Полный текст (201 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
قَوْلُهُ في صِفَةِ الدَّارِ:
صُمَّ صَدَاها ...........
كِنَايَةً عَنْ خُلُوِّها مِنَ السَّاكِنِ فَمَا عَادَ يُسْمَعُ فِيْهَا صَوْتٌ.
قَوْلُهُ في صِفَةِ القَتْلَى:
أَرْجُلُهُم كالخَشَبِ الشَّائِلِ
كنايةً عن ارْتفاعِها؛ لانْتِفَاخِها وتَشَنُّجِها وفَسَادِ مِزَاجِها بالقَتْلِ.
قَوْلُهُ:
الحَرْبُ أوَّلُ ما تكونُ فَتِيَّةً ... تَسْعَى بِزِيْنتها لِكُلِّ جَهُولِ
стр. 142
أي: يَغْتَرُّ بها مَنْ لا يَعرِفُها، فَكَنَى عَنْ إقدامِ الجَاهِلِ عليها بِتَزَيُّنِها لَهُ.
قَوْلُهُ:
حَتَّى إذا اسْتَعَرَتْ وشَبَّ ضِرامُها ... صَارَتْ عَجوزاً غَيْرَ ذاتِ خَلِيْلِ
هو كنايَةٌ عَنْ بُغْضِ النَّاسِ لها، كَبُغْضِهِمْ العَجوزَ فلا يتزوَّجُها أَحَدٌ.
قَوْلُهُ:
شَمْطاءَ حَزَّتْ رَأْسَها وتَنَكَّرَتْ ... مَكْروهَةً لِلشَّمِّ والتَّقْبيلِ
هذا تَرْشِيْحٌ لقَوْلُهُ: «صَارَتْ عَجُوزاً».
قَوْلُهُ:
ويَعْدو على المَرْءِ ما يَأْتَمِرْ
هذا جَارٍ مَجْرى المَثَلِ، ومَعْنَاهُ: أَنَّ المَرْءَ قَدْ يَعودُ عَلَيْهِ رَأْيُهُ أو فِعْلُهُ بالهَلَاكِ، كَمَنْ يَعُودُ عَلَيْهِ سِلاحُهُ فَيَقْتُلُهُ ونَحْوُهُ.
قَوْلُهُ:
إذا رَكِبُوا الخَيْلَ واسْتَلْأَموا ... تَحَرَّقتِ الأَرْضُ واليَوْمَ قَرّ
стр. 143
هو كِنَايةٌ عَنْ شِدَّةِ بَأْسِهِمْ وبَطْشِهِمْ، حَتَّى كَأَنَّ الأَرْضَ تَحْتَرِقُ مِنْهُمْ احتِراقاً، لا يَمْنَعُهُ بَرْدُ الرِّمالِ.
قَوْلُهُ:
وهِرٌّ تَصِيْدُ قلوبَ الرِّجالِ ... وأَفْلَتَ منها ابنُ عمرٍو وحُجُرْ
كَنَى بِصَيْدِها القُلوبَ عَنْ تَعَلُّقِها بِها، ومَيْلِها إليها، وتَبِعَهُ في ذلكَ جَرِيْرٌ حَيْثُ قَالَ:
طَرَقَتْكَ صائِدَةُ القُلُوبِ وَلَيْسَ ذا ... وَقْتُ الزِّيارةِ فاذْهَبِي بِسَلامِ
قَوْلُهُ:
رَمَتْنِي بِسَهْمٍ أصابَ الفؤادَ ... غداةَ الرَّحِيْلِ فَلَمْ أَنْتَصِرْ
هذا كقَوْلِهِ:
وما ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إلَّا لِتَضْرِبِي ... بِسَهْمَيْكِ ... البيت
стр. 144
على القَوْلِ الأَوَّلِ فيه، وحاصِلُهُ أنَّها قَنَصَتْهُ بِأَسْرِها لِقَلْبِهِ، وتَعَذَّرَ وَصْلُها عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ:
فَأَسْبَلَ دَمْعِي كَفَضِّ الجُمانِ ... أو الدُّرِّ رَقْرَاقِهِ المُنْحَدِرْ
هذا نَحْوٌ مِنْ تَشْبِيهِهِ فَضْلِ حَمِيْمِها بالجُمانِ، والدَّمْعُ يَتَشَكَّلُ بِشَكْلِ الجُمانِ في استدارَتِهِ وصفَائِهِ.
قَوْلُهُ:
وإذْ هِي تَمْشِي كَمَشْي النَّزِيْفِ ... .......... البيت
يَعْنِي: سَكْرَى مِنَ الصِّبَا والجَمَالِ والدَّلَالِ، كالسَّكْرَى مِنَ الخَمْرِ.
قَوْلُهُ:
بَرَهْرَهَةٌ رَخْصةٌ رُؤْدَةٌ ... كَخُرْعوبَةِ البانَةِ المُنْفَطِرْ
стр. 145
شَبَّهها بِعُصْنِ البَانِ في اللِّيْنِ والتَّثَنِّي، وأَكْثَرَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ:
كَأَنَّ المُدامَ وصَوْبَ الغَمامِ ... وريحَ الخُزامَى ونَشْرَ القُطُرْ
يُعَلُّ به بَرْدُ أَنْيَابِها ... إذا طرَّبَ الطَّائِرُ المُسْتَحِرّْ
شَبَّهَ فَمَها في طِيْبِ طَعْمِهِ ورائِحَتِهِ بهذهِ الأَشْيَاءِ، غَيْرَ أَنَّ في ذِكْرِهِ الأَنْيَابَ إغْراقاً، إذ لَيْسَتْ مَحَلَّ الرَّشْفِ، وأَكْثَرُ ما يُذْكَرُ في ذلكَ الثَّغْرُ والثَّنَايا، ولو قَالَ أَسْنَانَها لكَان أَعَمَّ من ذلِكَ كُلِّهِ.
