Полный текст (201 стр.). Показаны 176–201 · переход к 181.
стр. 176
عُنَيْزَةُ أرضٌ أو جَبَلٌ؟ فَأَما قَوْلُهُ:
تَراءَتْ لَنَا يوماً بِسَفْحٍ عُنَيْزَةٌ
فهو جَبَلٌ.
قَوْلُهُ: «وقد مالَ الغَبِيْطُ بنا مَعَاً»؛ أي: مَيْلةً وَاحِدَةً فِي زَمَنٍ واحدٍ، وَهُوَ مُمْكِنٌ، بَلْ وَاجِبٌ.
فأما قَوْلُهُ: «مُقْبلٍ مُدْبرٍ مَعَاً» في صِفَةِ الفَرَسِ، فهو في الحَقِيْقَةِ مُحَالٌ، إذ زَمَنُ الإقبَالِ غَيْرُ زَمَنِ الإِدْبَارِ، وإنَّما ذَكَرَهُ مُبالَغَةً.
قَوْلُهُ:
فَمِثْلُكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقتُ وَمُرْضِعٍ
стр. 177
أيْ: فَرُبَّ مِثْلُكِ، كَقَوْلِهِ:
فَمِثْلُكِ بَيْضَاءِ العَوارِضِ طَفْلَةٍ
وقَوْلِ الآخَرِ:
يا ربَّ مِثْلِكِ في النِّسَاءِ غَرِيَرَةٍ ... بَيْضاءَ قَدْ مَتَّعْتُها بِطَلاقِ
وَيَجُوزُ فِي «مُرضعٍ» الرَّفْعُ والنَّصْبُ والجَرُّ.
قَوْلُهُ:
فَأَلْهَيْتُها عَنْ ذي تمائِمَ مُحْوِلِ
أيْ: قَدْ أَتى لَهُ حَوْلٌ، فهو كَقَوْلِهِ:
. لو دَبَّ مُحْوِلٌ ... مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإِتْبِ منها لَأثَّرا
стр. 178
فأمَّا قَوْلُهُ:
بِجِيْدٍ مُعَمٍّ في العَشِيْرَةِ مُخْوَلِ
فَهُو بخاءٍ مُعْجَمَةٍ؛ أَيْ: كَرِيْمُ الخَالِ.
قَوْلُهُ:
أَغَرَّكِ مِنِّي أَنَّ حُبَّكِ قاتِلي ... وأَنَّكِ مَهْمَا تَأْمُري القَلْبَ يَفْعَلِ
أنكَرَ بَعْضُهُم عليهِ هذا، وقالَ: لِمَ تَسْتَغْربُ منها شَيْئاً، وقد أَعطَيْتَها سَبَبَهُ، وأَيُّ شَيْءٍ يُطْعِمُها فِيْكَ أَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرْتَ. وجَوابُهُ أنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ: لا تَغْتَرِّي بشِدَّةِ إقبالِي عَلَيْكِ، ومَحَبَّتِي لَكِ، فتُسْرِفي في التَّمَنُّعِ، فَإنَّ لي هِمَّةَ المُلُوكِ، فإنْ لم تُنْصِفِيْني في هَواكِ، أَعْرَضتْ بي هِمَّتِي عَنْكِ، فهو كَقولِ الآخَرِ:
ضَلَّتْ ولو كُنْتُ في هذا كما زَعَمَتْ ... ما كُنْتُ أُغْمِضُ أجفاني على الضَّررِ
قَوْلُهُ:
تجاوَزْتُ أحراسَاً إليها ومَعْشَرَاً ... عَلَيَّ حِراصاً لو يُسِرُّون مَقْتَلِي
стр. 179
يُروى بالسِّيْنِ على مَعْنَى يُخفونَهُ، وَيَجْعَلُونَهُ سِرّاً فَيَضيعُ خَبَري، إمَّا صيانَةً لِأعْرَاضِهِمْ، أو خَشْيَةً مِنْ مُطَالِبِهم بِدَمِي، وبالشِّيْنِ المُعْجَمَةِ، ولَهُ وَجْهانِ: أَحَدُهُما: أنَّه مِنَ الشَّرِّ ضِدَّ الخَيْرِ؛ أيْ: يَقْتُلونِي شَرَّ قِتْلَةٍ كَمُثْلَةٍ ونَحْوِها، والثَّانِي: هو مِنْ شَرَّرْتُ الثَّوْبَ؛ أيْ: نَشَرْتُهُ؛ يَعْنِي: يُظهِرونَ مَقْتَلي افْتِخاراً بي؛ لأَنِّي مَلِكٌ، فَقَتْلِي مما يُفْتَخَرُ بهِ.
