بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إنّ الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
[أما بعد]: فهذا شرح "صحيح الامام مسلم بن الحجاج" رحمه الله تعالى، أبدأ فيه، فأقول:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أنزل الكتاب على عبده، ولم يجعل له عِوجًا، وأسند بيانه إليه ﷺ ، ورفع عنّا بذلك حَرَجًا، فقال في محكم تنزيله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فكانت سنَّته بيانًا أبلجا (١)، فأعظم بذلك تشريعًا أنهجا، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي جعل للمتقين مخلصًا ومخرجًا، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وواضعًا عنهم كلّ إصر كان أثقل ظهر الأولين
стр. 2
مُحْرِجا، صلّى الله عليه وعلى آله، وصحبه، وسلّم تسليمًا أبْهَجَا.
[أما بعد]: فلمّا يسّر الله تعالى لي بفضله شرح مقدّمة صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى، شرحًا مطوّلًا مستوعبًا لمقاصدها، ومحتويًا على فوائدها، ويسّر الله تعالى طبعه، ونشره بين أهل العلم، أحببتُ أن أتطفّل بإلحاق ذلك بشرح "صحيحه" كاملًا، شرحًا يستوفي مقاصده، ويحوي فوائده، ويستوعب مباحثه، ويزيل ملتبساته، ويفتح مقفلاته، ويبيّن ما تضمّنه من أنواع العلوم، وأسرار الفهوم، ويوضّح ما وقع فيه من المشكلات الإسناديّة، أو المتنيّة، وغير ذلك من المطالب التي هي من أهمّ المهمّات لطلّاب العلم، ولا سيّما طلّاب الحديث، مستمدًّا ذلك من فيض فضل الملك الوهّاب، ومقتبسًا من كلام أولي الألباب، من جهابذة أهل الحديث، ممن أسهموا في خدمة هذا الفنّ في القديم والحديث، وأخصّ منهم شُرّاحه الحفّاظ الأئمة الأخيار: القاضي عياضًا، وابن الصلاح، والقرطبي، والنوويّ. وحَذَام (١) المحدثين في المتأخرين، أحمد بن محمد بن عليّ المعروف بابن حجر العسقلاني، في كتابه العديم النظير في بابه "فتح الباري شرح صحيح البخاري"، فقد قلت فيه: لولا فتح الباري، ثم "فتح الباري" (٢) ما قضيت أوطاري.
وكذا كتب الأئمة الحفّاظ: ابن المنذر، والبيهقيّ، والبغويّ، والخطابئ، والمنذريّ، والذهبيّ، وابن حزم، وابن دقيق العيد، وابن المُلَقّن، وابن تيميّة، وابن القيّم، والعينيّ، وابن قُدامة، والصنعانيّ، والشوكانيّ، وابن الأثير، والفيّوميّ، وابن منظور، والمجد الفيروزآباديّ، وغيرهم ممن يمرّ عليك حين أعزو الكلام إليه، رحمهم الله تعالى أجمعين، وحشرنا في زمرتهم، وأدخلنا مدخلهم الكريم آمين.
فسيكون الشرح - إن شاء الله تعالى - بحوله وقوته قرّة أعين محبي السّنَّة، يزيل عنهم كلّ غبَش وسِنَة.
стр. 3
فيا طلّاب علم الحديث أهلًا بكم في رِحَاب كتاب نفيس، رائق الحديث لكل جليس، ولكل من استوحش ببعده عن فنّ الحديث أنيس (١).
ولا أريد أن أُطيل بوصفه البيان، بل أكتفي بِلَمْحَةِ البنان، فإن الذَّكِيَّ يَفْهَمُ بأدنى إشارة، ما لا يَفهَمه الغبيّ بألف عبارة، والبليدُ لا يفيده التطويل، ولو تُلِيَت عليه التوراة والإنجيل، والمشاهدة أعلى من الشهادة، وأقوى الوسائل في الإفادة.
يَا ابْنَ الْكِرَامِ أَلَا تَدْنُو فَتُبْصِرَ مَا … قَدْ حَدَّثُوكَ فَمَا رَاءٍ كَمَنْ سَمِعَا
(وسمَّيتُهُ: "البحرَ المحيط الثَّجَّاج في شرح صحيح الامام مسلم بن الحجاج"، رحمه الله تعالى).
واللهَ تعالى الكريمَ أسألُ القَبولَ، والإخلاصَ، وأن ينفعني به، وكلَّ مَن تلقّاه بقلب سليم يومَ وقوعِ القصاص، إنه سميعٌ قريبٌ مجيبٌ الدعوات، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥].
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
وقبلَ أن أَشْرَعَ في المقصود - بعون الملك المعبود - ينبغي أن اقدّم تنبيهين مهمّين:
[التنبيه الأول]: في بيان منهجي في شرح هذا الكتاب:
(اعلم): أن منهجي الذي سلكته في هذا الشرح كما يلي:
(١) - ترقيم أبواب الكتاب، وأحاديثه، وقد جعلت له رقمين:
الأول: رقمي الذي اتخذته رقمًا مفصّلًا لأحاديث الكتاب كلها، وصورته هكذا [١].
والثاني: رقم محمد فؤاد عبد الباقي ﵀، وجعلته بعد رقمي، وصورته هكذا (١)، وإذا لم يرقم له؛ لكونه يراه مكرّرًا، فأكتب له هكذا ( … ) إشارةً إلى أنه اعتبره مكرّرًا.
(واعلم): أن ترقيم محمد فؤاد، وإن كان غير معتبر في الحقيقة، كما
стр. 4
أسلفته في شرح المقدّمة، لكن اعتمد عليه الناس؛ لاعتماد أصحاب المعاجم والمفهرسات، والبرامج الحديثة عليه، وشهرته بينهم، وقد كنت قديمًا أعرضت عنه، وزهدت فيه؛ لعدم كونه ترقيمًا صحيحًا؛ إذ ترك ترقيم المكرّرات، ويجعل أحيانًا رقمين فأكثر لحديث واحد، وربّما يعكس، لكنّي اضطررت أخيرًا أن أُدخله؛ لما ذكرتُ من اعتماد الناس عليه، وجعلت الإحالات التي في التخريج مبنيّة عليه، فإذا أحلت حديثًا يأتي، أو مضى بالرقم، فالمراد به رقمه، لا رقمي الذي التزمته لجميع أحاديث الكتاب، وهذا من باب التيسير على الناس؛ لئلا يدخل التشويش عليهم لو غيّرت الأرقام المألوفة لهم، فليُتفطَّن لذلك، فإنه مهمّ جدًّا.
(٢) - كتابة نصّ العنوان: الكتاب، أو الباب، وقد سبق أن تراجم الأبواب ليست من وضع المصنف رحمه الله تعالى، وإنما هي من وضع الشرّاح، وأنا أتوخى أليق الترجمة بالحديث، فأضعه، هذا بالنسبة للأبواب، وأما أسماء الكتب، كـ"كتاب الإيمان"، و"كتاب الطهارة"، ونحو ذلك، فإنها من وضعه، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في مقدّمة شرح المقدّمة، ثم أشرح ما وضعه المصنّف من أسماء الكُتُب، على ما يليق بها، وأما أسماء الأبواب فلا أتعرّض لها؛ لعدم كونها من وضع المصنف، فتنبّه.
(٣) - كتابة نصّ الحديث سندًا ومتنًا.
(٤) - ذكر تراجم رجال السند، مسلسلًا بالأرقام، وأذكر له عنوانًا بقولي: "رجال هذا الإسناد: خمسة"، أو ستة، أو نحو ذلك.
(٥) - إن كان المترجم لم يَسْبِقْ له ذكرٌ، توسّعت في ترجمته بذكر ما قاله علماء الجرح والتعديل، حتى يُعْرَف حقَّ المعرفة بما له وما عليه، وإن تقدّمت ترجمته ذكرتُ ما يُعْرَف به من نسبه، وطبقته، ومرتبته في العدالة، والضعف، ووفاته، ومن أخرج له مع المصنّف من أصحاب الأصول، ثم أُحيله على المحلّ الذي سبقت ترجمته المطوّلة فيه برقم الباب والحديث.
(٦) - أعتمد في الترجمة أوّلًا على عبارة "تقريب التهذيب" حتى تكون كالْفَذْلَكَة لما يأتي، ثم أذكر بعدها ما يكون كالتفصيل لها من الكتب الأخرى، وغالبًا أنقله من "تهذيب التهذيب"، وإذا كان صحابيًّا فمن "الإصابة في تمييز الصحابة"، وقليلًا من "لسان الميزان"، و"تعجيل المنفعة"، و"هدي الساري
стр. 5
مقدّمة فتح الباري"، وكلها للحافظ أبي الفضل ابن حجر المتوفّى سنة (٨٥٢ هـ) رحمه الله تعالى، ومن "تهذيب الكمال" للحافظ أبي الحجّاج المزّيّ المتوفّى سنة (٧٤٢ هـ) رحمه الله تعالى، و"الخلاصة" للحافظ الخزرجيّ المتوفّى سنة (٩٢٣ هـ) رحمه الله تعالى، و"سير أعلام النبلاء"، و"تذكر الحفّاظ"، و"ميزان الاعتدال"، وكلها للحافظ الذهبيّ المتوفّى سنة (٧٤٨ هـ) رحمه الله تعالى، و"التاريخ الكبير" للإمام البخاريّ المتوفّى سنة (٢٥٦ هـ) رحمه الله تعالى، و"الجرح والتعديل" للإمام ابن أبي حاتم المتوفّى سنة (٣٢٧ هـ) رحمه الله تعالى، و"الثقات" للإمام ابن حبّان البستيّ المتوفّى سنة (٣٥٤ هـ) رحمه الله تعالى، وغيرها مما كتبه المحقّقون الأعلام رحمهم الله تعالى.
(٧) - ذكر لطائف الإسناد.
(٨) - أكتب الطبقات بين القوسين هكذا [١]، ورقم الباب والحديث هكذا ١/ ١، فالرقم الذي قبل الخطّ المائل للباب، والذي بعده للحديث.
فأقول مثلًا: زُهير بن حرب - شيخ المصنّف في أول "كتاب الإيمان" - النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت [١٠] ١/ ٤ فرقم العشرة للطبقة، ورقم الواحد الذي قبل الخط المائل للباب، ورقم الأربعة الذي بعده للحديث، فمعناه أن زهيرًا من الطبقة العاشرة، وقد تقدّمت ترجمته كاملةً في الحديث الرابع، من الباب الأول، وهكذا.
(٩) - ثم أَدْخُلُ في شرح الحديث مبتدءً بذكر الصحابيّ، أو مَن دونه حسب ارتباط الكلام، وأكتب له عنوانًا بلفظ: "شرحُ الحديث"، ثم أقول: "عن أبي هريرة ﵁ … "، فأذكر ما يتطلّبه ذلك الحديث من شرح غريبه، وبيان صرفه، وإعرابه، وإيضاح ما يُستشكل من جُمَله، وذلك ببيان أقوال اللغويين، والنحويين، والبيانيين، والفقهاء المعتبرين، وغير ذلك.
(١٠) - ثم أذكر المسائل التي تتعلّق بذلك الحديث، فأكتب عنوانًا: "مسائل تتعلّق بهذا الحديث"، فأقول مثلًا:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه، وإن كان مما انفرد به المصنّف أقول: انفرد به المصنّف، وأريد به انفراده عن البخاريّ، لا عن بقية أصحاب الأصول، فليُتنبّه لهذا.
