Полный текст (332 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١
قال الشيخ الأجل أبو عبد الله احمد بن محمد الخياط التغلبي الدمشقي يمدح الأمير ناصر الدين أبا القوام وثاب بن محمود بن نصر بن صالح، وأنشده إياها بحماة سنة أربع وسبعين وأربع مائة:
стр. 2
الوافر
عَتَادُكَ أَنْ تَشُنَّ بِها مُغَارا ... فَقُدْها شُزَّباً قُبّاً تَبَارى
كَأَنَّ أَهِلَّةً قَذَفَتْ نُجُوماً ... إِذا قَدَحَتْ سَنابِكُها شَرارا
وَهَلْ مَنْ ضَمَّرَ الْجُرْدَ المَذَاكي ... كَمَنْ جَعَلَ الطِّرادَ لَها ضِمارا
كَأَنَّ اللَّيْلَ مَوْتُورٌ حَرِيبٌ ... يحاوِلُ عِنْدَ ضَوْءِ الصُّبْحِ ثَارا
فَلَيْسَ يَحِيدُ عَنْها مُسْتَجِيشا ... عَلَى الإِصْباحِ عِثْيَرَها الْمُثارا
стр. 3
أَخَذْنَ بِثَأْرِهِ عَنَقاً وَرَكْضاً ... مَدَدْنَ عَلَى الصَّبَاحِ بِهِ إِزارا
وَقَدْ هَبَّتْ سُيُوفُكَ لامِعَاتٍ ... تُفَرِّقُ في دُجُنَّتِهِ نَهارا
أَمَا وَالسَّابِقاتِ لَقَدْ أَبَاحَتْ ... لَكَ الشَّرَفَ الْمُمَنَّعَ وَالْفَخَارا
فَزُرْ حَلَباً بِكُلِّ أَقَبَّ نَهْدٍ ... فَقَدْ تُدْنِي لَكَ الْخَيْلُ الْمَزَار
وَكَلِّفْ رَدَّها إِنْ شِئْتَ قَسْراً ... عَزائِمَ تَسْتَرِدُّ الْمُسْتَعارا
فَأَجْدِرْ بِالْممَالِكِ أَنْ تَراها ... لِمَنْ كانَتْ مَمَالِكَهُ مِرارا
وَإِنْ وَلَدَتْ لَكَ الآمالُ حَظَّاً ... فَما زالَتْ مَواعِدُها عِشَارا
إِذا عَايَنْتَ مِنْ عُودٍ دُخاناً ... فَأَوْشِكْ أَنْ تُعايِنَ مِنْهُ نارا
وَيَأْبى اللهُ إِنْ أَبَتِ الأَعادي ... لِنَاصِرِ دينِهِ إِلاَّ انْتِصارا
وَمَا كَبُرَتْ عَلَيْكَ أُمُورُ مَجْدٍ ... إِذا أَصْدَقْتَها الْهِمَمَ الْكِبارا
стр. 4
وَمَا هِمَمُ الْفَتى إِلاَّ غُصُونٌ ... تَكُونُ لَها مَطالِبُهُ ثِمارا
أَلَسْتَ ابْنَ الَّذي هَطَلَتْ يَداهُ ... نَدىً سَرَفاً لِمَنْ نَطَقَ اخْتِصارا
وَأَعْطى الأَلْفَ لَمْ تُعْقَرْ بِنَقْصٍ ... وَما غُنِّي وَلا شَرِبَ الْعُقارا
وَأَشْبَعَ جُودُهُ غَرْثى الأَمَانِي ... وَرَوَّى بَأُسُهُ الأَسَلَ الْحِرارا
وَقَادَ إِلى الأَعَادِي كُلَّ جَيْشٍ ... تَقُودُ إِلَيْهِ رَهْبَتُهُ الدِّيارا
стр. 5
وَلَوْ قُلْتُ ابْنُ مَحْمُودٍ كَفَتْنِي ... صِفَاتُ عُلاكَ فَضْلاً وَاشْتِهار
وَهَلْ يَخْفَى عَلَى السَّارِينَ نَهْجٌ ... إِذا ما الْبَدْرُ في الأُفُقِ اسْتَنارا
مِنَ الْقَوْمِ الأُولى جَادُوا سِرارا ... وَعَادَوْا كُلَّ مَنْ عَادَوْا جِهارا
وَمَا كَتَمُوا النَّدى إِلاَّ لِيَخْفَى ... وَيَأْبى الْغيْثُ أَنْ يَخْفى انْهِمارا
بُدُورُ الأَرْضِ ضَاحِيَةً عَلَيْها ... وَأَطْيَبُ مَنْ ثَوى فِيها نُجِارا
إِذا ما زُلْزِلتْ كانوا جِبالاً ... وَإِنْ هِيَ أَمْحَلَتْ كانوا بِحارا
وَأَنْتَ أَشَدُّهُمْ بَأْساً وَأَنْدَا ... هُمُ كَفّاً وَأَكْثَرُهُمْ فَخارا
وَأَوْفَاهُمْ إِذا عَقَدُوا ذِماماً ... وَأَحْمَاهُمْ إِذا حَامَوْا ذِمارا
وَأَمْرَعُهُمْ لِمُرْتَادٍ جَنَاباً ... وَأَمْنعُهُمْ لِمَطْلُوبٍ جِوَارا
لَقَدْ لَبِسَتْ بِكَ الدُّنْيَا جَمالاً ... فَلَوْ كَانَتْ يَداً كنْتَ السِّوَارا
يُضِيءُ جَبِينُكَ الْوَضَّاحُ فيها ... إِذا ما الرَّكْبُ في الظُّلْمآءِ حَارا
стр. 6
فَما يدْرِي أَنَارُ قِراكَ لاحَتْ ... لَهُ أَمْ بَرْقٌ غَيْثِكَ قَدْ أَنَارا
تَمَلَّ أَبا الْقِوامِ شَرِيفَ حَمْدٍ ... رَفَعْتُ بِهِ عَلَى الدُّنْيا مَنارا
ثَناءُ ما حَدَاهُ الْفِكْرُ إِلاَّ ... أَقَامَ بِكُلِّ مَنْزِلَةٍ وَسَارا
إِذا أُثْنِي بِحَمْدِكَ قَالَ قَوْمٌ ... بِحَقِّ الرَّوْضِ أَنْ حَمِدَ الْقُطارا
غَفَرْتُ ذُنُوبَ هذا الدَّهْرِ لَمّا ... أَصارَ إِلَيَّ رُؤْيَتَكَ اعْتِذَارا
وَرَدَّ لِيَ الصِّبا بِنَداكَ حَتّى ... خَلَعْتُ لَدَيْهِ في اللَّهْوِ الْعِذارا
стр. 7
٢
وقال أيضاً يمدح الأمير أبا الفوارس محمد بن مالك بحماة:
الوافر
سَقَوْهُ كَأْسَ فُرْقَتِهِمْ دِهَاقا ... وَأَسْكَرَهُ الْوَدَاعُ فَما أَفَاقا
إِذا ما الْكَأْسُ لَمْ تَكُ كَأْسَ بَيْنٍ ... فَلَيْسَتْ بِالْحَمِيمِ وَلا الْغَسَاقا
أَبى إِلاَّ افْتِرَاقا شَمْلُ صَبْرِي ... وَدَمْعِي إِذْ نَأَوْا إِلاَّ افْتِراقا
رِفَاقٌ مَا ارْتَضَوا في السِّيْرِ إِلاَّ ... قُلُوبَ الْعاشِقينَ لَهُمْ رِفَاقا
стр. 8
أَرائِقَةَ الْجَمَالِ وَلا جَميلٌ ... أَرَاقَكِ أَنْ جَعَلْتِ دَمِي مُرَاقا
