وأما صاحب "الهداية" منهم فذكر أن علة الكراهة هجران الباقي، وإيهام التفضيل، وقول الطحاوي يناسب قول صاحب "المحيط"، فإنه خص الكراهة بمن يراه حتمًا، لا يجزئ غيره، أو يرى القراءة بغيره مكروهة. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما تقدم في كلام ابن دقيق العيد، وأشار إليه ابن العربي، رحمهما الله تعالى هو الراجح عندي، فتستحب المداومة على هاتين السورتين في صلاة فجر يوم الجمعة، لكن إن خُشِي على العوامّ اعتقاد وجوب ذلك فينبّهون بالقول، أو بالترك أحيانًا، دفعًا للمفسدة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[فائدتان]: ذكرهما الحافظ في "الفتح"، فقال:
(الأولى): لم أر في شيء من الطرق التصريح بأنه ﷺ سجد لمّا قرأ سورة "تنزيل السجدة" في هذا المحلّ إلا في "كتاب الشريعة" لابن أبي داود من طريق أخرى عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: "غدوت على النبيّ ﷺ يوم الجمعة في صلاة الفجر، فقرأ سورة فيها سجدة، فسجد … " الحديث، وفي إسناده من ينظر في حاله.
وللطبراني في "الصغير" من حديث عليّ ﵁: أن النبيّ ﷺ سجد في صلاة الصبح في "تنزيل السجدة"، لكن إسناده ضعيف، والله تعالى أعلم.
(الثانية): قيل: الحكمة في اختصاص يوم الجمعة بقراءة سورة السجدة، قصد السجود الزائد حتى إنه يستحب لمن لم يقرأ هذه السورة بعينها أن يقرأ سورة غيرها، فيها سجدة، وقد عاب ذلك على فاعله غير واحد من العلماء، ونسبهم صاحب الهدي إلى قلة علم، ونقص المعرفة، لكن عند ابن أبي شيبة بإسناد قويّ عن إبراهيم النخعيّ أنه قال: يستحب أن يقرأ في الصبح يوم الجمعة بسورة فيها سجدة، وعنده من طريقه أيضًا أنه فعل ذلك، فقرأ سورة مريم، ومن طريق ابن عون قال: كانوا يقرؤون في الصبح يوم الجمعة بسورة فيها سجدة، وعنده من طريقه أيضًا، قال: وسألت محمدًا -يعني: ابن سيرين- عنه؟ فقال: لا أعلم به بأسًا. انتهى.
стр. 10047
فهذا قد ثبت عن بعض علماء الكوفة والبصرة، فلا ينبغي القطع بتزييفه.
وقد ذكر النووي في زيادات "الروضة" هذه المسألة، وقال: لم أر فيها كلامًا لأصحابنا، ثم قال: وقياس مذهبنا أنه يكره في الصلاة إذا قصده. انتهى.
وقد أفتى ابن عبد السلام قبله بالمنع، وببطلان الصلاة بقصد ذلك، قال صاحب "المهمات": مقتضى كلام القاضي حسين الجواز، وقال الفاروقيّ في "فوائد المهذَّب": لا تستحب قراءة سجدة غير تنزيل، فإن ضاق الوقت عن قراءتها قرأ بما أمكن منها، ولو بآية السجدة منها، ووافقه ابن أبي العصرون في "كتاب الانتصار"، وفيه نظر. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قراءة غير ما ثبت عن النبيّ ﷺ من السورة التي فيها السجدة، بدلًا عما ثبت عنه ليس مما ينبغي، بل لا يبعد القول بكراهته إن قصده، وأما القول ببطلان الصلاة به فشيء عجيب، فكيف تبطل الصلاة بقراءة سورة من السور القرآنية مع الفاتحة؟! والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[٢٠٣٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ حافظ سُنيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء بن كُريب الْهَمْدانيّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) وهو ابن سبع وثمانين سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٤ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريبًا.
و"سفيانُ" ذُكر قبله.
стр. 10048
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ) يعني: أن عبد الله بن نُمير، ووكيعًا حدّثا عن سفيان الثوريّ باسناده الماضي، وهو: عن مُخَوَّل بن راشد، عن مسلم الْبَطِين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس ﵄ مثل حديث عبدة بن سليمان، عنه.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، ووكيع كلاهما عن سفيان هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٣٣] ( … ) - (وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنا شُعْبَةُ، عَنْ مُخَوَّلٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، فِي الصَّلَاَتيْنِ كِلْتَيْهِمَا، كَمَا قَالَ سُفْيَانُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، تقدّم قبل بابين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل بابين أيضًا.
وقوله: (فِي الصَّلَاتَيْنِ كلْتَيْهِمَا) أي: في صلاة فجر الجمعة، وصلاة الجمعة.
[تنبيه]: رواية شعبة، عن مُخَوَّل هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" فقال: (٣١٥٠) حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن مُخَوَّل، قال: سمعت مسلمًا الْبَطِين يحدِّث عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ أنه كان يقرأ في صلاة الصبح ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، وفي الجمعة بـ "سورة الجمعة"، و"المنافقين". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٣٤] (٨٨٠) - (حَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، وَ ﴿هَلْ أَتَى﴾).
стр. 10049
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وهو ابن أربع وسبعين سنةً (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، ولي قضاء المدينة، وكان ثقةً فاضلًا عابدًا [٥] (ت ١٢٥) وقيل: بعدها، وهو ابن اثنتين وسبعين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ) ابن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقيان ذُكرا قبل سند، وشرح الحديث تقدّم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٢٠٣٤ و ٢٠٣٥] (٨٨٠)، و (البخاريّ) في "الجمعة" (٨٩١ و ١٠٦٨)، و (النسائيّ) في "أبواب القراءة" (٩٥٥) و"الكبرى" (١٠٢٧)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٨٢٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٣٠ و ٤٧٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٥٥٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٧٧ و ١٩٧٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال الحافظ ﵀: قد أشار أبو الوليد الباجيّ في رجال البخاريّ إلى الطعن في سعد بن إبراهيم؟ لروايته لهذا الحديث، وأن مالكًا امتنع من الرواية عنه لأجله، وأن الناس تركوا العمل به، لا سيما أهل المدينة. انتهى.
وليس كما قال؛ فإن سعدًا لم ينفرد به مطلقًا، فقد أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، وهو الحديث الذي قبل هذا، وكذا ابن ماجه، والطبراني من حديث ابن مسعود ﵁، وابن ماجه من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، والطبراني في "الأوسط" من حديث عليّ ﵁.
стр. 10050
وأما دعواه أن الناس تركوا العمل به فباطلة؛ لأن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين قد قالوا به، كما نقله ابن المنذر وغيره، حتى إنه ثابت عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف والد سعد، وهو من كبار التابعين من أهل المدينة أنه أمّ الناس بالمدينة بهما في الفجر يوم الجمعة، أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح.
وكلام ابن العربي يُشْعِر بأن ترك ذلك أمر طرأ على أهل المدينة؛ لأنه قال: وهو أمر لم يُعْلَم بالمدينة، فالله أعلم بمن قطعه كما قطع غيره. انتهى.
وأما امتناع مالك من الرواية عن سعد، فليس لأجل هذا الحديث، بل لكونه طَعَن في نسب مالك، كذا حكاه ابن البَرْقِيّ، عن يحيى بن معين، وحَكَى أبو حاتم، عن عليّ ابن المدينيّ، قال: كان سعد بن إبراهيم لا يحدث بالمدينة، فلذلك لم يكتب عنه أهلها.
وقال الساجي: أجمع أهل العلم على صدقه. وقد روى مالك عن عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عنه، فصح أنه حجة باتفاقهم، قال: ومالك إنما لم يرو عنه لمعنى معروف، فأما أن يكون تكلم فيه، فلا أحفظ ذلك. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٣٥] ( … ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) هو: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السَّرْح، تقدّم قريبًا.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم أيضًا قريبًا.
стр. 10051
٣ - (إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث سبق شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢١) - (بَابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٣٦] (٨٨١) - (وَحَدَّثنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ، فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بَكْر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح السمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
стр. 10052
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (منها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من سهيل، وشيخه نيسابوريّ، وخالد واسطيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ) أي: أدّى صلاتها، وفرغ منها (فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا") وفي رواية سفيان، عن سهيل الآتية: "من كان منكم مصليًا بعد الجمعة، فليصلّ أربعًا".
وفيه إشارة إلى أن الأربع سنة، وليست بواجبة.
وقال النوويّ ﵀: في هذه الأحاديث استحبابُ سنّة الجمعة بعدها، والحثّ عليها، وأن أقلها ركعتان، وأكملها أربع، فنبّه ﷺ بقوله: "إذا صلى أحدكم بعد الجمعة، فليصلّ بعدها أربعًا" على الحثّ عليها، فأتى بصيغة الأمر، ونبّه بقوله: "من كان منكم مصليًا" على أنها سنة ليست واجبة، وذَكَرَ الأربع؛ لفضيلتها، وفَعَلَ الركعتين في أوقات؛ بيانًا لأن أقلها ركعتان، ومعلوم أنه ﷺ كان يصلي في أكثر الأوقات أربعًا (١)؛ لأنه أمرنا بهنّ، وحَثّنا عليهنّ، وهو أرغب في الخير، وأحرص عليه، وأولى به. انتهى كلام النوويّ ﵀ (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "إذا صلّيت بعد الجمعة … إلخ" أي: إذا أردتم أن تصلّوا نفلًا، كما قال في الرواية الأخرى: "من كان مصلّيًا بعد الجمعة، فليُصلّ أربعًا"، قال المازريّ: وكل هذا إشارة إلى ترك الاقتصار على
стр. 10053
ركعتين؛ لئلا تلتبس الجمعة بالظهر التي هي أربع على الجاهل، أو لئلا يتطرّق أهل الْبِاَع إلى صلاتها ظهرًا.
