← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وإذا ذكر اسم الإيمان مجرّدًا دخل فيه الإسلام، والأعمال الصالحة، كقوله ﷺ في حديث الشعب: "الإيمان بضع وسبعون شعبةً، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"، وكذلك سائر الأحاديث التي يُجعل فيها أعمال البرّ من الإيمان. ثم إن نَفَى الإيمان عند عدمها دلّ على أنها واجبة، وإن ذَكر فضل إيمان صاحبها، ولم ينف إيمانه دل على أنها مستحبّة، فإن الله تعالى ورسوله ﷺ لا ينفي اسم مُسمّى أمر، أمر الله به رسوله ﷺ إلا إذا ترك بعض واجباته، كقوله: "لا صلاة إلا بأمّ القرآن"، وقوله: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له"، ونحو ذلك. فأما إذا كان الفعل مستحبًّا في العبادة لم ينفها لانتفاء المستحبّ، فإن هذا لو جاز لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان، والصلاة، والزكاة، والحجّ؛ لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه، وليس أحد يفعل أفعال البرّ مثل ما فعلها النبيّ ﷺ ، بل ولا أبو بكر، ولا عمر، فلو كان من لم يأت بكمالها المستحبّ يجوز نفيها لجاز أن تُنْفَى عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل. فمن قال: إن المنفيّ هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يُذمّ تاركه، ويتعرّض للعقوبة، فقد صدق، وإن أراد أنه نفي الكمال المستحبّ، فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله ﷺ ، ولا يجوز أن يقع، فإن من فعل الواجب كما وجب عليه، ولم ينتقص من واجبه شيئًا، لم يجز أن يقال: ما فعله، لا حقيقة، ولا مجازًا، فإذا قال للأعرابيّ المسيء في صلاته: "ارجع، فصلّ، فإنك لم تصلّ"، وقال لمن صلّى خلف الصفّ، وقد أمره بالإعادة: "لا صلاة لفذّ خلف الصفّ"، كان لترك واجب، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]، يبيّن أن الجهاد واجب، وترك الارتياب واجب، والجهاد، وإن كان فرضًا على الكفاية، فجميع المؤمنين يخاطبون به ابتداء، فعليهم كلّهم اعتقاد وجوبه، والعزم على فعله، إذا تعيّن، ولهذا قال النبيّ ﷺ : "من مات، ولم يغز، ولم يُحدّث نفسه بغزو، مات على شعبة نفاق"، رواه مسلم، فأخبر أنه من لم يهمّ به كان على شعبة نفاق.

стр. 37

وأيضًا فالجهاد جنس تحته أنواع متعدّدة، ولا بدّ أن يجب على المؤمن نوع من أنواعه، وكذلك قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ والآية [الأنفال: ٢ - ٤]، هذا كله واجب، فإن التوكّل على الله واجبٌ من أعظم الواجبات، كما أن الإخلاص لله واجب، وحبّ الله ورسوله واجب، وقد أمر الله بالتوكّل عليه في غير آية، أعظم مما أمر بالوضوء، والغسل من الجنابة، ونهى عن التوكّل على غير الله، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾ [يونس: ٨٤]. وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنقال: ٢]، فيقال: من أحوال القلب، وأعماله ما يكون من لوازم الإيمان الثابتة فيه، بحيث إذا كان الإنسان مؤمنًا، لزم ذلك بغير قصد منه، ولا تعمّد له، وإذا لم يوجد دلّ على أن الإيمان الواجب لم يحصل في القلب، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، فأخبر أنك لا تجد مؤمنًا يوادّ المحادّين لله ورسوله، فإن نفس الإيمان تنافي موادّته، كما ينفي أحد الضدّين الآخر، فإذا وُجد الإيمان انتفى ضدّه، وهو موالاة أعداء الله، فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه، كان ذلك دليلًا على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب. ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ

стр. 38

كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ [المائدة: ٧٩ - ٨١]، فذكر جملة شرطيّة تقتضي أنه إذا وُجد الشرط وُجد المشروط بحرف "لو" التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط، فقال ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨١]، فدلّ على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء، ويُضادّه، ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودلّ ذلك على أن من اتّخذهم أولياء، ما فعل الإيمان الواجب، من الإيمان بالله والنبيّ، وما أنزل إليه. ومثله قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٥١]، فإنه أخبر في تلك الآيات أن متولّيهم لا يكون مؤمنًا، وأخبر هنا أن متولّيهم هو منهم، فالقرآن يصدّق بعضه بعضًا، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ الآية [الزمر: ٢٣]، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ الآية [النور: ٦٢] دليلٌ على أن الذهاب المذكور بدون استئذانه لا يجوز، وأنه يجب أن لا يذهب حتى يستأذن، فمن ذهب، ولم يستأذن، كان قد ترك بعض ما يجب عليه من الإيمان، فلهذا نفى عنه الإيمان، فإن حرف "إنما" تدلّ على إثبات المذكور، ونفي غيره، ومن الأصوليين من يقول: "إنّ" للإثبات، و"ما" للنفي، فإذا جُمع بينهما دلّت على النفي والإثبات، وليس كذلك عند أهل العربيّة، ومن يتكلّم بعلم، فإن "ما" هذه هي الكافّة التي تدخل على "إن" وأخواتها، فتكفّها عن العمل؛ لأنها إنما تعمل إذا اختصّت بالجمل الاسميّة، فلما كُفّت بطل عملها، واختصاصها، فصار يليها الجمل الفعليّة والاسميّة، فتغيّر معناها وعملها جميعًا بانضمام "ما" إليها، وكذلك "كأنما"، وغيرها. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾ إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٤٧ - ٥١]. [فإن قيل]: إذا كان المؤمن حقًّا هو الفاعل للواجبات، التارك للمحرّمات، فقد قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]، ولم يذكر إلا

стр. 39

خمسة أشياء، وكذلك قال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [النور: ٦٢]. [قيل]: عن هذا جوابان: [أحدهما]: أن يكون ما ذُكر مستلزمًا لما تُرك، فإنه ذَكَر وَجَلَ قلوبهم إذا ذُكر الله، وزيادة إيمانهم إذا تُليت عليهم آياته، مع التوكّل عليه، وأقام الصلاة على الوجه المأمور به باطنًا وظاهرًا، وكذلك الإنفاق من المال والمنافع، فكان هذا مستلزمًا للباقي، فإن وجَلَ القلبِ عند ذكر الله يقتضي خشيته، والخوف منه، وقد فسّروا "وجلت" بفَرِقَت، وفي قراءة ابن مسعود ﵁: "إذا ذُكر الله فرِقَت قلوبهم"، وهذا صحيح، فإن الوجل في اللغة هو الخوف، يقال؛ حمرة الْخَجَل، وصُفْرة الوجل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله هو الرجل يزني، ويسرق، ويخاف أن يُعاقب؟ قال: "لا يا ابنة الصّدّيق، هو الرجل يصلّي، ويصوم، ويتصدّق، وَيَخاف أن لا يُقبل منه" وقال السّدّيّ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٥]: هو الرجل يريد أن يظلم، أو يهمّ بمعصية، فينزع عنه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]، وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]، قال مجاهد: وغيره من المفسّرين: هو الرجل يهمّ بالمعصية، فيذكر مقامه بين يدي الله، فيتركها خوفًا من الله. وإذا كان وجل القلب من ذكره يتضمّن خشيته، ومخافته، فذلك يدعو صاحبه إلى فعل المأمور، وترك المحظور. قال سهل بن عبد الله: ليس بين العبد وبين الله حجاب أغلظ من الدعوى، ولا طريق إليه أقرب من الافتقار، وأصل كلّ خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله. ويدلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾ [الأعراف: ١٥٤]، فأخبر أن الهدى والرحمة للذين

стр. 40

يرهبون الله. قال مجاهد، وإبراهيم: هو الرجل يريد أن يذنب الذنب، فيذكر مقام الله، فيدع الذنب. رواه ابن أبي الدنيا عن ابن الجعد، عن شعبة، عن منصور، عنهما في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]، وهؤلاء هم أهل الفلاح المذكورون في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٥]، وهم المؤمنون، وهم المتّقون المذكورون في قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١ - ٢]، كما قال في آية البرّ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وهؤلاء هم المتبعون للكتاب، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]، وإذا لم يضلّ، فهو متّبع مهتد، وإذا لم يشقَ، فهو مرحوم، وهؤلاء هم أهل الصراط المستقيم الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصّدّيقين، والشهداء، والصالحين، غير المغضوب عليهم ولا الضّالّين، فإن أهل الرحمة ليسوا مغضوبًا عليهم، وأهل الهدى ليسوا ضالّين، فتبيّن أن أهل رهبة الله يكونون متّقين لله، مستحقّين للجنة بلا عذاب، وهؤلاء هم الذين أتوا بالإيمان الواجب. ومما يدلّ على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ الآية [فاطر: ٢٨]، والمعنى لا يخشاه إلا عالم، فقد أخبر الله أن كلّ من خشي الله فهو عالم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ والآية [الزمر: ٩]. والخشية أبدًا متضمّنة للرجاء، ولولا ذلك لكانت قُنوطًا، كما أن الرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمنًا، فأهل الخوف لله، والرجاء له هم أهل العلم الذين مدحهم الله. وقد رُوي عن أبي حيّان التيميّ أنه قال: العلماء ثلاثة: فعالم بالله ليس عالمًا بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالمًا بالله، وعالم بالله عالم بأمر الله، فالعالم بالله هو الذي يخافه، والعالم بأمر الله هو الذي يعلم أمره ونهيه، وفي "الصحيح" عن النبيّ ﷺ أنه قال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بحدوده". وإذا كان أهل الخشية هم العلماء الممدوحون في الكتاب والسنّة، لم يكونوا مستحقّين للذّمّ، وذلك لا يكون إلا

стр. 41

مع فعل الواجبات. ويدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾ [إبراهيم: ١٣ - ١٤]، وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]، فوعد بنصر الدنيا، وبثواب الآخرة لأهل الخوف، وذلك إنما يكون لأنهم أدَّوا الواجب، فدلّ على أن الخوف يستلزم فعل الواجب، ولهذا يقال للفاجر: لا يخاف الله. ويدلّ على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ الآية [النساء: ١٧]. قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد ﷺ عن هذه الآية، فقالوا لي: كلُّ من عصى الله فهو جاهلٌ، وكلّ من تاب قبل الموت، فقد تاب من قريب، وكذلك قال سائر المفسّرين، قال مجاهد: كلّ عاص فهو جاهل حين معصيته. وقال الحسن، وقتادة، وعطاء، والسدّيّ، وغيرهم: إنما سُمُّوا جُهّالًا لمعاصيهم، لا أنهم غير مميّزين. وقال الزّجّاج: ليس معنى الآية أنهم يجهلون أنه سوء؛ لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءًا، وإنما يحتمل أمرين: [أحدهما]: أنهم عملوه، وهم يجهلون المكروه فيه. [والثاني]: أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل على الآجل، فسمّوا جُهّالًا؛ لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة، والعافية الدائمة، فقد جعل الزجّاج الجهل إما عدم العلم بعاقبة الفعل، وإما فساد الإرادة. وقد يقال: هما متلازمان. والمقصود هنا أن كلّ عاص لله، فهو جاهل، وكلّ خائف منه فهو عالمٌ مطيع لله، وإنما يكون جاهلًا لنقص خوفه من الله؛ إذ لو تمّ خوفه من الله لم يَعصِ، ومنه قول ابن مسعود ﵁: كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار به جهلًا، وذلك لأن تصوّر المخوف يوجب الهرب منه، وتصوّر المحبوب يوجب طلبه، فإذا لم يهرب من هذا، ولم يطلب هذا، دلّ على أنه لم يتصوّره تصوّرًا تامًّا، ولكن قد يتصوّر الخبر عنه، وتصوّر الخبر، وتصديقه، وحفظ حروفه غير تصوّر المخبر عنه، وكذلك إذا لم يكن المتصوّر محبوبًا له، ولا مكروهًا، فإن الإنسان يصدّق بما هو مخوف على غيره، ومحبوب لغيره، ولا يورثه ذلك هربًا، ولا طلبًا، وكذلك إذا أُخبِر بما هو محبوبٌ له، ومكروه، ولم يكذّب