стр. 6
و (المسألة الثانية) في تخريجه، ويشمل ذلك بيان مواضع ذكر المصنّف له، وتخريجه من الكتب الستّة، و"مسند أحمد"، و"مسند عبد بن حُميد"، و"مسند الحميديّ"، و"مسند البزّار"، و"مسند أبي يعلى"، و"مسند أبي عوانة"، وهو مستخرج على هذا الكتاب، و"مستخرج أبي نعيم" على هذا الكتاب أيضًا، و"معاجم الطبرانيّ الثلاثة"، و"الإيمان" لابن منده، و"صحيح ابن خزيمة"، و"صحيح ابن حبّان"، و"مستدرك الحاكم"، وكتب الطحاويّ، والبيهقيّ، والبغويّ، وغيرها من المصنّفات الحديثيّة حسبما تيسّر.
و (المسألة الثالثة) في فوائده، وأُشير في الفائدة الأولى إلى وجه المطابقة لذكر الحديث في ذلك الباب.
و (المسألة الرابعة) في اختلاف أهل العلم في حكم كذا، إذا كان هناك اختلاف بينهم في مسألةٍ ما من الحديث، وهلُمّ جرًّا بحسب كثرة متعلّقات الحديث وقلّتها، وهكذا كلّ حديث إلى أن ينتهي الباب، أو الكتاب.
(١١) - العناية بإتمام إحالات المصنّف بقوله: "مثل حديث فلان"، أو "مثله"، أو "نحوه"، أو غير ذلك، فأذكره من الكتب التي أخرجته، بسنده ومتنه، كالكتب التي تقدّم ذكرها آنفًا، وغيرها من الكتب التي تعتني بإخراج الحديث بإسناده.
وهذا البحث مهمّ جدًّا، فإن إحالات المصنّف ﵀ في هذا الكتاب كثيرة، ولم يَقُم أحد من الشرّاح فيما وصل إليّ بهذا المهمّ، مع شدّة الحاجة إليه، فأنا - إن شاء الله تعالى - سأبذل جهدي في إتمام ذلك، كسائر الأمور التي ذكرتها، أسأل الله تعالى العظيم رب العرش العظيم أن يوفّقني لذلك.
اللهمّ لا سهل إلا ما جعلته سهلًا، سهّل لي بمنّك وكرمك إتمام هذا الشرح على الوجه المطلوب، إنك جواد كريم، رؤوف رحيم، آمين آمين آمين.
* * *
[التنبيه الثاني]: في ذكر أسانيدي إلى الإمام مسلم ﵀ في هذا الكتاب:
(اعلم): أنه قد سبق أن ذكرت الإسناد إلى الإمام مسلم ﵀ في شرح المقدِّمة، لكنّي أحببت إعادته هنا في أول هذا الشرح ليسهل لمن أراده؛ إذ
стр. 7
ربّما يَشُقّ على بعض الناس مراجعة شرح المقدّمة، ولا سيّما مع اختلاف اسم الكتابين، فأقول:
(أما بعد): فإنّي أروي صحيح الإمام الحافظ الحجة الناقد البصير أبي الحسين مسلم بن الحجّاج بن مسلم القشيريّ النيسابوريّ (٢٠٤ - ٢٦١ هـ) رحمه الله تعالى قراءةً لبعضه، وسماعًا لبعضه، وإجازةً لكلّه عن مشايخ كثيرين:
(١) - فمنهم: والدي العلّامة الجليل، والدرّاكة النبيل الشيخ علي بن آدم بن موسى المتوفّى يوم الخميس (١٢/ ٩/ ١٤١٢ هـ) وله نَيفٌ وثمانون سنة رحمه الله تعالى، والشيخ عبد الباسط بن محمد بن حسن النحويّ البورنيّ المناسيّ، والشيخ المقرئ المحدّث حياة بن علي، والشيخ محمد زين بن محمد ياسين الداني قراءة عليه لمعظمه، وإجازةً عن الباقين رحمهم الله تعالى أربعتهم عن العلّامة المقرئ المحدث الشيخ كبير أحمد بن عبد الرحمن الْعدّيّ، الحسنيّ أبًا، العَقِيليّ أُمًّا، الدوّويّ بلدًا، المتوفّى سنة (١٣٩٠ هـ) عن العلّامة عبد الجليل بن يحيى الدُّلّتّيّ، عن والده يحيى بن بشير الدُّلّتّيّ، عن والده بشير الدّلّتّيّ، عن المفتي داود بن أبي بكر الدّوّويّ، عن السيد سليمان بن يحيى مقبول الأهدل، عن صفيّ الدين أحمد بن محمد مقبول الأهدل، عن أحمد بن محمد النخليّ المكيّ، عن محمد بن علاء الدين البابليّ، عن أبي النجا سالم بن محمد السنهوريّ، عن نجم الدين محمد بن محمد بن أحمد الغيطيّ، عن القاضي زكريا بن محمد الأنصاريّ، عن أبي نعيم رضوان بن محمد العقبيّ، عن أبي الطاهر محمد بن محمد بن عبد اللطيف بن أحمد القاهريّ، سماعًا لجميعه بقراءة الحافظ أحمد بن عليّ الشهير بابن حجر العسقلانيّ في أربعة مجالس، سوى مجلس الختم، عن أبي الفرج عبد الرحمن بن محمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي الحنبليّ المقدسيّ، سماعًا لجميعه عليه، عن أبي العباس أحمد بن عبد الدائم النابلسيّ، سماعًا لجميعه عن محمد بن عليّ بن محمد بن حسن بن صدقة الحرّانيّ، عن فقيه الحرم أبي عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الْفُرَاويّ، عن أبي الحسن عبد الغافر بن محمد الفارسيّ النيسابوريّ، عن أبي أحمد محمد بن عيسى بن محمد الْجُلُوديّ النيسابوري، عن أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه
стр. 8
الزاهد النيسابوريّ، قال: أخبرنا به سوى ثلاثة أفوات معلومة، فبالإجازة، أو الوجادة مؤلّفه الحافظ الحجة أبو الحسين مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى.
(٢) - (ح) وأرويه أيضًا عن شيخي العلّامة محمد زين ابن الشيخ محمد ياسين الدانيّ المتوفّى سنة (١٣٩٥ هـ) المتقدّم ذكره قراءة له مع شرح الإمام النوويّ إلى "كتاب الحدود"، وإجازة لباقيه، عن شيخه المحدث الكبير الشيخ محمد سراج بن محمد سعيد الأنّي، وهو يروي النصف الأول منه سماعًا عن العلّامة محمد السَّمَلّوطيّ، عن الشيخ محمد عليش، عن العلّامة الأمير الصغير، عن والده العلّامة الأمير الكبير، عن الشهابين الملّويّ، والجوهريّ … ويروي النصف الثاني منه مع بعض الأفوات، فبالإجازة، عن الشيخ محمد الحلبي الشافعيّ، عن برهان الدين إبراهيم السقّا الأزهريّ، عن وليّ الله ثُعَيلب، عن الشهابين المذكورين، كلاهما عن علّامة الحجاز عبد الله بن سالم البصريّ، عن العلّامة شمس الدين محمد بن علاء الدين البابليّ، عن أبي النجا سالم بن محمد السنهوريّ، عن الحافظ نجم الدين الغيطيّ، عن القاضي زكريا الأنصاريّ، عن الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي العسقلانيّ، عن الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقيّ، عن أبي الحسن بن علي الخبّاز، والحافظ علاء الدين ابن العطار، عن شارحه الإمام محيي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النوويّ، عن أبي إسحاق إبراهيم بن عمر بن مضر الواسطيّ، عن الإمام ذي الْكُنى: أبي بكر، وأبي القاسم، وأبي الفتح منصور بن عبد المنعم بن عبد الله الْفُرَاويّ، عن جدّه فقيه الحرم أبي عبد الله محمد بن الفضل الْفُرَاويّ بالسند المتقدّم.
(٣) - (ح) وأرويه أيضًا عن شيخي العلامة محمد زين الدانيّ عن شيخه محمد سراج الأنيّ، عن يوسف بن إسماعيل البيروتيّ، عن شيخه محمود حمزة أفندي، عن شيخه سعيد الحلبيّ، عن الشيخ شاكر العقاديّ، عبد الرحمن بن محمد بن زين العابدين الكزبري الدمشقي الشامي، عن الشيخ المسند أبي المواهب محمد الحنبليّ، عن والده المحدث عبد الباقي البعليّ، عن المسند الشهاب أحمد المقريّ، عن القاضي أحمد عن عبد العزيز بن فَهْد المكيّ، عن الشيخ تقي الدين الهاشميّ، عن المعمر أبي إسحاق إبراهيم بن صديق
стр. 9
الحريري، عن يونس بن إبراهيم الدبوسيّ، عن علي بن الحسين بن الْمُقَيَّر، عن الحافظ أبي الفضل محمد بن ناصر الفارسي السلاقي، عن الحافظ أبي القاسم عبد الرحمن بن محمد الأصبهانيّ، عن الحافظ أبي بكر محمد النيسابوريّ عن الإمام مكي بن عَبدان التميميّ، عن الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
قال الشيخ عبد الباقي الحنبلي في ثبته: وهذا السند من العوالي؛ لأنه ليس بيننا وبين مسلم إلا أحد عشر شيخًا، انتهى.
(٤) - (ح) وأرويه أيضًا عن شيضي محمد زين بسنده المذكور إلى الشيخ عبد الرحمن بن زين العابدين الكزبريّ، عن ابن عقيلة، عن الحسن العجيميّ، عن أبي الوفاء العجليّ، عن الإمام يحيى بن مكرم الطبريّ، عن جده محب الدين محمد الطبريّ، قال: أخبرنا الشيخ زين الدين، أبو بكر بن الحسين المراغي المدنيّ، عن أحمد بن أبي طالب الحجار، عن الأنجب بن أبي السعادات الحمامي، قال: أخبرنا أبو الفرج مسعود بن الحسين الثقفيّ، عن الحافظ أبي القاسم عبد الرحمن بن منده، عن الحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله الجوزقيّ، عن مكيّ بن عبدان التميمي، عن مؤلفه مسلم بن الحجاج.
(٥) - (ح) وأرويه أيضًا عن شيخي محمد زين بسنده السابق إلى الشيخ عبد الرحمن بن سليمان الأهدل، عن الشيخ المعمر، محمد بن سنة، عن الشريف محمد أبي عبد الله الواولتي، عن الشيخ أحمد بن محمد العجلي، عن يحيى بن مكرم الطبري، بالسند المتقدم.
(٦) - (ح) وأرويه عن شيخي محمد زين بسنده المذكور آنفًا إلى الشريف أبي عبد الله محمد الواولتي، عن الشيخ محمد بن خليل بن أركماش الحنفي، عن الحافظ ابن حجر العسقلانيّ، قال: أخبرنا بجميع "صحيح مسلم" إجازةً الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن محمد النيسابوريّ، مشافهة بالمسجد الحرام، عن أبي الفضل، سليمان بن حمزة المقدسيّ، عن أبي الحسن علي بن الحسين بن علي بن المقير، عن الحافظ أبي الفضل محمد بن ناصر السلاميّ، عن الحافظ أبي القاسم عبد الرحمن بن أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن منده، عن الحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا بن الحسن الجوزقيّ، عن أبي الحسن مكي بن عبدان النيسابوريّ، عن الإمام مسلم.
