٤ - (ومنها): أن فيه راوية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته.
٥ - (ومنها): أن فيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة ﵂ من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ (قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق ﵁ (وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ) أي: والحال أن جاريتين كائنتان عندي.
والجارية في النساء كالغلام في الرجال، يقعان على من دون البلوغ فيهما (مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ) وللطبرانيّ من حديث أم سلمة ﵂ أن إحداهما كانت لحسان بن ثابت، وفي "الأربعين" للسلمي أنهما كانتا لعبد الله بن سلام، وفي "العيدين" لابن أبي الدنيا من طريق فُليح، عن هشام بن عروة: "وحمامةُ وصاحبتها تغنّيان"، وإسناده صحيح، قال الحافظ ﵀: ولم أقف على تسمية الأخرى، لكن يَحْتَمِل أن يكون اسم الثانية زينب، وقد ذكرته في "كتاب النكاح"، ولم يذكر حمامةَ الذين صنّفوا في الصحابة، وهي على شرطهم. انتهى.
(تُغَنِّيَانِ) أي: ترفعان أصواتهما بإنشاد الشعر، وهو المسمّى عندهم بالنصْب، وهو إنشاد بصوت رقيق، فيه تمطيط، وهو يجري مجرى الْحُدَاء، قاله القرطبيّ ايًخَددهُ (بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الأَنْصَارُ) أي: قال بعضهم لبعض من فخر أو هجاء.
وفي رواية للبخاريّ في "الهجرة": "بما تعازفت" بعين مهملة، وزاي، وفاء، من العَزَف، وهو الصوت الذي له دويّ، وفي رواية: "تقاذفت" بقاف بدل العين، وذال معجمة بدل الزاي، من القذف، وهو هجاء بعضهم لبعض، وعند أحمد في رواية حماد بن سلمة، عن هشام: "تذكران يوم بُعَاث، يَوْمَ قُتِلَ فيه صناديد الأوس والخزرج" (١).
стр. 10152
وقولها: (يَوْمَ بُعَاثَ) - بضم الباء الموحّدة، وبالعين المهملة -، ويجوز صرفه، وترك صرفه، وهو الأشهر، وهو يومٌ جرت فيه بين قبيلتي الأنصار الأوس والخزرج في الجاهلية حَرْبٌ، وكان الظهور فيه للأوس، قال القاضي عياضٌ: قال الأكثرون من أهل اللغة وغيرهم: هو بالعين المهملة، وقال أبو عبيدة بِالْغَين المعجمة، والمشهور المهملة، كما قدمناه. انتهى.
وقال في "الفتح": "يومُ بُعاثَ" هو: يوم قُتل فيه صناديد الأوس والخزرج، وهو يوم قدّمه الله لرسوله ﷺ ، فقد قَدِمَ المدينةَ، وقد افترق ملؤهم، وقُتلت سَرَوَاتهم.
و"بُعاث" بضم الموحدة، وبعدها مهملة، وآخره مثلّثة، وهو موضع على ليلتين من المدينة، وقيل: اسم حصن للأوس، وكانت وقعة بُعاث على ما رجحه الحافظ في "الفتح" قبل مقدم النبيّ ﷺ المدينة بثلاث سنين، وقيل: بخمس سنين، ودامت الحرب بين الحيين قبل ذلك مائة وعشرين سنة، وسببه أن رجلاً يقال له كعب من بني ثعلبة، نزل على مالك بن عَجْلان الخزرجيّ، فحالفه، فقتله رجل من الأوس، يقال له سُمَير، فكان ذلك سبب الحرب بينهما، وكان رئيس الأوس يوم بُعاث حُضير والد أُسيد، فجُرح يومئذ، فمات بعد مدة من جراحته، وكان رئيس الخزرج عمرو بن النعمان، فجاءه سهم في القتال، فصرعه، فهُزِموا بعد أن كانوا قد استظهروا.
(قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ) معناه ليستا ممن يعرف الغناء، كما تعرفه المغنّيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرّزٌ من الغناء المعتاد عند المشتهرين به الذي يُحَرّك النفوسَ، ويبعثها على الهوى والغزل والمجون الذي يُحرّك الساكن، ويبعث الكامن.
قال القرطبي ﵀: وهذا النوع إذا كان في شعر يشبّب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهنّ، وذكر الخمور، والمحرّمات لا يُختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو واللعب المذموم بالاتّفاق، فأما ما يسلم من تلك المحرّمات، فيجوز القليل منه، وفي أوقات الفرح، كالعُرْس، والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقّة، ويدلّ على جواز هذا النوع هذا الحديث، وما في معناه، على ما يأتي في أبوابه، مثل ما جاء في الوليمة، وفي حفر الْخَنْدق، وفي حَدْوِ الْحَبَشَة،
стр. 10153
وسلمة بن الأكوع ﵁، وسيأتي تمام كلامه ﵀ قريباً - إن شاء الله تعالى -.
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) ﵁ (أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟) الهمزة للاستفهار الإنكاريّ، والجارّ والمجرور متعلّق بمقدّر؛ أي: أتلعبان بمزمور الشيطان؟، قال القرطبي ﵀: هذا إنكار منه ﵁ لما سمع مستصحباً لما كان مقرّرًا عنده من تحريم اللهو والغناء جُملةً حتى ظنّ أن هذا من قبيل ما يُنكَر، فبادر إلى ذلك؛ قياماً عن النبيّ ﷺ بذلك على ما ظهر له، وكأنه ما كان تبيّن أن النبيّ ﷺ قرّرهنّ على ذلك بعدُ، وعند ذلك قال له النبيّ ﷺ : "دعهما"، ثمّ عَلَّل الإباحة بأنه يوم عيد؛ يعني: يوم سُرور وفَرَحٍ شرعيّ، فلا يُنكر فيه مثلُ هذا. انتهى (١).
و"الْمُزْمُورُ" بضم الميم الأولى، وفتحها، والضم أشهر، ولم يذكر القاضي غيره، ويقال أيضاً: مِزْمار بكسر الميم، وأصله صوت بصفير، والزمير: الصوت الحسن، ويُطْلق على الغناء أيضاً.
وقال ابن سِيدَه: يقال: زمر يزمِرُ (٢) زَمِيراً وزَمَرَاناً: غَنَّى في القَصَب، وامرأة زامرة، ولا يقال: رجل زامرٌ، إنما هو زَمّار، وقد حَكَى بعضهم: رجل زا مر، وفي "الجامع": الزمّارة: الفاجرة، وفي "الصحاح": ولا يقال للمرأة: زَمّارةٌ، وفي كتاب ابن التين: الزمر: الصوت الحسن، ويطلق على الغناء أيضاً، وجمع المزمار مزامير، أفاده في "العمدة" (٣).
وقال القرطبي ﵀: "المزمور: الصوت، ونسبته إلى الشيطان ذمٌّ على ما ظهر لأبي بكر ﵁، قال المازريّ: فأما الغناء بآلة مطربة، فيُمنع، وبغير آلة اختَلَفَ الناس فيه، فمنعه أبو حنيفة، وكرهه الشافعيّ ومالك، وحَكَى أصحاب الشافعيّ عن مالك أن مذهبه الإجازة من غير كراهة.
قال القاضي: المعروف من مذهب مالك المنع، لا الإجازة.
قال القرطبيّ: ذكر الأئمة هذا الخلاف هكذا مطلقاً، ولم يُفصّلوا
стр. 10154
موضعه، والتفصيل الذي ذكرناه لا بُدّ من اعتباره، وبما ذَكَرناه يَجتمع شَمْلُ مقصود الشرع الكليّ، ومضمون الأحاديث الواردة في ذلك، وينبغي أن يُستثنى من الآلات التي ذكر المازريّ الدّفّ، فإنه قد جاء ذكره في هذا الحديث، وفي حديث الْعُرْس. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
وقولها: (وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ) إشارة إلى ما سبق من غناء الجاريتين، ودخول أبي بكر ﵁، وإنكاره عليهما (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أَبَا بَكْرِ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمِ عِيداً، وَهَذَا عِيدُنَا") أي: هذا اليوم عيدنا، وفيه تعليل لإباحة ذَلك لهما؛ أيَ: لأن لكلّ قوم عيدًا يلعبون فيه، وهذا اليوم عيدنا أهل الإسلام، فيباح للنساء أن يلعبن بضرب الدفّ والغناء فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢٠٦١ و ٢٠٦٢ و ٢٠٦٣ و ٢٠٦٤ و ٢٠٦٥ و ٢٠٦٦ و ٢٠٦٧ و ٢٠٦٨] (٨٩٢)، و (البخاريّ) (٢٤٩ و ٩٥٢ و ٩٨٧ و ٢٩٠٧ و ٣٥٣٠ و ٣٩٣١)، و (النسائيّ) في "العيدين" (٣/ ١٩٥ و ١٩٦)، و (ابن ماجه) (١٨٩٨)، و (ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٨١)، و (أحمد) في "مسنده" (٦/ ٨٤ و ١٦٦ و ٢٤٧ و ٢٧٠)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٢٥٤)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٠٢ و ٢٠٠٣ و ٢٠٠٤ و ٢٠٠٥ و ٢٠٠٦ و ٢٠٠٧ و ٢٠٠٨)، و (البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤١٣ و ٤١٤)، و (البغويّ) في "شرح السنّة" (١١٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الغناء واللهو في العيد.
стр. 10155
٢ - (ومنها): أن مواضع الصالحين، وأهل الفضل تُنَزَّه عن الهوى واللغو ونحوه، وإن لم يكن فيه إثم.
٣ - (ومنها): أن التابع للكبير إذا رأى بحضرته ما يُستنكر أو لا يليق بمجلس الكبير له أن يُنكره، ولا يكون بهذا افتياتاً على الكبير، بل هو أدبٌ، ورعاية حرملى، وإجلال للكبير من أن يتولى ذلك بنفسه، وصيانة لمجلسه.