стр. 42

المخبر، بل عرفه صدقه، لكن قلبه مشغول بأمور أخرى عن تصوّر ما أُخبر به، فهذا لا يتحرّك للهرب، ولا للطلب. وفي الكلام المعروف عن الحسن البصريّ، ويُروى مرسلًا عن النبيّ ﷺ : "العلم علمان: فعلم في القلب، وعلم على اللسان، فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على عباده". وقد أخرجا في "الصحيحين" عن أبي موسى الأشعريّ ﷺ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجّة طعمها طيّب وريحها طيّبٌ، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة، طعمها طيّبٌ ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيّبٌ وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة، طعمها مرّ ولا ريح لها". وهذا المنافق الذي يقرأ القرآن، يحفظه، ويتصوّر معانيه، وقد يصدّق أنه كلام الله، وأن الرسول حقّ، ولا يكون مؤمنًا، كما أن اليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وليسوا مؤمنين، وكذلك إبليس، وفرعون، وغيرهما، لكن من كان كذلك، لم يكن حصل له من العلم التامّ، والمعرفة التامّة، فإن ذلك يستلزم العمل بموجبه، لا محالة، ولهذا صار يقال لمن لم يعمل بعلمه: إنه جاهل، كما تقدّم. وكذلك لفظ "العقل"، وإن كان في الأصل مصدر عقل يعقل عقلًا - من باب ضرب - وكثير من النظّار جعله من جنس العلوم، فلا بدّ أن يُعتبر مع ذلك أنه علم يُعمل بموجبه، فلا يسمّى عاقلًا إلا من عرف الخير فطلبه، والشرّ فتركه، ولهذا قال أصحاب النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، وقال عن المنافقين: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٤]، ومن فعل ما يعلم أنه يضرّه، فمثل هذا ما له عقلٌ، فكما أن الخوف من الله يستلزم العلم به، فالعلم به يستلزم خشيته، وخشيته تستلزم طاعته، فالخائف من الله ممتثلٌ لأوامره، مجتنب لنواهيه، وهذا هو الذي قصدنا بيانه أوّلًا. ويدلّ على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢)﴾ [الأعلى: ٩ - ١٢]، فأخبر أن من يخشاه يتذكّر، والتذكّر هنا مستلزم لعبادته، قال الله تعالى: ﴿هُوَ

стр. 43

الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [غافر: ١٣]، وقال: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٨]، [قال الجامع عفا الله عنه]: ولهذا قالوا في قوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠)﴾ [الأعلى: ١٠]: سيتّعظ بالقرآن من يخشى الله، وفي قوله: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣]: إنما يتّعظ من يرجع إلى الطاعة، وهذا لأن التذكّر التامّ يستلزم التأثّر بما تذكّره، فإن تذكّر محبوبًا طلبه، وإن تذكّر مرهوبًا هرب منه. ومنه قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، وقال سبحانه الله: ﴿اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١]، فنفى الإنذار عن غير هؤلاء مع قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة: ٦]، فأثبت لهم الإنذار من وجه، ونفاه عنهم من وجه، فالإنذار هو الإعلام بالمخوف، فالإنذار مثل التعليم، والتخويف، فمن علّمته فتعلّم، فقد تمّ تعليمه، وآخر يقول: علّمته فلم يتعلّم، وكذلك من خوّفته فخاف، فهذا هو الذي تمّ تخويفه، وأما من خُوّف فما خاف، فلم يتمّ تخويفه، وكذلك من هديته فاهتدى، تمّ هداه، ومنه قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، ومن هديته فلم يهتد، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصّلت: ١٧]، فلم يتمّ هداه، كما تقول: قطعته فانقطع، وقطعته، فما انقطع. فالمؤثّر التامّ يستلزم أثره، فمتى لم يحصل أثره لم يكن تامًّا، والفعل إذا صادف محلًّا قابلًا تمّ، وإلا لم يتمّ، والعلم بالمحبوب يورث طلبه، والعلم بالمكروه يورث تركه، ولهذا يُسمّى هذا العلم: الداعي، ويقال: الداعي مع القدرة، يستلزم وجود المقدور، وهو العلم بالمطلوب المستلزم لإرادة المعلوم المراد، وهذا كلّه إنما يحصل مع صحّة الفطرة، وسلامتها، وأما مع فسادها، فقد يُحسّ الإنسان باللذيذ، فلا يجد له لذّة، بل يؤلمه، وكذلك يلتذّ بالمؤلم لفساد فطرته، والفساد يتناول القوّة العلميّة، والقوّة العمليّة جميعًا، كالممرور الذي يجد العسل مُرًّا، فإنه فسد نفس إحساسه، حتى كان يُحسّ به على خلاف ما هو عليه للمرّة التي مازجته، وكذلك من فسد باطنه، قال تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩ - ١١٠]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾

стр. 44

الآية [الصفّ: ٥]، وقال ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٨٨]، و"الغلف" جمع أغلف، وهو ذو الغلاف الذي في غلاف، مثل الأقلف، كأنهم جَعلوا المانع خلقة: أي خُلقت القلوب وعليها أغطية، فقال الله تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٨٨]، ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦)﴾ [محمد: ١٦]. وكذلك قالوا: ﴿يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]، قال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]: أي لأفهمهم ما سمعوه، ثم قال: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]: أي ولو لأفهم مع هذه الحال التي هم عليها ﴿لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، فقد فسدت فطرتهم، فلم يفهموا، ولو فهموا لم يعملوا، فنفى عنهم صحّة القوّة العلميّة، وصحّة القوّة العمليّة. وقال: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]، وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة: ١٧١]، وقال عن المنافقين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٨]. ومن الناس من يقول: لَمّا لم ينتفعوا بالسمع والبصر، والنطق جعلوا صُمًّا بُكْمًا عُمْيًا، أو لما أعرضوا عن السمع والبصر والنطق، صاروا كالصمّ العمي البكم، وليس كذلك، بل نفس قلوبهم عميت، وصُمّت، وبكمت، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ [الحج: ٤٦]. والقلب هو الملك، والأعضاء جنوده، وإذا صلح صلح سائر الجسد، وإذا فسد فسد سائر الجسد، فيبقى يسمع بالأذن الصوت، كما تسمع البهائم، والمعنى: لا يفقه، وإن فقه بعض الفقه لم يفقه فقهًا تامًّا، فإن الفقه التامّ يستلزم تأثيره في القلب محبّة المحبوب، وبغض المكروه، فمتى لم يحصل هذا

стр. 45

لم يكن التصوّر حاصلًا، فجاز نفيه، لأن ما لم يتمّ ينفى، كقوله ﷺ للذي أساء في صلاته: "صلّ، فإنك لم تصلّ"، فنَفْيُ الإيمان حيث نُفي من هذا الباب. وقد جمع الله تعالى بين وصفهم بوجَل القلب إذا ذُكر الله، وبزيادة الإيمان إذا سمعوا آياته، قال الضحّاك: زادتهم يقينًا، وقال الربيع بن أنس: خشيةً، وعن ابن عبّاس تصديقًا. وهكذا قد ذكر الله هذين الأصلين في مواضع، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ [الحديد: ١٦]. والخشوع يتضمّن معنيين: [أحدهما]: التواضع والذلّ. [والثاني]: السكون والطمأنينة، وذلك مستلزم للين القلب المنافي للقسوة، فخشوع القلب يتضمّن عبوديّته لله، وطمأنينته أيضًا، ولهذا كان الخشوع في الصلاة يتضمّن هذا وهذا، التواضع والسكون. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ٢]: قال: مخبتون أذِلّاءُ. وعن الحسن وقتادة: خائفون. وعن مقاتل: متواضعون. وعن عليّ ﵁: الخشوع في القلب، وأن تُلِين للمرء للمسلم كنفك، ولا تلتفت يمينًا وشمالًا. وقال مجاهد: غضّ البصر، وخفض الجناح. وكان الرجال من العلماء إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن، أن يشدّ بصره، أو أن يُحدّث نفسه بشيء من أمر الدنيا. وعن عمرو بن دينار: ليس الخشوع الركوع والسجود، ولكنه السكون، وحبّ حسن الهيئة في الصلاة. وعن ابن سيرين وغيره: كان النبيّ ﷺ ، وأصحابه يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، وينظرون يمينًا وشمالًا حتى نزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، فجعلوا بعد ذلك أبصارهم حيث يسجدون، وما رؤي أحد منهم بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض. وعن عطاء: هو أن لا تعبث بشيء من جسدك، وأنت في الصلاة. وأبصر النبيّ ﷺ رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة،

стр. 46

فقال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" (١). وخشوع الجسد تبع لخشوع القلب، إذا لم يكن الرجل مرائيًا يُظهر ما ليس في قلبه، كما روي: "تعوّذوا من خشوع النفاق"، وهو أن يُرى الجسد خاشعًا، والقلب خاليًا لاهيًا، فهو سبحانه استبطأ المؤمنين بقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، فدعاهم إلى خشوع القلب لذكره، وما نزل من كتابه، ونهاهم أن يكونوا كالذين طال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، وهؤلاء هم الذين ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]. وكذلك في الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٣]، والذين يخشون ربّهم هم الذين إذا ذكر الله تعالى وجلت قلوبهم. [فإن قيل]: فخشوع القلب لذكر الله، وما نزل من الحقّ واجبٌ. [قيل]: نعم، لكن الناس فيه على قسمين: مقتصدٌ، وسابقٌ، فالسابقون يختصّون بالمستحبّات، والمقتصدون الأبرار هم عموم المؤمنين المستحقّين للجنة، ومن لم يكن من هؤلاء، ولا هؤلاء، فهو ظالم لنفسه، وفي الحديث الصحيح، عن النبيّ ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع". وقد ذمّ الله قسوة القلوب المنافية للخشوع في غير موضع، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ الآية [البقرة: ٧٤]. قال الزجّاج: قست في اللغة: غلُظت، ويبست، وعسيت، فقسوة القلب: ذهاب اللين والرحمة، والخشوع منه، والقاسي، والعاسي: الشديد الصلابة. وقال ابن قُتيبة: قست، وعست، وعتت: أي يبست، وقوّة القلب المحمودة غير قسوته المذمومة، فإنه ينبغي أن يكون قويًّا من غير عنف، وليِّنًا من غير ضعف. وفي الأثر: "القلوب آنية الله في أرضه، فأحبّها إلى الله أصلبها، وأرقّها،

