Полный текст (327 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
[١ / أ]
شعر أبي الأسود الدؤلي ثم الليثي
صنعه
أبي سعيد الحسن بن الحسين السكري
رواية
أبي القاسم عبيد الله بن عثمان بن يحيى بن زكريا الدقاق
عن
أبي الخطاب العباس بن أحمد بن محمد بن الفرات
عن السكري
سماع
للعباس بن أحمد بن موسى بن أبي مواس.
стр. 2
[١ / ب]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عونك يا الله
أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن عثمان بن يحيى بن زكريا الدقاق قراءة عليه ببغداد في المسجد الجامع بمدينة المنصورة في يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ست وثمانين وثلاثمائة قال:
أخبرنا أبو الخطاب العباس بن أحمد بن محمد بن الفرات اجازة قال:
أخبرنا أبو سعيدالحسن بن الحسين السكري وقرأته عليه في المحرم سنة ثمان وثمانين ومائتين قال:
أخبرني محمد بن حبيب عن أبي عمرو وابن
стр. 3
الأعرابي.
قال:
وقد قرأته أيضا علي أحمد بن أبي علي ثعلب وعارضت كتابه.
وعارضت كتاب أبي عمرو الشيباني من كتاب محمد بن الحسن بن السري - مولى للطائيين من أهل بادوريا - وكان رواية:
قال أبو عمرو:
стр. 4
[١]
كان من حديث أبي الأسود - واسمه: ظالم بن عمرو بن سفيان بن جندل بن يعمر بن حلس بن نفاثة بن عدي بن الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة، فيما زعم لي غير واحد من الثقات
انه لما أسن وكبر كان يكثر الركوب إلي المسجد الجامع والسوق، ويزور صديقه، فقال له رجل: يا أبا الأسود، أراك تكثر الركوب وقد رققت وكبرت ولا أحسب لزومك لمنزلك إلا أودع لك فقال أبو الأسود: صدقت ولكن الركوب يشد بضعتي، وأسمع من الخبر ما لا أسمع في بيتي، وأستنشي الريح وألقى الإخوان، ولو جلست في بيتي اعتر بي أهلي - أي: سقطت هيبتي - واستأنس بي الصبي، واجترأت علي الخدام، وكلمني من أهلي ما يهاب كلامي، لألفهم إياي وجلوسي عندهم، حتى لعل العنز أن تبول علي فلا يقول لها احد: هس.
وكان أدراجه وطريقه الذي يسلك إلى المسجد والسوق في دور
стр. 5
بني تيم اللات بن ثعلبة، وكان فيهم رجل متفحش يكثر الاستهزاء بمن مر به، فمر به أبو الأسود في بعض ما كان يمر، فلما رآه التيمي قال: كأن وجه أبي [٢ / أ] الأسود وجه عجوز راحت إلى أهلها بطلاق.
فأضحك القوم، واعرض عنه أبو الأسود، فقال أبو الأسود، حين رجع إلى أهله:
الطويل
١ - وَأَهوَجَ مِلجاجٍ تَصامَمتُ قيلَهُ ... أَن اِسمَعَهُ وَما بِسَمعيَ مِن باسِ
الذي يركب رأسه جهلا.
٢ - وَلَو شِئتُ ما أَعرَضتُ حَتّى أَصَبتُهُ ... عَلى أَنفِهِ خَدباءَ تَعضِلُ بِالآسي
خدباء: ضربة قاطعة.
٣ - فَإِنَّ الِلسانَ لَيسَ أَهوَنُ وَقعِهِ ... بِأَصغَرَ آثاراً مِنَ النَحتِ بِالفاسِ
٤ - وَذي إِحنَّةٍ لَم يُبدِها غَيرَ أَنَّهُ ... كَذي الخَبلِ تَأبى نَفسُهُ غَيرَ وَسواسِ
٥ - صَفَحتُ لَهُ صَفحاً طَويلاً كَصَفحِهِ ... وَعَيني وَلا يَدري عَليهِ وَأَحراسي
٦ - وَعندي لَهُ إِن ثار فَوَّارُ صَدرِهِ ... فَحاً جَبَلِيٌّ لا يَعودُ لَهُ الحاسي
стр. 6
الفحا: الأبزار، الفلفل وما أشبهه.
٧ - تَنَقَّيتُهُ مِن كُلِّ مُرٍّ فَمِزتُهُ ... لِكُلِّ عُضاليٍّ مِنَ الداءِ نَكّاسِ
مزته: انتقيت بعضه من بعض، يقال: مز هذا من هذا أي أنتقه وتخيره. والعضالي: الشديد.
والنكاس: الذي ينتكس فيه صاحبه مرة بعد مرة
٨ - شِفاءً وَتنجيزاً مَتى يَلتَبِس بِهِ ... يُعالِجُ بَرءً لا يُريبكَ أَو ياسِ
التنجيز: إنفاذ الأمور.
٩ - وَخَبٍّ لُحومُ الناسِ أَكثَرُ زادِهِ ... كَثيرِ الخَنى بَعدَ المَحالَةِ هَمّاسِ
الخب: الخبيث. و" لحوم الناس أكثر زاده" يقول: هو يقع في الناس. والخنى: كلام السوء. والمحالة: أن يمحل به عند السلطان حتى يشيط بدمه. الماحل: النمام. والهماس: الذي ينالني منه ما أكره، قال ابن حبيب: الهمس الفعل الخفي.