وإنما سكت النبيّ ﷺ عنهما؛ لأنه مباح لهنّ، وتَسَجَّى بثوبه، وحَوَّل وجهه إعراضاً عن اللهو، ولئلا يستحيين، فيقطعن ما هو مباح لهنّ، وكان هذا من رأفته ﷺ وحلمه وحسن خلقه.
٤ - (ومنها): أن في قوله ﷺ : "هذا عيدنا" إشارة إلى أن ضرب الدفّ مباح في العيد، ومثله العُرْس والنكاح، كما سيأتي في محلّه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٦٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِيهِ: جَارِيَتَانِ تَلْعَبَانِ بِدُفٍّ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمدانيّ الكوفي، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
و"هشامٌ" ذُكر قبله.
وقوله: (تَلْعَبَانِ بِدُفٍّ) بضم الدال، وفتحها، والضم أفصح، وأشهر، والجمع دُفُوفٌ.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية عن هشام هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٤٧٦) فقال:
стр. 10156
(٢٠٠٣) حدّثنا عبد الله بن محمد، ثنا أبو يحيى، ثنا هناد (ح) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا أحمد بن عليّ، ثنا أبو خيثمة قالا: ثنا أبو معاوية، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: دخل عليها أبو بكر، وعندها جاريتان، تلعبان بدفّ، ورسول الله ﷺ جالسٌ، فزبرها أبو بكر، فقال: تصنعين، وقال زهير: تفعلين هذا، والنبيّ ﷺ جالس، فقال رسول الله ﷺ : "دعها يا أبا بكر، فإن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٥٦٣] ( … ) - (حَدَّثَنِي (١) هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيَلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ ابْنَ شِهَاب حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا، وَعِنْدَهَا جَارِيتَانِ، فِي أَيَّامِ مِنًى، تُغَنِّيَانِ، وَتَضْرِبَانِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مُسَجُّى بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ رَسُولُ اللهِ عَنْهُ، وَقَالَ: "دَعْهُمَا يَا أَبا بَكْرٍ، فَإِنَّهَا أَيَّامِ عِيدٍ"، وَقَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَهُمْ يَلْعَبُونَ، وَأَنَا جَارِيَةٌ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيةِ الْعَرِبَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيلِيُّ) أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) عن (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابد [٩] (ت ١٩٧) عن (٧٢) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عَمْرُو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قديماً قبل (١٥٠) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الحجة، تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكرا قبله.
стр. 10157
وقولها: (فِي أَيَّامِ مِنًى) أي: أيام عيد الأضحى، أُضيفت إلى المكان، والمراد الأيام الثلاثة بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، ففيه أن هذه الأيام داخلة في أيام العيد، وحكمه جارٍ عليها في كثير من الأحكام كجواز التضحية، وتحريم الصوم، واستحباب التكبير، وغير ذلك، قاله النوويّ ﵀ (١).
وقولها: (وَتَضْرِبَانِ) كذا بحذف المفعول في هذه الرواية؛ أي: الدفّ، وفي رواية البخاريّ: "تدفّفان، وتضربان".
وقولها: (وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ) أي: مغطَّى، قال القرطبي ﵀: تسجية النبيّ ﷺ وجهه بثوبه إعراض عنهما، وقالت في الحديث الآخر: إن النبيّ ﷺ كان على الفراش مضطجعاً، وإنه حوّل وجهه عند غناء الجاريتين، وكأنه أعرض عن ذلك الغناء؛ لأنه من قبيل اللغو الذي يُعرَضُ عنه، وأما لعب الحبشة في المسجد، فكان لَعِباً بالحراب والدَّرَقِ تواثُباً ورَقْصاً بهما، وهو من باب التدريب على الحرب، والتمرين، والتنشيط عليه، وهو من قبيل المندوب، ولذلك أباحه النبيّ ﷺ في المسجد. انتهى (٢).
وقولها: (فَانْتَهَرَهمَا أَبُو بَكْرٍ) ﵁؛ أي: زجر الجاريتين، وفي رواية للبخاريّ: "فانتهرني"؛ أي: زجرني، وكأنه زجرها؛ لتقريرها ذلك، وزجرهما لفعلهما.
وقولها: (فَكَشَفَ رَسُولُ اللهِ عَنْهُ) أي: كشف ﷺ عن وجهه الغطاء عن نفسه، والتفت إلى أبي بكر في جهة الجاريتين، وهذا معنى قولها في الرواية الأخرى: "فأقبل عليه رسول الله لى الله عليه وسلم - "، وفي رواية في "الصحيح": "فكشف النبيّ ﷺ عن وجهه"، وفي رواية: "فكشف عن رأسه".
وقولها: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ) وفي الرواية الآتية: "فأقامني وراءه، خدّي على خدّه"، وفي الأخرى: "فوضعتُ رأسي على منكبه"، وفي الأخرى: "وقمتُ على الباب بين أذنيه وعاتقه"، وفي الأخرى: "فوضعت ذقني على عاتقه، وأسندت وجهي إلى خدّه"، وفي الأخرى: "أنظر بين أذنيه وعاتقه"، وكلّ هذه الروايات تعني أنها وقفت خلفه ﷺ على باب
стр. 10158
حجرتها المطلّ على المسجد النبويّ، مستترةً به وبردائه، فوضعت رأسها على منكيه، وذَقَنها على العاتق، ووجهها ملتصقٌ بوجهه ﷺ ، وخدّها على خدّه.
وقولها: (وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ) قال في "القاموس": الْحَبَشُ، والْحَبَشَةُ محرَّكتين، والأُحْبُشُ بضمّ الباء: جنسٌ من السودان، جمعه حُبْشان، وأحابش. انتهى (١).
وقال في "المصباح": الْحَبَشُ: جيلٌ من السّودان، وهو اسم جنس، ولهذا صُغّر على حُبيش، والْحَبَشَةُ لغةٌ فاشيةٌ، الواحد حَبَشيّ. انتهى (٢).
وقولها: (وَأَنَا جَارِيَةٌ) أي: صغيرة السنّ، فقد تزوّجها النبيّ ﷺ ، وهي بنت ست، ودخل بها، وهي بنت تسع، وتوفّي عنها، وهي بنت ثمان عشرة سنة، وإنما ذكرت ذلك اعتذاراً عن حبّها اللهو.
وقولها: (فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيةِ) "اقدُروا" بضمّ الدال المهملة، وكسرها، من بابي نصر، وضرب، لغتان، حكاهما الجوهريّ وغيره، وهو بمعنى قدّروا، والفاء في جواب شرط مقدّر؛ أي: فإذا عَذَرَني رسول الله ﷺ ، وقدّر عذري في ذلك، فقدّروا أنتم رغبتي، ورغبة أمثالي في ذلك إلى أن تنتهي، والمراد أنه يستغرق وقتاً طويلاً، ومع ذلك، فقد تحمّل ﷺ مشاقّ ذلك رغبةً في رضاها، كما قال ﷺ : "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (٣)، فما أوسع حسن خلقه ﷺ ، ولطيف عِشرته، وهو مصداق قوله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقولها: (الْعَرِبَةِ) بفتح العين المهملة، وكسر الراء؛ أي: المشتهية للّعب المحبّة له، وقال القاضي عياض ﵀: ومعنى الجارية العَرِبة، قال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)﴾ [الواقعة: ٣٧] واحدتهنّ عروبٌ، وهنّ المتحبّبات لأزواجهنّ، وقيل: غير هذا، وقيل: الْعَرِبة: الْغَنِجَة، وامرأة عاربة؛ أي: ضاحكة، والعروب النشاط، فقد تكون العرِبة هنا المشتهرة في اللعب، كما قال في الحديث الآخر: "الحريصة على اللهو". انتهى (٤).
стр. 10159
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٦٤] ( … ) - (وَحَدَّثَنى أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُومُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى لَعِبِهِمْ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ أَجْلِي، حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ، حَرِيصَةً عَلَى اللَّهْوِ) (١).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (عَلَى بَابِ حُجْرَتِي) بضمّ الحاء المهملة، وسكون الجيم: البيت، والجمع: حُجَرٌ، وحجرات، مثلُ غُرَف، وغُرُفات في وجوهها (٢).
وقوله: (بِحِرَابِهِمْ) بالكسر: جمع حَرْبة، وهي ما كانت عَرِيضةَ النَضل (٣).
وقوله: (حَرِيصَةً عَلَى اللَّهْوِ) بنصب "حريصةً" على الحال، وفي نسخة: "الحريصةِ على اللهو" بالجرّ صفة و"الجارية" بعد صفة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 10160
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٦٥] ( … ) - (حَدَّثَنِي (١) هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيلِيُّ، وُيونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا (٢) عَمْرٌو، أَنَّ مُحمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (٣)، وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ، تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثٍ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَانْتَهَرَنِي، وَقَالَ: مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "دَعْهُمَا" (٤)، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا، فَخَرَجَتَا، وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَإِمَّا قَالَ: "تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: "دُونَكُمْ يَا بَني أَفِدَةَ"، حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ، قَالَ: "حَسْبُكِ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "فَاذْهَبِي").
رجال هذا الإسناد: سبعةٌ:
١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن مَيْسَرة الصّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (٢٦٤) عن (٩٦) سنةً (م س ق) تقدم في "الإيمان" ٧٥/ ٣٩٣.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن نوفل الأسديّ، أبو الأسود المدنيّ، يتيم عُروة، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع وثلاثين ومائة (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٣.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ﵂ أنها (قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) وفي نسخة: "دخل عليّ رسول الله ﷺ "، وفي رواية الزهريّ أن ذلك كان في أيام منى (وَعِنْدِي
стр. 10161
جَارِيَتَانِ) تقدّم أنهما من جواري الأنصار، وأن إحداهما كانت لحسّان بن ثابت، وسمى بعضهم إحداهما حمامة، ولم يذكر أحد من مصنفي أسماء الصحابة حمامة هذه، وذكر الذهبيّ في "التجريد" حمامة أمّ بلال ﵁ اشتراها أبو بكر ﵁، وأعتقها، قاله في "العمدة" (١)، وفيه أنها ليست للأنصار، فتأمّل.