стр. 10
قال الحافظ ابن حجر: هذا السند في غاية العلو، وهو جميعه بالإجازات انتهى.
(٧) - (ح) وأرويه أيضًا عن الشيخ المحدث المتقن محمد بن عبد الله الصوماليّ رحمه الله تعالى إجازة عن الشيخ سليمان بن عبد الرحمن الحمدان المدرس بالحرم المكيّ، عن أبي عبد الله محمد بن يوسف السورتيّ، عن محمد بن الطيب المكيّ، عن الشيخ حسين بن محسن الأنصاريّ اليمنيّ، عن الشيخ ناصر الحازميّ، عن العلّامة محمد بن عليّ الشوكانيّ، عن عبد القادر الكوكبانيّ، عن محمد حياة السنديّ، عن سالم بن عبد الله البصريّ، عن أبيه الشيخ عبد الله بن سالم البصريّ بالسند المتقدّم في سندي مشايخي الأربعة.
(٨) - (ح) وأرويه أيضًا عن الشيخ محمد بن عبد الله الصومالي، عن شيخه عبد الحقّ بن عبد الواحد عن أبي سعيد حسين بن عبد الرحيم، وغيره، عن السيد نذير حسين، عن عبد الرحمن بن سليمان الأهدل، عن محمد بن محمد بن سنة المغربيّ، عن محمد بن عبد الله الوولاتي، عن البدر القرافي، عن الحافظ السيوطيّ، عن العلم البلقينيّ، عن والده السراج البلقيني، عن الحافظ أبي الحجاج المزيّ، عن الإمام النوويّ بسنده المتقدّم.
(٩) - (ح) وأرويه أيضًا عن شيخي العلّامة المحدث الشهير محمد بن رافع بن بصيري إجازة، عن شيخه محمد بن محمد أمين خير الباكستاني ثم المكي، عن محمد يحيى الكاندهلوي، عن الشيخ رشيد أحمد الجنجوهي، عن عبد الغني المجدديّ، عن محمد إسحاق، عن جده عبد العزيز، عن أبيه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي، عن أبي طاهر محمد بن إبراهيم الكوراني المدنيّ، عن والده البرهان إبراهيم بن حسن الكردي المدني، عن الشيخ سلطان بن أحمد المزاحي، عن شهاب الدين أحمد بن خليل السبكي، عن النجم الغيطيّ، عن زين الدين زكريا الأنصاريّ، عن الحافظ ابن حجر العسقلانيّ، عن الصلاح ابن أبي عمر المقدسيّ، عن فخر الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي المعروف بابن البخاريّ، عن أبي الحسن المؤيد بن محمد الطوسيّ، عن فقيه الحرم أبي عبد الله محمد بن الفضل الفراوي بسنده المتقدّم.
стр. 11
(١٠) - (ح) وأرويه أيضًا قراءة لأول حديث منه، وإجازة لباقيه عن المسند الكبير الشيخ محمد ياسين بن محمد عيسى رحمه الله تعالى، عن الشيخ علي بن عبد الله البنجري، عن زين الدين بن بدوي الصومباري، عن المعمر الكياهي نووي بن عمر البنتنيّ، عن محمد بن كنان الفلمباني، عن عبد الصمد بن عبد الرحمن الفلمباني، عن الشيخ عاقب بن حسن الدين، عن أبيه حسن الدين بن جعفر الفلمباني، عن الإمام عيد بن عليّ النمرسيّ المصري، ثم المكيّ، عن الحافظ المحقق عبد الله بن سالم البصري المكيّ بالسند المذكور آنفًا.
(١١) - (ح) وأرويه أيضًا عن الشيخ إسماعيل عثمان زين اليمنيّ، عن شيخه محمد بن يحيى دوم الأهدل، عن محمد بن عبد الرحمن الأهدل، عن محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل، عن عمه شرف الإسلام الحسن بن عبد الباري الأهدل، عن عبد الرحمن بن سليمان الأهدل، عن سليمان بن يحيى مقبول الأهدل، عن أحمد بن محمد شريف مقبول الأهدل، عن عماد الدين السيد يحيى بن عمر مقبول الأهدل، عن أبي بكر بن علي البطاح الأهدل، عن يوسف بن محمد البطاح، عن الطاهر بن حسين الأهدل، عن وجيه الدين عبد الرحمن بن علي الديبع الشيباني، عن زين الدين أحمد بن عبد اللطيف الشرجي، عن سليمان بن إبراهيم العلويّ، عن برهان الدين إبراهيم بن عمر العلويّ، عن محدث الشام أبي الحجاج يوسف بن الزكيّ عبد الرحمن الشهير بالحافظ المزيّ، عن شارحه الإمام النوويّ بسنده المذكور.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ولي أسانيد متعدّدة إلى الإمام مسلم رحمه الله تعالى غير هذه، ويكفي هنا ما ذكرته اختصارًا.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى بعد أن ساق إسناده الماضي ما نصّه: "وهذا الإسناد الذي حصل لنا، ولأهل زماننا ممن يشاركنا فيه، في نهاية العلوّ - بحمد الله تعالى - فبيننا وبين مسلم ستة، وفي روايتنا لطيفة، وهي: أن إسناده مسلسل بالنيسابوريين وبالمعمرين، انتهى.
(وبهذا السند الذي ذكرناه) إلى الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى قال في أول كتابه:
стр. 12
(قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيّ ﵀ بِعَوْنِ اللهِ نَبْتَدِئُ وَإِيَّاهُ نَسْتَكْفِي، وَمَا تَوْفِيقُنَا إِلا بِاللهِ ﷻ .
(قَالَ) الظاهر أنه من كلام المصنّف ﵀ نفسِه، ويحتمل أن يكون ملحقًا من كلام بعض الرواة عنه (أَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيُّ) نسبة إلى بني قشير ﵀ جملة دعائية معترضة بين القول ومقوله، وهو قوله: (بِعَوْنِ اللهِ) بفتح، فسكون اسم من استعانه، وبه، ومثله الْمَعَانة - بفتح الميم -، والْمَعْوَنة - بفتح الميم، - وسكون العين، وفتح الواو -، والْمَعُونة - بفتح الميم، وضم العين -، والْمَعُون - بفتح، فضم - قاله في "القاموس".
وذكر أبو حيّان في "شرح التسهيل" أن "العون" مصدر، وصوّبه عبد الحكيم في "حواشي المطوّل"، قاله في "التاج"، والجارّ والمجرور متعلّق بـ (نَبْتَدِي) قُدّم عليه لإفادة الحصر والاختصاص، و"نبتدي" مهموز، خُفّف بقلب همزته ياءً، وقدّم المفعول في قوله: (وَإِيَّاهُ نَسْتَكْفِي) للحصر أيضًا، يقال: استكفيته الشيءَ، فكفانيه، أي طلبت منه الكفاية (وَمَا تَوْفِيقُنَا إِلَّا بالله، ﷻ .
стр. 13
(١) (كِتَاب الإِيمَان)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: (اعلم): أنه جرى للمصنفين في ابتداء مصنّفاتهم به اختيارات، ولكلٍّ وِجهة هو مولّيها، وأنسب ما يُوَجّهُ به بداية الإمام مسلم ﵀ بـ"كتاب الإيمان" أن يقال: رأى الإيمانَ شرطًا في الأعمال؛ لأنها بدونه هَبَاءً مَنْثُورًا كما قال : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]، فرأى تقديمه أحقّ من غيره.
[فإن قلت]: كيف يصدق أنه ابتدأ بـ "كتاب الإيمان"، وقد كتب مقدمَةً ضمّنها مسائل عديدةً، من مباحث علم الجرح والتعديل، وغير ذلك من العرائس النفاس؟
[أجيب]: بأن المعتبر في البداية إنما هو المقصود بالوضع أولًا لذات، والمقصود بالذات إنما هو "كتاب الإيمان" فما بعده، وأما ما قدّمه من المسائل، فإنها مقصودة بالعرض؛ لأنها من الوسائل إلى المقصود. والله تعالى أعلم.
وقال الأبيّ رحمه الله تعالى: الفصل بين أنواع المسائل بالترجمة بالكتاب الغرضُ منه التسهيل على الناظر، وتنشيط الطالب، أما التسهيل فلأن من أراد مسألةً قصدها في كتابها، وأما التنشيط فلأن المتعلّم إذا ختم كتابًا ربّما اعتقد أنه كافٍ في ذلك النوع، فينشط إلى قراءة غيره، بخلاف ما لو كان التصنيف كلّه جملة واحدةً، وقد فصلوا بها بين مسائل النوع الواحد، وهو أيضًا للتنشيط، قال: ثُمَّ لتعرف أن الأَوْلى بالقارئ أن يُصرّح بقراءة الترجمة، فيقول: "كتاب كذا"، أما أوّلًا فلأنها جزء من التصنيف الذي أخذ في قراءته، ويتأكّد ذلك في مُريد الرواية، وأما ثانيًا فلأنها تفتقر إلى البيان، كغيرها من مسائل ذلك التصنيف. على أني لم أر من تعرَّض لبيان كلّ الترجمة، وإنما نجدهم
стр. 14
يتكلّمون على الجزء الثاني فقط، فيقولون في "كتاب الطهارة" مثلًا: الطهارة لغةً كذا، واشتقاقها من كذا، وهي في العرف كذا، وقد رأيت أن أتكلّم على كلّها تكميلًا للفائدة، فتكلّم بما سيأتي قريبًا (١).
قال الجامع: قوله: "ثم لتعرف أن الأولى بالقارئ أن يصرّح بقراءة الترجمة .. " إلخ، ثم علّله بقوله: "فلأنها جزء من التصنيف .. " إلخ، فيه أن هذا إنما يتأتّى في مثل "صحيح البخاريّ"، وليس في "صحيح مسلم" إلا في أسماء الكتب، كـ"كتاب الإيمان"، و"كتاب الصلاة"، و"كتاب الزكاة"، ونحو ذلك؛ لأنها التي من وضع المصنّف ﵀، وأما بقيّة الأبواب فإنها من وضع من بعده من الشرّاح وغيرهم، كما سبق بيان ذلك وتحقيقه في شرح المقدّمة، فليست تلك الأبواب جزءًا من تصنيف مسلم ﵀، فليُتنبه لذلك، والله تعالى أعلم.
ثم الكلام على هذه الترجمة يأتي في مسائل:
(المسألة الأولى): في قوله: "كتابُ"
وفيه بحثان:
(البحث الأول): في تصريفه، ومعناه لغةً واصطلاحًا.
فأما لغة: فهو مصدرٌ، قال الفيّوميّ ﵀: كَتَبَ كَتْبًا من باب قتل، وكِتْبَةً بالكسر، وكِتَابًا والاسم الكِتَابَةُ؛ لأنها صِنَاعةٌ كالنِّجارة، والْعِطَارَة، وكَتَبْتُ السِّقَاءَ كَتْبًا: خَرَزتُهُ، وكَتَبْتُ البغلةَ كَتْبًا: خَرَزتُ حَيَاهَا بِحَلْقَةِ حديد، أو صفر؛ ليمتنع الوُثُوبُ عليها، وتُطْلَقُ الْكِتْبَةُ، والكِتَابُ على المكتوب، ويُطلق الكتاب على الْمُنَزَّل، وعلى ما يكتبه الشخص ويُرسله، قال أبو عَمْرو: سمعتُ أعرابيًّا يمانيًّا يقول فلان لَغُوبٌ جاءته كتابي فاحتقرها، فقلت: أتقول: جاءته كتابي، فقال: أليس بصحيفة، قلتُ: ما اللَّغُوبُ؟ قال الأحمق، وكَتَبَ: حَكَمَ، وقَضَى، وأوجب، ومنه كتب الله الصيامَ: أي أوجبه، وكتب القاضي بالنفقةِ: قَضى انتهى (٢).