١٠ - تَرَكتُ لَهُ لَحمي وَأَبقَيتُ لَحمَهُ ... لِمَن نابَهُ مِن حاضِر الجِنِّ والناسِ
١١ - [٢ / ب] فَكَدَّ قَليلاً ثُمَ صَدَّ كَأَنَّما ... يَعُضُّ بِصُمٍّ مِن سَدى جَبَلٍ راسي
стр. 7
كد: عمل. والسدى - ها هنا - الحجارة الملساء التي في منبتها نتوء عن الجبل، والسدي: البلح. والرواسي: الثابت.
ثم إن أبا الأسود مر عليهم أيضا بعد ذلك، والرجل في القوم فقال: كأن غضون قفا أبي الأسود الفقاح. فأقبل عليه فقال: هل تعرف فقحة أمك فيهن؟ . فأفحم الرجل فلم يعد له بشيء.
стр. 8
[٢]
كان أبو الأسود خطب امرأة من عبد القيس يقال لها: أسماء بنت زياد بن غنيم فأسر أمرها إلى صديق له من الأسد يقال له الهيثم بن زياد. وكان ابن عم لأسماء يخطبها، ولها مال عند ابن عم لها، فكانت تريد قبضه ثم تزوج ابا الأسود. وإن الهيثم بن زياد ذكر أمر أبي الأسود لامرأته، فشهدت مأتما في عبد القيس فحدثت عن خطبة أبي الأسود أسماء، فنما الحديث حتى بلغ بني عمها، فضاروها وحالوا بينها وبين مالها
واسم الأزد: دراء وإنما سمي الأسد لأنه لم يكن يفد عليه أحد إلا أسدى إليه معروفا فإذا سئل قال: أسدى إلي دراء يدا فسمي الأسد بذلك.
فقال أبو الأسود في ذلك:
الطويل
١ - لَعَمري لَقَد أَفشَيتُ يَوماً فَخانَني ... إِلى بَعضِ مَن لَم أَخشَ سِرّاً مُمَنَّعا
стр. 9
٢ - فَمَزَّقَهُ مَزقَ العَما وَهوَ غافِلٌ ... وَنادى بِما أَخفَيتُ مِنهُ فَأَسمَعا
العماء: المطر يقود السحاب قال العلماء من السحاب: الرقيق
٣ - فَقُلتُ وَلَم أَفحَش لَعاً لَكَ عالياً ... وَقَد يَعثرُ الساعي إِذا كانَ مُسرِعاً
٤ - فَلَستُ بِجازيكَ المَلامَةَ إِنَني ... أَرى العَفوَ أَدنى لِلسَّداد وَأَوسَعا
٥ - وَلَكِن تَعلَّم إِنها عَهدُ بَينِنا ... فَبِن غَيرِ مَذمومٍ وَلَكِن مودَّعا
أي: هي آخر العهد، أي ودعت صحبتك تركتها يقول انقطع مني على مجاملة غير مذموم أي قبل أن أذمك على تضييع سري.
٦ - حَديثاً أَضَعناهُ كِلانا فَلَن أُرى ... وَأَنتَ نَجيّاً آخِرَ الدَهرِ أَجمَعا
يقول: لن يراني الناس وإياك نتناجى آخر الدهر بعد تضييعك سري، والمناجاة: المسارة.
٧ - وَكُنتَ إِذا ضَيَّعتَ سِرَّك لَم تَجِد ... سِواكَ لَهُ إِلّا أَشَتَّ وَأَضيَعا
стр. 10
[٣]
وقال أبو الأسود في ذلك أيضا:
الطويل
١ - أَمِنتُ عَلى السِرِّ امرَءً غَيرَ حازِمٍ ... وَلَكِنَّهُ في النُصحِ غَيرُ مَريبِ
٢ - أَذاعَ بِهِ في الناسِ حَتّى كَأَنَّهُ ... بِعَلياءَ نارٌ أُوقِدَت لِثقوبِ
يقال: ثقبت النار: إذا طرحت عليها الحطب ليرتفع لهبها.
٣ - وَكُنتَ مَتى لا تَرعَ سِرَّكَ تَنتِشر ... فَوارِعُهُ مِن مُخطىءٍ وَمُصيبِ
فوارعه: أعاليه
٤ - فَما كُلُّ ذي لُبٍّ بِمؤتيكَ نُصحَهُ ... وَما كُلُّ مؤتٍ نَصحَهُ بِلبيبِ
٥ - وَلَكِن إِذا ما استَجمَعا عِندَ واحِدٍ ... فَحقٌّ لَهُ مِن طاعَةٍ بِنَصيبِ
стр. 11
٦ - وَإِنَّ امرَءً قَد جَرَّبَ الناسَ لَم يَخف ... تَقَلُّبَ عَصرَيهِ لَغَيرُ لَبيبِ
٧ - فَلا تَيأَسَنَّ الدَهرَ مِن ودِّ كاشِحٍ ... وَلا تَأمَنَنَّ الدَهرَ صَرمَ حَبيبِ
٨ - إِذا المَرءُ أَعيا رَهطَهُ في شبابِهِ ... فَلا تَرجُ مِنهُ الخَيرَ عِندَ مَشيبِ
стр. 12
[٤]
كان لأبي الأسود صديق من بني تميم ثم أحد بني سعد يقال له: مالك بن الأصرم، وكانت بينه وبين ابن عم له خصومة في دار له. وأنهما اجتمعا عند أبي الأسود فحكماه بينهما، فقال له خصم صديق أبي الأسود: إني قد عرفت الذي يبينك وبين هذا وأرجو أن لا يحملك ذلك على أن تحيف علي بشيء. وكان الرجل محقا فقضى له أبو الأسود على صديقه فقال صديقه والله ما بورك لي في عملك وفقهك حين تقضي علي. فقال أبو الأسود في ذلك:
الطويل
١ - إِذا كُنتَ مَظلوماً فَلا تُلفَ راضياً ... عَن القَومِ حَتّى تَأَخُذَ النِصفَ واغضَبِ
٢ - [٣ / ب] فَإِن كُنتَ أَنتَ الظالِمَ القَوم فاطَّرِح ... مَقالَتَهُم وَاشغَب بِهِم كُلَّ مَشغبِ
أي: دعهم وما يقولونه واعمل أنت ما تحب.