وإلى الأخذ بظاهر هذا الحديث ذهب أبو حنيفة، وإسحاق، فقالا: يصلي أربعًا لا يَفصِل بينهنّ، وروي عن جماعة من السلف أنه يصلي بعدها ركعتين، ثم أربعًا، وهو مذهب الثوريّ، وأبي يوسف، لكن استَحَبّ أبو يوسف تقديم الأربع على الاثنتين، واستَحَبّ الشافعيّ التنفّل بعدها، وأن الأكثر أفضل، وأخذ مالك برواية ابن عمر أنه ﷺ كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلي في بيته ركعتين، وجعله في الإمام أشدَّ، ووسَّعَ لغيره في الركوع في المسجد مع استحبابه أن لا يفعلوا، قاله عياضٌ. انتهى (١).
وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٠٣٦ و ٢٠٣٧ و ٢٠٣٨] (٨٨١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٣١)، و (الترمذيّ) في "الجمعة" (٥٢٣)، و (النسائيّ) في "الجمعة" (١٤٢٦) و"الكبرى" (١٧٤٣)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٣٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩٧٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٩ و ٤٤٢ و ٤٩٩)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٥٨٣)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٨٧٣ و ١٨٧٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٧٩ و ١٩٨٠ و ١٩٨١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في التطوّع بعد الجمعة:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: قد اختلفوا في هذا الباب: فرأت طائفة أن يصلي بعدها أربعًا، هذا قول عبد الله بن مسعود، وإبراهيم، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
стр. 10054
وذهبت طائفة إلى أنه يصلي بعدها ركعتين، ثم أربعًا، رُوي هذا القول عن عليّ، وابن عمر، وأبي موسى الأشعريّ، ومجاهد، وعطاء، وحُميد بن عبد الرحمن، وبه قال سفيان الثوريّ، وقال أحمد: إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء أربعًا.
وذهبت طائفة إلى أنه يصلي بعد الجمعة ركعتين، هكذا فعل ابن عمر، وروي عن النخعيّ.
قال ابن المنذر ﵀: إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء أربعًا، ويصلي أربعًا يفصل بين كلّ ركعتين بتسليم أحبّ إليّ. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ بتصرف (١).
وقال الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه" بعد رواية حديث ابن عمر ﵄: "كان يصلي بعد الجمعة ركعتين": والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول الشافعيّ، وأحمد، ثم قال بعد رواية حديث أبي هريرة ﵁: "من كان منكم مصليًا بعد الجمعة، فليصلّ أربعًا": والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، ورُوي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعًا، وبعدها أربعًا، ورُوي عن علي بن أبي طالب أنه أمر أن يصلي بعد الجمعة ركعتين، ثم أربعًا، وذهب سفيان الثوريّ، وابن المبارك إلى قول ابن مسعود، وقال إسحاق: إن صلى في المسجد يوم الجمعة صلى أربعًا، وإن صلى في بيته صلى ركعتين، واحتجّ بأن النبيّ ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، وبحديث النبيّ ﷺ : "من كان منكم مصليًا بعد الجمعة، فليصلّ أربعًا".
قال الترمذيّ ﵀: وابن عمر زيمبن هو الذي رَوَى عن النبيّ ﷺ أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته، وابن عمر بعد النبيّ ﷺ صلى في المسجد بعد الجمعة ركعتين، وصلى بعد الركعتين أربعًا، ثم رواه كذلك.
وروى أبو داود في "سننه" عن ابن عمر ﵄، أنه كان إذا كان بمكة، فصلى الجمعة، تقدّم، فصلى ركعتين، ثم تقدم، فصلى أربعًا، وإذا كان
стр. 10055
بالمدينة صلى الجمعة، ثم رجع إلى بيته، فصلى ركعتين، ولم يصلّ في المسجد، فقيل له؟ فقال: "كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك".
قال الحافظ العراقيّ ﵀ في "شرح الترمذيّ": والظاهر أن المرفوع منه آخر الحديث فقط، وهو ما كان يفعله بالمدينة، دون ما كان يفعله بمكة، فإن النبيّ ﷺ لم يصحّ أنه صلى الجمعة بمكة، وكان ابن عمر في زمنه بمكة قبل الهجرة صغيرًا، فإن أريد رفع فعله بمكة أيضًا، وهو بعيد، فيَحْتَمِل أنه رآه يصلي بمكة بعد الظهر في المسجد، أوأنه صلى الجمعة بمكة بعد الفتح، ولم يُنقل ذلك.
ثم قال بعد ذلك: قد يُسأل عن الحكمة في كون ابن عمر كان يصليها بمكة في المسجد، وفي المدينة بمنزلة.
وقد يجاب بأنه لعله كان يريد التأخر في مسجد مكة للطواف بالبيت، فيكره أن يفوته بمضيه إلى منزلة لصلاة سنة الجمعة زمن مما يغتنمه في الطواف، أوأنه يشقّ عليه الذهاب إلى منزلة، ثم الرجوع إلى المسجد للطواف، أوأنه كان يرى النوافل تضاعف بمسجد مكة، دون بقية مكة، فكان يتنفّل في المسجد لذلك، أو كان له أمر يتعلّق به في المسجد من الاجتماع بأحد، أو غير ذلك مما يقتضي أولوية صلاته في المسجد. انتهى.
قال ولي الدين ﵀: وهو مبنيّ على ما ذكره أوّلًا من أن المرفوع آخر الحديث فقط.
لكن ظاهر اللفظ أن تفريق ابن عمر بين البلدين في ذلك فعله لمجرّد الاتباع، والله أعلم.
وقال ابن عبد البرّ ﵀: قال أبو حنيفة: يصلي بعد الجمعة أربعًا، وقال في موضع آخر: ستًّا، وقال الثوريّ: إن صليت أربعًا، أو ستًّا، فحسن. وقال الحسن بن حيّ: يصلي أربعًا، وقال أحمد بن حنبل: أحبّ إليّ أن يصلي بعد الجمعة ستًّا، وإن صلى أربعًا فحسن، لا بأس به.
قال ابن عبد البرّ: وكل هذه الأقوال مروية عن الصحابة، قولًا، وعملًا، ولا خلاف بين العلماء أن ذلك على الاختيار.
стр. 10056
وقال ابن بطّال ﵀: قالت طائفة: يصلي بعدها ركعتين، روي ذلك عن ابن عمر، وعمران بن حصين، والنخعيّ.
وقالت طائفة: يصلي بعدها ركعتين، ثم أربعًا، روي عن عليّ، وابن عمر، وأبي موسى، وهو قول عطاء، والثوريّ، وأبي يوسف، إلا أن أبا يوسف استحب أن يقدم الأربع قبل الركعتين.
وقالت طائفة: يصلي أربعًا لا يفصل بينهنّ بسلام، روي ذلك عن ابن مسعود، وعلقمة، والنخعي، وهو قول أبي حنيفة، وإسحاق. انتهى.
وفي مصنَّف ابن أبي شيبة وغيره عن أبي عبد الرحمن، وهو السُّلَميّ، قال: قَدِم علينا ابن مسعود، فكان يأمرنا أن نصلي بعد الجمعة أربعًا، فلما قَدِم علينا عليّ أمرنا أن نصلي ستًّا، فأخذنا بقول عليّ، وتركنا قول عبد الله، قال: كان يصلي ركعتين، ثمّ أربعًا.
وذكر ابن العربيّ أن أمره ﷺ بالأربع لئلا يُتوهّم من الركعتين أنهما تكملة الركعتين المتقدّمتين، فيكون ظهرًا، وسبقه إلى ذلك المازريّ، فقال: وكلّ هذا إشارة إلى ترك الاقتصار على ركعتين، لئلا تلتبس الجمعة بالظهر التي هي أربع على الجاهل، أو لئلا يتطرق أهل البدع إلى صلاتها ظهرًا أربعًا.
وقال النووي في "شرح مسلم": نبّه بقوله: "من كان منكم مصليًا" على أنها سنة، ليست بواجبة، وذَكَرَ الأربعَ لفضلها، وفعل الركعتين في أوقات، بيانًا؛ لأن أقلها ركعتان، قال: ومعلوم أنه ﷺ كان يصلي في أكثر الأوقات أربعًا؛ لأنه أمرنا بهنّ، وحثّنا عليهنّ، وهو أرغب في الخير، وأحرص عليه، وأولى به. انتهى.
قال العراقيّ ﵀: وما ادعاه من أنه معلوم أنه كان يصلي في أكثر الأوقات أربعًا فيه نظر، فليس ذلك بمعلوم، ولا مظنون؛ لأن الذي صح عنه صلاة ركعتين في بيته، ولا يلزم من كونه أمر به أن يفعله.
وكون ابن عمر كان يصلي بمكة بعد الجمعة ركعتين، ثم أربعًا، وإذا كان بالمدينة صلى بعدها ركعتين في بيته، فقيل له؟ فقال: "كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك".
