← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 10011–10050 · переход к 10016.

стр. 10011

وتُعُقّب بأنه أيضًا قياس في مقابلة النصّ، فهو فاسد، ولأن الأمر وقع مقيّدًا بحال الخطبة، فلم يتناول الخطيب. وقال الزين ابن المنير: منع الكلام إنما هو لمن شهد الخطبة، لا لمن خطب، فكذلك الأمر بالإنصات، واستماع الخطبة. الثامن: قيل: لا نُسلّم أن المراد بالركعتين المأمور بهما تحيّة المسجد، بل يَحْتَمِل أن تكون صلاة فائتة، كالصبح مثلًا، قاله بعض الحنفيّة، وقوّاه ابن المنيّر في "الحاشية"، وقال: لعله ﷺ كان كُشف له عن ذلك، وإنما استفهمه مُلاطفةً له في الخطاب، قال: ولو كان المراد بالصلاة التحيّةَ لم يحتج إلى استفهامه؛ لأنه قد رآه لَمّا دخل. وقد تولّى ردّه ابن حبان في "صحيحه"، فقال: لو كان كذلك لم يتكرر أمره له بذلك مرّةً أخرى، ومن هذه المادّة قولهم: إنما أمره بسنة الجمعة التي قبلها، ومستندهم قوله في قصّة سُليك عند ابن ماجه: "أصليت قبل أن تجيء"؛ لأن ظاهره قبل أن تجيء من البيت، ولهذا قال الأوزاعيّ: إن كان صلى في البيت قبل أن يجيء، فلا يصلي إذا دخل المسجد. وتعقّب بأن المانع من صلاة التحيّة لا يُجيز التنفل حال الخطبة مطلقًا. ويَحْتَمِل أن يكون معنى: "قبل أن تجيء" أي: إلى الموضع الذي أنت به الآن، وفائدة الاستفهام احتمال أن يكون صلاها في مؤخر المسجد، ثم تقدّم ليقرب من سماع الخطبة، كما تقدم في قصة الذي تخطى، ويؤكده أن في رواية لمسلم: "أصليت الركعتين" بالألف واللام، وهو للعهد، ولا عهدَ هناك أقرب من تحيّة المسجد، وأما سنة الجمعة التي قبلها، فلم يثبت فيها شيء، كما سيأتي في بابه. التاسع: قيل: لا نسلم أن الخطبة المذكورة كانت للجمعة، ويدلّ على أنها كانت لغيرها قوله للداخل: "أصليت"؛ لأن وقت الصلاة لم يكن دخل. وهذا ينبني على أن الاستفهام وقع عن صلاة الفرض، فيحتاج إلى ثبوت ذلك، وقد وقع في حديث الباب، وفي الذي بعده أن ذلك كان يوم الجمعة، فهو ظاهر في أن الخطبة كانت لصلاة الجمعة. قال جماعة، منهم القرطبيّ: أقوى ما اعتمده المالكية في هذه المسألة

стр. 10012

عمل أهل المدينة خلفًا عن سلف من لدن الصحابة إلى عهد مالك أن التنفل في حال الخطبة ممنوع مطلقًا. وتُعُقّب بمنع اتفاق أهل المدينة على ذلك، فقد ثبت فعل التحيّة عن أبي سعيد الخدريّ، وهو من فقهاء الصحابة، من أهل المدينة، وحمله عنه أصحابه من أهل المدينة أيضًا. فرَوَى الترمذيّ، وابن خُزيمة، وصححاه عن عياض بن أبي سرح: "أن أبا سعيد الخدريّ دخل، ومروان يخطب، فصلى الركعتين، فأراد حَرَس مروان أن يمنعوه، فابى حتى صلاهما، ثم قال: ما كنت لأدعهما بعد أن سمعت رسول الله ﷺ يأمر بهما". انتهى. ولم يثبت عن أحد من الصحابة صريحًا ما يخالف ذلك. وأما ما نقله ابن بطال عن عمر، وعثمان، وغير واحد من الصحابة من المنع مطلقًا، فاعتماده على روايات عنهم، فيها احتمالات، كقول ثعلبة بن أبي مالك: "أدركت عمر، وعثمان -وكان الإمام- إذا خرج تركنا الصلاة". ووجه الاحتمال أن يكون ثعلبة عَنَى بذلك من كان داخل المسجد خاصة. قال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": كلّ من نقل عنه -يعني: من الصحابة- منع الصلاة، والإمام يخطب محمول على من كان داخل المسجد؛ لأنه لم يقع عن أحد منهم التصريح بمنع التحيّة، وقد ورد فيها حديث يخصّها، فلا تترك بالاحتمال. انتهى. قال الحافظ: ولم أقف على ذلك صريحًا عن أحد من الصحابة. وأما ما رواه الطحاويّ عن عبد الله بن صفوان أنه دخل المسجد، وابن الزبير يخطب، فاستلم الركن، ثم سلّم عليه، ثم جلس، ولم يركع. وعبد الله بن صفوان، وعبد الله بن الزبير صحابيّان صغيران، فقد استدلّ به الطحاويّ، فقال: لَمّا لم ينكر ابن الزبير على ابن صفوان، ولا من حضرهما من الصحابة ترك التحئة دلّ على صحة ما قلناه. وتُعُقّب بأن تركهم النكير لا يدلّ على تحريمها، بل يدلّ على عدم وجوبها، ولم يقل به مخالفوهم.

стр. 10013

وسيأتي في أواخر الكلام على هذا الحديث البحث في أن صلاة التحيّة، هل تعمّ كلّ مسجد، أو يُستثنى المسجد الحرام؛ لأن تحيته الطواف؟، فلعل ابن صفوان كان يرى أن تحيّته استلام الركن فقط. قال الجامع عفا الله عنه: كون تحيّة المسجد الحرام الطوافَ فيه نظرٌ، بل الصواب أن تحيّته هي الصلاة، فمن طاف وصلى ركعتين، فلم يخرج من كونه صلى ركعتي التحيّة؛ لأنه لم يجلس قبلهما. والحاصل أن الأمر بركعتي التحيّة يشمل من دخل المسجد الحرام، وأن ركعتي الطواف يتأدّى بهما الأمران جميعًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم. قال: وهذه الأجوبة التي قدّمناها تندفع من أصلها بعموم قوله ﷺ في حديث أبي قتادة ﵁: "إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يُصلي ركعتين"، متفق عليه، وقد تقدّم الكلام عليه. وورد أخصّ منه في حال الخطبة، ففي رواية شعبة، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ يقول: قال رسول الله ﷺ ، وهو يخطب: "إذا جاء أحدكم، والإمام يخطب -أو قد خرج- فليُصلّ ركعتين" متفق عليه أيضًا، ولمسلم من طريق أبي سفيان، عن جابر ﵁، أنه قال ذلك في قصّة سُليك، ولفظه بعد قوله: "فاركعهما، وتجَوَّزْ فيهما": ثم قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوّز فيهما". قال النوويّ ﵀: هذا نصّ لا يتطرّق إليه التأويل، ولا أظنّ عالِمًا يبلغه هذا اللفظ، ويعتقده صحيحًا، فيخالفه. وقال أبو محمد بن أبي جمرة: هذا الذي أخرجه مسلم نصّ في الباب، لا يحتمل التأويل. وحكى ابن دقيق العيد أن بعضهم تأوّل هذا العموم بتأويل مستكره. وكأنه يُشير إلى بعض ما تقدّم من ادّعاء النسخ، أو التخصيص. وقد عارض بعض الحنفية والشافعيّةَ بأنهم لا حجة لهم في قصّة سُليك؛ لأن التحيّة عندهم تسقط بالجلوس، وقد تقدّم جوابه. وعارض بعضهم بحديث أبي سعيد ﵁ رفعه: "لا تصلّوا، والإمام يخطب".