٣ - وَقارِب بِذي جَهلٍ وَباعِد بِعالِمٍ ... جَلوبٍ عَلَيكَ الحَقَّ مِن كُلِّ مَجلَبِ
стр. 13
٤ - فَإِن حَدَبوا فاقعَس وَإِن هُم تَقاعَسوا ... ليَستمكِنوا مِمّا وَراءَكَ فاحدَبِ
الحدب: الإشفاق. والتقاعس: التأني عن فعل الشيء ومنه سمي "مقاعس" لأنه تقاعس عن بني سعد ولم يحضر الصلح.
وأحدب: أشفق أي أشفق أن يخرج من يدك شيء.
٥ - وَلا تَدعُني لِلجورِ واصبِر عَلى الَّتي ... بِها كُنتُ أَقضي لِلبَعيدِ عَلى أَبي
٦ - فَإِنّي اِمرؤٌ أَخشى إِلَهي وَأَتَّقي ... مَعادي وَقَد جَرَّبتُ ما لَم تُجَرِّبِ
стр. 14
[٥]
كان أبو الأسود أراد الشخوص إلى فارس في قبل الشتاء وذلك مع خروج ابن الزبير فقال له بعض إخوانه: لا تشخص يومك هذا فإنك شات وقد ترى أمر الناس وفساد سبيلهم فأقم حتى ترى من رأيك ويبلغك عن الطريق صلاح وينصرم الشتاء فإني أخشى عليك خصالا غير واحدة فقال أبو الأسود:
الطويل
١ - إِذا كُنتَ مَعنيّاً بِأَمرٍ تُريدُهُ ... فَما لِلمَضاءِ وَالتَوكُّل مِن مِثلِ
٢ - تَوكَّل وَحَمِّل أَمرَكَ اللَهَ إِنَّ ما ... يُرادُ لَهُ آتيكَ أَنتَ لَهُ مُخلِ
أي: خلو لا شيء يحول بينه وبينك.
٣ - فَلا تَحسَبنَّ السَيرَ أَقرَبَ لِلرَدى ... مِنَ الخَفضِ في دارِ المُقامَةِ والثَملِ
الثمل: بقايا الطعام في البطن، والثمل: العيش، والثميلة من هذا يقول: لا تحسب أن السير يقرب الموت فالأجل له مدة عنده يأتيك الموت، وإن كنت في نعمة من عيشك ومطعم ومشرب فهو
стр. 15
آتيك حيث كنت مقيما كنت أو مسافرا في الوقت المقدر لك
٤ - وَلا تَحبِسَنّي عَن طَريقٍ أُريدُهُ ... بِظَنِّكَ إِنَّ الظَنَّ يَكذِبُ ذا العَقلِ
٥ - [٤ /أ] فَإِنّي مُلاقٍ ما قَضى اللَهُ أَنَّني ... مُلاقٍ فَلا تَجعَل لَكَ العِلمَ كَالجَهلِ
٦ - فَإِنَّكَ لا تَدري وَإِن كُنتَ مُشفِقاً ... عَليَّ أَبَعدي ما تُحاذِرُ أَم قَبلي
٧ - وَكائِن تَرى مِن حاذِرٍ مُتَحَفِّظٍ ... أُصيبَ وَأَلفَتهُ المَنيَّةُ في الأَهلِ
стр. 16
[٦]
كان رجل من بني سليم بن منصور يقال له: نسيب بن حميد كان يغشى أبا الأسود في منزله ويتحدث إليه في المسجد إذا جلس فكان نسيب يقول لأبي الأسود كثيرا: ما أحد من قومي ولا من غيرهم بآثر عندي منك وربما طلب الحاجة فيركب معه أبو الأسود فيها. فأصاب نسيب مستقة أصبهانية مخملة فذكرها لأبي الأسود وقال قد حدثت نفسي ببيعها فقال له أبو الأسود: أرسل بها إلي أنظر إليها. فأرسل بها نسيب إليه فأعجبت أبا الأسود فقال: بعنيها بقيمتها قال لا بل أكسوكها فأبى أبو الأسود أن يقبلها فأراها فقيل له: ثمن مائتي درهم وخمسين درهما فقال أبو الأسود: ما أظن بها غلاء وإنها لمن حاجتي فأبى وقال: خذها - إذا - هبة فقال أبو الأسود في ذلك:
الكامل
١ - بِعني نُسَيبُ وَلا تَهَب لي إِنَّني ... لا أَستَثيبُ وَلا أُثيبُ الواهِبا
٢ - إِنَّ العَطيَّةَ خَيرُ ما وَجَّهتَها ... وَحَسِبتَها حَمداً وَأَجراً واجِبا
стр. 17
٣ - وَمِنَ العَطيَّةِ ما يَعودُ غَرامَةً ... وَمَلامَةً تَبقى وَمَنّاً كاذِبا