فليس في ذلك علم، ولا ظنّ أنه ﷺ كان يفعل بمكّة ذلك، وإنما أراد
стр. 10057
رفع فعله بالمدينة، فحسبُ؛ لأنه لم يصحّ أنه صلى الجمعة بمكة، وعلى تقدير وقوعه بمكة منه، فليس ذلك في أكثر الأوقات، بل نادرٌ.
وربما كانت الخصائص في حقه بالتخفيف في بعض الأوقات، فإنه ﷺ "كان إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، كأنه منذر جيش، يقول: صبّحكم، ومسّاكم … " الحديث، رواه مسلم.
فربما لَحِقَه تَعَبٌ من ذلك، فاقتصر على الركعتين في بيته، وكان يطيلهما كما ثبت في رواية النسائي: "وأفضل الصلاة طول القنوت"؛ أي: القيام، فلعلها كانت أطول من أربع ركعات خِفَاف، أو متوسطات، وكما ترك قيام الليل ليلة المزدلفة في حجة الوداع، ونام حتى أصبح؛ لما تقدم له من الأعمال بعرفة من وقوفه من الزوال إلى ما بعد الغروب، واجتهاده في الدعاء، وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة، فاقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرًا، ورقد بقية ليله، مع كونه كان يقوم في الليل حتى تورّمت قدماه، ولكنه أراح نفسه؛ لما تقدّم في عرفة، ولما هو بصدده يوم النحر من كونه نحر بيده ثلاثًا وستين بدنة، وذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ورجع إلى منى. انتهى كلام العراقيّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أقوال أهل العلم في قبلية الجمعة:
قال الحافظ ولي الدين ﵀: قد أنكر جماعة كون الجمعة لها سنة قبلها، وبالغوا في إنكاره، وجعلوه بدعة، وذلك لأنه ﷺ لم يكن يؤذَّن للجمعة إلا بين يديه، وهو على المنبر، فلم يكن يصليها، وكذلك الصحابة ﵃؛ لأنه إذا خرج الإمام انقطعت الصلاة.
وممن أنكر ذلك من متأخري الشافعية، وجعله من البِدَع، والحوادث الإمام شهاب الدين أبو شامة.
قال: ولم أر في كلام الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والحنابلة استحباب سنة للجمعة قبلها.
стр. 10058
وذهب آخرون إلى أن لها سنةً قبلها، منهم النوويّ، فقال: يسنّ قبلها ما قبل الظهر، وقال: العمدة فيه القياس على الظهر، ويُستأنس بحديث سنن ابن ماجه أن النبيّ ﷺ كان يصلي قبلها أربعًا، وإسناده ضعيف جدًّا، بل قال النووي في "الخلاصة": هو حديث باطل، في سنده مبشر بن عُبيد متروك، بل رماه أحمد بالوضع.
واستدلّوا أيضًا بما رواه ابن ماجه في "سننه" بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁، قال: جاء سُليك الغَطَفانيّ، ورسول الله ﷺ يخطب، فقال له رسول الله ﷺ : "أصليت قبل أن تجيء؟ " قال: لا، قال: "فصلّ ركعتين، وتجوّز فيهما"، قال المجد ابن تيمية في "الأحكام": رجال إسناده ثقات، ورواه ابن ماجه أيضًا من حديث جابر ﵁، قال العراقيّ ﵀: وإسناده صحيح.
قالوا: فقوله: "قبل أن تجيء" يدلّ على أن الصلاة المأمور بها ليست تحية المسجد؛ لأن فعلها في البيت لا يقوم مقام فعلها في المسجد، فتعيّن أنها سنة الجمعة.
وفيه نظر فلم يتعين ذلك (١) فلا يجوز إثبات سنة الجمعة لمجرد هذا؛ إذ يحتمل أن معناه قبل أن تقترب مني لسماع الخطبة، وليس المراد قبل أن يجيء إلى المسجد؛ لأن صلاته قبل مجيء المسجد غير مشروعة، فكيف يسأله عنها؛ إذ المأمور به بعد دخول وقت الجمعة السعي إلى مكان الجمعة، وقبله لا يصحّ فعلها بتقدير ثبوتها.
واستدلُّوا أيضًا بما رواه أبو داود، وابن حبان في "صحيحه" عن نافع، قال: "كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة، ويصلي بعدها ركعتين في بيته، ويحدث أن النبيّ ﷺ كان يفعل ذلك".
قال العراقيّ ﵀: وفي الاستدلال به نظر من وجهين:
(أحدهما): أنه لا يلزم من إطالته الصلاة قبل الجمعة أن يكون ذلك سنة للجمعة، بل قد يكون قبل الزوال في انتظاره.
стр. 10059
(والوجه الثاني): أن الظاهر أن المراد بالمرفوع منه صلاة ركعتين بعدها في بيته على وفق حديثه المتَّفَق عليه في "الصحيحين"، فأما إطالة الصلاة قبلها، فلم يُنقل عنه فعله؛ لأنه كان يخرج إلى صلاة الجمعة، فيؤذن بين يديه، ثم يخطب. انتهى.
واستدلوا أيضا بما ثبت في "الصحيحين" عن عبد الله بن مغفّل ﵁، عن النبيّ ﷺ : "بين كلّ أذانين صلاة".
قال العراقيّ ﵀: ولقائل أن يعترض على الاستدلال به بأن ذلك كان متعذِّرًا في حياته ﷺ ؛ لأنه كان بين الأذان والإقامة الخطبة، فلا صلاة حينئذ بينهما، نعم بعد أن جَدَّد عثمان الأذان على الزوراء يمكن أن يصلي سنة الجمعة قبل خروج الإمام للخطبة، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في هذا الكلام نظر لا يخفى؛ إذ الكلام في مشروعية سنة الجمعة القبلية، هل لها دليل تثبت به من قوله ﷺ ، أو فعله، أم لا؟، لا عما أحدث بعده ﷺ ، وأيضا الثابت عن عثمان ﵁ هو الأمر بالأذان، ولم يثبت عنه أنه أمر بسنة الجمعة القبليّة. فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.
واستدلوا أيضًا بما رواه ابن حبان في "صحيحه"، والدارقطني في "سننه"، وغيرهما عن عبد الله بن الزبير ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من صلاة مفروضة، إلا وبين يديها ركعتان"، وهذا يتناول الجمعة وغيرها.
لكن يُضَعَّفُ الاستدلالُ به من جهة أنه عموم يقبل التخصيص، فيقدّم عليه ما هو الظاهر من حال النبيّ ﷺ ، والصحابة أنهم لم يكونوا يفعلون ذلك.
قال العراقيّ ﵀: واستَدَلّ بعضهم بحديث عبد الله السائب، وأبي أيوب الأنصاريّ، وثوبان ﵃ في صلاة أربع ركعات بعد الزوال، وقوله ﷺ : "إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء".
ولقائل أن يقول: هذه سنة الزوال، ففي حديث عليّ ﵁ أنه كان يصلي بعدها أربعًا قبل الظهر.
وقد يجاب عنه بأنه حصل في الجملة استحباب أربع بعد الزوال كل يوم، سواء الجمعة وغيرها، وهو المقصود. انتهى.
стр. 10060
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الجواب عن هذا كالجواب عن سابقه، فيقال: هذا عامّ خُصّ منه يوم الجمعة بما ثبت عن النبيّ ﷺ ، وأصحابه ﵃ أنهم ما كانوا يصلون قبل الجمعة، كما تقدم، والله تعالى أعلم.
وقال ولي الدين ﵀: وهذه الأمور التي استُدِلّ بها على سنة الجمعة قبلها وإن كان في كلّ منها على انفراده نظرٌ، فمجموعها قويّ يضعف معه إنكارها.
وأقوى ما يُعارض ذلك أنه ﷺ لم يكن يؤذن في زمنه يوم الجمعة غير أذان واحد في أول الوقت، وهو على المنبر، وذلك الأذان يعقبه الخطبة، ثم الصلاة، فلا يمكن مع ذلك أن يفعلها النبيّ ﷺ ، ولا أحد من أصحابه.
وبالجملة فالمسألة مشكلة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في كلام ولي الدين ﵀ هذا نظر لا يخفى.
أما قوله: "فمجموعها قويّ يضعف معه إنكارها"، فقد كفانا الجواب عنه هو بنفسه، حيث قال: وأقوى ما يعارِضُ ذلك … إلخ، فأيّ قوة من هذه الأمور المعترَضَة بما سبق مع هذا الصريح الصحيح الثابت عن النبيّ ﷺ ، وأصحابه ﵃، أنهم ما كانوا يصلون سنة الجمعة القبلية المزعومة؟.
وكيف لا يُنكَر على من ادَّعَى شرعية ما لم يَشْرَعه الله تعالى على لسان نبيه ﷺ ، ولا ثبت من فعله، ولا فُعل بمحضره ﷺ ؟ أليس هذا هو الابتداع الذي ينبغي إنكاره؟ إن هذا لشيء عجيب!!.
وأما قوله: "وبالجملة فالمسألة مشكلة"، فجوابه أنه لا إشكال -بحمد الله تعالى- في هذه المسألة عند من لم يُعْمِه التقليد، والتقيُّد برأي فلان، أو فلان، والتجمّد عليه؛ إذ حكمها واضح وضوحَ الشمس في رائعة النهار؛ إذ مَن ادَّعى سنية قبلية الجمعة ما أتى بدليل يُستند إليه، إلا القياس على الظهر، فهذا أقوى دليل عندهم، كما تقدم في كلام النوويّ ﵀، وأما مستندهم من الأحاديث، فقد عرفت ضعفها فيما سبق، وقد صحّ لدينا أنه ﷺ ما صلى قبلية الجمعة، ولا أمر بها، ولا فعلها أصحابه بحضرته، بل كان يؤذن بين يديه ﷺ ،
стр. 10061
فيقوم، فيخطب، ثم ينزل، فيصلي، فإذا ثبت هذا بطل القياس؛ إذ هو في مقابلة النص فاسد الاعتبار، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
وبالجملة فمسألتنا واضحة لا إشكال فيها، ولله الحمد والمنة.
