← Джавами‘

Джавами‘ · id 148533

مقالات الطناحي صفحات في التراث والتراجم واللغة والأدب

محمود محمد الطناحي

Полный текст (690 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

-أى عمل أهل المدينة، وعملهم حجة- على استحباب إطالة القراءة في الصبح قدراً لا يضر بمن خلفه"، تفسير القرطبي ١٠/ ٣٠٥، والدر المنثور ٤/ ١٩٦. وبعد: فهذا قليل من كثير، مما يقع فيه الناس من أوهام وتخليط في تفسير كلام الله ، وقد أمسكت عن ذكر أشياء من هذه البابة لأني رأيتها تحمل صوراً من الهزل والفكاهة، ونحن نُجل كتاب ربنا أن تكون آياته البينات معرضاً للتفكه والمنادمة. ولا يبقى إلا أن نتوجه إلى مشايخنا الخطباء والوعاظ، ثم إلى زملائنا الجامعيين الذين أخذوا ينازعون المشايخ سلطانهم في الوعظ والتذكير، بل والفتيا في دين الله، نتوجه إلى هؤلاء وهؤلاء أن يتقوا الله في كتابه العزيز، ولا يتجرءوا على القول فيه دون حجة أو دليل، وأن يراجعوا الكتب ويستفتوا المراجع، والله يعصمنا وإياهم من الزلل. * * *

стр. 632

علي الجارم ... لغوياً نحوياً (١) الشعر باب العربية، والشعراء الكبار هم أقدر الناس على معرفة أسرار العربية، والوقوف على دقائقها، ثم الحرص عليها والذود عنها، وما كان ذلك إلا لأنهم قرأوا فأكثروا القراءة، وحفظوا فجودوا الحفظ، ولن تجد شاعراً كبيراً إلا ووراءه رصيد ضخم من القراءة المحيطة الجامعة للغة في مجالاتها المختلفة، ويظهر هذا الرصيد فيما يسميه أهل زماننا "المعجم الشعري" للشاعر: حروفاً وأبنية وتراكيب ودلالة. على الجارم "﵀" واحد من كبار الشعراء الحفظة العلماء الضابطين، وكانت هذه سمة الجيل كله، شعراء وناثرين، مع تفاوت يسير بينهم، برزق الله المقسم على خلقه. نعم كان هذا الجيل جيل الجد والتحصيل، جيل لم يرفع عينه عن القراءة، ولم يشغله عنها حديث وثرثرة عن التجربة والإبداع والخلق والمعاناة، فإن من الملاحظ الآن أن الأدباء والشعراء يتكلمون أكثر مما يقرأون، ويستمعون أكثر مما يتأملون، وقد قال ابن قيم الجوزية: "من لم تنفعه عينه لم تنفعه أذنه". وأنت إذا نظرت إلى ما كان بيد ذلك الجيل من الكتاب المطبوع، وجدته شيئاً نزراً قليلاً، ولكن هذا النزر القليل صنع رجالاً، وشاد ثقافة. واليوم كثرت المطبوعات، وقلَّت القراءة. وداعية أخرى إلى العجب: أن الكتاب المطبوع في ذلك الزمان لم يكن معتنى

стр. 633

به، من حيث التحقيق والتوثيق وحسن الإخراج، فلم تكن مناهج تحقيق النصوص قد استقرت، ولم تكن وسائل الطباعة الحديثة قد عُرفت، ومع كل ذلك فقد أقام هذا الكتاب "المطبوع" المحدود، الساذج في إخراجه، حضارة سامقة، أضاءت ديار العرب والإسلام كلها، وما أشبه أدباء ذلك الزمان إلا بتاجر صنع، بيده رأس مال محدود، ولكنه استطاع بلباقته وحسن تأتيه أن يحرك هذا المال المحدود، ويغدو به ويروح، ليصنع منه ثروة ضخمة. كان هذا هو طريق الجارم وأدباء زمانه، أخلصوا أيامهم للقراءة والتحصيل، ووعت ذاكرتهم هذه النغمات الجليلة التي حملها بديع الشعر وكريم النثر، في موروثنا الحافل. وحين تهيأت لهم أدوات القول والإبانة، خالط الطارف التليد، وذاب مال المورث الجامع في مال الوارث الرشيد، أو كما قال صديقنا عبد اللطيف عبد الحليم، عن شاعرنا الجارم: "ويطل على هذا المحفوظ المذخور من عل، فإذا بمحفوظه يتوارى ليبرز كلامه هو". وإذا كانت هذه الكلمة اليوم عن "علي الجارم" اللغوي النحوي؛ فإن ذلك يلتمس من جانبين: الجانب الأول: نشاطه التأليفي والبحثي، من حيث هو معلم للغة العربية، ثم كبير مفتشي اللغة العربية بوزارة المعارف المصرية، ثم من حيث هو عضو مؤسس من أعضاء مجمع اللغة العربية. والجانب الثاني: إبداعه الشعري، من حيث هو شاعر كبير، في شعراء عصره، وشعراء ذلك الزكان كانوا -كما قلت- من اللغة والنحو بمكان مكين. وقبل الحديث عن هذين الجانبين، أود أن أشير إلى شئ من تلك المكانة اللغوية التي اقتعدها الجارم عند علماء عصره، فهذا الشيخ أحمد محمد شاكر القاضي الشرعي، وهو محدث العصر، وواحد من مدرية الأفذاذ في تحقيق النصوص ونشرها يذكر أنه كان يلجأ إلى علي بك الجارم، وبعرض عليه عمله في تحقيق كتاب "الرسالة" للشافعي، وكان مما عرضه عليه كلمة "النذارة" وهي مضبوطة في المخطوطة بكسر النون، ولم يرد ذلك في المعاجم المتداولة، ولكن المخطوطة

стр. 634

بقلم الربيع بن سليمان تلميذ الشافعي، وعليها خطة عام ٢٦٥ هـ وهذا تاريخ مهم جداً في علم المخطوطات. يقول الشيخ أحمد شاكر: "ومن أقوى الأدلة على عنايته بالصحة والضبط، أنه وضع كسرة تحت النون في كلمة "النذارة"، وهي كلمة نادرة لم أجدها في المعاجم إلا في القاموس، ونص على أنها عن الإمام الشافعي. وهي تؤيد ما ذهبت إليه من الثقة بالنسخة، وتدل على أن الربيع كان يتحرى نطق الشافعي ويكتب عنه عن بينة. ومن الطرائف المناسبة هنا أني عرضت هذه الكلمة على أستاذنا الكبير العلاّمة أمير الشعراء على بك الجارم، فيما كنت أعرض عليه من عملي في الكتاب، فقال لي: "كأنك بهذه الكلمة جئت بتوقيع الشافعي على النسخة". وقد صدق حفظه الله". الجارم لغوياً ونحوياً: ثم نعود إلى هذين الجانبين اللذين يُلتمس منهما عناية الجارم باللغة والنحو. ففيما يتصل بالجانب الأول فقد كان لعلي الجارم أثر ظاهر في تأليف الكتاب المدرسي، الذي كان يقدم لطلبة المدارس في المرحلتين: الابتدائية والثانوية، ومن خلاله يتعلمون النحو والبلاغة والأدب. فكانت هذه الكتب التي اشترك في تأليفها مع نفر من كبار علماء عصره: المجمل في الأدب العربي، والمفصل في الأدب العربي، والبلاغة الواضحة، ثم ذلك الكتاب الجهير الصوت، الذائع الصيت "النحو الواضح": "وهي كتب بارعة في الشرح والتوضيح، وفي تقريب النحو وتيسيره، وقد أراحت مئات من المعلمين، ويسرت على ألوف من المتعلمين، وأزاحت عن هذا العلم سحباً من النفور والكراهية كانت تحيط به وتصد المتعلمين، ثم شاعت في البلاد العربية، وصارت كالمنهاج لتعليم النحو، وأحدث أسلوبها في الشرح والتأليف مدرسة، أخذ المعلمون يتبعونها ويؤلفون على مثالها، محاكين أو مقلدين. والكتاب لمدرسي في ذلك الزمان كان يقوم عليه كبار الأدباء والشعراء،

стр. 635

أمثال: حفني بك ناصف، والشيخ أحمد الإسكندري، والشيخ مصطفى طموم، وأحمد بك العوامري، فكان ذلك الكتاب مهاباً جليل القدر، وكان يُنظر إليه بتوقير شديد، على غير ما نراه الآن من النظر إلى الكتاب المدرسي نظرة استخفاف وازدراء، بل إن هذا الوصف "كتاب مدرسي" قد صار مجلبة للتنقص وطريقاً إلى المعابة، وآية ذلك أنه لا يحسب في موازين الأستاذ الجامعي، فلا يؤخذ في ترقية، ولا يقدم إلى جائزة، ولا شك أن الذي كره إلى الناس ذلك "الكتاب المدرسي" أنه يتخذ الآن سبيلاً للتربح وجمع المال. وفي طريق الكتاب المدرسي قام الجارم بعمل جليل آخر، هو تقديم عيون التراث إلى النشء الصغار من تلاميذ المدارس، ومن ذلك تلك الطبعة من "البخلاء" للجاحظ، التي أخرجها مشتركاً مع أحمد العوامري، ثم كتاب "الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية" لابن الطقطقي، مشتركاً مع الجغرافي الكبير محمد عوض إبراهيم، وكناب "المكافأة وحسن العقبى" لأحمد بن يوسف الكاتب، مشتركاً مع أحمد أمين، وكتاب "تهذيب الأخلاق" لمسكويه، مشتركاً مع نفر من كبار الأساتذة، فأنظر ماذا كان يقدم لطلبة المدارس في تلك الأيام؟ فهذا هو الشطر الأول من أثر على الجارم، في التأليف اللغوي والنحوي، سقته على سبيل الوجازة والاختصار. أما الشطر الثاني منه فمجلاه نشاطه في مجمع اللغة العربية ولجانه. وقد كان الجارم أحد الأعضاء المؤسسين للمجمع، واشترك في لجانه كلها، فرسخ تقاليد مجمعية لازالت باقية إلى الآن، وملأ اللجان باقتراحاته ومناقشاته، مما هو مذكور ومسطور في مجلة المجمع ومحاضره. ومن بحوثه واقتراحاته: الترادف -طرق تكميل المواد اللغوية- المصادر التي لا أفعال لها -وضع قواعد جديدة يستعان بها في اشتقاق الأفعال من الجامد- بحث في فعيل بمعنى مفعول وبمعنى قابل للفعل -الجملة الفعلية أساس التعبير في اللغة العربية- الوضع