وقال بعضهم: واعلم أن الكتاب لغةً معناه الضمّ والجمع، يقال: كتبتُ
стр. 15
كَتْبًا وكِتَابةً وكِتَابًا، ومنه قولهم: تكَتّبت بنو فلان: إذا اجتمعوا، وكتب: إذا خطّ بالقلم؛ لما فيه من اجتماع الكلمات والحروف.
قال أبو حيّان: ولا يصحّ أن يكون مشتقًّا من الْكَتْبِ؛ لأن المصدر لا يُشتقّ من المصدر. وأجيب بأن المزيد يُشتقّ من المجرّد.
وأما اصطلاحًا: فهو اسم لجملة مختصّة من العلم، ويُعبّر عنها بالباب،
وبالفصل أيضًا، فإن جُمِع بين الثلاثة قيل: الكتاب اسم لجملة مختصّة من العلم مشتملة على أبواب وفصول ومسائل غالبًا (١)، والباب اسم لجملة مختصّة من الكتاب مشتملة على فصول ومسائل غالبًا، والفصل اسم لجملة مختصة من الباب مشتملة على مسائل غالبًا.
والباب لغةً: ما يُتوصّل منه إلى غيره، والفصل لغة: الحاجز بين الشيئين.
(البحث الثاني): في إعرابه.
стр. 16
يحتمل أن يكون "كتاب" خبرًا لمبتدأ محذوف، تقديره: "هذا كتاب الإيمان"، أو مبتدأً خبره محذوف، أي "كتاب الإيمان هذا محلّ بحثه"، أو فاعلًا لفعل مقدّر، أي ثبتَ كتابُ، أو نائبَ فاعل لفعل محذوف، أي يُذكر كتاب، أو منصوبًا بفعل مقدّر، أي اقرأ كتابَ، أو مجرورًا بحرف جرّ محذوف - مع بقاء عمله على قلّة، على حدّ قول الشاعر [من الطويل]:
إِذَا قِيلَ أَيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ … أَشَارَتْ كُلَيْبٍ بِالأَكُفِّ الأَصابِعُ
أي إلى كليب، والتقدير هنا انظر في كتاب الإيمان. والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: الإضافة في "كتاب الإيمان" يحتمل أن تكون بمعنى اللام، أي كتاب موضوع لشرح الإيمان، واللام للاختصاص، أي مختصّ بالإيمان من بقيّة أنواع علوم الحديث، وأن تكون بمعنى "من"، أي كتاب من الإيمان، كقولهم: خاتم فضّة، أي من فضّة، أو بمعنى "في"، أي كتاب موضوع في شرح الإيمان (١).
وقال الأبيّ ﵀: كتاب الإيمان مركّبٌ إضافيّ، والمركب الإضافيّ قيل: إن حدّه لقبًا متوقّف على معرفة جزأيه؛ لأن العِلْمَ بالمركَّب بعد العلم بجزأيه، وقيل: لا يتوقّف؛ لأن التسمية به سَلَبت كلًّا من جزأيه عن معناه الإفراديّ، وصَيَّرت الجميع اسمًا لشيء آخر، ورُجّح الأول بأنه أتمّ فائدةً، وعليه اختُلف، فقيل: الأولى البداءة ببيان المضاف؛ لأنه الأسبق في الذكر، وقيل: بالمضاف إليه؛ لأنه أسبق في المعنى؛ إذ لا يُعلم المضاف من حيث هو مضاف حتى يُعلم ما أُضيف إليه، وهو أحسن؛ لأن المعاني أقدم من الألفاظ، وعليه فـ "الإيمان" لغة التصديق بأيّ شيء كان، وهو في الشرع التصديق بشيء خاصّ على ما سيأتي - إن شاء الله تعالى -.
و"كتاب" مصدر في الأصل، جُعل اسمًا لكل مكتوب، كالرهن اسمٌ لكلّ مرهون، ثم يتخضص بالإضافة، فيقال: "كتاب الإيمان"، "كتاب الصلاة"، فالإضافة فيه للبيان، مثلها في "خاتم حديد"، ثم إذا خُصّص بإضافته إلى
стр. 17
حقيقة، فالأصل أن لا تختلط بمسائل تلك الحقيقة مسائل غيرها، كمسائل الإيمان لا يُذكر فيها مسائل الصلاة مثلًا، وإلا لم تكن للإضافة فائدة.
وأما حدّه لقبًا فـ "كتاب الإيمان" ترجمة جُعلت اسمًا لجملة الأحاديث المتضمّنة أحكام المضاف إليه منها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في تعريف الإيمان لغة، وشرعًا.
قال في "الفتح" ١/ ٦٧ - ٦٨: الإيمان لغة التصديق (١)، وشرعًا تصديق الرسول ﷺ فيما جاء به عن ربّه ، وهذا القدر متّفق عليه، ثم وقع الاختلاف، هل يُشترط مع ذلك مزيد أمر من جهة إبداء هذا التصديق باللسان المعبِّرِ عما في القلب، إذ التصديق من أفعال القلوب؟ أو من جهة العمل بما صدّق به من ذلك، كفعل المأمورات، وترك المنهيّات، كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. والإيمان - فيما قيل - مشتقّ من الأمن، وفيه نظرٌ؛ لتباين مدلولي الأمن والتصديق، إلا إن لوحظ فيه معنى مجازيّ، فيقال: أمنه: إذا صدّقه: أي أمنه التكذيب. انتهى.
وقال في "القاموس": وآمن به إيمانًا: صدّقه، والإيمان: الثقة، وإظهار الخضوع، وقبول الشريعة. انتهى. وقال المرتضى في "شرحه": والإيمان: التصديق، وهو الذي جزم به الزمخشريّ في "الأساس"، واتّفق عليه أهل العلم من اللغويين، وغيرهم. وقال السعد: إنه حقيقة، وظاهر كلامه في "الكشاف" أن حقيقة آمن به آمنه التكذيب؛ لأن أمن ثلاثيًّا متعدّ لواحد بنفسه، فإذا نُقل لباب الإفعال تعدّى لاثنين، فالتصديق عليه معنى مجازيّ للإيمان، وهو خلاف كلامه في "الأساس"، ثم إن آمن يتعدّى لواحد بنفسه، وبالحرف، ولاثنين بالهمزة، على ما في "الكشّاف"، و"المصباح"، وغيرهما، وقيل: إنه بالهمزة يتعدّى لواحد، كما نقله عبد الحكيم في "حاشية القاضي"، وقال في "حاشية
стр. 18
المطوّل": "أمِنَ" يتعدّى، ولا يتعدّى. وقال بعض المحقّقين: الإيمان يتعدّى بنفسه، كصَدّق، وباللام باعتبار معنى الإذعان، وبالباء باعتبار معنى الاعتراف، إشارةً إلى أن التصديق لا يُعتبر بدون اعتراف. وقد يكون الإيمان بمعنى الثقة، يتعدّى بالباء، بلا تضمين. قاله البيضاويّ. انتهى "تاج العروس" ٩/ ١٢٥.
وقال الراغب الأصفهانيّ رحمه الله تعالى: آمن إنما يقال على وجهين:
[أحدهما]: متعدٍّ بنفسه، يقال: آمنته: أي جعلت له الأمن، ومنه قيل لله: مؤمن.
[والثاني]: غير متعدّ، ومعناه صار ذا أمن.
والإيمان يُستعمل تارةً اسمًا للشريعة التي جاء بها محمد ﷺ ، وعلى ذلك: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ … ﴾ الآية [المائدة: ٦٩]، ويوصف به كلّ من دخل في شريعته، مُقرًّا بالله، وبنبوّته، قيل: وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٦].
وتارة يُستعمل على سبيل المدح، ويراد به إذعان النفس للحقّ على سبيل التصديق، وذلك باجتماع ثلاثة أشياء: تحقيق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بحسب ذلك بالجوارح، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ الآية [الحديد: ١٩]. ويقال لكلّ واحد من الاعتقاد، والقول الصدق، والعلم الصالح: إيمان، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي صلاتكم، وجُعل الحياء، وإماطة الأذى من الإيمان. قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] قيل: معناه: بمصدّق لنا، إلا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمن، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]، فذلك مذكور على سبيل الذمّ لهم، وأنه قد حصل لهم الأمن بما لا يقع به الأمن، إذ ليس من شأن القلب - ما لم يكن مطبوعًا عليه - أن يطمئنّ إلى الباطل، وإنما ذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، وهذا كما يقال: إيمانه الكفر، وتحيّته الضرب، ونحو ذلك. وجعل النبيّ ﷺ أصل الإيمان ستة أشياء في خبر جبريل، حيث سأله، فقال: ما الإيمان؟ والخبر معروف. انتهى "مفردات ألفاظ القرآن" ص ٩١ - ٩٢.
стр. 19
وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: وحَدّ الزَّجّاج الإيمانَ، فقال: الإيمان: إظهار الخضوع، والقبول للشريعة، ولما أتى به النبيّ ﷺ (١)، واعتقاده، وتصديقه بالقلب (٢)، فمن كان على هذه الصفة، فهو مؤمنٌ مسلمٌ، غير مُرتاب، ولا شاكّ، وهو الذي يرى أن أداء الفرائض واجب عليه، لا يدخله في ذلك ريبٌ، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]: أي بمصدّق، فالإيمان: التصديق. وقال في "التهذيب": وأما الإيمان، فهو مصدر آمن يؤمن إيمانًا، فهو مؤمنٌ، واتّفق أهل العلم من اللغويين، وغيرهم أن الإيمان: معناه التصديق، قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]، قال: وهذا موضع يحتاج إلى تفهيمه، وأين ينفصل المؤمن من المسلم، وأين يستويان، والإسلام: إظهار الخضوع، والقبول لما أتى به النبيّ ﷺ ، وبه يُحْقَن الدم، فمان كان مع ذلك الإظهارِ اعتقادٌ، وتصديقٌ بالقلب، فذلك الإيمانُ الذي يقال للموصوف به هو مؤمنٌ مسلمٌ، وهو المؤمن بالله تعالى، ورسوله ﷺ ، غير مرتاب، ولا شاكّ، وهو الذي يرى أن أداء الفرائض واجبٌ عليه، وأن الجهاد بنفسه وماله واجب عليه، لا يدخله في ذلك ريبٌ، فهو المؤمن، وهو المسلم حقًّا، كما قال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]، أي: أولئك الذين قالوا إنا مؤمنون، فهم الصادقون، فأما من أظهر قبول الشريعة، واستسلم لدفع المكروه، فهو في الظاهر مسلم، وباطنه غير مصدّق، فذلك الذي يقول: أسلمت؛ لأن الإيمان لا بدّ من أن يكون صاحبه صِدِّيقًا؛ لأن قولك: آمنت بالله، أو قال قائل: آمنت بكذا وكذا، فمعناه: صدّقت، فأخرج الله هؤلاء من الإيمان، فقال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، أي: لم تُصدّقوا، إنما أسلمتم تعوّذًا من القتل، فالمؤمن مُبْطِنٌ من التصديق مثل ما يُظهر، والمسلم التامّ الإسلام،
стр. 20
مظهر للطاعة، مؤمن بها، والمسلم الذي أظهر الإسلام تعوّذًا غير مؤمن في الحقيقة، إلا أن حكمه في الظاهر حكم المسلمين، وقال الله تعالى حكايةً عن قول إخوة يوسف ﵇ لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]: لم يختلف أهل التفسير أن معناه: ما أنت بمصدّق لنا، والأصل في الإيمان الدخول في صدق الأمانة التي ائتمنه الله عليها، فإذا اعتقد التصديق بقلبه، كما صدّق بلسانه، فقد أذى الأمانة، وهو مؤمنٌ، ومن لم يعتقد التصديق بقلبه، فهو غير مؤذ للأمانة التي ائتمنه الله عليها، وهو منافقٌ، ومن زعم أن الإيمان هو إظهار القول، دون التصديق بالقلب، فإنه لا يخلو من وجهين:
[أحدهما]: أن يكون منافقًا يَنضَح عن المنافقين، تأييدًا لهم، أو يكون جاهلًا، لا يعلم ما يقول، وما يُقال له، أخرجه الجهل، واللَّجَاج إلى عناد الحقّ، وترك قبول الصواب، أعاذنا الله من هذه الصفة، وجعلنا ممن علم، فاستعمل ما علم، أو جهل فتعلَّم ممن علم، وسلّمنا من آفات أهل الزيغ، والبدع بمنّه وكرمه.
