Полный текст (201 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
موائد الحيس في فوائد القيس
المؤلف
سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين (المتوفى: ٧١٦ هـ)
المحقق
مصطفى عليان
الناشر
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويت
الطبعة
الأولى سنـ ١٤٣٥ ـة هـ
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
الحمد للهِ مُعَلِّمِ البيان، ومُلْهِمِ التِّبيانِ، الذي جَعَلَ الأَدبَ مَرْكَباً غَيْرَ كابٍ، ومَضْرَباً غَيْرَ نَابٍ، يَرْفَعُ الوَضِيْعَ، ويَضَعُ الجَهْلُ بهِ الرَّفِيْعَ، حَتَّى إِنَّهُ مِيزانُ الأَفْكارِ، وعُنوانُ الأَقْدارِ، ومُعَرِّفُ قِيْمَةِ الإِنْسَانِ، والمُمَيِّزُ بَيْنَ الإِسَاءةِ والإِحسَان، لم يَتَحَلَّ بهِ إلا فُحولُ الرِّجالِ، ولم يَتَخَلَّ مِنْهُ إلَّا مَنْ هو سَواءٌ وَربَّاتِ الحِجَالِ. والصلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ، سَيِّدِ الأَواخِرِ والأَوائِلِ، والمُبَرِّزِ بِفَضْلِهِ على كُلِّ فاضِلٍ، أَفْصَحِ مَنْ نَطَقَ بالضَّادِ، وأَبْلَغِ مَنْ نَزلَتْ عليه الأَعْوادُ، وعلى آلهِ الأُدَباءِ الأَفاضِلِ المُجَلِّينَ في حَلَبَةِ الفضائِلِ، والفَواضِلِ على كل حافٍ وناعِلٍ، ورابحٍ ونائلٍ.
أَمَّا بَعْدُ، فهذا إِملاءٌ في الأَدَبِ، سَمَّيْتُهُ «موائِدَ الحَيْسِ في فوائِدِ امرئ القَيْسِ»، أَلَّفْتُهُ حَسَبِ سُؤالِ سائلٍ ذي نباهَةٍ في الأَدَبِ، ورَغْبَةٍ في الطَّلَبِ، ورَتَّبْتُهُ على مُقَدِّمَةٍ وأَبْوابٍ خَمْسَةٍ:
البَابُ الأَولُ: في مُتَشابِهِ كلامِ امِرْئِ القَيْسِ بَعْضِهِ بِبَعْضِ.
стр. 3
البَابُ الثَّاني: في مُتَشَابِهِ شِعْرِهِ بِشِعْرِ غَيْرِهِ.
البَابُ الثَّالِثُ: في سَبَبِ اشتِباهِ كلامِهِ بعضِهِ ببَعْضٍ.
البَابُ الرابعُ: في مَحَاسِنِ تَشْبِيهَاتِهِ وأَشْعَارِهِ وأَمْثَالِهِ.
البَابُ الخامِسُ: في فوائِدِ كَلامِهِ، من كَشْفِ مُشْكِلٍ ونَحْوِهِ.
وعلى الله اعتِمَادِي، وإِليه نَجَاتِي وإِسنادي، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإِليهِ أُنِيْبُ.
القَوْلُ في المُقَدِّمَةِ:
وهي تَشْتَمِلُ على تَفْسِيرِ اسْم هذا الكِتَابِ، ولِمَ اختَرْتُ تَسْمِيَتَهُ بهِ، ولِمَ خَصَصْتُ امرأَ القَيْسِ بالكَلامِ على فوائدِهِ دونَ غَيْرِهِ.
أما اسمُ الكِتابِ، فالموائِدُ جَمْعُ مائِدَةٍ، وهي الخُوانُ عَليهِ الطَّعامُ، فإِنْ لم يَكُنْ عليهِ طَعَامٌ فهو خُوانٌ فَقَطْ، وأما الحَيْسُ: فهو أَخلاطٌ من خُبْزٍ وسَمْنٍ وحلاوَةٍ، وإذا أُتقِنَ عَمَلُهُ، واستُجِيْدَتْ موادُّهُ، كانَ من جَيِّدِ الحَلاواتِ. والفوائِدُ جمعُ فائِدَةٍ، وهي المَعْنَى المُدْرَكُ بالفُؤادُ، وهو القَلْبُ؛ لأَنَّهُ مَحَلُّ القُوَّةِ المُدْرِكَةِ، وهي العَقْلُ عِنْدَ كَثيرٍ مِنَ النَّاسِ.