وَسِرْتِ فَلِمْ أَسَرْتِ فُؤَادَ حُرٍّ ... حَلَلْتِ وَمَا حَلَلْتِ لَهُ وَثَاقا
تُعَيِّرُنِي بأَحْداثِ الْلَّيالِي ... وَكَيْفَ يُدافِعُ الْبَدْرُ الْمِحاقا
شَبابٌ كانَ مُعْتَلاًّ فَوَلىَّ ... وَصَدْرٌ كانَ مُتَّسِعاً فضَاقا
يُكَلِّفُنِي الزَّمَانُ مَدِيحَ قَوْمٍ ... يَرَوْنَ كَسادَ ذِكْرِهِمُ نَفَاقا
وَمَنْ يَرْجُو مِنَ النَّارِ ارْتِواءً ... كَمَنْ يَخْشى مِنَ الْمآءِ احْتِراقا
وَلَوْ أَنَّ الزَّمانَ أَرادَ حَمْلَ ال ... م ذِي حُمِّلْتُ مِنْهُ مَا أَطَاقا
وَلي عَزْمٌ أَنَالُ بِهِ انْفِتاحاً ... لِبابِ الْمَجْدِ إِنْ خِفْتُ انْغِلاقا
بَعَثْتُ بِهِ النِّياق وَقَدْ يُرَجِّي ... أَنِيقَ الْعَيْشِ مَنْ بَعَثَ النِّياقا
سَريْتُ بِها وَحَظِّي ذُو سُبَاتٍ ... وجئت أبا الفوارس فاستفاقا
سعى وسعى الملوك فكان ... مَدىً وَأَشَدَّ في السَّعْيِ انْطِلاقا
стр. 9
وَأَطْوَلَهُمْ لَدى الْعلْياءِ باعاً ... وَأَثْبَتَهُمْ لَدى الْهَيْجآءِ سَاقا
يُطَبِّقُ غَيْثُهُ أَرْضَ الأَمَاني ... وَيَسْمو سَعْدُهُ السَّبْعَ الطِّباقا
وَيَسْبِقُ عَزْمُهُ كَلْمَ اللَّيالِي ... فَكَيْفَ يُحاوِلُونَ لَهُ سِباقا
وَمَنْ يطْلُبْ لِلَمْعِ الْبَرْقِ شَأْواً ... يَجِدْهُ أَعزَّ مَطْلُوبٍ لَحاقا
وَمَا بِالْجَدِّ فَاقَ النَّاسَ صِيتاً ... وَلكِنْ بِالنَّدى وَالْبَأْسِ فَاقا
وَمَنْ خَطَبَ الْمَعالِيَ بِالْعوَالِي ... وَبِالْجَدْوى فَقدْ أَرْبى الصِّدَاقا
وإن طرق العدى لم يرض منهم ... سوى هام الملوك له طراقا
وَقَدْ كَرِهَ التَّلاقِيَ كُلُّ صَبٍّ ... كَأَنَّ إِلي الفِراقِ بِهِ اشْتِيَاقا
وَشَدَّد بِالْخِناقِ عَلَى الأَعَادِي ... فَتىً رَاخِى بِنَائِلِهِ الْخِنَاقا
стр. 10
تَلاقَتْ عِنْدَكَ الآمالُ حَتّى ... أَبى إِسْرَافُ جُودِكَ أَنْ يُلاقا
وَأَقْبَلَ بِالْهَنَاءِ عَلَيْكَ عِيدٌ ... حَدَاهُ إِلَيْكَ إِقْبالٌ وَسَاقا
فَسَرَّكَ وَهْوَ منْكَ أَسَرُّ قَلْباً ... وَلا عَجَبٌ إِن الْمُشْتَاقُ شَاقا
وَمِثْلُكَ يَا مُحَّمدُ سَاقَ جَيْشاً ... يُكَلِّفُ نَفْسَ رَائِيهِ السِّيَاقا
إذا الْخَيْلُ الْعِتَاقُ حَملْنَ هَمّاً ... فَهَمُّكَ يَحْملُ الْخَيْلَ الْعِتَاقا
وَمَنْ عَشِقَ الدِّقاقَ السُّمْرَ يَوْماً ... فإِنَّكَ تَعْشَقُ السُّمْرَ الْدَّقَاقا
وَتَخْتَرِمُ الْمُلُوكَ بِها اخْتِرَاماً ... وَتَخْتَرِقُ الْعَجَاجَ بِها اخْتِرَاقا
يَسُرُّكَ أَنْ تُسَاقِي الْجَيْشَ كَأْساً ... مِنَ الْحَرْبِ اصْطِباحاً وَاغْتِبَاقا
وَأَشْجَعُ مَنْ رَأَيْنَاهُ شُجَاعٌ ... يُلاقِيهِ السُّرُورُ بِأَنْ يُلاقِي
وَمَا مَاءٌ لِذِي ظَمَإٍ زُلالٌ ... بِأَعْذَب مِنْ خَلائِقِهِ مَذاقا
حَبَانِي جُودُهُ عَيْشاً كَأَنِّي ... ظَفِرْتُ بِهِ مِنَ الدَّهْرِ استِرَاقا
فَأَيَّامِي بِهِ بِيضٌ يِقَاقٌ ... وَكَانَتْ قَبْلَهُ سُوداً صِفَاقا
стр. 11
وطَوَّقَنِي ابْنُ مَالِكَ طَوْقَ مَنٍّ ... فَصُغْتُ مِنَ الثَّناءِ لَهُ نِطَاقا
أَرَى الأَيَّامَ لا تُعْطِي كَرِيماً ... بُلُوغَ مُرَادِهِ إِلاَّ فَوَاقا
فَلا عَاقَتْكَ عَنْ طَلَبِ الْمَعَالِي ... إِذا الأَيَّامُ كَادَتْ أَنْ تُعَاقا
стр. 12
٣
وقال يمدح الأمير سديد الملك أبا الحسن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ سنة ست وسبعين وأربع مائة:
الطويل
يَقِيني يَقِيني حَادِثاتِ النَّوائِبِ ... وَحَزْمِيَ حَزْمِي في ظُهُورِ النَّجائِبِ
стр. 13
سَيُنْجِدُنِي جَيْشٌ مِنَ الْعَزْمِ طَالَما ... غَلَبْتُ بِهِ الْخَطْبَ الَّذِي هُوَ غَالِبي
وَمَنْ كَانَ حَرْبَ الدَّهْرِ عَوَّدَ نَفْسَهُ ... قِرَاعَ اللَّيَالِي لا قِرَاعَ الْكَتَائِبِ
عَلَى أَنَّ لِي في مَذْهَبِ الصَّبْرِ مَذْهَباً ... يَزِيدُ اتِّساعاً عِنْدَ ضِيقِ الْمَذَاهِبِ
وَمَا وَضَعَتْ مِنِّي الْخُطُوبُ بِقَدْرِ مَا ... رَفَعْنَ وَقَدْ هَذَّبْنَنِي بِالتَّجارِبِ
أَخَذْنَ ثَرآءً غَيْرَ بَاقٍ عَلَى النَّدى ... وَأَعْطَيْنَ فَضْلاً في النُّهى غيْرَ ذَاهِبِ
فَمَالِيَ لا رَوْضُ الْمَساعِي بِمُمْرِعٍ ... لَدَيَّ وَلا مَاءُ الأَمَانِي بِسَاكِبِ
كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَعْدي لَدَيْهَا بِحَائِنٍ ... زَمَاناً وَلا دَيْنِي عَلَيْهَا بَوَاجِبِ
وَحَاجَةِ نَفْسٍ تَقْتضِيها مَخَايلِي ... وَتَقْضِي بِها لِي عادلاتٍ مَناصِبي
عَدَدْتُ لَها بَرْقَ الْغَمَامِ هُنَيْدَةً ... وَأُخْرى وَمَا مِنْ قَطْرَةٍ في الْمَذَانِبِ