قَوْلُهُ:
فَكَرَّ إِلَيْهِ بِمِبْراتِهِ ... كما خَلَّ ظَهْرَ اللِّسانِ المُجِرّْ
يَصِفُ الثَّوْرَ الوَحْشِيَّ حِيْنَ ضايَقَهُ الكَلْبُ، فَعَطَفَ إليهِ، فَنَطَحُهُ بِقَرْنِهِ فَشَكَّهُ، والمُجِرُّ: هو الذي يَثْقُبُ لِسَانَ الفَصِيْل بِعُودٍ ليُمْنَعَ مِنْ شُرْبِ اللَّبِنِ ونَحْوِهِ، يَقُوُل: أَنْفَذَهُ بِقَرْنِهِ كما يَنْفُذُ ذَلِكَ العُودُ لِسَانَ الفَصِيْلِ.
قَوْلُهُ:
فَظَلَّ يُرَنِّحُ في غَيْطلٍ ... كما يَسْتَدِيْرُ الحِمارُ النَّعِرْ
стр. 146
يَعْنِي: الكَلْبَ لما نَطَحَهُ الثَّوْرُ وَلَّى مُنْهَزِماً يَتَمايَل، كالحِمَارِ الذي أَصَابَهُ الذُّبَابُ في أنْفِهِ، فهو يَحِنُّ مِنْهُ مُنْهَزِماً، والغَيْطَلُ: الشَّجَرُ المُلْتَفُّ.
قَوْلُهُ في صِفَةِ فَرَسٍ:
لها حافِرٌ مِثْلُ قَعْبِ الوَلِيْـ ... ـدِ رُكِّبَ فيه وَظِيْفٌ عَجِرْ
قَعْبُ الوَلِيْدِ: قَدَحٌ صَغِيرٌ، وهو يكونُ لَطِيفاً غَيْرَ مُضْطَرِبٍ، ويُسْتَحَبُّ ذلكَ في الفَرَسِ، والمَقْصُودُ: اسْتِدارَتُهُ وتَحْرِيْفُهُ.
قَوْلُهُ:
لها ذَنَبٌ مِثْلُ ذَيْلِ العَرُوسِ ... تَسُدُّ بهِ فَرْجَها مِنْ دُبُرْ
هذا مِنْ أحْسَنِ التَّشْبيهِ، وفَرْجُها عَائِدٌ على الفَرَسِ.
стр. 147
قَوْلُهُ:
لها جَبْهَةٌ كسَرَاةِ المِجِنِّ ... حَذَّقَهُ الصَّانِعُ المُقْتَدِرْ
شَبَّهَ جَبْهَتَها بِظَهْرِ التُّرْسِ، سَعَةً واعْتِدَالاً، وهو مَحْمودٌ لها.
قَوْلُهُ:
لها مَنْخِرٌ كَوِجارِ الضِّباعِ ... فَمِنْهُ تُرِيْحُ إذا تَنْبَهِرْ
وِجَارُ الضَّبْعِ: مَسْكَنُها الذي تأْوي إليه، شَبَّهِ بِهِ مَنْخَرُ الفَرَسِ، وبيَّنَ فائِدَةَ سَعَتِهَ، وهو سُهولَةُ التَّنْفِيس عِنْدَ الانْبِهارِ وغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ:
وتَعدو كَعَدْوِ نَجاةِ الظِّباءِ ... البيت
стр. 148
شَبَّهَ الفَرَسَ في عَدْوِها بالظَّبْيَةِ السَّرِيْعَةِ الطَّالِبَةِ للنَّجاةِ، وهُوَ أَشَدُّ ما يكونُ مِنْ عَدْوِها.
قَوْلُهُ:
لها وَثَباتٌ كَصَوْبِ الغَمَامِ ** فوادٍ خِطاءٌ ووادٍ مَطِرْ
شَبَّهَ وثَبَاتِ الفَرَسِ بِصَوْبِ الغَمامِ، وهو يَحِلُّ بِوَادٍ دُونَ وادٍ، فَكذا هذِه الفَرَسُ، وادٍ تَطْفُرُهُ، ووَادٍ تَجْري فيه، وهذا من أَخْصَرِ الكلام وأَكْثرِهِ مَعْنًى.
قَوْلُهُ:
فَشَبَّهْتُهُمْ في الآل حِيْنَ زهاهُمُ ... عَصائِبَ دَوْمٍ أو سَفِيْناً مُقَيَّرا
شَبَّه الرَّكبَ الرَّاحلِيْنَ بِشَيْئَيْنِ؛ جَمَاعاتِ الشَّجَرِ الكِبارِ وهو الدَّوْمُ، والسُّفُنِ المُقَيَّرَةِ لِسَوادِها.
قَوْلُهُ في صفة الناقة:
تُقَطِّعُ غِيْطاناً كَأَنَّ مُتُونَها ... إذا أَظْهَرَتْ تُكْسَى مُلاءً مُنَشَّرا
стр. 149
[قَوْلُهُ: تُكْسَى مُلاءً مُنَشَّراً] يَعْنِي: السَّرابَ، هو أَبْيَضُ مُنْتَشِرٌ في البَرِّ كالمُلاءِ المُنَشَّرَةِ، وهو مِنْ أَحْسَنِ ما قِيْلَ في السَّرابِ.