وامرؤُ القَيْسِ: هو ابنُ حُجْرٍ، بِضَمِّ الحاء وسُكونِ الجِيْمِ، الكِنْدِيُّ، وأَمَّا أَوْسُ بنُ حَجَرٍ فبفَتْحِهِما، وهو واحِدُ الأَحْجارِ،
стр. 4
وامرؤُ القَيْسِ: مُضافٌ ومُضافٌ إِليهِ، فالمُضافُ امرؤُ وهو مُذَكَّرُ امرأةٍ، كما أَنَّ المَرْءَ مُذَكَّرُ مَرْأَةٍ، يُقَالُ: امْرَةٌ وامرَأَةٌ ومَرْأَةٌ، والمُضَافُ إليه القَيْسُ، وهو مَصْدَرُ قاسَ يَقِيسُ قَيْساً وقِياساً، وهو الاسْتِدلالُ والاعتِبَارُ. وأَخْذُ أَحكامِ الأَشْياءِ بَعْضِها مِنْ بَعْضٍ، ومِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ لأَبِي مُوْسَى: «قِسِ الأُمورَ بِرَأْيكَ، واعرِفِ الأَشْبَاهَ والنَّظائِرَ» أو كَما قَالَ. فامرؤُ القَيْسِ إذاً بِمَعْنَى قَوْلِهم: قيسُ الرَّأْيَ، فَمَعْنَاهُ، إِنْسَانُ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّ رَأَيَهُ ومَعْرفَتَهُ بالأُمور كان جَيِّداً، وقد دَلَّ على ذلكَ جَوْدَةُ شِعْرِهِ، وإبداعُهُ فيه، ولِأَنَّهُ كَانَ مَلِكاً،
стр. 5
ولا يُسْتَنْكَرُ لَهُ جَوْدةُ الرَّأْي والمَعْرِفَةِ، ثُمَّ قِيْلَ: امرؤُ القَيْسِ اسمُهُ العَلَم، وقيل: اسمُهُ عمرٌو أَوْ غَيْرُهُ، وامرؤُ القَيْسِ: لَقَبٌ، وإِعرابُهُ مِنْ مَوْضِعَيْنِ؛ الراءِ والهَمْزَة، فَنَقولُ: هذا امرُؤُ القَيْسِ بِضَمِّهِما، ورَأَيْتُ امرَأَ القَيْسِ بِفَتْحِهِمَا، ومَرَرتُ بامرِئ القَيْس بِكسْرِهما.
وأما اختياري تَسْمِيَةَ الكِتابِ بهذا الاسمِ، فلأَنِّي كُنْتُ مَرَّةً في سَفَرٍ، ومَعَنَا قَوْمٌ حُجَّاجٌ، وقد تَزَوَّدوا بزادِ الحَجِّ، ومن جُمْلَتِهِ حَيْسٌ، فَرَمَى إِليَّ بَعْضُهم قِطْعَةً فَأَكَلْتُها، فلم أَجِدْني أَكَلْتُ أَطْيَبَ منها، فَلِذلِكَ سَمَّيْتُ هذا الكِتَابَ بِذلكَ، وأَيْضاً تَحْصيلاً للتَّناسُبِ في فاصِلَتَيْ الاسمِ.
وأَمَّا تَخْصِيْصي امرأَ القَيْسِ بالكَلامِ على فَوائِدهِ، فلِوجُوهٍ؛ أَحَدُها: الإِجْمَاعُ على أَنَّهُ من الطَّبَقةِ الأولى مِنَ الشُّعراءِ، وإِنْ كانَ قد اختُلِفَ في أَيُّهُمْ أَشْعَرُ؟ فقالَ قَوْمٌ: امرؤُ القَيْسِ وهو الأَكْثَرُ، وقِيلَ: النَّابِغَةُ، وقِيْلَ: زُهَيْرٌ، وقِيْلَ: الأَعْشَى، وكان عُمَرُ يُفَضِّلُ
стр. 6
النَّابِغَةَ، وعَلِيٌّ يُفَضِّلُ .....................
стр. 7
امرأَ القَيْسِ، وذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلى أَنَّ كلَّ واحِدٍ منهم بَرَّز على أَصْحابِهِ في فَنٍّ، فَقَالَ: أَشْعَرُهُم امرؤُ القَيْسِ إذا رَكِبَ، والنابِغَةُ إذا رَهِبَ، وزُهَيْرٌ إذا رَغِبَ، والأَعْشَى إذا طَرِبَ، والمختارُ أَنَّ أَشْعَرَهُمْ امرؤُ القَيْسِ والأَعْشَى، فَهُما سِيَّانِ، أو مُتقَارِبانِ جداً، وعلى شِعْرِ الأَعْشَى مِنْ نَهْجَةِ البَلاغَةِ ما يَقْتَضِي تَفْضِيْلَهُ.
стр. 8
والوَجْهُ الثَّاني: أَنَّ في كلام امْرِئِ القَيْسِ مِنَ البلاغَةِ والجَزالةِ الخَاصَّةِ ما لا يُوجَدُ في كلامِ غَيْرِهِ، وسَبَقَ مِنَ التَّشْبِيهاتِ والاسْتِعارَاتِ إِلى مالَمْ يُسْبَق إليهِ، والنَّاسُ بَعْدَهُ تَبَعٌ لَهُ فِيهِ.
الوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُرْوَى عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «امرؤُ القَيْسِ حَامِلُ لواءِ الشِّعْرِ إلى النَّارِ»، وهذا شَهادَةٌ لَهُ بالتَّقَدُّمِ، وَلَمَّا سَمِعَ
стр. 9
قَوْلَهُ: «قِفا نَبْكِ مِنْ ذِكرى حَبِيْبٍ ومَنْزِلِ» قال: «قاتَلَهُ اللهُ! وقَفَ واستَوْقَفَ، وبكى واسْتَبكى، وذَكَرَ الحبيبَ والمَنْزِلَ في مِصْراعٍ واحِدٍ»، وهذا تنبيه حَسَنٌ على مَعْنًى حَسَنٍ، ونَحْوَ هذا ما قِيْلَ في قَوْلِهِ : ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رآده إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ [القصص: ٧]، إِذْ أتَى بأَمْرَينِ ونَهْيينِ وخَبَرَيْنِ، هما بُشْرَيانِ في آنةٍ واحِدَةٍ.
ولوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ أَمِيْرَ المؤمنينَ عليّاً كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، وهو أَوْحَدُ العالَمِ في الفصاحَةِ ونَقْدِ الكلامِ، سُئِل عَنْ أَشْعَرِ الشعراءِ، فَقالَ: إِنَّ القَوْمَ لم يَجْروا في حَلَبَةٍ تُعْرَفُ الغايَةُ عِنْدَ قَصَبَتِها، فإِنْ كانَ ولا بُدَّ فالمَلِكُ الضِّلِّيلُ؛ يُريدُ: امرأَ القَيْسِ.
وهذا الكلامُ مَذْكُورٌ في النَّهْجِ، والكلامُ عَلَيْهِ في أُمورٍ:
стр. 10
أَحَدُها: أَنَّ النَّهْجَ مِنْ كَلامِ عَلِيٍّ ﵁. فإنَّ بَعْضَ النَّاسِ نازعَ في ذلكَ، والدَّليلُ عَلَيْهِ أَنَّ نَهْجَ البلاغَةِ إِمَّا أَنْ يُقالَ: إِنَّهُ مِنْ كلامِ عَليٍّ أو مِنِ اختِراعِ الشَّريفِ المُوْسَويِّ مُؤَلِّفِهِ، أو مَجموعٌ مُنْتَحَلٌ مِنْ كَلَامِ خُطَباءِ العَرَبِ وفُصائِحهِمْ، ولا رَابِعَ لِهذهِ الأَقْسَامِ الثَّلاثَةِ، والقِسْمانِ الأَخيرانِ بَاطِلانِ، فَتَعَيَّنَ الأَوَّلُ.
أَمَّا بُطلانُ كَوْنِهِ مِنِ اختراعِ الشَّرِيْفِ؛ فَلِأَنَّ ديوانَ الشَّرِيْفِ الرَّضِيِّ مَوْجُودٌ في العالَم مَشْهورٌ، وَبَيْنَهُ وبَيْنَ نَهْج البَلاغَةِ
стр. 11
في الفصاحَةِ بَوْنٌ بَعِيْدٌ يَظْهَرُ لِمَنْ لَهُ أَدْنى فَضِيْلَةً، مَعَ أَنَّ شِعْرَ كُلِّ واحِدٍ أَفْصَحُ كلامِهِ؛ لأَنَّهُ يَجْتَهِدُ في تَثْقِيْفِهِ بِخلافِ غَيْرِهِ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ عُرْضَةٌ للطَّاعِنِ والمُزَيِّفِ والعادِلِ والمُتَحَيِّفِ، فَدَلَّ على أَنَّ النَّهْجَ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ [الشَّرِيْفِ] الرَّضِيِّ، بل مِنْ كلامِ الرَّضِيِّ والمُرْتَضَى عليٍّ ﵁.
وأَمَّا بطلانُ كَوْنِهِ مَجْموعاً مِنْ كلامِ خُطباءِ العَرَبِ؛ فَلأَنَّ كلامَ أُولئِكَ مَشْهورٌ، قد جَمَعَهُ الجاحِظُ في كِتاب «البَيانِ والتَّبيين»، وقد رَأَيْنَاهُ ورَأَيْنا النَّهْجَ، ولَيْسَ في النَّهْجِ مِنْ كلام أولئكَ شَيْءٌ بِلَفْظِهِ، إلا المَشْهورَ المُشْتركَ بَيْنَ الخُطَباءِ العَرَبِ، كَبَيْتِ شِعْرٍ أو مَثَلٍ ونَحْوِهِ، ثُمَّ إِنَّ أَخْطَبَ العَرَبِ مَنْ يُضْرَبُ به مِنْهُم المَثَلُ في الخطابَةِ وهو سَحْبَانُ وائلٍ والحَجَّاجُ، إذ يقالُ: أَخْطَبُ مِنَ
стр. 12
الحَجَّاجِ، وأَبْلَغُ مِنْ سَحْبانِ وائِلٍ، يُقالُ: إِنَّ سَحْبَانَ خَطَبَ يَوْماً بِأَجْمَعِهِ إلى اللَّيْلِ فَلَمْ يَتَلَجْلَج، ولم يَتَلَعْثَمْ، ولم يُفَكِّرْ، فَضُرِبَ به المَثَلُ، وبَيْنَ كلام هذينِ وغيرِهِما مِنْ خُطباءِ العَرَبِ، وبَيْنَ كلامِ النَّهْجِ بَوْنٌ بَعِيْدٌ، يَعْرِفُهُ أَهْلُ النَّقْدِ، فَلَيْسَ كلامُهُ مأخوذاً مِنْ كلامِهِمْ.
وأيضاً فإِنَّ أَفْصَحَ الكلامِ كَلامُ اللهِ القُرآنِ، ثُمَّ كَلامُ رسُولِهِ ﷺ ، لِقَوْلِهِ: «أَنَا أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بالضَادِ» ثُمَّ كلامُ النَّهْجِ،
стр. 13
وقَدْ أُجْمِعَ على تَقَدُّمِ عَلِيٍّ في الفَصَاحَةِ على غَيْرهِ، حَتَّى إِنَّ فُصَحاءَ الأُمَّةِ بَعْدَهُ وكُتَّابَهُمْ؛ كَعْبَدِ الحَمِيدِ ونَحْوِهِ، تَلامِيْذُهُ وتابِعُونَ لِطَرَيْقَتِهِ، فكانَ أَوْلى بِنِسْبَةِ النَّهجِ إِليهِ مِنْ غَيْرِهِ.