وَهَلْ نَافِعي شَيْمٌ مِنَ الْعَزْمِ صَادِقٌ ... إِذا كنْتُ ذَا بَرْقٍ مِنَ الْحَظِّ كاذِبِ
стр. 14
وَإِنِّي لأَغْنى بِالْحدِيثِ عَنِ الْقِرى ... وَبِالْبَرْقِ عَنْ صوْبِ الْغُيُوثِ السَّواكِبِ
قَنَاعَةُ عِزٍّ لا طَمَاعَةُ ذِلَّةٍ ... تُزَهِّدُ في نَيْلِ الْغِنى كُل رَاغِبِ
إِذَا مَا امْتطَى الأَقْوَامُ مَرْكَبَ ثَرْوَةٍ ... خُضُوعاً رَأَيْتُ الْعُدْمَ خَيْرَ مَرَاكِبي
وَلَوْ رَكِبَ النَّاسُ الْغِنى بِبَرَاعَةٍ ... وَفَضْلٍ مُبِينٍ كُنْتُ أَوَّلَ رَاكِبِ
وَقَدْ أَبْلُغُ الْغَايَاتِ لَسْتُ بِسَائِرٍ ... وَأَظْفَرُ بِالْحَاجَاتِ لَسْتُ بِطَالِبِ
وَمَا كُلُّ دَانٍ مِنْ مَرَامٍ بِظَافِرٍ ... وَلا كُلُّ نَآءٍ عَنْ رَجآءٍ بِخَائِبِ
وَإِنَّ الْغِنى مِنِّي لأَدْنى مَسَافَةً ... وَأَقْرَبُ مِمَّا بَيْنَ عَيْنِي وَحَاجِبِي
سَأَصْحَبُ آمَالي إِلى ابْنِ مُقَلَّدٍ ... فَتُنْجِحُ مَا أَلْوَى الزَّمَانُ بِصَاحِبِ
стр. 15
فَما اشْتَطَّتِ الآمَالُ إِلاَّ أَبَاحَهَا ... سَمَاحُ عَلِيٍّ حُكْمَها فِي الْمَواهِبِ
إِذَا كُنْتَ يَوْماً آمِلاً آمِلاً لَهُ ... فَكُنْ وَاهِباً كُلَّ الْمُنَى كُلَّ وَاهِب
وَإِنَّ امْرأً أَفْضى إِلَيْهِ رَجَاؤُهُ ... فَلَمْ تَرْجُهُ الأَمْلاكُ إِحْدى الْعَجَائِبِ
مِنَ الْقَومِ لَوْ أَنَّ اللَّيالِي تَقَلَّدَتْ ... بِأَحْسَابِهِمْ لَمْ تَحْتَفِلْ بِالْكَوَاكِبِ
إِذا أَظْلَمَتْ سُبْلُ السُّرَاةِ إِلى الْعُلى ... سَرَوْا فَاسْتَضَاءُوا بَيْنَها بِالْمَنَاسِبِ
هُمُ غَادَرُوا بِالْعِزِّ حَصْبَاءَ أَرْضِهِمْ ... أَعَزَّ مَنَالاً مِنْ نُجُومِ الْغَيَاهِبِ
تَرى الدَّهْرَ مَا أَفْضى إِلى مُنْتَوَاهُمُ ... يُنَكِّبُ عَنْهُمْ بِالْخُطُوبِ النَّوَاكِبِ
إِذَا الْمُنْقِذِيُّونَ اعْتَصَمْتَ بِحَبْلِهِمْ ... خَضَبْتَ الْحُسَامَ الْعَضْبَ مِنْ كُلِّ خَاضِبِ
أُولئِكَ لمْ يَرْضَوْا مِنَ الْعِزِّ وَالْغِنى ... سِوى مَا اسْتَبَاحُوا بِالْقَنَا وَالْقَوَاضِبِ
كَأَنْ لَمْ يُحَلِّلْ رِزْقَهُمْ دِينُ مَجْدِهِمْ ... بِغَيْرِ الْعَوَالِي وَالْعِتَاقِ الشَّوَازِبِ
стр. 16
إِذَا قَرَّبُوهَا لِلِّقَاءِ تَبَاعَدَتْ ... مَسَافَةُ مَا بَيْنَ الطُّلى وَالذَّوَائِبِ
إِذَا نَزَلُوا أَرْضاً بِهَا الْمَحْلُ رُوِّضَتْ ... وَمَا سُحِبَتْ فِيهَا ذُيُولُ السَّحَائِبِ
بِأَنْدِيَةٍ خضْرٍ فِسَاحٍ رِبَاعُهَا ... وَأَوْدِيَةٍ غَزْرٍ عِذَابِ الْمَشَارِبِ
أَرَى الدَّهْرَ حَرْباً لِلْمُسَالِمِ بَعْدَمَا ... صَحِبْناهُ دَهْراً وَهْوَ سِلْمُ الْمُحَارِبِ
فَعُذْ بِنَهارِيِّ الْعَدَاوَةِ أَوْحَدٍ ... مِنَ الْقَوْمِ لَيْلِيِّ النَّدَى وَالرَّغَائِبِ
تَنَلْ بِسَدِيدِ الْمُلْكِ ثَرْوَةَ مُعْدِمٍ ... وَفَرْجَةَ مَلْهُوفٍ وَعِصْمَةَ هَارِبِ
سَعى وَارِثُ الْمَجْدِ التَّلِيدِ فَلَمْ يَدَعْ ... بِأَفْعَالِهِ مَجْداً طَرِيفاً لِكَاسِبِ
يُغَطِّي عَلَيْهِ الْحَزْمُ بِالْفِكَرِ الَّتِي ... كَشَفْنَ لَهُ عَمَّا وَرَاءَ الْعَوَاقِبِ
وَرَأْيٍ يُري خَلْفَ الرَّدَى مِنْ أَمَامِهِ ... فَمَا غَيْبُهُ الْمَكْنُونُ عَنْهُ بِغَائِبِ
بَقِيتَ بَقَاءَ النَّيِّرَاتِ وَمِثْلَها ... عُلُوًّا وَصَوْناً عَنْ صُرُوفِ النَّوَائِبِ
стр. 17
وَدامَ بَنُوكَ السِّتَّةُ الزُّهْرُ إِنَّهُمْ ... نُجُومُ الْمَعَالِي فِي سَماءِ الْمَنَاقِبِ
سَلَلْتَ سِهَاماً مِنْ كِنَانَةَ لَمْ تَزَلْ ... يُقَرْطِس مِنْهَا فِي الْمُنى كُلُّ صَائِبِ
فَأَدْرَكْتَ مَا فَاتَ الْملُوكَ بِعَزْمَةٍ ... تَقُومُ مَقَامَ الْحَظِّ عِنْدَ الْمُطَالِبِ
وَمَا فُقْتُهمْ حَتّى تَفَرَّدْتَ دُونَهُمْ ... بِرَأْيِكَ في صَرْفِ الْخُطُوبِ اللَّوَازِبِ
وَمَا شَرُفَتْ عَنْ قِيمَة الزُّبَرِ الظُّبى ... إِذَا لَمْ يُشَرّفْهَا مَضاءُ الْمَضَارِبِ
تَجَانَفْتُ عَنْ قَصْدِ الْمُلُوكِ وَعِنْدَهُمْ ... رَغَائِبُ لَمْ تَجْنَحْ إِلَيْهَا غَرَائِبِي
стр. 18
تَنَاقَلُ بِي أيْدِي الْمَهَارى حَثِيثَةً ... كَمَا اخْتَلَفَتْ فِي الْعَقْدِ أَنْمُلُ حَاسِبِ
إِذَا الشَّوْقُ أَغْرَانِي بِذِكْرِكَ مَادِحاً ... تَرَنَّمْتُ مُرْتَاحاً فَحَنَّتْ رَكَائِبِي
بِمَنْظُومَةٍ مِنْ خَالِصِ الدُّرِّ سِلْكُهَا ... عَرُوضٌ وَلكنْ دُرُّهَا مِنْ مَنَاقِبِ