стр. 636

بطريق المجاز -مراتب وضع الألفاظ- مشروع تيسير الكتابة العربية- مصطلحات الشئون العامة. ومن مجموع هذه البحوث والمقترحات أحب أن أقف عند أمرين اثنين، يظهر فيهما تضلع الجارم من اللغة، وصبره على تحصيلها، واحترامه لها: الأمر الأول: ذلك البحث الذي وسمه (بالمصادر التي لا أفعال لها)، وقد أقام الجارم هذا البحث على ما ذكره ابن سيده في الصفحة (٢٢٣) من الجزء الرابع عشر من المخصص (باب أسماء المصادر التي لا يشتق منها أفعال)، وقد انتهى ابن سيده إلى أن هناك أربعة وخمسين مصدراً لا أفعال لها. يقول الجارم: "وقد تناولت هذا البحث بإفاضة واستيعاب وتنقيب في المعحمات، فظهر أن لجميعها أفعالاً، عدا سبعة منها". ثم أخذ ﵀ في ذكر كلام -ابن سيده، ثم تعقبه بما في المعاجم: الصحاح، واللسان، والقاموس، والتاج، والمصباح المنير. والأمر الثانى: ما ذكره عن "غريب اللغة"، قال: "وإذا كانت لدينا ذخيرة مغمورة في اللغة فلم لا نستعملها ونحييها، وننقلها من بداوتها إلى نور الحضارة؟ والاستعمال كفيل بصقلها واستساغتها". ويعود مرة أخرى إلى "غريب اللغة" فيقول، وهو يتحدث عن المعجم الكبير: " فإن هذا المعجم سيشتمل على كل شيء، من حيث الكلام الصحيح وقديمه، مشهوره وغريبه، ذائعه ونادره". وقضية "غريب اللغة" من القضايا الشائكة العسرة في زماننا هذا، فكثير من الناس ينادون الآن بهجر الغريب من الكلام، واستعمال السهل القريب، وما أزنهم ينادون بذلك إلا لسببين: السبب الأول: عدم معرفتهم بكثير من هذا الكلام الغريب، والإنسان يستوحش مما لا يعرفه وينكره، على ما قال ربنا : ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه﴾ [يونس: ٣٩].

стр. 637

والسبب الثاني: أنهم يخلطون بين "الغرابة في اللغة"، والغرابة في "البلاغة". فالغرابة في البلاغة يراد بها: الكلام الحوشي المستكره، أصواتاً ودلالة، على ما هو مذكور في كتب البلاغيين. أما غرابة اللغة فهي شيء آخر. فالغريب من الكلام -كما ذكره أبو سليمان الخطابي (٣٨٨ هـ): "وهو الغامض البعيد من الفهم، كالغريب من الناس إنما هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل ... ثم إن الغريب من الكلام يقال به على وجهين: أحدهما أن يراد به بعيد المعنى غامضة، لا يتناوله الفهم إلا عن بعد ومعاناة فكر. والوجه الآخر أن يراد به كلام من بعدت الدار، ونأى به المحل من شواذ قبائل العرب، فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم استغربناها، وإنما هي كلام القوم وبيانهم، وعلى هذا ما جاء عن بعضهم، وقال لهم قائل: أسألك عن حرف من الغريب، فقال: هو كلام القوم، إنما الغريب أنت وأمثالك من الدخلاء فيه". أقول: واللهم نعم: الغريب من كلام القوم، وعدم أنسنا له أو استعمالنا له، لا يخرجه عن دائرة كلام العرب، وعلى أن الاستعمال ليس بدليل على الحسن، كما يقول ضياء الدين بن الأثير. ومعلوم أن كلام العرب على وجهين: واضح وغريب، ذكر هذا ونبه عليه واضع أول معجم عربي: الخليل بن أحمد الفراهيدي، قال في مقدمة كتاب العين: "بدأنا في مؤلفنا هذا بالعين، وهو أقصى الحروف، ونضم إليه ما بعده، حتى نستوعب كلام العرب: الواضح والغريب". وهذا الغريب من كلام العرب قد يكون له ما يقابله من الواضح، فلك أن تعدل عن غريبه إلى واضحه، مع فقر في معجمك اللغوي، أنت مشؤول عنه ومؤاخذ به، عند تفاضل أقدار الكاتبين. وقد لا يكون له ما يقابله من الواضح، فلا معدى لك عن معرفته واستعماله، والجهل به حينئذ مزرٍ بصاحبه، ومضيق عليه سبل القول ومنادح الكلام، ولا يحس لذع هذا، ويستشعر المحنة فيه إلا الشعراء، من حيث هم

стр. 638

محتاجون دائماً إلى وفرة من الألفاظ وسعة في الكلام، لا يفتحهما لهم ذلك الكلام السهل القريب. ودعوة الجارم إلى استحياء الغريب من اللغة إنما هي دعوى في حق موضعها؛ لأن هذا الغريب من صميم اللغة، والدعوة إلى هجرة والتجافي عنه ليست من البر بهذه اللغة الشريفة، بل هي عدوان عليها، وتحيف لشطر كبير منها. وهذه الألفاظ التي ينكرها بعض أهل زماننا ويستبشعونها لست تجدها في النصوص الأدبية فقط، من شعر ونثر، بل إنك واجدها في كتب الأنساب والتاريخ والبلدانيات (الجغرافيا) وكتب الفلك والطب والفلاحة والزراعة، وسائر ما كتب الأوائل من علومهم وفنونهم. وقد نطق شعر الجارم بهذه الرغبة العارمة في استحياء تلك الألفاظ التي يتحاشاها الأدباء والشعراء في زماننا هذا؛ زهادة فيها أو جهلاً بها، أو استسهالاً للألفاظ القريبة السهلة المستهلكة، فيقول في واحدة من كريم شعره: كم لفظة جهدت مما نكررها ... حتى لقد لهثت من شدة التعب ولفظة سجنت في جوف مظلمة ... لم تنظر الشمس منها عين مرتقب كأنما قد تولى القارظان بها ... فلم يؤوبا إلى الدنيا ولم تؤب ثم صدق شعر الجارم مقترحه، فكثر في شعره الغريب كثرة ظاهرة، وهذا مثل واحد من شعره، من قصيدته في مدح الشيخ الإمام محمد عبده: المجد فوق متون الضمر القود ... تطوي الفلا بين إيجاف وتوخيد إذا رمت عرص صيهود مناسمها ... رمت إليها الليالي كل مقصود أو مزقت طيلسان الليل من خبب ... كست خيال الأماني ثوب موجود مولاي علمتني كيف الثبات إذا ... لم يترك الرعب قلباً غير مزءود على أن مما يجب التنبه له أن جميع شعراء النهضة الشعرية الحديثة، بدءاً من محمود سامي البارودي حتى شاعرنا علي الجارم كانوا عارفين بهذا الغريب من

стр. 639

الكلام، وكانوا لا يخلون شعرهم منه، بل إن أمير الشعراء المعاصرين وعلمهم الكبير أحمد شوقي كان مكثراً من استعمال ذلك اللون من اللغة، وله منه أعاجيب، منها قوله: خلوا الأكاليل للتاريخ إن له ... يداً تؤلفها دراً ومخشلبا فانظر إلى "المخشلب"، وهو خرز يشبه الدر من حجارة البحر، وليس بدر ويقال إنه لفظ نبطي، والعرب تقول "الخضض". فهذه الكلمة، عل يطيقها أحد من أهل زماننا؟ لقد استخرجها شوقي من محفوظه من شعر أبي الطيب المتنبي، وذلك قوله: بياض وجه يريك الشمس حالكة ... ودر لفظ يريك الدر مخشلبا وقد ظهر لي من قراءة شعر الجارم أن كثيراً من هذا الغريب الذي فاض به شعره إنما واتاه من دربه طويلة مع النصوص الشعرية المأثورة، ولم يأته من قراءة كتب اللغة أو المعاجم فقط. وآية ذلك أن بعضاً من تراكيبه الشعرية إنما انتزعه مما استقر في محفوظه من شعر الأوائل: فمن ذلك قوله من قصيدة في ذكرى المولد النبوي الشريف: إذا صال لم يترك مقالاً لصائلً ... وإن قال ألقت سمعها البلغاء فالشطر الأول منتزع من قول معاوية بن أبي سفيان، يمدح عبد الله بن عباس ﵃: إذا قال لم يترك مقالاً لقائل ... مصيب ولم يثن اللسان على هجر وقوله: غضبان رد إلى اليافوخ عفرته ... ومن يصاول ليثاً وهو غضبان لقد حمينا أباة الضيم حوزتنا ... من أن تباح ودناهم كما دانوا

стр. 640

فهذا شعر ينظر إلى شعر الشاعر الجاهلي شهل بن شيبان، المعروف بالفند الزماني: مشبنا مشية الليث ... غدا والليث غضبان ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا وقوله من قصيدته في سعد زغلول باشا: إن أم المجد مقلات فكم ... سوفت بين جنين وجنين منتزع من قول الشاعر: بغاث الطير أكثرها فراخاً ... وأم الصقر مقلات نزور وقوله من قصيدته في محمد محمود باشا: طارت شعاعاً وهولاً مثلما عصفت ... هوج الرياح برمل البيد في البيد مأخوذ صدره من قول قطري بن الفجاءة، من شعراء الخوارج: أقول لها وقد طارت شعاعاً ... من الأبطال ويحك لن تراعي وفي القصيدة نفسها يقول: من كل أروع عنوان الجهاد به ... قلب ركين ورأي غير مخضود وفي هذا البيت شميم من قول حسان بن ثابت، يرثي عثمان بن عفان، ﵄: ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً وفي هذه القصيدة أيضاً: ترنوا إليه فتغضي من مهابته ... فالطرف ما بين موصول ومصدود ويحمل بعض هذا التركيب أثر قراءة لشعر الفرزدق، وهو قوله يمدح علي بن ااحسين بن علي بن أبي طالب، المعروف بزين العابدين: يغضي حياءً ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم

стр. 641

ويقول الجارم في الأسرة العلوية: شمس العداوة والحسام مجرد ... فإذا انطوى فملائك أطهار وصدر البيت مسلوخ من قول الأخطل، في بني أمية، من قصيدته الباذخة في عبد الملك بن مروان: شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا ويقول فى مدح احمد لطفي السيد باشا: ففي سكنة المبهور أصدق مدحة ... وكل كلام بين حق وباطل وفي ذلك المديح نوع شبه بقول عيسى بن أوس، في الجنيد بن عبد الرحمن، أمير خراسان: مدحتك بالحق الذي أنت أهله ... ومن مدح الأقوام حق وباطل ومن مرثية الجارم في صديقه "أبو الفتح الفقي" يقول -وهي من قصائده الجياد: كل ابن أنثى في الحياة إلى مدى ... والمرء في الدنيا إلى ميقاته وهو ينظر إلى قول كعب بن زهير ﵁، في "لاميته" الشريفة "بانت سعاد فقلبي اليوم مبتول": كل ابن أنثى وإن طالت سلامته ... يوماً على آلةٍ حدباء محمول ويقول الجارم في مدحه للفاروق ملك مصر السابق، ويهنئه بعيد الفطر: هنئياً لك العيد الذي بك أشرقت ... منازله بشراً وضاءت رحائبه وصدر البيت من قول المتنبي يمدح سيف الدولة، ويهنئه بعيد الأضحى: هنيئاً لك العيد الذي أنت عيده ... وعيد لمن سمى وضحى وعيدا ومن شعره في قصيدة ضمنها بعض ذكرياته بعد عودته من أوروبا: يلقى بها أينما القى عصاه بها ... أهلاً بأهل وأصهاراً بأصهار