стр. 47

وأصفاها"، وهذا كاليد، فإنها قويّة، ليّنة، بخلاف ما يقسو من العقب، فإنه يابس، لا لين فيه، وإن كان فيه قوّة، وهو سبحانه ذكر وَجَلَ القلب من ذكره، ثم ذكر زيادة الإيمان عند تلاوة كتابه علمًا وعملًا. ثم لا بدّ من التوكّل على الله تعالى فيما لا يقدر عليه، ومن طاعته فيما يقدر عليه، وأصل ذلك الصلاة، والزكاة، فمن قام بهذه الخمس، كما أُمر لزم أن يأتي بسائر الواجبات. بل الصلاة نفسها إذا فعلها كما أُمِرَ، فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما روي عن ابن مسعود، وابن عبّاس ﵃: "إن في الصلاة منتهًى ومُزدجرًا عن معاصي الله، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بُعدًا"، وقوله: "لم يزدد إلا بُعدًا" إذا كان ما ترك من الواجب منها أعظم مما فعله، أبعده ترك الواجب الأكثر من الله أكثر مما قرّبه فعل الواجب الأقلّ، وهذا كما في "الصحيح" عن النبيّ ﷺ أنه قال: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان، قام فنقر أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا". وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢]. وفي "السنن" عن عمّار ﵁ عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إن العبد لينصرف من صلاته، ولم يُكتب له منه إلا نصفها، إلا ثلثها"، حتى قال: "إلا عشرها"، وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، قال: "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها"، وهذا وإن لم يؤمر بإعادة الصلاة عند أكثر العلماء، لكن يؤمر بأن يأتي من التطوّعات بما يَجْبُرُ نقص فرضه، ومعلوم أن من حافظ على الصلوات بخشوعها الباطن، وأعمالها الظاهرة، وكان يخشى الله الخشية التي أمره بها، فإنه يأتي بالواجبات، ولا يأتي كبيرة، ومن أتى الكبائر، مثل الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر، وغير ذلك، فلا بدّ أن يذهب ما في قلبه من تلك الخشية والخشوع والنور، وإن بقي أصل التصديق في قلبه، وهذا من الإيمان الذي يُنزع منه عند فعل الكبيرة، كما قال النبيّ ﷺ : "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق، وهو مؤمن". فإن المتّقين كما وصفهم الله تعالى

стр. 48

بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١]، فإذا طاف بقلوبهم طائف من الشيطان تذكّروا، فيُبصرون. قال سعيد بن جُبير: هو الرجل يغضب الغضبة، فيذّكر الله، فيكظم الغيظ. وقال ليث، عن مجاهد: هو الرجل يهمّ بالذنب، فيذكر الله، فيدعه، والشهوة، والغضب مبدأ السيّئات، فإذا أبصر رجع، ثم قال: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ [الأعراف: ٢٠٢]: أي هاخوان الشياطين تُمدّهم الشياطين في الغيّ، ثم لا يقصرون. قال ابن عبّاس: لا الإنس تقصر عن السيّئات، ولا الشياطين تُمسك عنهم، فإذا لم يبصر بقي قلبه في غيّ، والشيطان يمدّه في غيّه، وإن كان التصديق في قلبه لم يكذب، فذلك النور والإبصار، وتلك الخشية والخوف، يخرج من قلبه، وهذا كما أن الإنسان يغمض عينيه، فلا يرى شيئًا، وإن لم يكن أعمى، فكذلك القلب بما يغشاه من رين الذنوب، لا يُبصر الحقّ، وإن لم يكن أعمى كعمى الكافر. وهكذا جاء في الآثار، قال أحمد بن حنبل في "كتاب الإيمان": حدّثنا يحيى، عن أشعث، عن الحسن، عن النبيّ ﷺ ، قال: "يُنزع منه الإيمان، فإن تاب أُعيد إليه". وقال: حدّثنا يحيى، عن عوف، قال: قال الحسن: "يُجانبه الإيمان ما دام كذلك، فإن راجع راجعه الإيمان". وقال أحمد: حدّثنا معاوية، عن أبي إسحاق، عن الأوزاعيّ، قال: وقد قلت للزهريّ حين ذكر هذا الحديث: "لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن"، فإنهم يقولون: فإن لم يكن مؤمنًا، فما هو؛ قال: فأنكر ذلك، وكره مسألتي عنه. وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنه قال لغلمانه: من أراد منكم الباءة زوّجناه، لا يزني منكم زان إلا نزع الله منه نور الإيمان، فإن شاء أن يردّه ردّه، وإن شاء أن يمنعه منعه". وقال أبو داود السجستانيّ: حدّثنا عبد الوهّاب بن نَجْدة، حدّثنا بقيّة بن الوليد، حدّثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن ربيعة الحضرمي، أنه أخبره، عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: "إنما الإيمان كثوب أحدكم، يلبسه مرّةً، ويقلعه أخرى"، وكذلك رواه بإسناده عن عمر ﵁. وروي عن الحسن، عن النبيّ ﷺ مرسلًا. وفي حديث أبي

стр. 49

هريرة ﵁ مرفوعًا إلى النبيّ ﷺ : "إذا زنى الزاني خرج منه الإيمان، فكان كالظلّة، فإذا انقطع رجع إليه الإيمان". انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى "مجموع الفتاوى" ٧/ ٥ - ٣٣. وهو تحقيق نفيس جدًّا، لا تجده في كتاب غيره، فاغتنمه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في إطلاق الإنسان قوله: أنا مؤمنٌ. قال النوويّ رحمه الله تعالى: اختلف العلماء من السلف وغيرهم، في إطلاق الإنسان قوله: أنا مؤمن، فقال طائفة: لا يقول: أنا مؤمن، مقتصرًا عليه، بل يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وحَكَى هذا المذهب بعض أصحابنا عن أكثر أصحابنا المتكلمين، وذهب آخرون إلى جواز الإطلاق، وأنه لا يقول: إن شاء الله، وهذا هو المختار، وقول أهل التحقيق، وذهب الأوزاعيّ، وغيره إلى جواز الأمرين، والكل صحيح باعتبارات مختلفة، فمن أطلق نظر إلى الحال، وأحكام الإيمان جارية عليه في الحال، ومن قال: إن شاء الله، فقالوا فيه: هو إما للتبرك، وإما لاعتبار العاقبة، وما قدر الله تعالى، فلا يدري أيثبت على الإيمان، أم يُصرَف عنه، والقول بالتخيير حسن صحيح، نظرًا إلى مأخذ القولين الأولين، ورفعًا لحقيقة الخلاف. وأما الكافر ففيه خلاف غريب لأصحابنا، منهم من قال: يقال: هو كافر، ولا يقول: إن شاء الله، ومنهم من قال: هو في التقييد كالمسلم على ما تقدم، فيقال على قول التقييد: هو كافر إن شاء الله نظرًا إلى الخاتمة، وأنها مجهولة، وهذا القول اختاره بعض المحققين، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ. وقال الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في "الكوكب الساطع": وَجَازَ أَنْ يَقُولَ إِنِّي مُؤْمِنُ … إِنْ شَاءَ رَبّي خَشْيَةً أَنْ يُفْتَنُ بَلْ هُوَ أَوْلَى عِنْدَ جُلِّ السَّلَفِ … وَأَنْكَرَ الْقَوْلَ بِهَذَا الْحَنَفِي يعني أن قوله: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى جائز … ؛ خشية أن يُفتن، لا شكًّا في الإيمان، وهذا مذهب جل السلف، فقد حُكي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وعائشة، والحسن، وابن سيرين، ومنصور، ومغيرة، والأعمش، وليث بن أبي سُليم، وعطاء بن السائب، وعمارة بن القعقاع،

стр. 50

والعلاء بن المسيّب، وإسماعيل بن أبي خالد، وعبد الله بن شُبْرُمة، والثوريّ، وابن عُيينة، وقال: إنه توكيد للإيمان، وحمزة الزيات، وعلقمة، وحماد بن زيد، والنضر بن شُميل، ويزيد بن زُريع، ويحيى بن سعيد القطّان، والنخعيّ، وطاوس، وأبي الْبَخْتَريّ سعيد بن فَيروز، ويزيد بن أبي زياد، وعلي بن خليفة، ومعمر، وجرير بن عبد الحميد، وابن المبارك، والأوزاعيّ، ومالك، وابن مهديّ، والشافعيّ، وأبي ثور، وآخرين، واختاره أبو منصور الماتريديّ، بل بلغ بقوم من السلف أن قالوا: إنه أولي، وعابوا على من قال: إني مؤمن. أخرج ذلك ابن أبي شيبة في "كتاب الإيمان". ومنع من ذلك أبو حنيفة، وطائفة، وقالوا: هو شكّ، والشكّ في الإيمان كفر. وأجيب عن ذلك بأوجه: [أحدها]: أنه لا يقال شكًّا، بل خوفًا من سوء الخاتمة؛ لأن الأعمال معتبرة بخواتمها، كما أن الصائم لا يحكم له بالصوم إلَّا في آخر النهار. [الثانية]: أنه للتبرّك، وإن لم يكن شكٌّ، كقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الفتح: ٢٧]. [الثالثة]: أن المشيئة راجعة إلى الإيمان، فقد يُخلُّ ببعضه، فيستثني لذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، راجع ما كتبته على "الكوكب الساطع" ص ٦٠١ - ٦٠٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى: الاستثناء في الإيمان سنّة عند أصحابنا، وأكثر أهل السنّة، وقالت المرجئة والمعتزلة: لا يجوز الاستثناء فيه، بل هو شكّ، والاستثناء أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو، أو آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، أو إن كنت تريد الإيمان الذي يَعصم دمي فنعم، وإن كنت تريد: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] فالله أعلم. ثم هنا ثلاثة أقوال: إما أن يقال: الاستثناء واجبٌ، فلا يجوز القطع، وهذا قول القاضي في "عيون المسائل" وغيره، وإما أن يقال: هو مستحب، ويجوز القطع باعتبار آخر. وإما أن يقال: كلاهما جائز … باعتبار. وإنما ذكر أن الاستثناء سنّة بمعنى أنه جائز … ، ردًّا على من نهى عنه. فإذا قلنا: هو واجب،

стр. 51

فمأخذ القاضي أنه لو جاز القطع على أنّا مؤمنون، لكان ذلك قطعًا على أنّا في الجنّة؛ لأن الله تعالى وعد المؤمنين الجَنَّة، ولا يجوز القطع على الوعد بالجنة؛ لأن من شرط ذلك الموافاة بالإيمان، ولا يعلم ذلك إلَّا الله، وكذلك الإيمان إنما يحصل بالموافاة، ولا يعلم ذلك، ولهذا قال ابن مسعود ﵁: هلَّا وكَل الأولى كما وكَل الآخرة، يريد بذلك ما استدل به من رأى رجلًا قال عنده: إني مؤمن، فقيل لابن مسعود ﵁: هذا يزعم أنه مؤمن، قال: فسلوه أفي الجنّة هو، أو في النار؟ فسألوه، فقال: الله أعلم، فقال عبد الله: فهلَّا وكلت الأولى كما وكلت الثانية. قال ابن تيمية: ويُستدلّ أيضًا على وجوب الاستثناء بقول عمر ﵁: من قال: إنه مؤمن، فهو كافر، ومن زعم أنه في الجَنَّة، فهو في النار، ومن زعم أنه عالم، فهو جاهل، ولما استدل المنازع بأن الاستثناء إنما يحتاج إليه لمستقبل يشكّ في وقوعه قال: الجواب: أن هنا مستقبلًا يُشكّ في وقوعه، وهو الموافاة بالإيمان، والإيمان مرتبط بعضه ببعض، فهو كالعبادة الواحدة. قال: فحقيقة هذا القول أن الإيمان اسم للعبادة من أول الدخول فيه إلى أن يموت عليه، فإذا انتقض تبيّن بطلان أولها، كالحدث في آخر الصلاة، والوطء في آخر الحجّ، والأكل في آخر النهار، وقول مؤمن عند الإطلاق يقتضي فعل الإيمان كله، كقول مصلّ، وصائم، وحاجّ، فهذا مأخذ القاضي، وقد ذكر بعد هذا في "المعتمد" مسألة الموافاة، وهي متّصلة بها، وهو أن المؤمن الذي علم الله أنه يموت كافرًا، وبالعكس، هل يتعلّق رضا الله، وسخطه، ومحبّته، وبغضه بما هو عليه، أو بما يوافي به، والمسألة متعلّقة بالرضا والسخط، هل هو قديم، أو محدث؟ [والمأخذ الثاني]: أن الاسم عند الإطلاق يقتضي الكمال، وهذا غير معلوم للمتكلّم، كما قال أبو العالية (١): أدركت ثلاثين من أصحاب محمد ﷺ