стр. 14
وأيضاً فإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُشْبِهُ بَعْضُ كلامِهِ بَعْضاً، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ المُحَدِّثِيْنَ جَعْلَ هذا طَرِيْقَاً في نَقْدِ الحَدِيْثِ وتَصْحِيحِهِ مِنْ إِبْطالِهِ، فَيقولُ: هذا حديثٌ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّهُ لا يُشْبِهُ كلامَ النَّبِيِّ ﷺ . ونَحْنُ فَقَدْ قَابَلْنَا بَيْنَ النَّهْجِ وبَيْنَ ما صَحَّ لنا مِنْ كلامِ عليٍّ بالإِسنادِ الصَّحِيْحِ، فَوَجَدْنَاهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضَاً، خارِجَاً مِنْ مِشْكاةٍ واحِدَةٍ، وكَثِيرٌ من كلامِ النَّهْجِ مَوْجُودٌ في غَيْرِهِ عَنْ عليٍّ ومُسْنَدٌ.
الأَمْرُ الثَّاني: في قَوْلِهِ ﵁: «إِن القَوْمَ لم يَجْروا في حَلَبَةٍ تُعْرَفُ الغايَةُ عِنْدَ قَصَبَتِها ... إلى آخرِهِ». اعْلَمْ أَنَّ هذا كلامٌ عَظِيْمُ الوَقْعِ، وعُذْرُهُ بَعِيْدٌ يَحْتَاجُ إلى كَشْفٍ، وهو مِنْ إشاراتِهِ اللَّطِيفَةِ، وإبداعاتِهِ العَجِيْبَةِ، فَأَقُولُ في إِيضَاحِهِ إِنَّ الشُّعَرَاءَ بِحَسَبِ الغَرَضِ قَدْ يَتَكَلَّمونَ في معنًى واحِدٍ؛ كَوَصْفِ السَّحابِ والفَرَسِ، كما تَكَلَّمَ امرؤُ القَيْسِ وعَلْقَمَةُ
стр. 15
والتَّوْءَمُ اليَشْكُريُّ في ذلكَ، وقد يَتَكلَّمونَ في معاني شَتَّى، كُلُّ واحِدٍ مِنْهُمْ في مَعْنًى، فَبِالاعتِبَارِ الأَوَّلِ: يُمكِنُ التَّفْضِيلُ بَيْنَهُمْ بالحَقِيْقَةِ، وإليه أَشارَ بقولِهِ: «إن القَوْمَ لم يَجْروا في حَلَبَةٍ تُعْرَفُ الغايَةُ عِنْدَ قَصَبَتِها»؛ أي: لم يَتَكَلَّموا في مَعْنًى واحِدٍ حَتَّى يُعْرَفُ أَفْضَلُهْم فيه بالحَقِيْقَةِ.
стр. 16
وبالاعتِبار الثَّاني: إِنَّما يُعْرَف التَّفضِيْلُ بَيْنَهم بالتَّقْرِيْبِ بِحَسَبِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُمْ في مَوادِّ شِعْرِهِم، مِثْلَ أَنْ نَنْظُرَ: أَيُّهم أَحْسَنُ مبَادِي ومَقَاطِعَ وتَشْبِيهاتٍ واسْتِعارَةٍ، وأَشَدُّ تَمَكُّنَ فواصِلَ، وأَقَلُّ صَوْناً في شِعْرِهِ، فَيُحْكَمُ لَهُ، وإليهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: «فإن كانَ ولا بُدَّ، فالمَلِكُ الضِّلِّيلُ»؛ أَيْ: لا طَرِيْقَ إِلَّا التَّفْضِيلُ بَيْنَهُمْ تَقْريباً، فالمَلِكُ الضِّلِّيْلُ أَفْضَلُهُم؛ لِأَنَّهُ في القَدْرِ المُشْتَرَكِ الذي ذَكَرْنَاهُ بَيْنَهُمْ أَرْجَحُ مِنْهُمْ.
الأَمْرُ الثَّالِثُ: في قَوْلِهِ: «فالمَلِكُ الضِّلِّيلُ». إِنَّ وَصْفَهُ لَهُ بالمَلِكِ، فَلِأَنَّهُ كانَ مَلِكاً ابنَ مَلِكٍ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ في شِعْرِهِ حَيْثُ يَقولُ:
وكُنَّا أُناسَاً قَبْلَ غَزْوَةِ قَرْمَلِ ... وَرِثْنَا الغِنَى والمَجْدَ أَكْبَرَ أَكْبَرا
وقَوْلُهُ:
فَقُلْتُ له: لا تَبْكِ عَيْنُكَ إِنَّما ... نُحاوِلُ مُلْكاً أو نَموتَ فَنُعْذرا
وقَوْلُهُ:
ولكِنَّما أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ ... وقد يُدْرِكُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أَمْثَالي
стр. 17
وغَيْرُ ذلكَ.
وأَمَّا وصَفُهُ بالضِّليلِ؛ فَلأَنَّ الضِّلِّيلَ هو المُبالِغُ في الضَّلالِ؛ كَقْولِهِمْ: سِكِّيرٌ وخِمِّيرٌ وشِرِّيبٌ وشِرِّيرٌ وسِكِّيتٌ وصِدِّيقٌ وقِدِّيسٌ، وكانَ امرؤُ القَيْسِ صَالّاً في دِيْنِهِ وشِعْرِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ جاهِليَّاً كافراً مُتَهَتِّكاً مُجاهراً بالفُجورِ والفُسوقِ، وذلكَ واضِحٌ في شِعْرِهِ، ويقالُ: إِنَّ لَبِيْدَ بنَ رَبِيْعَةَ مَرَّ على قَوْمٍ فَسأَلوهُ: مَنْ أَشْعَرُ الناسِ؟ فقالَ: المَلِكُ الضِّلِّيلُ، قِيْلَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ الشَّابُّ القَتيلُ، قِيْلَ: ثُمَّ مَنْ؟ قال: ثُمَّ الشَّيْخُ أبو عَقِيلٍ، يَعْنِي
стр. 18
نَفْسَهُ، والشَّابُّ القَتِيْلُ: طَرَفَةُ بنُ العَبْدِ، قَتَلَهُ عَمرو بنُ هِنْدٍ، وقصَّتُهُ مَشْهورةٌ. وَلِيَكُنْ هذا آخِرُ القَوْلِ في المُقَدِّمَةِ.