стр. 10014

وتعقّب بأنه لا يثبت، وعلى تقدير ثبوته، فيخصّ عمومه بالأمر بصلاة التحيّة. وبعضهم بأن عمر ﵁ لم يأمر عثمان ﵁ بصلاة التحيّة مع أنه أنكر عليه الاقتصار على الوضوء. وأجيب باحتمال أن يكون صلّاهما. [فائدة]: قيل: يُخصّ عموم حديث الباب بالداخل في آخر الخطبة، كما تقدّم. قال الشافعيّ ﵀: للإمام أن يأمر الآتي بالركعتين، ويزيد في كلامه ما يُمكنُهُ الإتيان بهما قبل إقامة الصلاة، فإن لم يفعل كرهت ذلك. وحَكَى النوويّ عن المحققين أن المختار إن لم لفعل أن يقف حتى تقام الصلاة؛ لئلا يكون جالسًا بغير تحيّة، أو متنفّلًا حال إقامة الصلاة. واستثنى المحامليّ المسجد الحرام؛ لأن تحيّته الطواف. قال الحافظ ﵀: وفيه نظر؛ لطول زمن الطواف بالنسبة إلى الركعتين. والذي يظهر من قولهم: إن تحية المسجد الحرام الطواف، إنما هو في حقّ القادم؛ ليكون أول شيء يفعله الطواف، وأما المقيم، فحكم المسجد الحرام وغيره في ذلك سواء، ولعل قول من أطلق أنه يبدأ في المسجد الحرام بالطواف؛ لكون الطواف يعقبه صلاة الركعتين، فيحصل شغل البقعة بالصلاة غالبًا، وهو المقصود، ويختصّ المسجد الحرام بزيادة الطواف، والله تعالى أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقَدَّم أن الصواب، والقول الحقّ الواضح في هذه المسألة هو ما ذهب إليه المجوّزون لأداء ركعتي التحيّة لمن دخل المسجد، والإمام يخطب؛ لوضوح أدلته، وضعف ما عارضه مما ذكره المانعون، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 10015

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠١٩] ( … ) - (حَدَّثنَا (١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرٍو (٢)، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا قَالَ حَمَّادٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّكْعَتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح العبديّ مولاهم، أبو يوسف الدَّوْرقيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) وله ست وثمانون سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩. ٣ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأَسَديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) وهو ابن ثلاث وثمانين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَمِيمة كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء الْعُبّاد [٥] (ت ١٣١) وله خمس وستون سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (كَمَا قَالَ حَمَّادٌ) يعني: أن أيوب السَّخْتيانيّ، روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار كرواية حمّاد بن زيد، عنه الماضي، غير أنه. وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّكْعَتَيْنِ) يعني: أن أيوب لم يذكر قوله: "صلّ الركعتين"، بل اقتصر على قوله: "قم فاركع"، وهذا مثل رواية حمّاد، وإنما ذكره تأكيدًا لقوله: "كما قال حمّاد"، فتفطّن. [تنبيه]: رواية أيوب، عن عمرو هذه ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" (٢/ ٤٦٠) فقال: (١٩٦٤) حدّثنا إبراهيم بن محمد بن يحيى، ثنا محمد بن إسحاق بن

стр. 10016

خزيمة، ثنا يعقوب بن إبراهيم (ح) وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا ابن أبي عاصم، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قالا: ثنا ابن عُلَيّة، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: دخل رجل والنبيّ ﷺ يخطب، فقال: "أصليت؟ "، قال: لا، قال: "قم، فاركع". قال: لفظ يعقوب، رواه مسلم عن يعقوب، وأبي بكر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٢٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثنا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: "أَصَلَّيْتَ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "قُمْ، فَصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ"، وَفِي رِوَايَةِ قتيْبَةَ: قَالَ: "صَلِّ رَكْعَتَيْنِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (١٣٢) من رباعيّات الكتاب. وقوله: (عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينار، وقد وقع تصريح سفيان بتحديث عمرو له، في هذا الحديث عند أبي نعيم في "مستخرجه" رقم (١٩٦٥) (١)، وقد قرنه بأبي الزبير. وقوله: (فَصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ) "أل" فيه للعهد؛ أي: الركعتين المعهودتين لمن دخل المسجد.

стр. 10017

[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار هذه ساقها البخاريّ ﵀، فقال: (٩٣١) حدّثنا عليّ بن عبد الله، قال: حدّثنا سفيان، عن عمرو، سمع جابرًا، قال: دخل رجل يوم الجمعة، والنبيّ ﷺ يخطب، فقال: "أصليت؟ "، قال: "لا"، قال: "قم، فصلّ ركعتين". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٢١] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ، وَالنَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ: "أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟ "، قَالَ: لَا، فَقَالَ: "ارْكَعْ"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقَدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، تقدّم قبل باب. ٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ شهيرٌ، عَمِيَ في آخر عمره، فتغيَّرَ، وكان يتشيع [٩] (ت ٢١١) وله خمس وثمانون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨. ٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، وكان يُدَلِّس، ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها، وقد جاز السبعين (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩. والباقيان ذُكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 10018

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٢٢] ( … ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّد، وَهُوً بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو (١)، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ، فَقَالَ: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببُندار، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، لْقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: ("إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ، فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ") هذه الرواية مختصرة، تبيّنها رواية أبي الزبير، عن جابر ﵁ التالية: قال: جاء سُليك الغَطَفاني يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقعد سُلمِك قبل أن يُصلي، فقال له النبيّ ﷺ : "أركعت ركعتين؟ " قال: لا، قال: "قم، فاركعهما". وأتمّ منها رواية أبي سفيان، عن جابر ﵁ الآتية أيضًا: قال: جاء سُليك الغَطَفاني يوم الجمعة، ورسول الله ﷺ يخطب، فجلس، فقال له: "يا سُليك قم، فاركع ركعتين، وتجوَّز فيهما"، ثم قال: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوَّزْ فيهما". والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٢٣] ( … ) - (وَحَدَّثنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ سُلَيْكٌ

стр. 10019

الْغَطَفَانِيُّ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَاعِدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَعَدَ سُلَيْكٌ، قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "أَرَكَعْتَ رَكْعَتَيْنِ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "قُمْ، فَارْكَعْهُمَا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن المهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨. ٢ - (اللَّيْثُ) بن سَعْد بن عبد الرحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢. ٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ، إلا أنه يُدَلِّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩. والباقيان ذُكرا في الباب. وقوله: (جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ) (١) قال في "الإصابة": سُلَيك بن عمرو، أو ابن هُدْبة الغَطَفانيّ، ووقع ذكره في "الصحيح" من حديث جابر ﵁ أنه دخل يوم الجمعة والنبيّ ﷺ يخطب، فقال: "أصليت؟ "، وهو في البخاريّ مبهم. ورواه أحمد، والدارقطنيّ من طريق أبي سفيان، عن جابر، فقال عن سليك، قال: قال النبيّ ﷺ ، وأخرجه أحمد من وجه آخر، فقال: عن جابر، جاء رجل من غَطَفان، يقال له سُليك. وروى ابن ماجه، وأبو يعلى، من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وعن أبي سفيان، عن جابر، قالا: إن سُليكًا جاء، وهو عند مسلم، وأبي داود، وابن خزيمة، من طريق جابر فقط. وروي عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، وله أصل في النسائيّ من طريق عياض، عن أبي سعيد، ورواه جماعة عن أبي الزبير. انتهى (٢).

стр. 10020

والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٢٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، كلَاهُمَا عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ خَشْرَمٍ: أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ، فَجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ: "يَا سُلَيْكُ، قُمْ، فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا"، ثُمَّ قَالَ: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ) بمعجمتين، بوزن جعفر، المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥. ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفي، نَزَل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧) وقيل: سنة إحدى وتسعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسدي الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءات، وَرعٌ، لكنه يُدَلِّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧. ٥ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الواسطيّ الإسكاف، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا) أي: خفّف أداءهما، قال الفيّوميّ ﵀: تجوّزتُ في الصلاة: ترخّصتُ، فأتيتُ بأقلّ ما يكفي. انتهى (١)، وفيه الأمر بتقصير ركعتي التحيّة حال الخطبة.