قَوْلُهُ:
فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وانْتَحَى ... بِنَا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي قِفافٍ عَقَنْقَلِ
стр. 180
كثيرٌ مِنْ أهْلِ اللُّغَةِ زَعَمُوا أنَّ الواوَ في «وانْتَحى» زَائِدَةٌ، وجَعَلُوهُ شَاهِداً في زِيادَةِ الواوِ في نَحْوِ: ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها﴾ [الزمر: ٧٣]، ﴿فلما أسلما وتله للجبين﴾ [الصافات: ١٠٣]، ﴿ولقد ءاتينا موسى وهارون الفرقان وضياء﴾ [الأنبياء: ٤٨]، ﴿وثامنهم كلبهم﴾ [الكهف: ٢٢] وأَشْبَاهُ ذَلِكَ، وهو وَهْمٌ، بَلِ الوَاوُ هُنَا عَاطِفَةٌ، وجَوابُ «لَمَّا» قَوْلُهُ:
هَصَرْتُ بِفُودِي رَأْسَها فتَمَايَلَتْ .... البيت
قَوْلُهُ:
وجِيْدٍ كَجِيْدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ ... إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ
كثيراً ما يستَشْهِدُ الأُصُولِيُّونَ بهذا البَيْتِ على أنَّ النَّصَّ في اللَّغَةِ الكَشْفُ والظُّهورُ، والكَلامُ في تَحْرِيرِهِ غَيْرَ هَاهُنَا.
стр. 181
قَوْلُهُ:
لم تَنْتَطِقْ عَنْ تَفَضُّلِ
زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ عَنْ بِمَعْنَى بَعْد؛ أَيْ: تَفَضُّلٍ، ولا ضَرورةَ إلى ذلك، وإنْ كانَ المَعْنَى قَرِيْبَاً، بَلْ هِيَ على أَصْلِها في المُجَاوَزَةِ إِذْ مَعْنَاهُ لمَ ْتَتَجاوَزْ التَّفَضُّلَ إلى الانْتِطاقِ، وإذا تَجَرَّدَتِ المَرْأَةُ لِشُغْلِها ثُمَّ انْتَطَقَتْ، فَكَانَ انْتِطاقُها صَادِراً عَنْ تَجَرُّدِها صُدُورَ السَّهْمِ عَنِ القَوْسِ في قولِكَ: رَمَيْتُ عَنِ القَوْسِ.
قَوْلُهُ:
كَبِكْرِ المُقَانَاةِ البَيَاضُ بِصُفْرَةٍ
стр. 182
هذا مِمَّا قَدْ يَشْكثل فَهْمُهُ، والمُقانَاةُ: المخالَطَةُ، فَمَعْناهُ: كَبِكْرِ [البَيْضَةِ] التي خُولِطَ بَيَاضُها بِصُفْرَةٍ، أو كَبِكْرِ المُخَالطِ بَيَاضُها، أو المُخالِطَةِ البَيَاضِ بِصُفْرَةٍ، والمُرادُ: كَأَوَّلِ بَيْضَةٍ باضَتْها نَعامَةٌ خَالَطَ بَيَاضَها صُفْرَةٌ، ويُرْوَى.
كَبِكْر مُقانَاةِ البَيَاضِ بِصُفْرَةٍ
فَيَكُونُ اختلَاطُ البَيَاضِ بالصُّفْرَةِ لِلْبَيْضَةِ لا لِلنَّعامَةِ.
قَوْلُهُ:
فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ ... صَفِيْفَ شواءٍ أو قَدِيْرٍ مُعَجَّلِ
بَعْضُهم يَجْعَلُ هذا إقواءً؛ لِأَنَّ حَقَّهُ أن يَنْتَصِبَ على صَفِيْفٍ،
стр. 183
تقْدِيْرُهُ: مُنْضِجٍ صَفِيْفاً أو قَدِيْراً مُعَجَّلاً. ويَتَّجِهُ صَوابُهُ بِأَنَّ يُجْعَلَ عَطْفاً على شِواءٍ؛ أَيْ: صَفِيْفَ شِواءٍ وصَفِيْفَ قَدِيرٍ؛ لأَنَّ اللَّحْمَ يُصَفُّ إذا شُوِيَّ، كَذلِكَ قُدورُهُ تُصَفُّ إذا طُبِخَ.