قَوْلُهُ:
كَأَنَّ صَلِيْلَ المَرْوِ حِيْنَ تُطِيْرُهُ ... صَلِيْلُ زُيوفٍ يُنْتَقَدْنَ بِعَبْقَرَا
شَبَّهَ صَوْتَ الحَصَى إذا أَطارَتْهُ بِخُفِّها، بِصَوتِ الدَّراهمِ المُنْتَقَدَةِ، وجَعَلَها زُيُوفاً؛ لِأَنَّ صَوْتَها لَيْسَ بِصَافٍ، فهو كصَوْتِ الحَصَى، فهو عَدْلٌ في التَّشْبِيهِ.
قَوْلُهُ في صِفَةِ فَرَسٍ:
أَقَبَّ كسِرْحانِ الغَضَى مُتَمَطِّرٍ
أيْ: ضامِرٌ سَريعُ العَدْوِ، وهذا مِنْ أَشْجَعِ الكلامِ وأَجْزَلِهِ.
стр. 150
وقَوْلُهُ:
ولا مِثْلَ يَوْمٍ في قُذارانَ ظِلْتُهُ ... كَأَنِّي وأَصْحَابي على قَرْنِ أَغْفَرا
أيْ: على قَرْنِ ظَبْي، كِنَايةً عَنْ عَدَمِ استِقْرارِ قُلُوبِهِمْ، وعم قَلَقِهِمْ ونَحْو ذلك، كما أنَّ الذي على قَرْنِ الظَّبْي لا يَسْتَقِرُّ لِضِيْقِ مَكَانِهِ وَوُعُورَتِهِ.
وقَوْلُهُ:
وابنُ عَمٍّ قد فُجِعْتُ بِهِ ... مِثْلُ ضَوْءِ البَدْرِ في غُرَرِهِ
أَكْثَرَ النَّاسُ مِنْ تَشْبِيْهِ الشَّخْصِ بالبَدْرِ، [لكنَّ قَوْلَهُ] في غُرَرِه، مِنَ الجَزالَةِ والفَخَامَةِ ما لَيْسَ بغَيْرهِ، وغُرَرُ البَدرِ: قِيْلَ بياضُهُ وضَوْءُهُ، وقِيْلَ الأَيَّامُ البِيْضُ؛ لأنَّها غُرَّةُ الشَّهْرِ، وأَتَمُّ ما يَكُونُ القَمَرُ فِيهِنَّ.
стр. 151
قَوْلُهُ:
ألا إنَّما ذا الدَّهرُ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ ... ولَيْسَ على شَيْءٍ قَويمٍ مُسْتَمِرّْ
هذا الشَّطْرُ مما يَجْرِي مَجْرَى المَثَلِ في عَدَمِ اسْتِقْرارِ الدَّهْرِ على حَالٍ.
ودَخلَ معَ قَيْصَرَ الحَمَّامَ فَرآهُ أقْلَفَ، فقَالَ:
إني حَلَفْتُ يَمِيْناً غَيْرَ كاذِبَةٍ ... أَنَّكَ أَقْلَفُ إلا ما جَنَى القَمَرُ
إذا طَعَنْتَ بهِ مالَتْ عِمَامَتُهُ ... كما تُلَوَّى بِرَأْسِ الفَلْكَةِ الوَبَرُ
فاسْتَعارَ لِقُلْفَةِ الذَّكَرِ اسْمَ العِمَامَةِ، [وهي] مِنْ بَدِيْعِ
стр. 152
الاسْتِعارَةِ. وأَمَّا قَوْلُهُ: «إلَّا ما جَنَى القَمَرُ» فَيُرِيْدُ قَوْلَ العَرَبِ: إنَّ المَرْأَةَ إذا وَلَدَتْ في الشَّمْسِ أو القَمَرِ، لا حَائِلَ بَيْنَهما، اخْتَلَسَتْ قُلْفَتَهُ أو بَعْضَ أَسْنَانِهِ.
قَوْلُهُ:
فَعَيْناكَ غَرْبَا جَدْولٍ بِمَفاضَةٍ ... كَمَرِّ خَلِيْجٍ في صَفِيْحٍ مُنَصَّبِ
شبَّه عَيْنَيْهِ بِدَلْوِيْ جَدْولٍ لِكَثْرَةِ الدَّمْعِ.
قَوْلُهُ في صِفَةِ حِمَارِ الوَحْشِ:
يَمُجُّ لُعاعَ البَقْلِ في كُلِّ مَشْرَبِ
стр. 153
يُرِيْدُ أنَّهُ قد أكل الرَّبِيْعَ فَخَبُثَ وِرْدُ الماءِ، بِمَجِّ خُضْرَةِ العُشْبِ فيه.
قَوْلُهُ:
وقد أغتَدِي قَبْلَ الشُّروقِ بِسَابِحٍ ... أَقَبَّ كَيَعْفورِ الفَلَاةِ مُحَنَّبِ
شَبَّهَ الفَرَسَ باليَعْفورِ في خِفَّتِهِ وضُمورِهِ ورَشَاقَتِهِ. وانْظُرْ إلى لُغَتِهِ كَيْفَ يَقُولُ تارَةً كيَعْفورِ الفَلاةِ، وتَارَةً كَسِرْحَانِ الغَضَى، وتارَةً كالعُقابِ، وتارةً كَهَراوةِ المِنْوَالي، وَتَارَةً غَيْرَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ:
لَهُ جُؤْجُؤٌ حَشْرٌ كَأَنَّ لِجَامَهُ ... يُعَالِي بهِ في رَأْسِ جِذْعٍ مُشَذَّبِ
أَيْ: مَنْزوعُ السَّعَفِ، شَبَّهَ الفَرَسَ في عُلُوِّ صَهْوَتِهِ بالجِذْعِ العَالِي.