وفي قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥] ما يُبيّن لك أن المؤمن هو المتضمّن لهذه الصفة، وأن من لم يتضمّن هذه الصفة، فليس بمؤمن؛ لأن "إنما" في كلام العرب تجيء لتثبيت شيء، ونفي ما خالفه، ولا قوّة إلا بالله. انتهى "لسان العرب" ١٣/ ٢٣ - ٢٤، وهو تحقيق نفيس، بيّن فيه حقيقة الإيمان عند المحققين من أهل اللغة وغيرهم، فلا تغتر بتفسير القاصرين له بأنه مجرد التصديق، فإنه خطر عظيم؛ لأنه يؤدي إلى مذهب المرجئة الضالة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في أن الإيمان قول، وعمل، ويزيد وينقص.
قال في "الفتح": والكلام هنا في مقامين:
[أحدهما]: كونه قولًا وعملًا.
[والثاني]: كونه يزيد وينقص، فأما القول: فالمراد به النطق بالشهادتين، وأما العمل: فالمراد به ما هو أعم من عمل القلب والجوارح؛ ليدخل الاعتقاد والعبادات، ومراد من أدخل ذلك في تعريف الإيمان، ومن نفاه، إنما هو
стр. 21
بالنظر إلى ما عند الله تعالى، فالسلف قالوا: هو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله (١)، ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص، كما سيأتي. والمرجئة قالوا: هو اعتقاد، ونطق فقط، والكرّاميّة قالوا: هو نطق فقط، والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد، والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطًا في صحته، والسلف جعلوها شرطًا في كماله، وهذا كله كما قلنا بالنظر إلى ما عند الله تعالى.
أما بالنظر إلى ما عندنا، فالإيمان هو الإقرار فقط، فمن أقرّ أُجريت عليه الأحكام في الدنيا، ولم يحكم عليه بكفر، إلا إن اقترن به فعلٌ يدل على كفره، كالسجود للصنم، فإن كان الفعل لا يدل على الكفر، كالفسق، فمن أطلق عليه الإيمان، فبالنظر إلى إقراره، ومن نَفَى عنه الإيمان، فبالنظر إلى كماله، ومن أطلق عليه الكفر، فبالنظر إلى أنه فَعَل فعل الكافر، ومن نَفَى عنه، فبالنظر إلى حقيقته، وأثبتت المعتزلة الواسطة، فقالوا: الفاسق لا مؤمن، ولا كافر.
[وأما المقام الثاني]: فذهب السلف إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وأنكر ذلك أكثر المتكلمين، وقالوا: متى قَبِل ذلك كان شكًّا، قال الشيخ محيي الدين: والأظهر المختار، أن التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر، ووضوح الأدلة، ولهذا كان إيمان الصدِّيق أقوى من إيمان غيره، بحيث لا تعتريه الشبهة، ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل، حتى إنه يكون في بعض الأحيان الإيمان أعظم يقينًا، وإخلاصًا، وتوكلًا منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة، بحسب ظهور البراهين وكثرتها.
وقد نقل محمد بن نصر المروزي في كتابه "تعظيم قدر الصلاة" عن جماعة من الأئمة نحو ذلك، وما نقل عن السلف، صَرّح به عبد الرزاق في "مصنفه" عن سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، وابن جريج، ومعمر، وغيرهم، وهؤلاء فقهاء الأمصار في عصرهم، وكذا نقله أبو القاسم اللالكائي في "كتاب السنّة" عن الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وغيرهم من الأئمة، ورَوى بسنده الصحيح عن البخاري،
стр. 22
قال: لقيت أكثر من ألف رجل، من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدًا منهم، يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص، وأطنب ابن أبي حاتم واللالكائي في نقل ذلك بالأسانيد، عن جمع كثير من الصحابة والتابعين، وكلّ من يدور عليه الإجماع من الصحابة والتابعين، وحكاه فضيل بن عياض، ووكيع عن أهل السنّة والجماعة. وقال الحاكم في "مناقب الشافعي": حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، قال: سمعت الشافعي يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، أخرجه أبو نعيم في ترجمة الشافعي من "الحلية" من وجه آخر" عن الربيع، وزاد: يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، ثم تلا: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ الآية [المدثّر: ٣١]. انتهى "فتح" ١/ ٦٨ - ٦٩.
وقال في "الفتح" أيضًا في موضع آخر: قد نقل أبو عوانة الإسفراييني في "صحيحه" عن المزني، صاحب الشافعي، الجزم بأنهما - أي الإيمان والإسلام - عبارة عن معنى واحد، وأنه سمع ذلك منه، وعن الإمام أحمد الجزم بتغايرهما، ولكل من القولين أدلة متعارضة.
وقال الخطابي: صنف في المسألة إمامان كبيران، وأكثرا من الأدلة للقولين، وتباينا في ذلك، والحق أن بينهما عمومًا وخصوصًا، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا. انتهى كلامه ملخصًا.
ومقتضاه أن الإسلام لا يُطلق على الاعتقاد والعمل معًا، بخلاف الإيمان، فإنه يطلق عليهما معًا، ويَرُدّ عليه قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فإن الإسلام هنا يتناول العمل والاعتقاد معًا؛ لأن العامِل غير المعتقد، ليس بذي دين مرضيّ، وبهذا استدل المزني، وأبو محمد البغوي، فقال في الكلام على حديث جبريل هذا: جعل النبي ﷺ الإسلام هنا اسمًا لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذاك لأن الأعمال ليست من الإيمان، ولا لأن التصديق ليس من الإسلام، بل ذاك تفصيل لجملةٍ كُلُّها شيء واحد، وجِمَاعُها الدين، ولهذا قال ﷺ : "أتاكم يعلمكم دينكم"، وقال : ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، ولا يكون الدين في محل الرضا والقبول، إلا بانضمام التصديق. انتهى كلامه.
стр. 23
قال الحافظ: والذي يظهر من مجموع الأدلة، أن لكل منهما حقيقة شرعية، كما أن لكل منهما حقيقة لغوية، لكن كل منهما مستلزم للآخر، بمعنى التكميل له، فكما أن العامل لا يكون مسلمًا كاملًا، إلا إذا اعتقد (١)، فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنًا كاملًا، إلا إذا عمل، وحيث يطلق الإيمان في موضع الإسلام، أو العكس، أو يطلق أحدهما على إرادتهما معًا، فهو على سبيل المجاز. ويتبين المراد بالسياق، فإن وردا معًا في مقام السؤال، حُمِلا على الحقيقة، وإن لم يردا معًا، أو لم يكونا في مقام سؤال، أمكن الحمل على الحقيقة أو المجاز بحسب ما يظهر من القرائن، وقد حكى ذلك الإسماعيلي عن أهل السنّة والجماعة، قالوا: إنهما تختلف دلالتهما بالاقتران، فإن أُفْرِدَ أحدهما دخل الآخر فيه، وعلى ذلك يُحمَل ما حكاه محمد بن نصر، وتبعه ابن عبد البر عن الأكثر، أنهم سووا بينهما، على ما في حديث عبد القيس، وما حكاه اللالكائي، وابن السمعانيّ عن أهل السنّة، أنهم فرقوا بينهما على ما في حديث جبريل. والله تعالى وليّ التوفيق. انتهى "فتح" ١/ ١٥٧ - ١٥٨ بتصرّف يسير.
وقال الإمام النوويّ رحمه الله تعالى: في "شرحه" لهذا الكتاب: أهم ما يُذكر في الباب اختلاف العلماء في الإيمان والإسلام، وعمومهما وخصوصهما، وأن الإيمان يزيد وينقص، أم لا؟ وأن الأعمال من الإيمان أم لا، وقد أكثر العلماء رحمهم الله تعالى من المتقدمين والمتأخرين، القول في كل ما ذكرناه، وأنا أقتصر على نقل أطراف، من متفرقات كلامهم، يحصل منها مقصود ما ذكرته، مع زيادات كثيرة.
قال الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي الفقيه الأديب الشافعي المحقق ﵀ في كتابه "معالم السنن": ما أكثر ما يَغلَط الناس في هذه المسألة، فأما الزهري، فقال: الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، واحتج بالآية يعني قوله : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٤]. وذهب غيره إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا
стр. 24
غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]، قال الخطابي: وقد تكلم في هذا الباب رجلان، من كبراء أهل العلم، وصار كل واحد منهما إلى قول من هذين، ورد الآخر منهما على المتقدم، وصنف عليه كتابًا يبلغ عدد أوراقه المئين.
قال الخطابي: والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا، ولا يُطلَق، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنًا في بعض الأحوال، ولا يكون مؤمنًا في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، وإذا حملت الأمر على هذا، استقام لك تأويل الآيات، واعتدل القول فيها، ولم يختلف شيء منها.
وأصل الإيمان: التصديق، وأصل الإسلام: الاستسلام، والانقياد، فقد يكون المرء مستسلمًا في الظاهر، غير منقاد في الباطن، وقد يكون صادقًا في الباطن، غير منقاد في الظاهر.
وقال الخطابي أيضًا في قول النبي ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة": في هذا الحديث، بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنًى ذي شُعَب وأجزاء، له أدنى وأعلى، والاسم يتعلق ببعضها، كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبه، وتستوفي جملة أجزائه، كالصلاة الشرعية، لهذا شُعب وأجزاء، والاسم يتعلق ببعضها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها، وتستوفيها، ويدل عليه قوله ﷺ : "الحياء شعبة من الإيمان"، وفيه إثبات التفاضل في الإيمان، وتباين المؤمنين في درجاته. هذا آخر كلام الخطابيّ.