قَوْلُهُ في صِفَةِ المَطَرِ:
وتَيْمَاءَ لم يَتْرُكْ بها جِذْعَ نَخْلَةٍ ... ولا أُطُماً إلا مَشِيْداً بِجَنْدَلِ
هذا كما يُحكَى عَنِ المَسِيحِ أنَّه قالَ في بَعْضِ أَمْثَالِهِ التي ضَرَبَها لِقَوْمهِ: إنَّ العاقِلَ يَبْنِي بُنْيَةً بالحَجَرِ في أَرْضٍ صُلْبَةٍ، فإذا جاءَ المَطَرُ لا يُؤَثِّرُ فيه، والجاهِلُ يَبْنِي بُنْيَةً على الرَّمْلِ فَيَجِيءُ المَطَرُ يَسْتَأصِلُهُ، أَوْ كَمَا قالَ.
стр. 184
قَوْلُهُ:
كَأنَّ ثَبِيْراً في عَرانِيْنِ وَبْلِهِ ... كَبِيْرُ أُنَاسٍ في بِجَادٍ مُزَمَّلِ
هذا إقواءٌ؛ لِأَنَّ حَقَّ «مُزَمَّلِ» أَنْ يَرْتَفِعَ على النَّعْتِ لِكَبِيْرٍ؛ أيْ: كَبِيرٌ مُزَمَّلٌ، لَكِنَّ جَرَّهُ على الجِوَارِ إصلاحاً لِلْقَافِيَةِ، وقالَ أبو عليٍّ: تَقْديرُهُ في بِجَادٍ مُزَمَّلٍ فيه، كما قال: «[هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ]»؛ أَيْ: خَرِبٍ جُحْرُهُ، وعلى هذا فلا إقواءٌ.
قَوْلُهُ:
فَقَالَتْ سَبَاكَ اللهُ إنَّكَ فاضِحي ... أَلَسْتَ تَرَى السُّمَّارَ والنَّاسَ أحْوالي
يُريدُ: جَمْعَ حَوْلَ، مِنْ قَوْلُهُ : ﴿فلما اضاءت ما حوله﴾ [البقرة: ١٧]، ولا أرَى جَمْعَهُ جَائِزاً، كما لا يُقَالُ: أَقْبَالي وأبعادِي، في قَبْلَ وبَعْدَ، ولا أَعْنَادِي في عِنْدَ، ولم يُسْمَعْ بِجَمْعِ «حَوْلَ» إلا في هذا البَيْتِ، فقد يُسَوَّغُ؛ لِنُطْقِ هذا العَرَبِيِّ الفَصِيْحِ بهِ. وقد يُحْمَلُ بِمَنْعٍ، ويُحْمَلُ نُطْقُهُ على الشُّذوذِ والضَّرورةِ، أو على أَنَّهُ حَكَى لَفْظَ
стр. 185
المَرْأَةِ، وقد لا تكونُ عَرَبِيَّةً فَصِيْحَةً. ويَخْطُرُ لي أنَّ هَذِهِ بِنْتُ قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ، فإنَّ امرأَ القَيْسِ لَمَّا وَرَدَ عليه يَسْتَنجِدُهُ على بَنِي أَسَدٍ، أكرَمَهُ قَيْصَرُ وقَرَّبَهُ، وكان مَعْشَقاً، فَعَشِقَتْهُ ابْنَةُ قَيصرَ، وعَادَ يَخْتَلِفُ إليها، وبِذلكَ وشَى بهِ الطَّمَّاحُ الأَسَدِيُّ إلى قيْصرَ حَتَّى مَكَرَ بهِ فَقَتَلَهُ مَسْمُوماً، فَلَعَلَّ حِكايَتَهُ ها هنا عن بَعْضِ اختلافاته إلى بِنْتِ قَيْصَرَ، وهي دَخِيْلَةٌ في العربيّةِ، لا يحتجُّ بها فيها.
قَوْلُهُ:
فَقُلْتُ يَمِيْنُ اللهِ أَبْرَحُ قاعِداً ... ولو قَطَّعوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأَوْصَالي
أَيْ: لا أبْرَحُ، فَحَذَفَ «لا» لدَلَالَةِ الكَلَامِ عَلَيْها، إذْ لَوْ كانَ إثْبَاتاً لَقَالَ: يَمِيْنُ اللهِ لأَبْرَحَنَّ، ومِثْلُهُ: ﴿تالله تفتؤا﴾ [يوسف: ٨٥]؛ أي: لا تَفْتَؤُ.