(تغَنِّيَانِ) جملة في محل الرفع على أنها صفة لجاريتين، وفي رواية الزهريّ: "تُدَفِّفان" بفاءين؛ أي: تضربان بالدفّ، و"الدُّفّ" بضم الدال وفتحها، والضم أشهر، ويقال له أيضاً: الكِرْبال بكسر الكاف، وهو الذي لا جلاجل فيه، فإن كانت فيه فهو الْمِزْهَر.
(بِغِنَاءِ بُعَاثٍ) الغناء بكسر الغين المعجمة، وبالمدّ، قال الجوهريّ: الغناء بالكسر من السماع، وبالفتح النفع، وقال ابن الأثير ﵀: أي: تُنشدان الأشعار التي قِيلت يوم بُعاث، وهو حرب كانت بين الأنصار، ولم تُرِد الغِنَاء المعروف من أهل اللهو واللعب، وقد رخص عمر ﵁ في غناء الأعراب، وهو صوت كالحداء. انتهى (٢).
و"بُعَاث" بضم الباء الموحَّدة، وتخفيف العين المهملة، وفي آخره ثاء مثلثة، والمشهور أنه لا ينصرف، ونَقَل عياض، عن أبي عبيدة بالغين المعجمة، ونقل ابن الأثير عن صاحب "العين" خليل كذلك، وكذا حَكَى عنه البكريّ في "معجم البلدان"، وجزم أبو موسى في "ذيل الغريب" بأنه تصحيف، وتبعه صاحب "النهاية"، وقال أبو موسى، وصاحب "النهاية": هو اسم حِصْن للأوس، وفي كتاب أبي الفرج الأصفهانيّ في ترجمة أبي قيس بن الأسلت: هو موضع في ديار بني قريظة، فيه أموالهم، وكان موضع الوقعة في مَزْرعة لهم هناك (٣).
(فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ) وفي الرواية: "مُسجًّى"؛ أي: ملتفًّا بثوبه، وفي رواية للبخاريّ: "أنه تَغَشَّى بثوبه" (وَحَوَّلَ) ﷺ (وَجْهَهُ) أي: إلى الجدار، وإنما
стр. 10162
حوّل وجهه؛ إعراضاَّ عَنه، من باب التنزّه، فهو وإن كان مباحاً لعوامّ الناس، فمقام النبيّ ﷺ يتنزّه عنه، والله تعالى أعلم. (فَدَخَلَ أَبُو بَكْرِ) ويروى: "وجاء أبو بكر"، وفي رواية للبخاريّ: "ودخل عليّ أبو بكر"، وكأنَه جاء زائراً لها، بعد أن دخل النبيّ ﷺ بيته، وَيحْتَمِل أن يكون مجيئه لمنعه الجاريتين المذكورتين عن الغناء (فَانْتَهَرَنِي) أي: زجرني، وفي رواية الزهريّ السابقة: "فانتهرهما"؛ أي: الجاريتين، ويُجمع بينهما بأنه انتهر عائشة ﵂؛ لتقريرها ذلك، وانتهرهما؛ لفعلهما ذلك في بيت النبيّ ﷺ .
(وَقَالَ: مِزْمَارُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) وفي رواية البخاريّ: "مزمارة الشيطان"، وهي: بكسر الميم يعني: الغناء، أو الدفّ، وهمزة الاستفهام قبلها مقدَّرة، وهي مشتقة من الزمير، وهو الصوت الذي له صفير، وسميت به الآلة المعروفة التي يُزمر بها، وإضافتها إلى الشيطان من جهة أنها تُلْهي، وتَشْغَل القلب عن الذكر، وقد تقدّم قريباً تمام البحث فيه.
(فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ) أي: على أبي بكر ﵁ (رَسُولُ اللهِ ﷺ ) وفي رواية الزهريّ عند البخاريّ: "فكشف النبيّ ﷺ عن وجهه"، وفي رواية فُلَيح: "فكشف رأسه"، وقد تقدّم أنه كان ملتفًّا (فَقَالَ: "دَعْهُمَا") أي: اتركهما، وفي بعض النسخ: "دعها" بالإفراد، والضمير لعائشة، وفي رواية هشام: "يا أبا بكر إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا"، وهذا تعليل لنهيه ﷺ إياه بقوله: "دعهما"، وبيانٌ لخلاف ما ظنه أبو بكر من أنهما فعلتا ذلك بغير علمه؛ لكونه دخل، فوجد النبيّ ﷺ مُغَطَّى بثوبه، نائماً، ولا سيما كان المقرَّر عنده منع الغناء واللهو، فبادر إلى إنكار ذلك؛ قياماَّ عَن النبيّ ﷺ ، مستنداً إلى ما ظهر له، فأوضح له النبيّ ﷺ الحال، وعرّفه الحكم، مقروناً ببيان الحكمة بأنه يوم عيد؛ أي: يوم سرور شرعيّ، فلا يُنكَرُ فيه مثلُ هذا، كما لا يُنكر في الأعراس.
وبهذا يرتفع الإشكال عمن قال: كيف ساغ للصدّيق ﵁ إنكار شيء أقرّه النبيّ ﷺ ؟ وتكلّف جواباً لا يخفى تعسّفه، قاله في "الفتح" (١).
وقال في "العمدة": قوله: "إن لكل قوم عيداً" أي: إن لكل طائفة من
стр. 10163
الملل المختلفة عيدًا يسمونه باسم مثل: النيروز، والمهرجان، وإن هذا اليوم يوم عيدنا، وهو يوم سرور شرعيّ، فلا ينكر مثل هذا على أن ذلك لم يكن بالغناء الذي يُهَيِّج النفوس إلى أمور لا تليق، ولهذا جاء في رواية: "وليستا بِمُغَنِّيتين" يعني: لم تتخذا الغناء صناعةً وعادةً.
ورَوَى النسائيّ، وابن حبان بإسناد صحيح، عن أنس ﵁: "قَدِمَ النبيّ ﷺ المدينةَ، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: "قد أبدلكم الله تعالى بهما خيراً منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى" (١).
(فَلَمَّا غَفَلَ) النبيّ ﷺ عن هذا الأمر (غَمَزْتُهُمَا) جواب "لَمّا"، والغمز بالمعجمتين: الإشارة بالعين، والحاجب، أو اليد، والرمز كذلك (فَخَرَجَتَا) قال في "العمدة": بفاء العطف، والمشهور -يعني: في رواية البخاريّ - "خرجتا" بدون الفاء، قال الكرمانيّ: "خرجتا" بدون الفاء بدل، أو استئناف.
وقولها: (وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ) هذا حديث آخر، وقد جمعهما بعض الرواة، وأفردهما بعضهم، وقع في رواية الجوزقي في هذا الحديث: "وقالت عائشة: كان يوم عيد"، فتبيّن بهذا أنه موصول كالأول، قاله في "الفتح" (٢).
(يَلْعَبُ السُّودَانُ) المراد بهم الحبشة، كما في الروايات الأخرى، ففي رواية الزهريّ: "والحبشةُ يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله ﷺ "، وفي رواية: "جاء حَبَشٌ يلعبون في المسجد".
قال المحب الطبريّ: هذا السياق يُشعر بأن عادتهم ذلك في كل عيد، ووقع في رواية ابن حئان: "لَمّا قَدِمَ وفدُ الحبشة قاموا يلعبون في المسجد"، وهذا يُشعر بأن الترخيص لهم في ذلك بحال القدوم، ولا تنافي بينهما؛ لاحتمال أن يكون قدومهم صادَفَ يوم عيد، وكان من عادتهم اللعب في الأعياد، ففعلوا ذلك كعادتهم، ثم صاروا يلعبون يوم كل عيد.
ويؤيده ما رواه أبو داود عن أنس ﵁ قال: "لَمّا قَدِمَ النبيّ ﷺ المدينة لَعِبت الحبشة؛ فرحاً بذلك، لَعِبوا بحرابهم"، ولا شك أن يوم قدومه ﷺ كان عندهم أعظم من يوم العيد.
стр. 10164
قال الزين ابن الْمُنَيِّر: سماه لَعِباً، وإن كان أصله التدريب على الحرب، وهو من الجدّ؛ لما فيه من شبه اللعب؛ لكونه يَقْصِد إلى الطعن، ولا يفعله، ويوهم بذلك قِرْنه (١)، ولو كان أباه أو ابنه. انتهى (٢).
(بِالدَّرَقِ) متعلّق بـ "يلعب"، وهو: بفتحتين: جمع دَرَقة، وهي التُّرْس (وَالْحِرَاب) بالكسر: جمع حَرْبة (فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ) أي: التمست من رسول اللهَ ﷺ النظر إليهم، قال في "العمدة": وكلمة "إمّا" فيه تدلّ على ترددها فيما كان وقع منها، هل كان أذن لها في ذلك ابتداء منه، من غير سؤال منها، أو كان عن سؤال منها إياه في ذلك؟.
قيل (٣): هذا بناءٌ على أن "سألْتُ" بسكون اللام، على أنه كلامها، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح اللام كلام الراوي.
قلت (٤): سكون اللام يدلّ على أنه لفظ المتكلم وحده، وفتح اللام يدلّ على أنه فعل ماض مفرد مؤنث، والاحتمال الذي ذكره يُبْعِده قوله: "فقلت: نعم"، على أن جعله من كلامها أولى من جعله من كلام الراوي؛ لأن كلام الراوي ليس من الحديث، فافهم. انتهى (٥).
(وَإِمَّا قَالَ: "تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ ") كلمة الاستفهام فيه مقدّرة، وكذلك "أن" المصدرية مقدّرة في قوله: "تنظرين"، والتقدير: أتشتهين النظر إلى السودان؟.
وقد اختلفت الروايات عنها في ذلك، ففي رواية النسائيّ من طريق يزيد بن رُومان عنها: سَمِعتُ لَغَطاً، وصوت صبيان، فقام النبيّ ﷺ ، فإذا حَبَشيّة تَزْفِن (٦)؛ أي: ترقُص، والصبيان حولها، فقال: "يا عائشة تعالي، فانظري"، ففي هذا أنه ابتدأها، وفي رواية عُبيد بن عمير، عنها، الآتي عند
стр. 10165
المصنّف: أنها قالت لِلَعّابين: وَدِدتُ أني أراهم، ففي هذا أنها سألت.