стр. 642

ولا ريب أن الجارم قال هذا البيت وفي محفوظة قول الأول: لا يمنعنك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أهلاً بأهلٍ وجيراناً بجيران ومن قصيدة للجارم في ويلات الحرب العالمية الأولى، يقول: لج به الموت فأدوى به ... وحز منه الليت والأخدعا وآخر البيت من قول الشاعر الأموي الصمة بن عبد الله القشيري: تلفت نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتاً وأخدعا ويقول في وصف جريدة لم يسمها: وكنت صحيفة الأبرار حقاً ... تلقتك الكنانة باليمين وقد نظر في ذلك إلى قول الشماخ، في عرابة الأوسي: إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمبن ومن مرثيته لصديقه محمود فهمي النقراشي باشا، يقول الجارم: شيئان ما عيب البكاء عليهما ... فقد الشباب وفرقة الآلاف وهذا من قول الشاعر: شيئان لو بكت الدماء عليهما ... عيناي حتى يؤذنا بذهاب ل يبلغا المعشار من حقيهما ... فقد الشباب وفرقة الأحباب وهذه القصيدة من رثي بها الجارم صديقه النقراشي، هي من أعلى شعره فناً وإحكاماً، ومن أغربه لغة وبيانا، وقد أقامها على البحر "الكامل"، واختار لها الفاء المكسور روياً، وأولها: ماء العيون على الشهيد ذارف ... لو أن فيضاً من معينك كافي وأحسب أن الجارم حين جالت هذه القصيدة في نفسه: موضوعاً وبحراً وروياً، إنما كان يستدعي من مذخورة أخرى باذخة لأبي العلاء المعري، يرثي فيها

стр. 643

أبا أحمد الموسوي، الملقب بالطاهر، وهو والد الشريف الرضي، والشريف المرتضى، ومطلعها: أودي فليت الحادثات كفاف ... مال المسيف وعنبر المستاف و"المستاف" هي إحدى القوافي التي اتنزعها الجارم من قصيدة أبي العلاء، قال: ذكرى كحالية الرياض شميمها ... راح النفوس وراحة المستاف وليست "المستاف" وحدها هي التي انتزعها الجارم من قوافي أبي العلاء في هذه القصيدة، فهناك أخريات، تراها في القصيدتين، وهي: الآلاف- عبد مناف- دراف- الرجاف- الأصداف- الأطراف- الرعاف- ثقاف- الأسياف- قوادم- وخواف- الضافي- قواف- الأشراف- سلاف- المصطاف- الأعطاف- المئناف. ومع ذلك فتبقى القصيدة في الجارم قواف، هي من كيسه ومن حر ماله، ومن أحلامها وأعذبها وأخفها دماًـ ومع عربية أصيلة، قوله: إن الفتى ما فيه من أخلاقه ... فإذا ذهبن فكل شيء "ما في" والحذف هنا بعد "ما في" جميل جداً. وهكذا يكون الشاعر الكبير: تمتليء نفسه بموروث الكلام: شعراً ونثراً، ويجري هذا الموروث في دمه جريان الدم في العروق، وتخالط بشاشته قلبه وعقله، ثم يفيض على لسانه: شريف المحتد موصول النسب، ولكنه يبدو هو في نفسه سامق الهامة، عالى الطول، كذلك الطول المتوارث في بني عبد المطلب. ومن وراء ذلك كله فللجارم في شعره استعمالات دالة على بصره باللغة والتصريف، يقول في إحدى قصائده: هبني رجعت إلى الأوتار رنتها ... فهل لشرح الصبا واللهو رجعان

стр. 644

والفعل "رجع" هنا استعمله الجارم متعديا فنصب به "رنتها"، وكذلك استعمله متعدياً في قوله: وقف تجدد آثارها ... وتنشر للعرب أشعارها وترجع بغداد بعد الفناء ... تحدث للناس أخبارها وفي هذه القصيدة نفسها يقول: ترد الشبيبة للصالحات ... وترجع للدين هتارها وهذا الفعل الثلاثي "رجع" يستعمل لازماً ومتعدياً، فيقال: رجع الحق إلى صاحبه، ورجعت أنا الحق إلى صاحبه، وهذا هو الأفصح أن يستعمل "رجع" متعدياً، فيقال: رجعت الكتاب إلى صاحبه، ولا يقال: أرجعته، إلا في لغة لهذيل ضعيفة. وعلى تلك اللغة الفصيحة جاء القرآن الكريم، قال تعالى: ﴾ فَإن رَّجَعَكَ اللَّهُ إلَى طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ ﴿[سورة التوبة: ٨٣]، وقال تعالى: ﴾ فَرَجَعْنَاكَ إلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا ولا تَحْزَنَ ﴿[طه: ٤٠]، وقال تعالى: ﴾ تَرْجِعُونَهَا إن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿[الواقعة: ٨٧]، وقال تعالى: ﴾ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الكُفَّارِ ﴿[الممتحنة: ١٠]، وقال تعالى: ﴾ أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلاً ﴿[طه: ٨٩]، ثم جاء المصدر من الثلاثي أيضاً، فقال تعالى: ﴾ إنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴿[الطارق: ٨] ومن ثقافة الجارم اللغوية أيضاً استعماله الفعل "أمل" مخفف اللام، فقال: إذا أمل الفتى فالهزل جد ... وإن يئس فالجد هزل وأكثر ما يستعمل الناس هذا الفعل مشدداً "أمل" إلى حد أن هذا الفعل المخفف- مع سلامته اللغوية ومجيء اسم الفاعل واسم المفعول منه مجيئاً صالحاً "أمل ومأمول"- قد خفي على بعض النحاة الأوائل، وهو أبو نزال الحسن بن صافي بن عبد الله البغدادي، المعروف بملك النحاة، المتوفى (٥٦٨ هـ) فقد أثر عنه أنه قال: "وأمل، لا أسمعه فعلاً ماضياً"، وقد رد عليه ابن الشجري، وذكر له أن اللغويين حكوه وأجازوه، وذكر له شيئاً من شواهده، ومنها قول المتنبي:

стр. 645

حرموا الذي أملوا وأدرك منهم ... آماله من عاذ بالحرمان ومن فقه الجارم باللغة أيضاً استعماله كلمة "سائر" بمعنى "باق"، يقول في قصيدة في رثاء الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي: تمر به مراً فيسبيك بعضه ... وتقرؤه أخرى فيسبيك سائره واستعمال "سائر" بمعنى "باق" هو الفصيح الأكثر، مأخوذ من السؤر، وهو ما يبقى في الإناء، ويرى بعض اللغويين أنه هو الصواب، ولا صواب غيره، يقول مجد الدين بن الأثير: "السائر: الباقي، والناس يستعملونه في معنى الجميع، وليس بصحيح". ومثل ذلك قال ابن الجوزي والحريري، لكن المرتضى الزبيدي حكى عن بعض أئمة اللغة والتصريف أنه يجوز استعمال "سائر" بمعنى الجميع. ويستشهد أصحاب الرأي الأول بشواهد كثيرة من النثر والشعر، ومن أحلى شواهد قول عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي، وبعرف بأبي قطيفة: لهم منتهى حبي وجل مودتي ... وصفو الهوى مني وللناس سائره وهكذا تضلع الجارم من لغته وفقهها، وعرف لها حقها فيما كتب وفيما نظم، فأحلته هذه المنزلة الرفيعة بين شعراء زمانه، واقتعدت له مكاناً عالياً في ركب الشعراء العظام، وعلى مال قال هو يصف شعره، في مقدمة الجزء الثاني من ديوانه. "شعر نصر الفصحى فنصرته، وصان لها ديباجتها فصانته". وكما صان الجارم العربية فصانت له شعره، فسيصونه الزمان أيضاً، فيبقيه طرياً غضاً على الألسنة، مصوناً في تلافيف القلوب، على ما قال حسان بن ثابت ﵁: مصون الشعر تحفظه فيكفي ... وحشو الشعر يورثك الملالا * * *

стр. 646

تراثنا .. رحلة شاقة (١) ارتبطت ضخامة التراث الإسلامي العربي وعظمته بسمة تميز بها الإسلام، وهي أنه احتوى كثيراً من الأمم ذات الحضارات، والتي بعد أن دخلت في دين الله أفواجاً ونسيت ما كان يبعد آباؤها من قبل هجرت لسانها القديم، واتخذت اللسان العربي أداة فكر وبيان. ولم يبق فرق بين هذه الأمم والأمة العربية إلا فرق اللون والدم، وهو فرق ساقط مهدر في موازين الإسلام. ثم إن الحضارة الإسلامية فوق أنها أبدعت وأنتجت في شتى ضروب العلم والمعرفة- كانت حلقة اتصال بين تراث اليونان وبين اللاتينية الحديثة، مما يشهد بفضل تراثنا وحضارتنا على النهضة الأوربية الحديثة. والمتابع لحركة الإبداع الإسلامية يجد أنها لم تخمد جذوتها، ولم تسكن حركتها بتغير الحكام أو تبدل الأيام أو تعاقب النوائب. ومن أول ما يشهد لذلك احتواء قرني الغزو الصليبي والتتري للعالم الإسلامي نخبة عريضة من كبار العلماء والمفكرين، مع أن الهجوم الكاسح كان كفيلاً بالقضاء على هذه الأمة لولا دفع الله وصيانته لها بما أودعه في روح العقيدة الإسلامية من عوامل النماء والبقاء والازدهار. كما أن غيا حاضرة من حواضر الإسلام عن الساحة الفكرية كان داعياً لقيام حاضرة أخرى تملأ الفراغ وتدعيم المسيرة.

