← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148870

البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج

محمد بن علي بن آدم الأثيوبي

Полный текст (30 125 стр.). Показаны 10116–10155 · переход к 10121.

стр. 10116

موضع بالمدينة معروف، بينه وبين باب المسجد ألف ذراع، قاله عُمَر بن شَبَّة في "أخبار المدينة" عن أبي غَسّان الْكِنَانيّ، صاحب مالك ﵀ (١). (فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ) وفي رواية البخاريّ: "فأوّلُ شيء يبدأ به الصلاة" (فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ) أي: أتمها (وَسَلَّمَ) منها (قَامَ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) أي: واجههم، وفي رواية البخاريّ: "ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس"، وفي رواية ابن حبّان من طريق داود بن قيس: "فينصرف إلى الناس قائمًا في مصلاه"، وروى ابن خزيمة في رواية مختصرة: "خَطَب يوم عيد على رجليه"، وهذا مشعر بأنه لم يكن بالمصلَّى في زمانه ﷺ منبرٌ، ويدلّ على ذلك قول أبي سعيد: "فلم يزل الناس على ذلك، حتى خرجت مع مروان"، كما سيأتي بيانه. (وَهُمْ جُلُوسٌ فِي مُصَلَّاهُمْ) جملة إسمية وقعت حالًا، و"جُلُوسٌ": جمع جالس؛ أي: والحال أن الناس جالسون في مكان صلاتهم، وفي رواية البخاريّ: "والناس جُلُوسٌ على صفوفهم، فيَعِظُهم، ويوصيهم، ويأمرهم" (فَإِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِبَعْثٍ) وفي رواية البخاريّ: "فإن كان يريد أن يقطع بَعْثًا قطعه"، و"الْبَعْثُ" بفتح الباء الموحّدة، وسكون العين المهملة، وفي آخره ثاء مثلثة: بمعنى المبعوث، وهو الجيش؛ يعني: أنه ﷺ إذا كان يريد أن يبعث جيشًا إلى جهة من الجهات (ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ) أي: ذكر ذلك البعث، وبيّن مقداره، وعيّن مكانه، وأوضح ما يلزمهم تجاه ذلك (أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ) من إعانة فقير، أو إغاثة ملهوف (أَمَرَهُمْ بِهَا، وَكَانَ) ﷺ (يَقُولُ: "تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا") أي: بالتكرار تأكيدًا لشأن الصدقة (وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ) حيث يؤكّد عليهنّ الحث على الصدقة، فيقول: "يا معشر النساء تصدّقن، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار" (ثُمَّ يَنْصَرِفُ) إلى بيته (فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ) أي: لم يزل الحال على هذا الذي كان عليه النبيّ ﷺ من صلاته العيدين في المصلَّى بلا منبر، وتقديمه الصلاة على الخطبة (حَتَّى كَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ) بن أبي العاص بن أميّة، أبو عبد الملك الأمويّ المدنيّ، ولي الخلافة سنة (٦٤)، ومات في رمضان سنة (٦٥) وليست له صحبة، وكان معاوية ﵁ استعمله على المدينة.

стр. 10117

وفي رواية البخاريّ: "فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجتُ مع مروان، وهوأمير المدينة في أضحى، أو فطر". (فَخَرَجْتُ مُخَاصِرًا مَرْوَانَ) أي: مماشيًا له يده في يدي، هكذا فسّروه، قاله النوويّ (١)، وقال ابن الأثير: المخاصرة: أن يأخذ الرجل بيد رجل آخر يتماشيان، ويد كلّ واحد منهما عند خَصْرِ صاحبه. انتهى (٢). وزاد عبد الرزاق، عن داود بن قيس: "وهو بيني وبين أبي مسعود"؛ يعني: عقبة بن عمرو الأنصاريّ؛ يعني: أن مروان كان بينه وبين أبي مسعود ﵁. (حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ) "إذا" للمفاجأة، وارتفاع "كثير" على أنه مبتدأ وخبره جملة (قَدْ بَنَى مِنْبَرًا مِنْ طِينٍ وَلَبِنٍ) والعامل في "إذا" معنى المفاجأة، والمعنى: فاجأنا كثير بن الصلت زمان الإتيان، وقيل: "إذا" حرف لا يَحتاج إلى عامل. و"الطين" بالكسر: معروف، و"اللبِنُ" بفتح اللام، وكسر الموحّدة، آخره نون: ما يُعمل من الطين، ويُبنى به، والواحدة لَبِنةٌ، ويجوز التخفيف، فيصير مثل حِمْلٍ، قاله في "المصباح" (٣). قيل: إنما اختار له بناء المنبر باللبن والطين لا من الخشب؛ لكونه يُترك بالصحراء في غير حرز، فلا يُخاف عليه من النقل بخلاف منابر الجوامع (٤). [تنبيه]: "كثير" هو: ضدُّ القليل، و"الصَّلْتُ" بالتاء المثناة من فوقُ، وهو كثير بن الصَّلْت بن معاوبة الْكِنديّ، وُلد في عهد النبيّ ﷺ ، وقَدِمَ المدينة هو وإخوته بعده، فسكنها، وحالف بني جُمَح، وروى ابن سعد بإسناد صحيح إلى نافع، قال: كان اسم كثير بن الصلت قليلًا، فسماه عمر كثيرًا، ورواه أبو عوانة، فوصله بذكر ابن عمر، ورفعه بذكر النبيّ ﷺ ، والأول أصحّ. وقال الذهبيّ في "تجريد الصحابة": كثير بن الصَّلْت بن معدي كرب

стр. 10118

الكنديّ، أخو زبيد، وُلد في عهد النبيّ ﷺ ، رَوَى عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن كثير بن الصلت كان اسمه قليلًا، فسماه النبيّ ﷺ كثيرًا، والأصح أن الذي سماه كثيرًا عمر ﵁. انتهى. وقد صَحّ سماع كثير من عُمر ومن بعده، وقال العجليّ: هو تابعيّ مدنيّ ثقةٌ، وكان له شرفٌ، وحالٌ جميلة في نفسه، وله دارٌ كبيرةٌ بالمدينة في المصلَّى، وقبلة المصلَّى في العيدين إليها، وكان كاتبًا لعبد الملك بن مروان على الرسائل، وهو ابن أخي جَمْد -بفتح الجيم، وسكون الميم، أو فتحها- أحد ملوك كِنْدة الذين قُتِلوا في الردّة، وقد ذَكَر ابنُ منده الصَّلْت في "الصحابة"، وفي صحّة ذلك نظرٌ، وقال الذهبيّ: والصلت أبو زبيد الكنديّ مختلف في صحبته، وروى عنه ابنه زبيد، وكثير. انتهى (١). [تنبيه آخر]: قال في "الفتح": مقتضى ما سبق أن أول من اتخذ المنبر في العيد مروان، وقد وقع في "المدونة" لمالك، ورواه عُمَر بن شَبَّة، عن أبي غَسّان عنه، قال: أول من خطب الناس في المصلَّى على المنبر عثمان بن عفان ﵁، كلّمهم على منبر من طين بناه كثير بن الصلت، وهذا مُعْضَلٌ، وما في "الصحيحين" أصحّ، فقد رواه مسلم من طريق داود بن قيس، عن عياض، نحو رواية البخاريّ. قال: ويَحْتَمِلُ أن يكون عثمان فَعَل ذلك مرّةً، ثم تركه، حتى أعاده مروان، ولم يَطَّلِع على ذلك أبو سعيد ﵁. وإنما اخْتَصَّ كثير بن الصلت ببناء المنبر بالمصلَّى؛ لأن داره كانت مجاورةً للمصلى، كما سيأتي في حديث ابن عباس ﵄ أنه ﷺ أتى في يوم العيد إلى الْعَلَمِ الذي عند دار كثير بن الصَّلْت (٢)، قال ابن سعد: كانت دار

стр. 10119

كثير بن الصلت قبلة المصلَّى في العيدين، وهي تُطِلُّ على بَطْن بُطْحَان الوادي الذي في وسط المدينة. انتهى. وإنما بَنَى كثير بن الصَّلْت داره بعد النبيّ ﷺ بمدة، لكنها لما صارت شهيرة في تلك البقعة، وُصِفَ المصلَّى بمجاورتها. انتهى (١). (فَإِذَا مَرْوَانُ يُنَازِعُنِي يَدَهُ، كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحْوَ الْمِنْبَرِ) أي: ليخطب قبل الصلاة، وفي رواية البخاريّ: "فلما أتينا المصلّى؛ إذا منبرٌ بناه كثير بن الصّلْت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلّي، فجبذت بثوبه، فجبذني، فارتفع، فخطب قبل الصلاة". (وَأنَما أَجُزُهُ نَحْوَ الصَّلَاةِ) وفي نسخة: "نحو المصلَّى"؛ أي: ليبدأ بالصلاة قبل الخطبة؛ اتبّاعًا للسنّة (فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهُ) أي: إلحاحه على ما أراده من تقديم الخطبة على الصلاة (قُلْتُ: أَيْنَ الِابْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ؟) أي: أين اتّباع السنّة في تقديم الابتداء بالصلاة طى الخطبة؟. وقال النوويّ ﵀: قوله: "أين الابتداء بالصلاة" هكذا ضبطناه على الأكثر، وفي بعض الأصول: "ألا نبتدئ" بـ "ألا" التي هي للاستفتاح، وبعدها نون، ثم باء موحّدة، وكلاهما صحيح، والأول أجود في هذا الموطن؛ لأنه ساقه للإنكار عليه. انتهى (٢). وفي رواية البخاريّ: " فقلتُ له: غيّرتم والله" (فَقَالَ: لَا) أي: لا نبدأ بالصلاة (يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ تُرِكَ مَا تَعْلَمُ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية البخاريّ: "قد ذهب ما تعلم"، قال أبو سعيد ﵁: (قُلْتُ: كَلَّا) كلمة مركبة عند ثعلب من كاف التشبيه، و"لا" النافية، قال: وإنما شُدِّدت لامها؛ لتقوية المعنى، ولدفع توهّم بقاء معنى الكلمتين، وعند غيره هي بسيطة، وهي عند سيبويه، والخليل، والمبرّد، والزجاج، وأكثر البصريين حرف معناه الرَّدْع والزجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك، حتى إنهم يجيزون أبدًا الوقف عليها،