стр. 10021

والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (١٨) - (بَابُ بَيَانِ مَشْرُوعِيَّةِ التَّعْلِيمِ فِي حَالْ الْخُطْبَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٢٥] (٨٧٦) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو رِفَاعَةَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ يَخْطُبُ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَجُلٌ غَرِيبٌ، جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ، لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ، حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا، قَالَ: فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ، فَأَتَمَّ آخِرَهَا). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ). ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١١. ٣ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) العدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقة فقيه [٣] (ع) تقدم في "الحيض" ٢١/ ٧٩١. ٤ - (أَبُو رِفَاعَةَ) الْعَدَويّ، قيل: اسمه تَمِيم بن أَسَد، وقيل: ابن أُسيد، وقيل: اسمه عبد الله بن الحارث بن عبد الحارث بن أسد بن عديّ جَرْوَل، وقيل: جَنْدَل بن عامر بن مالك بن تميم بن الدؤل بن حِسْل بن عديّ بن عبد مناة بن أُدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعنه حميد بن هلال، وصِلَة بن أَشْيم العدويان المجريان، قال ابن عبد البر: كان من فضلاء الصحابة يُعَدّ في أهل البصرة،

стр. 10022

قُتل بكابُل سنة أربع وأربعين، قال الدارقطنيّ: تميم بن أَسِيد بالفتح، وقال غيره بالضمّ، فالله أعلم، وقال خليفة بن خياط: سنة أربع وأربعين فَتَحَ ابنُ عامر كابلَ، وقُتل بها أبو قتادة العَدَويّ، ويقال: إن الذي قُتل أبو رفاعة العدوي. روى له البخاري في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والنسائيّ، له عندهم هذا الحديث فقط، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رُباعيّات المصنّف، وهو (١٣٤) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، والصحابيّ، كما أسلفته آنفًا. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، وشيخه، أُبُليّ، من قرية بالبصرة يقال لها: أُبُلّة. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه ﵁ من المقلّين من الرواية، فليس له غير هذا الحديث، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عَنْ (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ)، أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو رِفَاعَةَ) الْعَدويّ الصحابيّ ﵁ (انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ) أي: وصلت إلى مجلسه ﷺ (وَهُوَ يَخْطُبُ) جملة حاليّة، قال القرطبيّ ﵀: يَحْتَمِل أن تكون تلك الخطبة للجمعة، أو لغيرها؛ إذ قد كان النبيّ ﷺ يجمع الناس لغير الجمعة عند نزول النوازل، فيخطبهم، ويعظهم. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر صنيع المصنّف ﵀ يدلّ على أنه يرى أنها خطبة الجمعة، فتأمّل، والله تعالى أعلم.

стр. 10023

(قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَجُلٌ) خبر لمحذوف؛ أي: أنا رجلٌ (غَرِيبٌ) فَعِيل بمعنى فاعل، قال في "المصباح": غزب الشخص بالضم، من باب شَرُف غَرابة: بَعُد عن وطنه، فهو غريبٌ، فَعِيل بمعنى فاعلٍ، وجمعه غُرباء (١). (جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ) أي: أمور دينه، وتفاصيلها، وقوله: (لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ) جملة حاليّة من فاعل "يسأل". قال القرطبيّ ﵀: قوله: "رجلٌ غريبٌ … إلخ" استلطافٌ في السؤال، واستخراجٌ حسَنٌ للتعليم؛ لأنه لَمّا أخبره بذلك تعيّن عليه أن يُعلّمه، وأيضًا، فإن هذا الرجل الغريب الذي جاء سائلًا عن دينه هو من النوع الذي قال فيه النبيّ ﷺ : "إن أُناسًا يأتونكم من أقطار الأرض يطلبون العلم، فاستوصوا بهم خيرًا" (٢)، فإنه ﷺ كان لا يأمر بشيء إلا كان أوّل آخذ به، وإذا نَهَى عن شيء كان أوّل تارك له. انتهى (٣). (قَالَ) أبو رفاعة ﵁ (فَأَقْبَلَ عَلَي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ) إنما فعل ذلك؛ لتعيّنه عليه في الحال، ولخوف الفوت، ولأنه لا يناقض ما كان فيه من الخطبة، ومشيه ﷺ ، وقربه منه في تلك الحال مبادرة لاغتنام الفُرْصة، وإظهار التّهَمُّم بشأن السائل، قاله القرطبيّ ﵀ (٤). (حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ) أي: وصل إلى المكان الذي جلست فيه (فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ) بضمّ الكاف، أشهر من كسرها، والجمع الكراسيّ مثقّل أيضًا، وقد يُخفّف، قال ابن السّكّيت في "باب ما يُشدّد": وكلُّ ما كان واحدة مشدّدًا، شَدَّدتَ

стр. 10024

جمعه، وإن شئتَ خفّفت. أفاده الفيّوميّ (١). (حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا) أي: ظننتُ أن قوائم ذلك الكرسيّ كانت حديدًا، ووقع عند النسائيّ بلفظ: "خِلْتُ" -بكسر الخاء المعجمة- من أخوات "ظَنّ"، يقال: خال الرجل الشيءَ يَخالُهُ خَيلًا، من باب نال: ظنّه، وخالة يَخِيله من باب باع لغةٌ، وفي المضارع للمتكلّم يقال: إِخاله بكسر الهمزة على غير قياس، وهو أكثر استعمالًا، وبنوأسد يفتحون على القياس. قاله الفيّوميّ. وقال النوويّ ﵀ في "شرحه": هكذا هو في جميع النسخ "حسبت"، ورواه ابن أبي خيثمة في غير "صحيح مسلم": "خلت" بكسر الخاء، وسكون اللام، وهو بمعنى "حسبت". وقال القاضي: ووقع في نسخة ابن الحذّاء "خشب" بالخاء، والشين المعجمتين، وفي كتاب ابن قُتيبة "خلب" بضم الخاء، وآخره باء موحّدة، وفسّروه باللِّيف، وكلاهما تصحيف، والصواب "حسبت" بمعنى ظننت، كما هو في نسخ مسلم، وغيره من الكتب المعتمدة. انتهى (٢). وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "حسبت قوائمه حديدًا": هكذا صحيح الرواية، وذكره ابن قُتيبة، وقال: "بكرسيّ خُلْب" قال: والْخُلْب: اللِّيف، وهو تصحيف منه، وإنما هو "خِلْتُ" كما رواه ابن أبي شيبة، وهو بمعنى "حسبت" الذي رواه مسلم، ووقع في نسخة ابن الحذّاء: "بكرسيّ خشب"، وهو أيضًا تصحيف، وصوابه ما قدّمناه، وقد فسّره حميد في كتاب ابن أبي شيبة، فقال: أراه كان من عُود أسود، فحسبه من حديد. قال القرطبيّ: وأظنّ أن هذا الكرسيّ هو المنبر، ويعني به: أنه نُقل عن موضعه المعتاد إلى موضع السائل؛ ليجلس عليه النبيّ ﷺ . انتهى (٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون الكرسيّ هذا هو المنبر النبويّ بعيدٌ بل الظاهر أنه كرسيّ آخر، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم. (قَالَ) رفاعة ﵁ (فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) إنما قعد ﷺ على الكرسيّ

стр. 10025

ليسمع الباقون كلامه، ويروا شَخْصَه الكريم ﷺ (وَجَعَلَ) أي: شَرَع ﷺ (يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ) أي: من الأحكام الشرعيّة التي يجهلها هو (ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ) أي: محلّ خطبته، وهو المنبر المعروف (فَأَتَمَّ آخِرَهَا). أي: أتمّ الخطبة التي بدأ بها، قال القرطبيّ: أي: لَمّا فرغ من تعليم الرجل رجع إلى أسلوب خطبته المتقدّم، لا يقال: إن هذا الفعل منه ﷺ قطعٌ للخطبة؛ لِمَا قرّرناه من أن تعليم العلم، والأمر، والنهي في الخطبة لا يكون قاطعًا للخطبة، والجمهور على أن الكلام في الخطبة لأمر يحدُث لا يفسدها، وحَكَى الخطّابيّ عن بعض العلماء أن الخطيب إذا تكلّم في الخطبة أعادها. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول الذي عزاه الخطّابيّ لبعض العلماء من إعادة الخطبة بسبب الكلام قول ضعيف، منابذ للسنّة الصحيحة، كحديث الباب، وحديث قصّة سُليك الغطفانيّ ﵁ المذكور في الباب الماضي، حيث قال له ﷺ عن ركعتي تحية المسجد، وأمره بهما، إلى غير ذلك. وكذا قول النوويّ في "شرحه" ٦/ ١٦٤: يَحْتَمِل أن تكون هذه الخطبة التي كان النبيّ ﷺ فيها خطبة أمر غير الجمعة، ولهذا قطعها بهذا الفصل الطويل، ويَحْتَمِل أنها كانت الجمعة، واستأنفها، ويَحْتَمِل أنه لم يحصل فصل طويل، ويَحْتَمِل أن كلامه لهذا الغريب كان متعلّقًا بالخطبة، فيكون منها، ولا يضرّ المشي في أثنائها. انتهى. فكلّ هذه الاحتمالات مما لا ينبني على دليل، فأين النصّ، أو الإجماع الذي يمنع الخطيب للجمعة من الكلام للحاجة، مثل التعليم، أو غيره؟ ومن أين اشتراط عدم الفصل أثناء الخطبة بكلام ونحوه؟ ومن الغريب قوله: "واستأنفها" مع أن نصّ "صحيح مسلم": "فأتمّ آخرها"، إن هذا لشيء عُجاب!، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.

