابنتي من كلام أساتذتها، فلم ارجع بشيء ذي بال، وكنت حريًا أن أذكر شيئًا من هذا الذي تعانيه ابنتي وأعانيه معها، ولكني لا أريد أن أحمل "الهلال" وزر هذا الكلام والرد عليه، لكنه في الجملة كلام يدور حول التناص والتماهي والتفكيك والتفجير اللغوي، والإِشكالية- إشكالية أي شيء؛ مع تلك البدعة الغريبة: بدعة "الأسطورة والأساطير" في الأدب العربي، فكل معاني الشعر الجاهلي وصوره وأخيلته مردودة إلى الأسطورة ومحمولة عليها ومفسرة بها. وإن تعجب فعجب أن بعض الذين يكتبون هذا الكلام الغامض المعمًّى هم ممن نشأوا بالأزهر وتخرجوا في دار العلوم، والأصل في من يتخرج في هذين المعهدين أن يكون عربي الوجه واليد واللسان، ولكن هكذا كان، وربك يفعل ما يشاء.

стр. 681

أبي يغزو ... وأمي تحدث (١) هذا مثل شائع من أمثال العرب، وأصله فيما ذكر ابن الأعرابي: أن رجلا قَدم من غزوة، فأتاه جيرانه يسألونه عن الخبر، فجعلت امرأته تقول: قتل من القوم كذا، وأسر كذا، وجرح كذا، والرجل صامت لا يتكلم، فقال ابنها متعجبًا: "أبي يغزو وأمي تحدث"، هكذا رواه المفضل بن سلمة، والميداني، ورواه الزمخشري: "وأمي تحبِّر"، والتحبير: التزيين، ثم قال: يضرب لمن يفتخر ببلاء غيره. وأنت ترى أيها القارئ الكريم، وأنا أرى معك تصديق هذا المثل كل يوم فيمن يتحدثون كثيرًا على السنة غيرهم، ويحملِّونهم ما لم يحملوا، ويقوِّلونهم ما لم يقولوا، وكثيرًا ما يضيفون إلى ذلك كلامًا آخر عن أنفسهم هم: معتدلين أو مبالغين. وقد ذكرت هذا حين قرأت عقب وفاة شيخ المجمعيين الدكتور إبراهيم بيومي مدكور كلمة بالأهرام لأحد أساتذة الجامعة، نعى فيها الدكتور مدكورًا، ذاكرًا بعض مآثره وآثاره ليخلص بسرعة إلى الحديث عن نفسه هو وتلاميذه هو، ثم رآها فرصة ليضع كتفه بجوار كتفه، وهامته إلى هامته، فيذكر خلافه معه في الرأي والقضايا الفلسفية الكبرى. وذكرت هذا المثل أيضا يَوم حصل فارس الرواية العربية *تخيب محفوظ، على جائزة نوبل العالمية، وانطلقت أقلام المنظِّرين والمتفلسفة، تحلل وتفسر، وتستنطق الأديب الكبير بما لم يقله؛ بل إن بعضهم ألبسه "برنيطة" فردًّ فَنه الروائي إلى فلان

стр. 682

الإِنجليزي، أو فلان الفرنسي، والرجل ساكت لا ينطق، مجامل لا ينفي، وكأنه يقول في نفسه: "لا والله ليس الطريق هنالك! ". على أن أديبًا من هؤلاء الأدباء أعطى لنفسه خصوصية عجيبة بنجيب محفوظ، فهو لا يزال يشعرنا بأنه الأقرب والأحظى عند الأستاذ، وأنه مستودع سره، ومستراح ضميره، ويقول مرة: أبي نجيب، ومرة: عمي نجيب، ثم يتمادى فيرد أدبه إلى أدبه، ويقرن فنه بفنه، ويا بُعد ما بينهما! ويذكر تلاميذ الأستاذ العقاد وجلساؤه أن ذلك الكتاب الذي كتبه هذا الأديب الشهير والصحفي الكبير عن "صالون العقاد" فيه تزيد غير قليل على العقاد، وأن قدرًا كبيرًا من المكتوب إنما هو عن الكاتب لا عن العقاد، هكذا قالوا والعهدة عليهم، فاني لم أجالس العقاد ﵀، وقد فاتني بذلك خير كثير. على أن هذا كله يذكرنا بمثل عربي آخر، هو قولهم: "سيرين فِي خرزة"، والسير معروف، وهو من الجلد يصُنع منه النعال، ويضرب هذا لمن يجمع حاجتين في حاجة واحدة، وما أصدق العرب في أمثالها وحكمها!