стр. 186
قَوْلُهُ:
وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أيَّ إذْلالِ
يَجُوزُ رَفْعُ «صَعْبَة» ونَصْبُها على الخِلَافِ بَيْنَ أهْلِ المِصْرَيْنِ في تَنَازُعُ العامِلَيْنِ، فالرَّفْعُ بَصْرِيٌّ، والنَّصْبُ كُوفِيٌّ.
قَوْلُهُ:
حَلَفْتُ لها باللهِ حِلْفَةَ فاجِرٍ ... لَنَاموا فما إنْ مِنْ حَديثٍ ولا صَالِ
أَيْ: لَقَدْ نَاموا لا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ، وإنما حَذَفَ (قَدْ) للضَّرورَةِ، أو لِظُهورِ إرادَتِها كما في «أَبْرَحُ قاعداً» و ﴿جاءوكم حصرت صدورهم﴾ [النساء: ٩٠]، وهذا جواب قَوْلِها: «ألَسْتَ تَرَى السُّمَّارَ
стр. 187
والنَّاسَ أَحْوَالِي»، كأَنَّها قَالَتْ لَهُ: النَّاسُ حَوْلِي سَامِرٌ ومُصْطَلٍ، فَحَلَفَ لها أنَّه لم يَبْقَ واحِدٌ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ:
يَغِطُّ غَطِيْطَ البَكْرِ شُدَّ خِنَاقُهُ ... البيت
هَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ؛ أَيْ: مَشْدوداً خِنَاقُهُ، ويَجوزُ أنْ يُقَدَّرَ: البَكْرِ إذا شُدَّ خِنَاقُهُ، والبَكْرِ الَّذي شُدَّ خِنَاقَهُ، فَهذِهِ وأَمْثالُها دائِرَةٌ بَيْنَ الحَالِ والصِّفَةِ والشَّرْطِ.
قَوْلُهُ:
ولَيْسَ بذي سَيْفٍ فَيَقْتُلُنِي به ... ولَيْسَ بذي رُمْحٍ وليْسَ بِنَبَّالِ
стр. 188
هذهِ قِسْمَةٌ جَيِّدَةٌ؛ لأَنَّ الآتِ القَتْلِ وإنْ كَثُرَتْ، غَيْرَ أَنَّ المَشْهورَ عِنْدَ العَرَبِ هَذهِ الثَّلاثَةُ؛ السَّيْفُ والرُّمحُ والسَّهْمُ، وقد استَوْفَى ذِكْرَهَا.
قَوْلُهُ:
وقد عَلِمَتْ سَلْمَى وإنْ كانَ بَعْلُها ... بِأَنَّ الفَتَى يَهْذِي، ولَيْسَ بِفَعَّالِ
تَقْدِيرُهُ: وقد عَلِمَتْ سَلْمَى وإنْ كانَ بَعْلُها يَهْذي بِقَتْلي، بِأَنَّ الفَتَى يَهْذِي، فاسْتَغْنى عنها بِأَحَدِهِما استِخْداماً أو شِبْهَهُ.
قَوْلُهُ:
وماذا عَلَيْهِ أَنْ نَرُوضَ نَجائِباً ... كَغِزلَانِ وَحْشٍ في محاريبِ أَقْوالِ
اعلم أنَّ هذا اسْتِهْتَارٌ يُضْحَكُ مِنْهُ، إذ يَقُولُ: وماذا على الرَّجُلِ أنْ يُهْتَكَ عِرْضُهُ ويُهَانَ فِراشُهُ، فهو كَمَنْ يَقْتُلُ إنسَاناً ويَقُولُ: ماذا عليكَ أَنْ استَخْرِجَ مِنْكَ دَماً كَأَنَّهُ العَقِيْقُ في حُمْرَتِهِ، والمُدامُ في قَوامِهِ، وعينُ الدِّيْكِ في صَفائِهِ. ولَقَدْ ذَكَرْتُ لِهذا حِكايَةً وهي أنَّ
стр. 189
إسحاق المَوْصِليِّ كانَ يهوى وَلَّادةَ المَخْرَمِيَّةَ، فَكَتَبَ إليها:
«تَقي الله فِيمَنْ قَدْ تَبَلْتِ فُؤادَهُ ... وتَيَّمْتِهِ حَتَّى كَأَنَّ بهِ سِحْراً
دَعِي البُخْلَ، لا أسْمَعْ بِقَوْمِك ... إنَّما سَأَلتُكِ شَيْئاً لَيْسَ يُعْري لَكُمْ ظَهْراً»
فَكَتَبَتْ إليه تَقُولُ: «صَدَقْتَ، أَعزَّكَ اللهُ، إنَّه لا يُعري لَنَا ظَهْراً، ولكِنَّهُ يَمْلأُ مِنَّا بَطْناً».