стр. 19
البَابُ الأَوَّلُ
في مُتَشَابِهِ كَلَامِهِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ في القَلِيلِ وَالكَثِيْرِ
فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
قِفا نَبْكِ من ذِكْرى حَبِيْبٍ ومَنْزِلِ
هو شَبِيْهُ قَوْلِهِ:
قِفا نَبْكِ مِنْ ذِكرى حَبِيبٍ وعِرْفانِ ... ورَسْمٍ عَفَتْ آياتُه مُنْذُ أَزْمانِ
من ذلك قَوْلُه:
إذا قامتا تَضَوَّعَ المِسْكُ منهما ... نَسِيْمُ الصَّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا القَرَنْفُلِ
стр. 20
هو شَبِيْهٌ بِقَولِهِ:
إذا قامَتَا يَضَّوَّعُ المِسْكُ مِنْهُما ... ورائِحَةٌ مِنَ اللَّطِيمَةِ والقُطُرْ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُه:
فَقَالَتْ: يَمِيْنُ اللهِ ما لَكَ حِيْلةٌ ... وما إنْ أرى عنكَ الغَوايَةَ تَنْجلي
هو شبيهٌ بقولِهِ:
فَقَالَتْ: يِمِيْنُ اللهِ أَبْرَحُ قاعِداً ... ولو قَطَّعوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأَوْصالِي
غيرَ أَنَّ الحالِفَ ها هُنا هو، وفي الأُولى هِيَ.
ومِنْ ذلكَ قَوْلُهُ:
وجِيْدٍ كجِيْدِ الرِّئمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ ... إذا هِيَ نَصَّتْهُ ولا ِبُمعطَلِ
стр. 21
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
لَيَالِيَ سَلْمَى إذ تُريكَ مُنَصَّبَاً ... وَجِيْداً كجِيْدِ الرِّئْمِ لَيْس بِمِعْطَالِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ في صِفَةِ اللَّيْلِ:
فيا لكَ مِنْ لَيْلٍ كأَنَّ نُجومَهُ ... بِكُلٍّ مُغَارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بِيَذْبُلِ
هو شَبيْهٌ بِقَوْلِهِ في صِفَةِ الفَرَسِ:
كَأَنَّ نجوماً عُلِّقَتْ في مَصامِهِ ... بأمراس ِكَتَّانٍ إِلى صُمِّ جَنْدَلِ
شَبَّهَ غُرَّتَهُ وتَحْجِيْلَهُ بالنُّجومِ، وأَعْضاءَهُ بأَمراسِ الكَتَّانِ، وهي الحِبَالُ، وحوافرَهُ بالصَّخْرِ، ويُرْوَى هذا البَيْتُ في صِفَةِ اللَّيْلِ:
كَأَنَّ الثُّريا عُلِّقَتْ في مَصَامِها .... البيت
والمَصَامُ: المُقَامُ.
стр. 22
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وقد أَغْتَدِي والطَّيْرُ في وُكُنَاتِهَا ... بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأَوابِدِ هَيْكَلِ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ في البَائِيَّةِ:
وقَدْ أغتَدِي قَبْلَ الشُّروق بِسَابِحٍ ... أَقَبَّ كَيَعْفُورِ الفَلاةِ مُحَنَّبِ
الشُّروقُ: طُلُوعُ الشَّمْسِ، والإِشراقُ: إضاءَتُها، ومُحَنَّبٌ بالْحَاءِ المُهْمَلَةِ والنُّونِ ثُمَّ الباءِ المُوَحَّدَةِ: وهو الأَقْنَى الذِّراعِ.
وأَشْبَهُ أَيْضَاً بِقَوْلِهِ:
وَقَدْ أَغْتَدِي والطَّيْرُ في وُكُنَاتِها ... بِمُنْجَرِدٍ عَبْلِ اليَدَيْنِ نَهوضِ
ومِنْ ذلكَ قولُهُ في صِفَةِ الفرسِ:
له أَيْطلا ظَبْي وسَاقَا نَعَامَةٍ ... وإِرخاءُ سِرْحَانٍ وتَقْرِيْبُ تَتْفُلِ
стр. 23
هو مُماثِلٌ في شَطْرِ البَيْتِ لِقَوْلِهِ في البَائِيَّةِ:
لَهُ أَيْطَلا ظَبْي، وسَاقا نعامَةٍ، وصَهْوَةُ عَيْرٍ قائِمٍ فَوْقَ مَرْقَبِ
وشَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ في الضَّادِيَّةِ:
له قُصْرَيَا عَيْرٍ وساقا نَعَامَةٍ ... كَفَحْلِ الهِجانِ القَيْسَرِيِّ العَضُوضِ
ومِنْ ذلكَ قَوْلُهُ:
كَأَنَّ دماءَ الهادياتِ بِنَحْرِهِ ... عُصَارَةُ حِنَّاءٍ بِشَيْبٍ مُرَجَّبِ
ويُرْوَي: «مُخَضَّب».
وَشَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ في القافِيَّةِ:
стр. 24
كَأَنَّ دماءَ الهادياتِ بِنَحْرِهِ ... عُصَارةُ حِنَّاءِ بِشَيْبٍ مُفَرَّقِ
ومِنْ ذلكَ قَوْلُهُ:
فَعَادَى عِداءً بَيْنَ ثَوْرٍ ونَعْجَةٍ ... دِراكاً، ولم يُنْضَحْ بِماءٍ فَيُغْسَلِ
وهو شبيه بقوله في القافية:
فَصَادَ لنا عَيْرًا وثَوْرَاً وخَاضِبَاً ... عِداءً، ولم يُنْضَحْ بِماءٍ فَيَعْرَقِ
ومِنْ ذلكَ قَوْلُهُ في اللاميَّةِ الثَّانِيَةِ:
يُضِيء الفِراشَ وَجْهُها لِضَجِيعِها ... كمِصْباحِ زَيْتٍ في قَنادِيلِ ذُبَّالِ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ في الأُولى:
نُضِيْءُ الظلامَ بالعِشاءِ كَأَنَّها ... مَنَارةُ مُمْسَى راهِبٍ مُتَبَتِّلٍ
ومن ذلك قَوْلُهُ:
ومِثْلُكِ بَيْضاءِ العَوارضِ طَفْلَةٍ ... لَعُوبٍ تُنَسِّيني إذا قُمْتُ سِرْبالي
стр. 25
إلى قَوْلِهِ:
سَموْتُ إليها بَعْدَ ما نَامَ أَهْلُها .... الأبيات
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
فَمِثْلَكِ حُبْلَى قد طَرَقتُ ومُرْضِعاً ... فَأَلْهَيْتُها عَنْ ذي تَمائِمَ مُحْوِلِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
لَطِيْفَةِ طَيِّ الكَشْحِ غَيْرِ مُفَاضَةٍ ... إذا انْفَتَلَتْ مُرْتَجَّةٍ غَيْرِ مِتْفالِ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
وكَشْحٍ لَطِيْفٍ كالجَدِيْلِ مَخَصَّرٍ ... وساقٍ كأُنبُوبِ السَّقِيِّ المُذَلَّلِ
стр. 26
وبِقَوْلِهِ:
مُهَفْهَفَةٌ بَيْضاءُ غَيْرُ مُفَاضَةٍ ... تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
ومِنْ ذلكَ قَوْلُهُ:
نَظَرْتُ إليها والنُّجومُ كَأَنَّها ... مَصَابِيْحُ رُهْبَانٍ تُشَبُّ لِقُفَّالِ
هو شَبِيْهٌ بقولِهِ:
أصاحِ تَرَى بَرْقَاً أُريكَ وَمِيْضَهُ ... كَلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيٍّ مُكَلَّل
يُضِيءُ سَنَاهُ أو مصابِيْحُ رَاهٍب ... أَمَالَ السَّلِيْطَ بالذُّبالِ المُقَنْدَلِ
ومن ذلكَ قَوْلُهُ:
فَقَالَتْ: سَبَاكَ اللهُ إِنَّك فاضِحي ... أَلَسْتَ تَرَى السُّمَّارَ والنَّاسَ أَحوالي؟ !
стр. 27
شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
فَقَالَتْ لَكَ الوَيْلاتُ إِنَّكَ مُرْجِلي
ومِنْ ذلكَ قَوْلُهُ:
فَلَمَّا تَنَازَعْنَا الحَدِيْثَ وأسمَحَتْ ... هَصَرْتُ بِغُصْنٍ ذي شَمَارِيْخَ مَيَّالِ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
فَلَمَّا أَجَزْنا سَاحَةَ الحّيِّ وانْتَحَى ... بِنَا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي قِفافٍ عَقَنْقَلِ
هَصَرْتُ بِفَوْدِي رَأْسَها فَتَمايَلَتْ ... عَلَيَّ هَضِيْمَ الكَشْحِ رَيَّا المُخَلْخَلِ
стр. 28
ومِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وقد أغتَدِي والطَّيْرُ في وُكُناتِها ... لِغَيْثٍ من الوَسْمِيِّ رائِدُهُ خَالي
وقد سَبَقَ نَظِيْرُهُ.
ومن ذلكَ قَوْلُهُ:
وعاديتُ منها بَيْنَ ثورٍ ونَعْجَةٍ ... وكانَ عِداءُ الوَحْشِ مِنِّي على بالِ
سَبَقَ نَظِيْرُهُ.