стр. 154
قَوْلُهُ:
لَهُ حارِكٌ كالدِّعْصِ لَبَّدَةُ النَّدى ... إلى كاهِلٍ مِثْلِ الرِّتاجِ المُضَبَّبِ
شَبَّهَهُ في صَلابَةِ مَقْدَمِهِ وعَجُزِهِ بالكَثِيْبِ المُلَبَّدِ، والبَابِ المُضَبَّبِ.
وقَوْلُهُ:
كُمَيْتٍ كَلَوْنِ الأُرْجُوانِ نَشَرْتُهُ ... لِبَيْعِ التِّجارِ في الصِّوانِ المُكَعَّبِ
شَبَّهَهُ في حُمْرَتِهِ بِلَوْنِ الأُرْجوانِ؛ لِأَنَّه أَظْهَرُ لِلَوْنِهِ وأَحْسَنُ لِكَوْنِهِ.
стр. 155
قَوْلُهُ:
فَقَفَّى على آيارِهِنَّ بِحَاصِبٍ ... وغَيْبةِ شُؤْبوبٍ مِنَ الشَّدِّ مُلْهِبِ
اسْتَعارَ لِجَرْيهِ اسْمَ الحاصِبِ: وهي الرِّيْحُ التي تَرْمي بالحَصْبَاءِ لِشِدَّتِها، والشُّؤْبُوبُ: وهو الدُّفْعَةُ الشَّدِيْدَةُ مِنَ المَطَرِ.
قَوْلُهُ:
يَمُرُّ كَمَرِّ الرَّائِحِ المُتَحَلِّبِ
يَعْني: [الرَّائِحُ المُتَحَلِّبُ] كَتَحَلُّبِ اللَّبن.
قَوْلُهُ:
كَأَنَّ عُيونَ الوَحْشِ حَوْلَ خِبائنا ... وأَرْحُلِنَا الجَزْعُ الذي لم يُثَقَّبِ
стр. 156
شَبَّه عُيونَ الوَحْشِ الذي صَادُوهُ وأَكَلوهُ بالجَزْعِ؛ لِجَمْعِهِما بَيْنَ السوادِ والبياضِ، وقَوْلُهُ: «الذي لم يُثَقَّب» تَحْقِيقٌ للتَّشْبِيهِ؛ فلو شَبَّهَ بالجِزْعِ ألمُثَقَّبِ أو بِمُطْلَقِ الجِزْعِ، لَكَانَ في التَّشْبِيهِ نَقْصٌ بالنِّسْبَةِ إلى الجَزْعِ المُثَقَّبِ.
وبَعْضُ الأُدَباءِ، بَلْ كُلُّ مَنْ عَلِمْنَا مِنْهُمْ، زَعَمَ أن قَوْلُهُ: «الذي لم يُثَقَّبِ» مِنْ بَابِ الإِيغَالِ، وزَعَمَ بأَنَّ التَّشْبِيهِ تَمَّ بِدُونِهِ، فإنْ أرادَ
стр. 157
مُطْلَقَ التَّشْبِيهِ فَنَعمْ، وإن أرادَ التَّشْبيهَ التَّامَ فلا نُسَلِّمُ، وعلى هذا فليسَ مِنْ بابِ الإِيغالِ.
قَوْلُهُ:
ورَاحَ كَتَيْسِ الرَّبْلِ يَنْفُضُ رَأْسَهُ ... البيت
стр. 158
يَعْنِي: مِنْ نَشَاطِهِ ومَرَحِهِ.
قَوْلُهُ:
وجُرْحُ اللِّسانِ كَجُرحِ اليَدِ
هذا مِنْ بابِ المَثَلِ، ولَقَد اقْتَصَرَ، وإلَّا فَجُرْحُ اللِّسانِ أَعْظَمُ مِنْ جُرْحِ اليَدِ، بما لا يُقَاسُ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
يَموتُ الفَتَى مِنْ عَثْرَةٍ بِلِسَانِهِ ... وَلَيْسَ يَمُوتُ المَرْءُ مِنْ عَثْرَةِ الرِّجْلِ
فَعَثْرَتُهُ بالقَوْلِ تَرْمي بِرَأْسِهِ ... وعَثْرَتُهُ بالرِّجْلِ تَبْرا على مَهْلِ
ولِذلكَ مَنْ جَرَحَ غَيْرَهُ بِلِسَانِهِ كَهِجاءٍ وشَتْمٍ وقَذْفٍ، فهو أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَجْرَحَهُ بِيَدِهِ.
قَوْلُهُ في صِفَةِ الفَرَسِ:
стр. 159
سَبُوحاً جَموحاً وإحضَارُها ... كَمَعْمَعَةِ السَّعَفِ المُوْقَدِ
شَبَّهَ حَفِيْفَ جَرْيها كَصَوْتِ السَّعَفِ في النَّارِ، وهو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
إذا ما جَرَى شأوَيْنِ وابتَلَّ عِطْفُهُ ... تَقُولُ هَزِيْزُ الرِّيْحِ مَرَّتْ بأَثْأَبِ
قَوْلُهُ:
ومُطَّرِداً كَرِشَاءِ الجَرو ** رِ من خُلُبِ النَّخْلَةِ الأَجْرَدِ
يَعْني: الرُّمحَ، شَبَّهَهُ بِرِشاء البِئْرِ العَمِيْقةِ؛ وهي الجَرورُ، لِاعْتِدالِهِ وطُولِهِ.
قَوْلُهُ في صِفَةِ الدِّرْعِ:
стр. 160
ومَشْدودةَ السَّكِّ مَوْضُونَةً ... تضاءَلُ في الطَّيِّ كالمِبْرَدِ
أَيْ: تَتَقارَبُ تكاسِيْرُها وغُصُونُها بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ؛ كَتَقارُبِ حُروفِ المِبْرَدِ. وهذا شَيْءٌ لا يُعرَفُ لِغَيْرِهِ، وهو بَدِيْعٌ جداً.