стр. 683

الندواتية (١) وأخيرًا، وبعد صبر وترقب وطول انتظار من الله علي ودعيت إلى ندوة من تلكم الندوات التي تتوالى في هذه الأيام كما تتوالى دفعات المطر، وقد كثرت هذه الندوات كثرة ظاهرة، فلا تمُسي بك ليلة بندوة حتى يأتيك صباح بأخرى. وفي تلك الندوات تلتقي بثلاث فئات: رئيس الجلسة والمتحدث والمعقب، وترى بين الثلاثة ودا صافيا وانسا عذبا. فهذا غني عن التعريف، وذاك ترك أعمالاً جليلة ليشارك في ندوتنا هذه، وثالث يتواضع ويقول: إنه لا يستحق كل ذلك الثناء (ويعلم الله أن بداخله كبرًا يكفي أمة). ويمضي النقاش بين الثلاثة ملفَّقًا في ثياب المصانعة والمس الرقيق، ثم يختم بهذه العبارة الحانية: إن هذه الملاحظات لا تغض من قيمة البحث الذي استمتعنا به اليوم، "ويعلم اللهّ أنها تغض وستين تغض كمان"، وهكذا تسير الأمور، وإذا سمعت شغبًا أو حدة أو ارتفاعًا في الأصوات، فلا تظن أن المسألة دخلت في باب الجد، وإنما هو من قبيل قول الأحوص في عاتكة: إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسمًا إليك مع الصدود لأميل لأن "الندواتية" يحب بعضهم بعضًا، ويحرصون على استبقاء الود بينهم، ترقبًا للندوات القادمة، ولعلهم مقدمون على خطوة كالتي خطاها كتاب بريد الأهرام، فنسمع عن تكوين "أصدقاء الندوات"، وقد أصبحت أسماء "الندواتية" مكرورة ومعروفة كأسماء كتاب بريد الأهرام تمامًا.

стр. 684

لكني أشهد أن بعض هذه الندوات تعالج قضايا جادة، وتتناول شخصيات كبيرة، وأنها يعد لّها إعدادًا جَيدا، َ ولكن ي فُسد ذلك كله المصانعة والاستخفاف، والمشاركة دون الاحتشاد وامتلاك الأدوات، وانظر الكلمة الأخيرة في عدد سابق من الهلال لأستاذنا الدكتور الطاهر أحمد مكي". ثم أشهد أيضًا أن من بين هؤلاء "الندواتية" أناسًا أَهل فضل وعلم، ولو أنفقوا هذا الوقت مع تلاميذهم في الجامعة، أو مع كتبهم وتصانيفهم لكان ذلك أنفع وأجدى على الفكر والأدب؟ لأن كثيرًا مما يطرح في هذه الندوات ومثلها المؤتمرات العلمية كلام في كلام، وقديمًا ما نبَّه الناس إلى أن كثرة القول مفسدة للعمل، فقال القائل: "زيادة القول تحكي النقص في العمل"، وقال أبو العلاء في لزوميًّاته: إذا كثر الناس شاع الفساد ... كما فسد القول لما كثر والله

стр. 685

موائد الرحمن (١) بعد أيام يهل هلال رمضان، وفي رحاب هذا الشهر الكريم يعيش الناس أيامًا طيبة حافلة بالنور والضياء، وتنبسط نفوس الصائمين بألوان كثيرة من الخير والبر، من أظهرها وأبرزها ما عرف في السنوات الأخيرة من موائد الإِفطار التي نراها في المساجد، وفي بعض الميادين، يتحلق حولها الصائمون ينعمون بأطايب الطعام. وقد عرفت هذه الموائد باسم "موائد الرحمن"، وقد تأثرت هذه التسمية بما يطلقه إخواننا السعوديون على الحجيج بأنهم "ضيوف الرحمن". وهذه الموائد تحقق للمصريين عادتهم في استدعاء مظاهر البهجة، وارتفاع الأصوات الفرحة في أثناء رص الموائد ورش الماء أمامها، وتوزيع الأطباق "وعقبال العودة يا حاج" "ونزلت كم طبق بالصلاة على النبي؟ " "وخللي بالك من الرجل البركه دا والنبي". ولكن هل تحقق هذه الموائد الغاية التي يتغيَّاها هؤلاء المحسنون من إقامتها؟ وهل يستفيد منها أهل الحاجة فقط؟ أم أنها يغشاها من يستحق ومن لا يستحق، وما نصيب النساء والأرامل منها؟ ثم ما نصيب هؤلاء الفقراء الذين يقعدهم الحياء واستبقاء الكرامة عن غشيان هذه الأماكن العارية- وقد ورد في كلام بعضهم: الأكل والنوم عورتان فاستروهما- وهؤلاء الفقراء هم الذين وصفهم الله تعالى بقوله: (يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً) [البقرة: ٢٧٣]، ثم وصفهم بشار بقوله:

стр. 686

إن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنيًا وهو مجهود ألا يمكن أن يكون هناك بديل عيني في صورة مبلغ من المال يذهب إلى هؤلاء المحتاجين في بيوتهم؟ لقد حسم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب هذه القضية حسمًا قاطعاً، فيما رواه الطبري في تاريخه ٤/ ٢٤٥ (حوادث سنة ٢٤) قال: "وكان عمر يجعل لكل نفس منفوسة (أي مولودة) من أهل الفيء في رمضان درهما في كل يوم، وفرض لأزواج رسول الله ﷺ درهمين درهمين، فقيل له: لو صنعت لهم طعاماً فجمعتهم عليه! فقال: أشبعوا الناس في بيوتهم ". ورحم الله عمر، فقد جعل الله الحق على لسانه وقلبه، كما اخبر الصادق المصدوق، فيما رواه الترمذي عن ابن عمر. وأخرج البخاري أيضًا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر". والمحدَّث بتشديد الدال المفتوحة: هو الملُهْم، كأنه حدثَّ بشيء فقاله. وكل عام وأنتم بخير. * * *

стр. 687

جلال معوض .. وزمن الورد (١) من كلام العرب الحكيم قولهم: "زمن الورد"، ويضرب به المثل في الحسن والطيب، ذكر ذلك الثعالبي في كتابه ثمار القلوب في المضاف والمنسوب ٦٤٤ وهو كتاب جيد يحوي معارف كثيرة وينبغي قراءته. وقد ذكرنا بهذا الزمن الأستاذ جلال معوض ﵀ في برنامج له ظريف قدمه خلال رمضان بإذاعة البرنامج العام اسمه "عصر من الغناء". وقد أداره على أغاني أم كلثوم، وقد صار هذا التركيب "أغاني أم كلثوم" تركيبًا خالدًا على سمع الزمان، تسمعه فتشعر بالجلال والعزة والبهجة والبهاء تمامًا كما تسمع "أغاني أبي الفرج الأصبهاني"، و "إلياذة هوميروس"، و "كتاب سيبويه". وإذا كان جلال معوض قد طوف مع أم كلثوم في مراحلها كلها، ففد وقفت أنا طويلا عند مرحلة "الخمسينات" لأني أرى أن صوت أم كلثوم في هذه المرحلة كان قد استحصد واستوى على سوقه، بعد أن تخلص من "السرسعَة" - وإن كانت محببة جدا- التي صاحبتها في الثلاثينات والأربعينات. صوت أم كلثوم في الخمسينات صوت مثقف رشيد، استولى على أصول النغم وخبر درجات المقامات، وأحسن الدخول والخروج، كصوت الشيخ مصطفى إسماعيل في الخمسينات أيضًا. ً وفي تلك المرحلة هجرت أم كلثوم الطقاطيق وأغاني الأفلام، واتجهت إلى المطولات أو (المعلقات) من شعر فصيح، أو عامية راقية. وكان من حسن حظ