стр. 10026

مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي رِفاعة العدويّ ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٢٠٢٥] (٨٧٦)، و (النسائيّ) في "كتاب الزينة" (٥٣٧٩) و" الكبرى" (٩٨٢٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٨٠)، و (البخاريّ) في "الأدب المفرد" (١١٦٤)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٥٧ و ١٨٠٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٧٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة التعليم أثناء الخطبة. ٢ - (ومنها): بيان جواز الجلوس على الكراسيّ. ٣ - (ومنها): استحباب تلطّف السائل في عبارته، وسؤاله العالم. ٤ - (ومنها): أن فيه تواضعَ النبيّ ﷺ ، ورفقه بالمسلمين، وشفقته عليهم، وخفض جناحه لهم، كما وصفه الله حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. ٥ - (ومنها): المبادرة إلى جواب المستفتي، وتقديم أهمّ الأمور، فأهمّها، ولعله كان سائلًا عن الإيمان، وقواعده المهمّة، وقد اتّفق العلماء على أن من جاء يسأل عن الإيمان، وكيفيّة الدخول في الإسلام وجب إجابته، وتعليمه على الفور، قاله النوويّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 10027

(١٩) - (بَابُ مَا يُقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٢٦] (٨٧٧) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى لَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْجُمُعَةَ، فَقَرَأَ بَعْدَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، قَالَ: فَأَدْرَكْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ حِينَ انْصَرَفَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ قَرَأْتَ (١) بِسُورَتَيْنِ، كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَقْرَأُ بِهِمَا بِالْكُوفَةِ (٢)، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهِمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الْقَعْنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وسكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، كان ابن معين، وابن المدينيّ لا يقدِّمان عليه في "الموطأ" أحدًا، من صغار [٩] مات في أول سنة (٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧. ٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠. ٣ - (جَعْفَرُ) بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو عبد الله المعروف بـ "الصادق"، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [٦] (ت ١٤٨) (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ١٠/ ٧٤٩. ٤ - (أَبُوهُ) محمد بن عليّ بن الحسين بن على بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، ثقةٌ فاضلٌ [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦١.

стр. 10028

٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ) المدنيّ، مولى النبيّ ﷺ ، كان كاتب عليّ ﵁، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٢٨/ ١٨١٢. ٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وجعفر، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح". ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن) عبد الله (بْنِ أَبِي رَافِع) المدنيّ، مولى النبيّ ﷺ أنه (قَالَ: اسْتَخْلَفَ) بالبناء للفاعل (مَرْوَانُ) بالرفًع على الفاعليّة، وهو مروان بن الحكم بن أبي العا عبن أُمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصَيّ الأمويّ، أبو عبد الملك، ويقال: أبو القاسم، ويقال: أبو الحكم، أمه آمنة بنت عَلْقَمة بن صفوان الكنانيّ، وتكنى أم عثمان المدنيّ، وُلد بعد الهجرة بسنتين، وقيل: بأربع، وروى عن النبيّ ﷺ ، ولا يصح له منه سماع. كَتَب لعثمان ﵁، ووَلي إِمْرة المدينة أيام معاوية ﵁، وبويع له بالخلافة بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية بالجابِيَة، وكان الضحاك بن قيس غَلَب على دِمشق، ودعا لابن الزبير، ثم دعا لنفسه، فواقعه مَرْوان بِمَرْج راهط، فقُتل الضحاك، وغَلَب مروان على دمشق، ثم على مصر، ومات في رمضان سنة خمس وستين، وله ثلاث، أو إحدى وستون سنةً، وكانت ولايته تسعة أشهر، قال البخاريّ: لم ير النبيّ ﷺ (١).

стр. 10029

أخرج البخاريّ، والأربعة، وليست له رواية في هذا الكتاب، وإنما له ذكر فقط. (أَبَا هُرَيْرَةَ) منصوب على المفعولية (عَلَى الْمَدِينَةِ) أي: حين كان واليًا عليها أيام معاوية زيبنه، كما مرّ آنفًا (وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى لنَا أَبُو هُرَيرَةَ) ﵁ (الْجُمُعَةَ) أي: صلاتها (فَقَرَأَ بَعْدَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾) أي: هذه السورة بكاملها، وفي رواية حاتم بن إسماعيل، عن جعفر التالية: فقرأ بـ "سورة الجمعة" في السجدة الأولى، وفي الآخرة ﴿الْمُنَافِقُونَ﴾. (قَالَ) عبيد الله بن أبي رافع (فَأَدْرَكْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) ﵁ (حِينَ انْصَرَفَ) أي: انتهى من صلاة الجمعة، ورجع إلى بيته، وفي رواية لأبي نعيم في "مستخرجه": "فلما انصرف مشيتُ إلى جنبه، فقلت: يا أبا هريرة لقد سمعتك قرأت … ". (فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ قَرَأْتَ (١) بِسُورَتَيْنِ، كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) ﵁ (يَقْرَأُ بِهِمَا بِالْكُوفَةِ) وفي نسخة: "في الكوفة" (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ (إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهِمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وفي رواية أبي نعيم: "قرأ بهما حِبِّي أبو القاسم ﷺ ". وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنّفه"، قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة، والمنافقين، فأما سورة الجمعة، فيبشّر بها المؤمنين، ويُحَرِّضهم، وأما سورة المنافقين، فَيُوئس بها المنافقين، ويوبِّخُهم (٢)، وهو حديث مرسلٌ. قال القرطبيّ ﵀: قراءة النبيّ ﷺ في الجمعة بسورتها؛ ليذكّرهم بأمرها، ويُبيّن تأكيدها، وأحكامها، وأما قراءة "سورة المنافقين" فلتوبيخ مَن يحضرها من المنافقين؛ لأنه قلّ من كان يتأخّر عن الجمعة منهم؛ إذ قد كان ﷺ هدَّد على التخلّف عنها بتحريق البيوت على من فيها، ولعلّ هذا -والله أعلم- كان في أول الأمر، فلَمّا عقل الناس أحكام الجمعة، وحَصَلَ توبيخ المنافقين عَدَلَ عنها إلى قراءة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، على ما في حديث النعمان بن بشير ﵁؛ لِمَا تضمّنتاه من الوعظ، والتحذير،

стр. 10030

والتذكير، وليُخفّف أيضًا عن الناس، كما قال لمعاذ ﵁: "إذا أممتَ الناس، فاقرأ بالشمس وضحاها، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ "، متّفقٌ عليه. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "كان في أول الأمر … إلخ" فيه نظرٌ؛ لأنه لا دليل عليه، بل الأولى أن يُحمل على أنه كان يقرأ تارة بهذا، وتارةً بهذا، كما يأتي تحقيقه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٢٠٢٦ و ٢٠٢٧] (٨٧٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٢٤)، و (الترمذيّ) فيها (٥١٩)، و (ابن ماجه) في إقامة "الصلاة" (١١١٨)، و (النسائيّ) في "الكبرى" (١٦٦١)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٢٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٨٤٣ و ١٨٤٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٧١ و ١٩٧٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة قراءة سورة بعد الفاتحة. ٢ - (ومنها): بيان استحباب الجهر بالقراءة في صلاة الجمعة. ٣ - (ومنها): بيان استحباب القراءة في الركعتين بهاتين السورتين، وفي الحديث الآخر القراءة في العيد بـ ﴿ق﴾ ﴿اقْتَرَبَتِ﴾، وكلاهما صحيحٌ، فكان النبيّ ﷺ في وقت يقرأ في الجمعة "سورة الجمعة"، و"سورة المنافقين"، وفي وقت ﴿سَبِّحِ﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾، وفي وقت يقرأ في العيد ﴿اقْتَرَبَتِ﴾، و ﴿سَبِّحِ﴾، وفي وقت ﴿سَبِّحِ﴾، ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾. قاله النوويّ ﵀ (١). ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من اقتفاء آثار النبيّ ﷺ في