٤ - وَبَلوتُ أَخلاقَ الرِجالِ وَفِعلَهُم ... فَشَبِعتُ عِلماً مِنهُمُ وَتَجارِبا
٥ - فَأَخَذتُ مِنها ما رَضيتُ بِأَخذِهِ ... وَتَرَكتُ أَكثَرَ ما هُنالِكَ جانِبا
٦ - فَإِذا وَعَدتُ الوَعدَ كُنتُ كَغارِمٍ ... دَيناً أَقَرَّ بِهِ وَأَحضَرَ كاتِبا
٧ - حَتّى أُنَفِّذَهُ كَما وَجَّهتُهُ ... وَكَفى عَليَّ لَهُ بِنَفسي طالِبا
٨ - وَإِذا فَعَلتُ فَعَلتُ غَيرَ مُحاسَبٍ ... وَكَفى بِرَبِّكَ جازياً وَمُحاسِبا
[٤ / ب] أي لا أحاسب على ذلك والحساب من الله في هذا الموضع: جزاء
٩ - وَإِذا مَنَعتُ مَنَعتُ مَنعاً بَيِّناً ... وَأَرَحتُ مِن طولِ العَناءِ الراغِبا
١٠ - لا أَشتَري الحَمدَ القَليلَ بَقاؤُهُ ... يَوماً بِذَمِّ الدَهرِ أَجمَعَ واصِبا
стр. 18
[٧]
وإن أبا الأسود لقي نسيبا فأنشده هذه القصيدة فتضاحك لها وقال: لو كنت بائعها من أحد من الناس بعتكها يا أبا الأسود فقال أبو الأسود في ذلك أيضا:
المتقارب
١ - أَرَيتَ امرَءً كُنتُ لَم أَبلُهُ ... أَتاني فَقالَ اِتَّخِذني خَليلا
٢ - فَخالَلتُهُ ثُمَ أَكرَمتُهُ ... فَلَم أَستَفِد مِن لَدُنهُ فَتيلا
٣ - وَأَلفَيتُهُ حينَ جَرَّبتُهُ ... كَذوبَ الحَديثِ سَؤولاً بَخيلا
٤ - فَذَكَّرتُهُ ثُمَّ عاتَبتُهُ ... عِتاباً رَفيقاً وَقولاً جَميلا
стр. 19
٥ - فَأَلفَيتُهُ غَيرَ مُستَعتِبٍ ... وَلا ذاكِرَ اللَهَ إِلّا قَليلا
٦ - أَلَستُ حَقيقاً بِتَوديعِهِ ... وَإِتباعِ ذَلِكَ صَرماً طَويلاً
стр. 20
[٨]
كان علي بن أبي طالب - صلوات الله عليه - استعمل أبا الأسود على البصرة واستعمل زياد بن أبي سفيان على الديوان والخراج. وإن زيادا جعل يسبع أبا الأسود عند علي وينعى عليه فلما بلغ ذلك أبا الأسود قال:
الطويل
١ - رَأَيتُ زِياداً يَجتَويني بِشَرِّهِ ... وَأُعرِضُ عَنهُ وَهوَ بادٍ مَقاتِلُه
أي يطلب من شرا
٢ - وَكُلُّ امرىءٍ واللَهُ بِالناس عالِمٌ ... لَهُ عادَةٌ قامَت عَلَيها شَمائِلُهُ
٣ - تَعَوَّدَها فيما مَضى مِن شَبابِهِ ... كَذَلِكَ يَدعو كُلَّ أَمرٍ أَوائِلُه
٤ - وَيُعجِبُهُ صَفحي لَهُ وَتَحمُّلي ... وَذو الجَهلِ يُحذي الفُحشَ مَن لا يُعاجِلُه
يعطيه ابتداء
стр. 21
٥ - فَقُلتُ لَهُ ذَرني وَشَأنيَ إِنَّنا ... كِلانا عَليهِ مَعمَلٌ فَهوَ عامِلُه
[٥ / أ] أي: علينا عمل غير هذا
٦ - فَلَولا الَّذي قَد يُرتَجى مِن رَجائِهِ ... لَجَرَّبتَ مِنّي بَعضَ ما أَنتَ جاهِلُه
٧ - لَجَرَّبتَ أَنّي أَجلِبُ الغَيَّ مَن غَوى ... عَليَّ وَأَجزي ما جَزى وَأُطاوِلُه
٨ - كَما كُنتَ لَو آخَيتَني لَوَجَدتَني ... أُكارِمُ مَن آخَيتُهُ وَأُباذِلُه
٩ - وَذو خَطلٍ في القَولِ ما يَعتَرِض لَهُ ... مِنَ القَولِ مِن ذي إِربَةٍ فَهوَ قَائِلُه
١٠ - ونَمٍّ ظَنونٍ مُستَظَنٍّ مُلَعَّنٍ ... لُحومُ الصَديقِ لَهوُهُ وَمآكِلُه
١١ - تَجاوَزتُ عَمّا قالَ لي واحتَسَبتُهُ ... وَكانَ مِنَ الذَنبِ الَّذي هوَ نائِلُه
أي: تركته وطبت نفسا عنه.