стр. 647

وأمر آخر أشد وضوحاً هو أن كثيراً من تراثنا قد بقى موفوراً يملأ الخزائن العامة والخاصة إلى عهد قريب، وأن ما ضاع عنه بسبب غفلة الناس وتفريطهم أكثر مما ضاع بسبب عوادي الحروب والأيام، ولا زالت الأيام تظهرنا على مخطوطات نفسية كنا نعدها من المفقودات، وكم في زوايا خبايا! ولكي يعلم القارئ قدر العطاء العلمي الذي خلفه لنا سلفنا- عليهم رحمة الله- فليراجع ما ألف من كتب للفهرسة- كـ (الفهرست) لابن النديم، أو (كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون) لمصطفى عبد الله؛ وهو من أنفع وأجمع ما كتب في موضوعه بالعربية، أو (خزائن الكتب العربية في الخافقين: للفيكونت فيليب دي طرازي؛ وقد أحصى في هذا الكتاب عدد المكتبات العربية في العالم فبلغت نحو ١٥٠٠ مكتبة يقدر ما في من كتب عربية بنحو ٢٦٢ مليون مجلد ما بين مخطوط ومطبوع. مراحل النشر: لم يعد المسلمون أسلوباً في حفظ تراثهم ونشره؛ فقبل أن تظهر الطباعة كان الأسلوب المعتمد في نشر كتب التراث هو النسخ، حتى راجت صنعة الوراقة والنساخة، وكان لها أماكنها في الأمصار التي يؤمها العلماء. ومع أن الطباعة ظهرت في القرن الخامس عشر على يد جوتنبرج الألماني، وتبع ذلك انتشار المطابع في أوروبا ومنها مطابع عربية، إلا أن المشرق الإسلامي لم يعرف الطباعة إلا في وقت متأخر عن ذلك؛ حيث بدأت في الآستانة في ١٥٥١ م، ثم في لبنان عام ١٦١٠ م، وانتقلت بعدها إلى عدة أقطار. المرحلة الأولى لنشر التراث: ومما ينبغي ذكره أن الطباعة صبغت تنصيرية تبشيرية في تلك الفترة حتى أنشئت مطبعة بولاق التي عرفت (بالمطبعة الأميرية) في القاهرة بعد رحيل نابليون بفترة وذلك في عام ١٨١٩ م أو ١٨٢١ م، وطبع فيها مئات الكتب من مختلف الفنون من التفسير

стр. 648

والحديث والأصول واللغة والتاريخ والطب والأدب وغير ذلك من فنون التراث. ويمكن لي أن أسجل ثلاث حقائق اتسم بها نتاج تلك الفترة من كتب التراث: أولاً: أن النظر للتراث كانت شمولية ترمي إلى إظهار كنوزه ونشر الأمهات والأصول في كل فن، ولم يكن الدافع مادياً؛ لذلك غلب على الطباعة طباعة الموسوعات. ثانيا: ً دور الأزهر كان بارزاً وبصمته كانت مميزة على نشاط المطبعة خلافاً للحال في لبنان الذي سيطر عليه القساوسة والرهبان. وانتشرت الكتب التي كانت تطبع على نفقة بعض محبي العلم، وكان على رأس من قام على تصحيح الكتب وإخراجها الشيخ نصر الهوريني، والشيخ محمد عبد الرحمن المشهور بقطة العدوى. وظلت مطبعة بولاق تعمل وحدها قرابة أربعين سنة، ثم ظهرت المطابع الأهلية التي كانت أولها المطبعة الأهلية القبطية (الوطن فيما بعد)، ثم تلتها مطبعة وادي النيل، ثم تتابعت المطابع وتكاثرت. والذي يهمنا أن نقف أمام ثلاثة أمور جديرة بالتأمل في تقييم أعمال تلك المرحلة: ١ - حرص المطابع في كثير من منشوراتها على طبع كتاب أو أكثر بهامش الكتاب الأصلي أو بآخره لصلة ذلك الكتاب، أو لمجرد نشر الكتب على أوسع نطاق. ومن الطريف أن نرى خمسة كتب مطبوعة في كتاب واحد، وفي صفحة واحدة اجتمعت خمستها في الصلب والهامش مفصولة بجداول. إن ظاهرة طبع الكتب بهامش كتب أخرى هي ظاهرة فريدة دالة بوضوح على أن القوم كانوا في سباق لنشر العلم وإذاعته. ٢ - أن الذين تولوا طباعة الكتب وتصحيحها كانوا من طبقة المشايخ

стр. 649

الفضلاء، ومن هؤلاء: الشيخ نصر الهوريني، ومحمد قطة العدوي، ومحمد الحسيني، وطه محمود، وغيرهم. وقد كان للكثير منهم تآليف فوق اشتغالهم بتصحيح الكتب؛ لكن يؤخذ عليهم أنهم لم يعنوا بذكر الأصول المخطوطة التي اعتمدوها في إخراج الكتب. ٣ - أن القوم لم يعنوا بالفهارس الفنية الكاشفة عن كنوز الكتاب المنشور، واكتفوا بذكر فهارس موضوعية موجزة. ومع هذا كانت تلك المرحلة من أغنى وأخصب مراحل نشر التراث العربي وإذاعته، وهي بكل خيرها وعطائها وقد أسلمت إلى ما تبعها من مراحل. المرحلة الثانية: (مرحلة الناشرين النابهين): وهم من طبقة عظماء الرجال، وجاهدوا في سبيل التراث جهاداً صادقاً دؤوباً، عنيت: محمد أمين الخانجي، ومحب الدين الخطيب، ومحمد منير الدمشقي، وحسام الدين القدسي. ومن عجائب الاتفاق أن أربعتهم من أهل الشام، نزلوا مصر واصلوا بعلمائها، وعملوا على طباعة الكتب ونشرها، وتأثروا بتلك الروح التي سرت في مطبعة بولاق من نشر الأصول والأمهات مع العناية بدقة التصحيح وأمانة الأداء، وإن كانت قد تخلصت من الشكل الطباعي القديم المتمثل في طبع الكتب بهامش الكتاب الأصلي. وأهم ما يميز منشورات هذه الطبقة: الحرص على ذكر مخطوطات الكتاب ووصفها؛ إلا أنها لم تعن بالفهارس الفنية لما تنشره، إلا ما نراه من بعض مطبوعات الخانجي ومحب الدين الخطيب. وممن يتصل بهذه الطبقة شيخان فاضلان وعالمان جليلان؛ أما الأول: فهو الشيخ محمد حامد الفقي حامل لواء لبسلفية، ومؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر، والذي أنشأ مطابع السنة المحمدية، ونشر فيها مؤلفاته وكثيراً من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وكتب الحنابلة وطبقات رجالها.

стр. 650

وأما الثاني: فهو الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، الذي يعد صفحة حافلة من تاريخ التراث العربي، قدم وحده المكتبة العربية ما لم تقدمه هيئة علمية مدعومة بالمال والرجال. وقد رمي الرجل بأنه لأعاد طبعات سابقة عليه مما أخرجته مطبعة بولاق ومطابع أوروبا، وأنه لم يعبأ بجميع مخطوطات الكتاب الذي ينشره، وأنه لم يضع الفهارس الفنية الجامعة لمسائل الكتاب المنشور. لكن هذا لا ينقص من قدر الرجل وجهده الذي بذله في تصحيح وضبط النص ضبطاً صحيحاً، وإضاءته بالشروح اللغوية التي تنفي عنه الجهالة أو الغموض، مع العناية بعلامات الترقيم، وأوائل الفقرات، وعدم تداخل أجزاء الكلام. ويكفيه فضلاً أن كل من تعلم النحو في شرق الدنيا وغربها بعده مدين له بدين كبير لما بذله من جهد بالغ في إخراج كتب النحو في أسلوب يمتع الدارس ويصقل اللسان. المرحلة الثالثة: (مرحلة دار الكتب المصرية): والتي تحمل كل سمات المنهج العلمي الدقيق في إخراج النصوص، والتي تأثرت إلى حد ما بمناهج المستشرقين الذين شغلوا بتراثنا والذين استقوا زبدة مناهجهم من أصل تراثنا. وكان صاحب الفضل في هذا بعد الله سبحانه: أحمد زكي باشا، الذي قال عنه شكيب أرسلان: "كان يقظة في إغفاءة الشرق، وهبة في غفلة العالم الإسلامي، وحياة في وسط ذلك المحيط الهامد". وقد برز في هذه المرحلة مشيخة جليلة من العلماء الذين بذلوا جهداً واسعاً فيما أسند إليهم، ولم يحظوا بمعشار ما يحظى به أدعياء التحقيق في هذه الأيام، ومنهم: الشيخ أحمد الزين، والشيخ عبد الرحيم محمود، والشاعر أحمد نسيم، والأستاذ محمد عبد الجواد الأصمعي، والشيخ أحمد عبد العليم البردوني، والعالم الجزائري إبراهيم اطفيش. ومن الطريف أن الشيخ محمد الخضر حسن شيخ الأزهر كان قد عمل مصححاً في هذه الدار في مقتبل حياته العلمية.

стр. 651

وقد مثلت هذه المرحلة مرحلة نضج وكمال من حيث استكمال الأسباب العلمية، واصطناع الوسائل الفنية المعنية على إخراج التراث إخراجاً دقيقاً يقوم على جمع نسخ الكتاب المخطوطة والمفاضلة بينها، ثم اتخاذ إحدى النسخ أما أو أصلاً، وإثبات فروق النسخ الأخرى، وما يتبع ذلك من إضاءة النص ببعض التعليقات والشروح، وصنع الفهارس التحليلية الكاشفة لكنوز الكتاب، وما يسبق ذلك كله من التقديم للكتاب، وبيان مكانته في المكتبة العربية، وموضعه من كتب الفن الذي يعالجه تأثيراً وتأثيراً، ثم الترجمة لمؤلفه. المرحلة الرابعة: (مرحلة الأفذاذ من الرجال): وأهم رموزها الشيخ أحمد محمد شاكر، وأخوه "شيخ العربية" محمود محمد شاكر، والأستاذ عبد السلام محمد هارون، والأستاذ السيد أحمد صقر. وقد كان ظهور "الرسالة" للإمام الشافعي بتحقيق الشيخ أحمد شاكر سنة ١٩٣٩ م إيذاناً ببدء مرحلة جديد من النشر العلمي للتراث المستكمل لكل أسباب التوثيق والتحقيق، ومرحلة جديدة فيما يظهر للناس في تلك الأيام، ولكنها موصولة الأسباب والنتائج بما سنة الأوائل وأصوله. وقد نشر الشيخ- ﵀ الكتاب عن أصل بخط الربيع بن سليمان صاحب الشافعي، وقد جرى الشيخ في تحقيق "الرسالة" على أعدل المناهج وأقومها من حيث التنبه الشديد لما بين النسخ في فروق، وإضافات النساخ فيما خفي ودق، وربط كلام الشافعي ﵀ في هذا الكتاب بكتبه الأخرى، وتوثيق النقول، وتحرير المسائل، والعناية الفائقة بالضبط، وصنع الفهارس الفنية التي شملت آيات القرآن الكريم، وأبواب الكتاب على ترتيبها، والأعلام، والأماكن، والأشياء من حيوان ونبات ومعدن ونحو ذلك، والمفردات المفسرة في الكتاب، والفوائد اللغوية المستنبطة منه، ومواضيع الكتاب ومسائله في الأصول والحديث والفقه على حروف المعجم. ولكن أهم أنواع هذه الفهارس التي نشرها الشيخ الجليل فهرس الفوائد اللغوية لكون الشافعي حجة في اللغة.