ويُجْمَع بينهما بأنها التمست منه ذلك، فأَذِن لها، وفي رواية النسائيّ من طريق أبي سلمة، عنها: "دخل الحبشة يلعبون، فقال لي النبيّ ﷺ : يا حميراء، أتحبين أن تنظري إليهم؟ فقلت: نعم"، إسناده صحيح، قال الحافظ: ولم أر في حديث صحيح ذكر "الحميراء" إلا في هذا (١).
وفي رواية أبي سلمة هذه من الزيادة عنها: "قالت: ومن قولهم يومئذ: أبا القاسم طَيّباً"، كذا فيه بالنصب، وهو حكاية قول الحبشة.
ولأحمد، والسرّاج، وابن حبان من حديث أنس: "أن الحبشة كانت تَزْفِنُ بين يدي النبيّ ﷺ ، ويتكلمون بكلام لهم: فقال: ما يقولون؟ قال: يقولون: محمد عبد صالح" (٢).
قالت عائشة ﵂: (فَقُلْتُ: نَعَمْ) أي: أشتهي أن أنظر إلى لعبهم (فَأَقَامَني وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَي خَدِّهِ) جملة حالية بلا واو، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، وقولِ القائل: "كَلَّمته فوه إلى فيّ".
وفي رواية هشام، عن أبيه عند المصنّف الآتية: "فوضعت رأسي على منكبه"، وفي رواية أبي سلمة عنها: "فوضعت ذَقَنِي على عاتقه، وأسندت وجهي إلى خدّه"، وفي رواية عُبيد بن عُمير عنها: "أنظر بين أذنيه وعاتقه"، ومعانيها متقاربة، ورواية أبي سلمة أبينها، وفي رواية الزهريّ: "فيسترني، وأنا أنظر"، وفي لفظ: "يسترني بردائه"، ويُتَعَّقب به على الزين ابن الْمُنَيِّر في استنباطه من لفظ حديث الباب جواز اكتفاء المرأة بالتستر بالقيام خلف مَن تستر به، من زوج، أو ذي محرم؛ إذا قام ذلك مقام الرداء؛ لأن القصّة واحدة، وقد وقع فيها التنصيص على وجود التستر بالرداء، قاله في "الفتح" (٣).
(وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة من فاعل "أقامني" ("دُونَكُمْ) في الأصل منصوب على الظرفية، وهو هنا اسم فعل بمعنى: الزموا، ومفعوله محذوفٌ؛ أي:
стр. 10166
الزموا ما أنتم فيه من اللعب بالحراب، وعليكم به، وفيه تنهيضٌ لهم، وتنشيط.
[تنبيه]: شأن "دونك" أن تتقدّم على المغرى به، كما قدّرناه، وقد جاء تأخيرها عليه شاذًّا في قول الشاعر:
يَا أَيُّهَا الْمَاتِحُ دَلْوِي دُونَكَا … إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونَكَا
والماتح - بالتاء - هو الرجل الذي ينزل إلى قرار البئر إذا قلّ ماؤها، فيملأ الدلو بيده (١).
(يَا بَنِي أَرْفِدَةَ") بفتح الهمزة، وسكون الراء، وكسر الفاء، وقد تفتح، قيل: "هو لقب للحبشة"، وقيل: هو اسم جنس لهم، وقيل: اسم جدّهم الأكبر، وقيل: المعنى يابني الإماء، زاد في رواية الزهريّ، عن عروة: "فزجرهم عمرُ، فقال النبيّ ﷺ : أَمْناً بني أرفدة" (٢)، وبيّن الزهريّ أيضًا عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة ﵁ وجه الزجر، حيث قال: "فأهوى إلى الحصباء، فحصبهم بها، فقال رسول الله ﷺ : دعهم يا عمر"، وزاد أبو عوانة في "صحيحه": "فإنهم بنو أرفدة"، كأنه يعني: أن هذا شأنهم وطريقتهم، وهو من الأمور المباحة، فلا إنكار عليهم.
قال المحبّ الطبريّ: فيه تنبيهٌ على أنه يُغْتَفَر لهم ما لا يُغتفر لغيرهم؛ لأن الأصل في المساجد تنزيهها عن اللعب، فيُقتَصَر على ما ورد فيه النص. انتهى.
ورَوَى السّرّاج من طريق أبي الزناد، عن عروة، عن عائشة ﵂ أنه ﷺ قال يومئذ: "لِتَعْلَمْ يهودُ أن في ديننا فُسْحَةً، إني بُعِثت بحنيفية سمحة"، وهذا يُشعر بعدم التخصيص، وكأن عمر ﵁ بَنَى على الأصل في تنزيه المساجد، فبَيَّن له النبيّ ﷺ وجه الجواز فيما كان هذا سبيله، كما سيأتي تقريره، أو لعله
стр. 10167
لم يكن عَلِمَ أن النبيّ ﷺ كان يراهم، قاله في "الفتح"، وهو بحثٌ نفيسٌ.
(حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ) بكسر اللام الأولى، قال في "المصباح": مَلِلتُهُ، ومَلِلتُ منه مَلَلاً، من باب تَعِبَ، وملالةً: سَئِمْتُ، وضَجِرْتُ، والفاعل مَلُولٌ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أمللته الشيء. انتهى (١).
(قَالَ) ﷺ ("حَسْبُكِ؟ ") بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أحسبك، والخبر محذوف؛ أي: أكافيك هذا القدر؟.
(قُلْتُ: نَعَمْ) أي: نعم يكفيني (قَالَ) ﷺ ("فَاذْهَبِي") أي: ارجعي إلى حجرتك، وانصرفي عن النظر إليهم.
وفي رواية الزهريّ عند البخاريّ: "حتى أكون أنا الذي أسأم"، وفي رواية المصنّف التي قبل هذا: "ثم يقوم من أجلي، حتى أكون أنا التي أنصرف"، وفي رواية يزيد بن رُومان، عند النسائيّ: "أما شَبِعتِ؟، أما شَبِعت؟ قالت: فجعلت أقول: لا؛ لأنظر منزلتي عنده"، وله من رواية أبي سلمة، عنها: "قلت: يا رسول الله، لا تَعْجَل، فقام لي، ثم قال: حسبكِ؟ قلت: لا تعجل، قالت: وما بي حبُّ النظر إليهم، ولكن أحببت أن يبلغ النساءَ مَقَامُهُ لي، ومكاني منه"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﵂ هذا متّفقٌ عليه، وأما تخريجه، فقد تقدّم أول الباب.
(المسألة الثانية): في فوائده، وإن كان بعضها تقدّم:
١ - (منها): بيان جواز الغناء، واللعب في يومي العيدين.
٢ - (ومنها): بيان الرخصة في الاستماع إلى الغناء، وضرب الدف يوم العيد، وجواز النظر إلى اللهو المباح.
٣ - (ومنها): بيان حسن خلق النبيّ ﷺ مع أهله، وكريم معاشرته.
стр. 10168
٤ - (ومنها): بيان فضل عائشة ﵂، وعظم منزلتها عنده ﷺ .
٥ - (ومنها): بيان مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصّل لهم بسطَ النفس، وترويحَ البدن من كُلَفِ العبادة.
٦ - (ومنها): أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين.
٧ - (ومنها): جواز دخول الرجل على ابنته، وهي عند زوجها؛ إذا كان له بذلك عادة.
٨ - (ومنها): تأديب الأب ابنته بحضرة الزوج، وإن تركه الزوج؛ لقول عائشة: "وجاء أبو بكر، فانتهرني"؛ إذ التأديب وظيفة الآباء، والعطف مشروع من الأزواج للنساء.
٩ - (ومنها): الرفق بالمرأة، واستجلاب مودّتها.
١٠ - (ومنها)؛ أن مواضع أهل الخير تُنزّه عن اللَّهو واللغو، وإن لم يكن فيه إثم، إلا باذنهم.
١١ - (ومنها): أن التلميذ إذا رأى عند شيخه ما يستنكر مثله بادر إلى إنكاره، ولا يكون في ذلك افتيات على شيخه، بل هو أدبٌ منه، ورعاية لحرمته، وإجلال لمنصبه.
١٢ - (ومنها): فتوى التلميذ بحضرة شيخه بما يعرفه من طريقته، وَيحْتَمِل أن يكون أبو بكر ظنّ أن النبيّ ﷺ نام، فخَشِي أن يستيقظ، فيغضب على ابنته، فبادر إلى سدّ هذه الذريعة.
١٣ - (ومنها): أن في قول عائشة ﵂: "لما غَفَلَ غَمَزتُهما، فخرجتا" دلالةً على أنها مع ترخيص النبيّ ﷺ لها في ذلك راعت خاطر أبيها، وخَشِيت غضبه عليها، فأخرجتهما، واقتناعها في ذلك بالإشارة فيما يظهر للحياء من الكلام بحضرة من هو أكبر منها.
١٤ - (ومنها): أنه استدلّ به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء، ولو لم تكن مملوكةً؛ لأنه ﷺ لم ينكر على أبي بكر سماعه، بل أنكر إنكاره، واستمرّتا إلى أن أشارت إليهما عائشة بالخروج.
قال الحافظ: ولا يخفى أن محلّ الجواز ما إذا أُمنت الفتنةُ بذلك. انتهى. وهو تقييد حسنٌ.
стр. 10169
١٥ - (ومنها): أنه استُنبِط من تسمية أيام منى بأنها أيام عيد مشروعيةُ قضاء صلاة العيد فيها من فاتته، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
١٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز اللعب بالسلاح على طريق التواثب للتدريب على الحرب، والتنشيط عليه.
١٧ - (ومنها): استُنبِط منه جواز المثاقفة؛ لما فيها من تمرين الأيدي على آلات الحرب.