стр. 10120

والابتداء بما بعدها، وحتى قال جماعة منهم: متى سمعت "كلا" في سورة، فاحكم بأنها مكية؛ لأن فيها معنى التهديد والوعيد، وأكثر ما نزل ذلك بمكة؛ لأن أكثر العتوّ كان بها، ذكره ابن هشام في "المغني"، وله فيه تعقّب على ما ذُكر، وتفصيل للمسألة، فراجعه (١). والمعنى هنا: ارتدع، وانزجر عما زعمته؛ لأنه لا خير فيه. (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ، لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ) لقد صدق أبو سعيد ﵁ فيما قال، فوالله إن الذي يعلمه هو طريَق النبيّ ﷺ ، ففيه الهدى، والفلاح، فقد قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ الآية [النور: ٥٤]، وقال: ﴿افَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فكيف يكون غيره خيرًا منه؟ بل الخير كلُّ الخير في اتّباع سنته ﷺ ، والشرّ كلُّ الشرّ في مخالفتها. وفي رواية البخاريّ: "فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة". انتهى. [تنبيه]: قوله: "لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ" صريحٌ في أن أبا سعيد هو الذي أنكر، وتقدّم لمسلم في "كتاب الإيمان" من طريق طارق بن شهاب، قال: أوّلُ من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل، فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد تُرِك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أمّا هذا فقد قضى ما عليه، وهذا ظاهر في أنه غير أبي سعيد، وكذا هو في رواية رجاء، عن أبي سعيد عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، بلفظ: "أخرج مروان المنبر يوم العيد، وبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام إليه رجل … " الحديث. قال في "الفتح": يَحْتَمِل أن يكون الرجل هوأبا مسعود الذي وقع في رواية عبد الرزاق، أنه كان معهما، ويَحْتَمِل أن تكون القصة تعددت، ويدلّ على ذلك المغايرةُ الواقعة بين روايتي عياض ورجاء، ففي رواية عياض أن المنبر بُنِي بالمصلَّى، وفي رواية رجاء أن مروان أخرج المنبر معه، فلعلّ مروان

стр. 10121

لما أنكروا عليه إخراج المنبر، ترك إخراجه بعدُ، وأمر ببنائه من لَبِنٍ وطين بالمصلَّى، ولا بُعْدَ في أن يُنْكَر عليه تقديم الخطبة على الصلاة مرةً بعد أخرى، ويدل على التغاير أيضًا أن إنكار أبي سعيد وقع بينه وبينه، وانكار الآخر وقع على رؤوس الناس. انتهى (١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقوله: (ثَلَاثَ مِرَارٍ) أي: قال أبو سعيد ذلك ثلاث مرّات، وإنما كرّره توكيدًا للإنكار (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي: إلى الصفّ، لا أنه ترك الصلاة معه. قال النوويّ: قال القاضي عياض: قوله: "ثم انصرف" أي: عن جهة المنبر إلى جهة الصلاة، وليس معناه أنه انصرف من المصلى، وترك الصلاة معه، بل في رواية البخاريّ أنه صلى معه، وكلمه في ذلك بعد الصلاة، وهذا يدل على صحة الصلاة بعد الخطبة، ولولا صحتها كذلك لما صلاها معه. قال النوويّ: واتفق أصحابنا على أنه لو قدّمها على الصلاة صحّت، ولكنه يكون تاركًا للسنة، مفوتًا للفضيلة، بخلاف خطبة الجمعة، فإنه يشترط لصحة صلاة الجمعة تقدُّم خطبتها عليها؛ لأن خطبة الجمعة واجبة، وخطبة العيد مندوبة. انتهى (٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم مناقشة اشتراط الخطبة للجمعة في بابه، فإن شئت فراجعه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٠٥٣] (٨٨٩)، و (البخاريّ) (٣٠٤ و ٩٥٦ و ١٤٦٢ و ٢٦٥٨)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٤٠)، و (النسائيّ) في "سننه" (٣/ ١٨٧ و ١٩٠)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٨٨)، و (أحمد) في

стр. 10122

"مسنده" (٣/ ٣١ و ٣٦ و ٤٢ و ٥٤ و ٥٦)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٤٥ و ١٤٤٩)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٩٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أن الخطبة على الأرض عن قيام في المصلى أولى من القيام على المنبر، والفرق بينه وبين المسجد أن المصلَّى يكون بمكان فيه فضاء، فيتمكن من رؤيته كلُّ من حضر، بخلاف المسجد، فإنه يكون في مكان محصور، فقد لا يراه بعضهم. ٢ - (ومنها): استحباب الخروج إلى المصلى في العيد، وأن صلاتها في المسجد لا تكون إلا عن ضرورة. ٣ - (ومنها): إنكار العلماء على الأمراء؛ إذا صنعوا ما يخالف السنة. ٤ - (ومنها): أن فيه الأمرَ بالمعروف، والنهيَ عن المنكر، وإن كان المنكَر عليه واليًا. ٥ - (ومنها): أن الانكار يكون باليد لمن أمكنه، ولا يجزئ عن اليد اللسان مع إمكان اليد؛ وقد تقدّم حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". ٦ - (ومنها): حلف العالم على صدق ما يُخبر به. ٧ - (ومنها): المباحثة، والمجادلة في الأحكام الشرعيّة؛ للوصول إلى ما هو الصواب. ٨ - (ومنها): جواز عمل العالم بخلاف الأَولى؛ إذا لم يوافقه الحاكم على الأولى؛ لأن أبا سعيد حضر الخطبة، ولم ينصرف، فيُسْتَدلّ به على أن البداءة بالصلاة فيها ليس بشرط في صحتها. قال ابن الْمُنَيِّر ﵀ في "الحاشية": حَمَلَ أبو سعيد ﵁ فعل النبيّ ﷺ في ذلك على التعيين، وحمله مروان على الأولوية، واعتَذَر عن ترك الأولى بما ذكره من تغيُّر حال الناس، فرأى أن المحافظة على أصل السنة، وهو إسماع الخطبة أولى من المحافظة على هيئة فيها، ليست من شرطها، والله أعلم. ٩ - (ومنها): استحباب مواجهة الخطيب الناس، وجلوسهم بين يديه.

стр. 10123

١٠ - (ومنها): وعظ الإمام في صلاة العيد، ووصيته، وتخويفه عن عواقب الأمور. ١١ - (ومنها): بيان أن السنّة بدأ تغييرها في عهد الصحابة ﵃، كما فعل مروان بن الحكم في هذه القضيّة. ١٢ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على استحباب الخروج إلى الصحراء لصلاة العيد، وأن ذلك أفضل من صلاتها في المسجد؛ لمواظبة النبيّ ﷺ على ذلك مع فضل مسجده. وقال الشافعيّ ﵀ في "الأُمّ": بلغنا أن رسول الله ﷺ كان يخرج في العيدين إلى المصلى بالمدينة، وكذا مَن بعده إلا من عذر مطر ونحوه، وكذلك عامة أهل البلدان إلا أهل مكة، ثم أشار إلى أن سبب ذلك سعة المسجد، وضيق أطراف مكة، قال: فلو عُمِّر بلد، فكان مسجد أهله يسعهم في الأعياد، لم أر أن يخرجوا منه، فإن كان لا يسعهم كَرِهت الصلاة فيه، ولا إعادة. قال الحافظ: ومقتضى هذا أن العلة تدور على الضيق والسعة، لا لذات الخروج إلى الصحراء؛ لأن المطلوب حصول عموم الاجتماع، فإذا حصل في المسجد مع أفضليته كان أولى. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. (٢) - (بَابُ الأَمْرِ بِخُرُوجِ النِّسَاءِ فِي الْعِيدَيْنِ إِلَى الْمُصَلَّى، وَاعْتِزَالِ الْحُيَّضِ الْمُصَلَّى) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٥٤] (٨٩٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّاد، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أَمَرَنَا -تَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ - أَنْ نُخْرِجَ فِي الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، وَأَمَرَ الْحُيَّضَ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ).

стр. 10124

رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٣ - (أَيُّوبُ) السختيانيّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا. ٤ - (مُحَمَّدُ) بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨. ٥ - (أُمُّ عَطِيَّةَ) الأنصاريّة الصحابيّة المشهورة، سكنت البصرة، واسمها نُسَيبة -بنون، وسين مهملة، وباء موحدة، مصغرًا- وقيل: بفتح النون، وكسر السين (١) -معروفة باسمها وكنيتها، وهي بنت الحارث، وقيل بنت كعب، وأنكره ابن عبد البرّ؛ لأن نُسيبة بنت كعب هي أم عمارة صحابيّة غير هذه. رَوَت أم عطيّة ﵂ عن النبيّ ﷺ وعن عُمَر، وروى عنها أنس بن مالك، ومحمدٌ وحفصة ابنا سيرين، وعبد الملك بن عُمير، وإسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، وعلي بن الأقمر، وأم شَرَاحيل. قال ابن عبد البرّ: كانت تغزو مع رسول الله ﷺ تُمَرِّض المرضى، وتداوي الجرحى، شَهِدت غسل ابنة النبيّ ﷺ ، وكان جماعة من الصحابة، وعلماء التابعين بالبصرة يأخذون عنها غسل الميت. أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب (١٧) حديثًا بالمكرّرات (٢). لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره.