стр. 52

كلهم يخاف النفاق غلى نفسه، لا يقول: إن إيماني كإيمان جبريل، فإخبار الرجل عن نفسه أنه كامل الإيمان خبر بما لا يعلمه، وهذا معنى قول ابن المنزل: إن المرجئة تقول: إن حسناتها مقبولة، وأنا لا أشهد بذلك، وهذا مأخذ يصلح لوجوب الاستثناء، وهذا المأخذ الثاني للقاضي، فإن المنازع احتجّ بأنه لما لم يجز الاستثناء في الإسلام، فكذلك في الإيمان. قال: والجواب: أن الإسلام مجرّد الشهادتين، وقد أتى بهما، والإيمان أقوال، وأعمال؛ لقوله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون بابًا"، وهو لا يتحقّق كلّ ذلك منه. [والمأخذ الثالث]: أن ذلك تزكية للنفس، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [النجم: ٣٢]، وهذا يصح للاستحباب، وإلا فإخبار الرجل بصفته التي هو عليها جائز … ، وإن كان مدحًا، وقد يصلح للإيجاب. قال الأثرم في "السنة": حدثنا أحمد بن حنبل، سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما أدركت أحدًا من أصحابنا، ولا بلغني إلَّا على الاستثناء، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله، يسأل عن الاستثناء في الإيمان، ما تقول فيه؟ قال: أما أنا فلا أَعيبه (١) فاستثنى مخافة واحتياطًا، ليس كما يقولن على الشكّ، إنما يستثني للعمل، قال أبو عبد الله: قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية [الفتح: ٢٧]: أي إن هذا الاستثناء لغير شكّ، وقد قال النبيّ ﷺ : "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون": أي لم يكن يشكّ في هذا، وقد استثني، وذكر قول النبيّ ﷺ : "نبعث إن شاء الله" من القبر، وذكر قول النبيّ ﷺ : "إني والله لأرجو أن أكون أخشاكم لله"، قال: هذا كله تقوية للاستثناء في الإيمان. قلت لأبي عبد الله: فكأنك لا ترى بأسًا أن لا يُستثني، فقال: إذا كان ممن يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، فهو أسهل عندي، ثم قال أبو عبد الله: إن قومًا تضعف قلوبهم عن الاستثناء، فتعجّب منهم، وذكر كلامًا طويلًا تركته. فكلام أحمد يدلّ على أن الاستثناء لأجل العمل، وهذا المأخذ الثاني، وأنه لغير شكّ في الأصل، وهو يُشبه الثالث، ويقتضي أن يجوز ترك الاستثناء، وأما جواز إطلاق القول باني مؤمن، فيصحّ إذا عنَى أصل الإيمان، دون كماله، والدخول فيه،

стр. 53

دون تمامه، كما يقول: أنا حاجّ، وصائمٌ لمن شرع في ذلك، وكما يُطلقه في قوله: آمنت بالله ورسله، وفي قوله: إن كنت تعني كذا وكذا أن جواز إخباره بالفعل يقتضي جواز إخباره بالاسم مع القرينة، وعلى هذا يخرّج ما رُوي عن معاذ بن جبل ﵁، وما رُوي في حديث الحارث الذي قال: أنا مؤمنٌ حقًّا، وفي حديث الوفد الذين قالوا: "نحن المؤمنون"، وإن كان في الإسنادين نظر. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى"مجموع الفتاوى" ٧/ ٦٦٦ - ٦٦٩. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأرجح هو ما عليه جلّ السلف رحمهم الله تعالى من أنه يجوز أن يقول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى؛ خوفًا من العاقبة، وتبرّكًا بذكر المشيئة، لا شكًّا في أصل الإيمان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): [اعلم]: أن مذهب أهل الحق، أنه لا يُكَفَّر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا يكفر أهل الأهواء والبدع، وأن من جحد ما يُعلم من دين الإسلام ضرورة، حُكم بردته وكفره، إلَّا أن يكون قريب عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ونحوه ممن يخفى عليه، فيُعَرَّف ذلك، فإن استمر حُكم بكفره، وكذا حكم من استحل الزنا، أو الخمر، أو القتل، أو غير ذلك من المحرمات التي يُعلم تحريمها ضرورة، ذكره النووي في "شرحه" (١). وقال الحافظ السيوطيّ رحمه الله تعالى في "الكوكب الساطع": وَلَا نَرَى تَكْفِيرَ أهْلِ الْقِبْلَةِ … وَلَا الْخُرُوجَ أَيْ عَلَى الأَئِمَّةِ وقلت في "شرحي" عليه: أشار به إلى ما قاله الشافعيّ، وأبو حنيفة، والأشعريّ: لا نكفّر أحدًا من أهل القبلة بذنب أجرمه، وروى البيهقيّ بسند صحيح أن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما سُئل، هل كنتم تسمّون من الذنوب كفرًا، أو شركًا، أو نفاقًا؟ قال: معاذ الله، لكنّا نقول: مؤمنون مذنبون. وقال الإمام الذهبيّ رحمه الله تعالى في "سير أعلام النبلاء" ١٥/ ٨٨ -

стр. 54

في ترجمة أبي الحسن الأشعريّ رحمه الله تعالى ما نصّه: رأيت للأشعريّ كلمة أعجبتني، وهي ثابتةٌ، رواها البيهقيّ، سمعت أبا حازم العبدريّ، سمعت زاهر بن أحمد السرخسيّ يقول: لَمّا قرب أجل أبي الحسن الأشعريّ في داري ببغداد، دعاني، فأتيته، فقال: اشهَدْ عليّ أني لا أكفّر أحدًا من أهل القبلة؛ لأن الكلّ يُشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات. قال الذهبيّ: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيميّة في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفّر أحدًا من الأمة، قال النبيّ ﷺ : "لا يُحافظ على الوضوء إلَّا مؤمن" (١). فمن لازم الصلوات بوضوء، فهومسلم. انتهى كلام الذهبيّ رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله هؤلاء الأئمة من عدم تكفير أهل القبلة بالذنوب هو الحقّ، فينبغي التنبّه له، وعدم التسرّع إلى القول بتكفير أحد منهم إلَّا ببيّنة واضحة، لا يُقبل معها التأويل، هذا على الجملة، وأما من حيث التفصيل، فمن قامت بَيِّنَةٌ واضحة على أنه ارتكب ما يخرجه من الإسلام، فلا يُتَوَقَّفُ في تكفيره، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين، والله تعالى أعلم بالصواب. هذه جُمَلٌ من المسائل المتعلقة بالإيمان، قدمتها في صدر الكتاب، تمهيدًا لكونها مما يكثر الاحتياج إليها، ولكثرة تكرارها وتردادها في الأحاديث، فقدمتها في موضع واحد، ليسهل فهمها، ويقرب إدراكها، ويتيسّر الإحالة عليها، إذا مرّ في الأبواب الآتية ما يتعلّق بها. والله أعلم بالصواب، وله الحمد والنعمة، ومنه التوفيق والعصمة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].

стр. 55

(١) بَابُ بَيَانِ الإِيمَان، وَالإِسْلَام، وَالإِحْسَان، وَوُجُوبِ الإِيمَانِ بِإِثْبَاتِ قَدَرِ اللهِ ، وَبَيَانِ الدَّلِيلِ عَلَى التَّبَرِّي مِمَّنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْقَدَر، وَإِغْلَاظِ الْقَوْلِ فِي حَقِّهِ) وبسندنا المتّصل إلى المؤلّف رحمه الله تعالى المذكور أول الكتاب قال: [١٠١] (٨) (١) - (حَدَّثَنِي أَبُو خَيْثَمَةَ، زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ كهْمَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ. (ح) … وَحَدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، وَهَذَا حَدِيثُهُ، حَدَّثنا أَبِي، حَدَّثنا كَهْمَسٌ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيٌّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ، حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْن، فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَر، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي، أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِه، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِه، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَن، إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ، يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ، وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أَنُفٌ، قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ، مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بَالْقَدَر، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَاب، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْر، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَر، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْه، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْه، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَام، فَقَالَ

стр. 56

رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا"، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَان، قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِالله، وَمَلَائِكَتِه، وَكتُبِه، وَرُسُلِه، وَالْيَوْمِ الْآخِر، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ"، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَان، قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَة، قَالَ: "مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ"، قَالَ: "فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتهَا، قَالَ: "أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ، رِعَاءَ الشَّاء، يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ"، قَالَ: ثمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: "يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ " قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكُمْ"). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (أَبُو خَيْثَمَةَ (١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبت، أكثر عنه المصنّف [١٠] (ت ٢٣٤) وهو ابن (٧٤) سنة (خ م د س ق) ١/ ٣. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقة حافظ، رجّح ابن معين أخاه المثنّى عليه [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) ٤/ ٦. ٣ - (أبوه) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسَّان العنبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقة، متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) ٣/ ٦. ٤ - (وَكِيعٌ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرُّؤَاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقة حافظ، عابدٌ، من كبار ٩١، (ت ١٩٦) (ع) ١/ ١. ٥ - (كَهْمَسٌ) - بفتح الكاف، وإسكان الهاء، وفتح الميم، وبالسين المهملة - وهو كهمس بن الحسن، أبو الحسن التميميّ البصريّ، ثقة [٥]. رَوَى عن أبي الطفيل، وعبد الله بن بُريدة، وعبد الله بن شقيق، وأبي السَّلِيل، ضُرَيب بن نُقَير، ويزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، وسَيّار بن منظور، وأبي نَضْرة العبديّ، وغيرهم.