تُعَمَّرُ عُمْرَ الدَّهْرِ حَتّى إِذَا مَضى ... أقَامَتْ وَمَا أَرْمَتْ علَى سِنِّ كَاعِبِ
شَعَرْتُ وَحَظُّ الشِّعْرِ عِنْدَ ذَوِي الْغِنى ... شَبِيهٌ بِحَظِّ الشِّيْبِ عِنْدَ الْكَواعبِ
وَمَا بِيَ تَقْصِرٌ عَنِ الْمَجْدِ وَالْعُلى ... سِوَى أَنَّنِي صَيَّرْتُهُ مِنْ مَكَاسِبي
يُعَدُّ منَ الأَكْفَآءِ مَنْ كَانَ عَنْهُمُ ... غَنِيًّا وَإِنْ لَمْ يَشْأَهُمْ في الْمَرَاتِبِ
وَلَوْ خَطَرتْ بِي فِي ضَمِيرِكَ خَطْرَةٌ ... لَعَادَتْ بِتَصْدِيقِ الظُّنُونِ الكَواذبِ
وَأَصْبَحَ مُخْضَرّاً بِسَيْبِكَ مُمْرِعاً ... جَنَابِي ومَمْنُوعاً بِسَيْفِكَ جَانِبِي
стр. 19
٤
وقال يذم الزمان ويستعين بعض إخوانه على استخلاص مال له عند جماعة:
الطويل
لَكَ الْخَيْرُ قَدْ أَنْحى عَلَيَّ زَمَاني ... وَمَالي بِما يَأْتِي الزَّمَانُ يَدَانِ
كَأَنَّ صُروفَ الدَّهْرِ لَيْسَ يَعُدُّهَا ... صُرُوفاً إِذَا مَكْرُوهُهُنَّ عَدَانِي
وَلَوْ أَنَّ غَيْرَ الدَّهْرِ بِالْجَوْرِ قَادَني ... جَمَحْتُ وَلكِنْ في يَدَيْهِ عِنَابِي
مُنِيتُ بِبَيْعِ الشِّعْرِ مِنْ كُلِّ بَاخِلٍ ... بِخُلْفِ مَوَاعِيدٍ وَزُورِ أَمَانِي
стр. 20
وَمَنْ لِي بِأَنْ يُبْتَاعَ مِنِّي وَإِنَّما ... أُقِيمُ لِماءِ الْوَجْهِ سُوقَ هَوَانِ
إذَا رُمْتُ أَنْ أَلْقى بِهِ الْقَوْمَ لَمْ يَزَلْ ... حَيائِي وَمَسُّ الْعُدْمِ يَقْتَتِلانِ
أَخَافُ سُؤَالَ الْبَاخِلِينَ كَأَنَّنِي ... مُلاقِي الْوَغى كُرْهاً بِقَلْبِ جَبَانِ
قَعَدْتُ بِمَجْرَى الْحَادِثَاتِ مُعَرَّضاً ... لأَسْبَابِها مَا شِئْنَ فِيِّ أَتَانِي
مُصَاحِبَ أَيَّامٍ تُجُرُّ ذُيُولَها ... عَلَيَّ بِأَنْواعٍ مِنَ الْحَدَثانِ
أَرَى الرِّزْقَ أَمَّا الْعَزْمُ مِنِّي فَمُوشِكٌ ... إِلَيْهِ وَأَمَّا الْحَظُّ عَنْهُ فَوانِ
وَهَلْ يَنْفَعَنِّي أَنَّ عَزْمِيَ مُطْلَقٌ ... وَحَظِّي مَتى رُمْتُ الْمَطَالِبَ عَانِ
وَمَا زَالَ شُؤْمُ الْجَدّ مِنْ كُلِّ طَالِبٍ ... كَفِيلاً بِبُعْدِ الْمَطلَبِ الْمُتَدَانِي
وَقَدْ يُحْرَمُ الْجَلْدُ الْحَرِيصُ مَرَامَهُ ... وَيُعْطِى مُنَاهُ الْعَاجِزُ الْمُتَوَانِي
стр. 21
وَمِنْ أَنْكَدِ الأَحْدَاثِ عِنْدِيَ أَنَّنِي ... عَلَى نَكَدِ الأَحْدَاثِ غَيْرُ مُعَانِ
فَها أَنَا مَتْرُوكٌ وَكُلَّ عَظِيمَةٍ ... أُقارِعُها شَأْنَ الْخُطُوبِ وَشَانِي
فَعَثْراً لِدَهْرٍ لا تَرى فِيهِ قَائلاً ... لَعَاً لِفَتىً زَلَّتْ بِهِ الْقَدَمَانِ
فَهَلْ أَنْتَ مُولٍ نِعْمةً فَمُبَادِرٌ ... إِلَيَّ وَقَدْ أَلْقَى الرِّدى بِجِرانِ
وَحَطَّ عَليَّ الدَّهْرُ أَثْقالَ لُؤْمِهِ ... وَتِلْكَ الَّتِي يَعْيَا بِها الثَّقَلانِ
وَمُسْتَخْلِصِي مِنْ قَبْضَةِ الْفَقْرِ بَعْدَمَا ... تَمَلَّكَ رِقِّي ذُلُّهُ وَحَوانِي
وَجَاعِلُ حَمْدِي مَا بَقِيتُ مُخَلَّداً ... عَلَيكَ وَمَا أَرْسَتْ هِضَابُ أَبَانِ
إِذاً تَقْتَنِي شُكْرَ امْرِيءٍ غَيْرِ هَادِمٍ ... بِكُفْرِ الأَيَادِي مَا ارْتيَاحُكَ بانِ
стр. 22
فَمِثْلُكَ أُنْسِ الدَّوْلَةِ انْتاشَ هَالِكاً ... أَخَيِذَ مُلِمَّاتٍ أَسِيرَ زَمَانِ
وَغَادَرَ مَنْ يَخْشَى الزَّمَانَ كَأَنَّما ... يُلاقِيهِ مِنْ مَعْرُوفِهِ بِأَمَانِ
٥
وقال يمدح القاضي جلال الملك أبا الحسن علي بن محمد بن عمار بطرابلس الشام
الكامل
يَا سَيِّدَ الْحُكِّامِ هَلْ مِنْ وَقْفَةٍ ... يَهْمِي عَلَيَّ بِهَا سَحَابُ نَداكا
أَمْ هَلْ يَعُودُ لِيَ الزَّمَانُ بِعَطْفَةٍ ... يَثْنِي إِلَيَّ بِهَا عِنَانَ رِضَاكا
стр. 23
هَبْ ذَا الرَّمِيِّ مِنَ الْحَوادِثِ جُنَّةً ... وَلِذَا الأَسِيرِ مِنَ الْخُطُوبِ فِكَاكا
قدْ نَالَ مِنِّي صَرْفُهَا مَا لَمْ تَنَلْ ... يَوْم التُّلَيلِ مِنَ الْعُداةِ ظُبَاكا
آلَيْتُ لا أَبْغِي نَداكَ بِشَافِعٍ ... مَالِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ إِلاَّكا
غَضَباً لِمَجدِكَ أَنْ تُخَوِّلَ نِعْمَةً ... فَتَكونَ فِيها مِنَّةٌ لِسِواكا
٦
وقال أيضاً يمدحه:
الوافر
أُمَنِّي النَّفْسَ وَصْلاً مِنْ سُعَادِ ... وَأَيْنَ مِنَ الْمُنى دَرَكُ الْمُرَادِ
وَكَيْفَ يَصِحُّ وَصْلٌ مِنْ خَليلٍ ... إِذَا مَا كَانَ مُعْتَلَّ الْوِدَادِ
стр. 24
تَمَادى فِي الْقَطِيعَةِ لا لِجُرمٍ ... وَأَجْفى الْهَاجِرِينَ ذَوُو التَّمادِي
يُفَرِّقُ بَيْنَ قَلْبِي وَالتَّأَسِّي ... وَيَجْمَعُ بَيْنَ طَرْفِي وَالسُّهَادِ