١٢ - فَقُلتُ لِنَفسي والتَذَكُّرُ كَالنُهى ... أَتَسخَطُ ما يَأَتي بِهِ وَتُماثِلُه
تماتله: تفعل به مثل ما يفعل بك.
стр. 22
١٣ - فَكَدَّ قَليلاً ثُمَ صَدَّ وَقَد بَنَت ... عَلى كُرهِهِ أَنيابُهُ وَأَنامِلُه
١٤ - فَما إِن تَراني ضَرَّني إِذ تَرَكتُهُ ... بِظَهري وَأَشقى الناسِ بِالشَرِّ فاعِلُه
١٥ - وَمُؤتَمَنٍ بِالسِرِّ أَوثَقتُ سِرَّهُ ... مَع القَلبِ مَقروناً بِهِ لا يُزايِلُه
١٦ - وَأَسمَعتُ مَن أَخشى عَليهِ مَغازِلَ ال ... حَديثِ وَأَحراسُ الحَديثِ مَغازِلُه
أي: غزل الحديث وهو حسنه
١٧ - وَصاحِبَ صِدقٍ ذي حَياءٍ وَجُرأَةٍ ... يَنالُ الصَديقَ نَصرُهُ وَفواضِلُه
١٨ - كَريمٍ حَليمٍ يَكسِبُ الحَمدَ والنَدى ... إِذا الوَرَعُ الهَيّابُ قَلَّت نَوافِلُه
١٩ - مَدَدتُ بِحَبلِ الودِّ بَيني وَبينَهُ ... كِلانا مُجِدٌّ ما يَليهِ وَواصِلُه
٢٠ - وَغَيثٌ مِن الوَسمِيِّ حُوٌّ تِلاعُهُ ... تَمَنَّعَ زَهواً نَبتُهُ وَسَوابِلُه
أي: لكثرة الحرب عليه. الغيث: المطر، والغيث: العشب.
стр. 23
أيضا. والوسمي: أول [٥ / ب] مطر يسم الأرض والذي يجيء بعده: الولي. والحو: من الأحوى وهو سواد إلى الخضرة قال ابو جعفر: الحوة سواد الشفتين واللثة. والتلاع: مجاري الماء من أعالي الأودية إلى بطونها. وزهو كل شيء: نضارته وحسنه يقال زها فلان إذا دخله العجب والتيه، وزهاء كل شيء: قدره.
٢١ - كَأَنَّ الظِباءَ الأُدمَ في حُجُراتِهِ ... وَجُونَ النَعامِ شاجِنٌ وَجَمائِلُه
الأدم: البيض من الظباء وهي أطولها أعناقا وأشدها عدوا. وجحراته: نواحيه. والجون: السود -ها هنا-. وشاجن: واد، شبه الظباء والنعام فيه -في نواحي هذا الغيث ترعاد بهذا الوادي- بالإبل التي ترعى فيه، ويقال: هو واد كثير العشب كثير الحمض والسعدان ترعى فيه الإبل
٢٢ - هَبَطتُ إِذا ما الآلُ آضَ كَأَنَّهُ ... عِضاهٌ تَرَدّى بِالمُلاءِ أُطاوِلُه
الآل: السراب. وآض: صار.
يقول: هبطت هذا الغيث في وقت نزو السراب واضطرابه على الآكام والأعلام كأنه شجر العضاه قد جللها كالملاء عليها. وواحد العضاه: عضه.
стр. 24
٢٣ - تَسَمَّعتُ وَاستَوضَحتُ ثُمَّ استَجَزتُهُ ... بِأَبيَضَ مَلحوبٍ قَواءٍ مَنازِلُه
الاستيضاح: النظر والتبين. واستجزته: جزته. والأبيض: الطريق. والملحوب: الذي قد لحبته السابلة وهو المشقوق واللحب: الشق في الأرض وهو -ها هنا- شرك الطريق. والقواء: القفر لا أهل له.
٢٤ - عَلى ذاتِ لَوثٍ أَو بِأَهوَجَ وَشوَشٍ ... صَنيعٍ نَبيلٍ يَملأُ الرحلَ كاهِلُه
[اللوث و] الليث: القوة. والأهوج: الذي في سيره تلفت وسرعة. والوشوش: الخفيف السريع في سيره، ويروى: "سهوق" و "سوهق". والصنيع: الذي قد قيم عليه وأحسن إليه، أي صنع للرحلة. والكاهل: هو للإنسان، إلا أن القافية اضطرته [٦ / أ] واستعاره فجعله للبعير، وهو الحارك من البعير، ومن الفرس المنسج ومن الحمار السيساء.
٢٥ - لِأُدرِكَ نُجحاً أَو أُسلّيَ حاجَةً ... وَهَمُّ القَصيرِ الباعِ داءٌ يُماطِلُه
٢٦ - يَهُمُّ وَلا يَمضي وَيرتَدُّ أَمرُهُ ... إِذا قامَ ناهيهِ عَليهِ وَعاذِلُه
стр. 25
[٩]
وقال أبو الأسود لزياد أيضاً في ذلك:
البسيط
١ - نُبِّئتُ أَنَّ زياداً ظَلَّ يَشتُمَني ... والقَولُ يُكتَبُ عِندَ اللَهِ والعَمَلُ
٢ - وَقَد لَقِيتُ زياداً ثُمَّ قُلتُ لَهُ ... وَقبلَ ذَلِكَ ما خَبَّت بِهِ الرُسُلُ
٣ - حَتّى ما تَسرقُني في كُلِّ مجمَعَةٍ ... عَرضي وَأَنتَ إِذا ما شِئتَ مُنتَقِلُ
ومنتقل: أي ينتقل مما قاله: يجحده.