стр. 57

وروى عنه ابنه عَوْن، والقطان، وابن المبارك، ووكيع، ومعتمر بن سليمان، وسفيان بن حبيب، ويوسف بن يعقوب السَّدُوسيّ، ومعاذ بن معاذ، وغيرهم. قال أبو طالب عن أحمد: ثقة وزيادة، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين، وأبو داود (١): ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن سعد: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة. وقال الساجيّ: صدوقٌ يَهِمُ، ونَقَلَ أن ابن معين ضَعَّفه، وتبِعه الأزديّ في نقل ذلك. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة تسع وأربعين ومائة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط، برقم (٩) و (٨٦٠) و (١٠٦٩) و (١١٧٣) و (١٢٠٩) و (١٣٨٤) و (١٩٥٤) و (٣٣٨٥) و (٣٦١٢). ٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصَيب الأسلميُّ أبو سهل المروزيّ، قاضي مَرْوَ، أخو سليمان، وكانا توأمين، ثقة [٣]. روى عن أبيه، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وابن مسعود، وعبد الله بن مُغَفَّل، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة، وعائشة، ويحيى بن يعمر وجماعة. وروى عنه بشير بن المهاجر، وسهل بن بشير، وحسين بن واقد المروزيّ، وداود بن أبي الفُرَات، وسعيد الْجُرَيريّ، وكهمس بن الحسن، ومالك بن مغول، وغيرهم. قال الأثرم عن أحمد: أما سليمان فليس في نفسي منه شيء، وأما عبد الله ثم سكت، ثم قال: كان وكيع يقول: كانوا لسليمان أَحْمَدَ منهم لعبد الله، وقال في رواية أخرى عن وكيع: كان سليمان أصحهما حديثًا. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: عبد الله بن بُريدة الذي رَوَى عنه حسين بن واقد ما أنكرهما! وأبو المنيب أيضًا. وقال ابن معين، والعجليّ، وأبو حاتم: ثقة. وقال أبو تُمَيلة، عن رُمَيح الطائي، عن عبد الله بن بريدة: وُلدتُ لثلاث خَلَوْن من

стр. 58

خلافة عمر ﵁. وقال أحمد بن سَيّار المروزي: مات بقرية من قرى مَرْوَ، وكان بينه وبين موت أخيه سليمان عشر سنين، وتُوُفِّي عبدُ الله في ولاية أسد بن عبد الله على القضاء. وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": قال أبو زرعة: لم يَسمع من عُمَر. وقال الدارقطنيّ في "كتاب النِّكَاح" من "السنن": لم يسمع من عائشة. وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، كوفيّ، نزل البصرة. وقال أبو القاسم البغويّ: حدثني محمد بن علي الْجُوزجانيّ قال: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل -: سمع عبد الله من أبيه شيئًا؟ قال: ما أدري، عامة ما يُرْوَى عن بُريدة عنه، وضعَّف حديثه. وقال إبراهيم العربي: عبد الله أَتَمُّ من سليمان، ولم يسمعا من أبيهما، وفيما رَوَى عبد الله عن أبيه أحاديث منكرة، وسليمان أصحُّ حديثًا، ويُتَعَجَّب من الحاكم مع هذا القول في ابن بريدة، كيف يزعُم أن سند حديثه من رواية حسين بن واقد عنه، عن أبيه، أصح الأسانيد لأهل مَرْوَ. وقال ابن حبان: وُلد عبد الله سنة (١٥)، وهو وأخوه سليمان تَوْأَم، ومات سليمان، وهو على القضاء بمرو سنة (١٠٠)، ووَلي أخوه بعده القضاء إلى أن مات سنة خمس وعشرة ومائة، فعلى هذا يكون عُمْرُ عبد الله مائة سنة، وقد قيل: إنهما ماتا في يوم واحد، وليس بشيء. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٨) حديثًا. ٧ - (يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) - بفتح التحتانيّة، والميم، بينهما مهملة ساكنة - أبو سليمان، ويقال: أبو سعيد، ويقال: أبو عَديّ الْقَيْسِيُّ الْجَدَليّ البصريّ، ثم المروزيّ قاضيها، ثقة، فصيحٌ، يرسل [٣]. رَوَى عن عثمان، وعلي، وعمار، وأبي ذر، وأبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، وأبي سعيد، وعائشة، وسليمان بن صُرَد، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وأبي الأسود الديليّ، وجماعة. وروى عنه يحيى بن عَقِيل، وسليمان التيمي، وعبد الله بن بُريدة، وقتادة، وعكرمة، وعطاء الخرساني، والرُّكَين بن الرَّبِيع، وعُمر بن عطاء بن أبي الْخُوَار، وعبد الله بن كليب السدوسيّ، والأزرق بن قيس، وإسحاق بن سُويد، وغيرهم.

стр. 59

قال أبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة. وقال الآجري: قلت لأبي داود: سمع من عائشة؟ قال: لا. وقال الحسين بن الوليد، عن هارون بن موسى: أَوَّلُ من نَقَّطَ المصاحف يحيى بن يعمر. وقال قيس بن الربيع، عن عبد الملك بن عُمير: فصحاء الناس ثلاثة: موسى بن طلحة، ويحيى بن يعمر، وقبيصة بن جابر. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان من فصحاء أهل زمانه، وأكثرهم علمًا باللغة، مع الورع الشديد، وكان على قضاء مرو، ولّاه قتيبة بن مسلم. وقال الدارقطني: لم يَلْقَ عَمّارًا، إلَّا أنه صحيح الحديث عمن لقيه. وقال أبو داود: بينه وبين عمار رجل. وقال ابن سعد: كان نحويًّا، صاحب علم بالعربية والقرآن، وَليَ القضاء بمرو، وكان يقضي باليمين والشاهد، وكان ثقة. وقال الحاكم أبو عبد الله في "تاريخ نيسابور": يحيى بن يعمر فقيهٌ أديبٌ نحويٌّ مُبَرِّزٌ، تابعيٌّ، وأكثر روايته عن التابعين، وأخذ النحو عن أبي الأسود الدِّيليّ، نفاه الحجاج إلى مرو، فقبله قُتيبة بن مسلم، وقد قضى في أكبر مُدُن خراسان، وكان إذا انتقل من بلد استَخْلَف على القضاء بها. وقال أبو الحسن علي بن الأثير الجزريّ في "الكامل": مات سنة تسع وعشرين ومائة، كذا قال، وفيه نظر، وقال غيره: مات في حدود العشرين، وقال أبو الفرج بن الجوزي: مات سنة تسع وثمانين، وقيل: إن قتيبة عزله لَمّا بلغه أنه يشرب الْمُنَصَّف. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (٩) و (٩٣) و (١٣٨) و (٨٥٩) و (١١٨١) و (١٦٧٤) و (٤٧٩٠) و (٤٨٩٤). ٨ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب بن نُفَيل بن عبد الْعُزّى بن رِيَاح بن قُرْط بن رَزَاح بن عديّ بن كعب بن لُؤيّ بن غالب القرشيّ الْعَدَويّ، أبو عبد الرَّحمن المكيّ، ثم المدنيّ الإمام القدوة، شيخ الإسلام، أسلم قديمًا، وهو صغير، وهاجر مع أبيه، واستُصغِر في أُحُد، ثم شَهِد الخندق، وبيعة الرضوان والمشاهد بعدها. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن أبيه، وعمه زيد، وأخته حفصة، وأبي بكر، وعثمان، وعلي، وسعيد، وبلال، وزيد بن ثابت، وصُهَيب، وابن مسعود، وعائشة، ورافع بن خَدِيج ﵃، وغيرهم.

стр. 60

ورَوَى عنه أولاده: بلال، وحمزة، وزيد، وسالم، وعبد الله، وعبيد الله، وعمر، وابن ابنه أبو بكر بن عبيد الله، وابن ابنه الآخر محمد بن زيد، وابن ابنه الآخر عبد الله بن واقد، وابن أخيه حفص بن عاصم بن عمر، وابن أخيه الآخر عبد الله بن عبيد الله بن عمر، ومولاه نافع، وأسلم، مولى عمر، وزيد، وخالد ابنا أسلم، وعروة بن الزبير، وموسى بن طلحة، وأبو سلمة بن عبد الرَّحمن، وعامر بن سعد، وحميد بن عبد الرَّحمن بن عوف، وسعيد بن المسيب، وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، ومصعب بن سعد، وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وأنس بن سيرين، وبُسْر بن سعيد، وبكر بن عبد الله المزني، وثابت البناني، وجَبَلَة بن سُحَيم، وحرملة مولى أسامة بن زيد، والحكم بن ميناء، وحكيم بن أبي حُرّة، وحميد بن عبد الرَّحمن الْحِمَيريّ، وأبو صالح السمان، وزاذان أبو عمر، وخلق كثير. قالت حفصة ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن عبد الله رجلٌ صالحٌ". وقال ابن مسعود: إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا لَعَبدَ الله بن عمر. وقال جابر: ما منا أحد أدرك الدنيا إلَّا مالت به، ومال بها إلَّا ابن عمر. وقال ابن المسيب: مات يوم مات، وما في الأرض أحبّ إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منه، وقال الزهريّ: لا نَعْدِل برأيه أحدًا. وقال مالك: أفتى الناس ستين سنة. وقال ابن يونس: شَهِدَ فتح مصر. وقال أبو نعيم الحافظ: أُعطي ابن عمر القوة في الجهاد، والعبادة، والْبِضَاع، والمعرفة بالآخرة، والإيثار لها، وكان من التمسك بآثار النبي ﷺ بالسبيل المتين، وما مات حتى أَعْتَق ألف إنسان أو أزيد، وتُوُفّي بعد الحج. وعن عبد الله بن دينار قال: خرجت مع ابن عمر إلى مكة، فعرّسنا، فانحدر علينا راعٍ من جبل، فقال له ابن عمر: أراع؟ قال: نعم، قال: بعني شاةً من الغنم، قال: إني مملوك، قال: قل لسيّدك: أكلها الذئب، قال: فأين الله ؟ قال ابن عمر: فأين الله؟ ثم بكي، ثم اشتراه بعدُ، فأعتقه، وفي رواية: فأعتقه، واشترى له الغنم. وعن عاصم بن محمد عن أبيه قال: أعطى عبد الله بن جعفر بن عمر بنافع عشرة آلاف، فدخل على صفيّة امرأته فحدّثها، قالت: فما تنتظر؟ قال: فهلّا ما هو

стр. 61

خير من ذلك، هو حرّ لوجه الله، فكان يُخيَّل إليَّ أنه كان ينوي قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]. وعن عمر بن محمد بن زيد، عن أبيه أن ابن عمر كاتب غُلامًا له بأربعين ألفًا، فخرج إلى الكوفة، فكان يعمل على حمر له، حتى أبي خمسة عشر ألفًا، فجاءه إنسان، فقال: أمجنون أنت؟ أنت هاهنا تُعذّب نفسك، وابت عمر يشتري الرقيق يمينًا وشمالًا، ثم يُعتقهم، ارجع إليه، فقل: عجزتُ، فجاء إليه بصحيفة، فقال: يا أبا عبد الرَّحمن قد عجزتُ وهذه صحيفتي، فامحها، فقال: لا، ولكن امحها أنت إن شئت، فمحاها، ففاضت عينا عبد الله، وقال: اذهب فأنت حرّ، قال: أصلحك الله أحسن إلى ابنيّ، قال: هما حرّان، قال: أصلحك الله أحسن إلى أُمَّي ولَدَيَّ، قال: هما حرّتان (١). وعن نافع قال: لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتَّبع رسول الله ﷺ لقلت: هذا مجنون. وعن مالك عمن حدَّثه أن ابن عمر كان لتبع أمر رسول الله ﷺ وآثاره وحاله، ويهتمَّ به حتى كان قد خيف على عقله من اهتمامه بذلك. وعن عبد الله بن عمر، عن نافع أن ابن عمر كان يتبع آثار رسول الله ﷺ كلّ مكان صلى فيه، حتى إن النبيّ ﷺ نزل تحت شجرة، فإن ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة، فيصبّ، في أصلها الماء لكيلا تيبس (٢). وعن نافع قال: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان، أو زاد (٣). وعن مجاهد قال: قال ابن عمر: لقد أعطيت من الجماع شيئًا ما أعلم أحدًا أعطيه إلَّا أن يكون وسول الله ﷺ . وعن سالم عن ابن عمر قال: إني لأظن قُسم لي منه ما لم يُقسم لأحد إلَّا للنبيّ ﷺ ، وقيل: كان ابن عمر يُفطر أول شيء على الوطء. ورُوِي عن ابن المسيب أنه شَهِدَ بدرًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا خطأ وغلطٌ؛ لأنه ثبت في "صحيح البخاري"، أنه قال: عُرِضت على رسول الله ﷺ يوم أُحد، وأنا ابن