стр. 10031

صلاتهم، وقراءتهم، وسائر أحوالهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيم يُقرأ في صلاة الجمعة: قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀ في "التمهيد": اختَلَف الفقهاء فيما يُقرأ به في صلاة الجمعة، فقال مالك: أَحَبّ إليّ أن يقرأ الإمام في الجمعة ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، مع "سورة الجمعة"، وقال مرةً أخرى: أما الذي جاء به الحديث فـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، مع سورة الجمعة، والذي أدركت عليه الناس ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾. قال أبو عمر ﵀: تحصيل مذهب مالك أن كلتا السورتين قراءتهما حسنة مستحبة مع سورة الجمعة في الركعة الثانية، وأما الأولى فسورة الجمعة، ولا ينبغي للإمام عنده أن يترك "سورة الجمعة"، ولا "سورة ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ " في الثانية، فإن فَعَل، وقرأ بغيرهما فقد أساء، وبئسما صنع، ولا تفسد بذلك عليه صلاته؛ إذا قرأ بأمّ القرآن، وسورة معها في كل ركعة منها. وقال الشافعيّ، وأبو ثور: يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الجمعة بـ "سورة الجمعة"، وفي الثانية ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، وَيستحِبّ مالك، والشافعيّ، وأبو ثور، وداود بن عليّ ألا يترك "سورة الجمعة" على حال (١). وقال في "الاستذكار": قال الأوزاعيّ: ما نعلم أحدًا من أئمة المسلمين ترك "سورة الجمعة" يوم الجمعة. وقال الشافعيّ: أختار أن يقرأ في الأولى بـ "سورة الجمعة"، وفي الثانية ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، وهو قول عليّ، وأبي هريرة، وجماعة. وقال مالك، والشافعيّ، وداود: لا يترك قراءة "سورة الجمعة" في الركعة الأولى على كلل حالٍ، فإن لم يقرأها لم تفسد صلاته، وقد أساء، وترك ما يُستَحَبّ له. انتهى (٢). وقال أبو حنيفة، وأصحابه: ما قرأ به الإمام في صلاة الجمعة فحسنٌ،

стр. 10032

و"سورة الجمعة" وغيرها في ذلك سواءٌ، وَيكرَهون أن يؤقت في ذلك شيء من القرآن بعينه. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه خلاف السنّة الصحيحة، فلا يُلتَفت إليه، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد. قال أبو محمد بن حزم ﵀: وقال أبو حنيفة: يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ يَلْتَزِمُ في الْجُمُعَةِ أو غَيْرِهَا سُورَةً بِعَيْنِهَا، أو سُوَرًا بِعَيْنِهَا، قال: كَرِهَ السُّنَّةَ، وَخَالَفَ فِعْلَ رسول اللهِ ﷺ ، وَكَذَلِكَ من كَرِهَ شيئًا مِمَّا صَحَّ أَنَّهُ ﵇ فَعَلَهُ. انتهى (١). وقد ذكر أبو بكر بن أبي شيبة ﵀ قول أبي حنيفة هذا في "كتاب الردّ على أبي حنيفة" من "مصنّفه" فقال: هذا ما خالف فيه أبو حنيفة الأثر الذي جاء عن رسول الله ﷺ (٢). وقال الثوريّ: لا يَعْتَمِد أن يقرأ في الجمعة بالسور التي جاءت في الأحاديث، ولكنه يتعمدها أحيانًا، ويدعها أحيانًا. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الثوريّ أيضًا من جنس ما قبله، كيف لا يُعْتَمَد ما صحّ عن النبيّ ﷺ أنه كان يفعله؟، إن هذا لهو العجب العُجاب. وبالجملة فهذا قولٌ مخالف للسنّة الصحيحة الصريحة، فلا ينبغي الالتفات إليه. والحاصل أن الحقّ والصواب أنه يُستحبّ للإمام أن يقرأ في صلاة الجمعة بسورتي الجمعة، والمنافقون، وأحيانًا بسورتي الأعلى والغاشية؟ اقتداء بالنبيّ ﷺ ، وقد سبق عن مالك، والشافعيّ، وداود -رحمهم الله تعالى- أنهم قالوا: لا يترك قراءة "سورة الجمعة" في الركعة الأولى على كل حالٍ، فإن لم يقرأها لم تفسد صلاته، وقد أساء، وترك ما يُستَحَبّ له، وهذا هو الحقّ الذي لا مرية فيه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 10033

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٢٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا (١) قُتَيْبَهُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ، كِلَاهُمَا عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ، بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ حَاتِمٍ: فَقَرَأَ بِـ "سُورَةِ الْجُمُعَةِ" فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى، وَفِي الْآخِرَةِ (٢): ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، وَرِوَايَةُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلُ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب أيضًا. ٣ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المدنيّ، أبو إسماعيل الحارثيّ مولاهم، أصله من الكوفة، صحيح الكتاب، صدوقٌ يَهِمُ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦. ٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد بن عُبيد، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ [٨] (٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية حاتم بن إسماعيل، عن جعفر هذه ساقها ابن ماجه ﵀ في "سننه"، فقال: (١١١٨) حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا حاتم بن إسماعيل المدنيّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، قال: استَخْلَف مروان أبا هريرة على المدينة، فخرج إلى مكة، فصلى بنا أبو هريرة يوم الجمعة، فقرأ بـ "سورة الجمعة" في السجدة الأولى، وفي الآخرة ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، قال عبيد الله: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت له: إنك قرأت بسورتين، كان عليّ يقرأ بهما بالكوفة، فقال أبو هريرة: إني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما. انتهى.

стр. 10034

وأما رواية عبد العزيز الدّرَاورْديّ، عن جعفر، ساقها الإمام الشافعيّ ﵀ في "المسند" (١/ ٦٩) فقال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ أنه قرأ في الجمعة بـ "سورة الجمعة"، ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، قال عبيد الله: فقلت له: قد قرأت بسورتين كان عليّ بن أبي طالب ﵁ يقرأ بهما في الجمعة، فقال: إن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهما. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٢٨] (٨٧٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ، مَوْلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ، بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، وَ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ في يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا في الصَّلَاتَيْنِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في السند الماضي. ٣ - (إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب. ٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضَّبّيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) وله إحدى وسبعون سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠. ٥ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ) بن الأجدع الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن أبيه، وأنس بن مالك، وقيس بن مسلم، وغيرهم.

стр. 10035

وروى عنه شعبة، والثوريّ، ومِسْعَرٌ، وأبو عوانة، وجرير، وعدّة. قال أحمد، وأبو حاتم: ثقةٌ، صدوقٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: شريفٌ، كوفيّ، ثقةٌ، وقال العجليّ، وابن سعد، ويحيى بن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٨٧٨)، وحديث (١١٩٢): "أنا طيّبت رسول الله ﷺ عند إحرامه … " الحديث، كرّره ثلاث مرّات. ٦ - (أَبُوهُ) محمد بن المنتشر بن الأجدع الْهَمْدانيّ ثم الوادعي الكوفيّ، ثقةٌ [٤]. روى عن عمة مسروق، على خلاف، وأبيه المنتشر، وابن عمر، وعائشة، وغيرهم. وعنه ابنه إبراهيم، ومجالد، وسماك بن حرب. وثقه أحمد وقال فيه خيرًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث قليلة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم (٨٧٨) و (١١٦٣) و (١١٩٢) وكرره ثلاث مرات. ٧ - (حَبِيبُ بْنُ سَالِمٍ، مَوْلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) وكاتبه، ثقةٌ (١) [٣] (م ٤). رَوَى عن مولاه، وعن حبيب بن يساف عنه، على اختلاف في ذلك، وقيل: عن أبيه، عن النعمان بن بشير، ورَوَى عن أبي هريرة. ورَوَى عنه بشير بن ثابت، وأبو بِشْر جعفر بن أبي وَحْشيّة، وخالد بن عُرْفُطة، وقتادة فيما كتب إليه، ومحمد بن المنتشر، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقةٌ، وقال البخاريّ: فيه نظرٌ، وقال أبوأحمد بن عديّ: ليس في متون أحاديثه حديث منكر، بل قد اضطُرِب في أسانيد ما يُرْوَى عنه، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".