١٨ - (ومنها): جواز اللعب بالحراب في المسجد، وحَكَى ابن التين عن أبي الحسن اللَّخْميّ أن اللعب بالحراب في المسجد منسوخ بالقرآن والسنة، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، وأما السنة فحديث: "جَنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم".
وتُعُقِّب بأن الحديث ضعيف، وليس فيه ولا في الآية تصريح بما ادّعاه، ولا عُرِف التاريخ، فَيَثْبُتَ النسخُ، وحَكَى بعض المالكية عن مالك أن لَعِبَهم كان خارج المسجد، وكانت عائشة في المسجد، وهذا لا يثبت عن مالك، فإنه خلاف ما صُرِّح به في طُرُق هذا الحديث، وفي بعضها أن عمر ﵁ أنكر عليهم لعبهم في المسجد، فقال له النبيّ ﷺ : "دَعْهُم"، واللعب بالحراب ليس لَعِباً مجرداً، بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب، والاستعداد للعدوّ.
وقال المهلَّب ﵀: المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين، فما كان من الأعمال يَجْمَع منفعة الدين وأهله جاز فيه، ذكره في "الفتح" (١).
١٩ - (ومنها): جواز نظر النساء إلى فعل الرجال الأجانب؛ لأنه إنما يُكره لهنّ النظر إلى المحاسن، والاستلذاذ بذلك، ومن تراجم الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحة" عليه: "باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة"، وقال النوويّ: أما النظر بشهوة، وعند خشية الفتنة فحرام اتفاقاً، وأما بغير شهوة، فالأصحّ أنه محرَّم، وأجاب عن هذا الحديث بأنه يَحْتَمِل أن يكون ذلك قبل بلوغ عائشة ﵂ وسيأتي ردّ هذا قريباً، فلا تغفل.
стр. 10170
قال: أو كانت تنظر إلى لعبهم بحرابهم، لا إلى وجوههم وأبدانهم، وإن وقع بلا قصد أمكن أن تصرفه في الحال. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: والأرجح أن نظر النساء إلى الرجال الأجانب بلا خوف فتنة جائز، لحديث الباب وغيره، كما هو مذهب البخاريّ ﵀، كما أوضح ذلك في الترجمة المذكورة آنفاً، ومن أقوى الحجة على ذلك إجماع المسلمين من غير نكير على خروج الرجال في الطرقات، وفي أعمالهم كاشفين ما عدا العورات من أجسادهم، مع مشاهدة النساء الأجانب لهم، ولم يرد نصّ، ولا يوجد قول لأحد بإلزام الرجال الحجاب، كما ألزم النساء بذلك عند الخروج.
وأما احتجاج من احتجّ على المنع بقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، ففيه نظر لا يخفى، فإن الأمر بالغضّ عند خوف الفتنة؛ جمعاً بين الأدلة.
وأما الاحتجاج بحديث أم سلمة وأم حبيبة ﵂ حين قالتا للنبيّ ﷺ : إنه أعمى لا يُبصرنا، فقال ﷺ : "أفعمياوان أنتما؟ " (١)، فهذا حديث ضعيف؛ لأن في سنده نبهان مولى أم سلمة لم يرو عنه إلا الزهري، فهو مجهول العين، وعلى تقدير صحّته، يُحْمَل على أن أمهات المؤمنين لسن كغيرهن في مثل هذا، بل يلزمهنّ الاحتياط، فيكون من باب التشديد في الورع؛ لرفعة منزلتهنّ، كما أخبر الله تعالى بذلك، فقال: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، والله تعالى أعلم.
٢٠ - (ومنها): أنه تمسّك بقولها: "فاقدِروا قدرَ الجارية الحديثة السنّ
стр. 10171
الحريصة على اللهو" إلى أنها كانت حينئذ شابّة، مَن ادَّعَى نسخ هذا الحكم، وأنه كان في أول الإسلام.
ورُدّ عليه بأن قولها: "يسترني بردائه" دالّ على أن ذلك كان بعد نزول الحجاب، وكذا قولها: "أحببت أن يبلغ النساءَ مقامُهُ لي"، مشعر بأن ذلك وقع بعد أن صارت لها ضرائر، أرادت الفخر عليهنّ، فالظاهر أن ذلك وقع بعد بلوغها، وفي رواية ابن حبّان أن ذلك وقع لَمّا قَدِم وفد الحبشة، وكان قدومهم سنة سبع، فيكون عمرها حينئذ خمس عشرة سنةً، أفاده في "الفتح" (١).
[تنبيه]: قال في "الفتح": استدلّ جماعة من الصوفية بحديث الباب على إباحة الغناء، وسماعه بآلة، وبغير آلة، ويكفي في ردّ ذلك تصريح عائشة ﵂ في الحديث بقولها في الجاريتين: "وليستا بمغنّيتين"، فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبتته لهما باللفظ؛ لأن الغناء يُطلق على رفع الصوت، وعلى الترنّم الذي تسميه العرب النّصْب - بفتح النون، وسكون المهملة - وعلى الْحُدَاء، ولا يسمى فاعله مغنّياً، وإنما يسمى بذلك من يُنشد بتمطيط، وتكسير، وتهييج، وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش، أو تصريح.
وقال القرطبي ﵀: قولها: "ليستا بمغنيتين"؛ أي: ليستا ممن يَعرف الغناء، كما يعرفه المغنّيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرّز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به، الذي يحرّك النفوس، ويبعثها على الهوى، والغَزَل، والْمُجُون، الذي يُحرّك الساكن، وَيبعَث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر يُشَبَّب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهنّ، وذكر الخمور، والمحرّمات، لا يُختَلَف في تحريمه؛ لأنه اللَّهو، واللعب المذموم بالاتفاق.
فأما ما يَسلَم من تلك المحرّمات، فيجوز القليل منه، وفي أوقات الفرح؛ كالعُرس، والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقّة، ويدلّ على جواز هذا النوع هذا الحديث، وما في معناه، مثل ما جاء في الوليمة، وفي حَفْر الخَنْدَق، وفي حَدْو الحبشة، وسلمة بن الأكوع.
فأما ما ابتدعه الصوفيّة اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات
стр. 10172
المطربة، فمن قبيل ما لا يُختَلَف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية، والأغراض الشيطانية قد غلبت على كثير ممن يُنسب إلى الخير، وشُهِر بذكره حتى عَمُوا عن تحريم ذلك، وعن فُحْشه، حتى قد ظهرت من كثير منهم عَوَاراتُ الْمُجَّان، والمخانيث، والصبيان، فَيَرقُصُون، وَيزْفِنون بحركات متطابقة، وتقطيعات متلاحقة، كما يَفعل أهل السفَه والمجون، وقد انتهى التواقح بأقوام منهم إلى أن يقولوا: إن تلك من أبواب القُرَب، وصالحات الأعمال، وأن ذلك يُثمر صفاء الأوقات، وسنيّات الأحوال، وهذا على التحقيق من آثار الزندقة، وقول أهل البطالة، والمخرّفة، نعوذ بالله من البدع، والفتن، ونسأله التوبة، والمشي على السُّنَن. انتهى كلام القرطبيّ ﵀، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيق أنيسٌ.
وقال الحافظ ﵀ بعد ذكر كلام القرطبيّ هذا - ما نصّه: وينبغي أن يُعكس مرادهم، ويقرأ "سيء" يعني: قوله: "سنيّ الأحوال" عوض النون الخفيف المكسورة بغير همز، بمثنات تحتاثية ثقيلة مهموزاً - أي: فيقال: "وسيّئات الأحوال" -. انتهى. وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٦٦] ( … ) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَ حَبَشٌ يَزْفِنُونَ، فِي يَوْمِ عِيدٍ، فِي الْمَسْجِدِ، فَدَعَانِي النَّبِيَّ ﷺ ، فَوَضَعْتُ رَأْسِي عَلَى مَنْكِبِهِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ، حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتي أَنْصَرِفُ عَنِ النَّظَرِ إِلَيْهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقًدمة" ٢/ ٣.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبّيّ الكوفيّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
стр. 10173
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (جَاءَ حَبَشٌ) تقدّم أنه لغة في الحبشة.
وقولها: (يَزْفِنُونَ، فِي يَوْمِ عِيدٍ) هو بفتح الياء، وإسكان الزاي، وكسر الفاء، من باب ضرب، ومعناه: يرقُصُون، قال النوويّ ﵀: وحمله العلماء على التوثب بسلاحهم، ولَعِبهم بحِرابهم على قريبٍ من هيئة الراقص؛ لأن معظم الروايات إنما فيها لعبهم بحرابهم، فتُتأوّل هذه اللفظة على موافقة سائر الروايات. انتهى (١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٦٧] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ (ح) وَحَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرَا: "فِي الْمَسْجِدِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ) الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضل [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان " ١/ ١٠٧.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ) ضمير التثنية ليحيى بن زكرياء، ومحمد بن بشر.
стр. 10174
[تنبيه]: رواية يحيى بن زكرياء، ومحمد بن بشر، كلاهما عن هشام لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٦٨] ( … ) - (وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَاصِم، وَاللَّفْظُ لِعُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ، أنَهَا قالَتْ لِلَعَّابِينَ: وَدِدْتُ أَنِّي أَرَاهُمْ، قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقُمْتُ عَلَى الْبَابِ، أَنْظُرُ بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ، وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ عَطَاءٌ: فُرْسٌ، أَوْ حَبَشٌ، قَالَ: وَقَالَ لِي ابْنُ عَتِيقٍ (١): بَلْ حَبَشٌ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ) أبو إسحاق القارئ البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (م) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٢.
٢ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ (٢) الْعَمّيُّ) أبو عبد الملك البصريّ، ثقةٌ [١١] (م د ت ق) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢٠.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٤ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضّحّاك بن مَخْلَد بن الضّحّاك الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٥ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن خريج، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٦ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم المكيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضًا.
٧ - (عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، وُلد في عهد
стр. 10175
النبيّ ﷺ ، من كبار التابعين، مجمَع على ثقته [٢] (ت ٦٨، (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ص ٢ ص ٤٧٣.