стр. 652

وكل ما قيل عن الشيخ و"الرسالة" يقال عن أعلام هذه المرحلة: محمود محمد شاكر و"تفسير القرطبي" و"طبقات فحول الشعراء"لابن سلام، وعبد السلام هارون وآثار الجاحظ، والسيد أحمد صقر وآثار ابن قتيبة. وغير ذلك من التحقيقات والمؤلفات انتصروا فيها للعربية وأعلوا رايتها. ومن يطالع -مثلاً- تعليقات الشيخ محمود شاكر على "طبقات ابن سلام" و"تفسير القرطبي" يقف على أشياء معجبة في فهم اللغة والبصر بالشريعة ومعرفة بالتفسير وفقه الحديث وتاريخ الرجال، وكل ما شئت من علوم هذه الأمة وفنونها؛ وكأنه رجل قد نشرت أمامه العربية كلها فانتقى منها ما طلب له. هذا المنهج الذي سار عليه الأستاذ محمود شاكر- ﵀ في إخراج كتب التراث وتحقيقها منهج عسير بعيد المنال، تصعب محاكاته؛ لأنه متصل بعقيدة صحيحة وقراءة محيطة وظهور بين على التراث، ولكنه على كل حال قد وجه إلى أعدل المناهج وأقومها في التحقيق والتصحيح. واليوم تبذل عدد من المؤسسات العلمية المتخصصة جهداً مشكوراً في جمع التراث ونشره عبر وسائل التقنية الحديثة: (الحاسب الآلي) و (شبكات المعلومات). وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على بقية خير في هذه الأمة وعرفان بجهد الأوائل. * * *

стр. 653

بنت الشاطئ .. وتحقيق التراث (١) تحقيق النصوص علم له قوانينه وأعرافه ومدارسه، وقد برزت فيه أسماء لعلماء كبار، مستشرقين وعرب- ومن المعروف أن المستشرقين كانوا أسبق منا نحن العرب، في إذاعة تراثاً ونشره- فمن المستشرقين تبرز أسماء: ديرنبورج، ناشر "كتاب سيبويه"، وهو فرنسي، ووليم رايت الإنجليزي، ناشر "الكمال" للمبرد، وتشارلس لايل الإنجليزي، ناشر "شرح المفضليات" للأنباري، وبيغان الإنجليزي، ناشر "نقائض جرير والفرزدق" ومن المستشرقين الإنجليز أيضاً كرنكو، وهو أغزرهم إنتاجاً، وابقارهم أثاراً في نشر النصوص التراثية، ومن المستشرقين الإسبان: كوديرا وريبيرا، ناشرا المكتبة الأندلسية، والمستشرقين الهولنديين: دوزي، وقد نشر نصوصاً أندلسية كثيرة، بجانب عمله العظيم: تكملة المعجمات العربية، ودي خويه، ناشر المكتبة الجغرافية. ومن المستشرقين الألمان: فلوجل، ناشر "كشف الظنون" للحاج خليفة، ثم هو صاحب كتاب "نجوم الفرقان في أطراف القرآن"، وهو أصل المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم الذي صنفه محمد فؤاد عبد الباقي.

стр. 654

ومن أشهرهم وأعلاهم ذكراً: وستنفلد، ولا يدانيه أحد من المستشرقين في كثرة ما نشره من نصوص، وقد قضى عمره كله مكباً على العربية، قي لغتها وأدبها وتاريخها وجغرافيتها، وقد ألف وحقق في ذلك كله نحو مائتي كتاب بين صغير وكبير، ومن أبرز ما نشره: السيرة النبوية لابن هشام، والمعارف لابن قتيبة، ومعجم ما استعجم للبكري، ومعجم البلدان لياقوت. ومن مشاهير المستشرقين الألمان أيضاً: كارل بروكلمان، وهلموت ديتر. ومن المستشرقين الروس: كراتشكوفسكي، ناشر "الأخبار الطوال" لأبي حنيفة الدينوي، ومن أنفس آثاره: تاريخ الأدب الجغرافي العربي. ومن العلماء العرب برزت في هذا المجال أسماء كبيرة، منها في مصر: أحمد شاكر، ومحمود محمد شاكر، وعبد السلام هارون/ والسيد أحمد صقر، وفي سوريا: محمد كردعلي، وعز الدين التنوحي، وعزة حسن، وشكري فيصل، والعلامة أحمد راتب النفاخ- على قلة إنتاجه- ومن علماء العراق: محمد بهجة الأثري ومصطفى جواد، ومن علماء المملكة العربية السعودية: حمد الجاسر، ومن علماء المغرب: محمد بن أبي شنب في الجزائر، وفي تونس: حسن حسني عبد الوهاب، وفي المغرب الأقصى عبد الحي الكتاني ومحمد المنوني. ويبرز من علماء الهند: العلامة عبد العزيز الميمني الراجكوتي، والسيد بدر الدين العلوي، والسيد محمد يوسف، وحبيب الرحمن الأعظمي، وعبد الصمد شرف الدين. هل هو علم الرجال ؟ فهذا العلم إذن هو علم الرجال، لا نكاد نرى للمرأة فيه كبير أثر، ولم تظهر أسماء النساء في هذا المجال إلا من خلال بعض الأطروحات الجامعية، وهو في ميدان تحقيق النصوص باب ضيق جداً، لأن الأصل في تلك الأطروحات الدراسة، ثم يأتي نشر النصوص ملحقاً بتلك الدراسة وذيلاً لها.

стр. 655

ونقرأ من أسماء المحققات وناشرات النصوص عددا محدوداً من الأسماء، ففي مصر: سيدة كاشف، التي شاركت في نشر كتاب "المغرب في حلي المغرب" قسم مصر، لابن سعيد، وفوقيه حسين محمود، التي نشرت من آثار إمام الحرمين الجويني: "لمع الأدلة في قواعد أهل السنة والجماعة" و"الكافية في الجدل"، وهدى قراعة، التي نشرت: "ما ينصرف وما لا ينصرف" للزجاج، و"معاني القرآن" للأخفش. وفي البلدان العربية أيضاً، برزت أيضاً أسماء محققات نابهات، ففي العراق: ابتسام مرهون الصفار، وفاطمة حمزة الراضي، وناجية عبد الله إبراهيم، وبهجى عبد الغفور الحديثي، وفي سوريا: أسماء الحمصي، ودرية الخطيب، وناديا علي الدولة، وفي الكويت: سهام الفريح، وفاطمة الراجحي. ويدور معظم نشاط هؤلاء النسوة في مجال الدراسات الجامعية، ولا أعرف من النساء من مدت يداً في نشر التراث خارج هذه الدائرة إلا الأدبية اللبنانية وداد القاضي، التي زاحمت كبار المحققين الرجال، ولا عجب في ذلك، فقد تلقت أصول هذا الفن على يد شيخها إحسان عباس، وقد أعانته في نشر موسوعات تراثية كبار، مثل: وفيات الأعيان، وفوات الوفيات، وذخيرة ابن بسام، ونفح الطيب، ومن أبرز تحقيقات وداد القاضي: "البطائر والذخائر" لأبي حيان (عشرة أجزاء)، وكان نشرها هذا الكتاب عزمة من عزماتها، إذ كان أحمد أمين والسيد أحمد صقر قد نشرا منه جزءاً واحدا عام ١٩٥٣ م ثم توقفا عن نشره، ومن تحقيقاتها أيضاً: الأجوبة المسكتة، لابن أبي عون، والإشارات الإلهية لأبي حيان، ورسالة افتتاح الدعوة للقاضي النعمان، كما شاركت في نشر كتاب "الوافي بالوفيات" للصدفي، بتحقيق الجزء السادس عشر. ومن هؤلاء النسوة اللاتي عملن في تحقيق النصوص خارج دائرة الدراسة الجامعية: العراقية خديجة الحديثي، فقد نشرت "ديوان أبي حيان النحوي"، ثم شاركت في تحقيق "البرهان في وجوه البيان" لابن وهب، وهو ذلك الكتاب الذي

стр. 656

نشر قديماً خطأ باسم: نقد النثر لقدامة بن جعفر، و"التبيان في علم البيان" لابن الزملكاني، و"البخلاء" للخطيب البغدادي. ثم السورية سكينة الشهابي، التي حققت "تلخيص المتشابه في الرسم وحماية ما أشكل فيه عن بوادر التصحيف والوهم" للخطيب البغدادي، وكتاب "وجوه القرآن" لإسماعيل بن أحمد الضرير النيسابوري الحيري، و"المنتخب من كتاب أزواج النبي ﷺ " للزبير بن بكار، والجزء الخاص بتراجم النساء من "تاريخ دمشق" لابن عساكر. وفي عالم الاستشراق برزت أيضاً أسماء نساء عملن في مجال تحقيق النصوص ونشرها، منهن الفرنسية جاكلين سوبليه، التي نشرت الجزء العاشر من "الوافي بالوفيات" للصدفي، و"تالي كتاب وفيات الاعيان" للصقاعي، وهو في تراجم من توفي بمصر والشام من سنة ٦٦٠ هـ إلى ٧٢٥ هـ، والفرنسية جانين سورديل، التي نشرت "الإشارات إلى معرفة الزيارات" للهروي الرحالة، والإسانية مانويلا ماريني، ونشرت "كنز الفوائد في تنويع الموائد" وهو في علم الطبيخ، لمؤلف مجهول والإيطالية مارينا نللينو، وقد نشرت ديوان النابغة الجعدي ﵁، وهي ابنة المستشرق الكبير نيللينو، صاحب "تاريخ الفلك عند العرب"، وله دراسات في تاريخ اليمن والمعتزلة، وهو من المستشرقين الذين درسوا في الجامعة المصرية، وفي أول نشأتها. وكذلك الإيطالية كليليا سارنيللي، وقد نشرت جزءاً من "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" للإدريسي، والألمانية سوسنة ديفيلد- فلزر- وقد نشرت "طبقات المعتزلة" لأحمد بن يحي بن المرتضى، والألمانية دورتيا كرافولسكي، وقد شاركت في نشر "مسالك الأبصار" و"الوافي بالوفيات"- الجزء السابع عشر، ثم تأتي من تايوان مستشرقة جادة، تسمى: هدى جنهويتشي، فتشر ديوان عامر بن الطفيل، نشرة جيدة. فهؤلاء أبرز النساء اللاتي عملن في ميدان تحقيق النصوص ونشرها، وتبقى