وَلَوْ بَذَلَ الْيسِيرَ لَبَلَّ شَوْقي ... وَقَدْ يَرْوى الظِّمَاءُ مِنَ الثِّمَادِ
أَمَلُّ مَخَافَةَ الإِمْلالِ قُرْبِي ... وَبَعْضُ الْقُربِ أَجْلَبُ لِلْبِعَادِ
وَعِنْدِي لِلأَحِبَّةِ كُلُّ جَفْنٍ ... طَلِيقِ الدِّمْعِ مَأْسُورِ الرُّقَادِ
فَلا تَغْرَ الْحَوَادِثُ بِي فَحَسْبِي ... جَفَاؤُكُمُ مِنَ النُّوَبِ الشِّدَادِ
إِذَا مَا النَّارُ كَانَ لَها اضطِّرَامٌ ... فَما الدَّاعِي إِلى قَدْحِ الزِّنادِ
أَرى الْبِيضَ الْحِدَادَ سَتَقْتَضِينِي ... نُزُوعاً عَنْ هَوى الْبِيضِ الْخِرَادَ
فَمَا دَمْعِي عَلَى الأَطْلال وَقْفٌ ... وَلا قَلْبي مَعَ الظُّعْنِ الْغَوَادِي
وَلا أَبْقى جَلالُ الْمُلْكِ يَوْماً ... لِغَيْرِ هَوَاهُ حُكْماً في فُؤَادِي
стр. 25
أُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ مِنْهُ ... وَأَعْشَقُ دَوْلَةَ الْمَلِكَ الْجَوَادِ
رَجَوْتُ فَما تَجَاوَزَهُ رَجائِي ... وَكَانَ الْماءِ غَايَةَ كُلِّ صَادِ
إذَا مَا رُوِّضَتْ أَرْضِي وَساحَتْ ... فَما مَعْنى انْتِجاعِي وَارْتِيادِي
كَفى بِنَدَى جَلالِ الْمُلْكِ غَيْثاً ... إِذا نَزَحَتْ قَرَارَةُ كُلِّ وَادِ
أَمَلْنا أَيْنُقَ الآمَالِ مِنْهُ ... إِلى كَنَفٍ خَصِيبِ الْمُسْتَرادِ
وَأَغْنَانا نَدَاهُ علَى افْتِقَارٍ ... غَناءَ الْغَيْثِ في السَّنَةِ الْجَمادِ
فَمَنْ ذَا مُبْلِغُ الأَمْلاكِ عَنَّا ... وَسُوِّاسِ الْحَوَاضِرِ وَالْبَوادِي
بِأَنَّا قَدْ سَكَنَّا ظِلَّ مَلْكٍ ... مَخُوفِ الْبَأْسِ مَرْجُوِّ الأَيَادِي
صَحِبْنَا عنْدَهُ الأَيَّامَ بِيضاً ... وَقَدْ عُمَّ الزَّمَانُ مِنَ الْسَّوَادِ
وَأَدْرَكْنَا بِعَدْلٍ مِنْ عَلِيٍّ ... صَلاحَ الْعَيْشِ فِي دَهْرِ الْفسَادِ
فَما نَخْشى مُحَارَبَةَ اللَّيَالِي ... وَلا نَرْجُو مُسَالَمَةَ الأَعَادِي
стр. 26
فَقُولا لِلْمُعانِدِ وَهْوَ أَشْقَى ... بِمَا تَحْبُوهُ عَاقِبَةُ الْعِنَادِ
رُوَيْدَكَ مِنْ عَدَاوَتِنَا سَتُرْدِي ... نَوَاجِذَ مَاضِغِ الصُّمِّ الصِّلادِ
وَلا تَحْمِلْ عَلَى الأَيَّامِ سَيْفاً ... فَإِنَّ الدِّهْرَ يَقْطَعُ بِالنِّجادِ
فَأَمْنَعُ مِنْكَ جَاراً قَدْ رمَيْنَا ... كَرِيمَتَهُ بِداهِيَةٍ نَآدِ
وَمَنْ يَحْمِي الْوِهَادَ بِكُلِّ أَرْضٍ ... إذا ما السيل طمم على النجاد
هو الراميك عن أمم وعرض ... إِذا مَا الرَّأْيُ قَرْطَسَ في السَّدَادِ
وَمُطْلِعُها عَلَيْكَ مُسَوَّمَاتٍ ... تَضِيقُ بِهَمِّها سَعَةُ الْبِلادِ
إِذَا مَا الطَّعْنُ أَنْحَلَها الْعَوَالِي ... فَدى الأَعْجَازَ مِنْها بِالْهَوَادِي
فِدَآؤُكَ كُلُّ مَكْبُوتٍ مَغِيظٍ ... يخافيك العداوة أو يبادي
فإنك ما بقيت لنا سليماً ... فَما نَنْفَكُّ فِي عِيدٍ مُعَادِ
стр. 27
أَبُوكَ تَدَارَكَ الإِسلامَ لَمَّا ... وَهَى أَوْ كَادَ يُؤْذِنُ بِانْهِدَادِ
سَخَا بِالنَّفْسِ شُحّاً بِالْمَعَالِي ... وَجَاهَدَ بِالطَّرِيفِ وَبِالتِّلادِ
كَيَوْمِكَ إِذْ دَمُ الأَعْلاجِ بَحْرٌ ... يُرِيكَ الْبَحْرَ فِي حُلَلٍ وِرَادِ
عَزَائِمُكَ الْعَوَائِدُ سِرْنَ فِيهِمْ ... بِمَا سَنَّتْ عَزَائِمُهُ الْبَوَادِي
وَهذا الْمَجْدُ مِنْ تِلْكَ الْمَسَاعِي ... وَهذا الْغَيْثُ مِنْ تِلْكَ الْغَوَادِي
وَأَنْتُمْ أَهْلُ مَعْدِلَةٍ سَبَقْتُمْ ... إِلى أَمَدِ الْعُلى سَبْقَ الْجِيَادِ
رَعى مِنْكَ الرَّعِيَّةَ خَيْرُ رَاعٍ ... كَرِيمِ الذَّبِّ عَنْهُمْ وَالذِّيَادِ
تَقَيْتَ اللهَ حَقَّ تُقَاهُ فِيهِمْ ... وَتَقْوى اللهِ مِنْ خَيْرِ الْعَتَادِ
كَأَنَّكَ لا تَرى فِعْلاً شَرِيفاً ... سِوى مَا كَان ذُخْراً لِلْمَعادِ
مَكَارِمُ بَعْضُها فِيهِ دَلِيلُ ... عَلَى ما فِيكَ مِنْ كَرَمِ الْوِلادِ
стр. 28
هَجَرْتَ لَها شَغَفاً وَوَجْداً ... وَكُلُّ أَخِي هَوىً قَلِقُ الْوِسَادِ
غَنِيتُ بِسَيْبِكَ الْمَرْجُوِّ عَنْهُ ... كَمَا يَغْنى الْخَصِيبُ عَنِ الْعِهَادِ
وَرَوَّانِي سَمَاحُكَ مَا بَدَالِي ... فَمَا أَرْتَاحُ لِلْعَذْبِ الْبُرادِ
إِذَا نَفَقَ الثَّناءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ ... فَلَسْتُ بِخَائِفٍ فِيهَا كَسادِي
فَلا تَزَلِ اللَّيَالِي ضَامِنَاتٍ ... بَقَاءَكَ مَا حَدَا الأَظْعَانَ حَادِ
ثَنائِي لا يُكَدِّرُهُ عِتَابي ... وَقَوْلِي لا يَخَالِفُهُ اعْتِقَادِي
стр. 29
٧
وقال يرثي جمال الدولة مملوك جلال الملك ويعزيه به، وقد وقع عن فرسه في الميدان فمات في وقته.