قَوْلُهُ:
تَفِيضُ على المَرْءِ أَرْدَانُها ... كَفَيْضِ الأتِيِّ على الجَدْجَدِ
أَيْ: كَفَيْضِ الجَدْولِ عَلى المَكانِ الصُّلْبِ، وشُبِّهَتْ بِالماءِ لِبَرِيْقها وصَفَائِها وَلِينها.
قَوْلُهُ في صِفَةِ كِلابِ الصَّيْدِ:
مُغَرَّثَةً زُرْقاً كَأَنَّ عُيُونَها ... مِنَ الذَّمْرِ والإِيحاءِ نَوَّارُ عِضْرَسِ
стр. 161
شَبَّهَ عُيُونَها في حُمْرَتِها بِنُوَّارِ العِضْرِسِ، وهو شَجَرٌ أَحْمَرُ [النَّوْرِ].
قَوْلُهُ:
فَأَدْرَكْنَهُ يَأْخُذْنَ بالسَّاقِ والنَّسَا ... كما شَبْرَقَ الوِلدَانُ ثَوْبَ المُقَدَّسِ
شَبَّه تَمْزِيقَ الكلابِ للثَّوْرِ الوَحْشِيِّ، بِتَمْزِيقِ الصِّبْيانِ ثَوْبَ المُقَدَّسِ، وهو راهِبٌ كانَ يأْتي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَيَتَلَمَّسُهُ الصِّبيَانُ تَبَرُّكاً بهِ حَتَّى يُمَزِّقوا ثَوْبَهُ.
قَوْلُهُ:
أَعِنِّي على بَرْقٍ أَرَاهُ وَمِيْضِ ... يُضِيْءُ حَبِيَّاً في شَمَارِيْخَ بِيْضِ
شَبَّهَ أَهْدَابَ السَّحَابِ بِشَمَارِيْخِ الجِبَالِ، وهي أَعَالِيْها.
قَوْلُهُ:
ويَهْدأُ تاراتٍ سَنَاهُ وتَارَةً ... يَنُوءُ كَتَعْتَابِ الكَسِيْرِ المَهِيْضِ
شَبَّهَ نُهوضَ الوَمِيْضِ بِتَعْتَابِ الكَسِيْرِ المَهِيْضِ، وفيهِ وَجْهانِ،
стр. 162
أحَدُهُما: أنَّ المَرِيْضَ إذا عاتَبَ ففي عِتَابِهِ ضَعْفٌ جِدّاً، وهذا في غَايَةِ اللُّطفِ والغرابَةِ، والثَّانِي: أَنَّ الكَسِيْرَ: البَعِيْرَ الذي لا يَسْتَمِرُّ على قوائمِهِ، والمَهْيِضُ: [الذي] انْكَسَرَ بَعْدَ الجَبْرِ، وتَعْتَابُهُ: مَشْيُهُ على ثَلاثِ قوائِمَ، فهو يَقْزِلُ.
قَوْلُهُ في سُرْعَةِ سَيْرِ النَّاقَةِ:
تَروحُ إذا رَاحَتْ رَواحَ جَهامَةٍ ... بإثْرِ جَهَامٍ رائِحٍ مُتَفَرِّقِ
الجَهَامَةُ: السَّحَابَةُ قد رَاقَتْ مَاءَهَا، فَهي سَرِيْعَةُ السَّيْرِ، شَبَّهَ سَيْرَ النَّاقَةِ بِهَا.
قَوْلُهُ:
إذا المَرْءُ لم يَخْزُنْ عَلَيْهِ لِسَانَهُ ... فَلَيْسَ على شَيْءٍ سِوَاهُ بِخَزَّانِ
هذا مما يَجْري مجرى الأَمْثَالِ والحِكَم.
стр. 163
قَوْلُهُ:
كَأَنَّ قُرونَ جِلَّتِهَا العِصِيُّ
شَبَّه قرونَ المِعْزَى بالعِصِيِّ.
قَوْلُهُ:
إذا ما قامَ حالِبُها أَرَنَّتْ ... كَأَنَّ القَوْمَ صَبَّحَهُمْ نَعِيُّ
هذا مِنْ جَيِّدِ التَّشْبِيهِ وبَلِيْغِهِ.
قَوْلُهُ:
تَروحُ كَأَنَّها مِمَّا أصَابَتْ ... مُعَلَّقَةٌ بِأَحْقِيها الدُّلِيُّ
стр. 164
وهذا أيضاً كالذي قَبْلَهُ، شَبَّهَ ضُروعَهَا بالدِّلاءِ لِكَثْرَةِ لَبَنِها.
قَوْلُهُ:
كَأَنَّ تجاوُبَ الحُلَّاب فيها ... وَقَدْ حَشَكَتْ حوافِلُها دَوِيّ
شَبَّه أصْواتَ الحلَّابِيْنَ لها بالدَّوِيِّ، وهو الصَّوْتُ العَالِي المُسْتَدِيرُ الَّذي لا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ.
وليَكُنْ هذا آخرَ البَابِ، وقد ذَكَرْتُ فيهِ جُلَّ تَشْبِيهاتِهِ واسْتِعاراتِهِ ومَحَاسِنها، ولم أُخِلَّ مِنْها إلا بالأَقَلِّ، إما رَغْبَةً عَنْهُ، أو ضَجَراً مِنْهُ، لاقتِضاءِ الحالِ ذلكَ، واللهُ أعْلَمُ بالصوابِ.