стр. 657

الملاحظة التي ذكرتها من قبل وهي أن معظم نشاط هؤلاء النسوة إنما كان في مجال الدراسات الجامعية، فلم نجد عند واحدة منهن أعمالاً خارجية عن هذه الدائرة، كتلك الأعمال التي نهض بها الرجال، إلا ما كان من أمر وداد وخديجة وسكينة. وفي رأيي، أن ذلك الإحجام من النساء عن خوض هذه اللجج إنما يرجع إلى جهد المؤنة وعناء المكابدة التي يلقاها من يتصدى لتحقيق النصوص ونشرها، لأن العمل في هذا المجال محوج إلى مراجعات كثيرة في بطون الكتب، ومفاتشة المصادر، ومعرفة التعامل معها واستنطاقها، ثم هو عمل يحتاج إلى صبر شديد وحسن أناة، ودربة على قراءة المخطوطات، وفك معمياتها، ثم ما يكون من التعليق على النص وإضاءته وربطه بالكتب التي تدور في فلكه، أو تكون منه بسبب، ثم صنع الفهارس الفنية الكاشفة كنوز الكتاب، وكل ذلك مما لا يقوى عليه ولا يقوم به إلا أولو العزم من الرجال. مرحلة النشر العلمي: ثم نأتي إلى العالمة الأديبة الراحلة "عائشة عبد الرحمن" الملقبة "بنت الشاطئ"، ولها في تاريخ نشر النصوص مكان ومكانة، وقد دلفت إلى ذلك المجال التراثي من باب الدراسات الجامعية أيضاً؛ ولكنها دخلت ولم تبرح، فقد أقامت أطروحتها للدكتوراه، بعنوان "الغفران- دراسة نقدية، مع تحقيق رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، و"الرسالة" هذه أشهر آثار أبي العلاء، وأخلدها على الأيام، وكان المشرف على هذه الأطروحة الدكتور طه حسين، وقد نوقشت في الخامس من أبريل عام ١٩٥٠ م، بكلية الآداب- جامعة فؤاد الأول (القاهرة)، وأجيزت بتقدير "ممتاز"، ثم حصلت بهذا التحقيق على جائزة مجمع اللغة العربية في تحقيق النصوص. وأحب أن أنبه هاهنا إلى أن بنت الشاطئ حين أقدمت على تحقيق هذا النص- وكان ذلك في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات- كان تحقيق النصوص قد استقر علماً له مناهج ومدارس، وكان المستشرقون قد مدوا فيه يداً مبسوطة، وفي

стр. 658

وفي البلدان العربية الإسلامية، كان نشر النصوص قد انتقل من مراحله الأولى- أعني مرحلة مطبعة بولاق ومطابع استنبول والشام، ثم المطابع الأهلية المصرية والناشرين المصريين والشوام الذين وفدوا إلى مصر، واتخذوها دار مقام، كالحلبي والخانجي ومحمد منير الدمشقي، وحسام الدين القدسي، والخشاب، انتقلوا من هذه المرحلة إلى مرحلة النشر العلمي، من حيث التوثيق وجمع النسخ المخطوطة، ثم دراسة الكتاب المحقق وبيان مكانته في المكتبة العربية وفهرسته، وكانت ديار مصر في ذلك الوقت بالذات تؤسس هذا العلم وتقيمه على عمد ثابتة، وذلك فيما عرف بمدرسة أحمد زكي باشا شيخ العروبة، ودار الكتاب المصرية، ثم مرحلة الأفذاذ من الرجال (أحمد محمد شاكر، ومحمود شاكر، وعبد السلام هارون، والسيد أحمد صقر)، وقد فصلت ذلك كله في كتابي: "مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي" فكانت جرأة عالية، وهمة جسورة من بنت الشاطئ أن تبحث لها عن مكان بين هؤلاء الأفذاذ من الرجال في ذلك الزمان. وقد اقتحمت وما وهنت وما قصرت، فقد أخذت للأمر أخذه، وأعدت له عدته، فجمعت أصح النسخ وأوثقها من "رسالة الغفران" المخطوطة، ثم عرضت للنشرات السابقة من الرسالة، وكشفت عن أوجه النقص فيها، ثم قدمت نصاً محرراً مضبوطاً، مضاء ببعض التعليقات، وأزالت عنه عوادي الناس والأيام، ولئن كان بعض شيوخ التحقيق قد عرضوا لعملها فيما بعد بالنقد والتصحيح، فسيظل لهذا العمل مكانته في خدمة تراث أبي العلاء، ثم في تاريخ المكتبة العربية كلها. وقبل أن أستطرد إلى ذكر باقي الأعمال التراثية لبنت الشاطئ، أحب أن أقف عند أمرين، لابد من بيان القول فيما، لما نراه الآن من اضطراب وتخليط في أمر تحقيق النصوص: الأمر الأول: أن بنت الشاطئ لم تقدم على تحقيق "رسالة الغفران" إلا بعد أن عاشت مع أبي العلاء، وخبرت حياته ونفسيته، وعرفت لغته ومدارج القول عنده، وقد أنبأتنا هي أنها عرفت "رسالة الغفران" أيام الطلب حين قرأتها مع أستاذها طه

стр. 659

حسين بالجامعة، في طبعة "أمين هندية" وهي طبعة مؤوفة، غير محررة، ثم أخرجت لنا أعمال حول أبي العلاء: الحياة الإنسانية عند أبي العلاء- مع أبي العلاء في رحلة حياته- أبو العلاء العمري. وهذا درس جيد لمن يروم تحقيق نص من نصوص التراث: أن يعيش مع مؤلفه، فيخبر حياته وأسلوبه، ويعرف مكانة كتابه في فنه، ثم صلته بالكتب العربية الأخرى، وهكذا صنع الشيخ أحمد محمد شاكر حين أخر "الرسالة" للشافعي، وشيخنا محمد شاكر حين أخر "طبقات فحول الشعراء" لابن سلام، وأستاذنا عبد السلام هارون يوم أن توفر على كتب الجاحظ، والسيد أحمد صقر، يوم أن أظهر كتب ابن قتيبة، والشيخ بهجة الأثري حين أخرج "خريدة القصر" وعبد العزيز الميمني الراجكوتي في تحقيق "سمط اللآلي"، وكذلك كان صنيع المستشرقين. أما ما نراه اليم جرأة بعض خلق الله على نشر كتب التراث دون معرفة سابقة، أو دون إلف ومخالطة للمؤلف، فشيء يأباه العلم، ولا يقدم للتراث شيئاً ذا بال، وأستطيع أن أقول دون توقف أو تردد: إن كثيراً من هذا الذي يخرج الآن من تراثنا محققاً لا صلة له بالعلم، ولا بعلم تحقيق النصوص، سواء كان هذا الذي يحقق لدراسة جامعية للحصول على شهادة عليا، أو كان نشراً علمياً يراد به العائد المادي ليس غير. الأمر الثاني: وهو وثيق الصلة بالأمر الأول، أن بنت الشاطئ خاضت لجة هذا البحر، وهي مؤمنة بقضية كبرى، وهي قضية ذلك التراث العربي، وواجبنا نحو إبرازه وإضاءته، لتقوم عليه الدراسات الصحيحة، فلا دراسة صحيحة مع غياب النص الصحيح المحرر. الإرث العظيم: ويتصل بتلك القضية الإيمان بقيمة ذلك الإرث العظيم الذي انتهى إلينا، وما فتئت بنت الشاطئ تصرح بذلك فيما دق وجل من كتاباتها، وأعرف بعض من

стр. 660

يشتغلون بنشر النصوص لا يؤمنون بذلك التراث، بل يسخرون منه ويستهزئون به إذا خلوا إلى شياطينهم، ولكنها الضرورة الملجئة، وسبحان ربك رب العزة الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ولقد عادت بنت الشاطئ مرة أخرى إلى صاحبها أبي العلاءـ، فنشرت له أثراً غالياً من تراثه، وهو كتاب " الصًاهل والشاحج"، ويتكلم فيه أبو العلاء، على لسان فرس وبغل، وقد نشرته عن نسختين أصليتين موثقتين، احتفظت بهما الخوانة الملكية بالرباط، وللمغاربة فضل عظيم في الحفاظ على مخطوطات نفسية ذوات عدد، من تراثنا الموزع في مكتبات العالم، وقد قدمت بنت الشاطئ لتحقيق هذا النص بدراسة ماتعة، شملت مدخلاً تاريخياً، وآخر موضوعياً، ثم قارنت بين كليلة ودمنة والصاهل والشاجح. ومن القضايا التي شغلت بنت الشاطئ زمناً طويلا، وما زالت تعتادها وتكرر القول فيها، وتستأنف حولها كلاماً لأدني ملابسة: قضية توثيق المرويات النقلية التي وصلت إلينا في الأمر شفاهاً إلى عصر التدوين، وهذه المرويات قد تعرضت لهزات عنيفة، وبخاصة ما يتصل بقضية الشاعر الجاهلي، والقول بانتحاله ووضعه بعد ظهور الإسلام، وهي القضية التي أزعجت الجلة من شيوخنا، وعلى رأسهم شيخنا محمود محمد شاكر، وقد رأي هؤلاء الشيوخ التسليم بالشك في الشعر الجاهلي يقضي- لا محالة- إلى الشك في مرويات أخرى جاءتنا مشافهة، كنصوص السنة النبوية والسيرة الشريفة والنبوية، وكتب تاريخ الصحابة، وعلوم الإسلام كلها. وقد وجدت بنت الشاطئ ضالتها ومفزعها عند علماء الحديث، فيما أصلوه من قواعد منهج توثيق المرويات، وفحص الأسانيد، ونقد المصادر، فيما عرف بعلم الجرح والتعديل، ثم وقفت عند كتاب واحد من كتب علوم الحديث، ورأت أنه جدير بالنظر والخدمة والتحقيق، وذلك هو "مقدمة ابن الصلاح" وهو تقي الدين عثمان بن عبد الرحمن المتوفى سنة (٦٤٣ هـ)، وقد رأت في هذا الكتاب مجلي ذلك العلم، فنهدت لنشرة نشرة علمية، فجمعت منه أصولاً خطية موثقة جيدة، ثم صدرته