стр. 62

أربع عشرة سنة، فلم يُجِزني، وعُرضتُ يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنةً، فأجازني. وقال ابن منده: شَهِدها، وشَهِد أحدًا من غير إجازة. وذَكَر الزبير أن عبد الملك لَمّا أرسل إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر شَقّ عليه ذلك، فأَمَر رجلًا معه حَرْبةٌ، يقال: إنها كانت مسمومةً، فلما دفع الناسُ من عرفة لَصِقَ ذلك الرجل به، فأمَرّ الحربة على قدمه، فمَرِضَ منها أيامًا، ثم مات ﵁. وقال الزبير: هاجر وهو ابن عشر سنين، ومات سنة ثلاث وسبعين، وكذا أرّخه غير واحد. وقال ابن سعد: مات سنة (٧٤)، قال ابن زَبْر: وهو أثبت. وقال رجاء بن حَيْوة: أتانا نَعْيُ ابن عمر، ونحن في مجلس ابن مُحَيريز، فقال ابن محيريز: والله إن كنت أَعُدُّ بقاء ابن عمر أمانًا لأهل الأرض. ومناقبه وفضائله كثيرةٌ جدًّا. أخرج له الجماعة، وله في "مسند بَقِيّ بن مَخْلَد" من الأحاديث (٢٦٣٠) حديثًا بالمكرّر، اتفق الشيخان على (١٦٨) حديثًا، وانفرد البخاريّ بـ (٨١) ومسلم بـ (٣١) حديثًا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ذكر الحافظ الذهبيّ في "سير أعلام النبلاء" ٣/ ٢٣٨، وهذا مخالف لما ثبت في برنامج الحديث، فقد أثبت للبخاريّ (٧٩) حديثًا، وللمصنّف (٥٦٦) حديثًا، فبينهما بون عظيم، والذي يظهر أن ما في البرنامج أقرب إلى الصواب، فليُحرّر، والله أعلم. ٩ - (عمر بن الخطاب) بن نُفَيْلٍ القرشيّ العدويّ، ثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشّرين بالجنة، استُشْهِد ﵁ في ذي الحجة سنة (٢٣ هـ) (ع) تقدّمت ترجمته في "المقدّمة" ٢/ ٩. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رحمه الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة، غير شيخه زُهير، في أخرج به الترمذيّ، وعبيدِ الله بنِ معاذ، في أخرج له الترمذيّ، وابن ماجة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المراوزة.

стр. 63

٤ - (ومنها): أن فيه التحديث، والعنعنة، وكلاهما من صيغ الاتّصال، على الراجح في "عن" من غير المدلّس بالشرط الذي سبق بيانه في شرح المقدّمة، وهو أن يكون الْمُعَنْعِنُ لقي المعنعن عنه، وسمع منه على القول الذي رجحته هناك، أو عاصره مع إمكان اللقيّ على ما هو مذهب المصنّف، وقد استوفيت تحقيق ذلك في محلّه، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين يروي بعضهم عن بعض: كهمس، عن عبد الله بن بُريدة، عن يحيى بن يعمر. ٦ - (ومنها): أن جملةَ من اسمه كَهْمَس في الكتب الستّة اثنان فقط، هذا عند الجماعة، وكهمس بن المنهال السدوسيّ البصريّ اللؤلؤيّ صدوقٌ رُمي بالقدر من الطبقة التاسعة، عند البخاريّ فقط. ٧ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيٍّ، والابن عن أبيه: عبد بن عمر عن أبيه له. ٨ - (ومنها): أن كهمسًا، وابن بُريدة، ويحيى بن يعمر هذا أول محلّ ذكرهم من هذا الكتاب، وجملة ما رواه المصنّف لكهمس تسعة أحاديث فقط، ولابن بُريدة (١٨) حديثًا، وليحيى ثمانية أحاديث فقط، وقد ذكرتها آنفًا. ٩ - (ومنها): أن الإمام مسلمًا ﵀ سلك في هذا الكتاب طريقةً في الإتقان، والاحتياط، والتدقيق، والتحقيق، مع الاختصار البليغ، والإيجاز التامّ، في نهايةٍ من الحسن، مُصَرِّحةٍ بغزارة علومه، ودقة نظره وحذقه، وذلك يظهر في الإسناد تارةً، وفي المتن تارةً، وفيهما تارةً، فينبغي للناظر في كتابه أن ينتبه لهذا، فإنه يجد عجائب من النفائس والدقائق، تَقَرُّ بآحاد أفرادها عينه، وينشرح لها صدره، وتُنَشِّطه للاشتغال بهذا العلم. قال النوويّ ﵀ بعد ذكره ما سبق: ولا يُعْرَف أحدٌ شارك مسلمًا في هذه النفائس التي يشير إليها، من دقائق علم الإسناد، وكتاب البخاريّ وإن كان أصحّ وأجلّ، وأكثر فوائدَ في الإحكام والمعاني، فكتاب مسلم يَمتاز بزوائدَ من صَنْعَة الإسناد، وسترى مما أنبه عليه من ذلك ما يَنشرح له صدرك، ويزداد به

стр. 64

الكتاب، ومصنِّفُهُ في قلبك جلالةً - إن شاء الله تعالى -، انتهى (١). قال: فإذا تقرر ما قلته، ففي هذه الأحرف التي ذكرها من الإسناد أنواع مما ذكرته. فمن ذلك أنه قال أوّلًا: "حدثني أبو خيثمة"، ثم قال في الطريق الآخر: "وحدثنا عبيد الله بن معاذ"، ففرّق بين "حدثني"، و"حدثنا"، وهذا تنبيه على القاعدة المعروفة عند أهل الصَّنْعَة، وهي أنه يقول فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ: "حدثني"، وفيما سمعه مع كيره من لفظ الشيخ: "حدثنا"، وفيما قرأه وحده على الشيخ: "أخبرني"، وفيما قرئ بحضرته في جماعة على الشيخ: "أخبرنا"، وهذا اصطلاح معروف عندهم، وهو مستحب عندهم، ولو تركه، وأبدل حرفًا من ذلك بآخر صَحّ السماع، ولكن ترك الأَولى. والله أعلم. وإلى هذا أشار السيوطيّ ﵀ في "ألفيّة المصطلح" بقوله: وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ "حَدَّثَنِي" … وَقَارِئٍ بِنَفْسِهِ "أَخْبَرَنِي" وَإِنْ يُحَدِّثْ جُمْلَةً "حَدَّثَنَا" … وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا "أَخْبَرَنَا" وَحَيْثُ شكَّ فِي سَمَاعٍ أَوْ عَدَدْ … أَوْ مَا يَقُولُ الشَّيْخُ وَحِّدْ فِي الأَسَدْ ١٠ - (ومنها): قوله: في الطريق الأول: "حدثنا وكيع، عن كهمس، عن عبد الله بن بُريدة، عن يحيى بن يعمر"، ثم في الطريق الثاني أعاد الرواية "عن كهمس، عن ابن بريدة، عن يحيى"، فقد يقال: هذا تطويل لا يليق بإتقان مسلم، واختصاره، فكان ينبغي له أن يَقِفَ بالطريق الأول على وكيع، ويجتمعُ معاذ ووكيعٌ في الرواية عن كهمس، عن ابن بريدة. قال النوويّ ﵀: وهذا الاعتراض فاسد، لا يَصْدُر إلَّا من شديد الجهالة بهذا الفن، فإن مسلمًا ﵀ يسلك الاختصار، لكن بحيث لا يَحصُل فيه خلل، ولا يفوت به مقصود، وهذا الموضع يحصل في الاختصار فيه خلل، ويفوت به مقصود. وذلك لأن وكيعًا قال: "عن كهمس"، ومعاذًا قال: "حدثنا كهمس"، وقد عُلِم بما قدمناه في "باب المعنعن" أن العلماء اختلفوا في الاحتجاج بالمعنعن،

стр. 65

ولم يختلفوا في المتصل بـ "حدثنا"، فأتى مسلم ﵀ بالروايتين كما سُمِعَتَا؛ لِيُعْرَف المتفق عليه من المختلف فيه، وليكون راويًا باللفظ الذي سمعه، ولهذا نظائر في مسلم ستراها مع التنبيه عليها - إن شاء الله تعالى - وإن كان هذا ظاهرًا لمن له أدنى اعتناء بهذا الفن، إلَّا أني أُنَبِّه عليه لغيرهم، ولبعضهم ممن قد يَغْفُلُ، وكلهم من جهة أخرى، وهو أن يُسقِطُ عنهم النظرَ، وتحريرَ العبارة عن المقصود. وهنا أيضًا مقصود آخر، وهو أن في رواية وكيع قال: "عن عبد الله بن بريدة"، وفي رواية معاذ قال: "عن ابن بريدة"، فلو أتى بأحد اللفظين حَصَل خللٌ، فإنه إن قال: "ابن بريدة" لم نَدْرِ ما اسمه؟ وهل هو عبد الله هذا أو أخوه سليمان بن بريدة"؟ وإن قال: "عبد الله بن بريدة" كان كاذبًا على معاذ، فإنه ليس في روايته "عبد الله"، والله أعلم. وأما قوله في الرواية الأولى: "عن يحيى بن يعمر" فلا يظهر لذكره أوّلًا فائدة، وعادة مسلم وغيره في مثل هذا أن لا يذكروا "يحيى بن يعمر"؛ لأن الطريقين اجتمعتا في "ابن بريدة"، ولفظهما عنه بصيغة واحدة. قال النووي: إلَّا أني رأيت في بعض النسخ في الطريق الأولى: "عن يحيى"، فحسبُ، وليس فيها "ابن يعمر"، فإن صحّ هذا فهو مزيل للإنكار الذي ذكرناه، فإنه يكون فيه فائدةٌ، كما قرّرناه في "ابن بريدة". انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. ١١ - (ومنها): قوله: "حدثنا عبيدُ الله بن معاذ، وهذا حديثه"، فهذه عادة لمسلم ﵀، قد أكثر منها، وقد استعملها غيره قليلًا، وهي مُصَرِّحةٌ بما سبق من بيان شدَّة تحرِّي مسلم ﵀، وورعه، واحتياطه، ومقصودُهُ أن الراويين اتفقا في المعنى، واختلفا في بعض الألفاظ، وهذا الذي أورده هنا هو لفظ عبيد الله عن أبيه، وأما أبو خيثمة عن وكيع، فقد رواه بمعناه. والله تعالى أعلم. ١٢ - (ومنها): كتابة: (ح) بعد يحيى بن يعمر في الرواية الأولي، فهي حاء التحويل، من إسناد إلى إسناد آخر، فيقرؤها القارئ إذا انتهى إليها كما كُتبت، فيقول: " (ح) قال: وحدثنا عبيد الله بن معاذ .. " إلخ، وهذا هو