стр. 10125

٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أيوب، عن محمد بن سيرين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة بنت كعب، أو بنت الحارث ﵂ أنها (قَالَتْ: أَمَرَنَا -تَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ -) هكذا في هذه الرواية بزيادة "يعني"، وهي من بعض الرواة، وفي رواية عاصم الأحول، عن حفصة بنت سيرين التالية: "كنّا نؤمر بالخروج … "، وفي رواية هشام القردوسيّ، عن حفصة الثالثة: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نُخرجهنّ … " (أَنْ نُحرِجَ) بضمّ أوله، من الإخراج رباعيًّا (في الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ) بالنصب على المفعوليّة لـ"نُخْرِج". قال أهل اللغة: "الْعَوَاتِقُ": جمع عاتق، وهي الجارية البالغة، وقال ابن دُريد: هي التي قاربت البلوغ، قال ابن السّكّيت: هي ما بين أن تبلغ إلى أن تَعْنُس (١)، ما لم تَتَزَوّج، والتعنيس: طول الْمُقام في بيت أبيها بلا زوج، حتى تَطْعُن في السنّ، قالوا: سُمّيت عاتقًا؛ لأنها عَتَقَت من امتهانها في الخدمة، والخروج في الحوائج، وقيل: قاربت أن تتزوج، فتُعْتَق من قهر أبويها وأهلها، وتستقلّ في بيت زوجها، قاله النوويّ ﵀ (٢). وقيل: العاتق: من النساء مَن بلغت الحُلُم، أو قاربت، واستحقت التزويج، أو هي الكريمة على أهلها. وقال في "اللسان": جارية عاتق: شابّة، وقيل: العاتق البكر التي لم تَبِنْ عن أهلها، وقيل: هي التي بَيْنَ التي أدركت، وبين التي عَنَسَتْ، والعاتق: الجارية التي قد أدركت، وبلغت، فَخُدِّرت في بيت أهلها، ولم تتزوج، سُمّيت بذلك؛ لأنها عتَقَت عن خدمة أبويها، ولم يملكها زوج بعدُ، قال الفارسي: وليس بقوي. قال الشاعر [من الطويل]: أَقِيدِي دَمًا يَا أُمَّ عَمْرٍو هَرَقْتِهِ … بِكَفَّيْكِ يَوْمَ السّتْرِ إِذْ أنْتِ عَاتِقُ

стр. 10126

وقيل: العاتق: الجارية التي قد بَلَغت أن تَدَرَّع، وعتقت من الصبا، والاستعانة بها في مهنة أهلها، وسُمّيت عاتقًا بها، والجمع في ذلك كله عواتق. قال زهير بن محمود الضبيّ [من الوافر]: وَلَمْ تَثِقِ العَوَاتِقُ مِنْ غَيُورٍ … بِغَيْرَتِهِ وَخَلَّيْنَ الْحِجَالا (١) (وَذَوَاتِ الْخُدُورِ) أي: النساء صواحبات الخدور، و"الْخُدُور": جمع خدْر -بكسر الخاء- المعجمة، وسكون الدال المهملة -: ستْر يُتَّخَذ في البيت تقعد الأبكار وراءه صيانة لهن. وفي "اللسان": الخدْر: ستر يُمَدُّ للجارية في ناحية البيت، ثم صار كلُّ ما واراك من بيت ونحوه خدْرًا، والجمع خُدُور، وأخْدار، وأخادير جمع الجمع، وأنشد: حَتَّى تَغَامَزَ رَبَّاتُ الأخَادِيرِ (٢) ثم إن فيه ثلاث روايات: الأولى بواو العطف، والثانية بلا واو، وتكون صفة للعواتق، والثالثة ذات الخدور بإفراد "ذات"، قاله العيني. قال الجامع عفا الله عنه: بين العواتق وذوات الخدور عموم وخصوص وجهيّ؛ لأنها قد تكون بكرًا مُخَدَّرَة، وقد تكون بالغة مُخَدَّرَة، وقد تكون بكرًا غير مُخَدَّرَة، وفد تكون بالغة غير مخدرة، والله تعالى أعلم. (وَأَمَرَ الْحُيَّضَ) ببناء الفعل للمفعول، و"الحيّض" نائب فاعله، وهو بضم الحاء المهملة، وتشديد الياء التحتانيّة، جمع حائض (أَنْ يَعْتَزِلْنَ) أي: يبتعدن (مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ) يعني: أن النساء اللاتي بهنّ الحيض يبتعدن عن محل الصلاة؛ لئلا يتلوث مكان الصلاة بالدم، أو لئلا يظهرن بمظهر من يَستهين بالصلاة إذا قعدن، والناس يصلون، وفي رواية للبخاري: "ويعتزلن الحيّضُ"، وهو على لغة أكلوني البراغيث. ثم إن الجمهور حَمَلوا الأمر المذكور على الندب؛ لأن المصلَّى ليس بمسجد، فيمنع الحيّض من دخوله، قال الحافظ: وأغرب الكرمانيّ، فقال:

стр. 10127

الاعتزال واجب، والخروج والشهود مندوب، مع كونه نقل عن النوويّ تصويب عدم وجوبه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر وجوب شهودهنّ العيدين، واعتزالهن المصلَّى؛ لأن النبيّ ﷺ أمر بذلك، فإن كان القائلون بالاستحباب وجدوا صارفًا للأمر عن الوجوب فذاك، وإلا فكونه للوجوب هو الظاهر، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال ابن المنير: الحكمة في اعتزالهنّ: أن في وقوفهن لا يصلين مع المصليات إظهار استهانة بالحال، فيستحب لهن اجتناب ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أم عطيّة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٢٠٥٤ و ٢٠٥٥ و ٢٠٥٦] (٨٩٠)، و (البخاريّ) (٣٢٤ و ٣٥١ و ٩٧١ و ٩٧٤ و ٩٨١ و ١٦٥٢)، و (أبو داود) في "سننه" (١١٣٦ و ١١٣٧)، و (الترمذيّ) (٥٣٩)، و (ابن ماجه) (١٣٠٨)، و (النسائيّ) (٣/ ١٨٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣/ ٣٠٢)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٣٦١ و ٣٦٢)، و (أحمد) (٥/ ٨٥)، و (ابن خزيمة) (١٤٦٧)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٩٦ و ١٩٩٧ و ١٩٩٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٢٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة خروج النساء الطاهرات والحيّض إلى العيدين، وشهود الجماعات، وتعتزل الحيّض المصلى، ولْيَكُنَّ ممن يدعو، أو يؤمّن رجاء بركة المشهد الكريم. ٢ - (ومنها): أنّ الحيّض يشهدن مواطن الخير، ومجالس العلم. ٣ - (ومنها): أن فيه بيان أن الحائض لا تهجُر ذكر الله تعالى. ٤ - (ومنها): ما قاله الشوكانيّ ﵀: قَوْلُهُ: "يَشْهَدْنَ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ

стр. 10128

الْمُسْلِمِينَ"، يَرُدُّ ما قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ: أَنَّ خُرُوجَ النِّسَاءِ إلَى الْعِيدِ، كان في صَدْرِ الْإِسْلامِ؛ لِتَكْثِيرِ السَّوَادِ، ثُمَّ نُسِخَ، وَأَيْضًا قد رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ ﵄ خُرُوجَهُنَّ بَعْد فَتْحِ مَكَّةَ، وقد أَفْتَتْ بِهِ أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂ بَعْدَ مَوْتِ النبيّ ﷺ بِمُدَّةٍ، كما في الْبُخَارِيِّ. انتهى. ٥ - (ومنها): مشروعية اعتزال الْحُيَّض المصلى، واختلفوا فيه، فقال الجمهور: هو منع تنزيه، وسببه الصيانة والاحتراز عن التلويث، وحمله بعضهم على التحريم. قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر من النصّ التحريم حتى يوجد صارف، وإن نازع الحافظُ الكرمانيَّ في ذلك، والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم خروج النساء إلى العيدين: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: قد اختلفوا في خروج النساء إلى الأعياد: فرَوَينا عن أبي بكر، وعليّ ﵄ أنهما قالا: حقّ على كلّ ذات نطاق أن تخرج إلى العيدين، ورُوي عن عليّ أنه قال: الخروج إلى العيدين سنة للرجال والنساء، وكان ابن عمر يُخرج من استطاع من أهله في العيد. وكَرِهَتْ طائفة خروج النساء إلى العيدين، كره ذلك إبراهيم النخعيّ، وكان عروة بن الزبير لا يدع امرأة من أهله تخرج إلى فطر، ولا إلى أضحى، وقال يحيى الأنصاريّ: لا نعرف خروج المرأة الشابّة عندنا في العيدين. وقال أصحاب الرأي في خروج النساء إلى العيد: أما اليوم فإنا نكره لهنّ ذلك، ونرخّص للعجوز الكبيرة بأن تشهد العشاء والفجر، والعيدين، وأما غير ذلك فلا. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١). وقال الشوكانيّ ﵀: وَالْحَدِيثُ وما في مَعْنَاهُ من الْأَحَادِيثِ قَاضِيَةٌ بِمَشْرُوعِيَّةِ خُرُوجِ النِّسَاءِ في الْعِيدَيْنِ إلَى الْمُصَلَّى، من غَيْرِ فَرْقٍ بين الْبِكْرِ