стр. 190
ويُحكى أنَّ أعرابياً دَخَلَ البَصرةَ فرأى المُؤذِّنِيْنِ على مَكانٍ يُؤَذِّنونَ، فقالَ لِرَجُلٍ: ما يَقولُ هؤلاءِ؟ فقالَ لَهُ الرَّجُلُ: هَؤلاءِ يَتَمَنَّوْنَ حوائِجَهُمْ فَتُقْضَى، قالَ: فإنَّ لي حاجَةً أُرِيْدُ أَتَمَنَّاها، قَالَ: وما هي؟ فأَنْشَدَهُ أبْيَاتاً تَتَضَمَّنُ حاجَتَهُ، فاسْتَحْمَقَهُ الرَّجُلُ، ثُمَّ جَاءَ إلى رَئيسِ المُؤَذِّنِيْنَ فقالَ: هاهُنَا أعْرَابِيٌّ يُؤذِّنُ جَيِّداً، فَإنْ رَأَيْتَ أنْ تُجَرِّبَهُ ثُمَّ تَجْعَلُهُ مِنْ أَصْحابِكَ، قالَ: فادْعُهُ، فَدَعَاهُ، فقالَ لَهُ: أسْمِعْنَا ما عِنْدَكَ، فَجَعَلَ يَدُورُ على ذلكَ العُلُوِّ ويُنْشِدُ:
جَزَى اللهُ عَنَّا ذاتَ بَعْلٍ تَصَدَّقَتْ ... على عَزَبٍ حَتَّى يكونَ له أهْلُ
وإنَّا سَنَجْزيها بما صَنَعَتْ بنا ... إذا ما تَزَوَّجَتْ ولَيْسَ لها بَعْلُ
أفِيْضوا على عُزَّابِكم بِنِسَائِكُمْ ... فما في كِتَابِ اللهِ أَنْ يُحْرَمَ الفَضْلُ
قالَ: فَلَعَنَهُ الرِّجالُ وأَلْقَوْهُ عن ذلكَ المكانِ، وأمَّا النِّساءُ فَتَأَسَّفْنَ علَيْهِ وقُلْنَ: ما أَحْسَنَ ما قَالَ! وما أَذَّنَ أَحدٌ أَحْسَنَ مِنْه.
قَوْلُهُ:
стр. 191
أَوانِسَ يُتْبِعْنَ الهوى سُبُلَ المُنَى ... يَقُلْنَ لِأَهلِ الحِلْمِ ضُلّاً بِتَضْلالِ
أيْ: يُصَيِّرنَ المُنَى تَبَعاً لِلْهَوى، فإذا هَويَهُنَّ الشَّخْصُ اعْتَراهُ بِمُنَى وَصْلِهِنَّ [ضَلَالٌ] بِكُلِّ سَبِيْلٍ، وهذا مِنْ أَخْصَرِ الكَلَامِ، مَعَ كَثْرَةِ مَعْنَاهُ، وشَطْرُهُ الأَخِيْرُ شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
إلى مِثْلِها يَرْنو الحَلِيْمُ صَبَابَةً
قَوْلُهُ:
صَرَفْتُ الهَوَى عَنْهُنَّ مِنْ خَشْيَةِ الرَّدى ... ولَسْتُ بِمَقْلِيِّ الخِلالِ ولا قَالِ
قِيْلَ: مَعْنَاهُ خَشْيَةَ الفَضِيْحَةِ، وقد أَبانَ بهذا مَعَ مَا قَبْلَهُ أَنَّهُ كانَ تَارَةً يَتَهَتَّكُ، وتَارَةً يَتَصَوَّنُ، وتارةً يَتَمَسَّكُ.