стр. 165
البَابُ الخَامِسُ
فِي فَوَائِدَ مِنْ كَلَامِهِ مِنْ كَشْفِ مُشْكِلٍ وَغَيْرِهِ
وقد سَبَقَ أَنَّهُ في أوَّلِ شِعْرِهِ وَقَفَ واسْتَوْقَفَ، وبَكَى واسْتَبْكَى، وذكرَ الحَبِيْبَ والمَنْزِلَ في مِصْراعٍ واحِدٍ، وهذا مِنْ مَحَاسِنِ التَّشْبِيْهاتِ والفَوائِدِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: «بِسِقْطِ اللِّوَى».
يَجُوزُ تَعَلُّقُ البَاءِ بِقِفَا وَنَبْكِ وذِكْرى، وهو أَوْلَى.
стр. 166
قَوْلُهُ:
فَتُوضِحَ فالمِقْرَاةِ لم يَعْفُ رَسْمُها ... لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنوبٍ وشَمْأَلِ
إنْ قِيْلَ هذا تَنَاقُضٌ؛ لأنَّ نَسْجَ الرِّيْحَيْنِ لَهَا يَقْتَضِي عُفوَّها ودُرُوسَها، فَكَيْفَ نَفَاهُ مع ذَلِكَ؟ . والصَّوابُ إثْبَاتُهُ كما قَالَ النَّابِغَةُ:
عفا آيَهُ نَسْجُ الجَنوبِ مَعَ الصَّبَا ... وأسْحَمُ دانٍ مُزْنُهُ مُتَصَوِّبُ
فَجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: لا نُسَلِّمُ أنَّ نَسْجَ الرِّيْحَيْنِ لها يَقْتَضِي عُفُوَّها.
الثَّاني: سَلَّمْنَا ذَلِكَ، لكن أَيُّ الرِّيحَيْنِ يَقْتَضِي نَسْجُهما لِلْمَنْزِلِ عُفُوَّهُ، المُتَقَابِلَينِ أو المُتَقارِبَيْنِ؟
الأَوَّلُ مَمْنُوعٌ لِلَّذِي ذَكَرَهُ امرؤُ القَيْسِ؛ لِأَنَّ الجَنُوبَ تُقابِلُ الشَّمَالَ في الجِهَةِ، فكُلَّما عَفَتْ إحداهُما شَيْئاً مِنْهُ، كَشَفَتْهُ الأُخْرَى
стр. 167
مِنْهُما، كَمَا قَالَ القائِلُ:
تَنَافَرَتْ غَنَمِي يَوْماً فقلتُ لها: ... يا ربِّ سَلِّطْ عليها الذِّئْبَ والضَّبُعَا
لِأَنَّهُما إذا اجتَمَعا، اختَصَما وسَلِمَتِ الغَنَمُ، فهو دُعاءٌ لَهَا لا عَلَيْها، بِخِلافِ ما إذا طَرَقَاها مُنْفَرِدَيْنِ.
والثاني مُسَلَّمٌ، وهو الَّذي ذَكَرَهُ النَّابِغَةُ؛ لِأَنَّ الجَنوبَ تَهُبُّ مِنْ ناحِيَةِ سُهَيْلٍ، والصَّبا مِنْ مَشْرِقِ الاسْتواءِ، وهما مُتَقاربانِ، فَيَتَّفِقانِ على الرَّبْع فَيَعْفوانِهِ.
стр. 168
الثَّالِثُ: سَلَّمنا ذلِكَ، لَكِنَّ النَّابِغَةَ لم يَقْتَصِرْ في عُفوِّ الرَّبْعِ على نَسْجِ الرِّيْحَيْنِ لَهُ، بل ذَكَرَ مَعَهما المَطَرَ بِقَوْلِهِ: «وَأَسْحَمُ دانٍ مُزْنُهُ مُتَصَوِّبُ»، ولم يَذْكُرْ امرؤُ القَيْسِ ذلكَ، ولا يَلْزَمُ مِنْ عُفوِّ الرَّسْمِ بثلاثَةِ أَشْيَاءَ غُفُوَّهُ بِشَيْئَيْنِ.
الرَّابعُ: أنَّ مُرادَ امْرئِ القَيْسِ «لم يَعْفُ رَسْمُها» [لا] لِنَسْجِ الرِّيحِ لَهَا، بَلْ لِتَقَادُمِ الزَّمَنِ كما في قَوْلِهِ:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكرَى حَبِيْبٍ وعِرْفانِ ... ورَسْمٍ عَفَتْ آياتُهُ مُنْذُ أَزْمانِ
وَكَقَوْلِ زُهَيْرٍ:
لِمَنِ الدِّيارُ، بِقُنَّةِ الحِجْرِ؟ ... أَقْوَيْنَ، مُذْ حِجَجٍ، ومِنْ دَهْرِ
وقَوْلُهُ:
قِفْ بالدِّيارِ، التي لمْ يَعْفُها القِدَمُ ... بَلَى، وغَيَّرَها الأرواحُ والدِّيَمُ
стр. 169
قَوْلُهُ:
وُقُوفاً بها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُم ... البيت
يَجوزُ تَعَلُّقهُ بِقَوْلِهِ: «قِفَا نَبْكِ» فَيكونُ لِنَصْبِ وقوفاً وَجْهانِ، أَحَدُهُما: على المَصْدرِ؛ أَيْ: قِفَا نَبْكِ، فَقَدْ وَقَفَ وقوفاً بها صَحْبِي. والثَّاني: حالٌ؛ أيْ: قِفا وقوفاً بها صَحْبِي؛ أيْ: حَالَ وقوفِ حَصْبي، ويحُوزُ تَعَلُّقُهُ بِقَوْلِهِ:
كَأَنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا ... لَدَى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حَنْظَلِ
فالتَّقديرُ كَأنِّي نَاقِفُ حَنْظَلٍ إذا كانَ وُقُوفاً بها صَحْبِي.