و"عائشة" ﵂ ذُكرت قبله.
وقوله: (قَالَتْ لِلَعَّابِينَ) اللام الأولى لام الجرّ، والثانية مفتوحة مخفّفةٌ، والعين مشدّدة مفتوحة: صيغة مبالغة في اللعب، والمعنى أنها قالت لأجل جماعة كثيري اللعب؛ أي: من أجلهم، وبخصوصهم: "ودِدتُ أني أراهم".
وقولها: (وَدِدْتُ أَنِّي أَرَاهُمْ) بفتح الواو، وكسر الدال الأولى، يقال: وَدِدتُه أَوَدُّه، من باب تَعِبَ وُدًّا بفتح الواو وضمّها: إذا أحببته، والاسم المودّةُ، وودِدتُ لو كان كذا أَوَدُّ أيضاً وُدًّا، ووَدَادَةً بالفتح: تمنّيته، وفي لغة: وَدَدتُ أَوَدُّ بفتحتين، حكاها الكسائيّ، وهو غلطٌ عند البصريين، وقال الزجّاج: لم يقل الكسائيّ إلا ما سَمِعَ، ولكنّه سمِعه ممن لا يُوثق بفصاحته، أفاده الفيّوميّ ﵀ (١).
وقوله: (قَالَ عَطَاءٌ: فُرْسٌ، أَوْ حَبَشٌ، قَالَ: وَقَالَ لِي ابْنُ عَتِيقٍ (٢): بَلْ حَبَشٌ).
قال النوويّ ﵀: قوله: "قال عطاء: فرسٌ أو حبشٌ … إلخ " هكذا هو في كلّ النسخ، ومعناه أن عطاء شكّ، هل قال: هم فُرْسٌ، أو حَبَشٌ؟ بمعنى هل هم من الفرس، أو من الحبشة؟ وأما ابن عتيق فجزم بأنهم حبش، وهو الصواب.
قال القاضي عياض: وقوله: "قال ابن عتيق" هكذا هو عند شيوخنا، وعند الباجيّ: وقال لي ابن عُمير، قال: وفي نسخة أخرى: "قال لي ابن أبي عتيق"، قال صاحب "المشارق"، و"المطالع": الصحيح ابن عُمير، وهو عُبيد بن عُمير المذكور في السند على الصواب. انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله عنه: وعلى الصواب وقع عند أبي نعيم في "مستخرجه"، حيث قال: "قال عطاء: فُرسٌ، أو حبش؛ قال لي ابن عُمير: بل حبش". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٦٩] (٨٩٣) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ:
стр. 10176
أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ، عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِحِرَابِهِمْ، إِذْ دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَأَهْوَى إِلَى الْحَصْبَاءِ (١) يَحْصِبُهُمْ بِهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعْهُمْ يَا عُمَرُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) عن (٥٨) سنةً تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابد حجة، من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٧١.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﵁ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهما، ثم فصل بينهما؛ لاختلافهما في ذلك، كما تقدّم غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٣ - (ومنها): أن سعيدأ أحد الفقهاء السبعة، وأبا هريرة ﵁ رأس المكثرين السبعة.
٤ - (ومنها): أن هذا الإسناد أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة ﵁.
стр. 10177
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﵁ أنه (قَالَ: بَيْنَمَا) تقدّم الكلام عليها غير مرّة، فلا تنس نصيبك (الْحَبَشَةُ) لغة في الحبش (يَلْعَبُونَ، عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِحِرَابِهِمْ) بكسر الحاء: جمع حربة (إِذْ دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب) ﵁ (فَأَهْوَى) وفي نسخة: "فأهوى بيده"؛ أي: مدّ يده، قال الفيّوميّ ﵀: وأهوى إلى سيفه بالألف: تناوله بيده، وأهوى إلى الشيء بيده: مدّها ليأخذه إذا كان عن قُرْب، فإن كان كان عن بُعد قيل: هَوَى إليه بغير ألف، وأهويت بالشيء بالألف: أومأت به. انتهى (١). (إِلَى الْحَصْبَاءِ) بالمدّ: هي الحصى الصغار (يَحْصِبُهُمْ بِهَا) أي: يرميهم بتلك الحصباء، يقال: حَصَبته حَصْباً، من ضرب، وفي لغة من باب قتل: رميته بالحصباء، وحَصَبْتُ المسجد وغيره: بسطته بالحصباء، وحصّبته بالتشديد مبالغة، فهو مُحَصّبٌ بالفتح (٢).
وإنما حصبهم عمر ﵁؛ لظنّه أن هذا مما لا يليق بحرمة المسجد، وأن النبيّ ﷺ لم يرهم، ولم يعلم بذلك (٣).
وقال ابن التين ﵀: يَحْتَمِل أن يكون عمر ﵁ لم ير رسول الله ﷺ ، ولم يعلم أنه رآهم، أو ظنّ أنه رآهم، واستحيا أن يمنعهم، وهذا أولى؛ لقوله في الحديث: "وهم يلعبون عند رسول الله ﷺ "، قال الحافظ ﵀: وهذا لا يمنع الاحتمال المذكور أوّلاً، وَيحْتَمِل أن يكون إنكاره لهذا شبيه إنكاره على المغنيتين، وكان من شدّته في الدين يُنكر خلاف الأَولى، والجدّ في الجملة أولى من اللعب المباح، وأما النبيّ ﷺ فكان بصدد بيان الجواز. انتهى (٤).
(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعْهُمْ) أي: اتركهم على ما هم عليه من اللعب (يَا عُمَرُ") حيث إنه مباحٌ لهم؛ لكونه عيدًا للمسلمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
стр. 10178
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٢٠٦٩] (٨٩٣)، و (البخاريّ) في "كتاب الجهاد والسير" (٢٩٠١)، و (النسائيّ) في "العيدين" (٥٩٦") و"الكبرى" (١٧٩٩)، و (أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٥٨ و ٥٤٠)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٠٩)، والله تعالى أعلم.
[خاتمة]: في بيان مسألة مهمّة طالما يتساءل الناس عن حكمها، وهي مسألة التهنئة بمناسبة العيد ونحوه.
(اعلم): أن أصل التهمئة ورد في عدّة مناسبات:
(فمنها): ما أخرجه الشيخان من حديث أنس ﵁ قال: أنزلت على النبيّ ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، مَرْجِعه من الحديبية، فقال النبيّ ﷺ : "لقد أُنزِلَت عليَّ آلة أحبّ إليّ مما على وجه الأرض" ثم قرأها عليهم فقالوا: هنيئاً لك يا رسول الله.
(ومنها): ما أخرجه أحمد؛ ومسلم عن أُبي بن كعب ﵁ أن النبيّ ﷺ سأله أيُّ آية في كتاب الله أعظم؟، قال: آية الكرسي، قال: "ليَهْنِكَ العلم أبا المنذر".
(ومنها): ما أخرجه الشيخان عن كعب بن مالك ﵁ في قصة توبته، قال: وانطَلَقْتُ أتأمَّمُ رسول الله ﷺ يتلقاني الناس فوجاً فوجأ، يهنئوني بتويتي، ويقولون: لِيَهْنِكَ توبة الله عليك، حتى دخلت المَسجد، قإذا رسول الله ﷺ حوله الناس، فقام طلحة بن عبيد الله يُهَرْوِلُ حتى صافحني، وهَنّاني، فكان كعب لا ينساها لطلحة، قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال - وهو يَبْرُق وجهه من السرور -: "أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك … " الحديث، وغير ذلك من الأحاديث.
وقد ألّف الإمام السيوطيّ ﵀ رسالة سماها "وصول الأماني بأصول التهاني" اجَمَعَ فيها ما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار، فمن ذلك ما جاء عن جُبَير بن نُفَير أنه قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم
стр. 10179
لبعض: تقبل الله منا ومنكم" حسّنه السيوطي، وحسّنه الحافظ قبله في "الفتح" (١).
ومن ذلك ما أخرجه ابن حبّان في "الثقات" عن عليّ بن ثابت قال: سألت مالكاً عن قول الناس في العيد: تقبل الله مثا ومنك؟ فقال: ما زال الأمر عندنا كذلك.
ومن ذلك ما أخرجه زاهر بن طاهر عن محمد بن زياد الألهانيّ، قال: رأيت أبا أُمامة الباهليّ يقول في العيد لأصحابه: تقبل الله منا ومنكم، حسّنه السيوطيّ.
ومن ذلك ما أخرجه البيهقيّ عن آدم مولى عمر بن عبد العزيز قال: كنا نقول لعمر بن عبد العزيز في العيدين: تقبل الله منا ومنك يا أمير المؤمنين، فيردّ علينا مثله، ولا ينكر ذلك، وغير ذلك من الآثار التي أوردها السيوطيّ في تلك الرسالة.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٤/ ٢٥٣): أما التهنئة يوم العيد يقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد: تقبل الله منا ومنكم، وأحاله الله عليك، ونحو ذلك، فهذا قد رُوِيَ عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه، ورَخص فيه الأئمة، كأحمد وغيره، لكن قال أحمد: أنا لا أبتدئ أحداً، فإن ابتدأني أحد أجبته، وذلك لأن جواب التحية واجب، وأما الابتداء بالتهنئة فليس بسنة مأموراً لها، ولا هو أيضًا مما نُهِي عنه، فمن فعله فله قدوة، ومن تركه فله قدوة، والله أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نُقِلَ عن الإمام أحمد ﵀ حسن جدًّا.
والحاصل أن التهنئة في الأصل مشروعة في مناسبات كثيرة، كما سبقت في الأحاديث الصحيحة المذكورة، وأما بخصوص يوم العيد فلم يُنقل مرفوعاً، وإنما نُقِلَ من آثار الصحابة ﵃ فمن بعدهم، فمن فعله فهم القدوة له، ومن تركه فحجّته عدم ثبوته مرفوعاً، فلا يُنكَر على من تركه، ولا على من فعله؛ لثبوت التهنئة في غير العيد بكثرة، ولفعل الصحابة ﵃ له في العيد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
стр. 10180
٩ - (كِتَابُ صَلاةِ الاسْتِسْقَاء)
" الاستسقاء" لغة طلب سقي الماء من الغير للنفس أو للغير، وشرعاً طلبه من الله تعالى عند حصول الجدب على وجه مخصوص.