стр. 10129

وَالثَّيِّبِ، وَالشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ، وَالْحَائِضِ وَغَيْرِهَا، ما لم تَكُنْ مُعْتَدَّةً، أو كان في خُرُوجها فِتْنَةً، أو كان له عُذْرٌ. وقد اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في ذلك على أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا): أَنَّ ذلك مُسْتَحبٌّ، وَحَمَلُوا الْأَمْرَ فيه على النَّدْبِ، ولم يُفَرِّقُوا بَيْن الشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ، وَهَذَا قَوْلُ أبي حَامِدٍ من الْحَنَابِلَةِ، والْجُرْجَانِيِّ من الشَّافِعِيَّةِ، وهو ظَاهِرُ إطْلاقِ الشَّافِعِيِّ. (الْقَوْلُ الثَّانِي): التَّفْرِقَةُ بين الشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ، قال الْعِرَاقِيُّ: وهو الذي عليه جُمْهُورُ الشَّافِعيَّةِ؛ تَبَعًا لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ في "الْمُخْتَصَرِ". (وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ): أَنَّهُ جَائِزٌ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ لَهُنَّ مُطْلَقًا، وهو ظَاهِرُ كَلامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، فِيمَا نَقَلَهً عنه ابنُ قُدَامَةَ. (وَالرَّابِعُ): أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وقد حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عن الثَّوْرِيِّ، وابن الْمُبَارِكِ، وهو قَوْلُ مَالِكٌ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَحَكَاهُ ابن قُدَامَةَ عن النَّخَعِيّ، وَيَحْيَى بن سَعيدٍ الْأَنْصَاري. وَرَوَى ابنُ أبي شَيْبَةَ عن النَّخَعِيّ، أَنَّهُ كَرِهَ لِلشَّابَّةِ أَنْ تَخْرُجَ إلَى الْعِيدِ. (الْقَوْلُ الْخَامِسُ): إنه حَقٌّ على النِّسَاءِ الْخُرُوجُ إلى الْعِيدِ، حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، عن أبي بَكْرٍ، وَعَلِيٍّ، وابن عُمَرَ ﵃. وقد رَوَى ابنُ أبي شَيْبَةَ عن أبي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ ﵄ أَنَّهُمَا قَالا: حَقٌّ على كل ذَاتِ نِطَاقٍ الْخُرُوجُ إلَى الْعِيدَيْنِ. انتهى. قال الشوكانيّ ﵀: وَالْقَوْلُ بَكَرَاهَةِ الْخُرُوجِ على الْإِطْلاقِ رَدٌّ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ، وَتَخْصِيصُ الشَّوَابِّ يَأْبَاهُ صَرِيحُ الحديث الْمُتَّفَقِ عليه وَغَيْرُهُ. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀ (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الحقّ الذي دلّت عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة المذكورة في "الصحيحين" وغيرهما هو

стр. 10130

القول بمشروعيّة خروج النساء إلى العيدين، مطلقًا عجائز كنّ، أو شابّات، طاهرات كنّ أو حُيّض، ولا مُتَمَسَّكَ للمانعين، إلا مجرّد النظر لتغير الزمان، وهذا غير مانع، فإن الشارع لَمَّا أمر بخروج النساء مطلقًا، شابّة كانت أو عجوزًا شرط عليها أن تتجلبب، وأن لا تخرج متطيّبة، ولا متبخّرة، فإذا وجد الشرط لا تُمنع، وأما إذا لم تلتزم بما اشترط عليها الشارع فقد مَنَعَت نفسها من الخروج، لا أن الشارع منعها، فإن حكم الشارع مستمرّ إلى قيام الساعة، لا يتغير بتغيّر الزمان، فالقول بمنع الشوابّ، دون العجائز، أو التفريق بين الصلوات مما لا برهان له، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد. ثم رأيت الصنعانيّ ﵀ أيّد هذا في "حاشية العمدة" حيث قال -بعد ذكر أقوال المانعين-: قلت: وتنصيصه ﷺ على العواتق وذوات الخدور يمنع التفصيل في إخراج العجائز دون الشوابّ، وهل النصّ إلا في الشوابّ؟ وقولهم: إن المفسدة كانت مأمونة في ذلك الزمان غير صحيح؛ إذ كلّ زمان فيه صالحون وغيرهم، وقد وقع في عصر النبوّة ما وقع في غيره من ارتكاب فاحشة الزنا، والسرقة، وغيرهما، نعم لا تخرج إلى الصلاة في ثياب زينة، ولا متطيّبة، بل تخرج متبذّلة؟ لورود النهي عن ذلك. انتهى كلام الصنعانيّ ﵀ (١). قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الصنعانيّ ﵀ في هذا التعقّب، وأفاد، وصَدَقَ في قوله: "وقد وقع في عصر النبوّة … إلخ". أمَا سمع هؤلاء ما أخرجه أبو داود في "سنن" بسند حسن، عن وائل بن حجر ﵁ أن امرأة خرجت على عهد النبيّ ﷺ تريد الصلاة، فتلقّاها رجل، فتجلّلها، فقضى حاجته منها، فصاحت، وانطلق، فمرّ عليها رجلٌ، فقالت: إن ذاك فعل بي كذا وكذا، ومرت عصابة من المهاجرين، فقالت: إن ذلك الرجل فعل بي كذا وكذا … " الحديث. أليست هذه الفاحشة وقعت على امرأة خرجت تصلى مع النبيّ ﷺ ؟، فانتبهوا يا أولي الألباب. والحاصل أن الصواب مشروعية خروج النساء إلى العيدين مطلقًا؛ إذا

стр. 10131

التزمت ما أوجب عليها الشرع، مما أسلفناه من الشروط، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: ثم إن الجمهور على أن الأمر بخروج النساء إلى العيدين للاستحباب، وهو محلّ نظر؛ إذ الأمر للوجوب عند جمهور الأصوليين، وهو الراجح، إلا لصارف، ولم يذكروا هنا صارفًا، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٥٥] ( … ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ فِي الْعِيدَيْنِ، وَالْمُخَبَّأَةُ، وَالْبِكْرُ، قَالَت: الْحُيَّضُ يَخْرُجْنَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، يُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) زهير بن معاوية بن حُديج الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢. ٣ - (عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ) هو: ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧. ٤ - (حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ)، أم الْهُذيل الأنصاريّة البصريّة، ثقةٌ [٣]. رَوَت عن أخيها يحيى، وأنس بن مالك، وأم عطية الأنصارية، والرباب أم الرائح، وأبي العالية، وأبي ذبيان خليفة بن كعب، والربيع بن زياد الحارثيّ، وخيرة أم الحسن البصريّ، وقيل: إنها روت عن سلمان بن عامر الضبيّ، وجماعة. وروى عنها أخوها محمد، وقتادة، وعاصم الأحول، وأيوب، وخالد الحذاء، وابن عون، وهشام بن حسان، وغيرهم. قال أحمد بن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ حجةٌ، وقال العجليّ: بصريةٌ تابعيّة، وقال أبو داود: أم الهذيل حفصة، كان اسم ابنها الْهُذيل، وقال

стр. 10132

هشام بن حسان، عن إياس بن معاوية: ما أدركت أحدًا أفضّله على حفصة، وقال ابن أبي داود: قَرَأَت القرآن، وهي ابنة اثنتي عشرة سنةً، وماتت وهي ابنة سبعين سنة، فقيل لابن أبي داود: لعله تسعين، فقال: كذا في الحديث، وذكرها ابن حبان في "الثقات". ماتت سنة إحدى ومائة، وذكرها البخاريّ في "فصل من مات من سنة مائة إلى عشر ومائة". أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب (١٥) حديثًا بالمكرّر. و"أمّ عطيّة" ذُكرت في السند الماضي. وقوله: (كُنَّا نُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ فِي الْعِيدَيْنِ) تقدّم في الرواية الماضية أن الذي أمرهم هو النبيّ ﷺ ، وفيه تقوية لقول الجمهور أن قول الصحابيّ: "كنا نؤمر"، ونحوه له حكم الرفع. وقولها: (وَالْمُخَبَّأَةُ) مرفوع بالعطف على الضمير النائب عن الفاعل في "نُؤمر"، وهو: بضمّ الميم، وتشديد الموحّدة، اسم مفعول، من خبّأ الشيء: إذا ستره، قال ابن الأثير ﵀: "الْمُخَبَّأَةُ": الجارية التي في خِدْرها، لم تتزوّج بعدُ؛ لأن صيانتها أبلغ ممن قد تزوّجت. انتهى (١). وقال الفيّوميّ ﵀: خَبَأتُ الشيءَ مهموزٌ من باب نَفَعَ: سَتَرْتُه، وخَبّأته: حَفِظته، والتشديد تكثيرٌ ومبالغةٌ. انتهى (٢). وقولها: (وَالْبِكْرُ) بكسر الموحّدة، وسكون الكاف: خلاف الثيّب رجلًا كان أو امرأةً، وهو الذي لم يتزوّج، والجمع: أَبْكارٌ، مثلُ حِمْلٍ وأَحْمَال (٣). وقولها: (قَالَت: الْحُيَّضُ يَخْرُجْنَ … إلخ) القائلة هي أم عطيّة ﵂. وقولها: (يُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ) قال النوويّ ﵀: فيه جواز ذكر الله تعالى للحائض والجنب، وإنما يحرم عليها القرآن، وفيه دليل على استحباب التكبير لكل أحد في العيدين، وهو مُجْمَع عليه، قال أصحابنا: يستحب التكبير ليلتي العيدين، وحال الخروج إلى الصلاة.

стр. 10133

وقال القاضي عياض ﵀: التكبير في العيدين أربعة مواطن: في السعي إلى الصلاة إلى حين يخرج الإمام، والتكبير في الصلاة، وفي الخطبة، وبعد الصلاة. أما الأول فاختلفوا فيه، فاستحبه جماعة من الصحابة والسلف، فكانوا يكبرون إذا خرجوا حتى يبلغوا المصلى، يرفعون أصواتهم، وبه قال الأوزاعيّ، ومالك، والشافعيّ، وزاد استحبابه ليلة العيدين، وقال أبو حنيفة: يكبر في الخروج للأضحى دون الفطر، وخالفه أصحابه، فقالوا بقول الجمهور. وأما التكبير بتكبير الإمام في الخطبة، فمالك يراه، وغيره يأباه، وأما التكبير المشروع في أول صلاة العيد، فقال الشافعيّ: هو سبع في الأولى، غير تكبيرة الإحرام، وخمس في الثانية، غير تكبيرة القيام، وقال مالك، وأحمد، وأبو ثور كذلك، لكن سبع في الأولى إحداهن تكبيرة الإحرام، وقال الثوريّ، وأبو حنيفة: خمس في الأولى، وأربع في الثانية بتكبيرة الإحرام والقيام، وجمهور العلماء يرى هذه التكبيرات متوالية متصلة، وقال عطاء، والشافعيّ، وأحمد: يستحب بين كل تكبيرتين ذكر الله تعالى، ورُوي هذا أيضًا عن ابن مسعود ﵁. وأما التكبير بعد الصلاة في عيد الأضحى، فاختلف علماء السلف ومن بعدهم فيه، على نحو عشرة مذاهب، هل ابتداؤه من صبح يوم عرفة، أو ظهره، أو صبح يوم النحر، أو ظهره؟ وهل انتهاؤه في ظهر يوم النحر، أو ظهر أول أيام النَّفْر، أو في صبح أيام التشريق، أو ظهره، أو عصره؟ واختار مالك، والشافعيّ، وجماعة ابتداءه من ظهر يوم النحر، وانتهاءه صبح آخر أيام التشريق، وللشافعيّ قولٌ: إلى العصر من آخر أيام التشريق، وقولٌ: إنه من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق، وهو الراجح عند جماعة من أصحابنا، وعليه العمل في الأمصار. انتهى (١). وقال في "الفتح" بعد ذكره آثارًا تدلّ على ثبوت التكبير في يوم العيد، وأيام التشريق، ما حاصله: وقد اشتَمَلَت هذه الآثار على وجود التكبير في تلك