والحاصل أن قبلية الجمعة مما لا أثارة عليه من علم، بل هي من الأمور المحدثة التي ينبغي إنكارها.
ومن أغرب ما نراه ممن لا يبالي بالسنة أن كثيرًا منهم يواظب على صلاة ركعتين، أو أربع بزعم أنها سنة قبلية للجمعة، ولا يترك ذلك، ولو رأى الإمام جالسًا على المنبر، أو شارعًا في الخطبة، ثم يتساهل فيما ثبت عنه ﷺ من قوله: "إذا صلى أحدكم الجمعة، فليصلّ بعدها أربعًا"، فلا يلتفت لهذا الأمر، بل إن صلى يصلي ركعتين فقط، أو يترك الصلاة بالكلية يذهب لحاجته، وهذا هو نتيجة التساهل في التمسك بالسنة، ومن تقديم البدعة عليها، نسأل الله تعالى أن يعيذنا من الحرمان والخذلان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيهان]:
(الأول): أنه ينبغي أن يُتنبه إلى شيء مُهمّ جدًّا، وهو أن إنكار الصلاة قبل الجمعة إنما هو لمن يعتقد أنها سنة قبلية ثابتة كسنة الظهر، وأما مطلق الصلاة لمن حضر قبل حضور الإمام، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة.
فقد تقدّم للمصنّف من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبيّ ﷺ ، قال: "من اغتسل يوم الجمعة، ثم أتى الجمعة، فصلى ما قُدّر له، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام".
فينبغي أن يَشتغل من أتى إلى الجمعة بالصلاة إلى أن يجلس الإمام على المنبر؛ لينال هذا الفضل العظيم.
وكذا من دخل المسجد بعد خروج الإمام، ولو في حال الخطبة يستحب له أن يصلي ركعتين خفيفتين كما تقدم في حديث: "إذا جاء أحدكم، وقد خرج الإمام، فليصلّ ركعتين"، وفي لفظ: "إذا جاء أحدكم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوّز فيهما".
وَمَا مِنَ الشُّرُورِ إِلَّا حَذَّرَا … وَشَدَّدَ النَّكِيرَ حَتَّى تَحْذَرَا
ثَالِثُهَا حِفْظُ الإِلَهِ الدِّينَ مِنْ … كَيْدِ الشَّيَاطِينِ فَشَرَّهُمْ أَمِنْ
وإن أردت تحقيق البحث في هذه المسألة فلتراجع الشرح "المنحة الرضيّة شرح التحفة المرضيّة"، تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٣٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا صَلَّيْتُمْ بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَصَلُّوا أَرْبَعًا،، زَادَ عَمْرٌو فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: قَالَ سُهَيْلٌ: "فَإِنْ عَجِلَ بِكَ شَيْءٌ، فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ، وَرَكْعَتَيْنِ إِذَا رَجَعْتَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل باب.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) عن بضع وسبعين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (زَادَ عَمْرٌو فِي رِوَايَتِهِ … إلخ) يعني: أن شيخه عمرًا الناقد زاد في روايته ما لفظه: "قال إدريس: قال سُهيلٌ: فإن عَجِلَ بك شيء … إلخ"، والمعنى: أنك إن استعجلت، فلم تتمكّن من إكمال أربع ركعات بعد الجمعة في المسجد، فصلّ ركعتين فيه، وركعتين في بيتك، وفيه إشارة إلى تأكّد الأمر بأربع ركعات.
[تنبيه]: قوله: "قال ابن إدريس: قال سُهيل … إلخ" ظاهره أنه من كلام سُهيل موقوفًا عليه، وليس مرفوعًا، وتدلّ على ذلك رواية أبي داود، ولفظه: "قال: فقال لي أبي: يا بُنيّ، فإن صلّيت في المسجد ركعتين، ثم أتيت المنزل، أو البيت، فصل ركعتين". انتهى.
ورواية أبي داود صريحة في أن سهيلًا أمره به أبوه، وظاهر رواية
стр. 10064
المصنّف أنه أمر به ابنَ إدريس، ولعله أمره به أبوه، ثم هوأمر به ابن إدريس، والله تعالى أعلم.
وقوله أيضًا: (فَإِنْ عَجلَ بِكَ شَيْءٌ) بكسر الجيم، من باب تَعِبَ؛ أي: حملك على الاستعجال، والله تعالى أعلم.
والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٣٨] ( … ) - (وَحَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ، فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا"، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: "مِنْكُمْ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
وكلّهم تقدّموا، فمن سُهيل ذُكروا في الباب، ومن قبله في الباب الماضي، سوى جرير، قبل باب، وسفيان هو الثوريّ.
وقوله: (وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: "مِنْكُمْ") يعني: أن لفظ "منكم" لم يُذكر في حديث جرير، وإنما ذُكر في حديث وكيع فقط، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٣٩] (٨٨٢) - (وَحَدَّثَنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثنا (٢) قُتَيْبَةُ، حَدَّثنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ "قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ ذَلِكَ).
стр. 10065
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) ذُكر في الباب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) تقدّم قريبًا.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد، تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (قتيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم قبل باب.
٥ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٦ - (عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ المشهور، مات ﵁ سنة (٧٣) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢، وشرح الحديث واضحٌ.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٢٠٣٩ و ٢٠٤٠ و ٢٠٤١] (٨٨٢)، و (البخاريّ) في "الجمعة" (٩٣٧) و"التطوّع" (١١٧٢ و ١١٨٠)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٢٥٢)، و (الترمذيّ) في "الجمعة" (٥٢١ و ٥٢٢)، و (النسائيّ) في "الجمعة" (١٢٢٨) و"الكبرى" (٣٢٦ و ٥١٥ و ١٦٧٠)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١١٣٠ و ١١٣١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٦٧٤)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ١١)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١١٩٨ و ١٨٧١)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٨٢ و ١٩٨٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٤٠] ( … ) - (وَحَدَّثنَا (١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ وَصَفَ تَطَوُّعَ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ (٢): فَكَانَ
стр. 10066
لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَيُصَلِّي (١) رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ، قَالَ يَحْيَى: أَظُنُّنِي (٢) قَرَأْتُ: فَيُصَلِّي، أَوْ أَلْبَتَّةَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلهم ذُكروا قبله، غير:
١ - (مالك) بن أنس بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين، وإمام المجتهدين، [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٣٤) من رباعيّات الكتاب، وهو أصحّ الأسانيد، فقد نُقل عن البخاريّ أنه قال: أصحّ الأسانيد كلّها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄.
وقوله: (أَنَّهُ وَصَفَ … إلخ) الضمير لابن عمر ﵄.
وقوله: (قَالَ: فَكَانَ … إلخ) وفي نسخة: "فقال … إلخ".
وقوله: (فَيُصَلِّي) وفي نسخة: "فصلّى".
وقوله: (قَالَ يَحْيَى: أَظنُنِي قَرَأْتُ: فَيُصَلِّي، أَوْ أَلبَتَّةَ) قال النوويّ ﵀: معناه أظنّ أني قرأت على مالك في روايتي عنه: "فيصلّي"، أوأجزم بذلك، فحاصله أنه قال: أظنّ هذه اللفظة، أوأجزم بها. انتهى (٣).
ووقع في بعض النسخ: "أظنّه" بضمير الغائب، وعليه فالضمير للشأن، والجملة بعده مفسّرة له.
وقال القاضي عياض ﵀: قوله: "أظن قرأت … إلخ" هذا لفظ يُشكل ظاهره، وتفسيره أنه شكّ هل قرأ على مالك قوله: فيُصلي ركعتين، أو غير هذا اللفظ، كيركع، أو سقط من كتابه لفظة "يصلي"؟ ثم غَالَبَ ظنه وقوع هذه اللفظة وشهرتها في حديث مالك، قال: أو ألبتّة؛ أي: أنا متردّد بين الظنّ واليقين في هذه اللفظة؛ تحرّيًا في الأداء، قال: وكان ﵀ مع علمه وحفظه
стр. 10067
كثير التشكك في الألفاظ؛ لورعه وتقاه حتى لُقِّب بالشكّاك. انتهى (١).
[فائدة مهمّة]: قال العلامة ابن عابدين ﵀ في "الفوائد العجيبة": قولهم: "لا أفعله البَتَّةَ"، هي مصدر من البَتّ بمعنى القطع، وفي "القاموس": لا أفعلُهُ البَتَّةَ، وبتَّةً لكلِّ أمرٍ لا رَجْعَةَ فيه. انتهى.
والمشهور على الألسنة أنّ همزتها همزة قطع، وبه صَرَّح الإِمام الكِرْمانيّ في "شرح البخاريّ"، وردّه الحافظ ابنُ حجر في شرحه "فتح الباري" بما حاصله أَنَّه لم يَرَ أحدًا من أهل اللغة صرَّحَ بذلك، ونازعه البدر العَيْنيّ في "شرحه" أيضًا بانّ عدم رؤيته واطلاعه على التصريح بذلك لا يُنافي وجوده.