стр. 10036

أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٨ - (النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرِ) بن سعد بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﵄، سكن الشام، ثم وَلي إِمْرة الكوفة، ثم قُتِل بِحِمْص سنة خمس وستين، وله أربع وستون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٧/ ٥٢٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله عنهم، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم فيها. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، والثالث ما أخرج له ابن ماجه، وحبيب بن سالم ما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه: يحيى، فنيسابوريّ، وإسحاق، فمروزيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض، ورواية الابن عن أبيه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) ﵄. [فائدة]: إنما دخلت "أل" على "نعمان" مع كونه علمًا، والأعلام لا تدخل عليه؛ لكونه معرفة بنفسه؛ للمح الأصل، كما قال في "الخلاصة": وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْكَانَ عَنْهُ نُقِلَا كَالْفَضْلِ وَالْحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ … فَذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي) صلاة (الْعِيدَيْنِ، وَفِي) صلاة (الْجُمُعَةِ، بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾) أي: في الركعة الأولى ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾) أي: في الركعة الثانية (قَالَ) النعمان ﵁ (وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ) قال النوويّ ﵀: فيه استحباب القراءة فيهما بهما، وفي الحديث الآخر القراءة في العيد بـ ﴿ق﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ﴾، وكلاهما صحيح، فكان النبيّ ﷺ في وقت يقرأ في الجمعة

стр. 10037

"الجمعة"، و"المنافقين"، وفي وقت ﴿سَبِّحِ﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾. انتهى (١). وقال القرطبيِّ ﵀: قوله: "وإذا اجتمع العيد والجمعة … إلخ" هذا يدلّ على أنه لا يُكتفى بصلاة العيد عن صلاة الجمعة إذا اجتمعا في يوم واحد، وهو المشهور من مذاهب العلماء؛ خلافًا لمن ذهب إلى أن الجمعة تسقط يومئذ، وإليه ذهب ابن الزبير، وابن عبّاس ﵃، وقالا: هي السنّة، وذهب غيرهما إلى أن أنهما يُصلِّيان، غير أنه يُرخّص لمن أتى العيد من أهل البافى ية في ترك إتيان الجمعة، وإلى هذا ذهب عثمان ﵁، والذي استمرّ العمل عليه ما دلّ عليه ظاهر الحديث المتقدّم. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: القول بسقوط الجمعة عمن حضر العيد هو الحقّ؛ لصحّة الأدلِّة على ذلك، وقد استوفيت بحثه في "شرح النسائيّ" (٣)، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث النعمان بن بشير ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٢٠٢٨ و ٢٠٢٩ و ٢٠٣٠] (٨٧٨)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٢٢ و ١١٢٣)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٥٣٣)، و (النسائيِّ) في "الجمعة" (١٤٢٣ و ١٥٦٨) و"الكبرى" (١٧٣٧ و ١٧٣٨ و ١٧٧٥)، و (ابن ماجه) في إقامة "الصلاة" (١١١٩ و ١٢٨١)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٩٢١)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٧٠ و ٢٧٣ و ٢٧٧)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٦٣ و ١٨٤٥)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٧٣ و ١٩٧٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 10038

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٢٩] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ، تقدّم قبل بابين. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني: أن أبا عوانة حدّث عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، بسنده الماضي، وهو: عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير ﵄. [تنبيه]: رواية أبي عوانة، عن إبراهيم بن محمد هذه ساقها الترمذيّ، والنسائيّ بسند المصنّف، فقالا: حدّثنا قتيبة، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير: "أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العيدين، ويوم الجمعة، بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، وربما اجتمعا في يوم واحد، فيقرأ بهما". قال الترمذيّ ﵀: حديث النعمان بن بشير ﵄ حديث حسن صحيح، وهكذا رَوَى سفيان الثوريّ، ومِسْعَرٌ، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، نحو حديث أبي عوانة، وأما سفيان بن عيينة، فيُخْتَلف عليه في الرواية، يُرْوَى عنه، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير، ولا نَعْرِف لحبيب بن سالم روايةً عن أبيه، وحبيب بن سالم هو مولى النعمان بن بشير، ورَوَى عن النعمان بن بشير أحاديثَ، وقد رُوي عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، نحو رواية هؤلاء. ورُوِي عن النبيّ ﷺ أنه كان يقرأ في صلاة العيدين بـ ﴿ق﴾، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، وبه يقول الشافعيّ. انتهى. وقال الترمذيّ في "العلل": سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو

стр. 10039

حديث صحيحٌ، وكان ابن عيينة يروي هذا الحديث، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، فيَضْطِرب في روايته، قال مرةً: حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير، وهو وَهَمٌ، والصحيح حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير. انتهى كلام الترمذيّ ﵀ (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٣٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَتَبَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، يَسْأَلُهُ، أَيَّ شَيْءٍ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، سِوَى "سُورَة الْجُمُعَةِ"، فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾) (٢). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل بابين. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل بابين أيضًا. ٣ - (ضَمْرَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن أبي حَنّة -بالنون، وقيل: بالباء الموحدة- واسمه عمرو بن غَزِيّة بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول بن غَنْم بن مازن بن النجار الأنصاريّ المازنيّ، ثقةٌ [٤]. رَوَى عن عمة الحجاج بن عمرو بن غَزِيّة، وأبي سعيد الخدريّ، وأنس، وأبان بن عثمان، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبي بشر المازنيّ. وروى عنه ابنه موسى، ومالك، وابن عيينة، وفُليح بن سليمان، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ، والعجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".

стр. 10040

أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٨٧٨)، وحديث (٨٩١) في "كتاب العيدين"، وأعاده بعده. ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عُتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. والصحابيّ ذُكر قبله. وقوله: (كَتَبَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ … إلخ) هو: الضحاك بن قيس بن خالد بن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شَيْبان بن مُحارب بن فِهْر بن مالك الْفِهْريّ القرشيّ، أبوأنيس (١)، ويقال: أبو أمية، أو أبو سعيد، أو أبو عبد الرحمن، أخو فاطمة بنت قيس، وهي أكبر منه، مختلف في صحبته. رَوَى عن النبيّ ﷺ ، وعن عمر، وحبيب بن مسلمة، وروى عنه معاوية بن أبي سفيان، وهو أكبر منه، وتميم بن طَرَفة، والحسن البصريّ، وسعيد بن جبير، وجماعة. شَهِدَ فتح دِمَشق، وسكنها إلى حين وفاته، وشَهِد صِفِّين مع معاوية، وغَلَب على دمشق، ودعا إلى بيعة ابن الزبير، ثم دعا إلى نفسه، وقُتِل بِمَرْج راهط في قتاله لمروان بن الحكم سنة أربع أو خمس وستين (٢)، وكان مولده قبل وفاة النبيّ ﷺ بنحو ست سنين، أو أقل. ذكره مسلم في حديث الباب فقط، ورَوَى له النسائيّ حديثًا واحدًا في الصلاة على الجنازة (٣). وقوله: (أَيَّ شَيْءٍ) بنصب "أَيَّ" مفعولًا مقدّمًا لـ"قرأ". وقوله: (قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) أي: في صلاتها، لا في مطلق اليوم. والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله فيما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 10041

(٢٠) - (بَابُ بَيَانِ مَا يُقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٣١] (٨٧٩) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُخَوَّلِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُسْلِمِ الْبَطِينِ (١)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاَةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةُ، وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ "سُورَةَ الْجُمُعَةِ"، وَ"الْمُنَافِقِينَ"). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حجةٌ، من رؤوس الطبقة [٧] وكان ربما دلَّس (ت ١٦١) وله أربع وستون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٤ - (مُخَوَّلُ بْنُ رَاشِدٍ) هو: مُخَوَّل -بوزن مُحَمَّد، وقيل: بوزن مِنْبَر -ابن راشد، أبو راشد بن أبي الْمُجالد النَّهْديّ مولاهم الكوفيّ الْحَنّاط -بمهملة ونون- ثقةٌ نُسِب إلى التشيع [٦]. رَوَى عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، ومسلم البطين، وأبي سعد المدني. وروى عنه شعبةُ والثوريّ، وجعفر الأحمر، وشريك، وأبو عوانة.