стр. 10134

الأيام عقب الصلوات، وغير ذلك من الأحوال، وفيه اختلاف بين العلماء في مواضع، فمنهم من قَصَر التكبير على أعقاب الصلوات، ومنهم من خَصّ ذلك بالمكتوبات دون النوافل، ومنهم من خَصّه بالرجال دون النساء، وبالجماعة دون المنفرد، وبالمؤدّاة دون المقضيّة، وبالمقيم دون المسافر، وبساكن المصر دون القرية، وظاهر اختيار البخاريّ شمول ذلك للجميع، والآثار التي ذكرها تساعده. قال: وللعلماء اختلاف أيضًا في ابتدائه وانتهائه، فقيل: من صبح يوم عرفة، وقيل: من ظهره، وقيل: من عصره، وقيل: من صبح يوم النحر، وقيل: من ظهره، وقيل: في الانتهاء إلى ظهر يوم النحر، وقيل: إلى عصره، وقيل: إلى ظهر ثانية، وقيل: إلى صبح آخر أيام التشريق، وقيل: إلى ظهره، وقيل: إلى عصره، حَكَى هذه الأقوال كلها النوويّ، إلا الثاني من الانتهاء، وقد رواه البيهقيّ عن أصحاب ابن مسعود، ولم يثبت في شيء من ذلك عن النبيّ ﷺ حديث، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول عليّ، وابن مسعود: إنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى، أخرجه ابن المنذر وغيره، والله أعلم. وأما صيغة التكبير: فأصح ما ورد فيه ما أخرجه عبد الرزاق، بسند صحيح، عن سلمان ﵁ قال: "كَبِّروا الله، الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرًا"، ونُقِل عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، أخرجه جعفر الفريابيّ في "كتاب العيدين" من طريق يزيد بن أبي زياد عنهم، وهو قول الشافعيّ، وزاد: "ولله الحمد"، وقيل: يكبر ثلاثًا، ويزيد: "لا إله إلا الله وحده، لا شريك له … إلخ"، وقيل: يكبر ثنتين بعدهما: "لا إله الا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد"، جاء ذلك عن عمر، وعن ابن مسعود نحوه، وبه قال أحمد، وإسحاق، وقد أُحدث في هذا الزمان زيادة في ذلك لا أصل لها. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن أرجح الأقوال استحباب التكبير من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؛ لأنه صحّ عن عليّ وابن مسعود ﵄، وهوأحقّ من اتُّبع في ذلك.

стр. 10135

وأما صيغ التكبير، فأولاها ما صحّ عن سلمان ﵁، وإن زيد ما قاله الشافعيّ ﵀، فلا بأس. والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٥٦] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيةَ، قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى: الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ، وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: "لِتُلْبِسْهَا (١) أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل باب. ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطاً، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧) وقيل: (١٩١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨. ٣ - (هِشَامُ) بن حسّان الْقُردُوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦. والباقيان ذُكرا قبله. وقولها: (أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ) قال القرطبي ﵀: تعني النساء، والضمير عائد على نساء جرى ذكرهنّ، وقد أَبدلت من ضميرهنّ بقولها: "العواتق والْحُيّض"، وذوات الخدور، قال: ولا يصحّ أن يُستدلّ بهذا الأمر على وجوب صلاة العيدين، والخروج إليهما؛ لأن هذا الأمر إنما يوجّه من ليس بمكلّف بالصلاة باتّفاق؛ كالحيّض، وإنما مقصود هذا الأمر تدريب الأصاغر على الصلاة، وشهود دعوة المسلمين، ومشاركتهم في الثواب والخير، وإظهار جمال الدين. انتهى (٢).

стр. 10136

قال الجامع عفا الله عنه: قولها: "أن نُخْرِجهنّ" هذا مما عاد الضمير على متأخّر لفظاً ورتبة، وهي ستة مواضع، وقد جمعتها بقولي: وَعَوْدُ مُضْمَرٍ عَلَى مَا أُخِّرَا … لَفْظاً وَرُتْبَةً أَتَى مُغْتَفَرَا فِي مُضْمَرِ الشَّأْنِ وَنِعْمَ رَجُلَا … وَرُبَّهُ فَتًى كَذَا مَا أُبْدِلَا مَا بَعْدَهُ عَنْهُ وَمَا قَدْ فُسِّرَا … بِخَبَرٍ وَفِي التَّنَازُعِ جَرَى فَتِلْكَ سِتّ وِسِوَاهَا أَوْجَبُوا … تَقَدُّمَ الْمَرْجِعِ نَعْمَ الْمَطْلَبُ وقولها: (الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ) بدل من ضمير الجماعة في "نُخرجهنّ". وقولها: (فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ) أي: موضع الصلاة، كما قال في الرواية السابقة: "وأمر الحيّض أن يعتزلن مصلى المسلمين". وقولها: (وَيشْهَدْنَ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ) فيه استحباب حضور النساء مجامع الخير ودعاء المسلمين، وحلِق الذِّكر والعلم ونحو ذلك. وقولها: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ؟) القائلة هي أمّ عطية، ومعنى كلامها: أنه إذا لم يكن لإحدانا جلباب تلبسه، فهل يُسمح لها بعدم الخروج؟، فأجابها ﷺ بأنه لا بدّ لها من الخروج باستعارة الجلباب من أختها. و"الجِلباب" - بكسر الجيم، وسكون اللام، وبموحّدتين، بينهما ألف - قال النضر بن شُميل: هو ثوب أقصر، وأعرض من الخمار، وهي الْمِقْنعة، تغطي به المرأة رأسها، وقيل: هو ثوب واسع دون الرداء، تغطي به صدرها وظهرها، وقيل: هو كالْمُلاءة، والْمِلْحَفة، وقيل: هو الإزار، وقيل: الخمار، قاله النوويّ ﵀ (١). وقولها: (قَالَ) أي: النبيّ ﷺ ("لِتُلْبِسْهَا) وفي نسخة: "لتلبسنّها" بنون التوكيد.

стр. 10137

وقوله: (أُخْتُهَا) المراد أختها في الإسلام، كما جاء في الرواية الأخرى بلفظ: "لتلبسها صاحبتها". وقوله: (مِنْ جِلْبَابِهَا") قال في "الفتح": قيل: المراد به الجنس؛ أي: تعيرها من ثيابها ما لا تحتاج إليه، وقيل: المراد تشريكها معها في لبعس الثوب الذي عليها، وهذا ينبني على تفسير الْجِلْباب، كما تقدّم (١). وقال في موضع آخر: يَحْتَمِل أن يكون للجنس؛ أي: تعيرها من جنس ثيابها، ويؤيده رواية ابن خزيمة: "من جلابيبها"، وللترمذيّ: "فلتعرها أختها من جلابيبها"، والمراد بالأخت: الصاحبة. ويَحْتَمِل أن يكون المراد تُشْرِكها معها في ثوبها، ويؤيده رواية أبي داود: "تُلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها"؛ يعني: إذا كان واسعاً، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: "ثوبها" جنس الثياب، فيرجع للأول. ويؤخذ منه جواز اشتمال المرأتين في ثوب واحد عند التستر، وقيل: إنه ذكر على سبيل المبالغة؛ أي: يَخْرُجن على كل حال، ولو اثنتين في جلباب. انتهى (٢). وقال النوويّ ﵀: فيه الحثّ على حضور العيد لكل أحد، وعلى المواساة والتعاون على البر والتقوى. انتهى (٣). وقال القرطبي ﵀: قوله: "لتلبسها … إلخ" يعني: لتُعِرها من ثيابها، وقيل: هو على المبالغة؛ يعني: أنه يخرُج اثنتان في لحاف واحد. انتهى (٤). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 10138

(٣) - (بَابُ بَيَانِ عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدِ، وَبَعْدَهَا فِي الْمُصَلَّى) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٥٧] (٨٨٤) - (وَحَدَّثَنَا (١) عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ، فَصَلَّى رَكعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا (٢)، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا، وَتُلْقِي سِخَابَهَا"). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. ٢ - (أَبُوهُ" معاذ بن معاذ بن نصر الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٤ - (عَدِيُّ) بن ثابت الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤. ٥ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﵄ تقدّم قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (متها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.

стр. 10139

٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﵄ حبر الأمة وبحرها، وأحد العبادلة، والفقهاء والمكثرين، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ) شكّ من الراوي، ولعلّهَ من شعبة، وفي رواية البخاريّ: "خرج يوم الفطر"، وللنسائيّ: "خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ" (فَصَلَّى رَكعَتَيْنِ) أي: صلّى صلاة العيد ركعتين (لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا) إنما أفرد الضمير مع أن المرجع قوله: "ركعتين" باعتبار أنهما صلاة واحدة، ووقع في بعض النسخ: "لم يصلّ قبلهما، ولا بعدهما" (ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ) أي: صفوفهنّ (وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا) - بضم الخاء المعجمة، وحكي كسرها، وسكون الراء، بعدها صاد مهملة -: هو الحلقة من الذهب، أو الفضة، وقيل: هو القُرْط؛ إذا كان بحبة واحدة. (وَتُلْقِي سِخَابَهَا) - بكسر المهملة، ثم معجمة، ثم موحدة -: هو قِلادة من عَنْبَر، أو قَرَنفُل، أو غيره، ولا يكون فيه خَرَز، وقيل: هو خيط، فيه خَرَزٌ، وسُمِّي سِخَاباً؛ لصوت خرزه عند الحركة، مأخوذ من السَّخَب، وهو اختلاط الأصوات، يقال: بالصاد والسين. وقال النوويّ ﵀: "السِّخَابُ": - بكسر السين، وبالخاء المعجمة -: هو قِلادة من طِيب مَعْجُون على هيئة الْخَرَز، يكون من مِسْكٍ، أو قَرَنْفُل، أو غيرهما من الطيب، ليس فيه شيء من الجوهر، وجمعه سُخُبٌ، ككِتَاب وكُتُبٍ. انتهى (١).