قَوْلُهُ:
فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دارسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
إن قِيْلَ هذا أيْضَاً يُعارِضُ قَوْلُهُ: «لم يَعْفُ رَسْمُها»، وقد
стр. 170
جَعَلَهُ هنا دارِساً، فَجوابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُما: الوَجْهُ الرَّابعُ مِمَّا سَبَقَ، وبِهِ يَزولُ التَّعارُضُ، الثَّاني: حَمْلُ الدَّارسِ على من لا ساكِنَ بِهِ، والعَافِي على ما خَفِيَتْ آثارُ أَهْلِهِ ومَعَالِمُهُم مِنْهُ، ولا تَنَافِي بَيْنَ ذَهابِ السُّكانِ وبَقَاءِ آثارِهِم.
قَوْلُهُ:
كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها .... البيت
ويروي كَدِيْنِك، والدَّأْبُ والدِّينُ: العَادَةُ، والمَعْنَى: أَنْتَ في هذا كَدَأْبِكَ قَبْلَهُ مَعَ أُمِّ الحُوَيْرِثِ؛ أي: لا يَنْفَكُّ مُغْرَماً عاشِقاً كُلَّما
стр. 171
ذَهَبَ عَنْكَ غرامُ شَيْءٍ خَلَفَهُ غَيْرُهُ. ويُحْتَمَلُ أنَّه تَحْرِيْضٌ لِنَفْسهِ على مُلَازَمَةِ الغَرامِ والعِشْقِ؛ أَيْ: كُن كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الحُوَيْرِثِ فلا تَخْلُ مِنْ غرام وعِشْقٍ، فلا عَيْشَ إلا لِلْعُشَّاقِ كما قالَ الشَّيْخُ عُمَرُ بنُ الفَارِضِ ﵁:
نَصَحْتُكَ عِلْماً بِالْهَوَى، وَالَّذِي أَرَى ... فَخَالَفتَنِي فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ مَا يَحْلُو
قَوْلُهُ:
إذا قامتا تَضَوَّع المَسْكُ مِنْهُمَا
стр. 172
يعني: أمَّ الحُوَيرثِ وجارتَها
يُرْوى: المِسْكُ بِكَسْرِ المِيْمِ، وهو الطِّيْبُ، فهو كَقَوْلِهِ:
ويُضْحي فَتِيتُ المِسْكِ فَوْقَ فِرَاشِهَا
ويُرْوَى المَسْكُ بِفَتْحِ المِيْمِ، وهو الجِلْدُ؛ أي: جِلْدُهُما يَتَضَوَّعُ طِيْباً، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَيُحْتَمَلُ أنَّهُ كَقَوْلِهِ:
وَجَدْتُ بها طِيبَاً وإنْ لم تَطَيَّبِ
أي: يَضَّوَّعُ جلْدُها طِيْبَاً مِنْ غَيْر تَطَيُّبٍ.
стр. 173
قَوْلُهُ:
فَفَاضَتْ دُموعُ العَيْنِ مِنِّي صَبَابَةً ... البيت
يَجُوزُ انْتِصَابُ صَبَابَةً على التَّمييزِ والمَفْعولِ لَهُ، وَقَوْلُهُ: «حَتَّى بَلَّ دَمْعِيَ مِحْمَلي» هو السَّيْرُ الذي يُحْمَلُ بهِ السَّيْفُ، يُحْتَملُ أَنَّهُ ابْتَلَّ بالدَّمْعِ مَعَ جَمِيْعِهِ مُبَالَغَةً، ويُحْتَمَلُ أَنَّ المُرَادَ ابْتِلَالُ ما قابَلَ النَّحْرَ مِنْهُ، وهو ما على الصَّدْرِ مِنَ المِحْمَلِ، ويكونُ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الجُزْءِ باسم الجُمْلَةِ.
قَوْلُهُ:
ألا رُبَّ يَوْمٍ صَالحٍ لَكَ مِنْهُما
стр. 174
ويُرْوَى:
ألا رب يَوْمٍ لكَ مِنْهُنَّ صَالِحٌ
والأَوَّلُ أَشْبَهُ تَعْلِيقاً لِلْكَلَامِ بأُمِّ الحُوَيْرِثِ وَجَارَتِهَا.
قَوْلُهُ: «ولا سيَّما يَوم» يَجُوزُ في يَومِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ والجَرُّ، على الخَبَرِ والاستثناءِ والإِضافةِ.
стр. 175
قَوْلُهُ:
فيا عَجَبا لِرَحْلِها المُتَحَمَّلِ
ويُرْوَى: «من رَحْلِها» وهو أَجْوَدُ، لِسَلامَتِهِ، مِنَ الزِّحافِ مَعَ اسْتِوَاءِ مَعْنَاهُما، وَعَجَباً: بِمَعْنَى عَجَبي، فهو غَيْرُ مُنَونٍ، مِنْ بَابِ يا غُلامِي، ويا غُلامَا.
قَوْلُهُ:
ويَوْمَ دَخَلْتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَةٍ
ويُرْوَى: «يَوْمَ عُنَيْزَةٍ» فَفِيها قَوْلانِ، أَحَدُهُما ذلكَ، والثَّانِي:
стр. 176
عُنَيْزَةُ أرضٌ أو جَبَلٌ؟ فَأَما قَوْلُهُ:
تَراءَتْ لَنَا يوماً بِسَفْحٍ عُنَيْزَةٌ
فهو جَبَلٌ.