قَوْلُهُ:
كأني لم أَرْكَبْ جواداً لِلَذَّةٍ ... ولم أتَبَطَّنْ كاعِباً ذَاتَ خَلْخَالِ
ولم أَسْبإِ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ولم أَقُلْ ... لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّة بَعْدَ إجفالِ
стр. 192
أَنْكَرَ بَعْضُهم عليه هذا وقالَ: إنَّ شُطُورَ هذين البَيْتَيْنِ غَيْرُ مُلْتَئِمَةٍ، ولو كَانَ هكذا:
كَأَنِّي لم أَرْكَبْ جواداً ولم أَقُلْ ... لِخَيْلِي كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفَالِ
ولم أَسْبَأ الزِّقَّ الرَّوِيَّ لِلَذَّةٍ ... ولم أَتَبَطَّنْ كاعِبَاً ذاتَ خَلْخَالِ
لَكانَ أَجْوَدَ، لِيَجْمَعَ لَذَّةَ الخَيْلِ في بَيْتٍ واحدٍ، ولَذَّةَ الخَمْرِ والنِّساءِ في بَيْتٍ وَاحِدٍ. وأُجِيْبُ عَنْهُ بِأَنَّهُ أراد جَمْعَ لَذَّةِ مَرْكُوبِيِّ اللَّيْلِ والنَّهارِ في بَيْتٍ، ولَذَّةِ الغَزَاةِ والخَمْرِ المُشَجِّعَةِ على القِتَالِ في بَيْتٍ، واعتَرَضَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ هذا الاعتِراضَ على
стр. 193
أبي الطَّيِّبِ في قَوْلِهِ:
وَقَفْتَ وما في المَوْتِ شَكٌّ لواقِفٍ ... كَأَنَّكَ في جَفْنِ الرَّدَى وهو نائِمُ
تَمُرُّ بِكَ الأَبْطالُ كَلْمَى هَزِيْمَةً ... وَوَجْهُكَ وَضَّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ
فأجاب أبو الطَّيِّبِ: بأنَّهُ أرادَ المُطَابَقَةَ بَيْنَ ذِكْرِ المَوْتِ والرَّدَى في بَيْتٍ، والجَمْعَ بَيْنَ عَبُوسِ المُهْرِ وتَبَسُّمِ المَمْدُوحِ في بَيْتٍ، فاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُ.
стр. 194
قَوْلُهُ:
ولو أَنَّ ما أَسْعَى لِأَدْنَى مَعِيْشَةٍ ... كفاني، ولم أَطْلُبْ، قَلِيْلٌ مِنَ المالِ
ولَكِنَّما أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ ... وقَدْ يُدْرِكُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أَمْثَالِي
احتجَّ الكوفيونَ بِقَوْلِهِ: «كَفَانِي ولَمْ أَطْلُب قَلِيْلٌ» على إعمال الأوَّلِ عِنْدَ تَنازُعِ العامِلَيْنِ، ووافَقَهُمْ أبُو عَلِيٍّ الفَارِسِيِّ في الإِيضاحِ على أَنَّهُ مِنْ هذا البَابِ، وزَعَمَ البَصْرِيُّونَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ؛ لِأدائِهِ إلى التَّنَاقُضِ، فعَلى الأَوَّلِ تَقْدِيْرُهُ: كَفَاني قَلِيْلٌ مِنَ المالِ ولم أطْلُبْهُ، بَلْ كانَ يأْتِيني عَفْوَاً بلا تَعَبٍ، وعلى الثَّاني تَقْدِيْرُهُ: كَفَاني قَلِيْلٌ
стр. 195
مِنَ المالِ ولم أَطْلُبِ المُلْكَ، فَلَمْ يَتَوَجَّها إلى مَعْمولٍ واحِدٍ. والأَشْبَهُ قَوْلُ الكُوفِيِّينَ، غَيْرَ أَنَّ النُّصوصَ مَعَ البَصْريين أَكْثَرُ.
قَوْلُهُ:
نَطْعَنُهُمْ سُلْكَى ومَخْلُوجَةً ... كَرَّكَ لَأْمَينِ على نَابِلِ
أي: نَطْعَنُهم طَعْناً مُسْتَقِيماً ومُنْحَرِفاً. ثُمَّ في وَجْهِ التَّشْبِيهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُما: أنَّهُ شَبَّهَ ذلك بإلقاءِ سَهْمَيْنِ إلى نابِلٍ، فَيَمْضِي أَحَدُهما مُسْتَقيماً وَيَنْحَرِفُ الآخرُ. والثاني: أنَّهُ هكذا كَرُّ كلامَيْنِ على نَابِلِ، هو أنْ يُقالَ لَهُ: ارْمِ ارْمِ. وهذا فيه لَمْحَةٌ مِنْ
стр. 196
قَوْلِهِ في الصَّيْدِ:
فَعَادَيْتُ منها بَيْنَ ثورٍ ونَعْجَةٍ .... البيت
كَأَنَّهُ يَقْلَعُ الرُّمْحَ مِنَ الثَّوْرِ ويَضَعَهُ في النَّعْجَة، كَذَلِكَ هنا يَقْتَلِعُ الرُّمْحَ مِنَ الطَّعْنَةِ المُسْتَقِيْمَةِ، ثُمَّ يَطْعَنُ بهِ مُنْحَرِفَةً بتَوَاتُرٍ مِنْ غَيْرِ تَفَاتُرٍ.