стр. 10140

والحديث دليل على عدم التنفّل قبل صلاة العيد وبعدها. قال في "الفتح": وقد اختَلَف السلف في ذلك، فذكر ابن المنذر، عن أحمد أنه قال: الكوفيون يصلّون بعدها، لا قبلها، والبصريون يصلّون قبلها، لا بعدها، والمدنيون لا قبلها، ولا بعدها. وبالأول قال الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، وبالثاني قال الحسن البصريّ، وجماعة، وبالثالث قال الزهريّ، وابن جريج، وأحمد. وأما مالك فمنعه في المصلَّى، وعنه في المسجد روايتان. وقال الشافعي في "الأمّ" ونقله عنه البيهقيّ في "المعرفة" بعد أن رَوَى حديث ابن عباس حديثَ الباب ما نصه: وهكذا يجب للإمام أن لا يتنفّل قبلها، ولا بعدها، وأما المأموم فمخالف له في ذلك، ثم بسط الكلام في ذلك. وقال الرافعي: يكره للإمام التنفّل قبل العيد وبعدها، وقيّده في "البويطيّ" بالمصلّى، وجرى على ذلك الصيمريّ، فقال: لا بأس بالنافلة قبلها وبعدها مطلقاً، إلا للإمام في موضع الصلاة، وأما النوويّ في "شرح مسلم"، فقال: قال الشافعيّ، وجماعة من السلف: لا كراهة في الصلاة قبلها، ولا بعدها، فإن حُمِل كلامه على المأموم فهو مخالف لنصّ الشافعيّ المذكور، ويؤيد ما في "البويطيّ" حديث أبي سعيد: "أن النبيّ ﷺ كان لا يصلي قبل العيد شيئاً، فإذا رجع إلى منزلة صلى ركعتين"، أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن، وقد صححه الحاكم، وبهذا قال إسحاق، ونقل بعض المالكية الإجماع على أن الإمام لا يتنقل في المصلى. وقال ابن العربيّ: التنفل في المصلى لو فُعل لَنُقل، ومن أجازه رأى أنه وقتٌ مطلقٌ للصلاة، ومن تركه رأى أن النبيّ ﷺ لم يفعله، ومن اقتدى فقد اهتدى. انتهى. والحاصل أن صلاة العيد لم يثبت لها سنة قبلها، ولا بعدها، خلافاً من قاسها على الجمعة، وأما مطلق النفل فلم يثبت فيه منع بدليل خاصّ، إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة الذي في جميع الأيام، والله تعالى أعلم. انتهى ما في "الفتح".

стр. 10141

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما أشار إليه ابن العربيّ ﵀ هو الأرجح. وحاصله عدم مشروعية التنفّل في المصلَّى؛ لعدم ثبوته عن النبيّ ﷺ ، وسيأتي تحقيق القول في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عباس بهذا مُتَفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٢٠٥٧ و ٢٠٥٨] (٨٨٤)، و (البخاريّ) في "العيدين" (٩٦٤ و ٩٨٩ و ١٤٣١ و ٥٨٨١ و ٥٨٨٣)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٥٩)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٥٣٧)، و (النسائيّ) في "العيديين" (١٥٨٧) و"الكبرى" (١٧٩٢)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٩١)، و (أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٨٠ و ٣٤٠ و ٣٥٥)، و (الدارميّ) في "سننه" (١٦١٣ و ١٦١٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٣٦)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٩٩)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤١٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة قبل صلاة العيد، وبعدها: قال الإمام ابن المنذر ﵀: ثابت عن رسول الله ﷺ أنه خرج في يوم فطر، أو أضحى، فصلّى ركعتين، لم يصلّ قبلها، ولا بعدها. وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فقالت طائفة: لا يُصَلَّى قبلها، ولا بعدها، وممن كان لا يصلي قبلها، ولا بعدها ابن عمر، ورُوي ذلك عن عليّ، وابن مسعود، وحذيفة، وابن أبي أوفى، وجابر بن عبد الله، ورَوينا عن عبد الله بن عمروأنه قال في الصلاة قبل العيد: ليس قبله، ولا بعده. ورأت طائفة أن يُصَلَّى قبلها وبعدها، هذا قول أنس بن مالك، ورُوي عن أبي هريرة. وهو قول الحسن البصريّ، وأخيه سعيد، وجابر بن زيد، وعروة بن الزبير، وبه قال الشافعي، وقال عطاء: إذا طلعت الشمس فصلّ.

стр. 10142

وفيه قول ثالث: وهو أن يصلي بعدها، ولا يصلي قبلها، روينا عن أبي مسعود البدري أنه قال في يوم عيد: أيها الناس إنه لا صلاة في يومكم هذا حتى يخرج الإمام. وروينا عن ابن مسعود أنه صلى بعد العيدين أربعاً. وممن مذهبه أن يصلَّى بعدها، ولا يصلى قبلها علقمة، والأسود، ومجاهد، وابن أبي ليلى، وسعيد، وإبراهيم النخعي، وبه قال سفيان الثوريّ، والأوزاعيّ، وأصحاب الرأي، وحُكي عن الأوزاعيّ أنه قال: اجتمعت العامّة على أن لا صلاة قبل خروج الإمام يوم الفطر والأضحى، وبُصَلَّى بعدُ. وفيه قول رابع: وهو كراهية الصلاة في المصلى قبل صلاة العيد وبعدها، والرخصة في الصلاة في غير المصلى، هذا قول مالك، وكان إسحاق يقول: الفطر والأضحى ليس قبلهما صلاة، ويُصَلِّى بعدهما أربع ركعات، يفصل بينهنّ إذا رجع إلى بيته، ولا يصلي في الجَبّان أصلاً؛ لأن النبيّ ﷺ صلى ركعتين يوم الفطر، لم يصلّ قبلها ولا بعدها. ثم رجّح ابن المنذر قول من أباح الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها، راجع كلامه في كتابه (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح قول من قال بعدم مشروعيّة الصلاة قبل صلاة العيد، أو بعدها؛ لعدم ثبوته عن النبيّ ﷺ ، وأصرح دليل على ذلك قول أبي مسعود ﵁ فيما رواه النسائيّ بإسناد صحيح: "يا أيها الناس إنه ليس من السنة أن يُصَلَّى قبل الإمام"، فإنه من أهل اللغة يَفهَم مقاصد الشريعة، وقد أنكر على من رآهم يصلّون قبل صلاة العيد، وقال لهم: إنها ليست من السنة، فلا أدلّ على عدم مشروعيتها من قوله: "ليس من السنّة … إلخ". والحاصل أنه لا يُشرع التنفّل قبل صلاة العيد، ولا بعدها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 10143

وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٥٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعاً عَنْ غُنْدَرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله بن إدريس الأوديّ، تقدّم قبل بابين. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ) هو: محمد بن أحمد بن نافع الْعَبْديّ البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٨. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (غُنْدَرٌ) محمد بن جعفر، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ) ضمير التثنية لابن إدريس وغُندر. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ) أي: بإسناد شعبة السابق، ونحوه حديثه. [تنبيه]: رواية ابن إدريس، عن شعبة هذه ساقه النسائيّ ﵀، فقال: (١٥٨٧) أخبرنا عبد الله بن سعيد الأشجّ، قال: حدّثنا ابن إدريس، قال: أنبأنا شعبة، عن عديّ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "أن النبيّ ﷺ خرج يوم العيد، فصلى ركعتين، لم يصلّ قبلها، ولا بعدها". انتهى. وأما رواية غندر، عن شعبة، فقد ساقها الإمام أحمد ﵀ مقروناً ببهز، فقال: (٣١٤٣) حدّثنا محمد بن جعفر، وبهز قالا: حدّثنا شعبة، عن عديّ بن ثابت، قال بهز: أخبرني عديّ بن ثابت، قال: سمعت سعيد بن جبير، يحدث عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ خرج يوم أضحى، أو يوم فطر، قال: وأكبر ظني أنه قال: يوم فطر، فصلى ركعتين، لم يصلّ قبلهما، ولا بعدهما، ثم أتى النساء، ومعه بلال، فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تُلقي خُرْصها، وسِخَابها، ولم يشكّ بهزٌ قال: "يوم فطر"، وقال: "صِخَابها". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 10144

(٤) - (بَابُ بَيَانِ مَا يُقْرَأُ بِهِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٥٩] (٨٩١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثيَّ، مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾، ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾. رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بَكْر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨. ٣ - (ضَمْرَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَازِنِيُّ) الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٤] (م ٤) تقدم في "الجمعة" ١٩/ ٢٠٣٠. ٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عُتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤. ٥ - (أَبُو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ) الصحابيّ ﵁، قيل: اسمه الحارث بن مالك، وقيل: ابن عوف، وقيل: اسمه عوف بن الحارث بن أسيد بن جابر بن عُويمرة بن عبد مناة بن أشجع بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن عليّ بن كنانة. روى عن النبيّ ﵁، وعن أبي بكر، وعمر ﵄، وروى عنه ابناه عبد الملك، وواقد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو مرّة مولى عَقيل بن أبي طالب، وعطاء بن يسار، وغيرهم. قيل: إنه شهد بدراً، قال الواقديّ: توفّي سنة (٦٨) وهو ابن (٦٥) وفيها أرّخه يحيى بن بُكير، وابن نُمير، وغير واحد، زاد ابن بُكير: وسنّه (٧٠) سنة، وقال غيرهم: وهو ابن (٧٥) سنة، وقال البخاريّ، وابن حبّان: شهد بدراً، وقال ابن عبد البرّ: قيل: إنه شهد بدراً، وتوفي وسنّه (٨٥) سنة، وقال الباروديّ في "الصحابة": شهد بدراً، ثم