قَوْلُهُ: «وقد مالَ الغَبِيْطُ بنا مَعَاً»؛ أي: مَيْلةً وَاحِدَةً فِي زَمَنٍ واحدٍ، وَهُوَ مُمْكِنٌ، بَلْ وَاجِبٌ.
فأما قَوْلُهُ: «مُقْبلٍ مُدْبرٍ مَعَاً» في صِفَةِ الفَرَسِ، فهو في الحَقِيْقَةِ مُحَالٌ، إذ زَمَنُ الإقبَالِ غَيْرُ زَمَنِ الإِدْبَارِ، وإنَّما ذَكَرَهُ مُبالَغَةً.
قَوْلُهُ:
فَمِثْلُكِ حُبْلَى قَدْ طَرَقتُ وَمُرْضِعٍ
стр. 177
أيْ: فَرُبَّ مِثْلُكِ، كَقَوْلِهِ:
فَمِثْلُكِ بَيْضَاءِ العَوارِضِ طَفْلَةٍ
وقَوْلِ الآخَرِ:
يا ربَّ مِثْلِكِ في النِّسَاءِ غَرِيَرَةٍ ... بَيْضاءَ قَدْ مَتَّعْتُها بِطَلاقِ
وَيَجُوزُ فِي «مُرضعٍ» الرَّفْعُ والنَّصْبُ والجَرُّ.
قَوْلُهُ:
فَأَلْهَيْتُها عَنْ ذي تمائِمَ مُحْوِلِ
أيْ: قَدْ أَتى لَهُ حَوْلٌ، فهو كَقَوْلِهِ:
. لو دَبَّ مُحْوِلٌ ... مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإِتْبِ منها لَأثَّرا
стр. 178
فأمَّا قَوْلُهُ:
بِجِيْدٍ مُعَمٍّ في العَشِيْرَةِ مُخْوَلِ
فَهُو بخاءٍ مُعْجَمَةٍ؛ أَيْ: كَرِيْمُ الخَالِ.
قَوْلُهُ:
أَغَرَّكِ مِنِّي أَنَّ حُبَّكِ قاتِلي ... وأَنَّكِ مَهْمَا تَأْمُري القَلْبَ يَفْعَلِ
أنكَرَ بَعْضُهُم عليهِ هذا، وقالَ: لِمَ تَسْتَغْربُ منها شَيْئاً، وقد أَعطَيْتَها سَبَبَهُ، وأَيُّ شَيْءٍ يُطْعِمُها فِيْكَ أَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرْتَ. وجَوابُهُ أنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ: لا تَغْتَرِّي بشِدَّةِ إقبالِي عَلَيْكِ، ومَحَبَّتِي لَكِ، فتُسْرِفي في التَّمَنُّعِ، فَإنَّ لي هِمَّةَ المُلُوكِ، فإنْ لم تُنْصِفِيْني في هَواكِ، أَعْرَضتْ بي هِمَّتِي عَنْكِ، فهو كَقولِ الآخَرِ:
ضَلَّتْ ولو كُنْتُ في هذا كما زَعَمَتْ ... ما كُنْتُ أُغْمِضُ أجفاني على الضَّررِ
قَوْلُهُ:
تجاوَزْتُ أحراسَاً إليها ومَعْشَرَاً ... عَلَيَّ حِراصاً لو يُسِرُّون مَقْتَلِي
стр. 179
يُروى بالسِّيْنِ على مَعْنَى يُخفونَهُ، وَيَجْعَلُونَهُ سِرّاً فَيَضيعُ خَبَري، إمَّا صيانَةً لِأعْرَاضِهِمْ، أو خَشْيَةً مِنْ مُطَالِبِهم بِدَمِي، وبالشِّيْنِ المُعْجَمَةِ، ولَهُ وَجْهانِ: أَحَدُهُما: أنَّه مِنَ الشَّرِّ ضِدَّ الخَيْرِ؛ أيْ: يَقْتُلونِي شَرَّ قِتْلَةٍ كَمُثْلَةٍ ونَحْوِها، والثَّانِي: هو مِنْ شَرَّرْتُ الثَّوْبَ؛ أيْ: نَشَرْتُهُ؛ يَعْنِي: يُظهِرونَ مَقْتَلي افْتِخاراً بي؛ لأَنِّي مَلِكٌ، فَقَتْلِي مما يُفْتَخَرُ بهِ.
قَوْلُهُ:
فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وانْتَحَى ... بِنَا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي قِفافٍ عَقَنْقَلِ
стр. 180
كثيرٌ مِنْ أهْلِ اللُّغَةِ زَعَمُوا أنَّ الواوَ في «وانْتَحى» زَائِدَةٌ، وجَعَلُوهُ شَاهِداً في زِيادَةِ الواوِ في نَحْوِ: ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها﴾ [الزمر: ٧٣]، ﴿فلما أسلما وتله للجبين﴾ [الصافات: ١٠٣]، ﴿ولقد ءاتينا موسى وهارون الفرقان وضياء﴾ [الأنبياء: ٤٨]، ﴿وثامنهم كلبهم﴾ [الكهف: ٢٢] وأَشْبَاهُ ذَلِكَ، وهو وَهْمٌ، بَلِ الوَاوُ هُنَا عَاطِفَةٌ، وجَوابُ «لَمَّا» قَوْلُهُ:
هَصَرْتُ بِفُودِي رَأْسَها فتَمَايَلَتْ .... البيت
قَوْلُهُ:
وجِيْدٍ كَجِيْدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ ... إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ
كثيراً ما يستَشْهِدُ الأُصُولِيُّونَ بهذا البَيْتِ على أنَّ النَّصَّ في اللَّغَةِ الكَشْفُ والظُّهورُ، والكَلامُ في تَحْرِيرِهِ غَيْرَ هَاهُنَا.
следующие страницы →