٤ - وَمُكفِلُ اللَهَ بِالعُتبى وَمُعتَرِفٌ ... أَن قَد ظُلِمتُ وَمُستَعِفٍ وَمُعتَذِلُ
كأنه يجعل الله كفيلا على ما يعاتبه عليه، أي: مقر لا أنكر العذل.
٥ - ثُمَّ اِنثَنيتَ وَنَفسي ما تواثِقُني ... وَالغَدرُ بِالمَوثِقِ النِسيانُ وَالعَجَلُ
стр. 26
ويروى: ثمت تعود ونفسي.
٦ - كُلُّ امرىءٍ صائِرٌ يَوماً لِشِيمَتِهِ ... في كُلِّ مَنزِلَةٍ يُبلى بِها الرَجُلُ
٧ - وَلَو تَلَبَّثَ عَنها غَيرَ تارِكِها ... إِلّا إِلَيها قَريباً ثُمَّ يَنتَقِلُ
٨ - إِذا أَرادَ لَها تَركاً تَقَعَّدَهُ ... كَما تَقَعَّدَ ساقَ الموثَقِ الطِوَلُ
ويروى: "شأو الموثق". تقعده: حبسه ذلك كما حبس الموثق الحبل عن شأوه، والشأو: السبق.
стр. 27
[١٠]
وقال أبو الأسود يعاتب زيادا في الذي كان منه:
الطويل
١ - أَلا أَبلِغا عَنّي زياداً مآلِكاً ... رَسولاً إِلَيهِ حَيثُ ما كانَ مِن أَرضِ
المآلك: الرسائل واحدها مألكة.
٢ - فَما لَكَ مَسهوماً إِذا ما لقيتَني ... تُقَطِّعُ دوني طَرفَ عَينيكَ كَالمُغضي
أي: أصابه سهام وهو داء. ويروى: "طرف عينيك بالغمض" [٦ / ب]
٣ - وَمالي إِذا ما أَخلَقَ الوُدُّ بَينَنا ... أُمِرُّ القُوى مِنهُ وَتَعمَلُ في النَقضِ
أمر: أفتل يقال أمر الحبل وأحصده وشزره: إذا أجاد فتله. والقوى: طاقات الحبل واحدتها قوة.
٤ - أَلَم تَرَ أَنّي لا أُلَوِّنُ شيمَتي ... تَلَوُّنَ غولِ اللَيلِ بِالبَلَدِ المُفضي
أي: لا أتلون خلق كذا وخلق كذا.
стр. 28
٥ - وَلَستُ بِناموسٍ سَبوتٍ دَلَهمَسٍ ... كَحُمّى هُلاعٍ لا تَبوخُ وَلا يَقضي
الناموس: ذو الغش الخبيث الظن. والسبوت: السكون، يسكن مرة ويهيج أخرى. والدلهمس: الجريء. وحمى هلاع: هي أشد النافض. وتبوخ: تذل يقال باخه يبوخه بوخا: أي أذله.
٦ - وَلَستُ بِرَشّاشٍ رَشيقٍ مُلَهوَقٍ ... جَوادٍ بِمَكذوبِ المَواعِدِ وَالقَرضِ
الرشاش: الذي يبدي يبدي لك غير ما في قلبه. والملهوق: الكذوب يقال: لهوق في حديثه إذا كذب
٧ - وَلَستُ كَماءِ القاعِ يُحسَب رَيَّةً ... وَيُدرَك ضَحلاً بَعدَ مَظمَإِهِ الدَحضِ
القاع من الأرض: ما كان فيه ماء وطين. رية: يروي من يظنه. والضحل: الضحضاح الماء القليل يريد السراب. ومظمإه: من الظمإ وهو العطش. والدحض: الزلق يقال: موضع دحض إذا كان متصوبا لا يثبت عليه شيء وكذلك حصاة زلقة.
٨ - فَسَل بي وَلا تَستَحي مِنّي فَإِنَّهُ ... كَذَلِكَ بَعضُ الناسِ يَسأَلُ عَن بَعضِ
стр. 29
[١١]
فلما كان من أمر زياد ومعاوية الذي كان واستعمل معاوية زيادا على العراق جعل أبو الأسود يأتيه ويطلبه الحاجة تكون فربما قضى زياد له حاجته وربنا ثناه عن ذلك ما يعرف من هواه في علي بن أبي طالب ﵇ وما كان دخل بينهما وهما عاملان لعلي. فجعل أبو الأسود يترضاه بما استطاع ويتقيه [٧ / أ] فقال أبو الأسود في ذلك:
الطويل
١ - رَأَيتُ زِياداً صَدَّ عَنّي وَرَدَّني ... وَما كانَ خَيّاباً مِنَ القَومِ سائِلُه
٢ - يُنَفِّذُ حاجاتِ الرِجالِ وَحاجَتي ... كَداءِ الجَوى في جَوفِهِ لا يُزايلُه
٣ - فَلا أَنا ناسٍ ما نَسيتُ فَيائِسٌ ... وَلا أَنتَ راءٍ ما أُريكَ فَفاعِلُه
٤ - وَفي اليأسِ حَزمٌ لِلقَويِّ وَراحَةٌ ... مِنَ الأَمرِ لا يُنسى وَلا المَرءُ نائِلُه
стр. 30
[١٢]
وقال أبو الأسود أيضاً لزياد -وكان زياد يكنى أبا المغيرة-:
الوافر
١ - أَبو بَحرٍ أَشدُّ الناسِ مَنّاً ... عَلَينا بَعدَ حَيِّ أَبي المُغيرَه
أبو بحر: عبد الرحمن بن أبي بكرة.