стр. 10145

صفّين، ومات، وله (٨٧) سنة انتهى. وصحح في "التقريب" أنه مات سنة (٦٨) وهو ابن (٨٥) سنة. أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٨٩١) وأعاده بعده، وحديث (٢١٧٦): "ألا أخبركم عن النفر الثلاثة … " الحديث، وإلله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، وضمرة، فما أخرج له البخاريّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه عبيد الله من الفقهاء السبعة. ٦ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا خمسة أحاديث (١)، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ، عَنْ كبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) ﵁، قال القاضي عياض ﵀: هذا الحديث غير متصل؛ لأن عبيد الله لا سماع له من عُمر ﵁، وقد وصله مسلم من طريق فُليح، عن ضمرة بن سعيد، عن عبيد الله ين عبد الله بن عتبة، عن أبي وأقد الليثيّ، قال: سألني عمر، فذكره. انتهى. وسيأتي تمام البحث فيه قريباً - إن، شاء الله تعالى -. (سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ) تقدّم الخلاف في اسمه آنفاً (مَا) استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء من القرآن (كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أي: بعد الفاتحة؛ لأن تعيّن قراءتها معلومْ لعمر ﵁ (فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ) أي: في صلاتي عيدي

стр. 10146

الأضحى والفطر (فَقَالَ) أبو واقد ﵁ (كَانَ) ﷺ (يَقْرَأُ فِيهِمَا) أي: في الأضحى والفطر (بِـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾، وَ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ وفي رواية فُلَيح عن ضمرة التالية: عن أبي واقد الليثيّ قال: سألني عمر بن الخطاب عما قرأ به رسول الله ﷺ في يوم العيد؟ فقلت: بـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، و ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾، والمراد قراءة السورتين بتمامهما. قال الباجيّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون سؤال عمر ﵁ على معنى الاختبار، أو نَسِي، فأراد أن يتذكّر. وقال النوويّ ﵀: قالوا: يَحْتَمِلُ أنه شكّ في ذلك، فاستثبته، أو أراد إعلام الناس بذلك، أو نحو هذا من المقاصد، قالوا: ويبعد أن عُمَر ﵁ لم يعلم ذلك مع شهود صلاة العيد مع رسول الله ﷺ مرات، وقربه منه. قال العلماء: الحكمة في قراءتهما؛ لما اشتملتا عليه من الإخبار بالبعث، والإخبار عن القرون الماضية، وإهلاك المكذّبين، وتشبيه بروز الناس للعيد ببروزهم للبعث، وخروجهم من الأجداث، كأنّهم جراد منتشر (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي واقد الليثيّ ﵁ من أفراد المصنّف ﵀. [فإن قلت]: كيف أخرجه المصنّف، وفيه انقطاع؛ لأن عبيد الله لم يُدرك عمر ﵀؟. [قلت]: هذا الانقطاع صوريّ؛ لأن عبيد الله إنما رواه عن أبي واقد، لا عن عمر ﵄، بدليل الرواية التالية؛ فإن المصنّف ﵀ ساقه من طريق فُليح، عن ضمرة بن سعيد، عن عبيد الله، عن أبي واقد الليثيّ ﵁، قال: سألني عمر بن الخطّاب … فذكره. قال النوويّ ﵀ بعد أن ذكر أن الرواية الأولى مرسلة؛ لأن عبيد الله لم يدرك عمر، ما نصّه: ولكن الحديث صحيح بلا شكّ، متّصلى من الرواية

стр. 10147

الثانية، فانه أدرك أبا واقد بلا شكّ، وسمعه بلا خلاف، فلا عَتْبَ على مسلم حينئذ في روايته، فإنه صحيح متّصل، والله أعلم. انتهى (١). وقال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: قد زعم بعض أهل العلم بالحديث أن هذا الحديث منقطع؛ لأن عبيد الله لم يلق عمر، وقال غيره: هو متّصل مسند، ولقاء عبيد الله لأبي واقد الليثيّ غير مدفوع، وقد سمع عبيدُ الله من جماعة من الصحابة، ولم يذكر أبو داود في "باب ما يقرأ به في العيدين" إلا هذا الحديث، وهذا يدلّ على أنه عنده متّصل صحيح. انتهى كلام ابن عبد البرّ. قال الجامع عفا الله عنه: الحديث صحيح متّصل، كما قال، لكن استدلالة بعدم إخراج أبي داود في الباب غيره نظر لا يخفى؛ لأن أبا داود لم يلتزم أن يخرّج الصحيح المتّصل عنده في كتابه، حتى يُستدلّ بصنيعه هذا على صحة الحديث عنده، فتبصّر. والحاصل أن الحديث متصل صحيح، قد تبيّن اتّصاله من طريق فُليح كما فعل المصنّف ﵀ هنا حيث أخرجه من الطريقين إشارة إلى أن مثل هذا الانقطاع لا يضرّ بصحة الحديث؛ لكونه انقطاعاً صوريًّا بدليل الرواية الثانية. وخلاصة القول أن قول عبيد الله في الرواية: "أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد … إلخ" مما أخذه عن أبي واقد، لا أنه يحكي القصّة؛ إذ لم يشهدها، بدليل قوله في الرواية الثانية: "عن أبي واقد الليثيِّ قال: سألني عمر ﵁ … إلخ"، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٢٠٥٩ و ٢٠٦٠] (٨٩١)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٥٤)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٥٣٤ و ٥٣٥)، و (النسائيّ) في "العيدين" (١٥٦٧) و"الكبرى" (١٧٧٣)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٨٢)، و (مالك) في "الموطأ" (١/ ١٨٠)، و (عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣/ ٢٩٨)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٨٤٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢١٧ و ٥/ ٢١٩)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٤٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه"

стр. 10148

(٢٠٠٠ و ٢٠٠١)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤١٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيما يُقْرَأ في صلاة العيدين: قال الحافظ أبو عمر ﵀: اختَلَفت الآثار في هذا الباب، وكذلك اختلف الفقهاء أيضاً فيه، فقال مالك: يقرأ في صلاة العيدين بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، ونحوها. وقال الشافعيّ بحديث أبي واقد الليثيّ هذا في ﴿ق﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾. وقال أبو حنيفة: يقرأ فيهما بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، وما قرأ من شيء أجزأه. وقال أبو ثور: يقرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، وقد روي عن عمر بن الخطّاب ﵁ مثل ذلك. وعن ابن مسعود ﵁ أنه كان يقرأ فيهما بأمّ القرآن وسورة من المفصّل، وكان أبان بن عثمان يقرأ فيهما بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾. وليس في هذا الباب أثر مرفوع إلا حديث أبي واقد الليثيّ المذكور في هذا الباب، وحديث سمرة بن جندب ﵄ أن النبيّ ﷺ كان يقرأ في العيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، وحديث حبيب بن أبي سالم، عن النعمان بن بشير ﵄، عن النبيّ ﷺ مثله (١). قال: وفي اختلاف الآثار في هذا الباب دليلٌ على أن لا توقيت فيه، والله أعلم. انتهى كلام ابن عبد البرّ ﵀ (٢). وقال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀ بعد ذكره نحو ما تقدّم من الاختلاف ما نصّه: الإمام بالخيار، إن شاء قرأ في صلاة العيدين بـ ﴿ق﴾ و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، وإن شاء قرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، والاختلاف في هذا من الاختلاف المباح، وإن قرأ بفاتحة الكتاب وسورة سوى ما ذكرناه أجزأه. انتهى كلامه ببعض تصرّف (٣).

стр. 10149

قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من الأحاديث أنه يستحبّ للإمام أن يقرأ بهذه السُّوَر في العيدين، تارةً بهذا وتارةً بهذا، ولكن لا يتعيّن عليه ذلك، كما قال ابن المنذر، وابن عبد البرّ - وحمهما الله تعالى - من أن هذا الاختلاف من الاختلاف المباح، فيجوز أن يقرأ بعد الفاتحة بما شاء من القرآن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٦٠] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: سَأَلنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَابِ، عَفَا قَرَأَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي يَوْمِ الْعِيدِ؟ فَقُلْتُ: بِـ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، وَ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الْحَنظليّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ) عبد الملك بن عمرو الْقَيْسيّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١. ٣ - (فُلَيْحُ) بن سُليمان بن أبي المغيرة الْخُزاعيّ، أو الأسلميّ، أبو يحيى المدنيّ، ويقال: فُليح لقبه، واسمه عبد الملك، صدوقٌ كثير الخطأ [٧] (ت ١٦٨) (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٥. والباقون ذُكروا قبله. والحديث من أفراد المصنّف ﵀، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.

стр. 10150

(٥) - (بَابُ بَيَانِ الرُّخْصَةِ فِي اللَّعِبِ يَوْمَ الْعِيدِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٦١] (٨٩٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُوأُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَي أَبُو بَكْرٍ، وَعِنْدِي جَارِيتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأنصَارِ، تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنَيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيداً، وَهَذَا عِيدُنَا"). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، صاحب تصانيف [١٠] (٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١. ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وله (٨٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١. ٣ - (هِشَامُ) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه ربما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) وله (٨٧) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠. ٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبت فقيه [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧. ٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين بنت الصدّيق ﵁ ما-، ماتت سنة (٥٧) (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شعيخه، كما مرّ آنفاً. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقيان كوفيّان.