ومِنْ ذلكَ قَوْلُهُ:
كَأَنِّي بِفَتْخاءِ الجَنَاحَيْنِ لِقْوَةٍ ... صَيودٍ مِنَ العِقْبانِ طَأْطأْتُ شِمالي
تَخَطَّفُ خِزَّانَ الشَّرَبَّةِ بالضُّحى ... وقد حَجَرت منها ثَعَالِبُ أَوْرالِ
стр. 29
كَأَنَّ قلوبَ الطَّيْرِ رَطْباً ويابِسَاً ... لَدَى وَكْرِها العُنَّابُ والحَشَفُ البالي
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
كأَنَّها لِقْوةٌ طَلُوبٌ ... كَأَنَّ خُرْطُومَها مِنْشَالُ
تَطْعِمُ فَرْخاً لها ضريراً ... أَزرى به الجُوعُ والإِحثالُ
قلوبَ خِزَّانٍ ذي أورالٍ ... قوتاً كما يُرْزَقُ العِيالُ
ومِنْ ذلكَ قَوْلُهُ:
يا رُبَّ غانِيَةٍ لَهَوْتُ بِها ... وَمَشَيْتُ مُتَّئِداً على رِسْلِي
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
وبَيْضَةِ خِدْر لا يُرامُ خِبَاؤُها ... تَمَتَّعْتُ من لهوٍ بها غَيْرَ مُعْجَلِ
стр. 30
ومِنْ ذلكَ قَوْلُهُ:
وقد أَغْتَدِي ومَعِي القانِصانِ ... وَكُلٌّ بِمَرْبأَةٍ مُقْتَفِرْ
قد سَبَقَ لَهُ نَظائِرُ في قَوْلِهِ: «وَقَدْ أَغْتَدِي».
ومِنْ ذلكَ قَوْلُهُ:
فَأَنْشَبَ أَظْفارَهُ في النَّسا ... فَقُلْتُ: هُبِلْتَ ألا تَنْتَصِرْ!
وَقَعَ لَفْظُ النَّسَا في شِعْرِهِ في مَوَاضِعَ، مِنْها هذا، وَقَوْلُهُ:
سَلِيْمِ الشَّظَي، عَبْلِ الشَّوى، شَنْجِ النَّسَا ... لَهُ حَجَباتٌ مُشْرِفاتٌ على الفَالِ
وفي قَوْلِهِ:
فأَدْرَكْنَهُ يَأْخُذْنَ بالسَّاقِ والنَّسَا ... البيت
стр. 31
ومِنْ ذلكَ قَوْلُهُ في صِفةِ الفَرَسِ:
لَهَا ذَنَبٌ مِثْلُ ذَيْلِ العَرُوسِ ... تَسُدُّ بِهِ فَرْجَها مِنْ دُبُرْ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
ضَلِيْعٍ إذا اسْتَدْبَرْتَهُ سَدَّ فَرْجَهُ ... بِضَافٍ فُوَيْقَ الأَرْضِ لَيْسَ بِأَعْزَلِ
وَمِنْ ذَلِكَ قولُهُ:
قَدْ غدا يَحْمِلُني في أَنْفِهِ ... لاحِقُ الإِطْلَيْنِ مَحْبُوكٌ مُمَرّ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ: «وقد أغتَدي» وقد سَبَقَ.
وَمِنْ ذَلِكَ قولُهُ.
أَلا رُبَّ يَوْمٍ صَالحٍ قد شَهِدْتُهُ ... * بِتَأْذِفَ ذاتِ التَّلِّ مِنْ فَوْقِ طَرْطَرا
стр. 32
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
أَلا رُبَّ يَوْمٍ صالحٍ لَكَ مِنْهُما ... ولا سِيَّما يَوْمٌ بِدارةِ جُلْجُلِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
إِني لأَصْرِمُ مَنْ يُصارِمُني ... وأَجِدُّ وَصْلَ مَنِ ابْتَغَى وَصْلي
وهو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
وخَلِيْلٍ قد أصاحِبُهُ ... ثُمَّ لا أَبْكي على أَثَرِهْ
يَعْنِي: إذا صارَمَنِي صارَمْتُهُ ثُمَّ لا أبكي عليه، فهو مَعْنى الأَوَّلِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ في الشُّطورِ الَّتي شَاعَرَ فيها التَّوْأَمَ اليَشْكُرِيَّ:
أصاحِ تَرَى بُرَيْقاً هَبَّ وَهْناً
стр. 33
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
أصاحِ ترى برقاً أُريكَ وَمِيْضَهُ ... البيت
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
كَأَنَّ هَزِيْزَهُ لِوَرَاءِ غَيْبِ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ في البائِيَّةِ:
إذا ما جَرَى شَأْوَيْنِ وابْتَلَّ عِطْفُهُ ... * تَقُولُ هَزِيْزُ الرِّيْحِ مَرَّتْ بِأَثْأَبِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فَعَيْنَاك غَرْبا جَدْوَلٍ بِمُفَاضَةٍ ... كَمَرِّ خَلِيْجٍ في صَفِيْح مُنَصَّبِ
стр. 34
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
عَيْناكَ دَمْعُهما سِجَالُ ... كَأَنَّ شَأْنَيْهِمَا أَوْشَالُ
أو جدولٌ في ظلالِ نَخْلٍ ... لِلماءِ من تَحْتِهِ مَجَالُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
ضَلِيْعٍ إذا استَدْبَرْتَهُ سَدَّ فَرْجَهُ ... بِضافٍ فُوَيْقَ الأرضِ لَيْسَ بِأَصْهَبِ
نَظِيْرُهُ في اللَّامِيَّةِ، غَيْرَ أَنَّهُ قالَ: «لَيْسَ بِأَعْزَلِ» وقد سَبَقَ ذِكْرُهُ قَرِيْباً».