٢ - لَقَد أَبقى لَنا الحِدثانُ مِنهُ ... اخا ثِقَةٍ مَنافِعُهُ كَثيرَه
٣ - قَريبُ الخَيرِ سَهلٌ غَير وَعرٍ ... وَبَعضُ الخَيرِ تَمنَعُهُ الوُعورَه
الوعورة: المكان الغليظ. والوعر: الجافي الغليظ.
٤ - بَصَرتَ بِأَنَّنا أَصحابُ حَقٍّ ... نُدِلُّ بِهِ وَإِخوانٌ وَجيرَه
٥ - وَأَهلُ مَضيعَةٍ فَوَجَدتَ خَيراً ... مِنَ الخُلاَّنِ فيها وَالعَشيرَه
٦ - فَإِنَّكَ ما عَلِمتُ وَكُلُّ نَفسٍ ... تُرى صَفحاتُها وَلَها سَريرَه
стр. 31
٧ - لَذو قَلبٍ بِذي القُربى رَحيمٍ ... وَذو عَينٍ بِما بَلَغت بَصيرَه
٨ - لَعَمرُكَ ما حَشاكَ اللَهُ نَفساً ... بِها جَشَعٌ وَلا نَفساً شَريرَه
الجشع: الحرص
٩ - وَلَكِن أَنتَ لا شَرِسٌ غَليظٌ ... وَلا هَشِمٌ تَنازَعُهُ خُؤورَه
الشرس: السيء الخلق، والاسم منه: الشرس. والغليظ: الجافي. والهشم: الضعيف، ومنه قول زهير:
معتدل الحكم لا هار ولا هشم
والخؤورة: الضعف أيضا وهو لين المغمز من كل عود [٧ / ب]
١٠ - بِخَيرِ خَليقَةٍ وَبِخَير خُلقٍ ... خُلِقتَ فَزادَكَ اللَهُ الغَفيرَه
أراد بالغفيرة -ها هنا-: المغفرة، والغفيرة -في غير هذا-: الشيء الخسيس.
١١ - كَأَنّا إِذ أَتَيناهُ نَزَلنا ... بِجانِبِ رَوضَةٍ رَيّا مَطيرَه
стр. 32
[١٣]
كان جار لأبي الأسود يحسده وتبلغه عنه قوارص فلما انتقل أبو الأسود إلى هذيل وباع داره في بني الدئل قال جار أبي الأسود لبعض جيرانه من هذيل: هل يسقيكم أبو الأسود من لبن لقاحه؟ وكانت لا تزال عنده لقحة أو اثنتان وكان جاره ذاك يصيب من الشراب، فلما بلغ أبا الأسود ذلك قال:
الطويل
١ - إِنَّ امرءً نُبِّئتُهُ من صَديقِنا ... يُسائِلُ هَل أَسقي من اللَبن الجارا
٢ - وَإِنّي لأَسقي الجارَ في قَعرِ بَيتِهِ ... وَبَيتيَ ما لا إِثمَ فيهِ وَلا عارا
٣ - شَراباً حَلالاً يَتركُ المَرءَ صاحياً ... وَلا يَتَولّى يَقلِصُ الخَمرَ وَالقارا
стр. 33
[١٤]
وقال أبو الأسود في ذلك أيضاً:
الطويل
١ - لَستُ وَإِن عَزَّ الشَرابُ بِمُفطِرٍ ... عَلى باذَقٍ مِمّا تَقومُ بِهِ السوقُ
وهو حرف فارسي عرب وهو "باذه"
٢ - سَأَترُكُ ما أَخشى عَليَّ أَذاتَهُ ... وَأَشرَبُ مِمّا تَجمَعُ النَحلُ والنوقُ
٣ - شَرابَينِ لا مَقتٌ مِنَ اللَهِ فيهِما ... عَليَّ وَلا وَقعٌ مِنَ السَوطِ تَشقيقُ
أي: يبغضه الله .