قال ابن عابدين: القياس يقتضي ما قاله الحافظ، فإنّه من المصادر الثلاثية، وهمزاتها همزة وصل، وبمنازعة العينيّ لا يثبت المدَّعى، نَعَمْ قد يُقال من حُسْنِ الظنِّ بالإِمام الكِرْماني أنّه لا يقولُ ذلك من رأيه مع مخالفته لقياسه على نظائره، فلولا وقوفه على ثَبَت في ذلك لما قاله.
وصرّح بعض الفضلاء بأنّ المشهور كونها همزة قطع، وأنّه مما خالف القياس، وهو يؤيد ما قاله الكِرْمانيّ، والله تعالى أعلمُ بحقيقة الحال.
قال: ثمّ رأيت في "الشرح الكبير" للعلامة الدمامينيّ على "المغني" عند قوله في "باب الهمزة": ولو كان على الاستفهام الحقيقيّ لم يكن مدحًا البَتةَ، ما نَصُّهُ: هي بمعنى القول المقطوع به، قالَ الرضيّ: وكأنَّ اللام فيها في الأصل للعهد؛ أي: القَطْعَة المعلومة التي لا تردّد فيها، فالتقدير هنا: أجزمُ بهذا الأمر، وهوأنّه لو كان على حقيقة الاستفهام لم يكن مدحًا قَطْعةً واحدةً، والمعنى أنّه ليس فيه تردّد، بحيث أجزم به، ثُمّ يبدو لي، ثُمّ أجزمُ به مرة أخرى، فيكون قطعتين، أو أكثر، بل هو قطعة واحدة لا يُثَنَّى فيها النظر، فالبَتَّة بمعنى القَطْعَة، ونصبها نصب المصادر. انتهى.
وفي هذا إشارة ظاهرة إلى أنّ الهمزة همزة وصل، بل كلام الرضيّ كالصريح في ذلك، اللهمّ إلّا أنْ يكونَ ذلك بناءً على ما هو القياس، فلا يُنافي ما قدّمناه من أنّ قطع همزتها مما خالف القياس.
стр. 10068
قال: ثُمَّ رأيتُ التصريح بذلك في "تصريح الشيخ خالد الأزهريّ" في بحث المعرفة حيث قال: البَتَّة بقطع الهمزة سماعًا، قاله شارح اللباب، والقياس وصلها. انتهى. فليتأمَّل.
وجاء في "لباب الإعراب": أنّ الأكثر فيه التعريف، وقطع الهمزة بمعزل عن القياس، لكنه مسموع. انتهى كلام ابن عابدين ﵀ (١)
وقال المرتضى الزَّبِيديّ ﵀ في "شرح القاموس" عند قوله: "ولا أفعله البتّةَ، وبَتَّةً لكلّ أمر لا رجعة فيه"، ما نصّه: ونصبه على المصدر، قال ابن برّيّ: مذهب سيبويه وأصحابه أن البتّة لا تكون إلا معرفة لا غير، وإنما أجاز تنكيره الفرّاء وحده، وهو كوفيّ، ونقل شيخنا عن الدمامينيّ في "شرح التسهيل": زَعَمَ في "اللباب" أنه سُمِع في "البتّة" قطع الهمزة، وقال شارحه في "العباب": إنه المسموع، قال البدر: ولا أعرف ذلك من جهة غيرهما، وبالغ في ردّه وتعقُّبه، وتصدّى لذلك أيضًا عبد الملك العصاميّ في حاشيته على شرح القطر. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من كلام المحقّقين أن الصواب في همزة "البتّة" أنها وصل، على ما هو القياس، وليست بقطع؛ لأن ذلك لم يثبُت عند المحققين، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى بيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٤١] ( … ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثنا عَمْرٌو، عَنِ الزهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم في الباب الماضي.
стр. 10069
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب.
٣ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمحيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الحافظ المشهور، من رؤوس ٤١، (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٥ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عمر، أوأبو عبد الله المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فاضلٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢.
والباقون ذُكروا في الباب.
وشرح الحديث واضحٌ، وقد تقدّم تخريجه قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
(٢٢) - (بَابُ النَّهْي عَنْ وَصْلِ النَّافِلَةِ بِالْفَرِيضَةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بِالْكَلَامِ، أَوِ الْخُرُوجِ مِنْ مَحَلِّهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٤٢] (٨٨٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ ابْنِ أُخْتِ نَمِرٍ، يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: نَعَمْ، صَلَّيْتُ مَعَهُ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَة، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ، قُمْتُ فِي مَقَامِي، فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْسَلَ إِلَيَّ، فَقَالَ: لَا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ، إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ، فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ، أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذَلِكَ، أَنْ لَا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ (١)، حَتَّى نتكَلَّمَ، أَوْ نَخْرُجَ).
стр. 10070
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في الباب.
٢ - (غُنْدَرٌ) هو: محمد بن جعفر الْهُذليّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ) -بضم الخاء المعجمة، وتخفيف الواو- المكيّ، مولى بني عامر، ثقة [٤] (م د) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٤٣/ ١٤٧٧.
٥ - (السَّائِبُ ابْنُ أُخْتِ نَمِرِ) بن سعيد بن ثُمَامة الْكِنْديّ، وقيل غير ذلك في نسبه، ويُعْرَف بابن أخت النَّمِر، صحابي صغير، له أحاديث قليلةٌ، وحُجَّ به في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولاه عُمَر ﵁ سوقَ المدينة، مات سنة إحدى وتسعين، وقيل: قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﵃ (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ١٧/ ١٧١٢.
٦ - (مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان صَخْر بن حَرْب بن أُمَيّة الأمويّ، أبو عبد الرحمن الخليفة الصحابيّ، أسلم قبل الفتح، وكَتَبَ الوحيّ، ومات في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "الصلاة" ٨/ ٨٥٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وعمر بن عطاء، تفرّد به المصنّف، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أن فيه من اشتَهَر بالكنية، وهو غُنْدر بضمّ أوله، وسكون النون، وفتح الدال، وتُضمّ، ومعناه المشاغب، ولقبّه به ابن جُريج لَمّا ورد البصرة، كان يكثر التشغيب عليه، وأهل الحجاز يُسَمُّون المشغِّب غُندرًا (١).
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ ﵄.
стр. 10071
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ) بضمّ، ففتح (أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرِ) بن مُطْعِم النوفليّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ المتوفَّى سنة (٩٩ هـ)، تقدّمت ترجمته في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٨٢. (أَرْسَلَهُ) أي: أرسل عمر بن عطاء (إِلَى السَّائِبِ ابْنِ أُخْتِ نَمِرِ) بن جبل خال يزيد بن سعيد، والد السائب، قال في "الإصابة": والنَّمِر خال أبيه يزيد، هو النَّمِر بن جَبَل، ووَهِمَ من قال: إنه النَّمِر بن قاسط. انتهى (١).
(يَسْأَلُهُ) جملة حاليةّ من المفعول (عَنْ شَيءٍ رَآهُ مِنْهُ) أي: من السائب (مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان ﵄، (فِي الصَّلَاةِ) والمعنى أن نافعًا أرسل عمر بن عطاء يسأل السائب بن يزيد عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فأنكره عليه (فَقَالَ) السائب (نَعَمْ) المناسب من معانيها هنا الوعد، كأنه يعده بالإخبار، ثم أخبره، فقال: (صَلَّيْتُ مَعَهُ) أي: مع معاوية ﵁ (الْجُمُعَةَ) أي: صلاتها (فِي الْمَقْصُورَةِ) اسم مفعول من قصر الشيء: إذا حبسه، قال الفيّوميّ ﵀: وقصرته قَصْرًا: حبستُهُ، ومنه ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ [الرحمن: ٧٢]، ومقصورة الدار: الْحُجْرة منها، ومقصورة المسجد أيضًا، وبعضهم يقول: هي مُحَوَّلةٌ عن اسم الفاعل، والأصل: قاصرةٌ؛ لأنها حابسةٌ، كما قيل: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]؛ أي: ساترًا. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ ﵀: المقصورة: موضع من المسجد، تُقصَر على الملوك والأمراء، وأوّل من عَمِلَ ذلك معاوية ﵀ لَمّا ضربه الخارجيّ، واستَمَرّ العمل عليها؛ لهذه العلّة؛ تحصينًا للأمراء، فإن كان اتّخاذها لغير تلك العلّة فلا يجوز، ولا يُصلَّى فيها؛ لتفريقها الصفوف، وحيلولتها بين الإمام وبين المصلّين خلفه مع تمكّنهم من مشاهدة أفعاله، وقد أجازها بعض المتأخّرين لغير التحصين، وفيه بُعْدٌ. انتهى (٣).
(فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ، قُمْتُ فِي مَقَامِي) أي: قمت في مكاني الذي صلّيت فيه
стр. 10072
الجمعة (فَصَلَّيْتُ) أي: النافلة من غير فاصل بينها وبين الفرض (فَلَمَّا دَخَلَ) أي: معاوية ﵁ بيته (أَرْسَلَ إِلَيَّ) أي: للحضور عنده حتى يُبين له خطأه (فَقَالَ: لَا تَعُدْ) بفتح أوله، وضمّ ثانية، من العودة؛ أي: لا ترجع (لِمَا فَعَلْتَ) أي: من وصل النافلة بالفريضة في محلّ واحد (إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ، فَلَا تَصِلْهَا) بفتح أوله، وسكون ثانية، مضارع وَصَلَ الشيءَ بغيره (بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ) بحذف إحدى التاءين، وأصله حتى تتكلّم، كما قال في "الخلاصة":
وَمَا بتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ"تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
(أَو تَخْرُجَ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه من الخروج؛ أي: تنتقل من محلّ الجمعة إلى محلّ آخر من المسجد، ويؤيّد هذا قوله: "حتى تكلَّم"؛ لأن التكليم يكون في المسجد.