стр. 10151

٤ - (ومنها): أن فيه راوية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته. ٥ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة ﵂ من المكثرين السبعة. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق ﵁ (وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ) أي: والحال أن جاريتين كائنتان عندي. والجارية في النساء كالغلام في الرجال، يقعان على من دون البلوغ فيهما (مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ) وللطبرانيّ من حديث أم سلمة ﵂ أن إحداهما كانت لحسان بن ثابت، وفي "الأربعين" للسلمي أنهما كانتا لعبد الله بن سلام، وفي "العيدين" لابن أبي الدنيا من طريق فُليح، عن هشام بن عروة: "وحمامةُ وصاحبتها تغنّيان"، وإسناده صحيح، قال الحافظ ﵀: ولم أقف على تسمية الأخرى، لكن يَحْتَمِل أن يكون اسم الثانية زينب، وقد ذكرته في "كتاب النكاح"، ولم يذكر حمامةَ الذين صنّفوا في الصحابة، وهي على شرطهم. انتهى. (تُغَنِّيَانِ) أي: ترفعان أصواتهما بإنشاد الشعر، وهو المسمّى عندهم بالنصْب، وهو إنشاد بصوت رقيق، فيه تمطيط، وهو يجري مجرى الْحُدَاء، قاله القرطبيّ ايًخَددهُ (بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الأَنْصَارُ) أي: قال بعضهم لبعض من فخر أو هجاء. وفي رواية للبخاريّ في "الهجرة": "بما تعازفت" بعين مهملة، وزاي، وفاء، من العَزَف، وهو الصوت الذي له دويّ، وفي رواية: "تقاذفت" بقاف بدل العين، وذال معجمة بدل الزاي، من القذف، وهو هجاء بعضهم لبعض، وعند أحمد في رواية حماد بن سلمة، عن هشام: "تذكران يوم بُعَاث، يَوْمَ قُتِلَ فيه صناديد الأوس والخزرج" (١).

стр. 10152

وقولها: (يَوْمَ بُعَاثَ) - بضم الباء الموحّدة، وبالعين المهملة -، ويجوز صرفه، وترك صرفه، وهو الأشهر، وهو يومٌ جرت فيه بين قبيلتي الأنصار الأوس والخزرج في الجاهلية حَرْبٌ، وكان الظهور فيه للأوس، قال القاضي عياضٌ: قال الأكثرون من أهل اللغة وغيرهم: هو بالعين المهملة، وقال أبو عبيدة بِالْغَين المعجمة، والمشهور المهملة، كما قدمناه. انتهى. وقال في "الفتح": "يومُ بُعاثَ" هو: يوم قُتل فيه صناديد الأوس والخزرج، وهو يوم قدّمه الله لرسوله ﷺ ، فقد قَدِمَ المدينةَ، وقد افترق ملؤهم، وقُتلت سَرَوَاتهم. و"بُعاث" بضم الموحدة، وبعدها مهملة، وآخره مثلّثة، وهو موضع على ليلتين من المدينة، وقيل: اسم حصن للأوس، وكانت وقعة بُعاث على ما رجحه الحافظ في "الفتح" قبل مقدم النبيّ ﷺ المدينة بثلاث سنين، وقيل: بخمس سنين، ودامت الحرب بين الحيين قبل ذلك مائة وعشرين سنة، وسببه أن رجلاً يقال له كعب من بني ثعلبة، نزل على مالك بن عَجْلان الخزرجيّ، فحالفه، فقتله رجل من الأوس، يقال له سُمَير، فكان ذلك سبب الحرب بينهما، وكان رئيس الأوس يوم بُعاث حُضير والد أُسيد، فجُرح يومئذ، فمات بعد مدة من جراحته، وكان رئيس الخزرج عمرو بن النعمان، فجاءه سهم في القتال، فصرعه، فهُزِموا بعد أن كانوا قد استظهروا. (قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ) معناه ليستا ممن يعرف الغناء، كما تعرفه المغنّيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرّزٌ من الغناء المعتاد عند المشتهرين به الذي يُحَرّك النفوسَ، ويبعثها على الهوى والغزل والمجون الذي يُحرّك الساكن، ويبعث الكامن. قال القرطبي ﵀: وهذا النوع إذا كان في شعر يشبّب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهنّ، وذكر الخمور، والمحرّمات لا يُختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو واللعب المذموم بالاتّفاق، فأما ما يسلم من تلك المحرّمات، فيجوز القليل منه، وفي أوقات الفرح، كالعُرْس، والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقّة، ويدلّ على جواز هذا النوع هذا الحديث، وما في معناه، على ما يأتي في أبوابه، مثل ما جاء في الوليمة، وفي حفر الْخَنْدق، وفي حَدْوِ الْحَبَشَة،

стр. 10153

وسلمة بن الأكوع ﵁، وسيأتي تمام كلامه ﵀ قريباً - إن شاء الله تعالى -. (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟) الهمزة للاستفهار الإنكاريّ، والجارّ والمجرور متعلّق بمقدّر؛ أي: أتلعبان بمزمور الشيطان؟، قال القرطبي ﵀: هذا إنكار منه ﵁ لما سمع مستصحباً لما كان مقرّرًا عنده من تحريم اللهو والغناء جُملةً حتى ظنّ أن هذا من قبيل ما يُنكَر، فبادر إلى ذلك؛ قياماً عن النبيّ ﷺ بذلك على ما ظهر له، وكأنه ما كان تبيّن أن النبيّ ﷺ قرّرهنّ على ذلك بعدُ، وعند ذلك قال له النبيّ ﷺ : "دعهما"، ثمّ عَلَّل الإباحة بأنه يوم عيد؛ يعني: يوم سُرور وفَرَحٍ شرعيّ، فلا يُنكر فيه مثلُ هذا. انتهى (١). و"الْمُزْمُورُ" بضم الميم الأولى، وفتحها، والضم أشهر، ولم يذكر القاضي غيره، ويقال أيضاً: مِزْمار بكسر الميم، وأصله صوت بصفير، والزمير: الصوت الحسن، ويُطْلق على الغناء أيضاً. وقال ابن سِيدَه: يقال: زمر يزمِرُ (٢) زَمِيراً وزَمَرَاناً: غَنَّى في القَصَب، وامرأة زامرة، ولا يقال: رجل زامرٌ، إنما هو زَمّار، وقد حَكَى بعضهم: رجل زا مر، وفي "الجامع": الزمّارة: الفاجرة، وفي "الصحاح": ولا يقال للمرأة: زَمّارةٌ، وفي كتاب ابن التين: الزمر: الصوت الحسن، ويطلق على الغناء أيضاً، وجمع المزمار مزامير، أفاده في "العمدة" (٣). وقال القرطبي ﵀: "المزمور: الصوت، ونسبته إلى الشيطان ذمٌّ على ما ظهر لأبي بكر ﵁، قال المازريّ: فأما الغناء بآلة مطربة، فيُمنع، وبغير آلة اختَلَفَ الناس فيه، فمنعه أبو حنيفة، وكرهه الشافعيّ ومالك، وحَكَى أصحاب الشافعيّ عن مالك أن مذهبه الإجازة من غير كراهة. قال القاضي: المعروف من مذهب مالك المنع، لا الإجازة. قال القرطبيّ: ذكر الأئمة هذا الخلاف هكذا مطلقاً، ولم يُفصّلوا

стр. 10154

موضعه، والتفصيل الذي ذكرناه لا بُدّ من اعتباره، وبما ذَكَرناه يَجتمع شَمْلُ مقصود الشرع الكليّ، ومضمون الأحاديث الواردة في ذلك، وينبغي أن يُستثنى من الآلات التي ذكر المازريّ الدّفّ، فإنه قد جاء ذكره في هذا الحديث، وفي حديث الْعُرْس. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا. وقولها: (وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ) إشارة إلى ما سبق من غناء الجاريتين، ودخول أبي بكر ﵁، وإنكاره عليهما (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أَبَا بَكْرِ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمِ عِيداً، وَهَذَا عِيدُنَا") أي: هذا اليوم عيدنا، وفيه تعليل لإباحة ذَلك لهما؛ أيَ: لأن لكلّ قوم عيدًا يلعبون فيه، وهذا اليوم عيدنا أهل الإسلام، فيباح للنساء أن يلعبن بضرب الدفّ والغناء فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢٠٦١ و ٢٠٦٢ و ٢٠٦٣ و ٢٠٦٤ و ٢٠٦٥ و ٢٠٦٦ و ٢٠٦٧ و ٢٠٦٨] (٨٩٢)، و (البخاريّ) (٢٤٩ و ٩٥٢ و ٩٨٧ و ٢٩٠٧ و ٣٥٣٠ و ٣٩٣١)، و (النسائيّ) في "العيدين" (٣/ ١٩٥ و ١٩٦)، و (ابن ماجه) (١٨٩٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٨١)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٨٤ و ١٦٦ و ٢٤٧ و ٢٧٠)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢٥٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٠٢ و ٢٠٠٣ و ٢٠٠٤ و ٢٠٠٥ و ٢٠٠٦ و ٢٠٠٧ و ٢٠٠٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤١٣ و ٤١٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١١٠٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان جواز الغناء واللهو في العيد.

стр. 10155

٢ - (ومنها): أن مواضع الصالحين، وأهل الفضل تُنَزَّه عن الهوى واللغو ونحوه، وإن لم يكن فيه إثم. ٣ - (ومنها): أن التابع للكبير إذا رأى بحضرته ما يُستنكر أو لا يليق بمجلس الكبير له أن يُنكره، ولا يكون بهذا افتياتاً على الكبير، بل هو أدبٌ، ورعاية حرملى، وإجلال للكبير من أن يتولى ذلك بنفسه، وصيانة لمجلسه. وإنما سكت النبيّ ﷺ عنهما؛ لأنه مباح لهنّ، وتَسَجَّى بثوبه، وحَوَّل وجهه إعراضاً عن اللهو، ولئلا يستحيين، فيقطعن ما هو مباح لهنّ، وكان هذا من رأفته ﷺ وحلمه وحسن خلقه. ٤ - (ومنها): أن في قوله ﷺ : "هذا عيدنا" إشارة إلى أن ضرب الدفّ مباح في العيد، ومثله العُرْس والنكاح، كما سيأتي في محلّه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال: [٢٠٦٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِيهِ: جَارِيَتَانِ تَلْعَبَانِ بِدُفٍّ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمدانيّ الكوفي، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. ٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧. و"هشامٌ" ذُكر قبله. وقوله: (تَلْعَبَانِ بِدُفٍّ) بضم الدال، وفتحها، والضم أفصح، وأشهر، والجمع دُفُوفٌ. [تنبيه]: رواية أبي معاوية عن هشام هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٤٧٦) فقال:
следующие страницы →