الطويل
إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ حَادِثِ الدَّهْرِ مَوْئِلُ ... وَلَمْ يُغْنِ عَنْكَ الْحُزْنُ فَالصَّبْرُ أَجْمَلُ
وَأَهْوَنُ مَا لاقَيْتَ مَا عَزَّ دَفْعُهُ ... وَقدْ يَصْعُبُ الأَمْرُ الأَشَدُّ فَيَسْهُلُ
وَمَا هذِهِ الدُّنْيَا بِدَارِ إِقَامَةٍ ... فَيَحْزَنَ فِيهَا الْقَاطِنُ الْمُتَرَحِّلُ
هِيَ الدَّارُ إِلاَّ أَنَّها كَمَفازَةٍ ... أَنَاخَ بِها رَكْبٌ وَرَكْبٌ تَحَمَّلُوا
مُنِينَا بِهَا خَرْقَاءَ لا الْعَذْلُ تَرْعَوِي ... إِلَيْهِ وَلا مَحْضَ النَّصِيحَة تَقْبَلُ
لَنَا وَلَهَا فِي كلِّ يَوْمٍ عَجَائِبٌ ... يَحَارُ لَهَا لُبُّ اللَّبِيبِ وَيَذْهَلُ
يَطُولُ مَدَى الأَفْكَارِ في كُنْهِ أَمْرِها ... فَيَنْكُصُ عَنْ غَايَاتِه الْمُتَوَغِّلُ
стр. 30
وَإِنَّا لَمِنْ مَرِّ الْجَدِيدَيْنِ في وَغىً ... إِذَا فَرَّ مِنْهَا جَحْفَلٌ كَرَّ جَحْفَلُ
تُجَرِّدُ نَصْلاً وَالْخَلائِقُ مَفْصِلٌ ... وَتُنْبِضُ سَهْماً وَالْبَرِيَّةُ مَقْتَلُ
فَلا نَحْنُ يَوْماً نَسْتَطِيعُ دِفَاعَهَا ... وَلا خَطْبُهَا عَنَّا يَعِفُّ فَيُجْمِل
وَلا خَلْفَنَا مِنْهَا مَفَرٌّ لِهَارِبٍ ... فَكَيْفَ لِمَنْ رَامَ النَّجَاةَ التَّحَيُّلُ
وَلا نَاصِرٌ إِلاَّ التَّمَلْمُلُ والأَسى ... وَمَاذَا الَّذِي يُجْدِي الأَسى وَالتَّمَلْمُلُ
نَبيتُ عَلَى وَعْدٍ مِنَ الْمَوْتِ صَادِقٍ ... فَمِنْ حَائِنٍ يُقْضى وَآخَرَ يُمْطَلُ
وَكُلٌّ وَإِنْ طَالَ الثَّوآءُ مَصِيرُهُ ... إِلى مَوْرِدٍ مَا عَنْهُ لِلْخَلْقِ مَعْدٍلُ
стр. 31
فَوَا عَجَبا مِنْ حَازِمٍ مُتَيَقِّنٍ ... بِأَنْ سَوْفَ يَرْدى كَيْفَ يَلْهُو وَيَغْفُلُ
أَلا لا يَثِقْ بِالدَّهْرِ مَا عَاشَ ذُو حِجَىً ... فَمَا وَاثِقٌ بِالدَّهْرِ إِلاَّ سَيَخْجَلُ
نَزَلْتُ عَلَى حُكْمِ الرَّدَى في مَعاشِرِي ... وَمَنْ ذَا على حكم الردى ليس ينزل
تبدلت بالماضين منهم تعلة ... وأين من الْماضِينَ مَنْ أَتَبَدَّلُ
إِذَا مَاءُ عَيْنِي بانَ كَانَ مُعُوَّلِي ... عَلَى الدَّمْعِ إِنَّ الدَّمْعَ بِئْسَ الْمُعوِّلُ
كَفى حَزَناً أَنْ يُوقِنَ الْحَيُّ أَنَّهُ ... بِسَيْفِ الرَّدَى لا بُدَّ أَنْ سَوْفَ يُقْتَلُ
لِبَيْكِ جَمَالَ الدَّوْلَةِ الْبَأْسُ وَالنَّدَى ... إِذَا قَلَّ مَنَّاعٌ وَأَعْوَزَ مُفْضِلُ
فَتىً كَانَ لا يُعْطِي الْسَّوَاءَ قَسِيمَهُ ... إِباءً إِذَا مَا جَاشَ لِلْحَرْبِ مِرْجَلُ
وَلا يَعْرِفُ الإِظْمَاءَ فِي الْمَحْلِ جَارُهُ ... سَمَاحاً وَلُوْ أَنْ الْمَجَرَّةَ مَنْهَلُ
فَمَنْ مُبْلِغُ الْعَلْياءِ أَنِّيَ بُعْدَهُ ... ظَمِئْتُ وَأَخْلافُ السّحَائِبِ حُفَّلُ
فَوَا أَسَفَا مَنْ لِلطَّرِيدِ يُجِيرُهُ ... إِذَا ناشَهُ نَابٌ مِنَ الْخَوْفِ أَعْصَلُ
стр. 32
وَوَا أَسَفَا مَنْ لِلْفَقِيرِ يَمِيرُهُ ... إِذَا شَفَّهُ دَاءٌ مِنَ الْفَقْرِ مُعْضِلُ
تَهَدَّمَ ذَاكَ الْبَاذِخُ الْشَّامِخُ الذُّرى ... وأَقْلَعَ ذَاكَ الْعَارِضُ الْمُتَهَلِّلُ
فَيَا مَانِعَ اللاَّجِينَ هَا أَنَا مُسْلَمٌ ... وَيَا مُمْطِرَ الرَّاجِينَ هَا أَنَا مُمْحِلُ
أَحِينَ احْتَبى فِيكَ الْكَمَالُ وَخُوِّلَتْ ... يَدَاكَ مِنَ الْعَليْاءِ مَا لا يُخَوَّلُ
وَشَايَعَكَ العَزْمُ الْفَتِيُّ وَنَاضَلَ النَّ ... وَائِبَ عَنْكَ السُّؤْدَدُ الْمُتَكَهِّلُ
وَلَمْ تُبْقِ حَظّاً مِنْ عُلاً تَسْتَزيدُهُ ... وَلا حُلَّةً مِنْ مَفْخَرٍ تَتَسَرْبَلُ
رَمَاكَ فَأَصْمَاكَ الزَّمَانُ بِكَيْدِهِ ... كَذَا تَنْقُصُ الأَقْمَارُ أَيّانَ تَكْمُلُ
وَمَا كُنْتُ أَخْشى أَنْ يَفُوتَ بِكَ الرِّدى ... وَلَمَّا يَكْنْ يَوْمٌ أَغَرُّ مُحَجَّلُ
وَلَمَّا يَقُمْ مِنْ دُونِ ثَأْرِكَ مَعْشَرٌ ... إِذَا عَزَمُوا فِي النَّائِبَاتِ تَوَكَّلُوا
مَنَاجِيدُ وَثَّابُونَ فِي كُلِّ صَهْوَةٍ ... مَنَ الْعِزِّ قَوَّالُون لِلْمَجْدِ فُعَّلُ
أَتَذْهَبُ لَمْ يُشْرَعْ َأَمَامَكَ ذَابِل ... لِمَنْعٍ وَلَمْ يُشْهَرْ وَرَاءَكَ مُنْصُلُ
стр. 33
فَهَلاَّ بِحيْثُ الْمَشْرَفِيَّةُ رُكَّعٌ ... تُكَبِّرُ فِي هَامِ الْعِدى وَتُهَلِّلُ