قال ابن الأثير ﵀ في "النهاية": هو استفعال من طلب السُّقْيَا؛ أي: إنزال الغيث على البلاد والعباد، يقال: سقى الله عباده الغيثَ وأسقاهم، والاسم السّقْيا - بالضمّ -، واستسقيت فلاناً: إذا طلبت منه أن يسقيك. انتهى.
وقال النووي ﵀ في "المجموع": والاستسقاء طلب السُّقْيَا، ويقال: سَقَى، وأسقى لغتان بمعنى، وقيل: سقى: ناوله ليَشْرَب، وأسقيته: جعلت له سُقْيا. انتهى (١).
(١) - (بَابُ بَيَانِ صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٠] (٨٩٤) - (وَحَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ الْمَازِنِيَّ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب.
стр. 10181
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٥) وهو ابن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "الصلاة" ١٧/ ٩١٦.
٤ - (عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ) بن غَزِيّة الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الحيض" ٢٥/ ٨١٠.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ الْمَازِنِيُّ) هو: عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاريّ المازنيّ، أبو محمد الصحابيّ المشهور، روى صفة الوضوء، وغير ذلك، ويقال: إنه هو الذي قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ الكذّاب، واستُشهِد ﵁ بالحرّة سنة (٦٣) ع) تقدم في "الطهارة" ٧/ ٥٦١.
[تنبيه]: كون عبد الله بن زيد المذكور في هذا السند هو ابن عاصم المازنيّ هو الصواب، كما سيأتي قريباً. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمِ) المازنيّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ ئنَ زَيْدٍ الْمَاَزِنِيَّ) ﵁ (يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى) قال الحافظ ﵀: ولم أقف في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد على سبب ذلك، ولا صفته ﷺ حال الذهاب إلى المصلَّى، ولا على وقت ذهابه، وقد وقع ذلك في حديث عائشة ﵂ عند أبي داود، وابن حبّان، قالت: "شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحط المطر، فأمر بمنبر، فوُضِع له بالمصلَّى، ووَعَدَ الناس يوماً يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر … " الحديث، وفي حديث ابن عباس ﵄ عند أحمد، وأصحاب السنن: "خرج متبذّلاً متواضعاً حتى أتى المصلّى، فرقي المنبر … ".
стр. 10182
وفي حديث أبي الدرداء عند البزار، والطبرانيّ: "قَحَطَ المطرُ، فسألنا نبي الله ﷺ أن يستسقي لنا، فغدا نبي الله ﷺ … " الحديث.
وقد حَكَى ابن المنذر الاختلاف في وقتها، والراجح أنه لا وقت لها معيّنٌ، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، لكنها تخالفه بأنها لا تختصّ بيوم معيّن، وهل تُصنَع بالليل؟ استنبط بعضهم من كونه ﷺ جهر بالقراءة فيها بالنهار أنها نهاريّة كالعيد، هالا فلو كانت تصلى بالليل لأسرّ فيها بالنهار، وجهر بالليل كمطلق النوافل. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاستنباط محل تأمُّل، والله تعالى أعلم.
ونَقَلَ ابن قُدامة ﵀ الإجماع على أنها لا تصلى في وقت الكراهة.
وأفاد ابن حبّان أن خروجه ﷺ إلى المصلى للاستسقاء كان في شهر رمضان سنة ست من الهجرة.
(فَاستَسْقَى) أي: طلب من الله تعالى السُّقيا بتضرّعه ودعائه (وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ) أي: قلبه على جهة التفاؤل بانقلاب الحال من الشدّة إلى السعة، ومن القحط والجدب إلى الخصب والرخاء.
وقال الطيبيّ ﵀: والغرض من التحويل التفاؤل بتحويل الحال؛ يعني: حَوَّلنا أحوالنا رجاء أن يُحَوّل الله تعالى العسر باليسر، والجدب بالخِصْب.
وكيفيّة تحويل الرداء أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساره، وبيده اليسرى الطرف الأسفل أيضاً من جانب يمينه، وَيقْلِب يديه خلف ظهره، بحيث يكون الطرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه الأعلى من جانب اليمين، والطرف المقبوض بيده اليسرى على كتفه الأعلى من جانب اليسار، فإذا فَعَل ذلك، فقد انقلب اليمين يساراً واليسار يميناً، والأعلى أسفل، والأسفل أعلى، وأبو حنيفة لا يرى صلاة الاستسقاء، بل يدعو له، والشافعيّ يصلي كصلاة العيد، ومالك يصلي كسائر الصلوات. انتهى كلام الطيبيّ ﵀ (١)، وهو بحث نفيسٌ، وسيأتي تمام البحث في اختلاف الأئمة في صلاة الاستسقاء في المسألة الرابعة - إن شاء اللُّه تعالى -.
стр. 10183
[فائدة]: ذكر الواقديّ أن طول ردائه ﷺ كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما في الجمعة والعيدين، ووقع في "شرح الأحكام لابن بزيزة" ذرع الرداء كالذي ذكره الواقديّ في ذرع الإزار، والأول أولى، قاله في "الفتح".
(حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) زاد في الروايات التالية: "وصلّى ركعتين"، وفي رواية يحيى بن سعيد عند ابن خزيمة: "وصلى للناس ركعتين"، وفي رواية الزهريّ عند البخاريّ: "ثم صلى لنا ركعتين".
واستدلّ به على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة، وسيأتي البحث عنه قريباً - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن زيد ﵁ هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٠٧٠ و ٢٠٧١ و ٢٠٧٢ و ٢٠٧٣] (٨٩٤)، و (البخاريّ) في "الاستسقاء" (١٠٠٥ و ١٠١٢ و ١٠٢٣ و ١٠٢٤ و ١٠٢٥ و ١٠٢٦ و ١٠٢٧)، و (أبو داود) في "الصلاة" (١١٦١ و ١١٦٢ و ١١٦٣ و ١١٦٧)، و (الترمذيّ) في "الصلاة" (٥٥٦)، و (النسائيّ) في "الاستسقاء" (٣/ ١٥٥ و ١٥٦ و ١٥٧)، و (ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٦٧)، و (مالك) في "الموطأ" (١٣٥)، و (الحميديّ) في "مسنده" (٤١٥ و ٤١٦)، و (أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٨ و ٣٩ و ٤٠ و ٤١ و ٤٢)، و (الدارميّ) في "سننه" (١/ ٤٣٢)، و (ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٠٦ و ١٤٠٧ و ١٤١٠ و ١٤١٥ و ١٤١٤ و ١٤٢٠ و ١٤٢٤)، و (أبو عوانة) في "مسنده) (٢٤٧٢)، و (أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب خروج الإمام إلى المصلى للاستسقاء.
٢ - (ومنها): بيان استحباب استقبال القبلة في حال الدعاء.
стр. 10184
٣ - (ومنها): استحباب قلب الرداء، تفاؤلاً في قلب الحال من الجدب إلى الرخاء والخصب.
٤ - (ومنها): استحباب صلاة ركعتين للاستسقاء، وقد خالف فيه الإمام أبو حنيفة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة الاستسقاء:
قال النوويّ ﵀: أجمع العلماء على أن الاستسقاء سنةٌ، واختلفوا هل تُسَنّ له صلاة أم لا؟:
فقال أبو حنيفة: لا تسنّ له صلاةٌ، بل يُستسقَى بالدعاء بلا صلاة، وقال سائر العلماء، من السلف والخلف: الصحابة، والتابعون، فمن بعدهم: تسنّ الصلاة، ولم يخالف فيه إلا أبو حنيفة، وتَعَلَّق بأحاديث الاستسقاء التي ليس فيها صلاة.
واحتجّ الجمهور بالأحاديث الثابتة في "الصحيحين" وغيرهما أن رسول الله ﷺ صلى للاستسقاء ركعتين، وأما الأحاديث التي ليس فيها ذكر الصلاة، فبعضها محمول على نسيان الراوي، وبعضها كان في الخطبة للجمعة، ويتعقبه الصلاة للجمعة فاكتَفَى بها، ولو لم يصلِّ أصلاً كان بياناً لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة، ولا خلاف في جوازه، وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمةً؛ لأنها زيادة علم، ولا معارضة بينهما.
قال أصحابنا: الاستسقاء ثلاثة أنواع: أحدها: الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة.
الثاني: الاستسقاء في خطبة الجمعة، أو في إثر صلاة مفروضة، وهو أفضل من النوع الذي قبله.
والثالث، وهو أكملها: أن يكون بصلاة ركعتين وخطبتين، ويتأهب قبله بصدقة، وصيام، وتوبة، وإقبال على الخير، ومجانبة الشرّ، ونحو ذلك من طاعة الله تعالى. انتهى (١).
وقال القرطبيّ ﵀: حديث عبد الله بن زيد ﵁ يقتضي أن سنّة
стр. 10185
الاستسقاء الخروج إلى المصلَّى، والخطبة، والصلاة، وبذلك قال جمهور العلماء، وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس من سنّته صلاةٌ، ولا خروجٌ، وإنما هو دعاءٌ لا غير، وهذا الحديث وما في معناه يردّ عليه، ولا حجّة لأبي حنيفة في حديث أنس ﵁؛ إذ فيه أن النبيّ ﷺ دعا من غير صلاة، ولا غيرها؛ لأن ذلك كان دعاءً عُجِّلت إجابته، فاكتَفَى به عمّا سواه، ولم يقصد بذلك بيان سنّة الاستسقاء، ولَمّا قصد البيان بيّن بفعله، كما في حديث عبد الله بن زيد. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ هو ما عليه الجمهور من استحباب صلاة ركعتين للاستسقاء؛ لثبوت الأحاديث في "الصحيحين" وغيرهما بذلك، والذين ادّعوا عدم الاستحباب ليس عندهم دليلٌ، يعارض أدلّة المثبتين، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تقديم خطبة الاستسقاء على الصلاة، أو العكس: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في هذا الباب، فروينا عن ابن الزبير أنه خرج يستسقي بالناس، فخطب، ثم صلى بغير أذان، ولا إقامة، وفي الناس يومئذ البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، قال: وروينا أن عمر بن عبد العزيز استسقى على المنبر، ثم نزل، فصلى، وروينا عن عبد الله بن يزيد أنه صلى، ثم استسقى، قال أبو إسحاق الراوي لهذا الحديث: فمشيت يومئذ إلى جنب زيد بن أرقم.