стр. 10042

قال الميمونيّ، عن أحمد: ما علمت إلا خيرًا، وقال ابن معين، والنسائيّ: ثقة، وقال أبو حاتم: يُكْتب حديثه، وقال العجليّ: ثقة من غُلاة الكوفيين، وليس بكثير الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات". قال ابن سعد: تُوُفّي في خلافة أبي جعفر، وكان ثقة إن شاء الله تعالى، وقال الدارقطنيّ: مخول بن راشد، ومجاهد بن راشد ثقتان، وقال الآجريّ، عن أبي داود: شيعيّ، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال محمد بن عمار: كوفيّ ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: ثقةٌ. أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وليس له في البخاريّ أيضًا غير حديث واحد توبع عليه عنده. ٥ - (مُسْلِمٌ الْبَطِينُ) هو: مسلم بن عِمْران، ويقال: ابن أبي عمران، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة [٦]. رَوَى عن عطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي وائل، وإبراهيم التيميّ، وعلي بن الحسين، وعمرو بن ميمون الأوديّ، وأبي عبد الله الْجَدَليّ، وأبي عمرو الشيبانيّ، وغيرهم. وروى عنه ابنه شبة بن مسلم، وسلمة به كُهيل، وأبو إسحاق السبيعيّ، وسليمان الأعمش، وإسماعيل بن سُميع، وعبد الله بن عون، ومُخَوَّل بن راشد، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، زاد أبو حاتم: لم يدركه شعبة، وذكره ابن حبان في "الثقات". أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث، هذا برقم (٨٧٩) وحديث (١١٤٨) وأعاده بعده، و (٢٩٨٦) و (٣٠٢٨). ٦ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] قُتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين، ولم يكمل الخمسين (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩. ٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، مات سنة ثمان وستين بالطائف (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١٢٤.

стр. 10043

لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ ذو مناقب جمّة، فهو ابن عم رسول الله ﷺ ، ودعا له ﷺ بالفهم في القرآن، فكان يُسَمَّى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وقال عمر ﵁: لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشرة منا أحدٌ، وهو أحد المكثرين السبعة من الصحابة ﵃، وأحد العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة ﵃، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ) أي: بعد الفاتحة، وإنما لم يذكرها لوضوح أمرها (يَوْمَ الْجُمُعَةِ) متعلّق بـ "يقرأ"، ويَحْتَمِل أن يتعلّق بمحذوف حالٍ من "صلاة الفجر"؛ أي: حال كونها كائنةً يوم الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ برفع "تنزيل" وترك التنوين؛ على الحكاية، وقوله: (السَّجْدَةَ) مضبوط في النسخة ضبط قلم مثلّثًا، فيَحْتمل أن رفعه على الخبريّة لمحذوف؛ أي: هي "السجدة"، والنصب على المفعوليّة لمقدّر؛ أي: أعني، والجرّ بإضافة ما قبله إليه؛ لكونه محكيًّا، فبيّن بإضافته؛ ليحترز به عن غيره مما يشاركه في اللفظ، والله تعالى أعلم. (وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾) والمراد أنه كان يقرأ في كل ركعة سورةً من هاتين السورتين، وقد بيّن ذلك في رواية إبراهيم بن سعد بن إبراهيم، عن أبيه التالية، بلفظ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾) ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١، ٢] في الركعة الأولى، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]. وفيه دليل على استحباب قراءة هاتين السورتين في هذه الصلاة من هذا اليوم؛ لما تشعر الصيغة به من مواظبته ﷺ على ذلك، أو إكثاره منه، بل قد ورد من حديث ابن مسعود ﵁ التصريح بمداومته ﷺ على ذلك، أخرجه

стр. 10044

الطبراني، ولفظه: "يُدِيم ذلك"، وأصله في ابن ماجه بدون هذه الزيادة، ورجاله ثقات، لكن صَوَّب أبو حاتم إرساله. قال في "الفتح": وكأنّ ابن دقيق العيد لم يقف عليه، فقال في الكلام على حديث الباب: ليس في الحديث ما يقتضي فعل ذلك دائمًا اقتضاء قويًا، وهو كما قال بالنسبة لحديث الباب، فإن الصيغة ليست نصًا في المداومة، لكن الزيادة التي ذكرناها نصّ في ذلك. قيل: الحكمة في قراءة هاتين السورتين في فجر الجمعة الإشارة إلى ما فيهما من ذكر خلق آدم، وأحوال يوم القيامة؛ لأن ذلك كان، وسيقع يوم الجمعة، قاله في "الفتح" نقلًا عن ابن ﵀. (وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ "سُورَةَ الْجُمُعَةِ"، وَ"الْمُنَافِقِينَ") قد تقدّم الكلام على هذا في الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﵄ هذا من أفراد المصنّف ﵀. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٢٠٣١ و ٢٠٣٢ و ٢٠٣٣] (٨٧٩)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١٠٧٤ و ١٠٧٥)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٥٢٠)، و (النسائيّ) في "الافتتاح" (٢/ ١٥٩ و ٣/ ١١١)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٨٢١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢٦ و ٣٠٧ و ٣٢٨ و ٣٣٤ و ٣٤٠ و ٣٥٤)، و (الدارميّ) (١٥٥٠) و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (٥٣٣)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٧٥ و ١٩٧٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم قراءة هاتين السورتين في صلاة فجر يوم الجمعة: ذهب بعض أهل العلم إلى استحباب ذلك، وممن كان يفعله من الصحابة ﵃-كما قاله الحافظ العراقيّ ﵀ عبد الله بن عباس، ومن

стр. 10045

التابعين إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وأصحاب الحديث. وذهب مالك وآخرون إلى كراهته، قال النوويّ ﵀: وهم محجوجون بهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة المروية من طرق (١). وقال في "الفتح": وقد اختلف تعليل المالكية بكراهة قراءة السجدة في الصلاة، فقيل: لكونها تشتمل على زيادة سجود في الفرض. قال القرطبي: وهو تعليل فاسد بشهادة هذا الحديث. وقيل: لخشية التخليط على المصلين، ومن ثَمَّ فرّق بعضهم بين الجهرية والسرية؛ لأن الجهرية يؤمن معها التخليط. لكن صح (٢) من حديث ابن عمر ﵄ أنه ﷺ قرأ سورة فيها سجدة في صلاة الظهر، فسجد بهم فيها. أخرجه أبو داود، والحاكم، فبطلت التفرقة. ومنهم من عَلَّل الكراهة بخشية اعتقاد العوام أنها فرض. قال ابن دقيق العيد ﵀: أما القول بالكراهة مطلقًا فيأباه الحديث، لكن إذا انتهى الحال إلى وقوع هذه المفسدة، فينبغي أن تترك أحيانًا؛ لتندفع، فإن المستحب قد يترك لدفع المفسدة المتوقعة، وهو يحصل بالترك في بعض الأوقات. انتهى. وإلى ذلك أشار ابن العربي بقوله: ينبغي أن يفعل ذلك في الأغلب للقدوة، ويقطع أحيانًا لئلا تظنه العامة سنة. انتهى. وهذا على قاعدتهم في التفرقة بين السنة والمستحب. وقال صاحب "المحيط" من الحنفية: يستحب قراءة هاتين السورتين في صبح يوم الجمعة بشرط أن يقرأ غير ذلك أحيانًا، لئلا يظن الجاهل أنه لا يجزئ غيره.