стр. 661

بمقدمة محكمة، أبانت فيها عن مناهج الحدثين، ثم نقدت النشرات السابقة للكتاب، وقد رأت من تمام الفائدة أن تلحق بالكتاب نصاً يتصل به، هو: "محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح" لسراج الدين عمر بن رسلان البلقيني المتوفى سنة (٨٠٥ هـ)، ومن أعمال بنت الشاطئ التراثية أيضاً تحقيق الجزء الثالث من "المحكم في اللغة" لابن سيده. فهذه نصوص أربعة من أصول علومنا، نهضت بها بنت الشاطئ، تحقيقاً وضبطاً، مع تأليفها لكتاب نافه، هو: " ترثنا بين ماضٍ وحاض"، ولولا اشتغالها بالتدريس والتأليف لكان لها في ميدان تحقيق النصوص أثر كبير. ولا يبقى من حديث الدكتورة بنت الشاطئ إلا أمر شغلني زماناً، ولا زلت في عجب منه إلى يوم الناس هذا: إن بنت الشاطئ لا تفتأ تذكر فصل شيخها وزوجها الأستاذ أمين الخولي، فهو الذي علمها كيف تقرأ، وهو الذي هداها إلى المنهج، إلى أشياء كثيرة تسليمها كلما جاء ذكر الشيخ لكني أجد مباينة بين التلميذة وشيخها فيما يتصل بالبيان وطرائق القول- أو فن القول، كما كان الشيخ يقول- فأسلوب بنت الشاطئ أسلوب عذب ندى، يترقرق فصاحة وصفاء وإشراقاً، وهو أسلوب ترى فيه أثر القرآن الذي تلقته صبية من فم أبيها الشيخ الصوفي، ثم هو من بعد ذلك أسلوب عال موصول بالنسب أصحاب البيان، كالجاحظ وأبي حيان ومصطفى الرافعي ومحمود محمد شاكر. أما أسلوب الشيخ، فهو أسلوب حاد صارم، كأنما يستمد صرامته من صرامة المنهج الذي أخذ به نفسه، وهو ذلك المنهج الذي ما زال تلاميذه يحمدونه له، ويجهرون به ويردونه إليه، ولو شئت لقلت: يبجحون به (أي يفتخرون)، وهؤلاء الكتاب الذين يسرفون في قيود ما يسمونه المنهج وضوابط، ويصعب عليهم- عن عمد أو غير عمد- أن يرطبوا ألسنتهم، أو يزينوا أقلامهم بشئ من نداوة الكلام وسماحته ويسره، كأنهم يريدون أن يظلوا بمنجاة من الذاتية أو التأثيرية (أو كلام الإنشا) فتأتي عباراتهم وفيها قدر غير يسير من الجفاف والعسر، لأنهم يغرقون في

стр. 662

العقلانية، وقد نجا من هذه المهواة كثير من الأدباء قديماً وحديثاً، منهم أديب العربية الكبير أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، فكتبه تعلم العقل- كما يقول أبو الحسن المسعودي- ثم هو أمير البيان العربي غير مزاحم ولا مدفوع. وقد اعترف تلاميذ الشيخ أمين الخولي بذلك، فيقول الدكتور حسين نصار: "ووصلت الدقة بعبارة الخولي أنه كان يتعب قارئه أشد التعب، ليصل به إلى المفهوم الدقيق الذي يريده"، ويقول أيضاً: "وعلى الرغم من ذلك يجب الاعتراف بأن من لم يتصل به في أعماله ويتابع أفكاره، ويألف لغته، كان يجد مشقة في فهمه"، انظر كتاب الدكتور حسين نصار: أمين الخولي ص ٤٠ و ٩٢ - المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة ١٩٩٦، ولله في خلقه شؤون. رحم الله بنت الشاطئ رحمة واسعة سابغة، وجعل كل ما قدمته لتراثها ولدينها في موازينها يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً.

стр. 663

الرسائل الجامعية .. و .. ساعة ثم تنقضي (١) الدراسات العليا الجامعية هي أعلى دراجات السلم التعليمي، وهي ذؤابته وسنامه، وهي غاية كل طالي علم ومنتهى أمله، ثم هي الصورة الصادقة للأمم وحظها من التقدم والرقي، ولجامعاتنا المصرية في ذلك قدمه وتاريخ وأثر (يسعدني كثيراً أن أرى في المؤتمر العام لمجمع اللغة العربية بالقاهرة الأستاذ الدكتور شوقي ضيف، وعن يمينه الأستاذ الدكتور ناصر الدين السيد، وعن يساره الأستاذ الدكتور شاكر الفحام، وهما من تلاميذه، ومن أعلام الأمة العربية). والذين شاهدوا مناقشة الرسائل الجامعية في الخمسينات والستينات ثم يشاهدونها الآن فروقاً واضحة بين ما كان وما هو كائن، وليست من الذين يرون الماضي خيراً كله، وأن الحاضر شر كله، ففي الناس بقايا خير، كما يقول الحافظ الذهبي (سير أعلام النبلاء ٧/ ٢٥٠) ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجة، كما يقول العز بن عبد السلام (البرهان في علوم القرآن للزركشي ١/ ٣٧٩)، ولكننا بإزاء مقارنة وموازنة ليست في صالح الحاضر. ولست أريد من هذه الفروق، الفروق العلمية، فلذلك حديث آخر، وإنما أريد تلك الفروق التي تتصل بالهيئة التي تتم بها مناقشة الرسائل، ثم بأسلوب بعض الأساتذة المناقشين في استقبال ذلك الأمر الجليل، وطريقتهم في إدارة الحوار.

стр. 664

وأول ما يلقاك أيها القارئ الكريم من ذلك في الماضي تلك الهيبة الخاشعة التي تحف بأعضاء هيئة المناقشة حين يدخلون القاعة؛ لأنهم قضاة، ومجالس القضاء مصحوبة دائماً بمظاهر الجلال والوقار، ويظل أعضاء المناقشة مدة المناقشة كلها على هذا الحال من الجد والصرامة، أذكر يوماً حضرت فيه مناقشة، وكان رئيس الجلسة الأستاذ عباس حسن رحمة الله، وكان فيه بأو وصرامة، وحين استقر على المنصة هو وزميلاه نظر فوجد باقات من الورد أمامه وأمام الطالب، استدعى العامل، وقال له، ارفع هذا، هل نحن في فرح؟ ويسري هذا الجد إلى الحضور جميعهم، فلا كلمة ولا تعليق، ولا تسمع إلا همساً، وإذا بدا للطالب أن يتظرف ليخفف من حدة مناقشة، أعيد بقسوة إلى حالة الوقار والجد، أذكر مرة للأستاذ عباس حسن أيضا، أنه ورد على الطالب ملاحظة تتصل بالدقة في نقل الأرقام من المصادر، فقال للطالب: أنت ذكرت رقم الصفحة (٢٤٥) والصواب: (٢٥٤)، فقال الطالب: لا بأس يا أستاذنا، فقد حصل فيها قلب مكاني! فما كان من الأستاذ عباس حسن إلا أن نهره بقوة، وقال: عيب يا ولد (القلب المكاني في علم الصرف هو تقديم حرف على حرف، ومثاله في الفصحى: جذب وجبذ، وجاه ووجه، وفي العامية: أراني وأنارب، ومسرح ومرسح، وزنجبيل وجنزبيل). ثم لم يكن يسمح فيما مضى لأحد من الحضور أن يعلق على ما يدور من مناقشة، بل لم يكن الحديث يتجه إليهم أصلاً، وإنما الكلام بين المناقشين والطالب ليس غير، ثم لم يكن يسمح للأطفال بحضور تلك المناقشات. أما اليوم، فالأساتذة يدخلون في موكب بهيج من الضحك والانبساط والتطلق، ويسري هذا كسابقة إلى الحضور، فترى القاعة تموج بالانشراح والبهجة والتعليقات الحلوة، والأطفال يتقافزون ويمرحون في القاعة، وقد جئ بهم ليروا (بابا) في يوم عُرسع، والنساء يزغردون عند إعلان النتيجة، بل إني سمعت إحداهن تنشد لقريبها الطالب:

стр. 665

يا شجره يا حلوه يا مفرعه ... شرفت أعمامك الأربعة وهكذا والله. ثم تجري المناقشة مصحوبة أيضاً بتلك الحال من البهجة والتطلق، والمزاح مع الطالب، ونعم نحن نتبسط مع أبنائنا في المرحلة الجامعية الأولى، بلون من المفاكهة، لندفع عنهم أسباب الملال، ثم لنغريهم باستقبال ما يرد عليهم من ألوان العلم، أما في هذا اليوم الكبير فلا، وإن جاء شئ من ذلك فيكون في أضيق الحدود. وأسوأ ما يكون هو التوجه إلى الحضور بنوع من طلب الرضا والاستحسان، أو التماس والتأييد والنصرة، وكل ذلك يجر إلى المشاركة في المناقشة، وهذا عيب قادح فادح، فالكلام في هذه المواطن إنما يكون للجالسين على المنصة والطالب ليس غير. أما ما يكون من تقارض الثناء بين أعضاء المناقشة، فهو باب واسع جداً، وأظهر ما فيه قول المناقش الثاني: إن زميلي الجليل الذي سبقني قد كفاني مؤونة الكلام في كثير من القضايا، وهذا كلام قد يكون صحيحاً، ولكن استفاضته وتفشيه وتتابع المناقشين عليه أذهب الثقة به. فهذا ما كان حديث المقارنة بين الهيئة التي كانت تتم عليها المناقشات في الماضي، والهيئة التي تتم عليها الآن. حديث عجيب: أما الحديث عن أسلوب بعض الأساتذة المناقشين في استقبال ذلك الأمر الجلل، وطريقتهم في إدارة الحوار، فهو حديث عجب، ولا سبيل إلى استقصائه وبلوغ الغاية منه، وأول ما تأتيك به المقارنة بين ما كان وما هو كائن في هذا الصدد: أن الأستاذ المناقش فيما مضى كان يدخل إلى المناقشة وهو محتشد، قد أخذ للأمر عدته، وجمع له أدواته، وكانت مناقشته، تطول جداً؛ لأنه أعطى الرسالة حظها من

стр. 666

النظر والتأمل، فقرأها كلها، أما اليوم فأنت تحس من أول لحظة بأن الأمر هين، بل هو بالغ السهولة. وبدءه ذي بدء ذي بدء فإني أقول بحق وبصدق إن كثير من الأساتذة الجامعيين علماً، ولكنهم لا يخرجونه، ليس ضناً به ولا كزازة، ولكنهم لا يبذلون جهدًا في قراءة الرسالة الجامعية، لأنهم يزنون الأمور بميزان العائد المادي، فماذا تعطيك الرسالة من المال؟ إن كتابة ثماني صفحات في مجلة كذا تعطيك ثمانمائة جنيه (٨٠٠) مع الشهرة والرنين، ونعم إن الكتابة في هذه المجلة الغنية لا تتاح لكثير منهم، لكن هناك وجوهاً أخرى من الكسب تعطي أجزل مما تعطيه الرسالة الجامعية، ولذلك فإن بعضهم لا يقرأ الرسالة كلها، بل يكتفي منها بصفحات قليلة، يوزعها على امتداد الرسالة أثلاثاً أو أرباعاً، فلا يخرج علمه كله، فهو كما قال الله تعالى: ﴿ولا يُنفِقُونَ إلاَّ وهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤]. وعدم قراءة الرسالة كاملة يفضي أحياناً إلى خلل شديد، أعلم يقيناً أن رسالة جامعية للدكتوراه نوقشت وأجيزت بمؤتبة الشرف الأولى، وقد اكتشف الطالب بعد المناقشة أنه سقط منها في أثناء التجليد نحو مائتي ورقة، وكان موضوع الرسالة تحقيق نص من نصوص النحو، وفي الغالب لا يقرأ الأساتذة النصوص المحققة كلها، وهذا هو الذي حجب عنهم اكتشاف هذا السقط. ومن أمارات الاستخفاف أن بعض الأساتذة يصرح في أول مناقشته بأنه اعتاد ألا يتجاوز ساعة واحدة، كأنه يريد أن يطمئن المشرف والمناقش الثاني والجمهور والطالب، ويظل الحضور ينظرون في ساعتهم. وحين توشك الساعة أن تنقضي يرتفع صوت واحد من الحاضرين: الساعة خلصت يا دكتور، فيرد عليه الدكتور: لا ياخويا، فاضل دقيقتين، ساعتك غير مضبوطة، ويتضاحك الجميع. ومن هنا فقد زالت أسباب الخوف والهيبة عن كثير من الطلبة، وأصبح بعضهم يُنشد بعضًا: وما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويذهب هذا كله ويزول