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فآنَسْتُ سِرْباً مِنْ بَعِيْدٍ كَأَنَّهُ ... رَواهِبُ عِيْدٍ في مُلاءٍ مُهَدَّبِ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
فَعَنَّ لنا سِرْبٌ كَأَنَّ نِعاجَهُ ... عَذارَى دَوارٍ في مُلاءٍ مُذَيَّلِ
стр. 35
ورِوايةُ أَبي عُبَيْدَةَ:
فَبَيْنا نِعاجٌ يَرْتَعِيْنَ خَمِيْلةً ... كَمَشْي العَذارى في المُلاءِ المُهَدَّبِ
وما على هذِهِ الرِّوايَةِ أَشَدُّ تَقَارُباً.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فَأَدْرَكَ لم يَعْرَقْ مَنَاطَ عِذارِهِ ... يَمُرُّ كَخُذْرُوفِ الوَلِيْدِ المُثَقَّبِ
شَطْرُهُ الأَولُ شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ: «ولم يُنْضَحْ بِمَاءٍ فَيُغْسَلِ»، وشَطْرُهُ الثَّاني كَقَوْلِهِ:
دَريرٍ كَخُذْروفِ الوَلِيْدِ أَمَرَّهُ ... تَتَابُعُ كَفَّيْهِ بِخَيْطٍ مُوَصَّلِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فَغَادَرَ صَرْعَى مِنْ حِمارٍ وخاضبٍ ... وتَيْسٍ وثَوْرٍ كالهَشِيْمَةِ قَرْهَبِ
стр. 36
وهو كَقولِهِ:
فَصَادَ لنا عَيْراً وثَوْراً وخَاضِباً ... البيت
وقد سَبَقَ مَعَ نَظِيْرِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فَكَابٍ على حُرِّ الجَبِيْنِ ومُتَّقٍ ... بِمَدْراتِهِ كَأَنَّها ذَلْقُ مِشْعَبِ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
فَكَرَّ إليه بِمِبْراتِهِ ... كما خَلَّ ظَهْرَ اللِّسَانِ المُجِرّْ
ومَعْنَاهُما: أَنَّ الثورَ الوَحْشِيَّ أَلْقَى الكَلْبَ الصَّائِدَ بِقَرْنِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وَقَاهُمْ جَدُّهُمْ بِبَني أَبِيْهمْ ... وبالأَشْقَيْنِ ما كانَ العِقابُ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
صَبَّحْتُها الحَيَّ ذا صَبَاحٍ ... فَكانَ أَشْقاهُمُ الرِّجالُ
стр. 37
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
يا بُؤْسَ لِلْقَلْبِ بَعْد اليَوْمِ ما آبَهْ ... ذكرى حبيبٍ ببعضِ الأَرْضِ قد رابَهْ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ: «مِنْ ذِكرى حَبِيْبٍ» وقد سَبَق.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
كَأَنِّي ورحلي والقِرَابَ ونُمْرُقي ... على ظَهْرِ عَيْرٍ وارِدِ الخَبَراتِ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
كَأَنِّي وَرَحْلِي فَوْقَ أَحْقَبَ قارِحٍ ... بِشَرْبَةَ، أو طَاوٍ بِعِرْنانَ مُوْجِسِ
стр. 38
وأَشْبَهُ بِقَوْلِهِ:
كَأَني ورَحْلِي والقِرَابِ ونُمْرُقي ... إذا شُبَّ للمَرْوِ الصِّغارَ وَبِيْصُ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فَأَوْرَدَها ماءً قليلاً أَنِيْسُهُ ... يُحاذِرْنَ عَمْراً صاحِبَ القُتُراتِ
هذا عَمْرو، هو الرَّامي المُشارُ إليه بِقَوْلِهِ:
رُبَّ رامٍ مِنْ بَنِي ثُعَلٍ ... مُخْرِجٍ كَفَّيْهِ مِنْ سُتَرِهْ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
فيا رُبَّ مَكْروبٍ كَرَرْتُ وراءَهُ ... وطاعَنْتُ عَنْهُ الخَيْلَ حَتَّى تَنَفَّسا
стр. 39
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
فيا رُبَّ مَكْروبٍ كَرَرْتُ وراءَهُ ... وعَانٍ فَكَكْتُ الغُلَّ عَنْهُ فَفدَّاني
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أَمَاوِيَّ، هَلْ لي عِنْدَكُمْ مِنْ مُعَرَّسِ ... أم الصَّرْمَ تَخْتَارِينَ بالوَصْلِ نَيْئَسِ
أَبِيْني لَنَا، إِنَّ الصَّرِيْمَةَ راحَةٌ ... مِنْ الشَّكِّ ذي المَخْلوجَةِ المُتَلَبِّسِ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
أَفاطِمَ مهلاً بَعْضَ هذا التَّدلُّلِ ... وإنْ كُنْتِ قد أَزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلي
وإن تكُ قد سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيْقَةٌ ... فَسُلِّي ثِيَابِي من ثيابِك تَنْسُلِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
أَعِنِّي على بَرْقٍ أَراهُ وَمِيْضِ ... يُضِيْءُ حَبِيّاً في شَمَاريخَ بِيْضِ
стр. 40
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
أصاحِ ترى بَرْقاً أُرِيْكَ وَمِيْضَهُ ... كَلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيٍّ مُكَلَّلِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
قَعَدْتُ لَهُ وصُحْبَتي بَيْنَ ضارجٍ ... وبَيْنَ تِلاعِ يَثْلَثٍ فالعَرِيْضِ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
قَعَدتُ له وصُحْبَتي بَيْنَ ضارجٍ ... وبَيْنَ العُذَيْبِ بُعْدَ ما مُتَأَمَّلِ
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ:
وأَضْحَى يَسُحُّ الماءَ عن كُلِّ فِيْقَةٍ ... يَحوزُ الضِّبَابَ في صَفَاصِفَ بِيْضِ
هو شَبِيْهٌ بِقَوْلِهِ:
فَأَضْحى يَسُحُّ الماءَ حَوْلَ كُتَيْفَةٍ
следующие страницы →