قَوْلُهُ:
فاليَومَ أَشْرَبْ غَيرَ مُسْتَحْقِبٍ ... إثْمَاً مِنَ اللهِ ولا واغِلِ
أصْلُهُ أشْرَبُ بِضَمِّ البَاءِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُضَارعٌ لا جازِمَ لَهُ، وإنَّما أَسْكَنَ البَاءَ تَخْفيفاً لإِقامَةِ الوَزْنِ، ولو ضَمَّها لانحَرَفَ شيئاً ما، والمُبَرِّدُ يَرْوِيْهِ.
فاليَوْمَ فاشْرَبْ
стр. 197
أَمْرٌ، فلا ضَرُورةَ.
قَوْلُهُ:
فَقُلْتُ لَهُ: لا تَبْكِ عَيْنُك إنَّما ... نحاوِلُ مُلْكاً أو نَمُوتَ فَنُعْذرا
تَقْدِيْرُهُ: إلَّا أَنْ نَمُوتَ، وتَحْقِيْقُهُ: إنَّما نحاوِلُ أنْ نَمْلِكَ أو نَموتَ، فهو أَقْرَبُ وأَشْبَهُ.
قَوْلُهُ:
فإنِّي أَذِيْنٌ إن رَجَعْتُ مُمَلَّكاً ... بِسَيْرٍ تَرَى مِنْهُ الفُوانِقَ أَزْوَرا
قيل: مَعْنَاهُ: ضامِنُ وكَفِيْلٌ، والصَّوابُ أَنِّي مُعْلِمٌ ومُنْذِرٌ مَنْ أَذِنْتُ؛ أَيْ: عَلِمْتُ.
قَوْلُهُ:
وَعَمْرو بْنُ دَرْماءَ الهُمامُ إذا غَدا ... بِذِي شُطَبٍ عَضْبٍ كمِشيَةِ قَسْوَرا
стр. 198
هذا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ قَسْوَرَ هَاهُنَا في مَحَلِّ جَرٍّ بالإِضافةِ، ولا أَعْلَمُ لِنَصْبِهِ وَجْهَاً إلا الضَّرورَةَ مِنْ بَابِ الإِقواءِ، كقَوْلِهِ: «في بِجادٍ مُزَمَّلِ» ونَحْوِهِ، اللَّهُمَّ إلا أنْ يَكُونَ أرادَ «قَسْوَرَةٍ» ثُمَّ حَذَفَ التاءَ وأشْبَعَ الفَتْحَةَ قَبْلَها لِأَجْلِ القَافِيَةِ، فَنَشَأَت الأَلِفُ، هذا وَجْهُهُ.
قَوْلُهُ:
وتَعْرِفُ فيهِ مِنْ أَبِيْهِ شَمَائِلاً ... ومِنْ خَالِهِ ومِنْ يَزِيْدَ ومِنْ حُجُرْ
سَمَاحةَ ذا وبِرَّ ذا ووفاءَ ذا ... ونائِلَ ذا إذا صَحَا وإذا سَكِرْ
هذا البَيْتُ لا يَعْلَمُ مِثْلُهُ في كَثْرَةِ زحافِهِ، فإنَّهُ في جَمِيْعِ أَجْزَائِهِ وأَكثَرِها.
قَوْلُهُ:
فَظَلَّ لَنَا يَومٌ لَذِيذٌ بِنَعْمَةٍ ... فَقُلْ في مَقِيلٍ نَحْسُهُ مُتَغَيِّبِ
أي: مُتَغَيِّبٍ نَحْسُهُ، قَدَّمَ وأَخَّر لِأَجْلِ القافيَةِ، ولو كانَ على ظاهِرِ تَرْتِيْبِهِ لَوَجَبَ الرَّفْعُ خَبَراً لِمُبْتَدَأ، وَكَانَ إقواءً. قَوْلُهُ: فَقُلْ، مِنَ القَوْلِ، لا مِنْ القَيْلُولَةِ؛ أيْ: قُلْ فيه بِجُهْدِكَ فلن يُمْكِنكَ أن تَصِفَهُ إلا بالحُسْنِ والسَّعْدِ.