وقال الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي ﵀، في حديث سؤال جبريل ﵇ عن الإيمان والإسلام، وجوابه، قال: جعل النبيّ ﷺ الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، والتصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة، هي كلها شيء واحد، وجِمَاعها الدين، ولذلك قال ﷺ : "ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"، والتصديق والعمل، يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعًا، يدل عليه قوله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، فأخبر ، أن الدين
стр. 25
الذي رضيه، ويقبله من عباده هو الإسلام، ولا يكون الدين في محل القبول والرضا، إلا بانضمام التصديق إلى العمل. هذا كلام البغوي.
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التميميّ الأصبهانيّ الشافعيّ ﵀ في كتابه "التحرير في شرح صحيح مسلم": الإيمان في اللغة هو التصديق، فإن عُنِي به ذلك، فلا يزيد ولا ينقص؛ لأن التصديق ليس شيئًا يتجزًا، حتى يتصور كماله مرة، ونقصه أخرى، والإيمان في لسان الشرع، هو التصديق بالقلب، والعمل بالأركان، وإذا فُسر بهذا، تطرق إليه الزيادة والنقص، وهو مذهب أهل السنّة، قال: فالخلاف في هذا على التحقيق، إنما هو أن المصدّق بقلبه، إذا لم يَجمَع إلى تصديقه العملَ بموجَب الإيمان، هل يُسمى مؤمنًا مطلقًا، أم لا؟ والمختار عندنا أنه لا يسمى به، قال رسول ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن"، لأنه لم يعمل بموجب الإيمان، فيستحق هذا الإطلاق. هذا آخر كلام صاحب "التحرير".
وقال الإمام أبو الحسن عليّ بن خَلَف بن بطال المالكيّ المغربيّ، في "شرح صحيح البخاري": مذهب جماعة أهل السنة، من سلف الأمة وخلفها، أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والحجة على زيادته ونقصانه، ما أورده البخاريّ من الآيات - يعني قوله : ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]، وقوله تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقوله تعالى: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
قال ابن بطال: فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص، قال: [فإن قيل]: الإيمان في اللغة التصديق، [فالجواب]: أن التصديق يكمل بالطاعات كلها، فكلما ازداد المؤَمن من أعمال البر كان إيمانه أكمل، وبهذه الجملة يزيد الإيمان، وبنقصانها ينقص، فمتى نقصت أعمال البر، نقص كمال الإيمان، ومتى زادت زاد الإيمان، كمالًا، هذا توسط القول في الإيمان، وأما التصديق
стр. 26
بالله تعالى، ورسوله ﷺ ، فلا ينقص، ولذلك توقف مالك ﵀ في بعض الروايات، عن القول بالنقصان، إذ لا يجوز نقصان التصديق؛ لأنه إذا نقص صار شكًّا، وخرج عن اسم الإيمان، وقال بعضهم: إنما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان؛ خشية أن يُتَأَوَّل عليه موافقة الخوارج، الذين يُكَفّرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب، وقد قال مالك بنقصان الإيمان، مثل قول جماعة أهل السنّة، قال عبد الرزاق: سمعت من أدركت من شيوخنا، وأصحابنا: سفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، وعبيد الله بن عمر، والأوزاعيّ، ومعمر بن راشد، وابن جريج، وسفيان بن عيينة، يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وهذا قول ابن مسعود، وحذيفة، والنخعيّ، والحسن البصريّ، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وعبد الله بن المبارك.
فالمعنى الذي يستحق به العبد المدح، والولاية من المؤمنين، هو إتيانه بهذه الأمور الثلاثة: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع، أنه لو أقرّ وعمل على غير علم منه ومعرفة بربِّه، لا يستحق اسم مؤمن، ولو عرفه وعمل، وجحد بلسانه وكذب ما عُرف من التوحيد، لا يستحق اسم مؤمن، وكذلك إذا أقرّ بالله تعالى وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولم يعمل بالفرائض، لا يسمى مؤمنًا بالإطلاق، وإن كان في كلام العرب يسمى مؤمنًا بالتصديق، فذلك غير مستحق في كلام الله تعالى، لقوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنقال: ٢ - ٤]، فأخبرنا : أن المؤمن من كانت هذه صفته.
وقال ابن بطال ﵀ في "باب من قال الإيمان هو العمل": [فإن قيل]: قد قَدّمتم أن الإيمان هو التصديق، [قيل]: التصديق هو أول منازل الإيمان، ويوجب للمصدِّق الدخول فيه، ولا يوجب له استكمال منازله، ولا يسمى مؤمنًا مطلقًا، هذا مذهب جماعة أهل السنّة أن الإيمان قول وعمل، قال أبو عبيد: وهو قول مالكٍ، والثوريّ، والأوزاعيّ، ومن بعدهم، من أرباب العلم والسنّة، الذين كانوا مصابيح الهدى، وأئمة الدين، من أهل الحجاز، والعراق، والشام، وغيرهم.
стр. 27
قال ابن بطال: وهذا المعنى أراد البخاري ﵀ في "كتاب الإيمان"، وعليه بوّب أبوابه كلها، فقال: "باب أمور الإيمان"، و"بابٌ الصلاةُ من الإيمان"، و"بابٌ الزكاةُ من الإيمان"، و"بابٌ الجهادُ من الإيمان"، وسائر أبوابه، وإنما أراد الردّ على المرجئة في قولهم: إن الإيمان قول بلا عمل، وتبيينُ غلطهم، وسوء اعتقادهم، ومخالفتهم للكتاب والسنّة، ومذاهب الأئمة. ثم قال ابن بطال في باب آخر: قال المهلب: الإسلام على الحَقيقة هو الإيمان، الذي هو عقد القلب، المصدق لإقرار اللسان، الذي لا ينفع عند الله تعالى غيره. وقالت الكرامية وبعض المرجئة: الإيمان هو الإقرار باللسان، دون عقد القلب، ومن أقوى ما يُرَدّ به عليهم إجماعُ الأمة على إكفار المنافقين، وإن كانوا قد أظهروا الشهادتين، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٨٤ - ٨٥]، هذا آخر كلام ابن بطال.
وقال الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀: قوله ﷺ : "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا، والإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"، قال: هذا بيان لأصل الإيمان، وهو التصديق الباطن، وبيان أصل الإسلام، وهو الاستسلام والانقياد، وحكم الإسلام في الظاهر ثبت بالشهادتين، وإنما أضاف إليهما الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم؛ لكونها أظهر شعائر الإسلام، وأعظمها، وبقيامه بها يتم استسلامه، وتركه لها يُشعر بانحلال قيد انقياده، أو اختلاله، ثم إن اسم الإيمان يتناول ما فُسر به الإسلام في هذا الحديث، وسائر الطاعات؛ لكونها ثمرات للتصديق الباطن، الذي هو أصل الإيمان، ومقويات، ومتمِّمات، وحافظات له، ولهذا فسر ﷺ الإيمان في حديث وفد عبد القيس، بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وإعطاء الخمس من المغنم، ولهذا لا يقع اسم المؤمن المطلق، على من ارتكب كبيرة، أو بدل فريضة؛ لأن اسم الشيء مطلقًا، يقع على الكامل منه، ولا يستعمل في الناقص ظاهرًا إلا بقيد، ولذلك جاز إطلاق نفيه عنه في قوله ﷺ : "لا يسرق السارق حين
стр. 28
يسرق، وهو مؤمن"، واسم الإسلام يتناول أيضًا ما هو أصل الإيمان، وهو التصديق الباطن، ويتناول أصل الطاعات، فإن ذلك كله استسلام، قال: فخرج مما ذكرناه، وحققنا أن الإيمان والإسلام، يجتمعان، ويفترقان، وأن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، قال: وهذا تحقيق وافر بالتوفيق بين متفرقات نصوص الكتاب والسنّة الواردة في الإيمان والإسلام، التي طالما غَلِط فيها الخائضون، وما حققناه من ذلك موافق لجماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم. هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو بن الصلاح.
فإذا تقرر ما ذكرناه من مذاهب السلف، وأئمة الخلف، فهي متظاهرة، متطابقة على كون الإيمان يزيد وينقص، وهذا مذهب السلف، والمحدثين، وجماعة من المتكلمين، وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه، وقالوا: متى قبل الزيادة كان شكًّا وكفرًا، قال المحققون من أصحابنا المتكلمين: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته، وهي الأعمال ونقصانها، قالوا: وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة، وأقاويل السلف، وبين أصل وضعه في اللغة، وما عليه المتكلمون، وهذا الذي قاله هؤلاء، وان كان ظاهرًا حسنًا، فالأظهر (١) - والله أعلم - أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر، وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين، أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشُّبَه، ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نَيِّرة، وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة، ومن قاربهم، ونحوهم، فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق ﵁ لا يساويه تصديق آحاد الناس، ولهذا قال البخاري في "صحيحه": قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبيّ ﷺ ، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل، والله أعلم.
стр. 29
وأما إطلاق اسم الايمان على الأعمال، فمتفق عليه عند أهل الحق، ودلائله في الكتاب والسنّة، أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تشهر، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أجمعوا على أن المراد صلاتكم، وأما الأحاديث، فستمر بك في هذا الكتاب، منها جُمَلٌ مستكثرات، والله أعلم.
واتفق أهل السنّة من المحدثين، والفقهاء، والمتكلمين، على أن المؤمن الذي يُحكَم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار، لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام، اعتقادًا جازمًا، خاليًا من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما، لم يكن من أهل القبلة أصلًا، إلا إذا عجز عن النطق؛ لخلل في لسانه، أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية، أو لغير ذلك، فإنه يكون مؤمنًا، أما إذا أتى بالشهادتين، فلا يشترط معهما، أن يقول: وأنا بريء من كل دين، خالف الإسلام، إلا إذا كان من الكفار، الذين يعتقدون اختصاص رسالة نبينا ﷺ بالعرب، فإنه لا يُحكم بإسلامه، إلا بأن يتبرأ، ومن أصحابنا يعني أصحابَ الشافعي ﵀ مَن شرط أن يتبرأ مطلقًا، وليس بشيء، أما إذا اقتصر على قوله: لا إله إلا الله، ولم يقل: محمد رسول الله، فالمشهور من مذهبنا، ومذاهب العلماء أنه لا يكون مسلمًا، ومن أصحابنا من قال: يكون مسلمًا، ويطالب بالشهادة الأخرى، فإن أبى جُعل مرتدًا، ويُحتَجُّ لهذا القول بقوله ﷺ "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم"، وهذا محمول عند الجماهير على قول الشهادتين، واستغنى بذكر إحداهما عن الأخرى، لارتباطهما، وشهرتهما. والله أعلم.
أما إذا أقر بوجوب الصلاة، أو الصوم، أو غيرهما من أركان الإسلام، وهو على خلاف ملته التي كان عليها، فهل يجعل بذلك مسلمًا، فيه وجهان لأصحابنا، فمن جعله مسلمًا، قال: كل ما يكفر المسلم بإنكاره يصير الكافر بالإقرار به مسلمًا أما إذا أقرّ بالشهادتين بالعجمية، وهو يحسن العربية، فهل يُجعل بذلك مسلمًا فيه وجهان لأصحابنا، الصحيح منهما أنه يصير مسلمًا؛ لوجود الإقرار، وهذا الوجه هو الحق ولا يظهر للآخر وجه، وقد بينت ذلك مستقصى في "شرح المهذب"، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ ١/ ١٤٤ - ١٤٩. وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب.