стр. 667

ولكن الفرق بين "ساعة" ذلك الدكتور و"ساعة" هذا الشاعر فرق كبير، فساعة الدكتور ساعة زمانية، ستون دقيقة ليس غير، أما ساعة الشاعر فيراد بها مطلق الوقت، الذي قد يتجاوز مدى الساعة الزمانية. ومن أعجب ما رأيته من علامات الاستخفاف أن زميلاً كان يناقش بجواري فقال للطالب: والله يا بني أنت حظك حلو، أنا قرأت رسالتك في القطار! قطار يا دكتور؟ كيف يحدث هذا؟ ألا تحتاج إلى مرجع تعوّل عليه أو تصحح منه؟ ولهذا يدخل الطالب لجنة المناقشة محتشدًا جامعًا، حتى إذا رأى ذلك كله سكن رُوعه، وهدأت نفسه، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي العَذَابِ المُهِينِ (١٤)﴾ [سبأ: ١٤]. والسَّوأة السَّوآء، بعد ذلك هي هذه العامية القبيحة التي يستكثر منها بعض المناقشين، ويدير عليها حواره كله، فتسمع مثلاً أمثال هذه العبارات: واخد بالك من الحتة دي-خد بالك من الرأي دوّتْ-كده هوّت- إحنا بنتكلم عشان خاطر نعلمك يا بني- نبض نلاءي (أي ننظر نلاقي). هذا شيء محزن حقًا، لا ينبغي السكوت عليه أو المصانعة فيه، ونحن نلم أحيانًا بالعامية في أسلوب الربط، ولكنها العامية المقبولة، التي تأتي في حدود الضيقة، إنه يكاد يسري في أثناء المناقشة كلها، إنك لو أغمضت عينيك، وسمعت بعض المناقشين لظننت أنك في موقف أحمد حلمي أو القُللي، والمنادي ينادي: واحد دكرنس، واحد المنصورة، وقد سرت هذه العدوى إلى شباب المعيدين، طلبت يومًا من أحدهم شيئًا، فقال: حاضر يا عسل! فقلت: ما هذا يا بني؟ لا ينبغي أن تستعمل مثل هذه الألفاظ، فقال: لقد سمعتها من فلان وفلان وفلان، وذكر أسماء كبيرة، فلكا سمعت هذا قلت له: خلاص يا حلاوة-براءة- أنت كده في السليم، فنظر إلي نظرة انتصار، فهممت أن أقول له: "متبصليش بعين رديَّة شوف إيه اللي عملته في شرح الألفية" (بالمناسبة أنا مدرس نحو، أدرس لطلبتي شرح ابن عقيل

стр. 668

على ألفية ابن مالك، ولا أرضى به بديلاً)، وهكذا يتسلل إلينا البلاء، وتسري بننا العدوى، فلا نملك لها صرفًا ولا تحويلاً: تثاءب عمرو إذ تثاءب خالد ... بعدوى فما أعدتني الثُّؤَباءُ ورحم الله شيخنا أبا العلاء، والبيت من قصيدة باذخة، اطلبها في اللزوميات، واقرأها وأقرئها تلاميذك. ومع هذه العامية البغيضة التي ذكرتها، فإن بعضهم يتحرى الفصحى، ولكنه يُخلِّط تخليطًا شديدًا في أبنية الأسماء والأفعال، ثم يلحن ولا يعطي الإعراب حقه. وإذا كنا قد أخذنا على بعض المناقشين الليونة والاستخفاف، فإننا نأخذ على بعضهم أيضًا اصطناع الشدة والقسوة، واللجوء إلى الصياح والجبلة وقعقعة السلاح، والنظر إلى الطالب على أنه ذبيحة يتناولها بالمدى والسكاكين، ومحاولة إحراجه وإلجائه إلى أضيق الطرق، ثم ما يكون من تضييع الوقت في أشياء هينة، كالحديث عن علامات الترقيم والأخطاء المطبعية، والفرق بين المصادر والمراجع، ثم التهويش بما لا دليل عليه، كأن يقول المناقش: لقد سكتُّ عن أشياء مهمة لضيق الوقت! إن الأشياء المهمة يا زميلي العزيز لا ينبغي تجاهلها أو السكوت عليها، وإلا فلم كانت هذه المناقشات العلنية؟ ثم إن مثل هذا الكلام يوقع الطالب في حرج: لأنه يوحي للحاضرين أنه قد وقع في الخطأ إلى أذنيه، ثم هي إلصاق تهم لا يستطيع أن يدفعها عن نفسه. وأمر آخر خطير جداً: إن المشرف قديمًا كان يشترك مع زملائه في مناقشة الطالب، وتدور مناقشته حول مخالفة الطالب عن أمره فيما رسمه له من خطة الرسالة، أو بأنه حين قرأ الرسالة كاملة ظهرت له جهات من النقص يرى ضرورة تنبيه الطالب عليها، وأذكر أن الأستاذ عمر الدسوقي، وكان مشرفًا على أخي وعشيري عبد الفتاح الحلو، رحمهما الله جميعًا، أذكر أنه حمل عليه حملة شديدة في المناقشة، فاقت مناقشة الآخرين: الدكتور عبد الحكيم بلبع ﵀، والدكتور عبد القادر القط، أطال الله في عمره. أما الآن فالمشرف يتعصب جدًا للطالب،

стр. 669

ويسوؤه أن يعرض له أحد بنقد أو ذم، وكأنه هو كاتب الرسالة، وهذا لا يصح، فالمشرف يجب عليه أن يخلي بين الطالب ومناقشيه إلا إذا اقتضى الأمر توضيح مبهم، أو رفع التباس، ويحسن أن يكون هذا بعد انتهاء المناقشة، حتى لا يسقط الثقة بالمناقشين. ومن أسوأ ما تراه الآن من تعصب بعض المشرفين أنه إذا رأى حدة من بعض المناقشين اتجه إلى الطالب وغمز له بعينيه، يعني "فوِّت"، وهذا شيء رديء جدًا، يراه الحاضرون بوضوح، ويخرجون يتندرون به، فيقولون: "شفت لما الدكتور غمز له بعينه"! هأْ هَأْ هَأْ. لا يجوز: ومن هموم هذه المناقشات الجامعية أيضًا: أن بعض الرسائل تتناول شخصيات معاصرة تعيش بيننا الآن، وتدعى تلك الشخصية لحضور المناقشة، وفي رأيي أن ذلك لا يجوز لأنه ربما تعرض أحد المناقشين لنقد تلك الشخصية أو القسوة عليها، فيكون في ذلك حرج على الجميع، وأذكر أن صديقًا لنا أعد رسالة عن شيخنا محمود محمد شاكر-برّد الله مضجعه- وكان ذلك في حياته، ودعي شيخنا لحضور المناقشة، فأبى وقال: لا أحب أن أضع الأساتذة في حرج، أو أضيق عليهم سبل القول. وما بقي من شجون هذه المناقشات الجامعية إلا أمران: الأول: تقدير درجة الرسالة، وفي هذه المسألة مداخلات كثيرة، أعرف بعضها وأعرض عن بعض، فالذي أعرفه منها: أن بعض المناقشين- بدواعي إدخال السرور على المشرف والطالب والحضور- يوحي في أثناء المناقشة بما سيكون عليه التقدير، حتى إذا أعلن يكون قد فقد حرارة المفاجأة ونشوة الفوز، ومن ذلك أن درجة الامتياز ومرتبة الشرف الأولى قد كثرتا جدًا، ولو أجريت إحصاء بين الامتياز وجيد جدًا، لوجدت الدرجة الأخيرة ضئيلة بالنسبة إلى أختها.

стр. 670

ومن أعجب العجب أن المناقشة تكون حامية جدًا، ويُدخل المناقشان وجوهًا من النقص كثيرة على الرسالة، ثم تخلو اللجنة للمداولة، وتكون المفاجأة حصول الطالب على الامتياز أو مرتبة الشرف الأولى (ويا دار ما دخلك شر)، وأذكر أني كنت أناقش طالبًا في رسالة دكتوراه، ووجهت إليه أنا وزميلي مؤخذات كثيرة، وحين خلونا إلى تقدير الدرجة أصرّ المشرف على مرتبة الشرف الأولى، وأصررت أنا وزميلي على التي هي دونها، فغضب المشرف غضبًا شديدًا، فقلت له: أيها الزميل العزيز، ألست ترى أننا وجهنا إلى الرسالة سهامًا كثيرة؟ فقال: بلى، فقلت: وأنت تصر على أن تعطيها الدرجة العليا، قال: نعم، قلت: ما رأيك لو جاءتنا رسالة أخرى بهذا العنوان والموضوع وقد خلت من كثير من المؤخذات التي أخذناها على رسالة تلميذك، ماذا كنا نعطيها من التقدير؟ فحار وأَبْلَس، ثم قال: خلاص يا دكتور، اعمل معروف متحرجنيش مع الطالب! . ومن الأمور المؤسفة أيضًا: أن الطالب حين يحصل على تقدير لا يعجبه يواسيه المشرف قائلاً: والله يا بني أنا كنت عاوز أعطيك التقدير الذي تحبه، ولكن الزملاء غلبوني على أمري، وهذا لا يصح لأن رأي اللجنة جماعي، والمجالس أمانات. ومن قضايا تقدير الدرجة: التفرقة أحيانًا بين المعيد الذي يعمل داخل الكلية، وبين الطالب الذي يتقدم من الخارج، فالأول يعامل برفق، ويدخل إلى حلبة المناقشة هادئًا مطمئنًا لأنه يعرف ما سيؤول إليه أمره، والثاني هو ونصيبه، وما ذلك إلا لأن المعيد يُنظر إليه على أنه زميل المستقبل، وبعض الكفار يحبون أن يتخذوا يدا عند الصغار، ولله في خلقه شؤون. ونعم إن بعض الشرفاء لا يعرفون هذه التفرقة، ومن ذلك ما حدث أخيرًا في كلية دار العلوم، حين أصر بعض الأساتذة على رفض رسالة دكتوراه قدمها مدرس مساعد بالكلية، لأنه قد ظهر أن الرسالة مسلوخة من كتب بعض الأساتذة، والغريب أن ذلك السارق قد وجد من يساعده وينتصر له من داخل الكلية، وبالله نستدفع البلاء! وهذا السارق إنما جرأه على السرقة وأغراه بها أنه وجد بعض الأساتذة الكبار
следующие страницы →