ويَحْتَمِلُ أن يكون المراد الخروج من المسجد، فيكون المراد أداء سنّة الجمعة في البيت، وهذا يؤيّده عموم قوله ﷺ : "صلُّوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"، وكذا فعله ﷺ ، كما سبق في حديث ابن عمر ﵄، والاحتمال الأول أقرب، والله تعالى أعلم.
ثمِ ذكر معاوية ﵁ دليلًا ما قاله بالفاء التعليليّة، فقال: (فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنَا بِذلِكَ) أي: بما ذُكر من التكليم، أو الخروج، وقوله: (أَنْ لَا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ) عطف بيان، أو بدل من اسم الإشارة.
قال القرطبيّ ﵀: قوله: "ألا توصل بصلاة" هكذا وقع في إحدى الروايتين، وقد رُوي: "ألا نُوصل صلاةً"، فالأولى: "تُوصَلَ" بالتاء مبنيًّا لما لم يُسمَّ فاعله، وفيه ضمير هو المفعول الذي لم يُسمّ فاعله، و"بصلاة" مُتعلّق به، فعلى هذا يكون النهي مخصوصًا بالجمعة لفظًا، والرواية الأخرى: "نُوصِلَ" بالنون مبنيًّا للفاعل، و"صلاة" مفعول، وهذا اللفظ يعُمّ جميع الصلوات. انتهى (١).
(حَتَّى نَتَكَلَّمَ، أَوْ نَخْرُجَ) بنون المتكلّم، وفي رواية أبي داود: "حتى تتكلّم، أو تخرج" بتاء الخطاب.
قال البيهقيّ ﵀ في "معرفة السنن والآثار" بعد إخراجه هذا الحديث:
стр. 10073
قال الشافعيّ في "سنن حرملة": هذا ثابت عندنا، وبه نأخذ، وهذا في مثل ما رُوي عن النبيّ ﷺ أنه مَرّ برجل يصلي ركعتي الفجر حين أقيمت الصلاة، فقال: "أصلاتان معًا؟ "، كأنه أحبّ أن يَفْصِلها منها حتى تكون المكتوبات منفردات مع السلام، يفصل بعد السلام، وقد رُوي أن النبيّ ﷺ اضطجع بعد ركعتي الفجر، ثم أخرج بسنده عن الشافعيّ، عن سفيان، عن عمر بن عطاء، عن ابن عباس ﵄ أنه كان يأمر إذا صلى المكتوبة فأراد أن يتنفل بعدها أن لا يتنفل حتى يتكلَّم، أو يتقدم، وربما حدثه، فقال: إذا صلى أحدكم المكتوبة، ثم أراد أن يصلي بعدها، فلا يصلي حتى يتقدم، أو يتكلّم. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث معاوية ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٢٠٤٢ و ٢٠٤٣] (٨٨٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٢٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٩٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٧٠٥ و ١٨٦٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٨٤ و ١٩٨٥)، و (البيهقيّ) في "المعرفة" (٢/ ٥٢٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة فصل النافلة عن الفريضة، إما بالكلام، أو الخروج من محلّها، والأفضل الخروج إلى البيت؛ لما تقدّم من قوله ﷺ : "صلُّوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة".
٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ ﵀: فيه دليل على جواز اتخاذ المقصورة في المسجد إذا رآها وليّ الأمر مصلحةً، قالوا: وأول من عملها معاوية بن أبي سفيان ﵄، حين ضربه الخارجيّ.
وقال القاضي عياض ﵀: واختلفوا في المقصورة، فأجازها كثيرون من السلف، وصَلَّوا فيها، منهم الحسن، والقاسم بن محمد، وسالم، وغيرهم.
стр. 10074
وكَرِهها ابنُ عمر، والشعبيّ، وأحمد، وإسحاق، وكان ابن عمر -رضي الله نهما- إذا حضرت الصلاة، وهو في المقصورة، خرج منها إلى المسجد.
قال القاضي: وقيل: إنما تصح فيها الجمعة إذا كانت مباحةً لكل أحد، فإن كانت مخصوصة ببعض الناس ممنوعةً من غيرهم، لم تصح فيها الجمعة؛ لخروجها عن حكم الجامع. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: القول بعدم صحّة الجمعة إذا كانت ممنوعة على الناس، مما لا دليل عليه، وأيضًا إن الإذن للكل يُخرجها عما وُضعت له؛ لأنها ما وضعوها إلا اتّقاء عن الأشرار، فلو سومح لكلّ أحد لفات الغرض.
والحاصل أنها إذا اتُّخذت لغرض صحيح، فجواز الصلاة لمن فيها هو الأرجح؛ لما ذُكِر، فتبصّر، والله تعالى وليّ التوفيق.
٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ أيضًا: فيه دليلٌ لما قاله أصحابنا: إن النافلة الراتبة وغيرها يُسْتَحَبّ أن يُتَحَوَّل لها عن موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحوُّل إلى بيته، وإلا فموضع آخر من المسجد، أو غيره؛ لتَكْثُر مواضعُ سجوده، ولتنفصل صورة النافلة عن صورة الفريضة.
٤ - (ومنها): أنه دليل على أن الفصل بينهما يحصل بالكلام أيضًا، ولكن بالانتقال أفضل؛ لما مرّ آنفًا.
٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: مقصود هذا الحديث منع ما يؤدّي إلى الزيادة على الصلوات المحدودات. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٤٣] ( … ) - (وَحَدَّثنا (١) هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثنا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجِ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءٍ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ابْنَ أُخْتِ نَمِرٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا سَلَّمَ قُمْتُ فِي مَقَامِي، وَلَمْ يَذْكُرِ الْإِمَامَ).
стр. 10075
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الْحَمّال، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الْمِصِّيصيّ الأعور، أبو محمد ترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم الْمِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ) الفاعل ضمير حجاج بن محمد؛ يعني: أنه ساق الحديث بمثل حديث غُنْدر الماضي، إلا أنه لم يذكر لفظ "الإمام" من قوله: "فلما سلّم الإمام"، وإنما ذكره بلا فاعل ظاهر، لكن مثل هذا جائز؛ لأن الفاعل يكون ضمير يعود إلى الإمام؛ لدلالة السياق عليه.
[تنبيه]: رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج هذه ساقها ابن خزيمة ﵀ في "صحيحه" (٣/ ١٠١) فقال:
(١٧٠٥) نا عبد الرحمن بن بشر، نا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، ثنا عمر بن عطاء (١)، وثنا محمد بن رافع، ثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الْخُوَار (ح) وثنا عليّ بن سهل الرمليّ، ثنا الوليد، حدّثني ابن جريج، عن عمر بن عطاء، قال: أرسلني نافع بن جبير إلى السائب بن يزيد أسأله، فسألته، فقال: نعم صليت الجمعة في المقصورة، مع معاوية، فلما سلَّم قمت أصلي، فأرسل إليّ، فأتيته، فقال: إذا صلّيت الجمعة فلا تَصِلْها بصلاة، إلا أن تخرج، أو تتكلم، فإن رسول الله ﷺ أمر بذلك، وقال ابن رافع، وعبد الرحمن: "أمر بذلك ألا توصل صلاة بصلاة، حتى تخرج، أو تتكلم".
قال أبو بكر (٢): عمر بن عطاء بن أبي الْخُوَار هذا ثقة، والآخر هو عمر بن عطاء تَكَلَّم أصحابنا في حديثه؛ لسوء حفظه، قد رَوَى ابن جريج عنهما جميعًا. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 10076
٨ - (كِتَابُ صَلاةِ الْعِيدَيْنِ)
أي هذا كتاب تُذكر فيه الأحاديث الدالّة على أمور صلاة العيدين: عيد الفطر، وعيد الأضحى.
(مسألة): في بيان اشتقاق العيد، ومعناه:
قال القرطبيّ ﵀: سمي العيد عيدًا؛ لعَوْده، وتكرره في كلّ سنة، وقيل: لعوده بالفرح والسرور، وقيل: سمي بذلك على جهة التفاؤل؛ لأنه يعود على من أدركه. انتهى.
ونحوه للنوويّ ﵀ في "شرحه"، وزاد: وقيل: تفاؤلاً بعوده على من أدركه، كما سُمِّيت القافلة حين خروجها، تفاؤلًا؛ لقفولها سالمةً، وهو رجوعها، وحقيقتها الراجعة. انتهى.