стр. 30
(المسألة الرابعة):
قد حقّق هذا الموضوع شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى تحقيقًا بالغًا، أحببت إيراده؛ تأكيدًا، وتفصيلًا لما سبق من كلام الأئمة الذين نقلنا نصوصهم في المسائل السابقة، قال رحمه الله تعالى:
[اعلم]: أن الإيمان والإسلام يجتمع فيهما الدين كلّه، وقد كَثُر كلام الناس في حقيقة الإيمان والإسلام، ونزاعهم، واضطرابهم، وقد صُنّفت في ذلك مجلّدات، والنزاع في ذلك من حين خرجت الخوارج بين عامة الطوائف، ونحن نذكر ما يُستفاد من كلام النبيّ ﷺ ، مع ما يُستفاد من كلام الله تعالى، فيصل المؤمن إلى ذلك من نفس كلام الله تعالى ورسوله ﷺ ، فإن هذا هو المقصود، فلا نذكر اختلاف الناس ابتداء، بل نذكر من ذلك في ضمن ما يُستفاد من كلام الله تعالى ورسوله ﷺ ما يبيّن أن ردّ موارد النزاع إلى الله تعالى وإلى الرسول ﷺ خير وأحسن تأويلًا، وأحسن عاقبة في الدنيا والآخرة.
فنقول: قد فرق النبيّ ﷺ في حديث جبريل ﵇ بين مسمّى الإسلام، ومسمّى الإيمان، ومسمّى الإحسان، فقال: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلًا"، وقال: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه". والفرق مذكور في حديث عمر ﵁ الذي انفرد به مسلم، وفي حديث أبي هريرة ﵁ الذي اتّفق البخاريّ ومسلم عليه، وكلاهما فيه أن جبريل جاءه في صورة إنسان أعرابيّ فسأله، وفي حديث عمر ﵁ أنه جاءه في صورة أعرابيّ. وكذلك فسّر الإسلام في حديث ابن عمر المشهور، قال: "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان".
وحديث جبريل يبيِّن أن الإسلام المبنيّ على خمس هو الإسلام نفسه، ليس المبنيّ غير المبنيّ عليه، بل جعل النبيّ ﷺ الدين ثلاث درجات: أعلاها الإحسان، وأوسطها الإيمان، ويليه الإسلام، فكل محسن مؤمن، وكلّ مؤمن مسلم، وليس كلّ مؤمن محسنًا، ولا كلّ مسلم مؤمنًا، كما سيأتي بيانه - إن
стр. 31
شاء الله تعالى - في سائر الأحاديث، كالحديث الذي رواه حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من أهل الشام، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ قال له: "أسلِم تسلم"، قال: وما الإسلام؟ قال: "أن تُسلم قلبك لله، وأن يسلم المسلمون من لسانك، ويدك"، قال: فأيّ الإسلام أفضل؟ قال: "الإيمان"، قال: وما الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبالبعث بعد الموت"، قال: فأيّ الإيمان أفضل؟ قال: "الهجرة"، قال: وما الهجرة؟ قال: "أن تهجر السوء"، قال: فأيّ الهجرة أفضل؟ قال: "الجهاد"، قال: وما الجهاد؟ قال: "أن تجاهد"، أو "تقاتل الكفّار إذا لقيتهم، ولا تغلُل، ولا تجبُن"، ثم قال رسول الله: "عملان هما أفضل الأعمال، إلا من عمل بمثلهما" - قالها ثلاثًا - "حجة مبرورة، أو عمرة"، رواه أحمد، ومحمد بن نصر المروزيّ.
ولهذا يذكر هذه المراتب الأربعة، فيقول: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه، ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمهاجر من هجر السيّئات، والمجاهد من جاهد نفسه"، وهذا مرويّ عن النبيّ ﷺ من حديث عبد الله بن عمرو، وفَضَالة بن عُبيد، وغيرهما ﵄ بإسناد جيّد، وهو في "السنن"، وبعضه في "الصحيحين". وقد ثبت عنه من غير وجه أنه قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن أَمِنَهُ الناس على دمائهم وأموالهم"، ومعلوم أن من كان مأمونًا على الدماء والأموال كان المسلمون يسلمون من لسانه ويده، ولولا سلامتهم منه لما ائتمنوه، وكذلك في حديث عُبيد بن عُمير، عن عمرو بن عَبَسَة ﵁ وفي حديث عبد الله بن عُبيد بن عُمير أيضًا، عن أبيه، عن جدّه أنه قيل لرسول الله ﷺ : ما الإسلام؟ قال: "إطعام الطعام، وطيب الكلام"، قيل: فما الإيمان؟ قال: "السماحة، والصبر"، قيل: فمن أفضل المسلمين إسلامًا؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده"، قيل: فمن أفضل المؤمنين إيمانًا؟ قال: أحسنهم خُلُقًا، قيل: فما أفضل الهجرة؟ قال: "من هجر ما حرّم الله عليه"، قال: أيّ الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت"، قال: أي الصدقة أفضل؟ قال: "جهد مقل"، قال: أيّ الجهاد أفضل؟ قال: "أن تجاهد بمالك، ونفسك، فيُعقرُ جوادك، ويُراق
стр. 32
دمك"، قال: أيّ الساعات أفضل؟ قال: "جوف الليل الغابر".
ومعلوم أن هذا كله مراتب، بعضها فوق بعض، وإلا فالمهاجر لا بدّ أن يكون مؤمنًا، وكذا المجاهد، ولهذا قال: "الإيمان السماحة والصبر"، وقال في الإسلام: "إطعام الطعام، وطيب الكلام"، والأول مستلزم للثاني، فإن من كان خلقه السماحة، فعل هذا بخلاف الأول، فإن الإنسان قد يفعل ذلك تخلّقًا، ولا يكون في خلقه سماحة وصبرٌ، وكذلك قال: "أفضل المسلمين من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وقال: "أفضل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا"، ومعلومٌ أن هذا يتضمّن الأول، فمن كان حسن الخلق فعل ذلك. قيل للحسن البصريّ: ما حسن الخلق؟ قال: بذل الندى، وكفّ الأذى، وطلاقة الوجه، فكفّ الأذى جزء من حسن الخلق، وستأتي الأحاديث الصحيحة بأنه جعل الأعمال الظاهرة من الإيمان، كقوله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، وقوله لوفد عبد القيس: "آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟: شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدّوا خمس ما غنمتم".
ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانًا بالله بدون إيمان القلب؛ لِمَا قد أخبر في غير موضع أنه لا بدّ من إيمان القلب، فعُلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان. وفي "المسند" عن أنس ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "الإسلام علانية، والإيمان في القلب " (١)، وقال ﷺ : "إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد، ألا وهي القلب"، فمن صلح قلبه صلح جسده قطعًا، بخلاف العكس.
وقال سفيان بن عيينة: كان العلماء فيما مضى يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء الكلمات: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن عمل لآخرته كفاه الله أمر دنياه. رواه ابن أبي الدنيا في "كتاب الإخلاص". فعلم أن القلب إذا صلح بالإيمان
стр. 33
صلح الجسد بالإسلام، وهو من الإيمان، يدل على ذلك أنه قال في حديث جبريل ﵇: "هذا جبريل جاءكم يُعلّمكم دينكم"، فجعل الدين هو الإسلام، والإيمان، والإحسان"، فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة، لكن هو درجات ثلاث: مسلم، ثم مؤمن، ثم محسنٌ، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢]، والمقتصد، والسابق كلاهما يدخل الجنّة بلا عقوبة، بخلاف الظالم لنفسه، وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب، لكن لم يقم بما يجب عليه من الإيمان الباطن، فإنه معرّضٌ للوعيد، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
وأما الاحسان: فهو أعمّ من جههّ نفسه، وأخصّ من جهة أصحابه من الإيمان، والإيمان أعمّ من جهة نفسه، وأخصّ من جهة أصحابه من الإسلام، فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخصّ من المؤمنين، والمؤمنون أخصّ من المسلمين، وهذا كما يقال: في الرسالة والنبوّة، فالنبوّة داخلة في الرسالة، والرسالة أعمّ من جهة نفسها، وأخصّ من جهة أهلها، فكلّ رسول نبيّ، وليس كل نبيّ رسولًا، فالأنبياء أعمّ، والنبوّة نفسها جزء من الرسالة، فالرسالة تتناول النبوّة، وغيرها، بخلاف النبوّة، فإنها لا تتناول الرسالة. والنبيّ ﷺ فسّر الإسلام، والإيمان بما أجاب به، كما يجاب عن الحدود بالحدّ، إذا قيل: ما كذا؟ قيل: كذا وكذا، كما في الحديث الصحيح لَمّا قيل: ما الغيبة؟ قال: "ذكرك أخاك بما يَكره"، وفي الحديث الآخر: "الكبر بطر الحقّ، وغمط الناس"، وبطر الحقّ: جحده، ودفعه، و"غمط الناس": احتقارهم، وازدراؤهم.
وسنذكر - إن شاء الله تعالى - سبب تنوّع أجوبته، وأنها كفها حقّ. ولكن المقصود أن قوله ﷺ : "بُني الإسلام على خمس"، كقوله: الإسلام هو الخمس، كما ذكر في حديث جبرائيل ﵇، فإن الأمر مركّبٌ من أجزاء تكون الهيئة الاجتماعيّة فيه مبنيّة على تلك الأجزاء، ومركّبةً منها، فالإسلام مبنيّ على هذه الأركان - وسنبيّن إن شاء الله - اختصاص هذه الخفس بكونها هي الإسلام، وعليها بُني الإسلام، ولم خُضت بذلك، دون غيرها من الواجبات.
وقد فسر الإيمان في حديث وفد عبد القيس بما فسّر به الإسلام هنا،
стр. 34
لكنه لم يذكر فيه الحجّ، وهو متّفقٌ عليه، فقال: "آمركم بالإيمان بالله وحده، هل تدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدّوا خمس ما غنمتم، أو خمسًا من المغنم". وقد رُوي في بعض طرقه: "الإيمان بالله، وشهادة أن لا إله إلا الله"، لكن الأول أشهر، وفي رواية أبي سعيد ﵁: "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا".
وقد فَسَّر في حديث شعب الإيمان الإيمان بهذا وبغيره، فقال: "الإيمان بضع وستّون، أو بضع وسبعون شعبةً، أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان". وقد ثبت عنه من وجوه متعدّدة أنه قال "الحياءُ شعبة من الإيمان " من حديث ابن عمر، وابن مسعود، وعمران بن حصين ﵄ وقال أيضًا: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين"، وقال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه"، وقال: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن"، قيل: من يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يأمن جاره بوائقه". وقال: "من رأى منكم منكرًا فليُغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وقال: "ما بعث الله من نبيّ إلا كان في أمته قوم يهتدون بهديه، ويستنّون بسنّته، ثم إنه يخلُف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمنٌ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل"، وهذا من أفراد مسلم. وكذلك في أفراد مسلم قوله ﷺ : "والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، أو لا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم"، وقال في الحديث المتّفق عليه من رواية أبي هريرة ﵁، ورواه البخاريّ من حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، قال النبيّ ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب النهبة، يرفع الناس إليه فيها أبصارهم، وهو مؤمن".