стр. 34
[١٥]
كان لأبي الأسود صديق من بني قيس بن ثعلبة يقال له حوثرة بن سليم فاستعمله عبيد الله بن زياد على "جي" أصبهان. وإن أبا الأسود جفاه حوثرة ولم ير عنده خيرا فقال أبو الأسود في ذلك حين فصل من عنده:
الطويل
١ - تَرَوَّحتَ مِن رُزداقَ جيٍّ عَشيَّةً ... وَغادَرتَ في رُزداقِ جيٍّ أَخاً لَكا
٢ - أَخاً لَكَ إِن طالَ التَنائي وَجَدتَهُ ... نَسيّاً وَإِن طالَ التَعاشُرُ مَلَّكا
٣ - وَلَو كُنتَ سَيفاً يَعجِبُ الناسَ حدُّهُ ... وَكُنتَ لَهُ يَوماً مِنَ الدَهرِ فَلَّكا
٤ - وَلَو كُنتَ أَهدى الناسِ ثُمَّ صَحِبتَهُ ... فَطاوعتَهُ ضَلَّ الهُدى وَأَضلَّكا
٥ - إِذا جِئتَهُ تَبغي الهُدى خالَفَ الهُدى ... وَإِن جُرتَ عَن بابِ الغِوايةِ دَلَّكا
стр. 35
[١٦]
كان رجل من خزاعة يقال له: وثاق بن جابر وكان رجلا يحب البداوة ويتخذ اللقاح ويصفها فأتى أبا الأسود وعنده لقحة مري أي لها لبن -والمري: التي مات ولدها فهي ترأمه- يقال لها: الصفوف فقال وثاق: ما بلقحتك بأس لولا عيب كذا وكذا ولكن هل لك أن تبيعها؟ فقال أبو الأسود: على ما تذكر فيها من العيب؟ فقال وثاق: إني أغتفر ذلك لحاجتي إلى البداوة فقال أبو الأسود: بئست الخلتان الحرص والخدع أنا لعيب مالي أشد اغتفارا فقال أبو الأسود في ذلك:
الطويل
١ - يُريدُ وَثاقٌ ناقَتي وَيَعيبُها ... يُخادِعُني عَنها وَثاقُ بنِ جابِرِ
٢ - فَقُلتُ تَعَلَّم يا وِثاقُ بِأَنَّها ... عَلَيكَ حِمىً أُخرى اللَيالي الغَوابِرِ
стр. 36
٣ - بَصَرتَ بِها كَوماءَ حَوساءَ جَلدَةً ... مِنَ المولياتِ الهامِ حَدَّ الظَهائِرِ
تولي هامتها حد الظهيرة. حوساء: كثيرة الأكل.
стр. 37
[١٧]
كان لأبي الأسود لقحة يقال لها: الطيفاء وكان يقول: ما ملكت مالا قط أحب إلي منها فأتاه فيها رجل من بني سدوس يقال له: أوس بن عامر فجعل يماحل أبا الأسود عنها ويعيبها فوافق أبو الأسود بها بصيرا [و] فيها منافسا فبذل له بها ثمنا فأبى أبو الأسود عليه وقال أبو الأسود في ذلك:
الطويل
١ - أَتانيَ في الطَيفاءِ أَوسُ بنُ عامِرٍ ... لَيَخدَعَني عَنها بِجِنِّ ضِراسِها
ويروى: "بحر ضراسها": أي وقت شدة سوء خلقها أي بالساعة الشديدة من رياضتها و "بحين ضراسها"
٢ - فَسامَ قَليلاً يائِساً غَيرَ ناجِزٍ ... وَأَحضَرَ نَفساً واثِقاً بِمكاسِها
стр. 38
٣ - فَأَقسَمتُ لَو أَعطيتَ ما سُمتَ مِثلَهُ ... وَأَنتَ حَريصٌ ما غَدوتَ بِراسِها
٤ - أَغَرَّكَ مِنها عَذمُها عَن حوارِها ... تَقَذُّرَ أُمِّ السَكنِ عِندَ نِفاسِها
أي كما تتقذر أم السكن إذا نفست من سوء الخلق
стр. 39
[١٨]
وقال أبو الأسود لامرأته أم السكن ورابه بعض خليقتها:
الطويل
١ - أَلا تِلكَ عِرسي أُمُّ سَكنٍ تَنَكَّرَت ... خَلائِقُها لي والخُطوبُ تَقَلَّبُ
٢ - تَعَرَّضُ أَحياناً وَأَزعُمُ أَنَّها ... تُحَوِّطُ أَمراً عِندَهُ تَتَقرَّبُ
أي: تعرض لي بالكلام.
٣ - فَقُلتُ لَها لا تَعجَلي كُلُّ كُربَةٍ ... سَتَمضي وَلَو دامَت قَليلاً فَتَذهَبُ
٤ - فَإِمّا تَرَيني لا أَريمُكِ قاعِداً ... لَدى البابِ لا أَغزو وَلا أَتَغَيَّبُ
٥ - فَإِنَّكِ لا تَدرينَ أَن رُبَّ سَربَخٍ ... دِقاقُ الحَصى مِنهُ رِمالٌ وَسَبسَبُ
السربخ: الأرض البعيدة.
стр. 40
٦ - أَقَمتُ الهَدى فيهِ إِذا المَرءُ غَمَّهُ ... سَقيطُ النَدى وَالدّاخِنُ المُتَحَلِّبُ
٧ - إِلى أَن بَدا فَجرُ الصَباحِ وَنَجمُهُ ... وَزالَ سَوادُ اللَيلِ عَمّا يُغَيِّبُ
٨ - وَصَحراءَ سِختيتٍ يَحارُ بِها القَطا ... وَيرتَدُّ فيها الطَرفُ أَو يَتَقَضَّبُ
ويروى: يتصوب. والسختيت: المشتبهة التي لا يعرف بعضها من بعض مهلكة لكل شيء. يرتد فيها الطرف: يموج فيها. أو يتقضب: أو يتقطع فيها وعند ذلك يحور الناظر فلا يعرف الهداية من أين هي.
٩ - قطعتُ إِذا كانَ السَرابُ كَأَنَّهُ ... سَحابٌ عَلى أَعجازِهِ مُتَنَصِّبُ
١٠ - عَلى ذاتِ لَوثٍ تَجعَلُ الوَضعَ مَشيَها ... كَما انقَضَّ عَيرُ الصَخرَةِ المُتَرَقِّبُ
اللوث: القوة. والوضع: السير الرفيع. ومنه قول الشاعر:
следующие страницы →