стр. 688

الملحن العظيم رياض السنباطي أن خلت له الساحة في هذه الخمسينات، فمحمد القصبجي وقف عند "رق الحبيب"، وقنع بأن يدندن خلف أم كلثوم على عوده، والشيخ زكريا احمد اكتفى بأهل الهوى والأمل وأنا في انتظارك وهجر صوت أم كلثوم هجرًا غير جميل في قطيعة استمرت من سنة ١٩٤٧ إلى ١٩٥٩ (راجع مقالة أستاذنا كمال النجمي في هلال فبراير) فخلا وجه أم كلثوم للسنباطي من أواخر الأربعينات إلى الخمسينات وما بعدها، فأبدع معها وبها، وكانت هذه الروائع: سلوا كؤوس الطلا، وسلوا قلبي، والنيل، ونهج البردة، وولد الهدى، وإلى عرفات الله، ورباعيات الخيام، وأغار من نسمة الجنوب، ومصر تتحدث عن نفسها، وقصة الأمس، وقصة حبي، وثورة الشك، وأراك عصي الدمع. ثم هلت ليالي القمر، ويا اللي كان يشجيك أنيني، وغلبت أصاح في روحي، وجددت حبك ليه، وسهران لوحدي، ويا ظالمني، وشمس الأصيل، وعودت عيني، وهجرتك، وأرْوح لمين، والحب كده. وفي هذه الأغنية الأخيرة ملامح كثيرة من روح زكريا أحمد وبخاصة مطلعها، والذي لا يعرف أنها من تلحين السنباطي يظنها للشيخ زكريا. وقد كان جلال معوض موفقًا في اختيار هدأة الليل موعدًا لبرنامجه الجميل هذا، فالليل أبعث للشجن وأدعى للذكريات والبكاء معها وعليها. ألم يفل مجنون بني عامر: نهاري نهار الناس حتى إذا بدا ... لي الليل هزتني إليك المضاجع أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ... ويجمعني والهم بالليل جامع وأيضًا فإن جلال معوض قد أمتعنا بصوته الحلو الذي يجمع بين العذوبة والفحولة، وهذا شان أبناء جيله: حسني الحديدي وصلاح زكي، ثم المفكر النابه أحمد فراج. * * *

стр. 689

زاحم بعود أو فدغ (١) العود، بفتح العين وسكون الواو: الجمل المسن. وهذا من أمثال العرب، ومعناه: لا تستعن إلا بأهل السن والتجربة، ويمكن أن يوجه هذا المثل أيضًا على معنى: لا تنافس ولا تغالب إلا بشيء ذي قدر ونفع. وقد تذكرت هذا المثل حين كنت بدولة الإِمارات العربية المتحدة منذ شهور، أستاذا زائرًا بجامعة العين، وفي الفندق الذي كنت أنزل به أتيحت لي فرصة طيبة لرؤية القنوات الفضائية العربية، فرأيت شيئا مَعجبًا حقا، سواء في قنوات أبو ظبي ودبي والشارقة أو في سائر الفضائيات الأخرى. في هذه الفضائيات ترى ألوانًا رفيعة من الدين والأدب والفن والسياسة والاجتماع والرياضة، إلى القضايا الساخنة والحوارات الجادة بين أطراف متباعدة فكرًا ومكانًا بحيث أصبح التلفزيون أداة تثقيف وإنارة، وفارقته مسحة الإِملال التي يشكو منها الناس. أرى هذا كله ثم أقارن بينه وبين ما تقدمه قناتنا الفضائية المصرية، فلا أخرج من المقارنة إلا بما قاله حافظ إبراهيم: وزعيمهم شاكي السلاح مدجج ... وزعيمنا في كفه منديل إن برامج الفضائية المصرية فقيرة بجانب ما تقدمه أخواتها العربيات، ومعظم ما تقدمه قناتنا: أفلام ومسرحيات ومسلسلات، إلى جانب بعض البرامج الخفيفة، مثل: أغاني الأفلام، وأغاني وأماني، وسباق الأغنيات، ونجم على الهواء، بحيث

стр. 690

يخيل للناظر أن مصر قد فقدت علماءها ومفكريها وأدباءها، ولم يبق على ظهرها إلا أهل التمثيل والمغنى. على أن هذه البرامج الخفيفة قد ترضي بعض الأذواق، ولكنه رضا موقوت، على ما قال ابن الرومي: وقد يفضلها قوم لعاجلها ... لكنه عاجل يمضي مع الريح والعجيب أن كثيرًا من برامج هذه الفضائيات العربية الجادة مسجلة في مصر، وتقوم على شخصيات مصرية، وهؤلاء المصريون الذين يتعاملون مع تلك القنوات يحبون بلدهم مصر، بل ويعشقونها، ويقولون: "يا حبيبتي يا مصر"، ولكنهم يتصرفون وفق القاعدة التي تقول: "الصلاة خلف علي أتم، لكن الطعام على مائدة معاوية أدسم". فعلى قناتنا المصرية إذا أرادت أن تزاحم وتنافس: أن تجود وتحسن، وإلا انصرف الناس عنها، وغابت صورة مصر المحروسة.