стр. 35
فيقال: اسم الإيمان تارةً يُذكر مفردًا، غير مقرون باسم الإسلام، ولا باسم العمل الصالح، ولا غيرهما، وتارة يُذكر مقرونًا، إما بالإسلام، كقوله في حديث جبرائيل: "ما الإسلام، وما الإيمان؟ "، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥]، وقوله : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤]، وقوله : ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]. وكذلك ذكر الإيمان مع العمل الصالح، وذلك في مواضع من القرآن، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية [الكهف: ١٠٧]، وإما مقرونًا بالذين أوتوا العلم، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ﴾ الآية [لروم: ٥٦]، وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ الآية [المجادلة: ١١]، وحيث ذكر الذين آمنوا، فقد دخل فيهم الذين أوتوا العليم، فإنهم خيارهم، قال تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ الآية [آل عمران: ٧]، وقال: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية [النساء: ١٦٢].
ويذكر أيضًا لفظ المؤمنين، مقرونًا بالذين هادوا، والنصارى، والصابئين، ثم يقول: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، فالمؤمنون في ابتداء الخطاب غير الثلاثة، والإيمان الآخر عمّهم، كما عمّهم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾ [البينة: ٧]، وسنبسط هذا إن شاء الله.
فالمقصود هنا العموم والخصوص بالنسبة إلى ما في الباطن والظاهر من الإيمان، وأما العموم بالنسبة إلى الملل، فتلك مسألة أخرى، فلما ذكر الإيمان مع الإسلام، جعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة: الشهادتان، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحجّ، وجعل الإيمان ما في القلب، من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وهكذا في الحديث الذي رواه أحمد، عن أنس ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "الإسلام علانيةٌ، والإيمان في القلب" (١).
стр. 36
وإذا ذكر اسم الإيمان مجرّدًا دخل فيه الإسلام، والأعمال الصالحة، كقوله ﷺ في حديث الشعب: "الإيمان بضع وسبعون شعبةً، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، وكذلك سائر الأحاديث التي يُجعل فيها أعمال البرّ من الإيمان.
ثم إن نَفَى الإيمان عند عدمها دلّ على أنها واجبة، وإن ذَكر فضل إيمان صاحبها، ولم ينف إيمانه دل على أنها مستحبّة، فإن الله تعالى ورسوله ﷺ لا ينفي اسم مُسمّى أمر، أمر الله به رسوله ﷺ إلا إذا ترك بعض واجباته، كقوله: "لا صلاة إلا بأمّ القرآن"، وقوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له"، ونحو ذلك.
فأما إذا كان الفعل مستحبًّا في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحبّ، فإن هذا لو جاز لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان، والصلاة، والزكاة، والحجّ؛ لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه، وليس أحد يفعل أفعال البرّ مثل ما فعلها النبيّ ﷺ ، بل ولا أبو بكر، ولا عمر، فلو كان من لم يأت بكمالها المستحبّ يجوز نفيها لجاز أن تُنْفَى عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل. فمن قال: إن المنفيّ هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يُذمّ تاركه، ويتعرّض للعقوبة، فقد صدق، وإن أراد أنه نفي الكمال المستحبّ، فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله ﷺ ، ولا يجوز أن يقع، فإن من فعل الواجب كما وجب عليه، ولم ينتقص من واجبه شيئًا، لم يجز أن يقال: ما فعله، لا حقيقة، ولا مجازًا، فإذا قال للأعرابيّ المسيء في صلاته: "ارجع، فصلّ، فإنك لم تصلّ"، وقال لمن صلّى خلف الصفّ، وقد أمره بالإعادة: "لا صلاة لفذّ خلف الصفّ"، كان لترك واجب، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]، يبيّن أن الجهاد واجب، وترك الارتياب واجب، والجهاد، وإن كان فرضًا على الكفاية، فجميع المؤمنين يخاطبون به ابتداء، فعليهم كلّهم اعتقاد وجوبه، والعزم على فعله، إذا تعيّن، ولهذا قال النبيّ ﷺ : "من مات، ولم يغز، ولم يُحدّث نفسه بغزو، مات على شعبة نفاق"، رواه مسلم، فأخبر أنه من لم يهمّ به كان على شعبة نفاق.
стр. 37
وأيضًا فالجهاد جنس تحته أنواع متعدّدة، ولا بدّ أن يجب على المؤمن نوع من أنواعه، وكذلك قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ والآية [الأنفال: ٢ - ٤]، هذا كله واجب، فإن التوكّل على الله واجبٌ من أعظم الواجبات، كما أن الإخلاص لله واجب، وحبّ الله ورسوله واجب، وقد أمر الله بالتوكّل عليه في غير آية، أعظم مما أمر بالوضوء، والغسل من الجنابة، ونهى عن التوكّل على غير الله، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يونس: ٨٤].
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنقال: ٢]، فيقال: من أحوال القلب، وأعماله ما يكون من لوازم الإيمان الثابتة فيه، بحيث إذا كان الإنسان مؤمنًا، لزم ذلك بغير قصد منه، ولا تعمّد له، وإذا لم يوجد دلّ على أن الإيمان الواجب لم يحصل في القلب، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، فأخبر أنك لا تجد مؤمنًا يوادّ المحادّين لله ورسوله، فإن نفس الإيمان تنافي موادّته، كما ينفي أحد الضدّين الآخر، فإذا وُجد الإيمان انتفى ضدّه، وهو موالاة أعداء الله، فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه، كان ذلك دليلًا على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب.
ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ
стр. 38
كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ [المائدة: ٧٩ - ٨١]، فذكر جملة شرطيّة تقتضي أنه إذا وُجد الشرط وُجد المشروط بحرف "لو" التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فقال ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨١]، فدلّ على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء، ويُضادّه، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودلّ ذلك على أن من اتّخذهم أولياء، ما فعل الإيمان الواجب، من الإيمان بالله والنبيّ، وما أنزل إليه.
ومثله قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٥١]، فإنه أخبر في تلك الآيات أن متولّيهم لا يكون مؤمنًا، وأخبر هنا أن متولّيهم هو منهم، فالقرآن يصدّق بعضه بعضًا، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ الآية [الزمر: ٢٣]، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ الآية [النور: ٦٢] دليلٌ على أن الذهاب المذكور بدون استئذانه لا يجوز، وأنه يجب أن لا يذهب حتى يستأذن، فمن ذهب، ولم يستأذن، كان قد ترك بعض ما يجب عليه من الإيمان، فلهذا نفى عنه الإيمان، فإن حرف "إنما" تدلّ على إثبات المذكور، ونفي غيره، ومن الأصوليين من يقول: "إنّ" للإثبات، و"ما" للنفي، فإذا جُمع بينهما دلّت على النفي والإثبات، وليس كذلك عند أهل العربيّة، ومن يتكلّم بعلم، فإن "ما" هذه هي الكافّة التي تدخل على "إن" وأخواتها، فتكفّها عن العمل؛ لأنها إنما تعمل إذا اختصّت بالجمل الاسميّة، فلما كُفّت بطل عملها، واختصاصها، فصار يليها الجمل الفعليّة والاسميّة، فتغيّر معناها وعملها جميعًا بانضمام "ما" إليها، وكذلك "كأنما"، وغيرها.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٤٧ - ٥١].
[فإن قيل]: إذا كان المؤمن حقًّا هو الفاعل للواجبات، التارك للمحرّمات، فقد قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]، ولم يذكر إلا
стр. 39
خمسة أشياء، وكذلك قال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [النور: ٦٢].
[قيل]: عن هذا جوابان:
[أحدهما]: أن يكون ما ذُكر مستلزمًا لما تُرك، فإنه ذَكَر وَجَلَ قلوبهم إذا ذُكر الله، وزيادة إيمانهم إذا تُليت عليهم آياته، مع التوكّل عليه، وأقام الصلاة على الوجه المأمور به باطنًا وظاهرًا، وكذلك الإنفاق من المال والمنافع، فكان هذا مستلزمًا للباقي، فإن وجَلَ القلبِ عند ذكر الله يقتضي خشيته، والخوف منه، وقد فسّروا "وجلت" بفَرِقَت، وفي قراءة ابن مسعود ﵁: "إذا ذُكر الله فرِقَت قلوبهم"، وهذا صحيح، فإن الوجل في اللغة هو الخوف، يقال؛ حمرة الْخَجَل، وصُفْرة الوجل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله هو الرجل يزني، ويسرق، ويخاف أن يُعاقب؟ قال: "لا يا ابنة الصّدّيق، هو الرجل يصلّي، ويصوم، ويتصدّق، وَيَخاف أن لا يُقبل منه" وقال السّدّيّ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٥]: هو الرجل يريد أن يظلم، أو يهمّ بمعصية، فينزع عنه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]، وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]، قال مجاهد: وغيره من المفسّرين: هو الرجل يهمّ بالمعصية، فيذكر مقامه بين يدي الله، فيتركها خوفًا من الله.
وإذا كان وجل القلب من ذكره يتضمّن خشيته، ومخافته، فذلك يدعو صاحبه إلى فعل المأمور، وترك المحظور. قال سهل بن عبد الله: ليس بين العبد وبين الله حجاب أغلظ من الدعوى، ولا طريق إليه أقرب من الافتقار، وأصل كلّ خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله. ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾ [الأعراف: ١٥٤]، فأخبر أن الهدى والرحمة للذين
стр. 40
يرهبون الله. قال مجاهد، وإبراهيم: هو الرجل يريد أن يذنب الذنب، فيذكر مقام الله، فيدع الذنب. رواه ابن أبي الدنيا عن ابن الجعد، عن شعبة، عن منصور، عنهما في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]، وهؤلاء هم أهل الفلاح المذكورون في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٥]، وهم المؤمنون، وهم المتّقون المذكورون في قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١ - ٢]، كما قال في آية البرّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وهؤلاء هم المتبعون للكتاب، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]، وإذا لم يضلّ، فهو متّبع مهتد، وإذا لم يشقَ، فهو مرحوم، وهؤلاء هم أهل الصراط المستقيم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصّدّيقين، والشهداء، والصالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين، فإن أهل الرحمة ليسوا مغضوبًا عليهم، وأهل الهدى ليسوا ضالّين، فتبيّن أن أهل رهبة الله يكونون متّقين لله، مستحقّين للجنة بلا عذاب، وهؤلاء هم الذين أتوا بالإيمان الواجب.
ومما يدلّ على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ الآية [فاطر: ٢٨]، والمعنى لا يخشاه إلا عالم، فقد أخبر الله أن كلّ من خشي الله فهو عالم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ والآية [الزمر: ٩].
والخشية أبدًا متضمّنة للرجاء، ولولا ذلك لكانت قُنوطًا، كما أن الرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمنًا، فأهل الخوف لله، والرجاء له هم أهل العلم الذين مدحهم الله. وقد رُوي عن أبي حيّان التيميّ أنه قال: العلماء ثلاثة: فعالم بالله ليس عالمًا بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالمًا بالله، وعالم بالله عالم بأمر الله، فالعالم بالله هو الذي يخافه، والعالم بأمر الله هو الذي يعلم أمره ونهيه، وفي "الصحيح" عن النبيّ ﷺ أنه قال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بحدوده". وإذا كان أهل الخشية هم العلماء الممدوحون في الكتاب والسنّة، لم يكونوا مستحقّين للذّمّ، وذلك لا يكون إلا