стр. 10046

وأما صاحب "الهداية" منهم فذكر أن علة الكراهة هجران الباقي، وإيهام التفضيل، وقول الطحاوي يناسب قول صاحب "المحيط"، فإنه خص الكراهة بمن يراه حتمًا، لا يجزئ غيره، أو يرى القراءة بغيره مكروهة. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما تقدم في كلام ابن دقيق العيد، وأشار إليه ابن العربي، رحمهما الله تعالى هو الراجح عندي، فتستحب المداومة على هاتين السورتين في صلاة فجر يوم الجمعة، لكن إن خُشِي على العوامّ اعتقاد وجوب ذلك فينبّهون بالقول، أو بالترك أحيانًا، دفعًا للمفسدة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [فائدتان]: ذكرهما الحافظ في "الفتح"، فقال: (الأولى): لم أر في شيء من الطرق التصريح بأنه ﷺ سجد لمّا قرأ سورة "تنزيل السجدة" في هذا المحلّ إلا في "كتاب الشريعة" لابن أبي داود من طريق أخرى عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: "غدوت على النبيّ ﷺ يوم الجمعة في صلاة الفجر، فقرأ سورة فيها سجدة، فسجد … " الحديث، وفي إسناده من ينظر في حاله. وللطبراني في "الصغير" من حديث عليّ ﵁: أن النبيّ ﷺ سجد في صلاة الصبح في "تنزيل السجدة"، لكن إسناده ضعيف، والله تعالى أعلم. (الثانية): قيل: الحكمة في اختصاص يوم الجمعة بقراءة سورة السجدة، قصد السجود الزائد حتى إنه يستحب لمن لم يقرأ هذه السورة بعينها أن يقرأ سورة غيرها، فيها سجدة، وقد عاب ذلك على فاعله غير واحد من العلماء، ونسبهم صاحب الهدي إلى قلة علم، ونقص المعرفة، لكن عند ابن أبي شيبة بإسناد قويّ عن إبراهيم النخعيّ أنه قال: يستحب أن يقرأ في الصبح يوم الجمعة بسورة فيها سجدة، وعنده من طريقه أيضًا أنه فعل ذلك، فقرأ سورة مريم، ومن طريق ابن عون قال: كانوا يقرؤون في الصبح يوم الجمعة بسورة فيها سجدة، وعنده من طريقه أيضًا، قال: وسألت محمدًا -يعني: ابن سيرين- عنه؟ فقال: لا أعلم به بأسًا. انتهى.

стр. 10047

فهذا قد ثبت عن بعض علماء الكوفة والبصرة، فلا ينبغي القطع بتزييفه. وقد ذكر النووي في زيادات "الروضة" هذه المسألة، وقال: لم أر فيها كلامًا لأصحابنا، ثم قال: وقياس مذهبنا أنه يكره في الصلاة إذا قصده. انتهى. وقد أفتى ابن عبد السلام قبله بالمنع، وببطلان الصلاة بقصد ذلك، قال صاحب "المهمات": مقتضى كلام القاضي حسين الجواز، وقال الفاروقيّ في "فوائد المهذَّب": لا تستحب قراءة سجدة غير تنزيل، فإن ضاق الوقت عن قراءتها قرأ بما أمكن منها، ولو بآية السجدة منها، ووافقه ابن أبي العصرون في "كتاب الانتصار"، وفيه نظر. انتهى كلام الحافظ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قراءة غير ما ثبت عن النبيّ ﷺ من السورة التي فيها السجدة، بدلًا عما ثبت عنه ليس مما ينبغي، بل لا يبعد القول بكراهته إن قصده، وأما القول ببطلان الصلاة به فشيء عجيب، فكيف تبطل الصلاة بقراءة سورة من السور القرآنية مع الفاتحة؟! والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [٢٠٣٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قريبًا. ٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ حافظ سُنيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥. ٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء بن كُريب الْهَمْدانيّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) وهو ابن سبع وثمانين سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٤ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريبًا. و"سفيانُ" ذُكر قبله.

стр. 10048

وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ) يعني: أن عبد الله بن نُمير، ووكيعًا حدّثا عن سفيان الثوريّ باسناده الماضي، وهو: عن مُخَوَّل بن راشد، عن مسلم الْبَطِين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس ﵄ مثل حديث عبدة بن سليمان، عنه. [تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، ووكيع كلاهما عن سفيان هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٣٣] ( … ) - (وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنا شُعْبَةُ، عَنْ مُخَوَّلٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، فِي الصَّلَاَتيْنِ كِلْتَيْهِمَا، كَمَا قَالَ سُفْيَانُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، تقدّم قبل بابين. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، تقدّم قبل بابين أيضًا. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل بابين أيضًا. وقوله: (فِي الصَّلَاتَيْنِ كلْتَيْهِمَا) أي: في صلاة فجر الجمعة، وصلاة الجمعة. [تنبيه]: رواية شعبة، عن مُخَوَّل هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" فقال: (٣١٥٠) حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن مُخَوَّل، قال: سمعت مسلمًا الْبَطِين يحدِّث عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ أنه كان يقرأ في صلاة الصبح ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، وفي الجمعة بـ "سورة الجمعة"، و"المنافقين". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٣٤] (٨٨٠) - (حَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، وَ ﴿هَلْ أَتَى﴾).

стр. 10049

رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وهو ابن أربع وسبعين سنةً (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣. ٢ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، ولي قضاء المدينة، وكان ثقةً فاضلًا عابدًا [٥] (ت ١٢٥) وقيل: بعدها، وهو ابن اثنتين وسبعين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ) ابن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢. ٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤. والباقيان ذُكرا قبل سند، وشرح الحديث تقدّم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٢٠٣٤ و ٢٠٣٥] (٨٨٠)، و (البخاريّ) في "الجمعة" (٨٩١ و ١٠٦٨)، و (النسائيّ) في "أبواب القراءة" (٩٥٥) و"الكبرى" (١٠٢٧)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (٨٢٣)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٣٠ و ٤٧٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٥٥٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٧٧ و ١٩٧٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال الحافظ ﵀: قد أشار أبو الوليد الباجيّ في رجال البخاريّ إلى الطعن في سعد بن إبراهيم؟ لروايته لهذا الحديث، وأن مالكًا امتنع من الرواية عنه لأجله، وأن الناس تركوا العمل به، لا سيما أهل المدينة. انتهى. وليس كما قال؛ فإن سعدًا لم ينفرد به مطلقًا، فقد أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، وهو الحديث الذي قبل هذا، وكذا ابن ماجه، والطبراني من حديث ابن مسعود ﵁، وابن ماجه من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، والطبراني في "الأوسط" من حديث عليّ ﵁.

стр. 10050

وأما دعواه أن الناس تركوا العمل به فباطلة؛ لأن أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين قد قالوا به، كما نقله ابن المنذر وغيره، حتى إنه ثابت عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف والد سعد، وهو من كبار التابعين من أهل المدينة أنه أمّ الناس بالمدينة بهما في الفجر يوم الجمعة، أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وكلام ابن العربي يُشْعِر بأن ترك ذلك أمر طرأ على أهل المدينة؛ لأنه قال: وهو أمر لم يُعْلَم بالمدينة، فالله أعلم بمن قطعه كما قطع غيره. انتهى. وأما امتناع مالك من الرواية عن سعد، فليس لأجل هذا الحديث، بل لكونه طَعَن في نسب مالك، كذا حكاه ابن البَرْقِيّ، عن يحيى بن معين، وحَكَى أبو حاتم، عن عليّ ابن المدينيّ، قال: كان سعد بن إبراهيم لا يحدث بالمدينة، فلذلك لم يكتب عنه أهلها. وقال الساجي: أجمع أهل العلم على صدقه. وقد روى مالك عن عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عنه، فصح أنه حجة باتفاقهم، قال: ومالك إنما لم يرو عنه لمعنى معروف، فأما أن يكون تكلم فيه، فلا أحفظ ذلك. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٣٥] ( … ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾). رجال هذا الإسناد: ستّةٌ: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) هو: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السَّرْح، تقدّم قريبًا. ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم أيضًا قريبًا.
следующие страницы →