وقال الطحطاويّ ﵀: ويُطلق العيد على كلّ يوم مسرّة، ولذا قيل [من البسيط]:
عِيدٌ وَعِيدٌ وَعِيدٌ صِرْنَ مُجْتَمِعَهْ … وَجْهُ الْحَبِيبِ وَيَوْمُ الْعِيدِ وَالْجُمُعَهْ (١)
وقال في "لسان العرب": العيد كلُّ يوم فيه جَمْعٌ، واشتقاقه من عادَ يعود، كأنهم عادوا إليه، وقيل: اشتقاقه من العادة؛ لأنهم اعتادوه، والجمع أعياد، لَزِم البدل، ولو لم يلزم لقيل: أعواد، كريح وأرواح؛ لأنه من عاد يعود، وعَيَّدَ المسلمون: شَهِدُوا عيدهم، قال الْعَجَّاجُ يَصِفُ الثور الوحشيّ [من الرجز]:
وَاعْتَادَ أَرْبَاضًا لَهَا آرِيُّ … كَمَا يَعُودُ الْعِيدَ نَصْرَانِيُّ
стр. 10077
فجَعَل العيد من عاد يعود، وتحولت الواو في "العيد" ياء لكسرة العين، وتصغير "عيد": "عُيَيْدٌ"، تركوه على التغيير، كما أنهم جمعوه أَعْيَادًا، ولم يقولوا: أَعْوَادًا، وقال الأزهريّ: والعيد عند العرب الوقت الذي يعود فيه الفَرَح والْحُزْن، وكان في الأصل "الْعِوْدَ" فلما سَكَنَت الواو، وانكسر ما قبلها صارت ياءً. وقيل: قُلبت الواو ياء ليفرّقوا بين الاسم الحقيقيّ وبين المصدريّ، وقال الجوهريّ: إنما جُمع أعياد بالياء للزومها في الواحد، ويقال: للفرق بينه وبين أعواد الخشب، وقال ابن الأعرابي: سمي العيدُ عيدًا؛ لأنه يعود كلَّ سنة بفرح مجدّد. انتهى.
[فائدة]: جعل الله تعالى للمؤمنين ثلاثة أيَّام عيدًا: الجمعة، والفطر، والأضحى، وكلُّها بعد إكمال العبادة وطاعتهم، وليس العيد لمن لبس الجديد، بل هو لمن طاعته تزيد، ولا لمن تجمّل باللبس والركوب، بل لمن غُفرت له الذنوب، وأما عيدهم في الجنّة، فهو اجتماعهم بربهم، ورؤيتهم له في حضرة القدس، فليس عندهم شيءٌ ألذّ من ذلك (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) - (بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ النِّدَاءُ لَهُمَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٤٤] (٨٨٤) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، أَخْبَرَني الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: شَهِدْتُ صَلَاةَ الْفِطْرِ مَعَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يَخْطُبُ، قَالَ: فَنَزَلَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ، ثُمَّ
стр. 10078
أقبَلَ يَشُقُّهُمْ، حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ مِنْهَا: "أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكِ؟ "، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا مِنْهُنَّ: نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللهِ، لَا يُدْرَى حِينَئِذٍ مَنْ هِيَ؟ قَالَ: "فَتَصَدَّقْنَ"، فَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَلُمَّ فِدًى لَكُنَّ أَبِي وَأُمِّي، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ، وَالْخَوَاتِمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ زاهدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر، أبو محمد الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظٌ مصنِّفٌ شهيرٌ، عَمِيَ في آخر عمره فتغيَّر، وكان يتشيع [٩] (ت ٢١١) وله خمس وثمانون سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأُمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، وكان يدلِّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) وقد جاز السبعين (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٥ - (الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ) بن يَنّاق -بفتح التحتانية، وتشديد النون، وآخره قاف- المكيّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن صفية بنت شيبة، وطاووس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء الكيخارانيّ، وعُبيد بن عُمير، ولم يدركه.
ورَوَى عنه أبان بن صالح، وإبراهيم بن نافع، وعمرو بن مرة، وبُديل بن ميسرة، وابن جريج، وجابر الجعفيّ، وجامع بن أبي راشد، وحميد الطويل، وأسامة بن زيد الليثيّ، وغيرهم.
стр. 10079
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن عيينة: مات الحسن بن مسلم قبل طاوس، وقال ابن سعد: مات قبل طاوس، وكان ثقةً، وله أحاديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو داود: كان من العلماء بطاووس، وقال في "التقريب": مات قديمًا بعد المائة بقليل.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٨٨٤) و (١٠٢١) وأعاده بعده، و (١١٩٥) و (١٢٤٦) و (١٣١٧) و (١٣٢٨) و (٢١٢٣) وأعاده بعده.
٦ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم الفارسيّ، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذَكْوان، وطاوس لقبه، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (١٠٦) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، مات بالطائف سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله منهما، حيث سمع من لفظهما وحده، ولذا قال: "حدّثني"، ثم فرّق بينهما؛ لاختلافهما في صيغة الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، والحسن، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن عم رسول الله ﷺ ، ودعا له ﷺ بالفهم في القرآن، فكان يُسَمَّى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وهو أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة ﵃.
стр. 10080
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ أنه (قَالَ: شَهِدْتُ) بكسر الهاء، من باب علِمَ يعلَم، يقال: شَهِدتُ العيد: بمعنى أدركته، وشَهِدت المجلس: حضرته (١). (صَلَاةَ الْفِطْرِ) منصوب على المفعوليّة، والإضافة من إضافة الشيء إلى سببه (مَعَ نَبِي اللهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ) الصدّيق ﵁ (وَعُمَرَ) بن الخطّاب ﵁ (وَعُثْمَانَ) بن عفّان ﵁ (فَكُلُّهُمْ يُصَفَيهَا) هكذا رواية المصنّف بالإفراد، وهو صحيح؛ نظرًا للفظ "كلّ" فإنه مفرد؛ أي: يصلّي كل منهم صلاة الفطر، وفي رواية البخاريّ: "يصلّونها" بضمير الجمع، وهو ظاهرًا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يَخْطُبُ) بعد الصلاة (قَالَ) ابن عبّاس ﵄: (فَنَزَلَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ ) أي: من منبره إلى الأرض.
[تنبيه]: قال القاضي عياض ﵀ ما حاصله: نزوله ﷺ إلى النساء في خطبته كان في أول الإسلام؛ تأكيدًا لبيعة الإسلام، وهو خاصّ به ﷺ ، فليس للأئمة فعله، ولا يُباح لهم قطع الخطبة بنزول لوعظ النساء، ومن بَعُدَ من الرجال، وقول عطاء: "إن ذلك لحقّ على الأئمة، وما لهم لا يفعلونه" غير موافق عليه. انتهى خلاصة كلام القاضي ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: في كلام القاضي عياض ﵀ هذا مؤاخذات:
(الأولى): قوله: "نزوله ﷺ في خطبته" هذا غير صحيح، بل نزوله كان بعد فراغه من خطبته، فسيأتي في حديث جابر ﵁، ولفظه: "ثم خطب الناس، فلما فرغ نبيّ الله ﷺ نزل، وأتى النساء … " الحديث، فقد صرّح بأن نزوله كان بعد الفراغ، فتبصّر.
(الثانية): قوله: "كان في أول الإسلام، وهو خاصّ به ﷺ " فيه نظرٌ؛ فمن أين دعوى الخصوصيّة؟، فهل له عليه حجة، فتبصّر.
(الثالثة): قوله: "ولا يباح لهم قطع الخطبة بنزول … إلخ" فيه نظر
стр. 10081
أيضًا، فاين دليل عدم إباحة القطع؟ بل هنا اخلاف الثابت في السنّة، فقد سبق أنه ﷺ قال له رجل في أثناء الخطبة: يا رسول الله رجلٌ غريبٌ جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه؟، فأقبل عليه رسول الله ﷺ ، وترك خطبته حتى انتهى إليه، فأُتي بكرسيّ، فقعد عليه، وجعل يعلّمه مما علّمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها، فهل بعد هنا اتطلب البيّنة؟ إن هذا لهو العجب.
(الرابعة): قوله في كلام عطاء: "غير موافَق عليه"، فيه نظر أيضًا، بل غير الموافق هو القاضي عياض، فإن ما قاله عطاء ﵀ هو الموافق للسنّة، ولذلك عقد الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" له بابًا، فقال: "باب موعظة الإمام النساء يوم العيد"، ثم أورد حديث جابر الآتي، وفي آخره قول عطاء هذا.
والحاصل أن مشروعيّة موعظة الإمام النساء في الخطبة هو الحقّ، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ) أي: إلى النبيّ ﷺ (حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ) بتشديد الجيم، من التجليس؛ أي: يأمرهم بالجلوس، مشيرًا إليهم بيده، وكأنهم لَمّا انتَقَل ﷺ عن مكان خطبته أرادوا الانصراف، فأمرهم بالجلوس حتى يفرُغ من حاجته، ثم ينصرفوا جميعًا، أو لعلهم أرادوا أن يتبعوه فمنعهم، وأمرهم بالجلوس (١). (ثُمَّ أَقْبَلَ) بالبناء للفاعل؛ أي: توجّه النبيّ ﷺ (يَشُقُّهُمْ) أي: يشقّ صفوف الرجال الجالسين (حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ، وَمَعَهُ بِلَالٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَقَالَ) أي: قال النبيّ ﷺ ، بمعنى تلا قوله تعالى: (﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢]، فَتَلَا هَذ الْآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا) أي: انتهى من قراءة الآية بتمامها.
وإنما تلا النبيّ ﷺ هذه الآية الكريمة؛ ليُذَكِّرهنّ البيعة التي وقعت بينه
стр. 10082
وبين النساء لَمّا فَتَحَ النبيّ ﷺ مكة، وكان النبيّ ﷺ لَمّا فَرَغَ من أمر الفتح اجتَمَعَ الناس للبيعة، فجَلَس يبايعهم على الصفا، ولَمّا فَرَغ من بيعة الرجال بايع النساء، وذَكَرَ لهنّ ما ذَكَر الله في الآية المذكورة، قاله في "العمدة" (١).