وَأَلاَّ بِحَيْثُ السَّمْهَرِيَّةُ شُرَّعٌ ... تُعَلُّ مِنَ الأَكْبَادِ رَياً وَتُنْهَلُ
كَدَأْبِكَ أَيَّامَ الْحَوَادِثُ نُوَّمٌ ... وَجَدُّكَ يَقْظَانٌ وَحَدُّكَ مِقْصَلُ
فَهَلْ عَالِمٌ جَيْهَانُ أَنَّكَ بَعْدَهُ ... رَمى بِكَ مَرْمَاهُ الْحِمَامُ المُعَجَّلُ
سَلَكْتَ وَإِيَّاهُ سَبيلاً غَدَا بِهِ ... زَمَانُكُمَا في قِسْمَةِ الْجَوْرِ يَعْدِلُ
سَقَاكَ وَإِنْ لَمْ يُرْضِنِي فِيكَ وَابِلٌ ... وَلَوْ حَلَّ لِي قُلْتُ الرَّحِيقُ الْمُسَلْسَلُ
مِنَ الْمُزْنِ مَشْمَولٌ يَرِفُّ كَأَنَّهُ ... بِجُودِ جَلالِ الْمُلْكِ يَهْمِي وَيَهْطِلُ
وَمَهْمَا هَفَتْ يَوْماً مِنَ الْجَوِّ نَفْحَةٌ ... فَهَبَّ بِحِضْنَيْكَ النَّسِيمُ الْمُمَنْدَلُ
стр. 34
وَلا عَدِمَ الْمَوْلى مِنَ الأَجْرِ خَيْرَهُ ... وَبُلِّغَ فِي أَعْدَائِهِ مَا يُؤَمِّلُ
فِدَىً لَكَ مَنْ تَحْتَ السِّماءِ وَلا تَزَلْ ... وَمجْدُكَ مَرْفُوعُ الْبِنَاءِ مُؤَثِّلُ
إِذَا جَلَّ خَطْبٌ غَالَ همَّكَ عِنْدَهُ ... نُهمىً تَسَعُ الْخَطْبَ الْجَلِيلَ وَتَفْضُلُ
وأَرْغَمْتَ أَنْفَ النَّائِبَاتِ بِوَطْأَةٍ ... تَخِفُّ عَلَى ظَهْرِ الزَّمَانِ وَتَثْقُلُ
وَأَيُّ مُلِمٍّ يزدهيك وإنما ... بحملك في أمثاله يتمثل
غنيت بِمَا تَقْضِي بِهِ عِنْدَكَ النُّهى ... وَفَضْلِكَ عَنْ تَعْرِيف مَا لَسْتَ تَجْهَلُ
وَمَاذَا يَقُولُ الْقَائِلُونَ لِمَاجِدٍ ... أَصِيلِ الْحِجى فِي لَفْظَةٍ مِنْهُ فَيْصَلُ
стр. 35
٨
وقال يرثي أخت جلال الملك:
الطويل
أَحَتّى إِلى الْعَلْياءِ يا خَطْبُ تَطْمَحُ ... وَحَتّى فُؤَادَ الْمَجْدِ يا حُزْنُ تَجْرَحُ
أَكُلُّ بَقاءٍ لِلفَناءِ مُؤَهَّلٌ ... وَكُلُّ حَياةٍ لِلْحِمامِ تُرَشَّحُ
سَلَبْتَ فَلَمْ تَتْرُكْ لِباقٍ بَقِيَّةً ... فَيا دَهْرُ هَلاَّ بِالأَفاضِلِ تَسْمَحُ
تَجافَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيْحَكَ إِنَّهُ ... لِما يُجْتَوى مِنْ فَاسِدٍ فِيكَ مُصْلِحُ
إِذا كُنْتَ عَنْ ذِي الْفَضْلِ لَسْتَ بِصافِحٍ ... فَواحَسْرَتا عمَّنْ تَكُفُّ وَتَصْفَحُ
خَلِيلَيَّ قَدْ كانَ الَّذِي كانَ يُتَّقى ... فَما عُذْرُ عَيْنٍ لا تُجُودُ وَتَسْفَحُ
قِفا فَاقْضِيا حَقَّ الْمَعالِي وَقَلَّما ... يَقُومُ بِهِ دَمْعٌ يَجِمُّ وَيَطْفَحُ
فَمَنْ كانَ قَبْلَ الْيَوْمِ يَسْتَقْبِحُ الْبُكا ... فَقَدْ حَسُنَ الْيَوْمَ الَّذِي كانَ يَقْبُحُ
فَلا رُزْءَ مِنْ هذا أَعَمُّ مُصِيبَةً ... وَلا خَطْبَ مِنْ هذا أَمَرُّ وَأَفْدَحُ
стр. 36
مُصابٌ لَوَ أَنَّ اللَّيْلَ يُمْنى بِبَعْضِ مَا ... تَحَمَّلَ مِنْهُ الْمَجْدُ ما كانَ يُصْبِحُ
وَحُزْنٌ تَساوى النَّاسُ فِيهِ وَإِنَّما ... يَعُمُّ مِنَ الأَحْزانِ ما هُوَ أَبْرَحُ
تَرى السَّيْفَ لا يَهْتَزُّ فِيه كآبَةً ... وَلا زاعِبِيَّاتِ الْقَنا تَتَرَنَّحُ
فَيا لَلْمَعالِي وَالْعَوالِي لِهالِكٍ ... لَهُ الْمَجْدُ باكٍ وَالْمَكارِمُ نُوَّحُ
مَضى مُذْ قَضى تِلْكَ الْعَشِيَّةَ نَحْبَهُ ... وَمَا كُلُّ مَغْبُوقٍ مِنَ الْعَيْشِ يُصْبَحُ
لَغاضَ لَهُ مَاءُ النَّدَى وَهْوَ سائِحٌ ... وضاق بِهِ صَدْرُ الْعُلى وَهْوَ أَفيَحُ
ظَلِلْنا نُجِيلُ الْفِكْرَ هَلْ تَمْنَعُ الرَّدى ... كَتائِبُهُ وَالْيَوْمُ أَرْبَدُ أَكْلَحُ
فَما مَنَعَتْ بُتْرٌ مِنَ الْبِيضِ قُطَّعٌ ... وَلا نَفَعَتْ جُرْدٌ مِنَ الْخَيْلِ قُرَّحُ
وَلا ذادَ مَشْهُورٌ مِنَ الْفَضْلِ باهِرٌ ... وَلا كَفَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الْخَيْرِ أَسْجَحُ
وَهَيْهاتَ ما يَثْنِي الْحِمامَ إِذا أَتى ... جِدارٌ مُعَلَّىً أَوْ رِتاجٌ مَصَفَّحُ
وَلا مُشْرِعاتٌ بِالأَسِنَّةِ تَلْتَظِي ... وَلا عادِياتٌ فِي الأَعِنَّةِ تَضْبَحُ
стр. 37
وَلا سُؤْدَدٌ جَمٌّ بِهِ الْخَطْبُ يُزْدَهى ... وَلا نائِلٌ غَمْرٌ بِهِ الْقَطْرُ يَفْضَحُ
فَيا لَلَّيالِي كَيْفَ أَنْجُو مِنَ الرَّدى ... وَخَلْفِي وَقُدَّامِي لَهُ أَيْنَ أَسْرَحُ
أَأَرْجُو انْتِصاراً بَعْدَ ما خُذِلَ النَّدَى ... وَآمُلُ عِزّاً والْكِرامُ تُطَحْطَحُ