وقال مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن: يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه خطب قبل الصلاة.
وقال ابن المنذر ﵀: يخطب قبل الصلاة. انتهى.
وقال القرطبيّ ﵀ في "المفهم": وظاهر الحديث أن الخطبة مقدمة على الصلاة؛ لأنه جاء فيه بـ "ثم" التي للترتيب والْمُهْلة، وبذلك قال مالك في أول قوليه، وهو قول كثير من الصحابة والتابعين، والجمهور على أن الصلاة مقدمة
стр. 10186
على الخطبة، وإليه رجع مالك، وهو قوله في "الموطأ"، وكان مستند هذا القول رواية من روى هذا الخبر بالواو غير المرتبة بدل "ثم"، وما روي عن إسحاق بن عيسى بن الطباع، عن مالك: أنه ﷺ بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وهذا نصّ، وَيعْتَضِد هذا بقياس هذه الصلاة على صلاة العيدين، لسبب أنهما يخرج لهما، ولهما خطبة. انتهى.
وقال العلامة الشوكانيّ ﵀: وقد اختَلَفت الأحاديث في تقديم الخطبة على الصلاة، أو العكس، ففي حديث أبي هريرة، وحديث أنس، وحديث عبد الله بن زيد عند أحمد أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وفي حديث عبد الله بن زيد في "الصحيحين" وغيرهما، وكذا حديث ابن عباس عند أبي داود، وحديث عائشة المتقدم أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة، ولكنه لم يصرّح في حديث عبد الله بن زيد الذي في "الصحيحين" أنه خطب، وإنما ذكر تحويل الظهر لمشابهتها للعيد، وكذا قال القرطبي: يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها للعيد، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة.
قال في "الفتح": ويمكن الجمع بين ما اختَلَف من الروايات في ذلك أنه ﷺ بدأ بالدعاء، ثم صلى ركعتين، ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على شيء، وعبّر بعضهم بالدعاء عن الخطبة، فلذلك وقع الاختلاف.
والمرجح عند الشافعية، والمالكية البدء بالصلاة، وعن أحمد رواية كذلك، قال النووي: وبه قال الجماهير، وقال الليث: بعد الخطبة، وكان مالك يقول به، ثم رجع إلى قول الجماهير، قال: وقال بعض أصحابنا: ولو قدّم الخطبة على الصلاة صحّتا، ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها، وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير، واختلفت الرواية في ذلك عن الصحابة. انتهى. قال الشوكانيّ ﵀: وجواز التقديم والتأخير بلا أولوية هو الحقّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ ﵀ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم هل يكبّر في الاستسقاء كالعيد أم لا؟:
стр. 10187
قال النوويّ ﵀: اختَلَفوا هل يكبر تكبيرات زائدة في أول صلاة الاستسقاء، كما يكبر في صلاة العيد؟، فقال به الشافعيّ، وابن جرير، ورُوي عن ابن المسيِّب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، وقال الجمهور: لا يكبر، واحتجُّوا للشافعي بأنه جاء في بعض الأحاديث: صلى ركعتين كما يصلي في العيد، وتأوله الجمهور على أن المراد كصلاة العيد في العدد والجهر والقراءة، وفي كونها قبل الخطبة، واختَلَفت الرواية عن أحمد في ذلك، وخَيَّره داود بين التكبير وتركه، ولم يذكر في رواية مسلم الجهر بالقراءة، وذكره البخاريّ، وأجمعوا على استحبابه، وأجمعوا أنه لا يؤذَّن لها، ولا يقام، لكن يُستحبّ أن يقال: الصلاة جامعة. انتهى كلام النوويّ ﵀ (١).
وقال القرطبيّ ﵀: ولم يُذكر في حديث عبد الله بن زيد ﵁ هذا أنها يُكبّر لها كما يُكبّر في العيد، ولذلك لم يَصِر إليه أكثر العلماء، مالك وغيره، وقد قال بالتكبير فيها جماعة، منهم ابن المسيِّب، وعمر بن عبد العزيز، والشافعيّ، والطبريّ، وحجتهم حديث ابن عبّاس ﵄ الذي أخرجه أبو داود، قال فيه: خرج رسول الله ﷺ متذلّلاً، متواضعاً، متضرّعاً، حتى أتى المصلَّى، فرقي المنبر، ولم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء، والتضرّع، والتكبير، ثم صلّى ركعتين، كما يصلي في العيد (٢).
قال: وهذا لا ينتهض حجة، فانه يصدق على التشبيه، وإن كان من بعض الوجوه، ولا يلزم التشبيه من كلّ الوجوه، إلا في شبيه ومثيل للمبالغة التي فيه، فان العرب تقول: زيدٌ كالأسد، وكالبحر، وكالشمس، تريد بذلك أنه يُشبهه في وجه من الوجوه، على أن هذا الحديث قد رواه الدارقطنيّ، وقال فيه: صلى ركعتين، كبَّر في الأولى بسبع تكبيرات، وقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، وقرأ في الثانية ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، وكبّر خمس تكبيرات، وهذا نصّ غير أن هذا الطريق في إسناده محمد بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ضعيف الحديث، ذكره ابن أبي حاتم.
стр. 10188
قال: ولا خلاف في أنه يجهر فيهما بالقراءة، وقد ذكره البخاريّ، ويُخْطَب فيهما خطبتان، يجلس في أولاهما ووسطهما، وهو قول مالك، والشافعيّ، وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وعبد الرحمن بن مهديّ: يخطب خطبة واحدةً، لا جلوس فيها، وخيّره الطبريّ. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وهذا لا ينتهض حجة … إلخ" فيه نظر لا يخفى، كيف لا ينتهض ما دلّ عليه ظاهر التشبيه، فما الذي أدّاه إلى هذه الدعوى، فهل هناك دليلٌ صريح يدلّ على عدم التكبيرات في صلاة الاستسقاء؟، فالظاهر أن كون صلاة الاستسقاء مثل صلاة العيد في تكبيراتها هو الأقرب.
والحاصل أن ما ذهب إليه القائلون بذلك هو الأرجح، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في مشروعية تحويل الرداء: قال الإمام ابن المنذر ﵀: وقد اختلفوا في تحويل الرداء، فكان مالك يقول: إذا فرغ من الصلاة في الاستسقاء خطب الناس قائماً يدعو في خطبته، مستقبل الناس، وظهره إلى القبلة، والناس مستقبلوه، فإذا استقبل القبلة حوّل رداءه، وجعل ما على يمينه على شماله، وما على شماله على يمينه، ودعا قائماً، واستقبل الناسُ جميعاً القبلةَ كما استقبلها الإمام قعوداً، وحوّلوا أرديتهم جميعاً كما حوّل الإمام، فإذا فرغ مما يريد من الدعاء استقبل الناس بوجهه، ثم انصرف.
وممن كان يرى أن يجعل اليمين الشمالَ، والشمالَ اليمينَ أحمدُ بن حنبل، وأبو ثور، وحُكي ذلك عن ابن عيينة، وعبد الرحمن بن مهديّ، وإسحاق ابن راهويه، وكان الشافعي يقول بذلك إذ هو بالعراق، ثم رجع عنه.
وفيه قول ثان، قاله الشافعي آخر قوليه، قال: آمر الإمام أن ينكّس رداءه، فيجعل أعلاه أسفله، ويزيد مع نكسه، فيجعل شقه الذي كان على منكبه
стр. 10189
الأيمن على منكبه الأيسر، والذي على منكبه الأيسر على منكبه الأيمن، فيكون جاء بما أراد رسول الله ﷺ من نكسه، وبما فعل من تحويل الرداء.
وفيه قول ثالث: قاله محمد بن الحسن، قال: ويقلب الإمام رداءه كله، وقلبه أن يجعل جانب الأيسر على الأيمن، والأيمن على الأيسر، وإنما يتبع في هذا السنة والآثار المعروفة، وليس ذلك على من خلف الإمام. قال أبو الزناد: كان عمر بن عبد العزيز يحوّل رداءه في الاستسقاء، قال: ولم يكن الناس يحوّلون أرديتهم. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ ما ذهب إليه الجمهور من استحباب تحويل الرداء؛ لوضوح أدلته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): أنه اختُلِفَ في حكمة التحويل، فجزم المهلب أنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه، وتعقبه ابن العربي بأن من شرط الفأل أن لا يُقصد إليه، قال: وإنما التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له: حوّل رداءك لتحوّل حالك.
قال الحافظ: وتُعُقِّب بأن الذي جزم به يحتاج إلى نقل، والذي ردّه وَرَدَ فيه حديثٌ رجاله ثقات، أخرجه الدارقطنيّ، والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن عليّ، عن أبيه، عن جابر ﵁، ورجّح الدارقطنيّ إرساله، وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظنّ.
وقال بعضهم: إنما حوَّل رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في الدعاء، فلا يكون سنة في كلّ حال.
وأجيب بأن التحويل من جهة إلى جهة لا يقتضي الثبوت على العاتق، فالحمل على المعنى الأول أولى، فإن الاتّباع أولى من تركه لمجرّد احتمال الخصوص، والله تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح مشروعية التحويل، وأنه
стр. 10190
للتفاؤل؛ لحديث جابر ﵁ المذكور، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧١] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحافظ الفقيه الحجة الثبت المشهور، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٢] ( … ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ زيدٍ الْأَنَصَارِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي، وَأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ القاضي، أبو سعيد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو) الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ القاضي،