(ثُمَّ قَالَ) ﷺ (حِينَ فَرَغَ مِنْهَا) أي: قراءة الآية المذكورة، وقوله: ("أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكِ؟ ") مقول "قال"، والخطاب للنساء، و (أَنْتُنَّ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أأنتنّ (عَلَى ذَلِكِ؟) بكسر الكاف؛ خطابًا للأنثى؛ أي: أنتنّ على ما ذُكِر في هذه الآية؟ (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا مِنْهُنَّ) أي: من النساء اللاتي حضرن خطبته ﷺ ، وقوله: (نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللهِ) مقول "قلت"؛ أي: نعم، نحن على ذلك.
وفيه دلالة على الاكتفاء في الجواب بـ "نَعَم"، وتنزيلها منزلة الإقرار، وأن جواب الواحد عن الجماعة كافٍ؛ إذا لم يُنكِروا، ولم يمنع مانع من إنكارهم (٢).
(لَا يُدْرَى حِينَئِذٍ مَنْ هِيَ؟) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في جميع نسخ "صحيح مسلم": "حينئذ"، وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ، قال هو وغيره: وهو تصحيفٌ، وصوابه: "لا يَدري حَسَنٌ من هي؟ "، وهو حسن بن مسلم راويه عن طاوس، عن ابن عباس، ووقع في "صحيح البخاريّ" على الصواب، من رواية إسحاق بن نصر، عن عبد الرزاق: "لا يَدري حسنٌ من هي؟ ".
قال النوويّ ﵀: ويَحْتَمِلُ تصحيح "حينئذ"، ويكون معناه: لكثرة النساء، واشتمالهنّ ثيابَهُنَّ لا يدرى من هي؟. انتهى (٣).
وقد تعقّب الحافظ تصحيح النووي المذكور، فقال بعد ذكر كلامه: لكن اتّحاد المخرج دالّ على ترجيح رواية الجماعة، ولا سيما وجودُ هذا الموضع في "مصنَّف عبد الرزاق" الذي أخرجه مسلم من طريقه كالبخاريّ موافقًا لرواية الجماعة، والفرق بين الروايتين أن في رواية الجماعة تعيين الذي لم يدر مَنِ المرأة؟، بخلاف رواية مسلم.
стр. 10083
قال: ولم أقف على تسمية هذه المرأة إلا أنه يَختلج في خاطري أنها أسماء بنت يزيد بن السَّكَن التي تُعْرَف بخطيبة النساء، فإنها رَوَت أصل هذه القصة في حديث أخرجه البيهقيّ، والطبرانيّ، وغيرهما، من طريق شَهْر بن حَوْشَب، عن أسماء بنت يزيد، أن رسول الله ﷺ خرج إلى النساء، وأنا معهنّ، فقال: "يا معشر النساء، إنكن أكثر حَطَبُ جهنّم"، فناديت رسول الله ﷺ ، وكنت عليه جَرِيئة: لِمَ يا رسول الله؟ قال: "لأنكن تُكْثِرن اللعن، وتَكْفُرن العشير … " الحديث، فلا يبعد أن تكون هي التي أجابته أوّلًا بـ "نعم"، فإن القصّة واحدة، فلعل بعض الرواة ذَكَر ما لم يذكره الآخر، كما في نظائره، والله أعلم.
وقد رَوَى الطبراني من وجه آخر، عن أم سلمة الأنصارية، وهي أسماء المذكورة، أنها كانت في النسوة اللاتي أَخَذَ عليهنّ رسول الله ﷺ ما أخذ … الحديث.
ولابن سعد من حديثها: أَخَذ علينا رسول الله ﷺ أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، الآية. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١)، وهو بحث مفيدٌ، وتعقّبه العينيّ على عادته المستمرّة، أعرضت عن ذكره؛ لكونه مجرّد تحامل، فتنبّه.
(قَالَ) ﷺ ("فَتَصَدَّقْنَ") قال العينيّ ﵀: هذه صيغة أمر، أَمَرَهُنّ ﷺ بالصدقة، وهذه الصيغة تشترك فيها جماعة النساء من الماضي، ومن الأمر لهنّ، ويُفَرَّق بينهما بالقرينة.
[فإن قلت]: ما هذه الفاء فيها؟.
[قلت]: يجوز أن تكون للجواب لشرط محذوف، تقديره: إن كنتنّ على ذلكِ، فتصدقن، ويجوز أن تكون للسببية. انتهى كلام العينيّ ﵀ (٢)، وهو بحث نفيسٌ.
وقال الحافظ ﵀: قوله: قال: "فتصدقن" هو فعل أمر لهنّ بالصدقة، والفاء سببية، أو داخلة على جواب شرط محذوف، تقديره: إن كنتن على ذلك فتصدقن، ومناسبته للآية من قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢]،
стр. 10084
فإن ذلك من جملة المعروف الذي أُمِرْنَ به. انتهى (١).
(فَبَسَطَ بِلَالٌ) ﵁ (ثَوْبَهُ) أي: ليجمع صدقات النساء (ثُمَّ قَالَ) بلال ﵁ (هَلُمَّ) هذا على اللغة الفصحى في التعبير بها للمفرد والجمع، قال في "الفتح"؛ أي: أحضرن الصدقات، وادفعنها إليّ.
وقال في "العمدة": لفظ "هَلُمّ" من أسماء الأفعال المتعدية، نحو هَلُمّ زيدًا؛ أي: هاته، وقَرِّبه، وهو مركب من الهاء، ولُمَّ، من لممت الشيء جمعته، وششوي فيه الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، تقول: هَلُمّ يا رجل، هلم يا رجلان، هلم يا رجال، هلم يا امرأةُ، هلم يا امرأتان، هلم يا نسوة، هذه لغة أهل الحجاز، وأما بنو تميم، فيقولون: هَلُمَّ، هَلُمّا، هَلُمّوا، هَلُمِّي، هَلُمّا، هَلْمُمْن والأولى أفصح، ويجيء لازمًا أيضًا، قال تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]. انتهى (٢).
(فدًى) بكسر الفاء والقصر (لَكُنَّ) بضم الكاف وتشديد النون؛ لأنه خطاب للنساء، فقوله: "فدى" مرفوعٌ على أنه خبر لقوله: (أَبِي وَأُمِّي) والتقدير: أبي وأمي مَفْدِيّان لَكُنّ.
قوله: "لكُنَّ" بضم الكاف وتشديد النون.
وقال في "العمدة": "فداء": إذا كُسِر الفاء يُمَدُّ ويُقْصَرُ، وإذا فُتِح فهو مقصور، والفداء: فِكاكُ الأسير، يقال: فداه يَفْديه فِداءً، وفَدىً، وفاداه يفاديه مُفاداةً: إذا أعطى فِداءه، وأنقذه، وفداه بنفسه، وفدّاه: إذا قال له: جُعِلتُ فداك، وقيل: المفاداة أن يُفْتَكّ الأسير بأسير مثله. انتهى (٣).
(فَجَعَلْنَ) أي: شرع النساء (يُلْقِينَ) بضم الياء، من الإلقاء، وهو الرمي؛ أي: يرمين (الْفَتَخَ) منصوب على المفعولية لـ"يُلقين" (وَالْخَوَاتِمَ) منصوب بالعطف على سابقه.
قال النوويّ ﵀: "الفتخ": بفتح الفاء والتاء المثناة فوقُ، وبالخاء المعجمة، واحدها فتَخَةٌ، كقَصَبَة وقَصَب، واختُلِف في تفسيرها، ففي "صحيح
стр. 10085
البخاري"، عن عبد الرزاق قال: هي الخواتيم العظام، وقال الأصمعيّ: هي خواتيم لا فُصُوص لها، وقال ابن السّكِّيت خواتيم تُلْبس في أصابع اليد، وقال ثعلب: وقد يكون في أصابع الواحد من الرجال، وقال ابن دُريد: وقد يكون لها فُصوص، وتجمع أيضًا فَتَخَاتٍ وأَفْتاخٍ.
و"الخواتيم": جمع خاتم، وفيه أربع لغات: فتح التاء، وكسرها، وخاتام، وخيتام. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في "شرح المقدّمة" عند قوله: "وصلّى الله على محمد خاتم النبيين"، أن للخاتم نحو تسع لغات، واستوفيتها نثرًا ونظمًا، فارجع إليه تستفد علمًا، وبالله تعالى التوفيق.
وقال في "الفتح" بعد ذكر تفسير عبد الرزّاق، ما حاصله: ولكن لم يذكر عبد الرزّاق في أيّ شيء كانت تُلْبَس، وقد ذكر ثعلب أنهن كُنّ يلبسنها في أصابع الأرجل، ولهذا عطف عليها "الخواتيم"؛ لأنها عند الإطلاق تنصرف إلى ما يُلْبَس في الأيدي.
وحُكِي عن الأصمعيّ أن الفتخ الخواتيم التي لا فُصوص لها، فعلى هذا هو من عطف الأعمّ على الأخصّ. انتهى (٢).
[تنبيه]: ذكر في "الفتح" هنا، ما نصّه: وقد وقع في بعض طرقه عند مسلم هنا ذكر الخلاخيل. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي عزاه إلى مسلم من ذكر الخلاخيل، لم أجده هنا فيما لديّ من النسخ، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
وقوله (فِي ثَوْبِ بِلَالٍ) متعلّق بـ "يُلقين"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا متّفقٌ عليه.