стр. 66

المختار كما أسلفنا بحثه في مقدّمة شرح "المقدّمة"، وإلى هذا أشار السيوطيّ ﵀ في "ألفيّة الحديث" حديث قال: وَكَتَبُوا (ح) عِنْدَ تَكْرِيرِ سَنَدْ … فَقِيلَ مَنْ "صَحَّ" وَقِيلَ ذَا انْفَرَدْ مِنَ الْحَدِيثِ أَوْ لِتَحْوِيلٍ وَرَدْ … أَوْ حَائِلٍ وَقَوْلُهَا لَفْظًا أَسَدّ [تنبيه]: نختم به اللطائف الإسناديّة؛ اعتذارًا عن التطويل في بيان هذه الفوائد الإسناديّة، وكذا ما سيأتي في فوائد الحديث، ومذاهب العلماء، ونحو ذلك، مما ستراه مطوّلًا - إن شاء الله تعالى - بما ختم به الإمام النوويّ ﵀ بعد ذكره الفوائد الإسناديّة هنا، قال رحمه الله تعالى: ما نصّه: فهذا ما حضرني في الحال في التنبيه على دقائق هذا الإسناد، وهو تنبيه على ما سواه، وأرجو أن يُتَفَطَّن به لما عداه، ولا ينبغي للناظر في هذا الشرح أن يَسْأَم من شيء من ذلك، يجده مبسوطًا واضحًا، فإني إنما أقصد بذلك - إن شاء الله الكريم - الإيضاح، والتيسير، والنصيحة لمطالعه، وإعانته، وإغنائه من مراجعة غيره في بيانه، وهذا مقصود الشروح، فمن استطال شيئًا من هذا، وشبهه فهو بعيد من الإتقان، مباعد للفلاح في هذا الشأن، فَلْيُعَزِّ نفسَهُ؛ لسوء حاله، وليرجع عما ارتكبه من قبيح فِعاله، ولا ينبغي لطالب التحقيق، والتنقيح، والإتقان، والتدقيق، أن يلتفت إلى كراهة، أو سآمة ذوي البطالة، وأصحاب الغباوة والمهانة والملالة، بل يَفْرَح بما يَجده من العلم مبسوطًا، وما يصادفه من القواعد والمشكلات واضحًا مضبوطًا، ويحمد الله الكريم على تيسيره، ويدعو لجامعه الساعي في تنقيحه هايضاحه وتقريره، وفّقنا الله الكريم لمعالي الأمور، وجَنَّبَنَا بفضله جميع أنواع الشرور، وجمع بيننا وبين أحبابنا في دار الْحُبُور والسرور. والله تعالى أعلم. انتهى كلامه رحمه الله تعالى (١). فيا أيها الأخ الحبيب، والطالب اللبيب عليك أن تجعل نصيحة هذا الإمام المحقّق نُصب عينيك، كلما استشعرت بشيء من التكرار والتطويل في هذا الشرح؛ لتظفر بكنوز المعلوم الحديثيّة، من الفوائد الإسناديّة،

стр. 67

والمتنيّة، وغيرها، فإن ذلك هو المقصود الأعظم من قراءة كتب الحديث، زادني الله تعالى وإياك الحرص على التحقيق، والغوص في علم الحديث، فإنه البحر الْخِضَمّ العميق، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم، والله تعالى أعلم بالصواب. [تنبيهٌ آخر]: حديث عمر ﵁ هذا لم يخرجه البخاريّ في "صحيحه"، فذكر في "الفتح" سبب ذلك، فقال: إنما لم يخرجه؛ للاختلاف فيه على بعض رواته، فمشهوره رواية كهمس بن الحسن، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه عمر بن الخطاب، رواه عن كهمس جماعة من الحفاظ، وتابعه مطر الوراق، عن عبد الله بن بريدة، وتابعه سليمان التيمي، عن يحيى بن يعمو، وكذا رواه عثمان بن غياث، عن عبد الله بن بريدة، لكنه قال: عن يحيى بن يعمر، وحميد بن عبد الرَّحمن معًا، عن ابن عمر، عن عمر، زاد فيه حميدًا وحميدٌ له في الرواية المشهورة ذكرٌ، لا رواية، وأخرج مسلم هذه الطرق، ولم يسق منها إلَّا متن الطريق الأولى، وأحال الباقي عليها، وبينها اختلاف كثير، سنشير إلى بعضه، فأما رواية مطر، فأخرجها أبو عوانة في "صحيحه" وغيره، وأما رواية سليمان التيمي، فأخرجها ابن خزيمة في "صحيحه" وغيره، وأما رواية عثمان بن غياث، فأخرجها أحمد في "مسنده"، وقد خالفهم سليمان بن بريدة، أخو عبد الله، فرواه عن يحيى بن يعمر، عن عبد الله بن عمر، قال: بينما نحن عند النبي ﷺ ، فجعله من مسند ابن عمر، لا من روايته عن أبيه، أخرجه أحمد أيضًا، وكذا رواه أبو نعيم في "الحلية" من طريق عطاء الخراساني، عن يحيى بن يعمر، وكذا رُوِي من طريق عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمر، أخرجه الطبراني. وفي الباب: عن أنس، أخرجه البزار، والبخاري في "خلق أفعال العباد"، وإسناده حسن، وعن جرير البجلي، أخرجه أبو عوانة في "صحيحه"، وفي إسناده خالد بن يزيد، وهو العمري، ولا يصلح للصحيح، وعن ابن عباس، وأبي عامر الأشعري، أخرجهما أحمد، وإسنادهما حسن، وفي كلّ من هذه الطرق فوائد، سنذكرها - إن شاء الله تعالى - في أثناء الكلام على حديث الباب - يعني حديث أبي هريرة ﵁ الآتي - قال: وإنما جمعت طرقها هنا،

стр. 68

وعزوتها إلى مخرِّجيها؛ لتسهيل الحوالة عليها، فرارًا من التكرار، المباين لطريق الاختصار" .. انتهى كلام صاحب "الفتح" (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وأنا - بعون الله تعالى - سألخّص ما ذكره صاحب "الفتح" وغيره من اختلاف هذه الطُرق، وما احتوت عليه من الفوائد في شرح هذا الحديث - إن شاء الله تعالى - والله تعالى وليُّ التوفيق، ومنه العون والعصمة، وعليه التكلان. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ) هو: عبد الله المذكور في السند الماضي (عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ) - بفتح الميم، ويقال: بضمها، وهو غير مصروف؛ لوزن الفعل، أنه (قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ) وفي بعض النسخ: "بالقدر" بالموحدة، والمراد أَوَّلُ من قال بنفي القدر، فابتدع، وخالف الصواب الذي عليه أهل الحق، و"القدر" - بفتح الدال، وإسكانها لغتان مشهورتان، وحكاهما ابن قتيبة عن الكسائي، وقالهما غيره (٢). يقال: قَدَرْتُ الشيءَ مخفّفَ الدال، أَقْدِره، وأَقْدُرُه، من بابيّ ضرب، ونصر، قَدْرًا بسكون الدال، وقَدَرًا بفتحتين: إذا أحطتَ بمقداره، ويقال فيه: قدّرت أُقدّر تقديرًا مشدّد الدال للمبالغة، فإذا قلنا: إن الله تعالى قدر الأشياء، فمعناه أنه تعالى عَلِمَ مقاديرها، وأحوالها، وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجد على نحو ما سبق في علمه فلا مُحْدَثَ في العالم العلويّ والسفليّ إلَّا وهو صادر عن علمه تعالى، وقدرته، وإرادته. هذا هو المعلوم من دين السلف الماضين، والذي دلّت عليه البراهين، وقد حكى أرباب المقالات عن طوائف من القدريّة إنكار كون الباري عالمًا بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد كونها، قالوا: لأنه لا فائدة لعلمه بها قبل إيجادها، وهو عبثٌ، وهو على الله تعالى محال، وهذا هو الذي

стр. 69

أنكرهُ عليهم ابن عمر ﵄ وتبرّأ منهم، وسيأتي تمام البحث فيه في "المسألة الخامسة" - إن شاء الله تعالى -. (بِالْبَصْرَةِ) - بفتح الباء الموحّدة، وضمها، وكسرها ثلاث لغات، حكاها الأزهري، والمشهور الفتح، ويقال لها: الْبُصَيرة بالتصغير، قال صاحب "المطالع": ويقال لها: تَدْمُر، ويقال لها: المؤتفكة؛ لأنَّها ائْتُفِكَت بأهلها في أَوّل الدهر، والنسب إليها بَصْريّ - بفتح الباء، وكسرها، وجهان مشهوران، قال السمعانيّ: يقال: البصرة قُبَّةُ الإسلام، وخزانة العرب، بناها عُتْبة بن غَزْوَان في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ بناها سنة سبع عشرة من الهجرة، وسَكَنها الناس سنة ثماني عشرة، ولم يُعْبَد الصنم قط على أرضها، هكذا كان يقول لي أبو الفضل، عبد الوهاب بن أحمد بن معاوية الواعظ بالبصرة، قال أصحابنا: والبصرة داخلة في أرض سواد العراق، وليس لها حكمه (١). انتهى كلام السمعانيّ. (مَعْبَدٌ) - بفتح الميم -، وسكون العين المهملة، وفتح الموحّدة - (الْجُهَنِيُّ) - بضمّ الجيم: نسبة إلى جُهَينة؛ لأن القاعدة أنه إذا نُسب إلى فُعَيْلَة مصغّرًا، وإلى فَعِيلَة مكبِّرًا تُحذف ياؤه، وتفتح اللام، كما قال في "الخلاصة": وَفَعَلِيٌّ فِي فَعِيلَةَ الْتُزِمْ … وَفَعَلِيٌّ فِي فُعَيْلَةَ حُتِمْ قال السَّمْعاني في "كتاب الأنساب": "الْجُهَنِيُّ" - بضم الجيم، وفتح الهاء -: نسبة إلى جُهَينة، وهي قبيلةٌ من قُضَاعة، واسمه زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قُضَاعة، نزلت الكوفة، وبها محلة تنسب إليهم، وبعضهم نزل البصرة، قال: وممن نزل جهينة، فنُسب إليهم مَعبْدَ بن خالد الْجُهَنيّ، كان يجالس الحسن البصري، وهو أول من تكلم في البصرة بالقدر، فسلك أهل البصرة يعده مسلكه، لَمّا رأوا عَمْرو بن عُبَيد ينتحله، قتله الحجاج بن يوسف صَبْرًا" وقيل: إنه معبد بن عبد الله بن عُويمر. انتهى كلام السمعانيّ (٢). وفي "تهذيب التهذيب": "معبد" الْجُهَنِيّ البصريّ، يقال: إنه ابن عبد الله بن

стр. 70

عُكَيم، ويقال: ابن عبد الله بن عُوَيمِر، ويقال: ابن خالد، رَوَى مرسلًا عن حذيفة بن اليمان، وعمر، وعثمان، وغيرهم، وروى عنه الحسن، وقتادة، ومالك بن دينار، ومعاوية بن قرة، وعوف الأعرابي، وغيرهم. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل البصرة. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: كان صدوقًا في الحديث، وكان أول من تكلم في القدر بالبصرة، وكان رأسًا في القدر، قَدِمَ المدينة فأفسد بها أُناسًا. وذكره أبو زرعة الرازي في أسامي الضعفاء، ومن تُكُلِّم فيهم. وقال الدارقطني: حديثه صالح، ومذهبه رديء. وقال محمد بن شعيب بن شابور عن الأوزاعي: أول من نَطَقَ في القدر رجل من أهل العراق، يقال له: سُوسن، كان نصرانيًّا، فأسلم، ثم تنصّر، فأخذ عنه معبد الجهنيّ، وأخذ غَيْلان عن معبد. وقال مرحوم بن عبد العزيز العطار، عن أبيه، وعمه: كان الحسن يقول: إياكم ومعبدًا فإنه ضالٌّ مُضلّ، وجاء مثل ذلك عن الحسن من وجوه. وقال أبو سعيد مولى بني هاشم: حدثنا ربيعة بن كلثوم بن جَبْر عن أبيه قال: قال أصحاب مسلم بن يسار: كان مسلم يقعُد إلى هذه السارية، فقال: إن معبدًا يقول بقول النصارى. وقال ابن عيينة: قال عمرو بن دينار: قال لنا طاوس: احذروا معبدًا. وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، عن جعفر - يعني ابن سليمان - حدثنا مالك بن دينار قال: لقيت معبدًا الجهني بمكة بعد ابن الأشعث، وهو جريح، وقد قاتل الحجاج في المواطن كلها، فقال: لقيت الفقهاء والناسَ، لم أر مثل الحسن، يا ليتنا أطعناه. وقال ضمرة بن ربيعة، عن صدقة بن يزيد: قتله الحجاج. وقال خليفة بن خياط: مات بعد الثمانين وقبل التسعين. وقال إبراهيم بن هشام الغساني: حدثني أبي عن أبيه قال: كان معبدٌ أولَ من تكلم في القدر، فقتله عبد الملك، وأَرَّخ سعيد بن عُفير قتله في سنة ثمانين، رَوى له ابن ماجة حديث معاوية: "إياكم والتمادح". وقال العجلي: تابعي ثقةٌ كان لا يُتَّهَم بالكذب. وقال الجوزجاني: كان رأس القدرية. انتهى (١).