أَرى الإِلْفَ ما بَيْنَ النُّفُوسِ جَنى لهَا ... جَوانِحَ تُذْكَى أَوْ مَدامِعَ تَقْرَحُ
فَيا وَيْحَ إِخْوانِ الصَّفاءِ مِنَ الأَسَى ... إِذا ما اسْتَرَدَّ الدَّهْرُ ما كانَ يَمْنَحُ
وَمَنْ عاشَ يَوْماً سَاءَهُ ما يَسُرُّهُ ... وَأَحْزَنَهُ الشَّيْءُ الَّذِي كانَ يُفْرِحُ
عَزاءً جَلالَ الْمُلْكِ إِنَّكَ لَمْ تَزَلْ ... بِفَضْلِ النُّهَى فِي مَقْفَلِ الْخَطْبِ تَفْتَحُ
فَذا الدَّهْرُ مَطْوِيٌّ عَلَى الْبُخْلِ بَذْلُهُ ... يَعُودُ بِمُرِّ الْمَذْقِ حِينَ يُصَرِّحُ
يُساوِي لَدَيْهِ الْفَضْلَ بِالنَّقْصِ جَهْلُهُ ... وَسيَّانِ لِلْمَكْفُوفِ مُمْسىً وَمُصْبَحُ
وَمِثْلُكَ لا يُعْطِي الدُّمُوعَ قِيادَهُ ... وَلَوْ أَنَّ إِدْمانَ الْبُكا لَكَ َأرْوَحُ
وَلَوْ كانَ يُبْكي كُلُّ مَيْتٍ بِقَدْرِهِ ... إِذاً عَلِمَتْ جَمَّاتُها كَيْفَ تُنْزَحُ
стр. 38
لَسالَتْ نُفُوسٌ لا دُمُوعٌ مُرِشَّةٌ ... وَعَمَّ حَمامٌ لا سَقامٌ مُبَرِّحُ
وَما كُنْتَ إِذْ تَلْقى الْخُطُوبَ بِضارِعٍ ... لَها أَبَداً أَنّي وَحِلْمُكَ أَرْجَحُ
وَكَمْ عَصَفَتْ فِي جانِبِيْكَ فَلَمْ تَبِتْ ... لَها قَلِقاً وَالطَّوْدُ لا يَتَزَحْزَحُ
وَأَيُّ مُلِمٍّ فِي عَلائِكَ يَرْتَقِي ... وَأَيُّ الرَّزايا فِي صَفاتِكَ يَقْدَحُ
٩
وقال يمدحه وكتب بها إليه من دمشق (بعد خروجه من طرابلس):
البسيط
لَئِنْ عَدانِي زَمانٌ عَنْ لِقائِكُمُ ... لَما عَدانِيَ عَنْ تَذْكارِ ما سَلفَا
وَإِنْ تَعَوِّضَ قَوْمٌ مِنْ أَحِبَّتَهَمْ ... فَما تَعَوَّضْتُ إِلاَّ الْوَجْدَ وَالأَسَفا
وَكَيْفَ يَصْرِفُ قَلْباً عَنْ وِدادِكُمُ ... مَنْ لا يَرى مَنْكُمُ بُدّاً إِذَا انْصَرَفا
ما حقُّ شَوْقِي أَنْ يُثْنى بِلائِمَةٍ ... وَلا لِدَمُعِيَ أَنْ يُنْهى إِذا ذَرَفا
стр. 39
ما وَجْدُ مَنْ فارَقَ الْقَوْمَ الأُلى ظَعَنُوا ... كَوَجْدِ مَنْ فَارَقَ الْعَليْاءَ وَالشَّرَفا
لأَغْرَيَنَّ بِذَمِّ الْبَيْنِ بَعْدَكمُ ... وَكَيْفَ تَحْمَدُ نَفْسُ التَّالِفِ التَّلَفا
أَمُرُّ بِالرَّوْضِ فِيهِ مِنْكُمُ شَبَهٌ ... فَأَغْتَدِيَ بارئاً وَأَنْثَنِي دَنِفا
وَيَخْطِرُ الْغَيْثُ مُنْهَلاًّ فَيَشْغَفُنِي ... أَنِّي أَرى فِيهِ مِنْ أَخْلاقِكُمْ طَرَفا
أَعْدَيْتُمُ يا بَنِي عَمَّارَ كُلَّ يَدٍ ... بِالجُودِ حتّى كَأَنَّ الْبُخْلَ ما عُرِفا
ما كانَ يُعْرَفُ كَيْفَ الْعَدْلُ قَبْلَكُمُ ... حَتّى مَلَكْتُمْ فَسِرْتُمْ سِيرَةَ الْخُلَفا
ما أَحْدَثَ الدَّهْرُ عِنْدِي بَعْد فُرْقَتِكُمْ ... إِلاَّ وِداداً كَماءِ الْمُزْنِ إِذْ رُشِفا
وَشُرِّداً مِنْ ثَناءٍ لا يُغِبُّكُمُ ... مُضَمَّناً مُلَحَ الأَشْعَارِ وَالطٌّرَفا
كَالوَرْدِ نَشْراً وَلكِنْ مِنْ سَجِيَّتِهِ ... أَنْ لَيْسَ يَبْرَحُ غَضّاً كُلَّما قُطِفا
مَحامِدٌ لَيْسَ يُبْلِي الدَّهْرُ جِدَّتَها ... وَكَيْفَ تَبْلى وَقَدْ أَوْدَعْتُها الصُّحُفا
غُرٌّ إِذا أَنْشِدَتْ كَادَتْ حَلاوَتُها ... تُرْبِي الْقَصائِدَ مِنْ أَبْكارِها نُتفَا
стр. 40
يَغْنى بِها الْمَجْدُ عَنْ عَدْلٍ عَلَيَّ وَمَنْ ... يَبْغِي الشُّهُودَ عَلَى مَنْ جاءَ مُعْتَرِفا
ما أَنْتُمُ بِالنَّدى إِذْ كَانَ دِينَكُمُ ... أَشَدُّ مِنِّي عَلَى بُعْدِي بِكُمْ شَغَفَا
مَنْ راكِبٌ وَاصِفٌ شَوْقِي إِلى مَلِكٍ ... لا يَخْجَلُ الرَّوْضُ إِلاَّ كُلَّما وُصِفَا
يُثْنِي بِحَمْدِ جَلالِ الْمُلْكِ عَنْ نِعَمٍ ... عِنْدِي بِما رَقَّ مِنْ شُكْرِي لَهُ وَصَفا
قُلْ لِلْهُمامِ رَعى الآمالَ بَعْدَكُمُ ... قَوْمٌ فَرُحْتُ أَسُوقُ الْعُرَّ وَالْعُجُفا
إِنْ كانَ يَخْشُنُ لِلأَعْداءِ جانِبُهُ ... فَقَدْ يَلِينُ لرِاجِي سَيْبِهِ كَنَفَا
حاشا لِمَنْ حَكَّمَتْ نُعْماكَ هِمَّتَهُ ... أَلاَّ يَبِيتَ مِنَ الأَيَّامِ مُنْتَصِفا
كَمْ عَزْمَةًٍ لَكَ فِي الْعَلْياءِ سابِقَةٍ ... إِذا جَرى الدَّهْرُ فِي مَيْدانِها وَقَفا
وَبَلْدَةٍ قَدْ حَماها مِنْكَ رَبُّ وَغىً ... لا تَسْتَقِيل الرَّدى مِنْهُ إِذا دَلَفَا
إِنْ أَقْلَقَ الْخَطْبُ كَانَتْ مَعْقِلاً حَرَماً ... أَوْ الْمَحْلُ طبق كَانَتْ رَوْضَةً أُنُفا
следующие страницы →