стр. 199
قَوْلُهُ:
يُفَدُّونَهُ بالأُمَّهاتِ وبالأَبِ
أيْ: وَبِالآبَاءِ، وإنِّما أَفْرَدَ رِعَايَةً لِلْقَافِيِةِ، وهذا أقَلُّ ما يُمْكِن في البَحْرِ الطَّويلِ، أَنْ يكونَ شَطْرُهُ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ.
قَوْلُهُ:
وبَعْدَ مُلُوكِ كِنْدَةَ قد تَوَلّوا ... بأَكرمِ شِيْمَةٍ وأَقَلِّ عابِ
إن أرادَ عَدَمَ العَيْبِ بالكُليَّةِ، ولكِنَّهُ كَقَوْلِهِ : ﴿فقليلاً ما يؤمنون﴾ [البقرة: ٨٨]، و ﴿قليلاً ما تشكرون﴾ [الأعراف: ١٠، والسجدة: ٩، والملك: ٢٣] ونَحْوِهِ مما استُعْمِلَتْ فيهِ القِلَّةُ مَوْضِعَ العَدَمِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ امرأَ القَيْسِ استَعْمَلَ الصِّدْقَ أو العَدْلَ في هذا، وعَلِمَ أنَّ قَوْمَهُ لا يُجلُّونَ مَنْ عابَ، فَوَصَفَهُمْ بِقِلَّتِهِ لا بعَدَمِهِ.
стр. 200
قَوْلُهُ:
وَكَأَنَّمَا بَدْرٌ وَصِيْلُ كُتَيْفَةٍ ... وَكَأَنَّمَا مِنْ عاقِلٍ أَرْمَامُ
هَذِهِ [قافيةٌ] مَرفوعةٌ مِنْ قَوِافٍ مَجْرورَةٍ، وهي قَوْلُهُ:
لِمَن الدِّيارُ غَشِيْتُها بِسُحَامِ
فهو إقواءٌ.
قَوْلُهُ:
ثيابُ بني عَوْفٍ طَهارَى نَقِيَّةٌ ... وأَوْجُهُهمْ عِنْدَ المَشَاهِدِ غُرَّانِ
هذا حَقُّهُ الرَّفعُ، وهو في قَوافٍ مَجْرورةٍ، فهو كالذي قَبْلَهُ.
стр. 201
هذا آخِرُ ما تَرْجَمْنَاهُ مِنَ الأَبوابِ في صَدْرِ الكِتابِ، وقد تَضَمَّنَ جُلَّ فوائِدِ الدِّيوانِ، ولم يَبْقَ مِنْ شَرْحِهِ إلَّا أَنْ نَسْتَقْرِيَ أَبْيَاتَهُ، فَنَذْكُرَ منها الغَرِيْبَ والمَعَانِيَ ما لم يَتَضَمَّنْهُ إملاؤُنا هذا، وقد كُنْتُ عَزَمْتُ على أنْ أَجْعَلَ ذلك خاتِمَةَ هذا التَّعْلِيقِ فَيَكْمُلُ بهِ شَرْحُ الدِّيوانِ على التَّحْقِيْقِ، غَيْرَ أَنَّ عَوادِيَ الأَقْدارِ تَصُدُّ الإِنْسَانَ عَمَّا يَخْتَارُ، فَلَقَدْ أوْرَدْتُ هذا التَّعلِيقِ مُتَعَلِّلاً بهِ تَعَلُّلَ اللرَّضِيْعِ زَمَنَ الفِطامِ، بما يُلْهَى بهِ من الطَّعَامِ لأَوْقاتِ ضَنَكِهِ، وَرَجَاءِ مُنْفَكَّهِ، لا أَجِدُ مِنْها قراراً، ولا أُطْعَمُ النَّومَ إلَّا غِراراً، وإنْ مَنَّ اللهُ بالعافيةِ، أَكْمَلْت شَرْحَ الديوانِ، بانياً على هذا التَّعلِيقِ، أو مُسْتَأنِفاً له بِتَقْديرِ التَّوفِيقِ، وقد أَتَيْتُ مِنْ كُلِّ بابٍ مِنَ الأبوابِ الخَمْسَةِ على أكثرِهِ، ولم أَلتَزِمْ استِقصاءَ نَظْمٍ أَجْمَعِهِ. والحُكْمُ أنَّ مِن خَصَائِصِ شِعْرِ امرئ القَيْسِ كثْرَةَ الزِّحافِ، وغَلَبةَ البحرِ الطَّويلِ، والزِّحافُ بهذا البَحْرِ في شِعْرِ غيرِهِ كَثيرٌ.
تمَّ بِحَمْدِ اللهِ