стр. 71

وفي رواية ابن منده في "الإيمان": من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه، عن يحيى بن يعمر قال: كان رجل من جهينة فيه زَهْوٌ، وكان يَتَوَثَّب على جيرانه، ثم إنه قرأ القرآن، وفَرّض الفرائض، وقَصَّ على الناس، ثم إنه صار من أمره أنه زَعَم أن الْعِلْم أُنُفٌ، من شاء عَمِل خيرًا، ومن شاء عمل شرًّا، قال: فلقيت أبا الأسود الدِّيليَّ، فذكرت ذلك له، فقال: كَذَبَ ما رأينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ إلَّا يُثْبِت القدر، ثم إنِّي حججت أنا وحميد بن عبد الرَّحمن الحميري … الحديث. (فَانْطَلَقْتُ) أي ذهبتُ (أَنَا) ضمير منفصلٌ أتى به ليعطف على الضمير المتّصل ما بعده، كما قال في "الخلاصة": وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ أَوْ فَاصِلٍ ما وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ (وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بالرفع عطفًا على الضمير المتّصل، وحميد هذا تابعيّ بصريّ، ثقة، تقدّمت ترجمته في "المقدّمة" عند قوله: "وأسند حميد بن عبد الرَّحمن عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ أحاديث … " إلخ (الْحِمْيَرِيُّ) بكسر الحاء المهملة، وسكون الميم: نسبة إلى حِمْيَر، من أصول القبائل باليمن (١) (حَاجَّيْنِ) منصوب على الحال (أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ) الظاهر أن "أو" للشكّ من الراوي، ووقع في بعض النسخ بالواو التي للجمع، فيكونان قارنين (٢). (فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا) بكسر القاف، من باب رَضِي، "ولو" هنا بمعنى "ليت"، نحو قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ [الحجر: ٢]، ونحو قول امرئ القيس [من الطويل]: تَجَاوَزْتُ أَحْرَاسًا إِلَيْهَا وَمَعْشَرًا … عَلَيَّ حِرَاصًا لَوْ يُشِرُّونَ (٣) مَقْتَلِي (أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلْنَاهُ) أي ذلك الأحد (عَمَّا يَقُولُ

стр. 72

هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ) إشارة إلى معبد وأصحابه، أي عما يتكلَّمون به من نفي القدر (فَوُفِّقَ لَنَا) - بضم الواو، وكسر الفاء المشددة - قال صاحب"التحرير": معناه: جُعِل وَفْقًا لنا، وهو من الموافقة التي هي كالالتحام، يقال: أتانا لِتَيْفَاق الهلال، ومِيفَاقه: أي حين أَهَلَّ، لا قبله، ولا بعده، وهي لفظة تدل على صدق الاجتماع والالتئام، وفي "مسند أبي يعلى الموصلي": "فوافق لنا، بزيادة ألف والموافقة: المصادفة. قاله النوويّ (١). (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ) ﵄، فـ "عَبد الله" بالرفع على أنه تائب فاعل "وُفِّقَ" (دَاخِلًا الْمَسْجِدَ) منصوب على الحال من "عبد الله"، والمراد بالمسجد المسجد النبويّ، فقد بيّنته رواية ابن منده في "كتاب الإيمان"، ولفظه من طريق يونس بن محمد المؤدب، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر، وفيه: "فلما قضينا حجنا قلنا: نأتي المدينة، فنلقى أصحاب رسول الله ﷺ ، فنسألهم عن القدر، قال: فلما أتيت المدينة … " الحديث. (فَاكتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاجبِي) أي صِرْنا في كنفيه، يعني بجانبيه ناحيتيه؛ لأن كنفا الطائر: جناحاه، وأراد بصاحبه حميد بن عبد الرَّحمن، ثم فسر الاكتناف بقوله: (أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِه، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ) فيه تنبيه على أدب الجماعة في مشيهم مع فاضلهم، وهو أنهم يكتنفونه، وَيحُفُّون به. قاله النوويّ. وقال القرطبيُّ ﵀: وإنما جاءاه كذلك تأدّبًا واحترامًا؛ إذ لو قاما أمامه لمنعاه المشي، ولو صارا له من جانب واحد لكلَّفاه الميل إليهما، وكانت هذه الهيئة أحسن ما أمكنهما. انتهى (٢). ويحتمل - كما قال بعضهم - أنه لكراهة السلف المشي خلف الرجل؛ لما فيه من الشهرة، أو لكونه أمكن للسؤال. والله تعالى أعلم. (فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي) أي حميد بن عبد الرَّحمن (سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ) معناه: أنه يسكت، ويُفَوِّضه إليَّ لإقدامي، وجرأتي، وبَسْطَةِ لساني، فقد صرَّح في رواية ابن منده بذلك، ولفظه: قال: قلت: تسأله أم أسأله؟ قال: لا، بل

стр. 73

تسأله؛ لأني كنت أبسط لسانًا منه، وفي رواية: "فقدّمني حميد للمنطق، وكنت أجرأ على المنطق منه". قال القرطبيّ ﵀: وإنما قال هذا منه اعتذارًا عن توهَّم اعتراض يُنسب إليه فيه قلَّة المبالاة بصاحبه، واستئثاره عليه بالمسابقة إلى الكلام، فبيّن وجه اعتذاره عن ذلك، وذلك أنه عَلِم من صاحبه أنه يَكِلُ الكلام إليه، فإما لكونه أحسن منه سؤالًا، وأبلغ بيانًا، وإما لحياء يَلحَق صاحبه يمنعه من السؤال، وإما إيثارًا له (١). قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الصواب؛ لكونه صرّح به في كلامه السابق عند ابن منده، والله تعالى أعلم. (فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد الله بن عمر ﵄ (إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن (قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ) أَي فشا مذهبهم وانتشر، وهو من الظهور الذي يضادّ الخفاء (يَقْرَأونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ) هو بتقديم القاف على الفاء، ومعناه: يطلبونه، ويتتبعونه، هذا هو المشهور، وقيل: معناه يجمعونه، ورواه بعض شيوخ المغارية من طريق ابن ماهان: "يتَفَقَّرُونَ"، بتقديم الفاء، وهو صحيح أيضًا، ومعناه يبحثون عن غامضه، ويستخرجون خَفِيَّه، ورُويَ في غير مسلم: "يَتَقَفَّوْن" بتقديم القاف، وحذف الراء، وهو صحيح أيضًا، ومعناه أيضًا: يتتبعون، قال القاضي عياض: ورأيت بعضهم قال فيه: "يَتَقَعَّرُون" بالعين، وفَسَّره بأنهم يطلبون قعره، أي غامضه، وخَفِيَّه، ومنه تَقَعَّرَ في كلامه: إذا جاء بالغريب مثه، وفي رواية أبي يعلى الموصليّ: "يَتَفَقَّهُون" بالهاء بدل الراء، وهو ظاهرٌ. قاله النوويّ رحمه الله تعالى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: وهذه اللفظة - يعني "يَتَقَفَّرُونَ" - بتقديم القاف، وتأخير الفاء، أي يتَّبعون، ويجمعون، يقال: اقتفر أثَرَهُ: أي تتبّعه، ورواها أبو العلاء بن ماهان بتقديم الفاء، وتأخيرِ القاف (٣)، أي إنهم يُخرجون غامضه،

стр. 74

ويبحثون عن أسراره، ومنه قول عمر بن الخطاب - وذكر امرأ القيس - فقال: افتقر عن معانٍ عُورٍ أصَحَّ بَصَرٍ، بَصَرًا، أي فتح عن معانٍ غامضةٍ مُبصرًا (١)، ورُوي في غير كتاب مسلم "يتقفّون" بواو مكان الراء، من قفوتُ أثره، أي تتبعته، وهو من القفاء، وكلّها واضح. انتهى (٢). وقال ابن الأثير ﵀: وفي حديث الْقَدَر "قبلنا ناسٌ يتفقّرون العلم"، هكذا جاء في رواية بتقديم الفاء على القاف، والمشهور العكس، قال بعض المتأخّرين: هي عندي أصحّ الروايات، وأليقها بالمعني، يعني أنهم يستخرجون غامضه، ويَفتحون مُغْلَقَه، وأصله من فَقَرْتُ البئرَ: إذا حفرتها لاستخراج مائها، فلما كان القدريّة بهذه الصفة من البحث والتتبّع لاستخراج المعاني الغامضة بدقائق التأويلات وَصَفَهم بذلك. انتهى كلامه (٣). ووقع عند أبي نعيم في "المستخرج": "ويتفقّدون العلم" بالدال المهملة بدل الراء (٤).

стр. 75

(وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ) أي عظّم أمرهم في الذكاء، والجدّ في طلب العلم، وإنما ذكر له ذلك من أوصافهم تنبيهًا له على الاعتناء بمقالتهم، والبحث عنها ليوضح أمرها، فإن كلامهم قد وقع من القلوب بالموقع الذي لا يزيله إلَّا إيضاحٌ بالغ، وبرهانٌ واضح، ولَمّا فَهِمَ ابنُ عمر ﵄ ذلك أفتى بإبطال مذهبهم وفساده، وحكم بكفرهم، وتبرّأ منهم، واستدلّ على ذلك بالدليل القاطع عنده. قاله القرطبيّ رحمه الله تعالى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وحكم بكفرهم"، سيأتي تحقيق القول في كفرهم في المسألة الثامنة - إن شاء الله تعالى -. وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله: "وذكر من شأنهم" هذا الكلام من كلام بعض الرواة الذين دون يحيى بن يعمر، والظاهر أنه من ابن بُرَيدة الراوي عن يحيى بن يعمر، يعني وذكرَ ابنُ يعمر من حال هؤلاء، ووصفهم بالفضيلة في العلم، والاجتهاد في تحصيله، والاعتناء به. انتهى. وقال السنوسيّ ﵀: فيكون من حذف المفعول تعظيمًا له بالإبهام، أي ذكر من شأنهم في البحث عن العلم، واستخراج غوامضه شيئًا عظيمًا، أو بالتعميم؛ لتذهب النفس فيه كلّ مذهب ممكنٍ. ويحتمل أن يكون الغرض في حذفه ضدّ ما أشير إليه، وذلك صون اللسان عن ذكره، ويكون المعنى: وذكر من شأنهم في نفي القدر والابتداع في العقائد ما يجب صون اللسان عن ذكره، وعلى كلّ ففائدة وصفهم بالاجتهاد في العلم، والتوسّع فيه الموجب لهم القدوة، وتقليد الغير المبالغةُ في استدعاء ابن عمر ﵄ الاستفراغ الوسع في النظر فيما يزعمون؛ لأن أقوال الأغبياء قد يَهْتَبِلُ العلماءُ بشأنها، ويكتفون في ردّها بأدنى نظر، فجواب ابن عمر ﵄ بعد تلك الأوصاف من أثبت شيء، وأحقه. وقد يكون الغرض في ذكر ما وصفهم به من العلم، وكونهم مع ذلك يزعمون ما يزعمون إظهارَ التشكِّي، والتلهّف بما نال المسلمين من مصيبتهم، إلَّا أن هذا إنما يحسُن إذا كان ابن عمر قد أحسّ ببدعتهم، وسوء نظرهم، وإنما سأل ابن عمر ﵄ ليتحقّق العلم من معدنه،
следующие страницы →